الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دراسات تربوية
المفهوم الصحيح للعبادة ومظاهر انحرافه وضعفه
بقلم: عبد العزيز بن ناصر الجليل
يواصل الأخ الكاتب وفقه الله وقفاته الإيمانية التربوية عند بعض الآيات
القرآنية في دراساته (وقفات تربوية في ضوء القرآن الكريم) ، وهذه وقفته العاشرة
عند آية [إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ] حيث تطرق لمعاني هذه الآية الكريمة وما
ورد فيها من أحاديث، مع لمحات علمية وتوجيهات دعوية، سنختار بعضاً منها؛
لما انطوت عليه من دراسة وتحقيق وإيضاح لمفاهيم انحرف معناها في حس الكثير
من المسلمين.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... - البيان -
…
ما العبادة؟
اختلفت أقوال العلماء في مفهوم العبادة وتعريفها، وهذا الاختلاف هو من
اختلاف التنوع لا التضاد، أي: إن هذه التعريفات يكمل بعضها بعضاً، والإلمام
بكل هذه الأقوال ينتج عنه المفهوم الصحيح للعبادة، ومن هذه الأقوال:
قول ابن القيم (رحمه الله تعالى) :
(أصل العبادة: محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله،
فلا يحب معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته
وأولياءه، فمحبتنا لهم من تمام محبته، وليست محبة معه، كمحبة من يتخذ من
دون الله أنداداً يحبونهم كحبه، وإذا كانت المحبة له حقيقة عبوديته وسرها: فهي
إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه) [1] .
وقوله في موطن آخر:
(العبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع)[2] .
ويعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله تعالى) فيقول: (العبادة: اسم
جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) [3] .
وعلى ضوء ذلك: لا يكون العبد متحققاً بوصف العبودية إلا بأصلين عظيمين:
1-
الإخلاص لله (جل وعلا) .
2-
متابعة الرسول.
ومما سبق بيانه من النقولات وغيرها يتضح لنا جليّاً معنى العبادة الحقة التي
أمرنا الله عز وجل أن نتعبد له بها، ويمكن تلخيص هذا المعنى العظيم وتلك
الحقيقة الضخمة فيما يلي:
* العبادة الحقة تعني تمام المحبة مع تمام الخضوع والتذلل لله عز وجل
الذي يعني طاعته (سبحانه) والانقياد لأمره، ومحبة ما يحب، وبغض ما يكره،
واتباع رسوله -صلى الله علييه وسلم- فيما أمر ونهى وما سن وما شرع، من غير
زيادة ولا نقصان؛ وإلا.. فما قيمة محبة وخضوع لايثمران طاعة واتباعاً وقبولاً
والتزاماً؟
* العبادة الحقة تفرض على العبد أن يكون في كل أوقاته وتحركاته وسكناته
مصبوغاً بصبغة العبودية، لا يخرج عنها في أي لحظة من اللحظات.
* ومن صرف شيئاً من العبادة لغير الله (تعالى) فهو مشرك تجب البراءة منه
ومن شركه، ولا تصح العبادة إلا بهذه البراءة.
بعض مظاهر الضعف والانحراف في مفهوم العبادة وتطبيقها:
بعد أن اتضح لنا مفهوم العبادة الحقة كما عرضناها من فهم العلماء الربانيين
للكتاب والسنة: فلابد بعد ذلك من عرض هذه المفاهيم العظيمة والحقائق الضخمة
على واقعنا نحن المسلمين في هذه الأزمنة المتأخرة، وهل هذا الفهم الصحيح للعبادة
هو السائد اليوم بين المسلمين؟ أم أن هذا الفهم قد اعتراه من الضعف والانحراف
الشيء الكثير؟
إن المتأمل في حال المسلمين الأليم، والغربة التي يعيشها أهل الإسلام اليوم:
ليجد كثيراً من المفاهيم العقدية قد انحرفت عند كثير من عامة المسلمين إلا من رحم
الله عز وجل ، فهناك انحراف في معنى التوحيد والعبادة، وانحراف في عقيدة
اليوم الآخر، وانحراف في عقيدة القضاء والقدر، وانحراف.. وانحراف.. ولقد
ساهم في هذه الانحرافات غزو أعداء المسلمين لديار المسلمين بثقافاتهم الكافرة
وأفكارهم المنحرفة، وقابل هذا الغزو من الأفكار جهلٌ عند كثير من الأجيال
المسلمة بدينها وعقيدتها، وعجز عند أكثر علماء الأمة عن تعليم الناس والوقوف
في وجه هذا الغزو، (فوافق الغزو قلباً خالياً فتمكنا) .
من هنا سيتوجه التركيز على بعض مظاهر الانحراف والضعف في مفهوم
العبادة، فمن ذلك ما يلي:
1-
الانحراف في تطبيق شرطي العبادة:
من مظاهر الانحراف في العبادة فهماً وتطبيقاً ما هو منتشر بين أهل البدع
والخرافة في القديم والحديث من ترك لأحد شرطي العبادة أو كليهما واللذين لا تصح
العبادة إلا بهما، ألا وهما: الإخلاص والمتابعة
…
المراد هنا: إيضاح الانحراف
الذي يترتب على ترك هذين الشرطين أو أحدهما؛ فترك الإخلاص في العبادة نتج
عنه صرف العبادة التي هي لله وحده إلى غيره من الخلق ولو كانوا أنبياء أو ملائكة
أو أولياء وهذا صرف للعبادة عن مستحقها، وحجتهم الداحضة عند ربهم: أنهم
يؤمنون بأن الله الخالق الرازق بيده الضر والنفع، ولكنهم يتوسلون بالصالحين
ليقربوهم إلى الله زلفى؛ وهذا هو الشرك الأكبر الذي من أجله أنزلت الكتب
وأرسلت الرسل، فترى هؤلاء يصرفون العبادة بأنواعها المختلفة من ذبح، ونذر،
وخوف، ورغبة
…
وغير ذلك من أصناف العبادة إلى غير الله عز وجل ، وهذا
من أشد مظاهر الانحراف في العبادة؛ لأنه شرك أكبر يضاد الإخلاص لله (عز
وجل) ، الذي هو شرط من شروط كلمة التوحيد وقبول العبادة.. ومحل الكلام عن
هذا الشرك وأنواعه مبسوط في كتب التوحيد والعقائد [4] .
أما ترك الشرط الثاني لصحة العبادة (وهو المتابعة) فينتج عنه انحرافات
كثيرة في العبادة وتطبيقاتها، حيث ظهرت ألوان وصور من العبادات التي لم يأذن
بها الله عز وجل ، ولم يشرعها الرسول لأمته، وبخاصة بين المتصوفة الذين
يعطون لمشائخهم حق التشريع، وبعتبرون أقوالهم وأفعالهم مصدراً من مصادر
الاستدلال، فظهرت بذلك هيئات وصور متعددة للعبادة والأوراد والأذكار، كلها
مبتدعة، سواء أكان ذلك في كيفيتها، أو كمها، أو هيئتها، أو طريقة أدائها، أو
زمانها، أو مكانها، وهذه كلها مردودة على أصحابها، لأنها تشريع لم يأذن به الله، قال (تعالى) : [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاًذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ
الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [الشورى: 21]، ولقوله: (من
عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) [5] .
2-
الانحراف في مفهوم العبادة:
وهو النظر إلى العبادة على أنها أداء للشعائر التعبدية من: صلاة، وصيام،
وحج، وذبح، وقراءة قرآن
…
فحسب، وأن ما سوى ذلك من معاملات،
وأخلاقيات، ومباحات.. وغيرها، كل ذلك لايدخل في العبادة.
نعم إن هذا المفهوم هو السائد عند بعض المسلمين، سواء أقالوه بلسان مقالهم
أم بلسان حالهم وأعمالهم، ولا أدل على ذلك من أننا قد نجد ذاك العبد المصلي،
الصائم، القارئ للقرآن، بعد فراغه من هذه الشعائر التعبدية لا يتورع أن يغشّ،
أو يرابي، أو يظلم، أو يملأ بيته من آلات اللهو ووسائل الإفساد ما الله به عليم،
وكذلك قد نرى المرأة المصلية الصائمة لا تتورع عن التصرف في نفسها بما يخالف
الشرع، من سفور، أو زينة محرمة، أو اختلاط.. أو غيره. وإذا نصح مثل
هؤلاء الناس، قالوا: إنهم من المصلين العابدين، وقد انتهى وقت العبادة! وهكذا
تنحرف الغايات، وتنشأ اللوثات، وتفسد النيات، وذلك كمن يفصل أمر تعليمه
وتعليم أولاده عن غاية العبادة لله عز وجل ، ويربط ذلك بالشهادة والمال والوظيفة، بل يستخدم أي وسيلة توصله إلى ذلك.
إن العبادة بهذا المفهوم المنحرف تجعل المسلم في انفصال وانفصام بين حياته
في مسجده وخارج مسجده، لأنه لو كان مفهوم العبادة التي يريدها الله عز وجل
كما فهمها هذا الصنف من الناس لكانت عبثاً، ولبقي أكثر الأوقات غير معمور
بعبادة الله عز وجل ، وهذا لا يرضاه الباري (جل وعلا) ؛ ذلك لأن أوقات
الصلوات لا تتعدى ساعتين أو ثلاث في اليوم والليلة، فماذا يكون شأن الساعات
الباقية؟ هل تنفق في غير عبادة؟ ! كلا.. فإن الله (سبحانه) لا يرضى لعباده هذه
الحال.
إذن: فالواجب على كل مسلم أن يعلم أنه ما خلق إلا للعبادة، وأن وقته يجب
أن يكون في عبادة؛ سواء ما كان منه في الشعائر التعبدية، أو ما كان منه في
المعاملات، أو ما كان منه في المباحات، كل ذلك يجب أن يمارسه العبد وشعور
العبادة لله عز وجل يصاحبه، فيراقب ربه في كل أعماله، وينوي بها التقرب
إليه عز وجل والاستعانة بها على طاعته.
إن هذا الشعور وهذه النية تجعل العبد في كل أعماله حتى في مباحاته ولذاته
عبداً لله، مسلماً وجهه لربه عز وجل [6] ، [قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ]
[الأنعام: 162، 163] .
3-
الانحراف في التطبيق:
وقد ترتب على ذلك الانحراف في مفهوم العبادة انحراف آخر في تطبيق
العبادة، فحتى الشعائر التعبدية التي حُصرت العبادة فيها بحسب، هي الأخرى نالها
ما نالها من الضعف والميل بها عن حقيقتها وغايتها، وهذه نتيجة متوقعة وبدهية
معروفة؛ فالانحراف في الفهم لابد أن ينتج عنه انحراف في التطبيق، ويوضح
الأستاذ محمد قطب (وفقه الله) هذا الانحراف، فيقول:
(حين صار المطلوب كله هو أداء الشعيرة، وانحصرت (العبادة) كلها في
هذا الأمر، كان حريّاً بهذا اللون من العبادة أن ينحسر أكثر فأكثر، حتى يصبح
المطلوب هو أداء الشعيرة بأي صورة كانت.. ولو كان أداءً آليا بغير روح، أو
أداء تقليديّاً يحركه الحرص على التقاليد أكثر مما يحركه الدافع إلى عبادة الله.
وتلك هي الصورة التي انتهت إليها العبادة في الجيل الذي شهد الانهيار) .
4-
الانحراف في مصدر التلقي:
ترتب على الانحراف السابق في مفهوم العبادة انحراف أشد خطراً وأسوأ أثراً، حيث كان الانحراف السابق ذكره منحصراً على مستوى الفرد، بينما هذا
الانحراف الذي نحن بصدده يتمثل في النظم التي تحكم في أكثر بلدان المسلمين
اليوم، والتي يسعى أربابها إلى عزل الدين عن الحياة وتوجيهها وتنظيمها،
وحصره بين جدران المسجد وأداء الشعائر التعبدية، ولسان مقالهم أو حالهم يردد
تلك المقولة الجاهلية، والتي قالها أصحاب مدين لنبيهم شعيب (عليه الصلاة
والسلام) ويقولها العلمانيون في زماننا:
ما للدين وحجاب المرأة وعملها؟ ما للدين والسياسة وموالاة الكفار ومحبتهم؟ ما للدين والاقتصاد؟ ما للدين والإعلام والتعليم؟
…
!! إلخ، الدين: أن تعبد الله في المسجد، وتقرأ القرآن، وتذكر الله
…
هكذا يزعمون! ! أما الحياة فلها نظمها التي تتناسب مع تطورها.. إلى آخر هذا الهذيان والانحراف والفجور.
إن هذا الفهم الأعوج هو ما قاله أهل مدين لنبيهم شعيب بعد أن دعاهم إلى
التوحيد وترك البخس والنقص في المكيال والميزان، قال الله عز وجل : [قَالُوا
يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَاًمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إنَّكَ
لأَنتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ] [هود: 87] . إنهم يقولون: يا شعيب: ما دخل عبادتك
وصلاتك في حياتنا الاقتصادية، وفي اتباعنا لآبائنا وطاعتهم فيما كانوا يعبدون..
سبحان الله! ما أشبه قلوبهم بقلوب الجاهلين في زماننا هذا، وما أشبه مقولتهم
بمقولة العلمانيين المنافقين [7] .
والحاصل مما سبق: إذا حصرت العبادة في الشعائر التعبدية فحسب، فما
معنى قوله (تعالى) : [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ] [التوبة:
31] ، وما معنى قوله (تعالى) :[وَإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ][الأنعام: 121] ، وقد علق العلامة الشنقيطي رحمه الله على هذه الآية، فيقول:
(فهي فتوى سماوية من الخالق (جل وعلا) صرح فيها بأن متبع الشيطان
المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله) [8] .
إذن: فإن من أخص خصائص العبادة: الطاعة، والاتباع، والخضوع،
والانقياد، فكما أن العبادة تأتي بمعنى الدعاء والنسك، فهي تأتي أيضاً بمعنى
الطاعة والاتباع، ولكن الجاهلين أو المتجاهلين يريدون حصرها فقط في الشعائر
التعبدية والعبادات الخاصة، ثم لا دخل بعد ذلك للعبادة في شؤون الحياة وتسيير
دفتها.
وإن الذين يرون هذا الفصل المشين والفصام النكد بين الدين والحياة على
قسمين:
* إما أن يكونوا جهلة بحقيقة الدين وحقيقة العبادة في الإسلام، إذ لم يكن لهم
حظ من العلم الشرعي ينير بصائرهم، وإنما غاية ما عندهم ثقافات مشوهة من
الغرب أوالشرق تسربت إلى قلوبهم على حين غفلة وخواء، فتمكنت منها، وهؤلاء
وأمثالهم من الذين انحرفوا بمفهوم العبادة عن معناها الصحيح بسبب جهلهم، وقد
نرى بعضهم من المصلين، الصائمين، التالين للقرآن الكريم!
وعلاج هذا الصنف من الناس يكون بالعلم الشرعي، والرفق بهم حتى يفقهوا
هذا الدين بمعناه الصحيح.
* والأخطر من أولئك هم الذين يفهمون حقيقة العبادة وحقيقة دين الإسلام،
ولكنهم يستكبرون عن الانقياد لهذا الفهم، وينطلقون بخبث وغرض سيء لإثارة
الشبهات، وصرف المسلمين عن دينهم، وتشويه هذه المفاهيم في نفوسهم، وهؤلاء
إن صلوا أو قاموا ببعض الشعائر فهو نفاق وزندقة. والحذر من هؤلاء يجب أن
يكون على أشده، كما أن فضح أفكارهم وخططهم هو المتعين، فهم من المنافقين
الذين جاء الأمر الإلهي بمجاهدتهم، قال (تعالى) : [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ
وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاًوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] [التحريم: 9] .
5-
الانحراف في المفهوم والتطبيق:
ومن مظاهر الانحراف في مفهوم العبادة وتطبيقها ما عرف عن بعض غلاة
المتصوفة وزنادقتهم من أن أداء العبادات والطاعات مرتبط بحصول اليقين المطلق
هكذا زعموا فإذا وصل العبد إلى هذا المستوى سقط عنه التكليف ولم يعد في حاجة
إلى العبادة التي هي من منازل العامة! ، أما الخاصة، ومن يسمونهم بالأبدال
والأقطاب: فقد بلغوا درجة اليقين التي ترفع عنهم التكاليف والعبادات (نعوذ بالله
من هذه الحال) ، ونبرأ إلى الله عز وجل من أهل الزندقة والإلحاد [9] .
هذا
…
ومن شطحات الصوفية في مفهوم العبادة أيضاً: المقالة المشهورة عن
بعضهم من أنهم (لا يعبدون الله خوفاً من ناره، ولاطمعاً في جنته، وإنما حبّاً له
وشوقاً إليه) .
وواضح ما في هذا الكلام من تكلف وانحراف عن طريق الأنبياء (عليهم
الصلاة والسلام) ، وسؤالهم الله عز وجل جنته وتعوذهم به من النار، يقول شيخ
الإسلام (رحمه الله تعالى) في معرض رده على هذه المقالة:
(كان أفضل الخلق يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، ولما سأل بعض
أصحابه عما يقول في صلاته، قال: إني أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار، أما
إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال:(حولها ندندن)[10][11] .
وقال من قال من السلف: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده
بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري (أي خارجي) ؛
ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد) .
إذن: فالعبادة الحقة هي التي تجمع بين المحبة والخوف والرجاء والذلة
والخضوع، كماسبق ذلك في تعريف العبادة وحقيقتها.
(1) مدارج السالكين، لابن القيم، 1/91.
(2)
مدارج السالكين، لابن القيم، 1/77.
(3)
العبودية لابن تيمية، ص4، ت: بشير عيون.
(4)
مثل: كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، وشروحه المعروفة، ومن أشهرها:(فتح المجيد) و (تيسير العزيز الحميد) .
(5)
رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها (، ك/ الصلح، ح/ 2697، ومسلم، ك/ الأقضية، ح/ 1343.
(6)
وقد تحدث الأستاذ محمد قطب حول هذا الموضوع حديثا مستفيضاً وفق فيه، عند حديثه عن مفهوم العبادة، انظر كتابه (مفاهيم ينبغي أن تصحح) .
(7)
تحدث الأستاذ سيد قطب عن قوله (تعالى) : [أَصَلاتُكَ تَاًمُرُكَ] الآية حديثاً قيماً، فضح فيه منطلقات العلمانيين من الدين وتعاليمه ومحاولاتهم الدائبة لفصل الدين عن الحياة بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان، انظر الظلال (آية 87 من سورة هود) .
(8)
أضواء البيان، 7/170.
(9)
وقد فضح الإمام ابن القيم هؤلاء المتصوفة الزنادقة في (مدارج السالكين) ، 1/103، 104.
(10)
ابن ماجة في الإقامة (910) ، والدعاء (3847) ، وأبو داود في الصلاة (792) ، وفي صحيح ابن ماجة (748) .
(11)
تفسير [لا إلَهَ إلَاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ][الأنبياء: 87] لابن تيمية، تحقيق: عبد العلي حامد، ص13.
رسائل جامعية
الانحرافات العقدية والعلمية
في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين
وآثارها في حياة الأمة
عرض: خالد أبو الفتوح
الأمة الواعية هي التي تراجع نفسها من حين لآخر، تتأمل ماضيها بعين
البصير، وتنقد حاضرها بعين الرقيب، وتستشرف مستقبلها بعين الناصح الأمين.
والعلماء (ورثة الأنبياء) يضطلعون بالدور الأكبر في هذه المراجعة، دور
الطبيب الحاذق الخبير، الذي يتفحص الأعراض والظواهر؛ ليقف على حقيقة
العلة والداء، ثم يصف بناءً على ذلك مسترشداً بالنور وشفاء الصدور علاج هذا
الداء وطريقة استئصاله، ليعمل أهل الخير وطائفة الحق منطلقين من أرضية ثابتة، معلومة الأبعاد لتصحيح ما فسد، وإقامة ما اعوج.
والرسالة التي نحن بصددها هي من هذا النوع المُعِين على الوقوف على حال
الأمة وواقعها بعد عهود من انفراج خط الانحراف، حتى وصل إلى مرحلة يصعب
فيها إلا على من وفقه الله عز وجل إبصار الصراط المستقيم، وسط تشويش
الداعين إلى أبواب الضلال.
وهذه الرسالة من الأهمية بمكان في هذا المجال، حتى قال عنها مقدمها
والمشرف عليها الشيخ محمد قطب (وفقه الله) في تقدير بالغ ممزوج بتواضع جم:
(.. ولكني أشهد أن رؤيتي لهذه القضية كانت رؤية الخطوط العريضة فحسب، أما
الباحث: فقد حاول وبنجاح أن يقرأ الخطوط الدقيقة، وقد فوجئت وأنا الذي وجهته
ووجهت طلابي إلى هذه النقطة بأن واقع الأمة الذي أحدثهم عنه كان أسوأ بكثير مما
حدثتهم عنه، وأسوأ بكثير مما كنت أعرف منه..) .
(ولقد وضع يده على أخبار وحوادث لم أكن على علم بها، وهذه شهادة مني
له، شهادة تقدير للعمل الذي قام به) .
وموضوع الرسالة: (الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر
والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة) [*] .
وهي رسالة علمية تقدم بها مؤلفها الباحث (علي بن بخيت الزهراني) إلى قسم
الدراسات العليا الشرعية، فرع العقيدة، بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ونال
عنها درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية فرع العقيدة، بتقدير ممتاز، مع
التوصية بطبع الرسالة وتبادلها، وخرجت الرسالة بعد طبعها فيما يزيد عن ألف
صفحة، من القطع العادي (17سم) .
وقد قسم الباحث أطروحته التي أمضى خمس سنوات لإتمامها إلى:
مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة:
اشتملت المقدمة على بيان الموضوع، وأهميته، والأسباب التي دعت إلى
اختياره، وبعض ما اعترضه من عقبات، وعرض خطة البحث.
أما التمهيد: فتناول فيه باختصار: أحوال الأمة الإسلامية قبل القرنين محل
الدراسة، وركز فيه على أهمية العقيدة في حياة الأمة، مع بيان حال الصدر الأول
من الصحابة، وأثر العقيدة فيهم، ثم عرّج على ظهور الفِرَق وبذور الانحرافات
قبل القرنين المقصودين بالدراسة.
وكان موضوع الباب الأول: الأحوال العقدية والعلمية عند المسلمين في
القرنين الماضيين، ويعتبر هذا الباب عمدة الرسالة وأساسها، وقد حوى تسعة
فصول:
ناقش في الأول: انحصار مفهوم العبادة، والآثار السيئة التي ترتبت على
ظن كثير من الناس أن العبادة هي مجرد أداء الشعائر التعبدية فقط.
وعرض في الثاني: الفكر الإرجائي الذي يخرج العمل من الإيمان، وخطورة
هذا الانحراف الذي هيمن على ساحة الفكر الإسلامي.. حتى قال عنه الأزهري:
(ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء) .
وكان الفصل الثالث عن: ضعف عقيدة الولاء والبراء، التي تحولت إلى
عقيدة عمياء عند أبناء المسلمين، وأوضح الأدوار التي أسهمت في إضعافها، بدءاً
من دور السلطان العثماني (محمود الثاني) الذي قال: (إنني لا أريد ابتداءً من الآن
أن يميز المسلمون إلا في المسجد، والمسيحيون إلا في الكنيسة، واليهود إلا في
المعبد، إني أريد ما دام يتوجه الجميع نحوي بالتحية (!) أن يتمتع الجميع
بالمساواة في الحقوق، وبحمايتي الأبوية..) .
ثم عرض الباحث لأدوار أخرى أضعفت هذه العقيدة.
وفي الفصل الرابع: بيّن غربة العقيدة الصحيحة ومقاومتها، والافتراءات
الكاذبة والتهم الباطلة التي حوربت بها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه
الله) .
ثم أوضح في الفصل الخامس: هيمنة الفلسفة وعلم الكلام على علماء العقيدة
ومؤلفاتها، بدءاً من العصر العباسي، وكيف انتهت دراسة العقيدة إلى مجرد
دراسات لعلم الكلام في الكليات الشرعية في الجامعات الإسلامية المشهورة.
وأما الفصل السادس: فقد أطنب في بيان انتشار مظاهر الشرك والبدع
والخرافات، وقسمه إلى قسمين: أولاً: انتشار مظاهر الشرك، ثانياً: انتشار
البدع والخرافات.
فتحدث في القسم الأول: عن بناء المساجد على الأضرحة والقبور،
…
والاستغاثة والاستعانة بأصحاب هذه الأضرحة، والذبح والنذر لها،
…
وغير ذلك
من مظاهر الشرك الأكبر والأصغر التي هيمنت على حياة الناس، الذين وصل
الغلو ببعضهم إلى القول (بإسقاط فريضة الحج عمن يشد الرحال إلى بعض
…
الأضرحة التي يعظمونها ويعبدونها من دون الله عز وجل [، وأصبح عندما
(يداهم الأمة عدو أو ينزل بها خطب فلا تستعد كما يجب إن هي استعدت أصلاً؛
لأن عندها من (الأرباب) ما لم يخل منهم قُطر ولا مصر، فإذا دهمهم خطر
فسرعان ما يهرع كل أهل بلد إلى مربوبهم! (مقبورهم)
…
فيلوذون به ويستغيثون
بجنابه
…
) ! نعوذ بالله من الخذلان.
وفي القسم الثاني: تحدث عن انتشار البدع والخرافات، ومنها الموالد
والاحتفالات.
ثم كان طبيعيّاً أن يكون الحديث في الفصل السابع عن: الصوفية في هذين
القرنين: نشأتها، وأسباب انتشارها، ونفوذ أربابها في العالم الإسلامي، ونظرتهم
إلى العلم والحياة، ودعائم نظامهم التربوي وعقائدهم المنحرفة.
ثم تحدث في الفصل الثامن عن: ازدياد نشاط الفرق المنحرفة وحربها
للمسلمين في هذين القرنين، من رافضة، ونصيريّة، ودروز، وإسماعيلية.
وبهائية، وقاديانية
…
وكان الفصل التاسع والأخير من أهم فصول هذا الباب، حيث تحدث عن:
موقف العلماء، وأنه لم يكن على المستوى المطلوب، فقد تجافى كثير منهم عن
المشاركة في الحياة العامة والتأثير في الأحداث، كما شارك كثير منهم في الابتداع
في الدين، مما جعل الإسلام أشبه ما يكون بالديانات المحرفة؛ لكثرة ما ابتُدِعَ فيه،
كما انغمس كثير منهم في متاع الحياة الدنيا، فكانت النتيجة: عدم قيامهم بالأمانة
التي حمّلهم الله عز وجل إياها، (بينما البقية الصالحة منهم قد قبعت في بيوتها،
أو انزوت في الدرس والكتاب، تحسب أن مهمتها قد انتهت إذا لقنت الناس العلم) .
وبذلك انتهى الباب الأول الذي استغرق حوالي نصف الرسالة، إذ هو كما
يقول الباحث: (المقصود الأعظم من البحث) .
أما الباب الثاني: فقد كان موضوعه: الانحرافات العلمية في القرنين الثالث
عشر والرابع عشر الهجريين، وقد فصله إلى فصول ثلاثة:
تحدث في الفصل الأول عن: المستوى التعليمي ومناهج التعليم، حيث
(حدث تقلص ضخم (في مناهج التعليم) أبعد بالتدريج كل العلوم (الدنيوية) من معاهد
العلم، في ذات الوقت الذي اقتصرت فيه العلوم الشرعية على فكر القرن الخامس
على أكثر تقدير..) وبدون أي تغيير، فكان المستوى التعليمي مقيداً بالمختصرات
والشروح والحواشي والتقريرات، مع عدم اهتمام العلماء بعلم الحديث.
وفي الفصل الثاني: تناول: التعصب المذهبي وآثاره السيئة على الحياة
العلمية في هذين القرنين.
وختم هذا الباب بالحديث في الفصل الثالث عن رفض إعادة فتح باب الاجتهاد
الذي أغلق منذ القرن الخامس الهجري؛ لعدم الحاجة إليه آنذاك! ! ، وقد أشار
الكاتب إلى الأسباب التي دعت إلى إعلان غلق باب الاجتهاد، ونوّه بجهود الإمام
الشوكاني في مقاومة تلك المشكلة، وذَكَر الآثار المترتبة على رفض إعادة فتح باب
الاجتهاد، التي كان من أهمها: تجميد حياة الأمة وتوقفها عن النمو، لأنها محكومة
بقوالب لم تعد تلائمها، ثم خروج هذه الحياة عن هذه القوالب، في الوقت الذي
تخرج فيه من ظل الشريعة، فكان استيراد المبادئ والنظم الأوروبية بديلاً عن
مرونة الاجتهاد الذي أُغلق بابه.
وكان الباب الثالث: نتيجة حتمية للبابين السابقين، حيث تحدث عن الآثار
المترتبة على الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين محل الدراسة، فتحدث بعد
التمهيد في الفصل الأول عن: الآثار الداخلية (تفشي الضعف في الأمة)، فتناول:
الضعف السياسي والحربي، الذي كانت ذروته: سقوط الدولة العثمانية، وتفكك
ولاياتها، وما سبق ذلك من امتيازات أجنبية، وما وقع من ضعف حربي عسكري، كان سبباً مباشراً في هزائم المسلمين.
وتناول أيضاً: الضعف الاقتصادي الذي أحاط بالعالم الإسلامي في تلك الفترة، وأسباب حدوثه.
ثم أوضح ثالثاً: الضعف العلمي، حيث التخلف في كل المجالات، ومن ذلك: الأمية التي ما زالت نسبتها مرتفعة جدّاً، ووصل الضعف في هذا المجال إلى حد
دراسة الدين واللغة والتاريخ في جامعات الغرب.
ثم تحدث أخيراً عن: الضعف الأخلاقي والاجتماعي، وسقوط كثير من القيم
الأخلاقية والاجتماعية، بعد أن تحولت إلى مجرد تقاليد خاوية وعادات جوفاء لا
رصيد لها من الدين.
أما الفصل الثاني، فكان عن: الآثار الخارجية، واشتمل على ثلاث نقاط:
أولاً: الاستعمار الذي بسط سيطرته إثر قابلية العالم الإسلامي له؛ نتيجة
الانحرافات المشار إليها سابقاً، ولم يكن رحيله إلا ظاهريّاً في أكثر الأحيان.
ثانياً: الغزو الفكري واستيراد المبادئ والنظم من الغرب، وقد كان الواقع
العقدي المنحرف مدعاة للتغريبيين أن يقودوا الأمة حيث يريدون، حيث ركزوا
على تنحية الشريعة الإسلامية، وفصل الدين عن الحياة (العلمانية) ، وقضية تحرير
المرأة، وقضية التطور ونبذ الدين، وقضية القومية والوطنية
…
وقضايا أخرى
كثيرة حاولوا استغلالها لتهميش الإسلام والطعن فيه.
ثم كان المبحث الثالث في هذا الفصل عن: النشاط التنصيري في العالم
الإسلامي: حيث استفحل هذا النشاط، مستغلاً الظروف الاجتماعية السيئة من فقر
وجهل ومرض وتخلف
…
ولئن أخفق هذا النشاط في تنصير أحد من المسلمين إلا
في النادر إلا إنه نجح في زعزعة إيمانهم، وخلخلة عقيدتهم، وبث سمومه الفكرية
والأخلاقية فيهم، ونزع الثقة من نفوسهم، حتى تمكن من هزيمة أرواحهم وأسر
عقولهم.
وكان الباب الرابع والأخير عن: الصحوة الإسلامية وآفاق المستقبل،
وقسمه إلى فصلين: تحدث في الأول عن: أثر حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
في العالم الإسلامي، وقد اهتم فيه ببيان زيف ادعاء تأثر بعض الحركات
والشخصيات بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، أكثر من اهتمامه
بمن تأثر بدعوته حقيقة، وبيّن أن الأثر الأكبر لدعوة الشيخ كان في تبوؤ المنهج
السلفي مكانة مرموقة في فكر شباب الصحوة الملتزمين بذلك المنهج.
أما الفصل الثاني فكان عن: الصحوة الإسلامية في العصر الحاضر، فتناول
أولاً: العقبات في طريق الصحوة، وأهمها: استمرار الانحرافات العقدية، وما يقع
من تفرق وتشاحن بين الفصائل داخل الصحوة، بالإضافة إلى تواطؤ أعداء الإسلام
من منافقين ومشركين ويهود ونصارى على ضرب الصحوة، وحربها، والعمل
على إجهاضها.
ثم تناول ثانياً: المبشرات في طريق الصحوة وآفاق المستقبل، حيث ذكر
بعض المبشرات الواقعية: كاتساع القاعدة الجماهيرية، وإفلاس المذاهب المعادية
للدين، ثم تحدث عن آفاق المستقبل في ضوء النصوص الشرعية.
وأخيراً: أنهى الكاتب بحثه بخاتمة موجزة حوت سبع عشرة خلاصة، هي
أهم النتائج التي توصل إليها.
***
وبعد: فإننا لا نستطيع إلا أن نشيد بهذا الجهد، الذي ندعو الله عز وجل أن
ينفع به، وأن يكون ذخراً لكاتبه وكل من أسهم فيه.
وإن كانت هناك بعض الملاحظات (التكميلية) للرقي بهذا العمل إلى أقصى
درجات النفع (من وجهة نظري الشخصية)، ومن ذلك:
1-
طول البحث وكثرة استطراداته ووفرة شواهده، وهذا إن كان ميزة في
أطروحة علمية كما هو أصل الكتاب إلا أنه كان ينبغي إعادة النظر في ذلك عند
نشره كمطبوعة يتم تداولها بين المخاطبين بالكتاب، وذلك حتى تتسع دائرة
المستفيدين منه؛ لكي (لا ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) ، ولعل الله (عز
وجل) ييسر اختصاره أو تهذيبه؛ لتعم الفائدة منه.
2-
عدم اعتنائه بذكر ودراسة الشخصيات والحركات التي حاولت مقاومة تلك
الانحرافات، مكتفياً بالتنويه بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقط، فمع أهمية
جهود حركة الشيخ رحمه الله ، إلا أنه كان ينبغي عدم إغفال الجهود الأخرى
لهؤلاء، حتى لو كان هناك على بعض هذه الشخصيات والحركات بعض المآخد
والملاحظات، فكان لا ينبغي إهمال جهودهم في تصحيح انحرافات عديدة (شرك
القبور العلمانية الولاء والبراء التعصب المذهبي والجمود الفقهي
…
) ، ومن هؤلاء
على سبيل المثال: الصنعاني الشوكاني القاسمي مصطفى صبري عبد الحميد بن
باديس وجمعية العلماء بالجزائر سيد قطب محمد رشيد رضا جماعة أنصار السنة
المودودي والجماعة الإسلامية بباكستان
…
كما كان ينبغي دراسة مدى نجاح أو فشل جهودهم، وأسباب ذلك، فمن وجهة
نظري: كان ينبغي إفراد باب لهذه الجهود، وعدم الاكتفاء بذكرها عرضاً كما فعل
الباحث، مع الاعتراف بأن هذه النقطة تبعد قليلاً عن عنوان البحث، ولكنها مهمة.
وفي هذا الباب: كان سيبدو الفصل الرابع من الباب الأول والفصل الأول من
الباب الرابع في مكانهما الصحيح؛ حيث بدا الفصل الرابع (غربة العقيدة الصحيحة
] التي حملتها حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب [ومقاومتها (غريباً موضوعيّاً عن
فصول الباب الأخرى، كما بدا الفصل الأول من الباب الرابع (أثر حركة الشيخ
محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي) غير وافٍ لموضوع الباب (الصحوة
الإسلامية وآفاق المستقبل) .
3-
ومما يتعلق بما سبق، فقد كان تناوله لأثر حركة الشيخ محمد بن عبد
الوهاب يشوبه بعض العاطفية وعدم العمق، وكنا ننتظر اتباع الباحث المنهج
العلمي الرصين، الذي اتبعه في بقية الرسالة، خاصة مع حركة بثقل وتأثير حركة
الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله .
4-
كما كان يحسن بالباحث (تكميلاً لجهوده) بحث طرق ووسائل علاج
الانحرافات المذكورة؛ لتكمل إنارة الطريق لشباب الصحوة المباركة.
والرسالة على العموم جهد طيب وعمل مشكور جدير بالاطلاع عليه..
وملاحظاتي هذه لا تغض من أهمية الرسالة وقيمتها العلمية.
(*) نشر هذا البحث عن طريق دار الرسالة للنشر والتوزيع بمكة المكرمة.