الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بابُ: آدابِ القُرَّاءِ عِندَ تِلاوتِهِمُ القُرآنَ ممَّا لا يَنبَغِي لَهُمْ جَهْلُهُ
وَأُحِبُّ لِمَنْ أَرَادَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ في لَيْلٍ أَوْ نِهَارٍ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يَسَتَاكَ، وَذَلِكَ تَعْظِيمٌ للْقُرْآنِ؛ لأَنَّهُ يَتْلُو كَلامَ الرَّبِّ عز وجل، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلائِكَةَ تَدْنُو مِنْهُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ، وَيَدْنُو مِنْهُ الْمَلَكُ، فَإِنْ كَانَ مُتَسَوِّكًا وَضَعَ فَاهُ عَلِى فِيهِ، فكُلَمَّا قَرَأَ آيَةً أخذ الْمَلَكُ بِفِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَسَوَّكَ تَبَاعَدَ المَلَكُ منْهُ.
فَلا يَنْبَغِي لَكُمْ - يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ - أَنْ تُبَاعِدُوا مِنْكُمْ الْمَلَكَ: فاسْتَعْمِلُوا الأَدَبَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد إِلا وَهُوَ يَكْرَهُ إِذَا لَمْ يَتَسَوَّكْ أَنْ يُجَالِسَ إِخْوَانَهُ.
وَأُحِبُّ أَنْ يُكْثِرَ الْقِرَاءَةَ في الْمُصْحَفِ؛ لِفَضْلِ مَنْ قَرَأَ فِي الْمُصْحَفِ.
وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْمِلَ الْمُصْحَفَ إِلا وَهُوَ طَاهِرٌ. فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ في الْمُصْحَفِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَلا بَأْسَ بِهِ،
وَلَكِنْ لا
يَمَسُّهُ، وَلَكِنْ يَصَّفَّحُ الْمُصْحَفَ بِشَيْءٍ، وَلا يَمَسُّهُ إِلا طَاهِرًا.
وَيَنْبَغِي لِلْقَارِئِ إِذَا كَانَ يَقْرَأُ، فَخَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ؛ أَمْسَكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الرِّيحُ، ثُمَّ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ يَقْرَأَ طَاهِرًا، فَهُو أفْضَلُ، وَإِنْ قَرَأَ غَيْرَ طَاهِرٍ فَلا بَأْسَ بِهِ، وَإِذَا تَثَاءَبَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَمْسَكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَنْقَضِي عَنْهُ التَّثَاؤبُ
…
وَأُحِبُّ لِلْقَارِئِ أَنْ يَأْخَذَ نَفْسَهُ بِسُجُودِ الْقُرْآنِ، كُلَمَّا مَرَّ بِسَجْدَةٍ سَجَدَ فِيهَا. وَفِي الْقُرْآنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، وقِيلَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: إحدى عَشْرَةَ.
وَالَّذِي أَخْتَارُ أَنْ يَسْجُدَ كُلَّمَا مَرَّتْ بِهِ سَجْدَةٌ؛ فَإِنَّهُ يُرْضِي رَبَّهُ عز وجل، وَيَغِيظُ عَدُوَّهُ الشَّيْطَانَ.
رُوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ، فَسَجَدَ؛ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ! أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيتُ، فَلِي النَّارُ» (1).
وَأُحِبُّ لِمَنْ يَدْرُسُ وَهُوَ مَاشٍ فِي طَرِيقٍ، فَمَرَّتْ بِهِ سَجْدَةٌ
(1) أخرجه مسلم (133).
أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَيُومِئَ بِرَأْسِهِ بِالسُّجُودِ، وَهَكَذَا إن كَانَ رَاكِبًا فَدَرَسَ، فَمَرَّتْ بِهِ سَجْدَةٌ سَجَدَ، يُومِئُ نَحْوَ الْقِبْلَةَ، إِذَا أَمْكنَهُ
…
وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي قِرَاءَتِهِ، وَيَتَدَبَّرَ مَا يَتْلُو، وَيَسْتَعْمِلَ غَضَّ الطَّرْفِ عَمَّا يُلْهِي الْقُلُوبَ. وَإنْ يَتْرُكْ كُلَّ شُغْلٍ حَتَّى يَنْقَضِي دَرْسُهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ؛ لِيَحْضُرَ فَهْمُهُ، وَلا يَشْتَغِلَ بِغَيْرِ كَلامِ مَوْلاهُ.
وَأُحِبُّ إِذَا دَرَسَ، فَمَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ؛ سَأَلَ مَوْلاهُ الْكَرِيْمَ، وَإِذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ عَذَابٍ اسْتَعَاذَ باِللهِ مِنَ النَّارِ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ تَنْزِيهٍ للهِ تعالى عَمَّا قَالَهُ أَهْلُ الكفر سبَّحَ اللهَ تعالى جَلَّت عَظَمَته، وَعَظَّمَهُ.
فإِذَا كَانَ يَقْرَأُ، فَأَدْرَكَهُ النُّعَاسُ؛ فَحُكْمُهُ أَنْ يَقْطَعَ الْقِرَاءَةَ، ويَرْقدَ، حَتَّى يَقْرَأَ وَهُوَ يَعْقِلُ مَا يَتْلُوهُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: جَمِيعُ مَا أَمَرْتُ بِهِ التَّالِي لِلْقُرْآنِ مُوَافِقٌ لِلسُّنَّةِ وَأَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهُ مَا حَضَرَنِي - إِنْ شَاءَ اللهُ -
…
عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ: «أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَحُثُّ عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُ بِهِ - يَعْنِي: السِّوَاكَ -، وَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، دَنَا الْمَلَكُ مِنْهُ، يَسْتَمِعُ الْقُرْآنَ، فَمَا يَزَالُ يَدْنُو مِنْهُ حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ، فَمَا يَلْفِظُ مِنْ آيَةٍ إِلا دَخَلَتْ فِي جَوْفِهِ» (1).
عن إِسْحَاق بن مَنْصُورٍ الْكَوْسَجِ قَالَ: «قُلْتُ لأَحْمَدَ: الْقِرَاءةُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ ، قَالَ: لا بَأْسَ بِهَا، وَلَكِنْ لا يَقْرَأْ فِي الْمُصْحَفِ إِلا مُتَوَضِّئٌ» (2).
قَالَ إِسْحَاقُ - يَعْنِي: ابْنَ رَاهَوَيْهِ -: كَمَا قَالَ، سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ.
عَنْ أبي بَكْرٍ الْمَرُّوذيُّ قَالَ: «كَانَ أبُو عَبْدِاللهِ رُبَّمَا قَرَأَ فِي الْمُصْحَفِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَلا يَمَسُّهُ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ عُودًا، أَوْ شَيْئًا يَصَّفَّحُ بِهِ الْوَرَقَ» (3).
(1) إسناده صحيح.
أخرجه المصنف في فضل قيام الليل (34، 35) ، وعبدالرزاق في المصنف (4184) ، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 38) ، وفي الشعب (1937).
وروي مرفوعًا، لكن قال المنذري في الترغيب (1/ 167):«الموقوف أشبه» .
(2)
ذكره الكوسج في مسائل أحمد، وابن راهويه (1/ 89).
(3)
أورده ابن هاني في مسائل أحمد (1/ 102) بنحوه.
عَنْ زُرْزُرٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: «أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَخْرُجُ مِنِّي الرِّيحُ؟ قَالَ: تُمْسِكُ عَنْ الْقِرَاءةِ حَتَّى تنقضي الرِّيحُ» (1).
عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «إِذَا تَثَاءبْتَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ فَأَمْسِكْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْكَ» (2).
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال: «إِذَا نَعِسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ، فَيَسُبَّ نَفْسَهُ» (3)
…
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رحمه الله: جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُهُ يَنْبَغِي لأَهْلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَتَأَدَّبُوا بِهِ، وَلا يَغْفَلُوا عَنْهُ، فَإِذَا انْصَرَفُوا عَنْ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ اعْتَبَرُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَاسَبَةِ لَهَا، فَإِنْ تَبَيَّنُوا مِنْهَا قَبُولَ مَا نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ مَوْلاهُمْ الْكَرِيْمُ؛ مِمَّا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ، حَمِدُوهُ فِي ذَلِكَ، وَشَكَرُوا اللهَ عز وجل عَلَى مَا وَفَّقَهُمْ لَهُ، وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ النُّفُوَس مُعْرِضَةٌ عَمَّا نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ مَوْلاهُمُ الْكَرِيْمُ، قَلِيلَةُ الاكْتِرَاثِ بِهِ؛ اسْتَغْفَرُوا اللهَ مِنْ تَقْصِيرِهِمْ، وَسَأَلُوهُ النُّقْلَةَ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ، الَّتِي لا تَحْسُنُ
(1) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (100) ، وابن أبي شيبة (8/ 447) ، والبيهقي في الشعب (1942).
(2)
أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (98) ، والبيهقي في الشعب (1943).
(3)
أخرجه البخاري (212) ، ومسلم (786).
بِأَهْلِ الْقُرْآنِ، وَلا يَرْضَاهَا لَهُمْ مَوْلاهُمْ، إِلَى حَالٍ يَرْضَاهَا؛ فَإِنَّهُ لا يَقْطَعُ مَنْ يَلْجَأُ إِلَيْهِ. وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ، وَجَدَ مَنْفَعَةَ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَعَادَ عَلَيْهِ مِنْ بَرَكَةِ الْقُرْآنِ كُلُّ مَا يُحِبُّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ - إِنْ شَاءَ اللهُ -.
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «لَمْ يُجَالِسْ هَذَا الْقُرْآنَ أحدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، قَضَاءُ اللهِ الَّذِي قَضَى: {شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)} (1) [الإسراء]» .
عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللهِ عز وجل: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف: 58]، قَالَ: «{البَلَدُ الطَّيِّبُ} : الْمُؤْمِنُ سَمِعَ كِتابَ اللهِ فَوعاهُ، وَأَخَذَ بِهِ، وَانتَفَعَ بِهِ؛ كَمَثَلِ هَذِهِ الأَرْضِ أَصَابَهَا الْغَيْثُ، فَأَنبَتَتْ، وَأَمرَعَتْ:{وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف: 58]، أَيْ: إِلَّا عَسِرًا، فهَذَا مَثَلُ الْكَافِرِ قَدْ سَمِعَ الْقُرْآنَ فَلَمْ يَعْقِلْهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، كَمَثَلِ هَذِهِ الأَرْضِ الْخَبِيثَةِ أَصَابَهَا الْغَيْثُ، فَلَمْ تُنْبِتْ، وَلَمْ تُمْرِعْ شَيْئًا (2).
(1) إسناده صحيح.
أخرجه الدارمي (3387). وقد جاء نحوه عن أُويس القرني، والحسن البصري.
(2)
رجاله ثقات. =
* * *
= أخرجه ابن جرير في جامع البيان (12/ 497) بنحوه مختصرًا، وإسناده صحيح.
وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر، كما في الدر المنثور (3/ 478).