المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌لم تقم حجة على إدراك الركعة بإدراك الركوع - مسائل القراءة في الصلاة، والرد على أحد شراح الترمذي - ضمن «آثار المعلمي» - جـ ١٨

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

الفصل: ‌لم تقم حجة على إدراك الركعة بإدراك الركوع

الفاتحة، وقد تقدم أن القول بأن المأموم يقرأ الفاتحة هو قول جمهور الصحابة.

و‌

‌لم تقم حجة على إدراك الركعة بإدراك الركوع

، فإنَّ أقوى ما بأيديهم حديث الحسن عن أبي بكرة في ركوعه دون الصف. وهذا لفظه عند البخاري في "صحيحه"

(1)

: عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو راكعٌ؛ فركع قبل أن يصل إلى الصف؛ فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقال: "زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ".

ورواه أبو داود

(2)

وغيره بمعناه، ووقع للحافظ ابن حجر سهو في "نصب الراية"

(3)

، تبع فيه الزيلعي؛ فلا يُغترُّ به.

وليس في الحديث دلالة على إدراك الركعة؛ لأنه قد يكون الصحابي حَرَصَ على إدراك فضيلة الركوع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فإنَّ من أدرك الإمام في السجود مثلًا فسجد معه، كان له أجر ذلك وإن لم تحسب له الركعة، فكذا

(1)

رقم (783).

(2)

رقم (683، 684). وأخرجه أيضًا أحمد (20405) والنسائي (2/ 118) والطحاوي في "معاني الآثار"(1/ 395) والبيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 106) وغيرهم.

(3)

يقصد "الدراية"(1/ 171) فقد طبع في الهند بهذا العنوان. وانظر "نصب الراية" للزيلعي (2/ 39). والسهو الذي أشار إليه المؤلف هو أن الزيلعي نقل هذا الحديث بسياق غريب طويل، وعزاه إلى البخاري في "الصحيح"، ولا وجود له فيه بهذا السياق. وتبعه الحافظ في "الدراية" في هذا الوهم، وهو مختصر "نصب الراية" مع زيادات.

ص: 142

إدراك الركوع تحصل به الفضيلة قطعًا. والحرص على إدراك الفضيلة لا يُنكر؛ بل لعله هذا هو الذي يقتضيه حسن الظن بالصحابي مع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "زادك الله حرصًا"؛ فإنه لو حرص على إدراك الركوع لأجل إدراك الركعة لكان في ذلك تهمة أنه إنما فعل ذلك لئلا تذهب أعماله بعد الركوع غير محسوبة له، ويلزمه بعد السلام ركعة تامة.

نعم ذكر الحافظ في "الفتح"

(1)

أنَّ في رواية الطبراني من طريق يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي بكرة: "فقال: أيكم صاحب هذا النفس؟ قال: خشيتُ أن تفوتني الركعة معك"؛ فيجب النظر في إسناده.

على أنَّ الحسن ــ على جلالته وإمامته ــ كان يدلِّس تدليسًا صعبًا. قال البزَّار

(2)

: كان يتأول فيقول: "حدَّثنا وخَطَبنا"؛ يعني: قومه الذين حُدِّثوا وخُطِبوا بالبصرة.

وقال ابن حجر: في "طبقات المدلِّسين"

(3)

: "كان مكثرًا من الحديث، وكان يرسل كثيرًا عن كل أحد، وصفه بتدليس الإسناد النسائي وغيره".

وفي "تهذيب التهذيب"

(4)

في ترجمة الحسن: "وقال ابن حبان:

وكان يدلِّس".

(1)

(2/ 268).

(2)

انظر "تهذيب التهذيب"(2/ 269).

(3)

(ص 102).

(4)

(2/ 270).

ص: 143

وفيه

(1)

: قال: "قال ابن عون: قلت له: عَمَّن تُحَدِّث هذه الأحاديث؟ قال: عنك، وعن ذا، وعن ذا".

وفي ترجمته في "تهذيب التهذيب"

(2)

أيضًا: "ووقع في "سنن النسائي" من طريق أيوب عن الحسن عن أبي هريرة في المختلعات، قال الحسن: لم أسمع عن أبي هريرة غير هذا الحديث. أخرجه عن إسحاق بن راهويه عن المغيرة بن سلمة عن وهيب عن أيوب، وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته".

أقول: وقد روى عن أبي هريرة عدة أحاديث بالعنعنة، وهذا هو التدليس.

وقال في "الفتح"

(3)

في الكلام على هذا الحديث: "وقد أعلَّه بعضهم بأنَّ الحسن عنعنه، وقيل: إنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف عنه. وردَّ هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة عن الأعلم قال: حدثني الحسن أنَّ أبا بكرة حدَّثه، أخرجه أبو داود والنسائي".

قلت: الذي في "سنن أبي داود"

(4)

: "أنَّ أبا بكرة حدَّث" بدون هاء، وهذه صيغة تدليس، ومع هذا فسعيد بن أبي عروبة مدلس أيضًا.

(1)

الموضع السابق.

(2)

(2/ 269، 270). وفي "سنن النسائي"(6/ 168، 169): "لم أسمعه من غير أبي هريرة. قال أبو عبد الرحمن: لم يسمع من أبي هريرة شيئًا".

(3)

(2/ 268).

(4)

رقم (683).

ص: 144

وفي "مسند أحمد"

(1)

أحاديث من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن؛ مصرَّحٌ فيها بسماعه من أبي بكرة.

والمبارك بن فضالة مختلف فيه، وأنكروا عليه رواياته عن الحسن ثنا عمران بن حصين، وثنا معقل.

قلت: فهذا من ذاك. وذكر جماعة أنَّ المبارك كان يدلِّس. وقال أبو داود: كان شديد التدليس.

وفي "المسند"

(2)

: ثنا سفيان عن أبي موسى ــ ويقال له إسرائيل ــ قال: سمعت الحسن قال: سمعت أبا بكرة. وقال سفيان مرَّة: عن أبي بكرة؛ فذكر حديثًا.

قلت: فكأنَّ سفيان شكَّ، والله أعلم.

فإن قيل: فإنَّ البخاري قد أخرج هذا الحديث في "صحيحه"

(3)

، ومذهبه اشتراط ثبوت اللقاء؛ فلا يقبل إعلال الحديث بعدم اللقاء ولا بالتدليس؛ كما عرف.

قلت: أما ثبوت اللقاء فلعلَّه اعتمد ما تقدَّم. وأما التدليس فقد تقدَّم الكلام في هذا.

وعلى تسليمه فالبخاري لم يخرِّج تلك الزيادة التي نقلها ابن حجر عن الطبراني، ومن الجائز أن يكون الحسن سمع الحديث من أبي بكرة، بدون

(1)

بأرقام (20391، 20429، 20448، 20516).

(2)

رقم (20392).

(3)

رقم (783).

ص: 145

تلك الزيادة، وسمعها من غيره عنه بتلك الزيادة؛ [ص 83] كما تقدَّم عن البخاري في حديث قتادة عن أبي غلاب

(1)

.

فإن قيل: هب الحسن دلَّسه فقد علم أنَّ الواسطة هو الأحنف، والأحنف ثقة.

قلت: لم يعلم في هذا الحديث بعينه أنَّ الواسطة هو الأحنف، وإن كان الحسن قد حدَّث بأحاديث أخر عن الأحنف عن أبي بكرة. إذ لا يلزم من ذلك أنه لم يسمع غير الأحنف يحدِّث عن أبي بكرة.

وقد قال أبو زرعة وأبو حاتم في قول الحسن "خطبنا ابن عباس بالبصرة": إنما أراد خطبَ أهل البصرة

(2)

.

وقال ابن المديني: رُوِي عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن: أنَّ سراقة حدثهم، وهذا إسناد ينبو عنه القلب؛ أن يكون الحسن سمع من سراقة؛ إلَاّ أن يكون معنى "حدَّثهم": حدَّث الناسَ، فهذا أشبه.

وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول وذكر حديثًا حدَّثه مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة. قال أبي: لم يعمل ربيعة شيئًا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا".

أقول: وربيعة ثقة؛ فالظاهر إن كان هذا الحديث غير حديث المختلعات الذي عند النسائي

(3)

أنَّ الحسن قال: حدثنا أبو هريرة؛ يريد حدَّث الناسَ أو

(1)

انظر "جزء القراءة"(ص 413).

(2)

انظر "تهذيب التهذيب"(2/ 267). وفيه الأقوال الآتية.

(3)

(6/ 168).

ص: 146

نحو ذلك، كعادته.

فإن قلت: فإنَّ الحافظ ابن حجر ذكر الحسن وابن أبي عروبة في الطبقة الثانية من طبقات المدلِّسين، وقد ترجم هذه الطبقة بقوله

(1)

: "من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح، لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى؛ كالثوري، أو كان لا يدلِّس إلَاّ عن ثقة؛ كابن عيينة". وعلى هذا فتُحتَمل عنعنة الحسن، وتُصحَّح، ويحتجُّ بها، ولا يلتفت إلى أنه كان يدلِّس، وكذا ابن أبي عروبة.

قلت: هذا مشكلٌ جدًّا، لا يتمشَّى على [ص 84] القواعد. وقد نصَّ الشافعي في "الرسالة" على أنَّ التدليس يثبت بمرَّة، وعبارته

(2)

: "ومن عرفناه دلَّس مرَّة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بكذب فنردَّ بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق؛ فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلِّسٍ حديثًا، حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت".

وجلالة الرجل وإمامته إذا عُرِف بالتدليس لا تنافي أن يدلِّس رجلًا يُحْسِن الظنَّ به، وغيرُه يعرف أنه مجروح، وتُقوِّي التهمة بالتدليس؛ لأنَّ مما يبعث عليه أن يكون الشيخ غير مرضي عند الناس. ولو كانت جلالة الرجل وإمامته توجب اغتفار تدليسه لأوجبت اغتفار إرساله، وليس هذا مذهب أهل الحديث.

(1)

(ص 62).

(2)

"الرسالة"(ص 379).

ص: 147

وقد عدَّ ابن حجر سليمان التيمي في الطبقة الثانية

(1)

؛ مع أنَّ البخاري طعن في زيادته في حديث قتادة عن أبي غلاب؛ بقوله: "ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير". ذكره في "جزء القراءة"

(2)

.

وقال البزَّار

(3)

في سعيد بن أبي عروبة: "يحدِّث عن جماعة لم يسمع منهم؛ فإذا قال: "سمعت وحدثنا" كان مأمونًا على ما قال".

مفهومه أنه ليس مأمونًا فيما عنعنه.

وقال فيه ابن عدي

(4)

: "كان ثبتًا عن كل من روى عنه؛ إلَاّ من دلَّس عنهم".

فجعله غير ثبت إذا دلَّس.

وقد تأوَّل السخاويُّ في "فتح المغيث" كلامَ شيخه ابن حجر؛ فإنه ذكر عباراتهم في اغتفار عنعنة المدلِّس إذا وقعت في "الصحيحين"، ثم قال

(5)

: "وأحسن من هذا كلِّه قول القطب الحلبي في "القدح المعلَّى": أكثر العلماء أنَّ المعنعنات التي في "الصحيحين" منزَّلة منزلة السماع؛ يعني: إما لمجيئها من وجهٍ آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلِّس إلَاّ عن ثقةٍ أو عن بعض

(1)

(ص 117).

(2)

(ص 413).

(3)

انظر "تهذيب التهذيب"(4/ 64).

(4)

المصدر نفسه (4/ 66).

(5)

(1/ 218، 219) ط. الهند.

ص: 148

شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض الحفَّاظ النقَّاد المحققين سماع المعنعن".

ثم قال بعد ذلك: "وما أشار إليه شيخنا من إطلاق تخريج أصحاب الصحيح لطائفةٍ منهم حيث جعل منهم قِسمًا احتمل الأئمةُ تدليسَه، وخرَّجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه كالثوري، يتنزَّل على هذا؛ لاسيَّما وقد جعل من هذا القسم: من كان لا يدلِّس إلَاّ عن ثقة كابن عيينة. وكلام الحاكم يساعده؛ فإنه قال: ومنهم جماعة من المحدثين المتقدِّمين والمتأخرين، مخرَّج حديثهم في الصحيح؛ لأنَّ المتبحِّر في هذا العلم يميِّز بين ما سمعوه وبين ما دلَّسوه".

فكلام السخاوي ينبِّهك على أنَّ اغتفار عنعنة تلك الطبقة مخصوص بأحاديثهم التي في "الصحيحين".

وكلام الحلبي والحاكم ظاهر في أنَّ الاغتفار إنما هو للظنِّ بأنَّ صاحب الصحيح اطَّلع على روايةٍ مصرَّحٍ فيها بالسماع. أو يكون المعنعن لا يدلِّس إلَاّ عن ثقة؛ يعني: ثقة متفق عليه كما صرَّحوا به، وقد ذكر ابن حبَّان أنَّ هذا خاص بابن عيينة. أو على أنه كان لا يدلِّس إلَاّ عن بعض شيوخه، أي ولم يكن يدلِّس عن شيخه هذا. أو لوقوعها من جهة بعض الحفاظ النقاد؛ أي الذين صرَّحوا بأنهم لا يروون عن ذلك المدلِّس إلَاّ ما اطلعوا على أنه سمعه.

أقول: ومع هذا فقد ناقش ابن دقيق العيد وغيره في المسألة من أصلها كما ذكره السخاوي. وقد نُقِل عنه أنه قال

(1)

: "هذه إحالة على جهالة،

(1)

نقله الحافظ عن ابن دقيق العيد في "النكت على ابن الصلاح"(2/ 635).

ص: 149

وإثبات أمر بمجرَّد الاحتمال".

أقول: وقد يجوز في بعض المواضع أنَّ صاحب الصحيح لم يطلع على أنَّ الشيخ كان يدلِّس.

والحاصل: قد يقال

(1)

اختصاص اغتفار عنعنة الحسن وابن أبي عروبة وأهل تلك الطبقة بما وقع في "الصحيحين"؛ فلا يدخل في ذلك ما وقع من عنعنتهم في غيرهما؛ كالسنن والمسانيد ومعاجم الطبراني، والله أعلم.

ولعلنا لو اطلعنا على إسناد الطبراني لهذا الحديث بتلك الزيادة لاستغنينا عن هذا التطويل

(2)

.

ثم رأيت في "جزء القراءة"

(3)

للبخاري: حدثنا محمد بن مرداس أبو عبد الله الأنصاري قال: حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خلف الخزاز عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلَّى صلاة الصبح، فسمع نَفَسًا شديدًا أو بُهْرًا من خلفه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة قال لأبي بكرة: أنت صاحب هذا النَّفَس؟ قال: نعم، جعلني الله فداءك، خشيتُ أن تفوتني ركعةٌ معك، فأسرعتُ المشي؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ، صلِّ ما أدركتَ واقضِ ما سبق".

وأظنُّ الطبراني إنما رواه من هذه الطريق

(4)

.

(1)

تحتمل: يتبين.

(2)

لم يصل إلينا مسند أبي بكرة من "المعجم الكبير".

(3)

(ص 340).

(4)

هو كذلك، فقد عزاه إليه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 76) وقال:"فيه عبد الله بن عيسى الخزاز وهو ضعيف". وهو كما نرى في هذا الإسناد.

ص: 150

ومحمد بن مرداس مجهول؛ قاله أبو حاتم، ولا يدفع ذلك ذِكْرُ ابن حبان إياه في "الثقات" كما عرف

(1)

.

وعبد الله بن عيسى

(2)

؛ قال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن القطان: لا أعلم له موثقًا.

ثم إن الحسن كان يروي بالمعاني؛ كما قاله هشيم عن ابن عون؛ فلا يبعد أن لا يكون تثبت عنده تلك الزيادة بذلك اللفظ، ولكنه فهم من القصة ذلك المعنى؛ كما فهمه منها كثيرون؛ فلما روى بالمعنى جاءت تلك العبارة، والله أعلم.

وفي "المسند"

(3)

: عن عبد العزيز بن أبي بكرة أن أبا بكرة جاء والنبي صلى الله عليه وآله وسلم راكعٌ، فسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم صوتَ نعلِ أبي بكرة، وهو يُحْضِر يريد أن يدرك الركعة؛ فلما انصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من الساعي، قال أبو بكرة: أنا، قال:"زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ".

وفي سنده بشار الخيّاط

(4)

ضعَّفه ابن معين، على أنَّ ظاهره الإرسال، والله أعلم.

هذا، ومن قال بأنَّ الركعة تدرك بإدراك الركوع، ويتحمَّل الإمام الفاتحة

(1)

انظر "تهذيب التهذيب"(9/ 434) و"الثقات"(9/ 107).

(2)

"تهذيب التهذيب"(5/ 353).

(3)

رقم (20435).

(4)

هكذا في الطبعة القديمة من "المسند" و"تبصير المنتبه"، وفي الطبعة الجديدة من "المسند" و"تعجيل المنفعة":"الحنَّاط". ولم نجد أحدًا نصَّ على ضبطه.

ص: 151

عنه، لا يلزمه أنَّ الإمام يتحمَّل عن الموافق؛ للفرق الواضح. فإن له أن يقول: إنَّ الشارع لما أمر المسبوق أن يدخل في الصلاة فورًا، سواءٌ أكان الإمام راكعًا أم ساجدًا أم جالسًا أم غير ذلك، فقد ألزم هذا المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا أن يركع معه، ثم نظر فإذا هو قد أدرك معظم الركعة، وأدرك الأركان التي تتميَّز بها الصلاة تميُّزًا واضحًا؛ وهي الركوع والسجود، وعلم الشارع أنَّ تكليفه المسبوق بالموافقة، وتكليفه بقضاء تلك الركعة يشقُّ عليه، وهذه المشقة وإن كانت خفيفة إلَاّ أنه يحتمل تكرُّرها مرارًا كل يوم، فناسبَ أن يسقط عنه فاتحة تلك الركعة، وإن كانت ركنًا؛ كما أسقط القراءة عن الأبكم والأمي وإن كان منفردًا، وكما أسقط القيام عن المأمومين إذا كان الإمام لا يستطيع القيام، وكما أسقط القيام والركوع والسجود عن العاجز. ولم يَلزم المسبوقَ بدلُ الفاتحة؛ لأنه لا يمكن له بدلٌ إذا كان عليه الموافقة في الركوع فورًا؛ فكان مشغولًا بعد ذلك بأعمال أخرى.

فإن قيل: فإنَّ من أدرك الإمام في الاعتدال لا تحسب له ركعة مع أنَّ المشقة عليه قريب من المشقة على من أدركه في الركوع.

قلت: ولكنها أخفُّ بالنسبة، ومع ذلك فليس العلة هي المشقة وحدها؛ بل المشقة مع إدراك معظم الركعة، وإدراك الأركان التي تتميَّز بها الصلاة تميُّزًا واضحًا. وأما الموافق فلا مشقة عليه؛ فكيف يقاس على المسبوق؟

[ص 85] وأما حديث موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد فقد أطلق الحفَّاظ المتقدِّمون أنه لم يجئ موصولًا بذكر جابر إلَاّ من رواية الإمام أبي حنيفة ــ رحمه الله تعالى ــ والحسن بن عمارة، ولم يناقش في ذلك أحد من الحفاظ الحنفية وغيرهم.

ص: 152

وقد رُوي الحديث من طريق سفيان وشريك في عدَّة كتب

(1)

بدون ذكر جابر.

وقد كان "مسند أحمد بن منيع" مشهورًا متداولًا بينهم؛ فيبعد غاية البعد أن يكون فيه الحديث موصولًا عن سفيان وشريك، ولا ينبِّه عليه أحد من المتقدمين. فهذا يبيِّن أنَّ ما نقله ابن الهمام

(2)

عن "مسند أحمد بن منيع" خطأ في تلك النسخة، ولا يُعلم بخط من هي، وكيف حالها؟

والظاهر أنه وقع فيها سقط أو تحريف؛ فإنَّ إسحاق الأزرق ــ الذي وقع في النسخة الروايةُ عنه عن سفيان وشريك ــ يروي هذا الحديث بعينه عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

قال الدارقطني

(3)

: "حدثنا علي بن عبد الله بن مبشر ثنا محمد بن حرب الواسطي ثنا إسحاق الأزرق عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة".

والإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى عَدْل رضًا مأمون، وأكبر من ذلك، ولكن أئمة الحديث من أصلهم إذا تعارض الوصل والإرسال الاجتهادُ

(1)

انظر "مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 376) و"معاني الآثار" للطحاوي (1/ 217) و"السنن الكبرى" للبيهقي (2/ 160).

(2)

في "فتح القدير"(1/ 338). وقد سبق نقل الحديث ضمن حجج القائلين بأن المأموم لا يقرأ مطلقًا.

(3)

في "السنن"(1/ 323).

ص: 153

بالترجيح؛ كما تقدَّم عن "فتح المغيث"

(1)

. ومن المرجحات عندهم الكثرة.

وقد رواه الدارقطني

(2)

من طريق ابن أخي ابن وهب ثنا عمي ثنا الليث بن سعد عن يعقوب عن النعمان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن أبي الوليد عن جابر؛ فذكره، في قصة ستأتي.

ثم قال الدارقطني: "أبو الوليد هذا مجهول".

والظاهر أنَّ "عن" في قوله "عن أبي الوليد" زائدة، والصواب عن عبد الله بن شدَّاد أبي الوليد؛ فإنَّ عبد الله بن شدَّاد كنيته أبو الوليد. أو أنَّ قوله "عن أبي الوليد" بدلٌ من قوله "عن عبد الله بن شدَّاد".

ثم رأيت الطحاوي أخرج الحديث في "معاني الآثار"

(3)

عن أبي بكرة قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن رجل من أهل البصرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحوه.

وجابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري لم يكن من أهل البصرة.

ثم وجدت في "الإصابة"

(4)

ترجمةً لفظها: "جابر بن عبد الله الراسبي، قال صالح جزرة: نزل البصرة. وقال أبو عمر

(5)

: روى عنه أبو شدَّاد. وروى

(1)

(1/ 203).

(2)

(1/ 325).

(3)

(1/ 217).

(4)

(2/ 124) ط. التركي.

(5)

في "الاستيعاب"(1/ 221).

ص: 154

ابن منده من طريق عمر بن برقان

(1)

عن أبي شدّاد عن جابر بن عبد الله الراسبي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثًا قال: "من عفا عن قاتله دخل الجنة"

(2)

. قال: هذا حديث غريب، إن كان محفوظًا. قال أبو نعيم: قوله "الراسبي" وهمٌ، وإنما هو الأنصاري".

فأخشى أن يكون جابر بن عبد الله الذي وقع في سند الحديث من رواية الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو هذا البصري. وبهذا التقدير يتم قوله في رواية إسرائيل: "عن رجل من أهل البصرة". ويجوز أن تكون كنية هذا الرجل أبا الوليد؛ فتكون رواية الدارقطني على ظاهرها، وإن كان زيادة "عن جابر" يعكِّر على ذلك.

وأخشى أن لفظ "أبي شدَّاد" الواقع في السند المذكور في ترجمة هذا الرجل صوابه "ابن شدَّاد".

وفي "لسان الميزان"

(3)

: "أبو شدَّاد عن مجاهد

وأخرج أبو يعلى

(4)

من طريق عمر بن نبهان عن أبي شدَّاد عن جابر حديثًا؛ فما أدري هو هذا أم لا؟ ولم أقف على ترجمته عند الحاكم أبي أحمد".

قلت: وعمر بن نبهان يروي عن الحسن البصري ونحوه؛ فلا يبعد أن يروي عن عبد الله بن شدَّاد.

(1)

وفي بعض النسخ "نبهان".

(2)

أخرجه أبو يعلى في "مسنده"(1794) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"(1543).

(3)

(9/ 92).

(4)

هو الحديث المذكور، وسبق تخريجه.

ص: 155

وعبد الله بن شدَّاد غير معروف بالرواية عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، [ص 86] وحديث جابر في "مسند أحمد" في أربعٍ وخمسين ورقة

(1)

ليس فيه شيء من رواية ابن شدَّاد عنه.

وجابر بن عبد الله الراسبي البصري لم تثبت له صحبة، وهو رجلٌ مجهول.

ويحتمل أن يكون جابر الواقع في رواية الإمام أبي حنيفة هو الأنصاري على ما هو المتبادر، ويكون ابن شدَّاد لم يسمع هذا الحديث منه؛ بل سمعه عن رجل من أهل البصرة يقال له أبو الوليد عن جابر. ولعلَّ ابن أبي عائشة إنما اختار الإرسال غالبًا لأحد هذين الاحتمالين، أو لأنه كان يشكُّ.

وقد روى ابن المبارك الحديث عن أبي حنيفة مرسلًا

(2)

كالجماعة؛ فهو المتيقِّن، ولا يصح الحكم بوصله لاضطراب ابن أبي عائشة فيه كما رأيت.

فأما زيادة "في الظهر أو العصر" فما إخالها إلَاّ مدرجة، فقد أخرج الدارقطني

(3)

من طريق ابن أخي ابن وهب بسنده المتقدِّم، عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد عن جابر بن عبد الله أنَّ رجلًا قرأ خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:"من قرأ منكم بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}؟ " فسكت القوم، فسألهم ثلاث مرات، كلَّ ذلك يسكتون، ثم

(1)

(3/ 292 - 400) من الطبعة الميمنية سنة 1313.

(2)

كما في "السنن الكبرى" للبيهقي (2/ 160).

(3)

(1/ 325).

ص: 156

قال رجل: أنا، قال:"قد علمت أنَّ بعضكم خالجنيها".

وقال

(1)

عبد الله بن شدَّاد عن أبي الوليد عن جابر بن عبد الله: أنَّ رجلًا قرأ خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الظهر والعصر، فأومأ إليه رجل فنهاه، فلما انصرف قال: أتنهاني أن أقرأ خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فتذاكرا ذلك حتى سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"من صلَّى خلف الإمام فإنَّ قراءته له قراءة".

فالحديث الأول هو حديث عمران بن الحصين عينه، ولفظه عند مسلم

(2)

في روايةٍ: عن عمران بن حصين قال: صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الظهر أو العصر؛ فقال: "أيكم قرأ خلفي بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}؟ "، فقال رجل: أنا، ولم أُرِدْ بها إلَاّ الخير، قال:"قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها".

وسقط ذكر الظهر أو العصر من حديث ابن شدَّاد الأول، وأدرج في الثاني. فكأنَّ الأصل ــ والله أعلم ــ أنَّ لفظ:"في الظهر والعصر" مدرج في الثاني، وأصل موضعه في الأول.

ومما يدلُّ على هذا أنَّ محمد بن الحسن أخرج الحديث الثاني في "كتاب الآثار"

(3)

، وليس فيه لفظ:"في الظهر أو العصر".

وكذلك رواه الحاكم والبيهقي

(4)

من طريق مكي بن إبراهيم عن أبي

(1)

في "سنن الدارقطني" عقب الحديث السابق.

(2)

رقم (398).

(3)

رقم (86) ط. دار النوادر.

(4)

لم يخرجه الحاكم في "المستدرك"، وهو في "السنن الكبرى"(2/ 159) من طريقه.

ص: 157

حنيفة، وليس فيه ذكر الظهر أو العصر. وهكذا روي من طرق أخرى بدونها.

وأما رواية الأسود بن عامر ومن معه عن الحسن بن صالح عن أبي الزبير

(1)

؛ فقد رواه يحيى بن أبي بكير وإسحاق بن منصور وغيرهما عن الحسن بن صالح عن جابر الجعفي وليث بن أبي سليم عن أبي الزبير

(2)

، وهذا هو الراجح.

قال العراقي في خَفِيِّ الإرسال

(3)

:

فعدم السماع واللقاءِ

يبدو به الإرسال ذو الخفاء

كذا زيادة اسم راوٍ في السند

إن كان حذفه بعَنْ فيه ورد

ويؤكِّده أنَّ الحسن بن صالح لم يثبت له لقاء أبي الزبير، وإن كان أدركه.

وأما قول مسلم [ص 87] رحمه الله: إنه يكفي في الحكم بالاتصال المعاصرة لغير المدلس؛ فذاك خاص بما إذا لم يرد الحديث من جهة أخرى بذكر واسطة كما هنا.

ولعلَّ الحسن بن صالح علم أنَّ الأسود ومن وافقه يعلمون أنه لم يلق أبا الزبير؛ فلذلك أرسل الحديث عن أبي الزبير.

(1)

سبق تخريجها من "مسند أحمد"(14643) و"مسند عبد بن حميد"(1050) و"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 377).

(2)

أخرجه كذلك الطحاوي (1/ 217) والدارقطني (1/ 331) والبيهقي في "السنن الكبرى"(2/ 160) وفي "القراءة خلف الإمام"(343، 345).

(3)

في "ألفيته" بشرحها "فتح المغيث"(4/ 69).

ص: 158

وجابر الجُعفي متروك، خصوصًا إذا قال "عن"؛ فإنه يدلِّس عن الوضَّاعين.

وفي "تهذيب التهذيب"

(1)

عن مسعر قال: كنت عند جابر فجاءه رسول أبي حنيفة: ما تقول في كذا وكذا؟ قال: سمعت القاسم بن محمد وفلانًا وفلانًا، حتى عدَّ سبعةً؛ فلما مضى الرسول قال جابر: إن كانوا قالوا.

وقال أبو يحيى الحِمَّاني عن أبي حنيفة: ما لقيتُ فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأيي إلَاّ جاءني فيه بأثر

(2)

.

وأما ليث بن أبي سليم فصدوق، كثير الغلط، واختلط بأخرة.

ولو ثبت الحديث عن أبي الزبير فأبو الزبير مشهور بالتدليس، وقد عنعن.

وأجاب الشارح عن هذا بأنَّ أبا الزبير مكثر عن جابر؛ فتُحمل عنعنته عنه على السماع؛ كما قال الذهبي في "الميزان"

(3)

في ترجمة الأعمش، ولفظه:"قلت: هو مدلِّس، وربما دلَّس عن ضعيف، ولا يدري به؛ فمتى قال: "ثنا فلان" فلا كلام، ومتى قال: "عن" تطرَّق إليه احتمال التدليس؛ إلَاّ في شيوخ له أكثر عنهم؛ كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمَّان؛ فإنَّ روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال".

قلت: فيما قاله الذهبي نظر، ومع ذلك فلا يصحُّ قياس أبي الزبير على

(1)

(2/ 51).

(2)

"تهذيب التهذيب"(2/ 48).

(3)

(2/ 224).

ص: 159

ذلك؛ لأنه قد ثبت عنه التدليس عن جابر. قال ابن أبي مريم عن الليث بن سعد: قدمت مكة، فجئت أبا الزبير، فدفع إليَّ كتابين، فانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو عاودته فسألته هل سمع هذا كله من جابر؟ فقال: منه ما سمعت، ومنه ما حُدِّثت عنه، فقلت له: أعلِمْ لي على ما سمعت، فأعلَمَ لي على هذا الذي عندي

(1)

.

وأما ما رواه مالك

(2)

عن وهب بن كيسان عن جابر فهو صحيح من قوله، وما ذكره صاحب "الجوهر"

(3)

عن البيهقي في "الخلافيات" لا يصحُّ. فقد أخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار"

(4)

من طريق يحيى بن سلام عن مالك، فرفعه.

ثم قال: "حدثنا يونس قال أنا ابن وهب أنَّ مالكًا حدَّثه عن وهب بن كيسان عن جابر مثله، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

حدثنا فهد قال: ثنا إسماعيل بن موسى ابن ابنة السدِّي قال: ثنا مالك، فذكر مثله يإسناده. قال: فقلت لمالك: أَرَفَعَه؟ فقال: خذوا برجله".

ولو فُرِض أنَّ إسماعيل رفعه عن مالك، فإسماعيل وإن كان صدوقًا فليس مثله بالذي يقبل فيما يزيده على أصحاب مالك الحفّاظ، والله أعلم.

(1)

انظر "تهذيب التهذيب"(9/ 442).

(2)

في "الموطأ"(1/ 84).

(3)

"الجوهر النقي"(2/ 160).

(4)

(1/ 218). قال ابن عبد البر في "التمهيد"(11/ 48): انفرد يحيى بن سلام برفعه عن مالك، ولم يتابع على ذلك، والصحيح فيه أنه من قول جابر.

ص: 160

[ص 88] وأما الأثر الآخر عن جابر

(1)

، ففي سنده الضحاك بن عثمان؛ وثَّقه الأكثر. وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجُّ به، وهو صدوق. وقال ابن عبد البر: كان كثير الخطأ، ليس بحجَّة

(2)

.

وقد أخرج ابن ماجه والبيهقي

(3)

بسند صحيح عن يزيد الفقير ــ وهو ثقة، احتجَّ به الشيخان وغيرهما ــ عن جابر بن عبد الله قال:"كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأُولَيين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب".

وأخرجه البيهقي في موضع آخر

(4)

بسند صحيح أيضًا، ولفظه:"سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: يقرأ في الركعتين ــ يعني الأُولَيين ــ بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، قال: وكنا نتحدَّث أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما فوق ذاك، أو قال: ما أكثر من ذاك".

قال صاحب "الجوهر النقي"

(5)

: "مضطرب المتن".

أقول: ليس هذا باضطراب؛ بل سمع يزيد من جابر هذا اللفظ مرة، واللفظ الآخر مرة أخرى، وليس بين اللفظين تناقض حتى يقال: مضطرب.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 376)، ولفظه:"لا يقرأ خلف الإمام".

(2)

انظر "تهذيب التهذيب"(4/ 447).

(3)

ابن ماجه (843) و"السنن الكبرى"(2/ 170).

(4)

(2/ 63).

(5)

(2/ 161).

ص: 161

وقد جمع البيهقي

(1)

بين ما رُوِيَ عن جابر بأنه كان يرى القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه، ولا يراها فيما يجهر فيه.

أقول: وهذا محتمل، ويحتمل أن يكون هذا فيما دون الفاتحة؛ بدليل قوله:"وكنا نتحدَّث أنه لا صلاة إلَاّ بفاتحة الكتاب".

فأما قوله في رواية وهب بن كيسان: "من صلَّى ركعةً لم يقرأ فيها بأم القرآن إلَاّ وراء الإمام فيمكن أن يحمل قوله: "إلَاّ وراء الإمام" على المسبوق، والله أعلم.

وقد عُلِم بما مرَّ عن جابر ما يدلُّ على بطلان زيادة: "في الظهر أو العصر" في حديث ابن شدّاد؛ إن صحَّ كونه من رواية جابر المشهور. إذ كيف يكون هذا الحديث بتلك الزيادة عن جابر، ثم يقول:"كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام" إلى آخره، ولا يبيِّن ما يخالفه؟

وبما ذُكِر يترجَّح ــ على فرض صحة تلك القصة ــ أنها كانت في صلاة جهرية، وعلم جابر بالقرائن أنَّ قوله:"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" خاص بالجهرية.

ثم يحمل ــ كما قاله البخاري وغيره ــ على ما عدا الفاتحة؛ للأدلة المتكاثرة على وجوب الفاتحة على المأموم، ومنها حديث مكحول عن محمود عن عبادة، وهو نصٌّ يُخصَّص به عموم هذا مع ما يعضد حديث عبادة من النصوص العامة والخاصة التي تقدَّم بعضها، والله أعلم.

(1)

في "السنن الكبرى"(2/ 160).

ص: 162

هذا على فرض صحَّة الحديث، وقد علمت ما فيه.

وفي "التعليق المغني على سنن الدارقطني"

(1)

، نقلًا عن "معرفة السنن" للبيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت سلمة بن محمد الفقيه [ص 89] يقول: سألت أبا موسى الرازي الحافظ عن حديث: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"؛ فقال: لم يصحَّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه شيءٌ؛ إنما اعتمد مشايخنا فيه على الروايات عن علي وابن مسعود وغيرهما من الصحابة. قال أبو عبد الله الحافظ: أعجبني هذا لما سمعته؛ فإنَّ أبا موسى أحفظ من رأينا من أصحاب الرأي على أديم الأرض.

أقول: والثابت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الأمر بالقراءة خلف الإمام

(2)

.

وأما ابن مسعود فقال البخاري في "جزء القراءة"

(3)

: "وقال لنا إسماعيل بن أبان: حدثنا شريك عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبي مريم: سمعت ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ خلف الإمام".

وأخرجه البيهقي

(4)

من طريق علي بن حُجر ثنا شريك عن أشعث بن سليم عن عبد الله بن زياد الأسدي قال: صلَّيت إلى جنب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه خلف الإمام؛ فسمعته يقرأ في الظهر والعصر.

(1)

(1/ 326). وانظر "معرفة السنن والآثار"(3/ 79، 80).

(2)

انظر "السنن الكبرى"(2/ 168) و"القراءة خلف الإمام" للبيهقي (ص 92 - 93).

(3)

(ص 163، 164).

(4)

(2/ 169).

ص: 163

وفي "الجوهر النقي"

(1)

: "وقال ابن أبي شيبة ثنا أبو الأحوص عن منصور عن أبي وائل قال: جاء رجلٌ إلى عبد الله فقال: أَقْرَأُ خلف الإمام؟ فقال: إنَّ في الصلاة شغلًا، وسيكفيك قراءة الإمام".

وقدح صاحب "الجوهر"

(2)

في الأثر الأول بأنَّ في سنده شريكًا، وذكر كلام البيهقي فيه.

أقول: شريك إمام. قال ابن معين: هو أحبُّ إليَّ من أبي الأحوص. وقال أيضًا: ولم يكن شريك عند يحيى ــ يعني القطان ــ بشيء، وهو ثقة ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن شريك وأبي الأحوص أيهما أحبُّ إليك؟ قال: شريك، وقد كان له أغاليط

(3)

.

وأبو الأحوص هو الواقع في سند الأثر الثاني. وقد أخطأ فيه، وخالفه الطَّوْدان سفيانُ وشعبةُ؛ رواه البيهقي

(4)

من طريقهما عن منصور عن أبي وائل أنَّ رجلًا سأل ابن مسعود عن القراءة خلف الإمام؛ فقال: أنصت للقرآن؛ فإنَّ في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذاك الإمام.

قال البخاري في "جزء القراءة"

(5)

: "وقال أبو وائل، عن ابن مسعود: أَنصِتْ للإمام. وقال ابن المبارك: دلَّ أنَّ هذا في الجهر، وإنما يُقرأ خلف

(1)

(2/ 170). وانظر "المصنف"(1/ 376).

(2)

(2/ 170).

(3)

انظر "تهذيب التهذيب"(4/ 334، 335).

(4)

(2/ 160).

(5)

(ص 116، 117).

ص: 164

الإمام فيما سكت الإمام".

أقول: ومع ذلك فليس نصًّا في ترك الفاتحة؛ فقد يجوز أن يكون أراد الإنصات عما عداها للعلم بوجوبها.

وقال صاحب "الجوهر النقي"

(1)

: قال البزَّار: ثنا محمد بن بشَّار وعمرو بن علي قالا: ثنا أبو أحمد أنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كانوا يقرؤون خلف النبي عليه السلام؛ فقال: "خلَّطتم عليَّ القرآن".

أقول: قد تقدَّم في الكلام على آية الإنصات نقلُ هذا الحديث عن "جزء القراءة"

(2)

للبخاري، رواه عن محمد بن مقاتل قال: حدثنا النضر قال أنبأنا يونس بسنده هذا، ولفظه: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم[ص 90] لقوم كانوا يقرؤون القرآن، فيجهرون به:"خلَّطتم عليَّ القرآن". وكنا نسلِّم في الصلاة، فقيل لنا:"إنَّ في الصلاة لشغلًا".

(1)

(2/ 162).

(2)

(ص 400، 401).

ص: 165