المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب إثبات عذاب القبر] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ١

[الملا على القاري]

الفصل: ‌[باب إثبات عذاب القبر]

124 -

«وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا يَزَالُ يُصِيبُكَ فِي كُلِّ عَامٍ وَجَعٌ مِنَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي أَكَلْتَ. قَالَ: (مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا وَهُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيَّ وَآدَمُ فِي طِينَتِهِ) » . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

ــ

124 -

(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) : هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ رضي الله عنها، وَكَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَبُو سَلَمَةَ، وَمَاتَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَكَانَ عُمُرُهَا أَرْبَعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَرَوَى عَنْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَزَيْنَبُ بِنْتُهَا، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا تَزَالُ) : بِالْخِطَابِ وَقِيلَ بِالْغَيْبَةِ (يُصِيبُكَ)، أَيْ: يَحْصُلُ لَكَ (فِي كُلِّ عَامٍ) : أَيْ سَنَةٍ (وَجَعٌ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ أَلَمٌ (مِنَ الشَّاةِ)، أَيْ: مِنْ أَجْلِ أَثَرِ الشَّاةِ (الْمَسْمُومَةِ) : أَيْ: بِالسُّمِّ الَّذِي بَالَغَ الْيَهُودِيُّ فِي اصْطِنَاعِهِ وَإِتْقَانِهِ لِيُثْقِلَ فِي وَقْتِهِ وَسَاعَتِهِ (الَّتِي أَكَلْتَ) : أَيْ: فِي خَيْبَرَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ قَالَ: (مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ مِنْهَا)، أَيْ: مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ أَوْ مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ (إِلَّا وَهُوَ) : أَيْ: ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الْأَلَمِ (مَكْتُوبٌ عَلَيَّ وَآدَمُ فِي طِينَتِهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: مَثَلٌ لِلتَّقْدِيرِ السَّابِقِ لَا تَعْيِينٌ فَإِنَّ كَوْنَ آدَمَ فِي طِينَتِهِ أَيْضًا مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، كَمَا يُقَالُ: لَا، مَا لَاحَ كَوْكَبٌ وَمَا أَقَامَ ثَبِيرٌ فِي التَّأْبِيدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَبَّدًا اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22] : أَيْ: نَخْلُقَهَا. وَقَضِيَّةُ الشَّاةِ تَأْتِي فِي بَابِ الْمُعْجِزَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

ص: 202

[4]

بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ

قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ. قَالَ تَعَالَى:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46] وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَلَا تُحْصَى كَثْرَةً، وَلَا مَانِعَ فِي الْعَقْلِ مِنْ أَنْ يُعِيدَ اللَّهُ الْحَيَاةَ فِي جُزْءٍ مِنَ الْجَسَدِ، أَوْ فِي الْجَمِيعِ عَلَى خِلَافٍ بَيْنِ الْأَصْحَابِ فَيُثِيبَهُ وَيُعَذِّبَهُ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْمَيِّتِ قَدْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ كَمَا يُشَاهَدُ فِي الْعَادَةِ، أَوْ أَكْلَتْهُ السِّبَاعُ وَالطُّيُورُ وَحِيتَانُ الْبَحْرِ لِشُمُولِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ نُشَاهِدُ الْمَيِّتَ عَلَى حَالِهِ فَكَيْفَ يُسْأَلُ وَيُقْعَدُ وَيُضْرَبُ وَلَا يَظْهَرُ أَثَرٌ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مُمْكِنٌ وَلَهُ نَظِيرٌ فِي الشَّاهِدِ وَهُوَ النَّائِمُ فَإِنَّهُ يَجِدُ لَذَّةً وَأَلَمًا يُحِسُّهُ وَلَا نُحِسُّهُ، وَكَذَا يَجِدُ الْيَقْظَانُ لَذَّةً وَأَلَمًا يَسْمَعُهُ وَيَتَفَكَّرُ فِيهِ وَلَا يُشَاهِدُ ذَلِكَ جَلِيسُهُ، وَكَذَلِكَ كَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيُوحِي بِالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وَلَا يَرَاهُ أَصْحَابُهُ.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

125 -

(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) : هُوَ وَأَبُوهُ صَحَابِيَّانِ. وَهُوَ أَبُو عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثِيُّ، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَافْتَتَحَ الرَّيَّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَشَهِدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانَ، وَمَاتَ بِالْكُوفَةِ. وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَعُمَارَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَعَازِبُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (الْمُسْلِمُ) : وَفِي مَعْنَاهُ الْمُؤْمِنُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، فَيَشْمَلُ الْمُذَكَّرَ

ص: 202

وَالْمُؤَنَّثَ أَوْ حُكْمُهَا يُعْرَفُ بِالتَّبَعِيَّةِ (إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ) : التَّخْصِيصُ لِلْعَادَةِ أَوْ كُلُّ مَوْضِعٍ فِيهِ مَقَرُّهُ فَهُوَ قَبْرُهُ، وَالْمَسْئُولُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: سُئِلَ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ لِمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ " يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "، أَيْ: يُجِيبُ بِأَنْ لَا رَبَّ إِلَّا اللَّهُ وَلَا إِلَهَ سِوَاهُ، وَبِأَنَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدٌ عليه الصلاة والسلام، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ دِينَهُ الْإِسْلَامُ (فَذَلِكَ: أَيْ: فَمِصْدَاقُ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى سُرْعَةِ الْجَوَابِ الَّتِي يُعْطِيهَا جَعَلَ إِذَا ظَرْفًا لِيَشْهَدَ وَالْفَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْآيَةَ سَبَبٌ لِمَا فِي الْحَدِيثِ دُونَ الْعَكْسِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْفَاءَ تَفْرِيعِيَّةٌ أَوْ تَفْصِيلِيَّةٌ (قَوْلُهُ) : أَيْ: تَعَالَى كَمَا فِي نُسْخَةٍ {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [إبراهيم: 27] : أَيْ يُجْرِي لِسَانَهُمْ {بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27] : وَهُوَ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ الْمُتَمَكِّنَةُ فِي الْقَلْبِ بِتَوْفِيقِ الرَّبِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاللَّامُ إِشَارَةٌ إِلَى كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ اهـ. وَهَذَا مُقْتَبَسٌ مِنْ:

قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَثَلًا كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم: 24] وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24] وَهِيَ النَّخْلَةُ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحِ، قِيلَ: الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُثَبِّتُ وَكَذَا {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [إبراهيم: 27] : بِأَنْ لَا يَزَالُوا عَنْهُ إِذَا فُتِنُوا وَلَمْ يَرْتَابُوا بِالشُّبُهَاتِ وَإِنْ أُلْقُوا فِي النَّارِ {وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] أَيِ: الْبَرْزَخِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ: فِي الْقَبْرِ عِنْدَ السُّؤَالِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا وَقَعَ بِهِ التَّصْرِيحُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَعَادَ الْجَارَّ لِيَدُلَّ عَلَى اسْتِقْلَالِهِ فِي التَّثْبِيتِ.

(وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ} [إبراهيم: 27] مُبْتَدَأٌ، أَيْ: آيَةُ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27] : أَيْ إِلَى قَوْلِهِ {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 27] أَيِ الْكَافِرِينَ {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] (نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ) : أَيْ: فِي إِثْبَاتِهِ، قَالَ فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى عَذَابِ الْمُؤْمِنَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ؟ قُلْتُ: لَعَلَّهُ سَمَّى أَحْوَالَ الْعَبْدِ فِي الْقَبْرِ بِعَذَابِ الْقَبْرِ عَلَى تَغْلِيبِ فِتْنَةِ الْكَافِرِ عَلَى فِتْنَةِ الْمُؤْمِنِ تَرْهِيبًا؛ وَلِأَنَّ الْقَبْرَ مَقَامُ الْهَوْلِ وَالْوَحْشَةِ، وَلِأَنَّ مُلَاقَاةَ الْمَلَكَيْنِ مِمَّا يَهِيبُ الْمُؤْمِنَ أَيْضًا اهـ.

وَفِيهِ: أَنَّ الْمُرَادَ إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ مُجْمَلًا غَايَتُهُ أَنَّ عَذَابَ الْمُؤْمِنِ الْفَاسِقِ مَسْكُوتٌ عَنْهُ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْقُرْآنِ فِي اقْتِصَارٍ عَلَى حُكْمِ الْفَرِيقَيْنِ، كَمَا وَرَدَ فِي إِعْطَاءِ الْكِتَابِ بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَخِفَّةِ الْمِيزَانِ وَثِقَلِهِ وَأَمْثَالِهَا، وَهَذَا الْمِقْدَارُ مِنَ الدَّلِيلِ حُجَّةٌ عَلَى الْمُخَالِفِ إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ. (يُقَالُ لَهُ)، أَيْ: لِصَاحِبِ الْقَبْرِ (مَنْ رَبُّكَ)، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَزَالَ اللَّهُ الْخَوْفَ عَنْهُ وَثَبَّتَ لِسَانَهُ فِي جَوَابِ الْمَلَكَيْنِ (فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ) : زَادَ فِي الْجَوَابِ تَبَجُّحًا: أَوْ مَنْ نَبِيُّكَ مُقَدَّرٌ فِي السُّؤَالِ، أَوْ لِأَنَّ السُّؤَالَ عَنِ التَّوْحِيدِ يَسْتَلْزِمُهُ إِذْ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ دُونَهُ، وَزَادَ فِي " الْمَصَابِيحِ ": وَالْإِسْلَامُ دِينِي، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُنَعَّمًا فِي الْقَبْرِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْخَوْفُ وَالْحَيْرَةُ وَالدَّهْشَةُ وَالْوَحْشَةُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى جَوَابِهِمَا فَيَكُونَ مُعَذَّبًا فِيهِ. قِيلَ: وَلَمْ يُذْكَرْ حَالُ الْكَافِرِ لِأَنَّ الضِّدَّ أَقْرَبُ خُطُورًا بِالْبَالِ عِنْدَ ذِكْرِ ضِدِّهِ فَاكْتَفَى بِهِ عَنْهُ (فَإِنَّهُ) : (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ص: 203

126 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:( «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.

ــ

126 -

(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الْعَبْدَ) : الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ (إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ) : شَرْطٌ وَ " أَتَاهُ " جَوَابُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ (وَتَوَلَّى) : أَيْ: أَدْبَرَ وَأَعْرَضَ (عَنْهُ أَصْحَابُهُ) : أَيْ: عَنْ قَبْرِهِ، وَالْعِبْرَةُ بِالْأَكْثَرِ أَوْ عَنْ وَضْعِهِ، وَالْمَعْنَى دَفَنُوا وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُمْ بِالْأَصْحَابِ نَظَرًا لِلْغَالِبِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ (إِنَّهُ) : بِالْكَسْرِ وَهُوَ إِمَّا حَالٌ بِحَذْفِ الْوَاوِ كَمَا فِي أَحَدِ وَجْهَيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60] أَيْ: وَوُجُوهُهُمْ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ وَهُوَ عَلَى حَدِّ كَلِمَتِهِ: فُوهُ إِلَى فِي، أَوْ يَكُونُ أَنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ عَلَى حَذْفِ الْفَاءِ فَيَكُونُ " أَتَاهُ " حَالًا مِنْ فَاعِلِ يَسْمَعُ وَقَدْ مَقَدَّرَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِذَا ظَرْفًا مَحْضًا، وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: إِنَّ الْعَبْدَ (لَيَسْمَعُ) : بِفَتْحِ اللَّامِ لِلتَّأْكِيدِ (قَرْعَ نِعَالِهِمْ) : بِكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ نَعْلٍ، قِيلَ أَيْ: يَسْمَعُ صَوْتَهَا لَوْ كَانَ حَيًّا فَإِنَّ جَسَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْمَلَكُ فَيُقْعِدَهُ مَيِّتٌ لَا يُحِسُّ بِشَيْءٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، إِذْ ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ أَنَّ الْمَيِّتَ يَعْلَمُ مَنْ يُكَفِّنُهُ وَمَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَمَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يَدْفِنُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ صَوْتَ دَقِّهَا، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى حَيَاةِ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ لِأَنَّ الْإِحْسَاسَ بِدُونِ الْحَيَاةِ مُمْتَنِعٌ عَادَةً، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكُونُ بِإِعَادَةِ الرُّوحِ، وَتَوَقَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ اهـ. وَلَعَلَّ تَوَقُّفَ الْإِمَامِ فِي أَنَّ الْإِعَادَةَ تَتَعَلَّقُ بِجُزْءِ الْبَدَنِ أَوْ كُلِّهِ. قَالَ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ": يَجُوزُ الْمَشْيُ بِالنَّعْلِ فِي الْقُبُورِ (أَتَاهُ مَلَكَانِ) : أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ زَمَانٌ طَوِيلٌ (فَيُقْعِدَانِهِ) : مِنَ الْإِقْعَادِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: فَيُجْلِسَانِهِ مِنَ الْإِجْلَاسِ، وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّ الْقُعُودَ عِنْدَ الْفُصَحَاءِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِيَامِ، وَالْجُلُوسَ فِي مُقَابَلَةِ الِاضْطِجَاعِ وَالِاسْتِلْقَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا حُكِيَ أَنَّ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ مَثَلَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ فَقَالَ: اجْلِسْ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَسْتُ مُضْطَجِعًا فَأَجْلِسَ، قَالَ: كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ: قُلِ اقْعُدْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْإِقْعَادِ الْإِيقَاظُ وَالتَّنْبِيهُ، وَإِنَّمَا يُسْأَلَانِ عَنْهُ بِإِعَادَةِ الرُّوحِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْفَزَعِ وَالْخَوْفِ وَالْهَيْبَةِ وَالدَّهْشَةِ وَالْحَيْرَةِ فَيُقْعِدَانِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ مَنْ رَوَى فَيُقْعِدَانِهِ ظَنَّ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ يُنَزَّلَانِ فِي الْمَعْنَى مَنْزِلَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ فَاتَهُ دِقَّةُ الْمَعْنَى، وَلِهَذَا نَهَى كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ عَنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْقُعُودُ وَالْجُلُوسُ مُتَرَادِفَانِ، وَاسْتِعْمَالُ الْقُعُودِ مَعَ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ مَعَ الِاضْطِجَاعِ مُنَاسَبَةٌ لَفْظِيَّةٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ إِذَا كَانَا مَذْكُورَيْنِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُذْكَرْ إِلَّا أَحَدُهُمَا فَلَمْ نَقُلْ أَنَّهُ كَذَلِكَ، أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ جِبْرِيلَ عليه السلام (حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أَقُولُ: صُرِّحَ فِي الْقَامُوسِ بِأَنَّهُمَا لُغَتَانِ حَيْثُ قَالَ: الْقُعُودُ الْجُلُوسُ أَوْ هُوَ مِنَ الْقِيَامِ، وَالْجُلُوسُ مِنَ الضَّجْعَةِ، وَمِنَ السُّجُودِ اهـ. وَيُؤَيِّدُ اللُّغَةَ الثَّانِيَةَ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ الْقَعْدَةَ الْأُولَى وَالْقَعْدَةَ الْأُخْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (فَيَقُولَانِ) : أَيْ لَهُ (مَا كُنْتَ تَقُولُ) : أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ كُنْتَ تَقُولُهُ، أَيْ: تَعْتَقِدُ فِي هَذَا الرَّجُلِ) ، أَيْ: فِي شَأْنِهِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَفِي الْإِشَارَةِ إِيمَاءٌ إِلَى تَنْزِيلِ الْحَاضِرِ الْمَعْنَوِيِّ مَنْزِلَةَ الصُّورِيِّ مُبَالَغَةً (لِمُحَمَّدٍ) : بَيَانٌ مِنَ الرَّاوِي لِلرَّجُلِ، أَيْ: لِأَجْلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَشُرَّاحُ الْمَصَابِيحِ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لِمُحَمَّدٍ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِ الرَّسُولِ، وَالتَّعْبِيرُ بِمُحَمَّدٍ دُونَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ يُؤْذِنُ بِذَلِكَ اهـ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَدُعَاؤُهُ بِالرَّجُلِ مِنْ كَلَامِ الْمَلَكِ، فَعَبَّرَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَعْظِيمٌ امْتِحَانًا لِلْمَسْئُولِ لِئَلَّا يَتَلَقَّنَ تَعْظِيمَهُ عَنْ عِبَارَةِ الْقَائِلِ: ثُمَّ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ: «مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ» ، فَيَقُولُ إِلَخْ.

ص: 204

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِشَارَةِ مَا قِيلَ مِنْ رَفْعِ الْحُجُبِ بَيْنَ الْمَيِّتِ وَبَيْنَهُ صلى الله عليه وسلم حَتَّى يَرَاهُ وَيَسْأَلَ عَنْهُ، لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ عَلَى أَنَّهُ مَقَامُ امْتِحَانٍ، وَعَدَمُ رُؤْيَةِ شَخْصِهِ الْكَرِيمِ أَقْوَى فِي الِامْتِحَانِ. قُلْتُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِمَنْ أَدْرَكَهُ فِي حَيَاتِهِ عليه الصلاة والسلام وَتَشَرَّفَ بِرُؤْيَةِ طَلْعَتِهِ الشَّرِيفَةِ. (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ) : أَيْ فِي جَوَابِهِ لَهُمَا مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالتَّوْحِيدِ كَمَا مَرَّ (أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) : لَا كَمَا زَعَمَتِ النَّصَارَى مِنْ أُلُوهِيَّةِ نَبِيِّهِمْ، وَلَا كَمَا زَعَمَتِ الْفِرَقُ الضَّالَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولِهِ (فَيُقَالُ لَهُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى لِسَانِهِمَا تَعْجِيلًا لِمَسَرَّتِهِ وَتَبْشِيرًا لِعَظِيمِ نِعْمَتِهِ (انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ) : أَيْ: لَوْ لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنًا وَلَمْ تُجِبِ الْمَلَكَيْنِ (قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ) : أَيْ: بِمَقْعَدِكَ هَذَا (مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ)، أَيْ: بِإِيمَانِكَ، وَالْقُعُودُ هُنَا أَيْضًا مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمَعْنَى الْأَعَمِّ (فَيَرَاهُمَا)، أَيِ: الْمَقْعَدَيْنِ (جَمِيعًا) : لِيَزْدَادَ فَرَحُهُ (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ) : تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ (فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) أَيْ: حَقِيقَةَ أَنَّهُ نَبِيٌّ أَمْ لَا (كُنْتُ أَقُولُ)، أَيْ: فِي الدُّنْيَا (مَا يَقُولُ النَّاسُ)، أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُنَافِقِ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الدُّنْيَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ تَقِيَّةً لَا اعْتِقَادًا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يَقُولُ فِي الْقَبْرِ شَيْئًا أَوْ يَقُولُ: لَا أَدْرِي فَقَطْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي الدُّنْيَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ الْكَافِرُ أَيْضًا دَفْعًا لِعَذَابِ الْقَبْرِ عَنْ نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنْ أَرَادَ بِالنَّاسِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ كَذِبٌ مِنْهُ حَتَّى فِي الْمُنَافِقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ قَوْلِ اللِّسَانِ، بَلِ اعْتِقَادُ الْقَلْبِ وَإِنْ أَرَادَ مَنْ هُوَ لِصِفَتِهِ فَهُوَ جَوَابٌ غَيْرُ نَافِعٍ لَهُ اهـ.

وَالثَّانِي أَظْهَرُ، وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِالنَّاسِ الْكُفَّارُ وَمُرَادُهُ بَيَانُ الْوَاقِعِ لَا الْجَوَابُ النَّافِعُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُرَادَ بِالنَّاسِ الْمُسْلِمُونَ لَا مَحْذُورَ أَيْضًا فِي كَذِبِهِمْ، إِذْ هَذَا دَأْبُهُمْ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِقَوْلِهِ:{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [المجادلة: 18] أَيْ فِي قَوْلِهِمْ: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23](فَيُقَالُ)، أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (لَا دَرَيْتَ)، أَيْ: لَا عَلِمْتَ مَا هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ (وَلَا تَلَيْتَ) أَيْ: لَا تَبِعْتَ النَّاجِينَ يَعْنِي مَا وَقَعَ مِنْكَ التَّحْقِيقُ وَالتَّسْدِيدُ وَلَا صَدَرَ مِنْكَ الْمُتَابَعَةُ وَالتَّقْلِيدُ، وَقِيلَ: دُعَاءٌ عَلَيْهِ وَهُوَ بَعِيدٌ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، أَيْ: لَا قَرَأْتَ، فَأَصْلُهُ تَلَوْتَ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِازْدِوَاجِ دَرَيْتَ أَيْ: مَا عَلِمْتَ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، أَيِ: الْعَقْلِيِّ أَنَّهُ رَسُولٌ، وَمَا قَرَأْتَ كِتَابَ اللَّهِ لِتَعْلَمَهُ مِنْهُ، أَيْ: بِالدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، وَيُنْبِئُهُ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ:( «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ فَيَقُولَانِ: مَا يُدْرِيكَ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ» ) . كَذَا فِي " الْأَزْهَارِ "، وَقِيلَ: لَا تَلَيْتَ لَا اتَّبَعْتَ الْعُلَمَاءَ بِالتَّقْلِيدِ اهـ.

وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ قَوْلُهُ: وَلَا تَلَيْتَ مِنْ تَلَا يَتْلُو إِذَا قَرَأَ، أَيْ: وَلَا قَرَأْتَ الْكِتَابَ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، أَيْ: بِدَوَامِ الْجَهْلِ أَوْ إِخْبَارٌ. وَقِيلَ: رِوَايَةٌ وَلَا تَلَيْتَ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ: وَلَا أَتْلَيْتَ مِنْ أَتْلَاهُ إِذَا اتَّبَعَهُ، فَالْمَعْنَى مَا عَلِمْتَ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ حَقِيقَةَ نُبُوَّتِهِ، وَلَا اتَّبَعْتَ الْعُلَمَاءَ بِالتَّقْلِيدِ فَيَكُونُ إِخْبَارًا. اهـ.

هَذَا وَفِي " الْقَامُوسِ " تَلَوْتُهُ كَدَعَوْتُهُ وَرَمْيَتُهُ تَبِعْتُهُ وَالْقُرْآنَ أَوْ كُلَّ كَلَامٍ قَرَأْتُهُ وَأَتْلَيْتُهُ إِيَّاهُ اتَّبَعْتُهُ، فَبِهَذَا يَظْهَرُ تَكَلُّفُ بَعْضٍ وَخَطَأُ بَعْضٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي " الْأَزْهَارِ " فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُكَلِّمُ الْمَلَكَانِ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ، وَكَيْفَ يَسْأَلَانِهِمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ فِي الْآفَاقِ وَالْأَطْرَافِ وَبُعْدِ الْمَسَافَةِ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَأَيُّ فَائِدَةٍ مِنْ سُؤَالِ اثْنَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ؟ قِيلَ: يَكُونُ لَهُمَا أَعْوَانٌ كَمَا لِمَلَكِ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: جَمِيعُ الْأَرْضِ مَكْشُوفٌ لَهُمَا وَفِي نَظَرِهِمَا كَمَا لِمَلَكِ الْمَوْتِ، وَإِنَّ أَحَدَهُمَا يَسْأَلُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْآخَرَ الْكَافِرِينَ اهـ.

ص: 205

وَفِي قَوْلِ الْأَخِيرِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: حِكْمَةُ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ عِوَضَ الْمَلَكَيْنِ الْكَاتِبَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَيُضْرَبُ) : أَيِ الْكَافِرُ (بِمَطَارِقَ) : وَفِي " الْمَصَابِيحِ: بِمِطْرَقَةٍ وَهِيَ آلَةُ الضَّرْبِ (مِنْ حَدِيدٍ) : لِأَنَّهُ مِنْ بَيْنِ الْفِلِزَّاتِ أَشَدُّ شَدِيدٍ (ضَرْبَةً)، أَيْ: بَيْنَ أُذُنَيْهِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَفْرَدَ الضَّرْبَةَ وَجَمَعَ الْمَطَارِقَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ:

مَعِي جِيَاعًا لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمِطْرَقَةِ مِطْرَقَةٌ بِرَأْسِهَا مُبَالَغَةً اهـ.

وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَطَارِقَ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ سَوَاءٌ يَكُونُ أَقَلَّهُ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَالْمُرَادُ مِنْ " ضَرْبَةً " دُفْعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ الضَّرْبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: كَانَ وَجْهُ إِفْرَادِهَا مَعَ جَمْعِ الْمَطَارِقِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهَا تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَصَارَتْ كَالضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ صُورَةً. ثُمَّ قَالَ: وَفِي كَلَامِ الطِّيبِيِّ نَظَرٌ لِأَنَّ فِيهِ إِخْرَاجَ الْمَطَارِقِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَهِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى الْجَمْعِ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ فِي النَّكَالِ وَالْعَذَابِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ لِذَلِكَ (فَيَصِيحُ)، أَيْ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ مِنْ تِلْكَ الضَّرْبَةِ (صَيْحَةً يَسْمَعُهَا)، أَيْ: تِلْكَ الصَّيْحَةَ (مَنْ يَلِيهِ)، أَيْ: يَقْرُبُ مِنْهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْمَلَائِكَةِ، وَعَبَّرَ بِمَنْ تَغْلِيبًا لِلْمَلَائِكَةِ لِشَرَفِهِمْ، وَلَا يُذْهَبُ فِيهِ إِلَى الْمَفْهُومِ مِنْ أَنَّ مَنْ بَعُدَ لَا يَسْمَعُ لِمَا وَرَدَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مِنْ أَنَّهُ يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَالْمَفْهُومُ لَا يُعَارِضُ الْمَنْطُوقَ (غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ)، أَيِ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ سُمِّيَ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا ثَقُلَا عَلَى الْأَرْضِ وَنَصَبَ غَيْرَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَاسْتُثْنِيَا لِأَنَّهُمَا بِمَعْزِلٍ عَنْ سَمَاعِ ذَلِكَ لِئَلَّا يَفُوتَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْإِيمَانُ بِهِ لَوْ سَمِعُوهُ ضَرُورِيًّا، وَالْإِيمَانُ الضَّرُورِيُّ لَا يُفِيدُ ثَوَابًا فَيَرْتَفِعَ الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ، وَقِيلَ: لَوْ سَمِعُوهُ لَأَعْرَضُوا عَنِ التَّدَابِيرِ وَالصَّنَائِعِ وَنَحْوِهِمَا، فَيَنْقَطِعَ الْمَعَاشُ وَيَخْتَلُّ نِظَامُ الْعَالَمِ، وَلِذَا قِيلَ: لَوْلَا الْحَمْقَى لَخَرِبَتِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ: الْغَفْلَةُ رَحْمَةٌ، وَقِيلَ: لَوْلَا الْأَمَلُ لَاخْتَلَّ الْعَمَلُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، أَيْ: بِحَسَبِ الْمَعْنَى (وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) : قَالَ مِيرَكُ شَاهْ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ انْتَهَتْ إِلَى قَوْلِهِ: " فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا " فَيُحْمَلُ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْأَكْثَرِ فَتَدَبَّرْ.

ص: 206

127 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

127 -

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ» )، أَيْ: أُظْهِرَ لَهُ مَكَانُهُ الْخَاصُّ مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي عَرْضَ مَقْعَدٍ آخَرَ فَرْضِيًّا كَمَا تَقَدَّمَ (بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ)، أَيْ: طَرَفَيِ النَّهَارِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِمَا الدَّوَامُ (إِنْ كَانَ)، أَيِ: الْمَيِّتُ (مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)، أَيْ: فَالْمَعْرُوضُ عَلَيْهِ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ فَمَقْعَدُهُ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ ( «وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُبَشَّرُ بِمَا لَا يَكْتَنِهُ كُنْهَهُ، وَيَفُوزُ بِمَا لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَبِالْعَكْسِ؟ لِأَنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ إِذَا اتَّحَدَا دَلَّ الْجَزَاءُ عَلَى الْفَخَامَةِ كَقَوْلِهِ: مَنْ أَدْرَكَ الضَّمَانَ فَقَدْ أَدْرَكَ (فَيُقَالُ)، أَيْ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا (هَذَا)، أَيِ: الْمَقْعَدُ الْمَعْرُوضُ عَلَيْكَ (مَقْعَدُكَ) الَّذِي أَنْتَ مُسْتَقِرٌّ فِي نَعِيمِ عَرْضِهِ أَوْ جَحِيمِهِ وَمُسْتَمِرٌّ (حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ) .

قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الضَّمِيرُ فِي إِلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَقْعَدِ، فَالْمَعْنَى هَذَا مَقْعَدُكَ تَسْتَقِرُّ فِيهِ حَتَّى تُبْعَثَ إِلَى مِثْلِهِ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] أَيْ: مِثْلُ الَّذِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ

ص: 206

رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ; أَيْ: إِلَى لِقَائِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْمَقْعَدِ الْمَعْرُوضِ، أَوْ إِلَى الْمَقْعَدِ الَّذِي هُوَ الْقَبْرُ وَ (إِلَى) بِمَعْنَى مِنْ، أَيِ: الْمَعْرُوضُ عَلَيْكَ مَقْعَدُكَ بَعْدُ، وَلَا تَدْخُلْهُ الْآنَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ، أَوِ الْقَبْرُ مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ مِنْهُ إِلَى مَقْعَدِكَ الْآخَرِ الْمَعْرُوضِ عَلَيْكَ اهـ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى يَوْمِ الْحَشْرِ.، أَيْ: هَذَا الْآنَ مَقْعَدُكَ إِلَى يَوْمِ الْحَشْرِ فَتَرَى عِنْدَ ذَلِكَ كَرَامَةً أَوْ هَوَانًا تَنْسَى عِنْدَهُ هَذَا الْمَقْعَدَ. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَهَذَا لَفْظُ " الْمَصَابِيحِ " وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ: «حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .، أَيْ: هَذَا مُسْتَقَرُّكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى مَحْشَرِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ اهـ.

وَفِي " الْأَزْهَارِ: الْمُرَادُ بِالْقِيَامَةِ هُنَا النَّفْخَةُ الْأُولَى لَا الْأُخْرَى، لِأَنَّ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُسْلِمِينَ. قُلْتُ: لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ:(هَذَا مَقْعَدُكَ) مُطْلَقٌ مُتَنَاوَلٌ لِلْعَذَابِ وَغَيْرِهِ مَعَ أَنَّ النَّفْخَةَ الْأُولَى حَالَةُ إِمَاتَةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَغَشَيَانٍ لِلْأَمْوَاتِ، وَمَا ثَمَّ هُنَاكَ بَعْثٌ فَتَأَمَّلَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ص: 207

128 -

«وَعَنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَقَالَ: (نَعَمْ، عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ) . قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

128 -

(وَعَنْ عَائِشَةَ) : رضي الله عنها (أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا)، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ رُؤْيَةُ الْيَهُودِيَّةِ لِعَائِشَةَ الْمُحَرَّمُ عِنْدَنَا لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور: 31] الْمُقْتَضِي لِحُرْمَةِ كَشْفِ الْمُسْلِمَةِ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا لِكَافِرَةٍ لِأَنَّهَا قَدْ تَصِفُهَا لِكَافِرٍ فَيَفْتِنُهَا اهـ.

وَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالصَّحَابَةِ كُنَّ يَحْتَجِبْنَ عَنْ نِسَاءِ الْكُفَّارِ (فَذَكَرَتْ)، أَيِ: الْيَهُودِيَّةُ (عَذَابَ الْقَبْرِ، فَقَالَتْ)، أَيِ: الْيَهُودِيَّةُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا أَوْ تَفْرِيعًا (لَهَا)، أَيْ: لِعَائِشَةَ (أَعَاذَكِ اللَّهُ)، أَيْ: حَفِظَكِ وَأَجَارَكِ (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) ، جَازَ عِلْمُ الْيَهُودِيَّةِ بِعَذَابِ الْقَبْرِ لِقِرَاءَتِهَا فِي التَّوْرَاةِ، أَوْ لِسَمْعِهَا مِمَّنْ قَرَأَ فِي التَّوْرَاةِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ لَمْ تَعْلَمْ وَلَمْ تَسْمَعْ ذَلِكَ (فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)، أَيْ: أَحَقٌّ هُوَ؟ ( «فَقَالَ: نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ» ) .، أَيْ: ثَابِتٌ وَمُتَحَقِّقٌ وَكَائِنٌ وَصِدْقٌ (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ)، أَيْ: بَعْدَ سُؤَالِي ذَلِكَ ( «صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» ) . وَهُوَ يَحْتَمِلُ دَاخِلَ الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرٌ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْجَبَ ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَا عَلِمَ ذَلِكَ قَبْلُ، أَوْ عَلِمَ وَلَمْ يَتَعَوَّذْ حَتَّى سَمِعَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ فَتَعَوَّذَ، أَوْ كَانَ يَتَعَوَّذُ وَلَمْ تَشْعُرْ بِهِ عَائِشَةُ، وَقِيلَ: كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُ قَبْلَ هَذَا سِرًّا، فَلَمَّا رَأَى تَعَجُّبَهَا مِنْهُ أَعْلَنَ بِهِ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ; لِيَثْبُتَ فِي قَلْبِهَا وَلِيَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّتُهُ، وَلِيَشْتَهِرَ ذَلِكَ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَيَتَرَسَّخَ فِي عَقَائِدِهِمْ، وَلِيَكُونُوا عَلَى خِيفَةٍ مِنْهُ، وَجَازَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ قَبْلَ هَذَا يَتَعَوَّذُ مِنْهُ سِرًّا مُتَوَقِّفًا فِي شَأْنِ أُمَّتِهِ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ تَعَوَّذَ مِنْهُ أَعَاذَنَا اللَّهُ بِلُطْفِهِ مِنْهُ.

قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: رَوَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام سَمِعَ الْيَهُودِيَّةَ قَالَتْ ذَلِكَ فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَوَجَدْتُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:«لَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَعَوَّذُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ، أَوْ تَعَوَّذَ بِقَوْلِ الْيَهُودِيَّةِ» ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى

ص: 207

هَذَا فِيهِ تَوَاضُعٌ مِنْهُ عليه الصلاة والسلام، وَإِرْشَادٌ لِلْخَلْقِ إِلَى قَبُولِ الْحَقِّ مِنْ أَيِّ شَخْصٍ كَانَ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، وَفِيهِ: أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام يَعْتَمِدُ فِي الْمَسْأَلَةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ عَلَى قَوْلِ الْيَهُودِيَّةِ، بَلْ إِنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى الْوَحْيِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " وَمَا نُقِلَ عَنِ الطَّحَاوِيِّ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ " فَهُوَ غَرِيبٌ لِأَنَّ نَقْلَهُ نَقْلٌ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْمَشْهُورِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالثِّقَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ فِي الْغَايَةِ، لَا سِيَّمَا وَهَذَا لَيْسَ مِمَّا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَيَجِبُ حُسْنُ الظَّنِّ بِهِ، وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّهُ لَوْ نُقِلَ مِثْلُ هَذَا عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي الرُّتْبَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَذْهَبِهِ كَانَ سَنَدًا مُعْتَمَدًا عِنْدَهُ، ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنْ يَأْمَنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ص: 208

129 -

«وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَالَ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ. وَإِذَا أَقْبُرُ سِتَّةٍ أَوْ خَمْسَةٍ، فَقَالَ:(مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟) قَالَ رَجُلٌ: أَنَا.

قَالَ: (فَمَتَى مَاتُوا؟) قَالَ: فِي الشِّرْكِ. فَقَالَ: (إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ) ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ) . قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. قَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَقَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) . قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) . قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

129 -

(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَائِطٍ)، أَيْ: كَائِنٌ فِي بُسْتَانٍ (لِبَنِي النَّجَّارِ) : قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ (عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ) : حَالٌ مِنَ الْمُسْتَتِرِ فِي الْخَبَرِ (وَنَحْنُ مَعَهُ) : حَالٌ مُتَدَاخِلَةٌ لِأَنَّهُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْحَالِ (إِذْ حَادَتْ) : بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ بِالْجِيمِ مِنَ الْجَوْدَةِ بِالضَّمِّ أَيْ مَالَتْ وَنَفَرَتْ (بِهِ)، أَيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِهِ، فِيهِ حَالٌ، وَإِذْ بِسُكُونِ الذَّالِ لِلْمُفَاجَأَةِ بَعْدَ بَيْنَا. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ عَلَى مَا فِي الْمُغْنِي (فَكَادَتْ تُلْقِيهِ) : مِنَ الْإِلْقَاءِ، أَيْ: تُسْقِطُهُ وَتَرْمِيهِ عَنْ ظَهْرِهَا (وَإِذَا أَقْبُرُ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ (سِتَّةٍ أَوْ خَمْسَةٍ) : إِذْا بِالْأَلِفِ لِلْمُفَاجَأَةِ، وَالْوَاوِ لِلْحَالِ، أَيْ: نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِذَا أَقْبُرُ أَيْ ظَهَرَتْ لَنَا قُبُورٌ مَعْدُودَةٌ فَاجَأْنَاهَا (فَقَالَ: مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟)، أَيْ: ذَوَاتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ وَتَارِيخَ وَفَاتِهِمْ وَأَيَّامَ حَيَاتِهِمْ (قَالَ رَجُلٌ: أَنَا) .، أَيْ: أَعْرِفُهُمْ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: إِذَا كُنْتَ تَعْرِفُهُمْ (فَمَتَى مَاتُوا؟)، أَيْ: فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ بَعْدَهَا مُشْرِكِينَ أَوْ مُؤْمِنِينَ (قَالَ: فِي الشِّرْكِ) .، أَيْ: فِي زَمَنِهِ أَوْ صِفَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ بَعْدَ بَعْثَتِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا» أَيْ بِالْعَذَابِ فِيهَا. قَالَ: وَإِنَّمَا حَمَلْتُهُ عَلَى ذَلِكَ لِيُوَافِقَ الْأَصَحَّ أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ لَا عِقَابَ عَلَيْهِمُ اهـ.

وَفِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ عَلَى مَا حَقَّقُوا فِيهِ نَادِرُ الْوُجُودِ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ (فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ) ، أَيْ: جَنْسَ الْإِنْسَانِ، فَهَذِهِ إِشَارَةٌ لِمَا فِي الذِّهْنِ وَخَبَرُهُ بَيَانٌ لَهُ كَهَذَا أَخُوكَ، وَأَصْلُ الْأُمَّةِ كُلُّ جَمَاعَةٍ يَجْمَعُهُمْ أَمْرٌ وَاحِدٌ إِمَّا دِينٌ أَوْ زَمَانٌ أَوْ مَكَانٌ (تُبْتَلَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: تُمْتَحَنُ (فِي قُبُورِهَا) : ثُمَّ تَنْعَمُ أَوْ تُعَذَّبُ ( «فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا» ) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، أَيْ: لَوْلَا مَخَافَةُ عَدَمِ التَّدَافُنِ إِذَا كُشِفَ لَكُمْ (لَدَعَوْتُ اللَّهَ)، أَيْ: سَأَلْتُهُ (أَنْ يُسْمِعَكُمْ) : مِنَ الْإِسْمَاعِ مَفْعُولٌ ثَانٍ عَلَى تَضْمِينِ سَأَلْتُهُ) أَنْ يَجْعَلَكُمْ سَامِعِينَ (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) : يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً. قَالَ فِي " الْأَزْهَارِ ": قِيلَ: الْمَعْنَى الْمَانِعُ مِنَ الدُّعَاءِ هُوَ الْخَوْفُ وَالْحَيْرَةُ وَالدَّهْشَةُ وَانْخِلَاعُ الْقَلْبِ، وَقِيلَ: الْمَانِعُ تَرْكُ الْإِعَانَةِ فِي الدَّفْنِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَوْ سَمِعُوا ذَلِكَ لَهَمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خُوَيْصَةَ نَفْسِهِ وَعَمَّهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ الْعَظِيمِ حَتَّى أَفْضَى بِهِمْ إِلَى تَرْكِ التَّدَافُنِ وَخَلَعَ الْخَوْفُ أَفْئِدَتَهُمْ حَتَّى لَا يَكَادُوا يَقْرَبُونَ جِيفَةَ مَيِّتٍ (الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ)، أَيِ: الَّذِي أَسْمَعُهُ مِنَ الْقَبْرِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: مِثْلُ الَّذِي أَسْمَعُهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيَسْمَعَ، أَيْ: أَنْ يُوصَلَ إِلَى آذَانِكُمْ أَصْوَاتُ الْمُعَذَّبِينَ فِي الْقَبْرِ، فَإِنَّكُمْ لَوْ سَمِعْتُمْ ذَلِكَ تَرَكْتُمُ التَّدَافُنَ مِنْ خَوْفِ قَلْعِ صِيَاحِ الْمَوْتَى أَفْئِدَتَكُمْ، أَوْ خَوْفِ الْفَضِيحَةِ فِي الْقَرَائِبِ لِئَلَّا يَطَّلِعَ عَلَى أَحْوَالِهِمْ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِثْلُ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: " «لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» وَفِيهِ أَنَّ الْكَشْفَ بِحَسْبِ الطَّاقَةِ، وَمَنْ كُوشِفَ بِمَا لَا يَسَعُهُ يَطِيحُ وَيَهْلِكُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ؟ وَوَجْهُ هَذَا التَّلَازُمِ أَنَّ الْكَشْفَ عَنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ يُؤَدِّي جَهَلَةَ

ص: 208

الْعَامَّةِ إِلَى تَرْكِ التَّدَافُنِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنْهُ، وَيُؤَدِّي الْخَاصَّةَ إِلَى اخْتِلَاطِ عُقُولِهِمْ وَانْخِلَاعِ قُلُوبِهِمْ مِنْ تَصَوُّرِ ذَلِكَ الْهَوْلِ الْعَظِيمِ، فَلَا يَقْرَبُونَ جِيفَةَ مَيِّتٍ، وَبِهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ كَيْفَ يَلِيقُ بِمُؤْمِنٍ أَنْ يَتْرُكَ الدَّفْنَ الْمَأْمُورَ بِهِ حَذَرًا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ تَعْذِيبَ أَحَدٍ عَذَّبَهُ وَلَوْ فِي بَطْنِ الْحِيتَانِ وَحَوَاصِلِ الطُّيُورِ. (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) : تَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِ: رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي ( «فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ» )، أَيِ: اطْلُبُوا مِنْهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْكُمْ عَذَابَهَا ( «قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ» )، أَيْ: نَعْتَصِمُ بِهِ مِنْهَا (قَالَ: ( «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» ) . قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) . وَلَعَلَّ تَقْدِيمَ عَذَابِ النَّارِ فِي الذِّكْرِ مَعَ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ مُقَدَّمٌ فِي الْوُجُودِ لِكَوْنِهِ أَشَدَّ وَأَبْقَى وَأَعْظَمَ وَأَقْوَى. قَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ، جَمْعُ فِتْنَةٍ وَهِيَ الِامْتِحَانُ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي الْمَكْرِ وَالْبَلَاءِ وَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ: بَدَلٌ مِنَ الْفِتَنِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ شُمُولِهَا لِأَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَخْلُو مِنْهُمَا، أَيْ: مَا جُهِرَ وَأُسِرَّ، وَقِيلَ: مَا يَجْرِي عَلَى ظَاهِرِ الْإِنْسَانِ، وَمَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ مِنَ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَذْمُومَاتِ الْخَوَاطِرِ. ( «قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» ) .، أَيْ: كُلِّ فِتْنَةٍ تَجُرُّ إِلَى عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ إِلَى عَذَابِ النَّارِ ( «قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» ) . خُصَّ؛ فَإِنَّهُ أَكْبَرُ الْفِتَنِ حَيْثُ يَجُرُّ إِلَى الْكُفْرِ الْمُفْضِي إِلَى الْعَذَابِ الْمُخَلَّدِ قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ص: 209

الْفَصْلُ الثَّانِي

130 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ: لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ، وَالْآخَرُ: النَّكِيرُ. فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ. فَيَقُولُ: أَرْجِعُ. إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ. فَيَقُولَانِ نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْتُ مِثْلَهُ، لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّانِي

130 -

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ)، أَيْ: دُفِنَ وَهُوَ قَيْدٌ غَالِبِيٌّ وَإِلَّا فَالسُّؤَالُ يَشْمَلُ الْأَمْوَاتِ جَمِيعَهَا، حَتَّى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَأَكَلَتْهُ السِّبَاعُ فَإِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى يُعَلِّقُ رُوحَهُ الَّذِي فَارَقَهُ بِجُزْئِهِ الْأَصْلِيِّ الْبَاقِي مِنْ أَوَّلِ عُمْرِهِ إِلَى آخِرِهِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَى حَالِهِ حَالَتَيِ النُّمُوِّ وَالذُّبُولِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّوحُ أَوَّلًا فَيَحْيَا وَيَحْيَا بِحَيَاتِهِ سَائِرُ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ لِيُسْأَلَ فَيُثَابَ أَوْ يُعَذَّبَ، وَلَا يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ كُلِّهَا حَسْبَ مَا هِيَ عَلَيْهَا، فَيَعْلَمُ الْأَجْزَاءَ بِتَفَاصِيلِهَا وَيَعْلَمُ مَوَاقِعَهَا وَمَحَالِهَا، وَيُمَيِّزُ بَيْنَ مَا هُوَ أَصْلٌ وَفَصْلٌ، وَيَقْدِرُ عَلَى تَعْلِيقِ الرُّوحِ بِالْجُزْءِ الْأَصْلِيِّ مِنْهَا حَالَةَ الِانْفِرَادِ وَتَعْلِيقِهِ بِهِ حَالَ الِاجْتِمَاعِ، فَإِنَّ الْبِنْيَةَ عِنْدَنَا لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَيَاةِ، بَلْ لَا يُسْتَبْعَدُ تَعْلِيقُ ذَلِكَ الرُّوحِ الشَّخْصِيِّ الْوَاحِدِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، فَإِنَّ تَعَلُّقَهُ بِتِلْكَ الْأَجْزَاءِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْحُلُولِ حَتَّى يُمْنَعَ الْحُلُولُ فِي جُزْءٍ آخَرَ. (أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ) : مَنْظَرُهُمَا (أَزْرَقَانِ) : أَعْيُنُهُمَا، وَإِنَّمَا يَبْعَثُهُمَا اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لِمَا فِي السَّوَادِ وَزُرْقَةِ الْعَيْنِ مِنَ الْهَوْلِ وَالْوَحْشَةِ، وَيَكُونُ خَوْفُهُمَا عَلَى الْكُفَّارِ أَشَدَّ لِيَتَحَيَّرُوا فِي الْجَوَابِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْتِلَاءٌ، فَيُثَبِّتُهُمُ اللَّهُ فَلَا يَخَافُونَ وَيَأْمَنُونَ جَزَاءً لِخَوْفِهِمْ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا (يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ) : مَفْعُولٌ مِنْ أَنْكَرَ. بِمَعْنَى نَكِرَ

ص: 209

إِذَا لَمْ يَعْرِفْ أَحَدًا (وَالْآخَرُ: النَّكِيرُ) : فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ نَكِرَ بِالْكَسْرِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ فَهُمَا كِلَاهُمَا ضِدُّ الْمَعْرُوفِ، سُمِّيَا بِهِمَا لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَعْرِفْهُمَا، وَلَمْ يَرَ صُورَةً مِثْلَ صُورَتِهِمَا، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَمَثَّلَ الْمَلَكَانِ لِلْمَيِّتِ بِهَذَا اللَّوْنِ حَقِيقَةً لِأَنَّهُمَا مَبْغُوضَانِ، وَالزُّرْقَةُ أَبْغَضُ الْأَلْوَانِ عِنْدَ الْعَرَبِ لِأَنَّ الرُّومَ أَعْدَاؤُهُمْ وَهُمْ زُرْقُ الْعُيُونِ غَالِبًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالزُّرْقَةِ الْعَمَى. قَالَ تَعَالَى:{وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [طه: 102]، أَيْ: عُمْيًا. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: فَيُقَيَّضُ أَيْ يُقَدَّرُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسَّوَادِ قُبْحَ الصُّورَةِ وَفَظَاعَةَ الْمَنْظَرِ عَلَى طَرِيقِ الْكِنَايَةِ، وَبِالزُّرْقَةِ تَقْلِيبَ الْبَصَرِ فِيهِ وَتَحْدِيدَ النَّظَرِ إِلَيْهِ. يُقَالُ: زَرِقَتْ عَيْنُهُ نَحْوِي إِذَا انْقَلَبَتْ وَظَهَرَ بَيَاضُهَا، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ (فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟) : قِيلَ يُصَوَّرُ صُورَتُهُ عليه الصلاة والسلام فَيُشَارُ إِلَيْهِ (فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) : هَذَا هُوَ الْجَوَابُ، وَذِكْرُ الشَّهَادَتَيْنِ إِطْنَابٌ لِلْكَلَامِ ابْتِهَاجًا وَسُرُورًا وَافْتِخَارًا وَتَلَذُّذًا (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَأَشْهَدُ أَنَّ (مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) . وَلِذَا قَدْ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فِيمَا هُنَالِكَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ:{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى - قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه: 17 - 18] إِلَخْ. فَأَطْنَبَ ; اسْتِلْذَاذًا بِمُخَاطَبَةِ الْحَقِّ وَاسْتِذْكَارًا بِنِعْمَتِهِ، كَذَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ لَيْسَ جَوَابًا شَرْعِيًّا لِتَوَقُّفِهِ عَلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَعَلَى التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْكُلِّ، فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا دَلَالَةً عَلَى الْإِيمَانِ عَلَى جِهَةِ الْإِيقَانِ بِخِلَافِ الْمُنَافِقِ الْآتِي ذِكْرُهُ حَيْثُ يَدَّعِي الْإِيمَانَ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ دِرَايَةٍ وَبُرْهَانٍ. (فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا؟) ، أَيِ: الْإِقْرَارُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَعِلْمُهُمَا بِذَلِكَ إِمَّا بِإِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمَا بِذَلِكَ، أَوْ بِمُشَاهَدَتِهِمَا فِي جَبِينِهِ أَثَرَ السَّعَادَةِ وَشُعَاعَ نُورِ الْإِيمَانِ وَالْعِبَادَةِ (ثُمَّ يُفْسَحُ) : مَجْهُولٌ مُخَفَّفٌ، وَقِيلَ: مُشَدَّدٌ أَيْ يُوَسَّعُ (لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا) : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِذِرَاعِ الدُّنْيَا الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِذِرَاعِ الْمَلَكِ، الْأَكْبَرِ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَصْلُهُ يُفْسَحُ قَبْرُهُ مِقْدَارَ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، فَجَعَلَ الْقَبْرَ ظَرْفًا لِلسَّبْعِينَ، وَأَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى السَّبْعِينَ مُبَالَغَةً فِي السَّعَةِ (فِي سَبْعِينَ)، أَيْ: ذِرَاعًا كَمَا فِي نُسْخَةٍ.، أَيْ: فِي عَرْضِ سَبْعِينَ يَعْنِي طُولُهُ وَعَرْضُهُ كَذَلِكَ، قِيلَ: لِأَنَّهُ غَالِبُ أَعْمَارِ أُمَّتِهِ عليه الصلاة والسلام، فَيَفْسَحُ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ سَنَةٍ عَبَدَ اللَّهَ فِيهَا ذِرَاعًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَثْرَةُ، وَلِذَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: مَدَّ بَصَرِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ)، أَيْ: يُجْعَلُ النُّورُ لَهُ فِي قَبْرِهِ الَّذِي وُسِّعَ عَلَيْهِ (ثُمَّ يُقَالُ لَهُ نَمْ) أَمْرٌ مِنْ نَامَ يَنَامُ (" فَيَقُولُ ")، أَيِ: الْمَيِّتُ لِعَظِيمِ مَا رَأَى مِنَ السُّرُورِ (" أَرْجِعُ ")، أَيْ: أُرِيدُ الرُّجُوعَ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ مُقَدَّرٌ (إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ)، أَيْ: بِأَنَّ حَالِي طَيِّبٌ وَلَا حَزَنَ لِي لِيَفْرَحُوا بِذَلِكَ قَالَ: {يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} [يس: 26] فَيَقُولَانِ: أَيْ لَهُ مُعْرِضِينَ عَنِ الْجَوَابِ لِاسْتِحَالَتِهِ كَذَا قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ،

ص: 210

وَأَقُولُ: قَوْلُهُ (نَمْ) : مُتَضَمِّنٌ لِلْجَوَابِ وَمُغْنٍ عَنِ الْإِطْنَابِ (كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ) : هُوَ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي أَوَّلِ اجْتِمَاعِهِمَا، وَقَدْ يُقَالُ لِلذَّكَرِ الْعَرِيسُ (الَّذِي لَا يُوقِظُهُ) : الْجُمْلَةُ صِفَةُ الْعَرُوسِ، وَإِنَّمَا شُبِّهَ نَوْمُهُ بِنَوْمَةِ الْعَرُوسِ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي طَيِّبِ الْعَيْشِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ فِي تَمَامِ طَيِّبِ الْعَيْشِ (إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ) . قَالَ الْمُظْهِرُ: عِبَارَةٌ عَنْ عِزَّتِهِ وَتَعْظِيمِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ يَأْتِيهِ غَدَاةَ لَيْلَةِ زِفَافِهِ مَنْ هُوَ أَحَبُّ وَأَعْطَفُ فَيُوقِظُهُ عَلَى الرِّفْقِ وَاللُّطْفِ (حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ) : هَذَا لَيْسَ مِنْ مَقُولِ الْمَلَكَيْنِ، بَلْ مِنْ كَلَامِهِ عليه الصلاة والسلام إِعْلَامًا لِأُمَّتِهِ بِأَنَّ هَذَا النَّعِيمَ يَدُومُ لَهُ مَا دَامَ فِي قَبْرِهِ، وَحَتَّى مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ يَنَامُ طَيِّبَ الْعَيْشِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ (مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ مَوْضِعُ الضَّجْعِ وَهُوَ النَّوْمُ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ حَتَّى بِنَمْ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ إِشَارَةٌ إِلَى غَيْبَتِهِ عَنْهُمَا بِانْصِرَافِهِ عَنْهُمَا (وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ (سَمِعْتُ النَّاسَ)، أَيِ: الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْكُفَّارَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى:{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ (يَقُولُونَ قَوْلًا) : هُوَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (فَقُلْتُ مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ (وَلَا أَدْرِي)، أَيْ: أَنَّهُ نَبِيٌّ فِي الْحَقِيقَةِ أَمْ لَا، وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ أَيْ مَا شَعَرْتُ غَيْرَ ذَلِكَ الْقَوْلِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ أَوْ صِفَةٌ لِمِثْلِهِ، وَفِي الثَّانِي نَظَرٌ (فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ) ، أَيْ: بِالْوَحْيِ أَوْ بِرُؤْيَتِنَا فِي وَجْهِكَ أَثَرَ الشَّقَاوَةِ وَظُلْمَةَ الْكُفْرِ (أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ)، أَيِ: الْقَوْلَ (فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ)، أَيْ: لِلْقَبْرِ مِنْ قِبَلِهِمَا أَوْ مِنْ قِبَلِ مَلَكٍ آخَرَ (الْتَئِمِي) : أَيِ انْضَمِّي وَاجْتَمِعِي (عَلَيْهِ) ضَاغِطَةً لَهُ يَعْنِي ضَيِّقِي عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى حَقِيقَةِ الْخِطَابِ لَا أَنَّهُ تَخْيِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ وَعَصْرِهِ (فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ)، أَيْ: يَجْتَمِعُ أَجْزَاؤُهَا عَلَيْهِ بِأَنْ يُقَرَّبَ كُلُّ جَانِبٍ مِنْ قَبْرِهِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَضُمُّهُ وَيَعْصِرُهُ (فَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ ضِلَعٍ وَهُوَ عَظْمُ الْجَنْبِ، أَيْ: تَزُولُ عَنِ الْهَيْئَةِ الْمُسْتَوِيَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا مِنْ شِدَّةِ الْتِئَامِهَا عَلَيْهِ وَشِدَّةِ الضَّغْطَةِ وَانْعِصَارِ أَعْضَائِهِ وَتَجَاوُزِ جَنْبَيْهِ مِنْ كُلِّ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ آخَرَ (فَلَا يَزَالُ فِيهَا)، أَيْ: فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ فِي تُرْبَتِهِ ( «مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ» ) . وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِانْقِطَاعِ الْحِكَايَةِ مِنَ الْمَلَكَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

ص: 211

131 -

وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( «يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ: لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ:{يُثَبِّتُ اللَّهٌ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27] الْآيَةَ. قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُفْتَحُ. قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهَا مَدَّ بَصَرِهِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَذَكَرَ مَوْتَهُ، قَالَ: وَيُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنَّ كَذَبَ فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ.

قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا. قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، ثُمَّ يُقَيَّدُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ، مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ، لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ، فَيَصِيرُ تُرَابًا، ثُمَّ يُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.

ــ

131 -

(وَعَنِ الْبَرَاءِ) : بِالتَّخْفِيفِ وَالْمَدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بِالْقَصْرِ نَقَلَهُ الْكِرْمَانِيُّ (بْنِ عَازِبٍ) : رضي الله عنهما (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يَأْتِيهِ مَلَكَانِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبَرَاءُ كَمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنَّ أَلْفَاظَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْبَرَاءِ: يَأْتِيهِ، أَيِ: الْمُؤْمِنُ مَلَكَانِ (فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتُسَكَّنُ، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ أَعْجَمِيًّا صَارَ عَرَبِيًّا (فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ) ، أَيِ: الَّذِي اخْتَرْتَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَدْيَانِ (فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ)، أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟)، أَيْ: مَا وَصْفُهُ لِأَنَّ (مَا) يُسْأَلُ بِهِ عَنِ الْوَصْفِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ، أَيْ: مَا وَصْفُهُ أَرَسُولٌ هُوَ، أَوْ مَا اعْتِقَادُكَ فِيهِ؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ (مَا) : بِمَعْنَى (مَنْ) لِيُوَافِقَ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ: مَنْ نَبِيُّكَ (فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ) . وَفِي نُسْخَةٍ صلى الله عليه وسلم (فَيَقُولَانِ لَهُ)، أَيْ: لِلْمَيِّتِ (وَمَا يُدْرِيكَ؟)، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَعْلَمَكَ وَأَخْبَرَكَ بِمَا تَقُولُ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَالرِّسَالَةِ؟ وَقِيلَ: إِنَّمَا وَصَلَ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ هُنَا لِاتِّصَالِهِ بِمَا قَبْلَهُ بِخِلَافِ مَا دِينُكَ وَمَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُسْتَقِلٌّ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ (فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ)، أَيِ: الْقُرْآنَ (فَآمَنْتُ بِهِ)، أَيْ: بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَوْ آمَنْتُ بِالنَّبِيِّ أَنَّهُ حَقٌّ (وَصَدَّقْتُ)، أَيْ: صَدَّقْتُهُ بِمَا قَالَ، أَوْ صَدَّقْتُ بِمَا فِي الْقُرْآنِ فَوَجَدْتُ فِيهِ:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] وَ {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [غافر: 62] وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ رَبِّي وَرَبَّ الْمَخْلُوقَاتِ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ أَيْضًا:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ - وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 19 - 85] فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا دِينَ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ غَيْرُ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ أَيْضًا:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} [الفتح: 29] وَ {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] وَغَيْرُ ذَلِكَ. كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ وَرَأَيْتُ فِيهِ الْفَصَاحَةَ وَالْبَلَاغَةَ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ مُعْجِزٌ فَآمَنْتُ بِهِ أَوْ تَفَكَّرْتُ فِيمَا فِيهِ مِنَ الْبَعْثِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَفَوَاضِلِ الْأَعْمَالِ، وَمِنْ ذِكْرِ الْغُيُوبِ وَأَخْبَارِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْمَعَ مِنْ أَحَدٍ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ (فَذَلِكَ)، أَيْ: وَصَدَاقُ هَذَا قَوْلُهُ، أَيْ: جَرَيَانُ لِسَانِهِ بِالْجَوَابِ الْمَذْكُورِ هُوَ التَّثْبِيتُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27] الْآيَةَ قَالَ، أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (فَيُنَادِي مُنَادٍ)، أَيْ: لِلْمَلَكَيْنِ (مِنَ السَّمَاءِ)، أَيْ: مِنْ جِهَتِهَا (أَنْ صَدَقَ عَبْدِي) : أَنْ مُفَسِّرَةٌ لِلنِّدَاءِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ، وَجُوِّزَ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَجْرُورًا بِتَقْدِيرِ اللَّامِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ مَعْنًى إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ (فَأَفْرِشُوهُ) : وَالْمَعْنَى صَدَقَ عَبْدِي فِيمَا يَقُولُ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي الدُّنْيَا عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْإِكْرَامِ، وَلِذَا سَمَّاهُ عَبْدًا وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا فَأَفْرِشُوهُ بِهَمْزَةِ الْقَطْعِ (مِنَ الْجَنَّةِ) : وَالْفَاءُ فِيهِ جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: إِذَا صَدَقَ عَبْدِي فَاجْعَلُوا لَهُ فَرْشًا مِنْ فَرْشِ الْجَنَّةِ، فَيَكُونُ أَفْرَشَ بِمَعْنَى فَرَشَ كَذَا قِيلَ.

ص: 212

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ فِي الْمَصَادِرِ الْإِفْرَاشُ بِهَذَا الْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ أَفْرَشَ أَيْ أَقْلَعَ عَنْهُ، فَهَذَا اللَّفْظُ بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ بِإِلْحَاقِ الْأَلِفِ فِي الثُّلَاثِيِّ، فَلَوْ كَانَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ لَكَانَ حَقُّهُ الْوَصْلَ وَلَمْ نَجِدِ الرِّوَايَةَ إِلَّا بِالْقَطْعِ اهـ.

لَكِنْ قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": أَفْرَشَ عَنْهُ أَقْلَعَهُ وَأَفْرَشَهُ أَعْطَاهُ فَرْشًا مِنَ الْإِبِلِ أَيْ صِغَارًا وَأَفْرَشَ فُلَانًا بِسَاطًا بَسَطَهُ لَهُ كَفَرَشَهُ فَرْشًا وَفَرَشَهُ تَفْرِيشًا. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: أَصْلُهُ أَفْرِشُوا لَهُ فَحَذَفَ لَامَ الْجَرِّ وَوَصَلَ الضَّمِيرَ بِالْفِعْلِ اتِّسَاعًا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَعْطُوهُ فِرَاشًا مِنْهَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اجْعَلُوهُ ذَا فَرْشٍ مِنَ الْجَنَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَعْنِي عَنْ سَمَاعِهِ صِحَّةَ الرِّوَايَةِ اهـ. وَكُلُّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا ذُكِرَ فِي الْقَامُوسِ. (وَأَلْبِسُوهُ) : بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ أَيِ اكْسُوهُ أَوْ أَعْطُوهُ لِبَاسًا (مِنَ الْجَنَّةِ) : أَيْ مِنْ حُلَلِهَا (وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ)، أَيْ: حَقِيقَةً أَوْ مُكَاشَفَةً كَذَا فِي " الْأَزْهَارِ "، وَالْأَظْهَرُ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَا يَأْتِي (فَيُفْتَحُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَيُفْسَحُ أَيْ لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قَالَ) : صلى الله عليه وسلم: (فَيَأْتِيهِ)، أَيِ: الْمُؤْمِنَ (مِنْ رَوْحِهَا)، أَيْ: بَعْضُ رَوْحِهَا، وَالرَّوْحُ: بِالْفَتْحِ الرَّاحَةُ وَنَسِيمُ الرِّيحِ (وَطِيبِهَا)، أَيْ: بَعْضُ تِلْكَ الرَّائِحَةِ وَالطِّيبِ: أَيْ شَيْءٌ مِنْهَا، وَلَمْ يُؤْتَ بِهَذَا التَّعْبِيرُ إِلَّا لِيُفِيدَ أَنَّهُ مِمَّا لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ، وَلَا يُوصَفُ كُنْهُهُ، وَكُلُّ طِيبٍ رَوْحٌ وَلَا عَكْسَ، وَقِيلَ:(مِنْ) زَائِدَةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ (وَيُفْسَحُ)، وَفِي نُسْخَةٍ: تُفْتَحُ وَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِمَدِّ الْبَصَرِ (لَهُ فِيهَا)، أَيْ: فِي تُرْبَتِهِ وَهِيَ قَبْرُهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مُقَابِلُهُ الْآتِي وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ بَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: فِي رُؤْيَتِهِ وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ (مَدَّ بَصَرِهِ) : الْمَعْنَى أَنَّهُ يُرْفَعُ عَنْهُ الْحِجَابُ فَيَرَى مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرَاهُ. قِيلَ: نُصِبَ (مَدَّ) عَلَى الظَّرْفِ أَيْ مَدَاهُ وَهِيَ الْغَايَةُ الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا الْبَصَرُ وَالْأَصْوَبُ أَنَّ نَصْبَهُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ فَسْحًا قُدِّرَ مَدَّ بَصَرِهِ، وَقِيلَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ أَنَّ هَذِهِ الْفُسْحَةَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُعْرَضُ عَلَيْهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَتِلْكَ عَنْ تَوْسِيعِ مَرْقَدِهِ عَلَيْهِ أَوْ كِلَاهُمَا كِنَايَةٌ عَنِ التَّوْسِعَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْأَشْخَاصِ فِي الْأَعْمَالِ وَالدَّرَجَاتِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَدَّ بَصَرِهِ بِالْفَتْحِ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ فَلَهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَبِرَفْعِهِ فِي نُسَخٍ، وَيُؤَيِّدُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعًا السَّابِقُ (وَأَمَّا الْكَافِرُ فَذَكَرَ) ، أَيْ صلى الله عليه وسلم كَمَا فِي نُسْخَةٍ (مَوْتَهُ)، أَيْ: حَالَ مَوْتِ الْكَافِرِ وَشِدَّتِهِ (قَالَ)، أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. (وَيُعَادُ) : بِالتَّذْكِيرِ وَقِيلَ بِالتَّأْنِيثِ (رُوحُهُ) : أَيْ بَعْدَ الدَّفْنِ (فِي جَسَدِهِ)، أَيْ: بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ (وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ) : أَيْ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ) : بِسُكُونِ الْهَاءِ فِيهِمَا بَعْدَ الْأَلِفِ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُتَحَيِّرُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مِنْ حَيْرَتِهِ لِلْخَوْفِ، أَوْ لِعَدَمِ الْفَصَاحَةِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ لِسَانَهُ فِي فِيهِ (لَا أَدْرِي) : هَذَا كَأَنَّهُ بَيَانٌ وَتَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: هَاهْ هَاهْ فَالْمَعْنَى لَا أَدْرِي شَيْئًا مَا أَوْ لَا أَدْرِي مَا أُجِيبُ بِهِ (فَيَقُولَانِ لَهُ)، أَيْ: لِلْكَافِرِ (مَا دِينُكَ) : مِنَ الْأَدْيَانِ (فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي: فَيَقُولَانِ) : أَيْ لَهُ: (مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟) يَعْنِي مَا تَقُولُ فِي حَقِّهِ أَنَبِيٌّ أَمْ لَا (فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي) : قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} [الإسراء: 72] فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ) : أَنْ مُفَسِّرَةٌ لِلنِّدَاءِ أَيْضًا، أَيْ: كَذَبَ هَذَا الْكَافِرُ فِي قَوْلِهِ: لَا أَدْرِي لِأَنَّ دِينَ اللَّهِ تَعَالَى وَنُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كَانَ ظَاهِرًا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، بَلْ جَحَدَ نُبُوَّتَهُ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالِاعْتِقَادِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُفْرَهُ جَهْلٌ أَوْ عِنَادٌ (فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ) . قَالَ تَعَالَى: {سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ} [إبراهيم: 50] وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ.

ص: 213

وَقَالَ: صلى الله عليه وسلم: (فَيَأْتِيهِ)، أَيِ: الْكَافِرَ (مِنْ حَرِّهَا)، أَيْ: حَرِّ النَّارِ وَهُوَ تَأْثِيرُهَا (وَسَمُومِهَا) : وَهِيَ الرِّيحُ الْحَارَّةُ (قَالَ: وَيُضَيَّقُ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ (عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، ثُمَّ يُقَيَّضُ)، أَيْ: يُسَلَّطُ وَيُوَكَّلُ وَيُقَدَّرُ (لَهُ) : فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهِ اسْتِيلَاءَ الْقَيْضِ عَلَى الْبَيْضِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْقَيْضِ وَهُوَ الْقِشْرَةُ الْأَعْلَى مِنَ الْبَيْضِ (أَعْمَى)، أَيْ: زَبَانِيَةٌ لَا عَيْنَ لَهُ " كَيْلَا يَرْحَمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عَيْنٌ لِأَجْلِهِ أَوْ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ نَظَرِهِ إِلَيْهِ (أَصَمُّ)، أَيْ: لَا يَسْمَعُ صَوْتَ بُكَائِهِ وَاسْتِغَاثَتِهِ فَيَرِقُّ لَهُ (مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ) : الْمَسْمُوعُ فِي الْحَدِيثِ تَشْدِيدُ الْبَاءِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ يُخَفِّفُونَهَا وَهِيَ الَّتِي يُدَقُّ بِهَا الْمَدَرُ وَيُكَسَّرُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْمِرْزَبَةُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَاعْتَرَضُوا بِأَنَّ الصَّوَابَ تَخْفِيفُهَا اهـ. وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ مِفْعَلَّةَ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ لَا يُعْرَفُ فِي أَنْوَاعِ الْمِيزَانِ الصَّرْفِيِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمَّا الْمِرْزَبَّةُ فَالْمُحَدِّثُونَ يُشَدِّدُونَ الْبَاءَ، وَالصَّوَابُ تَخْفِيفُهُ وَإِنَّمَا تُشَدَّدُ الْبَاءُ إِذَا أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ مِنَ الْمِيمِ وَهِيَ وَالْأَرْزَبَّةُ:، وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

ضَرْبَكَ بالْمِرْزَبَةِ العُودَ النَخِرْ

اهـ.

أَقُولُ: أَخَطَأَ الطِّيبِيُّ رحمه الله فِي تَخْطِئَةِ الْمُحَدِّثِينَ وَتَصْوِيبِ اللُّغَوِيِّينَ، إِذْ نَقْلُ الْأَوَّلِينَ مِنْ طُرُقِ الْعُدُولِ عَلَى وَجْهِ الرِّوَايَةِ، وَنَقْلُ الْآخِرِينَ مِنْ سَبِيلِ الْفُضُولِ عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ، وَأَمَّا اسْتِشْهَادُهُ بِإِنْشَادِ الْفَرَّاءِ فَضَعِيفٌ إِذْ يُحْتَمَلُ تَخْفِيفُهُ ضَرُورَةً أَوْ لُغَةً أُخْرَى، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْقَامُوسِ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ أَبَدًا فَقَالَ: الْأَرْزَبَّةُ وَالْمِرْزَبَّةُ مُشَدَّدَتَانِ أَوِ الْأُولَى فَقَطْ: عُصَيَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ اهـ. فَظَهَرَ أَنَّ التَّشْدِيدَ فِيهِمَا لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَلَوْ وَافَقَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ جَمِيعَ الْمُحَدِّثِينَ لَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ، فَكَيْفَ بِالتَّكْثِيرِ مَعَ أَنَّهُ عِنْدَ التَّعَارُضِ أَيْضًا يُرَجَّحُ جَانِبُ الْمُحَدِّثِينَ لِمَا تَقَدَّمَ. وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا طَعْنُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ عَلَى وَفْقِ مَسْمُوعِهِمْ وَهُوَ كُفْرٌ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ وَحَافِظُ كِتَابِهِ وَقَادِرٌ عَلَى ثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ. (لَوْ ضُرِبَ بِهَا)، أَيِ: الْمِرْزَبَّةُ (جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا)، أَيِ: انْدَقَّ أَجْزَاؤُهُ كَالتُّرَابِ (فَيَضْرِبُهُ بِهَا) : وَفِي نُسْخَةٍ بِهَا سَاقِطٌ (ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا)، أَيْ: صَوْتَهَا وَحِسَّهَا (مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) : الظَّاهِرُ أَنَّ (مَا) بِمَعْنَى (مَنْ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ)، أَيِ: الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَهَلِ الْأَمْوَاتُ مِنْهُمَا مُسْتَثْنًى أَمِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمَا؟ فَظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ، وَالْعِلَّةُ الَّتِي ذَكَرُوهَا يُؤَيِّدُ الثَّانِيَ. (فَيَصِيرُ تُرَابًا، ثُمَّ يُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ) كَرَّرَ إِعَادَةَ الرُّوحِ فِي الْكَافِرِ بَيَانًا لِشِدَّةِ الْعَذَابِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الْإِعَادَةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ذُقْ هَذَا جَزَاءً بِمَا كُنْتَ تُنْكِرُهُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ فِي الْقَبْرِ إِمَاتَتَيْنِ وَإِحْيَاءَتَيْنِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْرِيرُ وَالتَّكْثِيرُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4] وَقَوْلُهُمْ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَقِيقَةُ التَّثْنِيَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ: وَمَعْلُومٌ اسْتِمْرَارُ الْعَذَابِ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا إِذَا أُعِيدَتْ تُضْرَبُ أُخْرَى فَيَصِيرُ تُرَابًا، ثُمَّ يُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ وَهَكَذَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ تِلْكَ الْإِعَادَةَ لَا تَتَكَرَّرُ وَأَنَّ عَذَابَهُ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ بِمَوْتِهِمْ بَلْ تُعَادُ فِيهِمُ الرُّوحُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِيَزْدَادُوا عَذَابًا، وَيُمْكِنُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ تَكُونَ إِعَادَةُ الرُّوحِ كِنَايَةً عَنْ رُجُوعِهِمْ إِلَى حَالَتِهِمُ الْأُولَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صَيْرُورَتِهِمْ تُرَابًا خُرُوجُ الرُّوحِ مِنْهُمْ لِأَنَّ أُمُورَ الْآخِرَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .

ص: 214

132 -

«وَعَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ ! فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ ".

قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

ــ

132 -

(وَعَنْ عُثْمَانَ) : رضي الله عنه (أَنَّهُ كَانَ)، أَيْ: دَائِمًا أَوْ غَالِبًا (إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ) أَيْ عَلَى رَأْسِ قَبْرٍ أَوْ عِنْدَهُ (بَكَى حَتَّى يَبُلَّ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ بُكَاؤُهُ يَعْنِي دُمُوعَهُ (لِحْيَتَهُ)، أَيْ: يَجْعَلُهَا مَبْلُولَةً مِنَ الدُّمُوعِ (فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي) : أَيْ مِنْ خَوْفِ النَّارِ وَاشْتِيَاقِ الْجَنَّةِ يَعْنِي لَا تَبْكِي مِنْهُمَا دَائِمًا (وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟)، أَيْ: مِنَ الْقَبْرِ يَعْنِي مِنْ أَجْلِ خَوْفِهِ قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ يَبْكِي - عُثْمَانُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ - إِمَّا لِاحْتِمَالِ أَنَّ شَهَادَتَهُ عليه الصلاة والسلام بِذَلِكَ كَانَتْ فِي غَيْبَتِهِ وَلَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ، أَوْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ آحَادًا، فَلَمْ يُفِدِ الْيَقِينَ، أَوْ كَانَ يَبْكِي لِيُعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَخَافُ مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِ وَشَهَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ بِالْجِنَّةِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى بِأَنْ يَخَافَ مِنْ ذَلِكَ وَيَحْتَرِزَ مِنْهُ. قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَالْأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِالْجَنَّةِ عَدَمُ عَذَابِ الْقَبْرِ، بَلْ وَلَا عَدَمُ عَذَابِ النَّارِ مُطْلَقًا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ التَّبْشِيرُ مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ مَعْلُومٍ أَوْ مُبْهَمٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْسَى الْبِشَارَةَ حِينَئِذٍ لِشِدَّةِ الْفَظَاعَةِ، أَوْ بُكَاؤُهُ لِفَقْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ، أَوْ لِابْتِلَائِهِ بِزَمَنِ الْجَوْرِ وَأَرْبَابِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَوْفًا مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ سَعْدٍ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخْلُصْ مِنْهُ كُلُّ سَعِيدٍ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بُكَاؤُهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ) : وَمِنْهَا عَرْضَةُ الْقِيَامَةِ عِنْدَ الْعَرْضِ، وَمِنْهَا الْوُقُوفُ عِنْدَ الْمِيزَانِ، وَمِنْهَا الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَمِنْهَا الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَآخِرُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الدُّنْيَا، وَلِذَا يُسَمَّى الْبَرْزَخُ (فَإِنْ نَجَا)، أَيْ: خَلَصَ الْمَقْبُورُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ (فَمَا بَعْدَهُ)، أَيْ: مِنْ مَنَازِلَ (أَيْسَرُ مِنْهُ) : وَأَسْهَلُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ لَكُفِّرَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ (وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ)، أَيْ: يَتَخَلَّصُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَلَمْ يُكَفِّرْ ذُنُوبَهُ بِهِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ بِهِ (فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ) : لِأَنَّ النَّارَ أَشَدُّ الْعَذَابِ وَالْقَبْرُ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ لِتَحَقُّقِ إِيمَانِهِ الْمُنْقِذِ لَهُ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ وَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ لِتَحَقُّقِ كُفْرِهِ الْمُوجِبِ لِتَوَالِي الشَّدَائِدِ الْمُتَزَايِدَةِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ (قَالَ)، أَيْ: عُثْمَانُ (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالظَّاءِ أَيْ مَوْضِعًا يُنْظَرُ إِلَيْهِ، وَعَبَّرَ عَنِ الْمَوْضِعِ بِالْمَنْظَرِ مُبَالَغَةً لِأَنَّهُ إِذَا نَفَى الشَّيْءَ مَعَ لَازِمِهِ يَنْتَفِي بِالطَّرِيقِ الْبُرْهَانِيِّ (قَطُّ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمَضْمُومَةِ أَيْ أَبَدًا وَهُوَ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْمَاضِي (إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ) : مِنْ فَظُعَ بِالضَّمِّ أَيْ صَارَ مُنْكَرًا يَعْنِي أَشَدَّ وَأَفْزَعَ ; وَأَنْكَرُ مِنْ ذَلِكَ النَّظَرُ قِيلَ الْمُسْتَثْنِي جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ مَنْظَرٍ وَهُوَ مَوْصُوفٌ حُذِفَتْ صِفَتُهُ، أَيْ: مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا فَظِيعًا عَلَى حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِ الْفَظَاعَةِ قَطُّ إِلَّا فِي حَالَةِ كَوْنِ الْقَبْرِ أَقْبَحَ مِنْهُ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ وَإِنَّمَا كَانَ أَفْظَعَ لِأَنَّهُ مُقَدِّمَةُ الْعِقَابِ وَنِهَايَةُ التَّعَلُّقِ بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَالْأَصْحَابِ، وَغَايَةُ الرُّجُوعِ إِلَى مَوْضِعِ الذُّلِّ وَالظُّلْمَةِ وَالدَّهْشَةِ وَالْحَيْرَةِ وَالْوَحْشَةِ وَالْغُرْبَةِ وَالدُّودِ وَالتُّرَابِ، وَمُطَالَعَةِ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ، وَمُشَاهَدَةِ الْحِسَابِ، وَمُرَاقَبَةِ الْحِجَابِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ إِلَّا رَبُّ الْأَرْبَابِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَابْنُ مَاجَهْ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ

) .

ص: 215

133 -

(وَعَنْهُ)، قَالَ:«كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: " اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، ثُمَّ سَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ــ

133 -

(وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ عُثْمَانَ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا فَرَغَ) : مَعْلُومٌ، وَقِيلَ مَجْهُولٌ (مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ) : الْمُرَادُ مِنْهُ الْجِنْسُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ النَّكِرَةِ (وَقَفَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَأْسِ الْقَبْرِ (فَقَالَ)، أَيْ: لِأَصْحَابِهِ (اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ) : أَيِ اطْلُبُوا الْمَغْفِرَةَ لِذُنُوبِ أَخِيكُمُ الْمُؤْمِنِ، وَذِكْرُ الْأَخِ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ وَاسْتِكْثَارِ الدُّعَاءِ لَهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دُعَاءَ الْأَحْيَاءِ يَنْفَعُ الْأَمْوَاتَ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ (ثُمَّ سَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ) : ضَمَّنَ السُّؤَالَ مَعْنَى الدُّعَاءِ، وَلِذَا عُدِّيَ بِالْبَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ} [المعارج: 1] أَيِ ادْعُوَا لَهُ بِدُعَاءِ التَّثْبِيتِ يَعْنِي قُولُوا ثَبَّتَهُ اللَّهُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، أَوِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، وَهُوَ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَهَذَا أَفْضَلُ مِنَ التَّلْقِينِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ عَنْهُ غَافِلُونَ. (فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ) . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّلْقِينِ عِنْدَ الدَّفْنِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ، وَلَا نَجِدُ فِيهِ حَدِيثًا مَشْهُورًا وَلَا بَأْسَ بِهِ إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَرْضُ الِاعْتِقَادِ عَلَى الْمَيِّتِ وَالْحَاضِرِينَ وَالدُّعَاءُ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَالْإِرْغَامُ لِمُنْكِرِي الْحَشْرِ وَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَأَوْرَدَ الْغَزَّالِيُّ فِي " الْإِحْيَاءِ "، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَابِ " الْأَدْعِيَةِ حَدِيثًا فِي تَلْقِينِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الدَّفْنِ، وَلَمْ يُصَحِّحْهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: " لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " فَالْمُرَادُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا عِنْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَلْقِينِ الْمَيِّتِ بَعْدَ تَمَامِ دَفْنِهِ وَكَيْفِيَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ مَذْهَبِنَا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، كَيْفَ وَفِيهِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ اتِّفَاقًا بَلِ اعْتَضَدَ بِشَوَاهِدَ يَرْتَقِي بِهَا إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ، وَذُكِرَ فِي " الْأَذْكَارِ " عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ. قَالُوا: وَإِنْ خَتَمُوا الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَانَ حَسَنًا. وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَحَبَّ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوَّلُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتُهَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُقْرَأُ أَوَّلُ الْبَقَرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْمَيِّتِ وَخَاتِمَتُهَا عِنْدَ رِجْلِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَقَالَ مِيرَكُ شَاهْ: بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

ص: 216

134 -

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَيُسَلَّطُ عَلَى الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا تَنْهَسُهُ وَتَلْدَغُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، لَوْ أَنَّ تِنِّينًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الْأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ خَضِرًا» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ:(سَبْعُونَ) بَدَلَ (تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ) .

ــ

134 -

(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لَيُسَلَّطُ) : بِفَتْحِ اللَّامَيْنِ وَتَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ (عَلَى الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ)، أَيْ: وَاللَّهِ لَيُجْعَلَ مُوَكَّلًا عَلَيْهِ لِلتَّعْذِيبِ وَالْأَذَى (تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا) : بِكَسْرِ التَّاءِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةُ السُّمِّ، وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الْعَدَدِ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْوَحْيِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةٌ وَتِسْعِينَ اسْمًا، فَالْكَافِرُ أَشْرَكَ بِمَنْ لَهُ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ فَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِعَدَدِ كُلِّ اسْمٍ تِنِّينًا، أَوْ يُقَالُ قَدْ رُوِيَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا وَاحِدَةً فِي الدُّنْيَا بَيْنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ فِيهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَبِهَا تَعْطُفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِلَى الْآخِرَةِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيُسَلَّطْ عَلَى الْكَافِرِ بِمُقَابَلَةِ كُلِّ رَحْمَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تِنِّينًا كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.

وَقَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ: عَدَدُ التِّنِّينِ بِعَدَدِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ الَّتِي فِيهِ فَإِنَّهَا تَنْقَلِبُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْحَيَاةِ لِأَنَّ الدُّنْيَا عَالَمُ الصُّورَةِ وَالْآخِرَةَ عَالَمُ الْمَعْنَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّ أَوَّلَ التِّنِينَاتِ بِمَا يَنْزِلُ بِالشَّخْصِ مِنَ التَّبِعَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، فَفِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَرَبِيَّةِ مَسَاغٌ، وَلَكِنَّ الْأَخْذَ بِالظَّوَاهِرِ أَوْلَى بِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَأَمَّا اسْتِحَالَةُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْعُقُولِ فَإِنَّهَا سَبِيلُ

ص: 216

مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الدِّينِ، عَصَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عَثْرَةِ الْعَقْلِ وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ (تَنْهَسُهُ) : بِالتَّأْنِيثِ وَقِيلَ بِالتَّذْكِيرِ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَرُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ، فَفِي النِّهَايَةِ: النَّهْسُ: أَخْذُ اللَّحْمِ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ، وَالنَّهْشُ الْأَخْذُ بِجَمِيعِهَا.

وَفِي الْقَامُوسِ نَهَسَ اللَّحْمُ كَمَنَعَ وَسَمِعَ، أَخَذَهُ بِمُقَدَّمِ أَسْنَانِهِ وَنَتَفَهُ، وَنَهَشَهُ كَمَنَعَهُ نَهَسَهُ وَلَسَعَهُ وَعَضَّهُ أَوْ أَخَذَهُ بِأَضْرَاسِهِ وَبِالسِّينِ أَخَذَهُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ (وَتَلْدَغُهُ) : بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ. قِيلَ: نَهْسٌ وَلَدْغٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ جَمْعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا أَوْ لِبَيَانِ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَقِيلَ: النَّهْسُ الْقَطْعُ بِالسِّنِّ مِنْ غَيْرِ إِرْسَالِ السُّمِّ فِيهِ، وَاللَّدْغُ ضَرْبُ السِّنِّ بِلَا قَطْعٍ لَكِنْ مَعَ إِرْسَالِ السُّمِّ فِيهِ كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، لَوْ أَنَّ تِنِّينًا مِنْهَا نَفَخَ) : بِالْمُعْجَمَةِ، وَقِيلَ بِالْمُهْمَلَةِ (فِي الْأَرْضِ)، أَيْ: لَوْ وَصَلَ رِيحُ فَمِهِ وَحَرَارَتُهُ إِلَيْهَا (مَا أَنْبَتَتْ)، أَيِ: الْأَرْضُ (خَضِرًا) : بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ أَيْ نَبَاتًا أَخْضَرَ، وَرُوِيَ بِسُكُونِ الضَّادِ مَمْدُودًا عَلَى فَعْلَاءَ كَحَمْرَاءَ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْأَخْضَرُ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ، أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ حَبَّةً خَضْرَاءَ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) ، أَيْ بِهَذَا اللَّفْظِ (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ)، أَيْ: بِالْمَعْنَى (وَقَالَ: سَبْعُونَ بَدَلَ) : بِالنَّصْبِ ظَرْفٌ (تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْحِكَايَةِ. قَالَ الْعَيْنِيُّ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ ضَعِيفَةٌ عَلَى مَا فِي الْأَزْهَارِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِتَقْدِيرِ وُرُودِهِمَا يُجْمَعُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ لِلْمَتْبُوعِينَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَالثَّانِي لِلتَّابِعِينَ، أَوْ بِأَنَّ سَبْعِينَ يُعَبَّرُ بِهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَنِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ جِدًّا، فَحِينَئِذٍ هِيَ لَا تُنَافِي الْأُولَى لِأَنَّهَا مُجْمَلَةٌ وَتِلْكَ مُبَيِّنَةٌ لَهَا. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ الْغَزَّالِيَّ رحمه الله صَرَّحَ بِأَنَّ عَذَابَ الْكَافِرِ الْفَقِيرِ فِي النَّارِ أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْكَافِرِ الْغَنِيِّ.

ص: 217

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

135 -

عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ حِينَ تُوُفِّيَ، فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ، سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَبَّحْنَا طَوِيلًا، ثُمَّ كَبَّرَ، فَكَبَّرْنَا. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ سَبَّحَتْ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ قَالَ: " لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ حَتَّى فَرَّجَهُ اللَّهُ عَنْهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

135 -

(عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ)، أَيْ: جِنَازَتِهِ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَوْسِ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ بَيْنَ الْعَقَبَةِ الْأَوْلَى وَالثَّانِيَةِ، وَأَسْلَمَ بِإِسْلَامِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارُهُمْ أَوَّلُ دَارٍ أَسْلَمَتْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَيِّدَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ مُقَدَّمًا مُطَاعًا شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ، مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِهِمْ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ، وَرُمِيَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي أَكْحَلِهِ فَلَمْ يَرْقَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ الْحَرَامِ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ (حِينَ تُوُفِّيَ) : بِضَمَّتَيْنِ، وَحُكِيَ بِفَتْحِهِمَا وَهُوَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ أَيْ مَاتَ (فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ)، أَيِ: التُّرَابُ وَدُفِنَ وَالْفِعْلَانِ مَجْهُولَانِ (سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : وَلَعَلَّ التَّسْبِيحَ كَانَ لِلتَّعَجُّبِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ لِإِرَادَةِ تَنْزِيهٍ لِإِرَادَةِ تَنْزِيهِهِ تَعَالَى أَنْ يَظْلِمَ أَحَدًا، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: وَمُنَاسَبَةُ تَسْبِيحِهِ لِمُشَاهَدَةِ التَّضْيِيقِ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ ظَاهِرَةٌ، إِذْ بِشُهُودِ ذَلِكَ يَسْتَحْضِرُ الْإِنْسَانُ مَقَامَ جَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ، وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ بِمَنْ يَشَاءُ، وَهَذَا الْمَقَامُ يُنَاسِبُهُ التَّنْزِيهُ لِأَنَّهُ مَقَامُ الْعِزَّةِ الْكُبْرَى الْمُقْتَضِيَةُ لِذَلِكَ التَّنَزُّهِ فَتَأَمَّلْ. (فَسَبَّحْنَا)، أَيْ: تَبَعًا لَهُ (طَوِيلًا) : قَيْدٌ لِلْفِعْلَيْنِ أَيْ زَمَانًا طَوِيلًا) أَوْ تَسْبِيحًا طَوِيلًا يَعْنِي كَثِيرًا (ثُمَّ كَبَّرَ) : وَلَعَلَّ التَّكْبِيرَ كَانَ بَعْدَ التَّفْرِيجِ (فَكَبَّرْنَا)، أَيْ: عَقِيبَ تَكْبِيرِهِ اقْتِدَاءً بِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ يَقُلْ طَوِيلًا إِمَّا لِلِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِهِ أَوَّلًا: أَوْ لِأَنَّهُ هُنَا لَمْ يُطِلْ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَبَّرَ عِنْدَ وُقُوعِ التَّفْرِيجِ عَنْ سَعْدٍ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ يَغْلِبُ ذِكْرُهُ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْأَمْرِ الْبَاهِرِ. (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لِمَ سَبَّحْتَ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟) : أَيْ مَعَ أَنَّ الْمَقَامَ لَا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ (وَلَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرَهُ) : هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ تَمْيِيزِهِ وَرَفْعِ

ص: 217

مَنْزِلَتِهِ، ثُمَّ وَصَفَهُ بِالْعَبْدِ وَنَعَتَهُ بِالصَّلَاحِ لِمَزِيدِ التَّخْوِيفِ وَالْحَثِّ عَلَى الِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ هَذَا الْمَنْزِلِ الْفَظِيعِ، أَيْ: إِذَا كَانَ حَالُهُ كَذَا فَمَا حَالُ غَيْرِهِ؟ (حَتَّى فَرَّجَهُ اللَّهُ) : بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفِّفُ، أَيْ: مَازِلْتُ وَاقِفًا لِلتَّسْبِيحِ حَتَّى فَرَّجَهُ اللَّهُ أَيْ كَشَفَهُ وَأَزَالَهُ (عَنْهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَحَتَّى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ: مَازِلْتُ أُكَبِّرُ وَتُكَبِّرُونَ وَأُسَبِّحُ وَتُسَبِّحُونَ حَتَّى فَرَّجَهُ اللَّهُ اهـ. وَالْأَنْسَبُ تَقْدِيمُ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى هَذَا لِإِطْفَاءِ الْغَضَبِ الْإِلَهِيِّ، وَلِهَذَا وَرَدَ اسْتِحْبَابُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ رُؤْيَةِ التَّحْرِيقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

ص: 218

136 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " «هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

ــ

136 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (هَذَا) : إِشَارَةٌ إِلَى سَعْدٍ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ لِلتَّعْظِيمِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ (الَّذِي تَحَرَّكَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: اهْتَزَّ (لَهُ الْعَرْشُ) : فِي النِّهَايَةِ: أَصْلُ الْهَزِّ الْحُرْمَةُ، وَاهْتَزَّ إِذَا تَحَرَّكَ، وَاسْتَعْمَلَهُ فِي مَعْنَى الِارْتِيَاحِ أَيِ ارْتَاحَ بِصُعُودِهِ وَاسْتَبْشَرَ لِكَرَامَتِهِ عَلَى رَبِّهِ، وَكُلُّ مَنْ خَفَّ لِأَمْرٍ وَارْتَاحَ فَقَدِ اهْتَزَّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّ الْعَرْشَ وَإِنْ كَانَ جَمَادًا فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ فِيهِ إِدْرَاكًا يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الْأَرْوَاحِ وَكِمَالَاتِهَا، وَهَذَا أَمْرٌ مُمْكِنٌ ذَكَرَهُ الشَّارِعُ بَيَانًا لِمَزِيدِ فَضْلِ سَعْدٍ وَتَرْهِيبٍ لِلنَّاسِ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ، فَتُعُيِّنُ الْحَمْلُ عَلَى ظَاهِرِهِ حَتَّى يَرِدَ مَا يَصْرِفُهُ عَنْهُ، وَقِيلَ: أَرَادَ فَرَحَ أَهْلِ الْعَرْشِ بِمَوْتِهِ لِصُعُودِ رُوحِهِ، وَأَقَامَ الْعَرْشَ مَقَامَ مَنْ حَمَلَهُ أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ. وَقَالَ: السُّيُوطِيُّ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدٍ وَهُوَ سَرِيرُ الْمَيِّتِ، وَاهْتِزَازُهُ فَرَحُهُ لِحَمْلِ سَعْدٍ عَلَيْهِ إِلَى مَدْفَنِهِ (وَفُتِحَتْ) : بِالتَّخْفِيفِ، وَقِيلَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ (لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) : لِإِنْزَالِ الرَّحْمَةِ وَنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ تَزْيِينًا لِقُدُومِهِ وَطُلُوعِ رُوحِهِ، لِأَنَّ مَحَلَّ أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةُ وَهِيَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، أَوْ عَرْضًا لِلْأَبْوَابِ بِأَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ لِعِظَمِ كَمَالِهِ، كَفَتْحِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ لِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ (وَشَهِدَهُ)، أَيْ: حَضَرَ جِنَازَتَهُ (سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ)، أَيْ: تَعْظِيمًا لَهُ (لَقَدْ) : جَوَابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ (ضُمَّ) : بِالضَّمِّ أَيْ عُصِرَ سَعْدٌ فِي قَبْرِهِ (ضَمَّةً)، أَيْ: وَاحِدَةً، وَالتَّنْوِينُ يَحْتَمِلُ التَّفْخِيمَ وَالتَّقْلِيلَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِتَطْوِيلِ تَسْبِيحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ)، أَيْ: فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِبَرَكَةِ نَبِيِّهِ عليه الصلاة والسلام (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .

ص: 218

137 -

وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنها، قَالَتْ:«قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطِيبًا، فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يُفْتَنُ فِيهَا الْمَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ، ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا، وَزَادَ النَّسَائِيُّ: حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا سَكَنَتْ ضَجَّتُهُمْ قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي، أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ! مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي آخِرِ قَوْلِهِ؟ قَالَ: " قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» ".

ــ

137 -

(وَعَنْ أَسْمَاءَ) : غَيْرُ مُنْصَرِفٍ بِالْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ الْمَعْنَوِيِّ، وَقِيلَ أَصْلُهُ وَسْمَاءُ فَهُوَ فَعْلَاءُ (بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) : رضي الله عنهما، أَمِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما، وَتُسَمَّى ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ لِأَنَّهَا شَقَّتْ نِطَاقَهَا لَيْلَةَ خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُهَاجِرًا، فَجَعَلَتْ وَاحِدًا شِدَادًا لِسُفْرَتِهِ، وَالْآخِرَ عِصَامًا لِقِرْبَتِهِ، وَقِيلَ: جَعَلَتِ النِّصْفَ الثَّانِيَ نِطَاقًا لَهَا، أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا. قِيلَ: أَسْلَمَتْ بَعْدَ سَبْعَةَ عَشَرَ إِنْسَانًا وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا عَائِشَةَ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَمَاتَتْ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِهَا بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ بِعِشْرِينَ يَوْمًا بَعْدَمَا أُنْزِلَ ابْنُهَا مِنَ الْخَشَبَةِ، وَلَهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَلَمْ يَقَعْ لَهَا سِنٌّ، وَلَمْ يُنْكَرْ مِنْ عَقْلِهَا شَيْءٌ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بِمَكَّةَ. رَوَى عَنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ. (قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا) : حَالٌ أَيْ وَاعِظًا (فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ)، أَيْ: وَعَذَابَهُ أَوِ ابْتِلَاءَهُ وَالِامْتِحَانَ فِيهِ (الَّتِي يُفْتَنُ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُبْتَلَى (فِيهَا الْمَرْءُ) : صِفَةٌ لِفِتْنَةٍ يَعْنِي ذَكَرَ الْفِتْنَةَ بِتَفَاصِيلِهَا كَمَا يَجْرِي عَلَى الْمَرْءِ فِي قَبْرِهِ وَمِنْ ثَمَّ (فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ)، أَيْ: مَا ذَكَرَ أَوِ الْفِتْنَةَ بِمَعْنَى الِافْتِتَانِ (ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ)، أَيْ: صَاحُوا وَجَزِعُوا (ضَجَّةً) : التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا)، أَيْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ (وَزَادَ النَّسَائِيُّ) : أَيْ بَعْدَ ضَجَّةٍ (حَالَتْ) : صِفَةُ ضَجَّةٍ (بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم)، أَيْ:

ص: 218

بَعْدَ هَذَا (فَلَمَّا سَكَنَتْ ضَجَّتُهُمْ)، أَيْ: صَيْحَتُهُمْ وَارْتِفَاعُ صَوْتِهِمْ (قَلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي)، أَيْ: مَكَانًا أَوْ نَسَبًا وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ (أَيْ) : الْمُنَادَى مَحْذُوفٌ أَيْ فُلَانٌ (بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ) : أَوْ زَادَكَ اللَّهُ عِلْمًا وَحِلْمًا، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ (مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي آخِرِ قَوْلِهِ؟) : أَيْ بَعْدَ الصِّيَاحِ (قَالَ)، أَيِ: الرَّجُلُ، قَالَ: عليه الصلاة والسلام (قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ)، أَيْ: وَحْيًا جَلِيًّا أَوْ خَفِيًّا (أَنَّكُمْ) : أَيُّهَا الْأُمَّةُ (تُفْتَنُونَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تُمْتَحَنُونَ (فِي الْقُبُورِ) : أَيِ افْتِنَانًا قَرِيبًا (مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) . وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: فِتْنَةً قَرِيبَةً، وَذَكَرَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] أَيْ فِتْنَةً عَظِيمَةً إِذْ لَيْسَ فِيهَا _ أَيْ فِي الْفِتَنِ - أَعْظَمُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.

ص: 219

138 -

وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ مَثَلَتْ لَهُ الشَّمْسُ عِنْدَ. غُرُوبِهَا. فَيَجْلِسُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: دَعُونِي أُصَلِّي» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

ــ

138 -

(وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ (مَثَلَتْ لَهُ الشَّمْسُ)، أَيْ: صُوِّرَتْ وَخُيِّلَتْ (عِنْدَ غُرُوبِهَا) : حَالٌ مِنَ الشَّمْسِ، أَيْ: حَالَ كَوْنِهَا قَرِيبَةَ الْغُرُوبِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: حَالَ كَوْنِهَا غَارِبَةً لَا ظَرْفَ لِمَثَلَتْ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ التَّمْثِيلَ لَا يَكُونُ إِلَّا ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَيَتَقَرَّرُ أَنَّهُ عِنْدَ نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ أَوْ بَعْدَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، وَهَذَا لَا يُقَيَّدُ بِذَلِكَ الْوَقْتِ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي سَائِرِ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ التَّمْثِيلَ بِهَا حَالَةَ كَوْنِهَا غَارِبَةً عَامٌّ فِي سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ أَيْضًا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى مُسَارَعَتِهِ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَإِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِمْ: كَمَا تَعِيشُونَ تَمُوتُونَ وَكَمَا تَمُوتُونَ تُحْشَرُونَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا بَعْدَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ تَنْبِيهًا عَلَى رَفَاهِيَتِهِ وَقِيَامًا بِشُكْرِ نِعْمَتِهِ. هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ:(فَيَجْلِسُ) : وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَقِيلَ مَجْهُولٌ (يَمْسَحُ)، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مَاسِحًا (عَيْنَيْهِ) : عَلَى هَيْئَةِ الْمُسْتَيْقِظِ لِأَنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ، وَوَرَدَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا) (وَيَقُولُ: دَعُونِي) : أَيِ اتْرُكُوا كَلَامِيَ وَالسُّؤَالَ عَنِّي (أُصَلِّي)، أَيْ: أَنَا أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ خَوْفَ الْفَوْتِ قَبْلَ الْمَوْتِ كَأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ بَعْدُ فِي الدُّنْيَا، وَيُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنَ الْفَرْضِ وَيَشْغَلُهُ مِنْ قِيَامِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَذَلِكَ مِنْ رُسُوخِهِ فِي أَدَائِهِ وَمُدَاوَمَتِهِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا تَخْصِيصُ ذِكْرِ الْغُرُوبِ فَإِنَّهُ يُنَاسِبُ الْغَرِيبَ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ يَنْزِلُهُ عِنْدَ الْغُرُوبِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّفَرِ يَكُونُ أَوَّلَ النَّهَارِ فَآخِرُ مَرْحَلَةٍ يَكُونُ عِنْدَ الْغُرُوبِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ وَجْهَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى تَأَكُّدِ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَأَنَّهَا الْوُسْطَى، فَمُثِّلَ لَهُ آخِرُ وَقْتِهَا لِيَطْلُبَ صَلَاتَهَا إِعْلَامًا بِمَزِيدِ فَضْلِهَا وَتَأَكُّدِهَا، أَوْ إِلَى الِاحْتِرَاسِ عَنْ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ فَإِنَّهُمْ يَجْلِسُونَ يُرَاقِبُونَ الْغُرُوبَ حَتَّى إِذَا دَنَتِ الشَّمْسُ إِلَيْهِمْ نَقَرُوا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ. فَبَادَرَ الْمَيِّتُ إِذْ زَالَ مَانِعُهُ وَمَثَلَ لَهُ هَذَا الْوَقْتُ إِلَى الصَّلَاةِ لِيَسْلَمَ مِنْ وَصْمَتِهِمِ اهـ.

وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْغُرُوبَ إِشَارَةٌ إِلَى ارْتِحَالِهِ مِنَ الدُّنْيَا وَزَوَالِهِ وَغُرُوبِهِ عَنْهَا فَإِنَّ الْقَبْرَ آخِرُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الدُّنْيَا، وَالْبَرْزَخُ مُشَبَّهٌ بِاللَّيْلِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْيَوْمِ السَّابِقِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ اللَّاحِقِ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ لِتَمْثِيلٍ يُنَاسِبُ ظُلْمَةَ الْقَبْرِ وَظُهُورِ نُورِ الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ الْمُؤَدِّي لِلصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ

) .

ص: 219

139 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «إِنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ، فَيَجْلِسُ الرَّجُلُ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ وَلَا مَشْغُوبٍ، ثُمَّ يُقَالُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ فِي الْإِسْلَامِ. فَيُقَالُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَصَدَّقْنَاهُ. فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ اللَّهَ؟ فَيَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرَى اللَّهَ، فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةً قِبَلَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللَّهُ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةً قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مِتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيَجْلِسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فِي قَبْرِهِ فَزِعًا مَشْغُوبًا، فَيُقَالُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي! فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْتُهُ، فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةً قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا صَرَفَ اللَّهُ عَنْكَ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةً إِلَى النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، عَلَى الشَّكِّ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مِتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

ــ

139 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ الْمَيِّتَ) : اللَّامُ لِلْجِنْسِ (يَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ) : وَكُلُّ مَا اسْتَقَرَّ فِيهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهُوَ قَبْرُهُ (فَيَجْلِسُ) : قِيلَ مَجْهُولٌ (الرَّجُلُ)، أَيِ: الصَّالِحُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ) : بِكَسْرِ الزَّايِ وَنَصْبُ (غَيْرَ) عَلَى الْحَالِيَّةِ وَقَوْلُهُ: (وَلَا مَشْغُوبٍ) : تَأْكِيدٌ مِنَ الشَّغَبِ وَهُوَ تَهْيِيجُ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَزِعٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ يَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِإِيهَامِهِ هُنَا إِذْ سَلْبُ مَا هُوَ كَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى سَلْبِ أَصْلِ الْفِعْلِ كَمَا قَالُوهُ فِي {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ ذِي فَزَعٍ كَمَا أَنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ بِذِي ظُلْمٍ أَقُولُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ مُسَلَّمٌ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ فَإِنَّ بَقَاءَ أَصْلِ الْفَزَعِ غَيْرُ مَنْفِيٍّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ بَلِ النَّفْيُ مُنْصَبٌ عَلَى شِدَّةِ الْفَزَعِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي قَوْلِهِ: وَلَا مَشْغُوبٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي مُدَّعَاهُ (ثُمَّ يُقَالُ)، أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (" فِيمَ كُنْتَ ") أَيْ فِي أَيِّ دِينٍ عِشْتَ (فَيَقُولُ: كُنْتُ فِي الْإِسْلَامِ) . هَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ خِلَافَ الْمُنَافِقِ لِأَنَّ الْجَوَابَ الظَّاهِرَ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِسْلَامِ (فَيُقَالُ) : أَيْ لَهُ (مَا هَذَا الرَّجُلُ) : مَا: اسْتِفْهَامٌ مُبْتَدَأٌ وَهَذَا الرَّجُلُ خَبَرُهُ، أَيْ مَا وَصْفُهُ وَنَعْتُهُ؟ أَوْ مَا اعْتِقَادُكَ فِيهِ (فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ) ، أَيْ: صَاحِبُ هَذَا الِاسْمِ الْمُفَخَّمِ الْمُشْتَهِرِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، ثُمَّ وَصَفَهُ بِقَوْلِهِ (رَسُولُ اللَّهِ) : وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُحَمَّدٍ، وَالْجُمْلَةُ مَقُولٌ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلْجَوَابِ عَنْ وَصْفِهِ. وَقَوْلُهُ:(جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)، أَيِ: الْآيَاتِ الظَّاهِرَاتِ أَوِ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صِفَةً وَجَاءَنَا خَبَرًا وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِجَاءَ أَوْ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ (فَصَدَّقْنَاهُ)، أَيْ: بِجَمِيعِ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ اللَّهَ؟) : قِيلَ: نَشَأَ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَيْ: كَيْفَ تَقُولُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ فَهَلْ رَأَيْتَ اللَّهَ فِي الدُّنْيَا؟ (فَيَقُولُ: مَا يَنْبَغِي)، أَيْ: لَا يَصِحُّ (لِأَحَدٍ) : جَوَابٌ بِالْأَعَمِّ فَإِنَّهُ لِلْمَقْصُودِ أَتَمٌّ (أَنْ يَرَى اللَّهَ)، أَيْ: يُبْصِرَهُ بِبَصَرِهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ يُحِيطَ بِكُنْهِهِ مُطْلَقًا (فَيُفْرَجُ لَهُ) : بِالتَّشْدِيدِ، وَقِيلَ بِالتَّخْفِيفِ، وَكِلَاهُمَا عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: يُكْشَفُ وَيُفْتَحُ لَهُ (فُرْجَةً) : بِضَمِّ الْفَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى نِيَابَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي (قِبَلَ النَّارِ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، أَيْ: جِهَتَهَا؛ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ يُرْفَعُ الْحُجُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى يَرَاهَا (فَيَنْظُرُ)، أَيِ: الْمُؤْمِنُ (إِلَيْهِ) : ذُكِّرَ ضَمِيرُ النَّارِ بِتَأْوِيلِ الْعَذَابِ، وَأُنِّثَ فِي قَوْلِهِ (يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا) : نَظَرًا إِلَى اللَّفْظِ وَالْحَطْمُ: الْحَبْسُ فِي الْمَوْضِعِ الْمُتَضَايِقِ الَّذِي يَتَحَطَّمُ فِيهِ الْخَيْلُ، أَيْ: يَدُوسُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَالْمَعْنَى: يَكْسِرُ وَيَغْلِبُ وَيَأْكُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا لِشِدَّةٍ تَلَهُّبِهَا وَكَثْرَةِ وَقُودِهَا (فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللَّهُ)، أَيْ: حَفِظَكَ بِحِفْظِهِ تَعَالَى إِيَّاكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي تَجُرُّ إِلَى النَّارِ (ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةً قِبَلَ الْجَنَّةِ) : وَفِي تَقْدِيمِ فُرْجَةُ النَّارِ؛ لِأَنَّ الْمَسَرَّةَ بَعْدَ الْمَضَرَّةِ أَنْفَعُ وَفِي النَّفْسِ أَوْقَعُ، وَإِشَارَةٌ إِلَى فَضْلِهِ بَعْدَ ظُهُورِ عَدْلِهِ (فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا) ؟ بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ حُسْنِهَا وَبَهْجَتِهَا (وَمَا فِيهَا) : مِنَ الْحُورِ وَالْقُصُورِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ وَالْمُلْكِ الْكَبِيرِ (فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ)، أَيْ: فِي الْعُقْبَى (عَلَى الْيَقِينِ) : حَالٌ، وَالْعَامِلُ مَا فِي حَرْفِ التَّنْبِيهِ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ الْمُتَضَمِّنِ لِصَاحِبِ الْحَالِ، وَالتَّعْرِيفُ فِي الْيَقِينِ لِلْجِنْسِ وَقَوْلُهُ:(كُنْتَ) :

ص: 220