الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده، آمين (وبعد: فيقول الفقير محمد أمين بن عابدين- عُفِيَ عنه- آمين: وقعت حادثة الفتوى، أرسلت من طرابلس الشام في واقف أنشأ وقفه على نفسه، ثم من بعده، فعلى أولاده لصلبه للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم على أولاد كل، ثم على أولاد أولادهم مثل ذلك، ثم على أنسالهم وأعقابهم على الشرط والترتيب، على أن من مات منهم: عن ولد، أو ولد ولد عاد نصيبه إلى ولده، أو ولد ولده، ومن مات عقيما عاد نصيبه إلى من في درجته وذوي طبقته من أهل الوقف، يقدم الأقرب فالأقرب إلى الميت.
ومن مات قبل الاستحقاق، وترك ولدا، أو ولد ولد، أو نسلا، أو عقبا استحق ما كان يستحقه والده إن لو كان حيا، ثم مات الواقف وأولاده، وانحصر بعض الوقف في بنت اسمها زينب، ولها ثلاثة أولاد: عبد القادر، وخديجة، وفاطمة. ماتت فاطمة في حياة أمها قبل استحقاق شيء من الوقف عن بنتها كاتبة، ثم ماتت خديجة في حياة أمها زينب بعد استحقاقها من الدرجة عن أولاد، ثم ماتت كاتبة في حياة جدتها زينب عن أولاد، ولم تستحق شيئا من الوقف، ثم ماتت زينب عن ابنها عبد القادر، وعن أولاد بنتها خديجة، وعن أولاد بنت بنتها فاطمة، فلمن يعود نصيبها؟ وإذا مات أحد من أهل درجة فاطمة فهل يستحق منه أولاد بنتها كاتبة لقيامهم مقامها؟
(فأجبت) بأنه يقسم نصيب زينب على ابنها عبد القادر، وعلى بنتها فاطمة للذكر مثل حظ الأنثيين، فما أصاب فاطمة يعطى لأولاد بنتها؛ لأنها ماتت قبل الاستحقاق، فيقومون مقام جدتهما، ولا شيء لأولاد خديجة؛ لأنها ماتت بعد الاستحقاق ممن في درجتها حقيقة، وشرط الواقف قيام الفرع مقام أصله لغير المستحق، ولا يقوم أولاد بنت فاطمة مقامها فيما كان يئول إلى فاطمة من الدرجة لو كانت حية؛ لأن صاحب الدرجة الجعلية يقوم مقام أصله فيما يستحقه أصله من أصوله لو كان حيا، لا فيما كان يستحقه من غيرهم، كمن مات عقيما عن: أخ، وأولاد أخ مات أبوهم قبل الاستحقاق، فلا شيء لأولاد الأخ، فهنا كذلك، والله أعلم.
(ثم أرسل إلينا السؤال) مع جوابه ثانيا، وفي ظهره جواب من شخص من بيروت، وجواب آخر من مفتي جاه، وجواب آخر من مفتي صيدا. حاصل الأول: أنه لا استحقاق لأولاد البنت، فضلا عن أولاد بنت بنتها، وإن نصيب زينب يختص به ولدها عبد القادر فقط؛ لأنه مرتب بثم.
وحاصل الثاني: نعم لا يشاركه أحد؛ لأنه مرتب بثم، وقد قال في الدر المختار، نقلا عن الأشباه: إن عبر الواقف بثم لا يشارك، وإن عبر بالواو يشارك، والذي لأمثالنا اتباع ما نقلوه،
وصاحب الدر متأخر، لا نعول إلا عليه.
وحاصل الثالث: كذلك؛ لأن أولاد بنت فاطمة لا يقومون مقامها؛ لأن لها بنتا وهي كاتبة، وقول الواقف: من مات قبل استحقاقه، وترك ولدا، أو ولد ولد قام مقامه، المراد به: أن ولد الولد يقوم مقام أصله إن لم يكن لأصله ولد، فولد الولد لا يقوم مقامه مع وجود الولد، هذا حاصل ما أجابوا به وكلهم مخطئون.
أما الثالث: فلأن أولاد كاتبة لم يقوموا مقام فاطمة في حياة أمهم، بل لما ماتت فاطمة قامت بنتها كاتبة مقامها، ولما ماتت كاتبة قام أولادها مقامها، وهي كانت قائمة مقام أمها فاطمة، فيقومون مقامها أيضا؛ لأنه مقام أمهم، فيستحقون ما كانت أمهم تستحقه لو كانت حية؛ عملا بقول الواقف: قام مقامه واستحق ما كان يستحقه، أن لو كان حيا.
(وقد) أجاب بنظير ذلك الشيخ خير الدين الرملي في سؤال في فتاويه، بعد نحو ثلاثة كراريس من كتاب الوقف أول السؤال، سئل من دمشق: فيما إذا وقف رجل وقفه على نفسه إلخ، فراجعه؟
(وأما جواب الأول: فلأنه مبني على رواية عدم دخول أولاد البنات في الأولاد، والمرجح دخولهم كما بسطه العلامة خير الدين الرملي في فتاواه قبل السؤال الذي قدمناه بنحو ستة أوراق.
وأفتى في موضع آخر بعدم الدخول، والمسألة شهيرة الخلاف، (وفي الإسعاف الصحيح ما قاله هلال؛ لأن اسم ولد الولد كما يتناول أولاد البنين يتناول أولاد البنات، ورجحه ابن الشحنة بأن فيه نص محمد عن أصحابنا، وهم شيخاه، وقد انضم إليه أن في هذا الزمان لا يفهمون، ولا يقصدون سواه، وعليه عرفهم مع كونه حقيقة اللفظ، انتهى.
(وأفتى به ابن نجيم، وذكر العلامة الحلبي أنه أفتى به قاضي القضاة نور الدين الطرابلسي، على ما اختاره الإمام الخصاف، وقال: وعليه عمل الناس في جميع مكاتيبهم القديمة والحديثة، وقوله: لأنه مرتب بثم، ووافقه المجيب الثاني، وزاد ما نقله عن الدر تأييدا لكلامه وكلام المجيب الأول، فيحتاج إلى بيان ليظهر العيان؛ (فنقول: إن ما نقله عن الدر معزوا للأشباه غير محرر؛ لأن حاصل ما في الأشباه أن الواقف إذا قال: على أنه من مات قبل استحقاقه لشيء، وله ولد قام مقامه لو بقي حيا، فهل له حظ أبيه، ويشارك الطبقة الأولى أو لا؟ وهل تنقض القسمة بعد انقراض كل بطن أو لا؟
أفتى الإمام السبكي بعدم المشاركة، وبنقض القسمة، وخالفه الإمام السيوطي في المشاركة، ووافقه في نقض القسمة، (وقال صاحب الأشباه: أما مخالفته فيما ذكر فواجبة، وأما موافقته في نقض القسمة فقد أفتى بها بعض علماء العصر، وعزوه للخصاف، ولم يتنبهوا للفرق بين مسألة الخصاف ومسألة السبكي، فإن مسألة الخصاف ذكرها بالواو، ومسألة السبكي بثم، فإن كان الواقف عبر في البطون بالواو تنقض
القسمة، وإن عبر بثم فلا، هذا خلاصة ما ذكره في الأشباه.
فما ذكره من التفصيل إنما هو في نقض القسمة، أما في المشاركة فهو موافق للسيوطي على أن من بعده رد عليه هذا التفصيل حتى ألف فيه رسالة العلامة المقدسي، وذكرها العلامة الشرنبلالي في مجموع رسائله الستين.
وحاصل ما ذكره المقدسي: أن الحق مع من أفتى بنقض القسمة، سواء عبر بالواو أو بثم، كما قاله السبكي والسيوطي والبلقيني، والعلامة قاسم، والجلال المحلي، وابن الشحنة، والبرهان الطرابلسي، والزبن الطرابلسي والشهاب الرملي الشافعي، والبرهان ابن أبي شريف، وعلاء الدين الإخميمي وغيرهم، وقد أطال في الرد على صاحب الأشباه.
(وحيث علمت ذلك ظهر لك: أن عبارة الدر غير محررة، ولا تحتمل الصحة بوجه من الوجوه، فكيف يجعلها المجيب الثاني دليلا على ما قاله؟ وليته سكت، بل قال: ولا نعول إلا عليه، والعجب ممن يفتي بلا مراجعة ولا تأمل.
(وقد أجاب الشيخ خير الدين الرملي بالمشاركة مع التعبير بثم، حيث سئل عما إذا عبر الواقف بثم، ومات أحد مستحقي الوقف عن ولد، وأولاد أولادٍ ماتوا في حياة أبيهم قبل استحقاقهم لشيء، فأجاب: يقسم استحقاق الميت على ولده الحي، وعلى أولاده الذين ماتوا في حياته، فما أصاب الحي أخذه، وما أصاب الميتين دفع لأولادهم؛ عملا بقوله: على أنه من مات منهم، ومن أولادهم، وأولاد أولادهم قبل استحقاقه لشيء، وترك ولدا، أو ولد ولد استحق ما كان يستحقه لو كان حيا إلخ، وهذا لا شبهة فيه انتهى كلام الرملي.
ولا يمكن القول بنقض القسمة في مسألتنا، ولا في مسألة الرملي؛ لأن الطبقة الأولى لم تنقرض لبقاء عبد القادر في مسألتنا، (وحيث علمت ما قررناه ظهر لك أنه لا كلام في دخول أولاد الأولاد الذين مات آباؤهم قبل الاستحقاق، وفي مشاركتهم لمن فوقهم، وأنه لا فرق في ذلك بين التعبير بالواو أو بثم؛ لأن نص الواقف على قيامهم مقام أصولهم أبطل الترتيب المستفاد من ثم بالنظر إليهم، فإن مذهبنا العمل بالمتأخر.
(قال الإمام الخصاف: لو كتب في أول المكتوب بعد الوقف لا يباع ولا يوهب، وكتب في آخره على أن لفلان بيع ذلك، والاستبدال بثمنه كان له الاستبدال من قبل أن الآخر ناسخ للأول، ولو كان على عكسه امتنع بيعه انتهى.
(وقال الإمام السيوطي في تأييد المشاركة: ولا ينافي هذا اشتراطه الترتيب في الطبقات بثم؛ لأن ذاك عام خصصه هذا، كما خصصه أيضا قوله: على أن من مات عن ولد إلخ، وأيضا قلنا: إذا علمناه بعموم اشتراط الترتيب لزم منه إلغاء هذا الكلام بالكلية، وأنه لا يعمل في صورة ويبقى قوله: ومن مات قبل استحقاقه إلخ مهملا لا يظهر له أثر في صورة بخلاف ما إذا علمناه، وخصصنا به عموم الترتيب، فإن فيه إعمالا للكلامين وجمعا بينهما، وهذا أمر ينبغي
أن يقطع به انتهى، كلام السيوطي، نقله عنه في الأشباه والله سبحانه وتعالى أعلم.
(وقد سئلت): عن رجل أوصى بوصايا، وأقام عليها وصيا، ثم مات مصرا عليها، وهي تخرج من ثلث ماله ومن جملة ما قال: ألف قرش لصلة الرحم للفقراء المستحقين منهم الأقرب فالأقرب، ووجد من أرحامه الفقراء عند موته، عمات لأبوين، وأولادهن وهم بالغون، وأولاد عم لأبوين، وأولاد أخ غني صغار، وابن أخت صغير، أبوه غني، وبنت بنت خالة أب، وابن ابن عم أب؟
(فأجبت): بأنه يعطي أولا للعمات الغير المتزوجات بغني نصابَ زكاة إن لم يكن لهن مال، أو يكمل لهن النصاب إن كان لهن مال دونه، ثم يعطي لأولادهن البالغين، وأولاد العم، فيعطون كذلك سوية؛ الذكر والأنثى سواء، ثم من يليهم في القرب، إن فضل من الوصية شيء، كذلك فقد قالوا: الوصية والوقف يستقيان من محل واحد.
(قال الإمام الخصاف: الوصية بمنزلة الوقف، وقال أيضا: الأقربية معتبرة على حسب النسب لا على حسب المواريث، وقال أيضا: إن بنت الأخ لأبوين أولى من ابن ابن الأخ، والعم والعمة سواء.
(وقال في الإسعاف: ولو قال على قرابتي وأرحامي، أو رحمي تصرف الغلة إلى قرابته الموجودين يوم الوقف، لا أبويه ولا أولاده لصلبه، ويدخل المحارم، وغيرهم من أولاد الإناث، وإن بعدوا عندهما، وعند أبي حنيفة: تعتبر المحرمية، والأقرب فالأقرب، انتهى.
(والظاهر: أن المرجح قولهما لما قال الخصاف جازما به، وتبعه في الإسعاف: بنت العمة أولى من عمة أبيه ولو لأبويه، وبنت خالته أولى من خال أبيه، وابن ابن الخال أولى من خال أمه، وعم أمه انتهى ملخصا.
وقد علم مما نقلناه وجه إعطاء العمات وإن كن غير وارثات، ووجه إعطاء أولادهن بعدهن، وإن كانوا غير محارم، ووجه مشاركة أولاد العم لهم وإن كانوا عصبات، (وقال الإمام الخصاف: لو قال لذوي أرحامه فالغلة لجميع قرابته من قبل أبيه وأمه، فلو قرابته من قبل أبيه أكثر من قرابته من قبل أمه، فالغلة بينهم على عددهم، ثم قال: الرجال والنساء سواء. انتهى.
(وبه علم وجه قولنا سوية، وقال الإمام الخصاف: كل من كان له أن يأخذ الزكاة فهو عندي فقير، (وقال في الإسعاف: أوصى بثلث ماله للأحوج فالأحوج من قرابته، وكان في قرابته من يملك مائة درهم مثلا، وفيهم من يملك أقل منها، يعطى ذو الأقل إلى أن يصير معه مائة، ثم يقسم الباقي بينهم جميعا بالسوية، ثم قال: ولو قال على فقراء قرابتي الأقرب فالأقرب؛ يبدأ بأقربهم إليه بطنا، فيعطي كل واحد مائتي درهم، ثم يعطي الذي يليه كذلك حتى تفرغ الغلة، وهذا استحسان، وفي القياس تعطى الغلة كلها للبطن الأقرب منه، ولا يعطى لمن بعده شيء انتهى.
وصرحوا بأن