الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقال
بين الجاهلية القديمة والمعاصرة
بقلم: عبد الرحمن بن الحارث البناني
صحيح أنه مرّ بالعالم الإسلامي أزمات بل نكبات كثيرة من قبل، كان
المسلمون يفقدون فيها تمكنهم في الأرض، أو يفقدون أمنهم وطمأنينتهم، أو يفقدون
ديارهم وأموالهم
…
ولكنهم مع ذلك لم يخوضوا تجربة أقسى ولا أمر من تجربتهم
المعاصرة في تاريخهم كله؛ فاليوم نحن نعايش في كثير من الديار الجاهلية
المعاصرة التي تشابه الجاهلية الأولى في كثير من الأوجه.
حقيقة الجاهلية:
إن الجاهلية ليست منحصرة فيما كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بل قد توجد في مصر من الأمصار، أو توجد في شخص من الأشخاص ولو بعد
البعثة، يقول ابن تيمية رحمه الله في بيان (الجاهلية) : (الناس قبل مبعث النبي
صلى الله عليه وسلم كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا
عليه من الأقوال والأعمال، إنما أحدثه لهم جهال، وإنما يفعله جاهل، وكذلك كل
ما يخالف ما جاء به المرسلون: من يهودية ونصرانية فهي جاهلية، وتلك كانت
الجاهلية العامة.
فأما بعد ما بعث الله الرسول: فالجاهلية المطلقة قد تكون في مصر دون
مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل
أن يسلم، فإنه يكون في جاهلية، وإن كان في دار الإسلام.
فأما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد مبعث محمد، فإنه لا تزال من أمته
طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة.
والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من المسلمين،
كما قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية
…
) [1]
…
) [2] .
بعض أوجه التشابه بين الجاهلية الأولى والجاهلية المعاصرة:
أولاً: أن الدساتير التي تحكم في الجاهلية المعاصرة، مشابهة للدساتير التي
تحكم في الجاهلية الأولى، فكلتا الجاهليتين تحكم بغير ما أنزل الله عز وجل .
ففي الجاهلية الأولى تحكم القبيلة بدستور العادات والتقاليد والأعراف الموروثة
عن الآباء والأجداد، يحيا الرجل منهم من أجلها، ويموت من أجلها، ويوالي من
أجلها، ويعادي من أجلها، دون أن ينظر: هل هذه العادات والتقاليد صحيحة أم
بخلاف ذلك؟ ! ! .
يقول أحدهم:
وما أنا إلا من غزية إن غَوَتْ
…
غويت وإن ترشد غزية أرشد
أما في الجاهلية المعاصرة فيتحقق المعنى في كل دولة تحكم بدستور مستمد
من قوانين الشرق والغرب (اللهم إلا في بعض الأمور المسماة بالأحوال الشخصية،
كالأحكام الخاصة بالنكاح والطلاق، أو غير ذلك من أحكام، لتدّعي بذلك أنها دولة
إسلامية) على تباين بين هذه الدول في الأخذ ببعض الأحكام الشرعية، فمقلة
ومكثرة.
ثانياً: لقد اتخذ أهل الجاهلية الأولى أصناماً وأوثاناً يعبدونها، ويعظمونها،
ويذبحون لها من دون الله عز وجل ، وقد جعلوا لها سدنة وخدماً يقومون بخدمتها، وهم الكهنة والعرافون، فعظموهم وبجلوهم، فأحلوا ما أحلوا من المحرمات،
وحرموا ما حرموا من المباحات، وتلك هي عبادتهم، وكذلك الشأن في اليهود
والنصارى مع أحبارهم ورهبانهم: حيث أحلوا ما أحلوا من المحرمات، وحرموا
ما حرموا من المباحات، كما يدل على ذلك قوله (تعالى) : [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ.. الآية] [التوبة: 31] ، وفسره
النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه بأنهم: (أحلوا لهم
الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم) [3] .
أما في الجاهلية المعاصرة فشرك المشركين فيها أعظم من شرك أهل الجاهلية
الأولى؛ لأن أهل الجاهلية الأولى إذا اشتد فيهم الخطب دعوا الله مخلصين له الدين، أما مشركو زماننا إذا اشتد فيهم الخطب دعوا أصنامهم وأوثانهم من دون الله،
ففي زماننا عبدة الأوثان والأصنام والقبور، وإن لم يكن الأحبار والرهبان، فهناك
الطغاة والمتجبرون، ومع ذلك: فتوجد أصنام وأوثان مصنوعة في الجملة، منها:
السلطة، والرئاسة، والجاه، والمال، والعادات، والتقاليد، والأعراف التي
تخالف ما شرع الله عز وجل ، والوطنية، والقومية، والاشتراكية، والقومية،
والعلمانية، والوجودية..
فإذا كان حب السلطة والرئاسة و
…
إلخ، مدعاة للعبودية لها، والتضحية
بالدين في سبيلها كما هو حال كثير من المسلمين في العالم الإسلامي فهي عندئذ
(وثنية) بلا قناع.
ولكن منها ما هو شرك مخرج من الملة، ومنها ما هو شرك غير مخرج من
الملة، فهو شرك دون شرك؛ على حسب حب واعتقاد صاحبها لها، حقّاً:
…
[وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ][يوسف: 106] .
ثالثاً: لقد كان الربا في الجاهلية الأولى قائماً ومنتشراً فيهم، فقد كان المال
والتجارة في أيدي قلة قليلة، وكانوا يتعاملون بالربا؛ فيضاعفون تجارتهم وأموالهم، وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع.
وقد كان للربا صورتان رئيستان: ربا النسيئة، وربا الفضل.
فأما ربا النسيئة: فقد قال عنه قتادة: إنه ربا أهل الجاهلية، يبيع الرجل
البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء: زاده وأخر عنه، وقال أبو بكر الجصاص: (أنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضاً مؤجلاً
بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلاً من الأجل، فأبطله الله (تعالى) .
وأما ربا الفضل: فهو أن يبيع الشيء بالشيء من نوعه مع زيادة؛ كبيع
الذهب بالذهب، والدراهم بالدراهم، والقمح بالقمح، والشعير بالشعير
…
وهكذا،
وقد ألحق هذا النوع بالربا لما فيه من شبه به.
وأما في الجاهلية المعاصرة: فيتمثل الربا في الديون المؤجلة بفوائد ربوية،
أو في بعض المبيعات المثلية بتفاضل.
وهناك بعض البنوك والمصارف الربوية المحلية في بلاد المسلمين تأخذ
…
نسبة من أموال المسلمين المودعة عندهم، فترسلها إلى البنوك والمصارف العالمية؛ لتقوم باستثمارها، ومن ثم: إرجاعها إلى البنوك والمصارف المحلية مع نسبة من الفوائد الربوية، والباقي لهم، قال (تعالى) :[يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاًذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ][البقرة: 278، 279] (ياللهول! حرب مع الله ورسوله
…
حرب تواجهها النفس البشرية، حرب رهيبة معروفة المصير، مقررة العاقبة؟ .. فأين الإنسان الضعيف الفاني من ذي القوة الجبارة الساحقة الماحقة؟ ! !) .
وهنا سؤال يفرض نفسه: ما هي الاستثمارات التي تقوم بها البنوك
والمصارف العالمية؟ ! ! .
الجواب: تستثمرها غالباً في أعمال غير مشروعة مثل: الأفلام الهابطة،
والصحافة المسفة، والمراقص، والملاهي، والرقيق الأبيض، وسائر الحرف
والاتجاهات التي تحطم الأخلاق.
وكذلك: تستثمرها في زراعة الأراضي والمصانع بشتى أشكالها من مصانع
أسلحة لتدمير الأمم، أو مصانع سيارات، أو مصانع
…
، ومن ثم: تباع هذه
الأسلحة وهذه السيارات وغير ذلك من المنتجات الاستهلاكية إلى البلاد الإسلامية
بأسعار باهظة.
أي: إنهم يأخذون أموالنا ويستثمرونها، ونتاج أموالنا يبيعونه لنا بأغلى
الأسعار؟ ! ! .
نعم هذه هي الحقيقة المرة.
والأمرّ من ذلك: أن جميع البنوك التي تذهب أموالنا إليها والمؤسسات في
أوروبا وأمريكا تستقطع جزءاً من أموالنا للتنصير، وأغرب وأمرّ من هذا كله: أن
عدداً من مبالغ طائلة من أموال أغنياء المسلمين التي وضعوها في البنوك الربوية
تذهب لمساعدة مجلس الكنائس العالمي.. سبحان الله العظيم! ! .
أفبأموال المسلمين يُنْصَرُ أعداؤهم؟ ! ! .
رابعاً: لقد كانت الخمر والميسر في الجاهلية الأولى من تقاليد المجمتع الفاشية، ومن مفاخره كذلك، يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته.. كالذي يقوله
طرفة بن العبد:
فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى
…
وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربه وما زل تشرابي
…
كميت متى ما تفل بالماء تزبد
ومازال تشرابي الخمور ولذتي
…
وبذلي وإنفاقي طريفي وتالدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلها
…
وأفردت إفراد البعير المعبد
وكانت الدعارة في صور شتى كذلك من معالم هذا المجتمع شأنه شأن كل
مجتمع جاهلي قديم أو حديث كالذي روته عائشة رضي الله عنها أن: (النكاح في
الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى
الرجل وليته أو بنته فيصدقها ثم ينكحها، والنكاح الآخر: كان الرجل يقول لامرأته
إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها
أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها
زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح
الاستبضاع
…
ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة،
كلهم يصيبها، فاذا حملت ووضعت، ومرّ ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم
فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي
كان من أمركم وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به
ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل
…
والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير
فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن
رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها
جُمِعُوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، ودعي ابنه،
لا يمتنع من ذلك..) [4] .
وأما في الجاهلية المعاصرة فقد تغيرت المسميات فقط، فتوجد وللأسف الشديد
في بعض البلاد الإسلامية دور تُدعى البارات والمراقص، توجد فيها المومسات
والخمور والقمار، ولهذه الدور موظفون وعمال يعملون فيها، وحُرّاس لحمايتها،
وتوضع لها المستشفيات الخاصة للكشف على المومسات لحمايتهن وحماية المجمتع
من الأمراض الجنسية! ! .
كل هذا الاهتمام بهذه الدور لإفساد الشباب من ذكور وإناث، ولأن هذه الدور
من أهم الموارد الاقتصادية! ! فالدولة تأخذ عليها ضرائب، وتأخذ كذلك على
المومسات ضرائب إذا كن يعملن لحسابهن الخاص.
وكذلك من أسباب اهتمام هذه المجتمعات بهذه الدور، اعتقادها أنها من أهم
الأسباب لجلب السياح والمصطافين، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
خامساً: كان لدى أهل الجاهلية الأولى تخلف عقدي، وعدم تصور صحيح
لبعض مفاهيم الإسلام، وذلك ناشئ عن عدم تصديقهم برسالة النبي -صلى الله عليه
وسلم-، وعدم إيمانهم به إيماناً وتصديقاً يؤديان إلى العمل. وأما في المجمتع
الجاهلي المعاصر: فأصبح لدى بعض المسلمين انحراف شديد عن حقيقة الإسلام،
لا في السلوك وحده، ولكن في العقائد كذلك، فأصبح عندهم انحراف عقدي، فهناك
انحراف في مفهوم (لا إله الا الله) أساس الإسلام كله حتى تحولت الشهادتين إلى
مجرد كلمة باللسان، لا علاقة لهما بالواقع، ولا مقتضى لهما في حياة بعض
المسلمين أكثر من أن ينطقوا بها بضع مرات يوميّاً.
والعجب: أن كفار قريش أعرف من بعض المسلمين لبعض مفاهيم الإسلام؛
فهم قد عرفوا معنى (لا إله الا الله)، وهو: الإيمان بنفي الألوهية عما سوى الله،
ومعنى الإيمان بالرسالة وباليوم والآخر هو: الانقياد التام والتفويض المطلق،
بحيث لا يبقى لهم خيار في أنفسهم وأموالهم، فضلاً عن غيرهم.
ومعنى ذلك: إلغاء سيادتهم وكبريائهم على العرب، فقد كان إلغاء السيادة
بالصفة الدينية: امتناعهم عن تنفيذ مرضاتهم أمام مرضاة الله ورسوله -صلى الله
علييه وسلم-، وامتناعهم عن المظالم التي كانوا يفترونها على غيرهم، وعن
السيئات التي كانوا يجترحونها صباح مساء.. عرفوا هذا المعنى فكانت نفوسهم
تأبى عن قبول هذا الوضع، لا لكرامة وخير [بَلْ يُرِيدُ الإنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ]
[القيامة: 5] .
وعندهم تخلف في مفهوم الدنيا والآخرة الذي يربط الدنيا بالآخرة، ويجعل
الدنيا مزرعة الآخرة حتى تحول إلى فصل كامل بين الدنيا والآخرة، يجعلها موضع
التقابل الكامل وموضع التضاد، فمن أراد الدنيا ترك الآخرة، ومن أراد الآخرة
ترك الدنيا، واكتفى منها بالكفاف.
ويجيء الفكر الإرجائي فيواكب هذا الانحراف العقدي المهلك عند بعض
المسلمين، ويتسع تدريجيّاً مع كل تخلف جديد، على أساس قاعدته العظمى (أنه لا
يضر مع الإيمان معصية) والعجيب: أنه قد يكون من هذه المعاصي ما هو كفر وأن
الإيمان هو التصديق، أو هو الإقرار والتصديق، وأن العمل خارج من مسمى
الإيمان!
سادساً: لما ظهر الإسلام في الجاهلية الأولى جوبه بتحديات، وكذلك جوبهت
الصحوة الإسلامية أو قل: اليقظة الإسلامية عند ظهورها في العقود الأخيرة، وهذا
وجه شبه يلمسه كل منصف. والله المستعان
(1) رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري، كتاب الجنائز، ح/934.
(2)
اقتضاء الصراط المستقيم، ص 78، 79.
(3)
انظر: السابق، ص 9.
(4)
أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب 36.
سياسة شرعية
القانون الدولي الإسلامي
(علم السير)
الحلقة الأخيرة
بقلم: عثمان جمعة ضميرية
تطرق الكاتب في الحلقات السابقة إلى أكثر خصائص القانون الدولي الإسلامي وانتهى في الحلقة الماضية بالحديث عن خاصية: أن أحكام السير تخاطب الفرد
والدولة، ويواصل في هذه الحلقة عرض بقية الخصائص.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... - البيان -
خاصية الثبات والمرونة:
تقدم فيما سبق أن أحكام العلاقات الدولية في الإسلام تقوم أساساً على الوحي
(القرآن والسنة) الذي تكفل الله (تعالى) بحفظه، وأن المجتهدين في استنباطهم
للأحكام يتقيدون بالنصوص الشرعية، ويطبقون قواعد الشريعة في الاستنباط،
وهذا يعطي هذه الأحكام صفة الثبات والاستقرار [1] . حتى ولو تغير الحكام أو
اختلفت أنظمة الحكم؛ لأن الأحكام الشرعية لا ترتبط بالهيئة الحاكمة، وإنما ترتبط
بالدين الإسلامي الذي لا يتغير ولا يتبدل، قال (تعالى) :[لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ]
[يونس: 64]، وقال: [وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لَاّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ
السَّمِيعُ العَلِيمُ] [الأنعام: 115] .
أي: لا تبديل لدين الله، وهو خبر بمعنى النهي، أي: لا تبدلوا دين الله [2] .
ونضرب بعض الأمثلة على هذا الثبات في مجال العلاقات الدولية، لبيان ذلك
الأثر الفريد الذي ينشئه ثبات أحكام هذه العلاقات: فمن مبادئ العلاقات الدولية:
احترام الكرامة الإنسانية في السلم والحرب، والحفاظ على حقوق غير المسلمين في
دار الإسلام، والعدالة التي ينبغي أن تتوخاها الحكومة المسلمة وتلتزم بها في
التعامل مع المسلمين وغير المسلمين، والوفاء بالعهود والمواثيق حتى مع الأعداء،
وعدم الغدر بهم حتى ولو غدروا هم بنا، والفضيلة والأخلاق في المعاملات
…
وعالمية الدعوة الإسلامية، وحق المسلمين بل واجبهم في الدعوة إلى دين الله
(تعالى) ، لأن الإسلام رسالة الله الأخيرة لهذه البشرية، فلا بد من إبلاغها لهم،
وحقيقة أن العلاقة التي تربط بين المسلمين هي آصرة العقيدة والإيمان، وأنه لا
ولاء بين المسلمين والمشركين والكفار، وإن كان هذا لا يمنع من البر بهم
والإحسان إليهم في المعاملة، ووجوب إعداد المسلمين للقوة التي يحافظون بها على
كيانهم ويرهبون بها عدوهم، لأن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة
…
إلخ.
ولهذا الثبات فائدة عظمى، لأنه يؤدي إلى اطمئنان الأفراد وأمنهم من
المفاجآت والتقلبات، ووضوح أسس العدالة والنظام للكافة من أهل دار الإسلام في
الدولة الإسلامية والمقيمين الأجانب غير المسلمين.. وهذا كله يؤدي إلى الثقة
والازدهار، وينتج أفضل الظروف للتقدم الاجتماعي والاقتصادي وحسن العلاقات
الدولية وسيادة الأخلاق والآداب والفضيلة بسبب معرفة كل ذي حق حقه، فتمتنع
أسباب الصراع والاستغلال والغدر، وغير ذلك مما يحرض على الرذيلة وانتهاز
الفرص بسبب ضعف القانون والعدالة.
وهذا الثبات أيضاً: يضبط الحركة البشرية والتطورات الحيوية، فلا تمضي
شاردة على غير هدى، كما وقع في الحياة الأوروبية عندما أفلتت من عروة العقيدة، فانتهت تلك النهاية البائسة ذات البريق الخادع الذي يخفي في طياته الشقوة
والحيرة والنكسة والارتكاس، كما أنه يقيم الميزان العدل الثابت الذي يرجع إليه
الإنسان بكل ما يعرض له من مشاعر وأفكار وتصورات، وبكل ما يجدّ في حياته
من ملابسات وظروف، فيزن ذلك كله بهذا الميزان الثابت. ويعطينا هذا الثبات
مقوّماً للفكر الإنساني، مقوماً منضبطاً بذاته يمكن أن ينضبط به الفكر الإنساني،
فلا يتأرجح مع الشهوات والمؤثرات.
المرونة والدليل:
إلا أن ثبات الأحكام لا يعني جمود الفقه وعجزه عن مواجهة الوقائع الجديدة
وتلبية حاجات الأمة [3] هذه، فإن في مصادر التشريع الإسلامي مرونة وخصوبة
وسعة تتنافى مع الجمود، فإن أحكام المعاملات والعلاقات الدولية جاءت في القرآن
الكريم بنصوص تدل على أحكام أساسية ومبادئ عامة لا تختلف من بيئة إلى أخرى، وتقتضيها العدالة في كل أمة؛ ليكون أولو الأمر في سعة من أن يفرعوا ويفصلوا
حسبما يلائم حالهم وتقتضيه مصالحهم، من غير أن يصطدموا بحكم تفصيلي شرعه
القرآن، كما أن دلالة النصوص الشرعية ليست محصورة فيما يفهم من العبارة أو
النص فحسب، بل فيما يفهم من روحها ومعقولها، ومن هنا: كانت الدلالة دلالة
منطوق ودلالة مفهوم. كما أن النصوص التشريعية لم ترد بأحكام مجردة من عللها
والمصالح التي شرعت من أجلها، بل جاءت مقترنة بالعلة صراحة أو إشارة، مما
فتح باب القياس أمام المجتهدين، ثم جاء الإجماع، والاجتهاد الجماعي كذلك،
وسائر مصادر التشريع التبعية بما فيها من مرونة وقابلية لتلبية الحاجات ومواجهة
الوقائع والمستجدات؛ لتحكم حياة الناس في كل العصور والأماكن.
ومن الأمثلة على هذه المرونة والحركة في النظام السياسي الإسلامي: شكل
الحكومة الإسلامية، فلم تحصر الشريعة شكل الحكومة في قالب ضيق، وإنما
أفسحت له المجالات الصحيحة المتعددة، واكتفت بمبادئ عامة رحيبة تضبط هذا
الشكل سريع التغير بطبيعته دون أن تحد من حركته الصحيحة، ولعله من أجل ذلك
: تعمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يحدد أبا بكر رضي الله عنه خليفة
له، على الرغم من فضله على سائر الصحابة.
وأيضاً: نجد الأمر نفسه في (الشورى) قاعدة للنظام السياسي الإسلامي، فهي
واجب لا بد من إقامته، وإن كانت طريقتها لم تحددها النصوص الشرعية أو لم
تقصرها على طريقة واحدة لا تتعداها، ليكون في ذلك سعة ومجالاً لاختيار أمثل
الطرق لإقامة الشورى.
كما أن الاجتهاد يحدد للدولة الإسلامية طريقة تعاملها مع الدول الأخرى من
النواحي المالية والاجتماعية والسياسية في حال السلم والحرب ضمن القواعد
الشرعية والأحكام الأساسية الثابتة، والأمثلة على ذلك كثيرة تعز على الحصر.
ومن نافلة القول أن نؤكد على أن هذه المرونة لا تعني بأي حال من الأحوال
خروجاً على حكم شرعي ثابت سواء أكان كليّاً أو جزئيّاً؛ لأنها محكومة بضوابط
دقيقة، حتى لا يؤدي التطور إلى التشويه والتدهور والخروج على أحكام الله التي
يحتاج إليها البشر، فإن المرونة والتطور يختلفان عن الهدم والانطلاق بلا حدود،
الأمر الذي تتخذه بعض الاتجاهات المعاصرة في الحياة الاجتماعية والقانونية [4] .
ومن هنا يمكن أن نصوغ هذه الخاصية بعبارة تجمع الثبات والمرونة في
سياق واحد مع ضابط ذلك وميزانه، فنقول مع الأستاذ سيد قطب رحمه الله : إنها
خاصية (الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت)[5] .
أحكام العلاقات الدولية مقيدة بالمشروعية الإسلامية وقائمة على العدل الحقيقي
تتقيد جميع الأحكام بالمشروعية الإسلامية [6] ، التي تتضمن التضامن في
تنفيذ ما أمر الله به وفيما نهى الله عنه، فقد قال الله (تعالى) : [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ
اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: 103] ثم قال: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى
الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [ال عمران:
104] .
وقال: [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ]
[المائدة: 2] .
ومن هنا: تتميز أحكام العلاقات الدولية عنها في ظل القانون الدولي الحديث، حيث تقوم في الإسلام على هذا التضامن، فإن وحدة الأمة الإسلامية التي تسكن
دار الإسلام إنما تظهر فيها أحكام الشريعة الإسلامية، وهذه الوحدة المتماسكة لا
يجوز أن يقوم بينها وبين غيرها علاقة الحرب إلا لأجل إعلاء كلمة الله (تعالى) ،
فلا يجوز أن تشن على سائر البلاد حرباً بقصد الاغتناء الاقتصادي، أو فتح
الأسواق، أو تأمين المواصلات.. أو غير ذلك، وإنما الهدف الوحيد الذي يسوغ
الحرب هو: الجهاد لإعلاء كلمة الله (تعالى)، ولذلك: قال عليه الصلاة والسلام
وقد سئل عن الرجل: يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في
سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)[7] .
وتؤدي هذه المشروعية إلى أن تقدم أحكام العلاقات الدولية على العدل الحقيقي بل تهدف إلى تحقيق أعدل سيرة ممكنة للحاكم المسلم في مجال العلاقات الدولية،
وتتنزه عن اعتبارات الأنانية والظلم والصراع على المصالح الذاتية، وحتى في
المعاملة مع الأعداء: لايجوز أن تحملنا العداوة لهم وبغضهم على أن نتنكب جادة
العدل، فإن شريعة الله (تعالى) هي شرعة الحق والعدل المطلق.
وقد أرست الآيات القرآنية هذا الأصل الكبير، فقال (تعالى) : [إنَّ اللَّهَ
يَاًمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ
نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً] [النساء: 58]، وقال (تعالى) : [وَإنْ
حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] [المائدة: 42] ، وقال (تعالى)
: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى
أَلَاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]
…
[المائدة: 8] .
كما حكت الآيات القرآنية واقعة عملية، حيث تنزلت لتبرئ ساحة يهودي اتهم
بالسرقة، بل لتقيم ميزان العدالة الذي لا يميل مع الهوى ولا مع العصبية،
ويتأرجح مع المودة والشنآن أيّاً كانت الملابسات والأحوال، وأمرت النبي ألا يجادل
عن الذين اتهموا اليهودي بذلك؛ لأنهم يختانون أنفسهم: [إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ
بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ
إنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً (106) وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إنَّ اللَّهَ لا
يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً
…
] [8] .
ثم جاء الواقع التاريخي معَلَماً شاهداً صادقاً على ذلك، والأمثلة تعز على
الحصر، حسبنا منها هنا الإشارة إلى ما سبق من حكم القاضي (حاضر بن جميع)
على جيش المسلمين في الخروج من (سمرقند) بعد فتحها دون إنذار، تحقيقاً لهذا
العدل المطلق، وإلى حادثة أخرى فريدة حين ردّ أبو عبيدة رضي الله عنه على
أهل الذمة في بلاد الشام ما جبي منهم من الجزية والخراج؛ لأنه كان قد اشترط لهم
أن يمنعهم ويدافع عنهم، وهو لا يقدر على ذلك؛ لما رأى تجمع الروم، وقال لهم:
إنما رددنا عليكم أموالكم؛ لأنه بلغنا ما جُمِّع لنا من الجموع، وإنكم اشترطتم علينا
أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على
الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم، فلما قال لهم ذلك، وردوا عليهم
الأموال التي جبوها منهم، قالوا: ردكم الله علينا ونصركم عليهم، فلو كانوا هم لم
يردوا علينا شيئاً وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لايَدَعوا لنا شيئاً [9] . هذا، بينما
تقوم الدول الاستعمارية في القديم والحديث على (الأنانية) وحب الذات، فتقوم
باستغلال الشعوب الضعيفة واستنزافها، شأنها في ذلك شأن (الأناني) في علاقته مع
الناس، مما يثير الصراع ويفشي الظلم، ويسوغ الغدر، ويبرر الواسطة مهما
كانت بالغاية الأنانية التي تستهدف المصلحة الخاصة مهما كان الضرر الذي تلحقه
بغيرها، وواقع العلاقات الدولية اليوم شاهد ناطق بذلك، وما قضايا المسلمين في
بقاع كثيرة من العالم ببعيدة عنا [*] .
(1)(الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية) ، د/ عابد السفياني، ص 109 110.
(2)
انظر (تفسير البغوي) : 6/271، (المحرر الوجيز) لابن عطية: 12/ 259.
(3)
وغني عن البيان أن نؤكد هنا: أن الثبات لايعني الجمود الذي قال به شراح القانون الدستوري مثلاً بالنسبة للقواعد الدستورية، لأن لفظ الجمود يلقي ظلالاً كريهة على الأحكام الشرعية، وهي بريئة منها انظر:(المشروعية الإسلامية العليا) د علي جريشة، ص 190 191، وراجع (نظام الحكم الإسلامي) ، د/محمود حلمي، ص 119 123.
(4)
انظر بالتفصيل: (المشروعية الإسلامية) ، د مصطفى كمال وصفي، ص 28 31، (التشريع الجنائي الإسلامي)، عبد القادر عودة: 1/72 73، (خصائص التصور الإسلامي) ، سيد قطب، ص 85 وما بعدها.
(5)
(خصائص التصور الإسلامي) ، ص 85 3) (المشروعية الإسلامية العليا) ، د علي جريشة.
(6)
المشروعية الإسلامية العليا، د علي جريشة.
(7)
أخرجه البخاري في الجهاد، (باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) : 6/27 28، ومسلم في الإمارة، باب من قاتل ح/2810: 3/1512 1513.
(8)
سورة النساء، الآيات (105 113) انظر القصة في (سنن الترمذي) : 18/395 399 مع (تحفة الأحوذي) للمباركفوري، (تفسير الطبري) 9/183، وانظر: ما كتبه الأستاذ سيد قطب في (الظلال) 2/751 753.
(9)
انظر: (الخراج) لأبي يوسف، ص 149 150
(*) نعيد للأذهان بأن هذه الدراسة لمحات ووقفات من دراسة علمية شاملة عن الموضوع للكاتب لم تر النور بعد، شاكرين لفضيلة الكاتب إيثاره لنشرها على صفحاتها، وجزاه الله خير الجزاء.