المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ظواهر الأحاديث المتقدمة المنع - مسائل القراءة في الصلاة، والرد على أحد شراح الترمذي - ضمن «آثار المعلمي» - جـ ١٨

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

الفصل: ‌ظواهر الأحاديث المتقدمة المنع

[ص 94]

‌ المسألة السادسة

إذا كان المأموم أصمَّ أو بعيدًا عن الإمام لا يسمع قراءته؛ فهل يقرأ غير الفاتحة والإمام يجهر

؟

‌ظواهر الأحاديث المتقدمة المنع

من ذلك؛ هذا من حيث ألفاظها.

وأما من حيث المعنى فالظاهر عدم المنع؛ لأنَّ علة المنع هي ــ كما تقدَّم ــ كون القراءة تُخِلُّ باستماع قراءة الإمام، وهذه العلة منتفية ههنا. ومن قال: العلة المنازعةُ فعدم المنع أظهر، لما قدَّمنا أنَّ المنازعة لا تحصل لغير النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وترجيح دلالة المعنى هنا من باب تخصيص الحكم لخصوص علته. والعلماء رحمهم الله تعالى يترددون في ذلك.

وفي "سنن البيهقي"

(1)

بسند صحيح عن أبي شيبة المَهرْي قال: سأل رجلٌ معاذ بن جبل عن القراءة خلف الإمام، قال: إذا قرأ فاقرأ بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد، وإذا لم تسمع فاقرأ في نفسك، ولا تؤذي مَن عن يمينك ولا مَن عن شمالك.

والذي أختاره لنفسي عدم القراءة بغير الفاتحة؛ لظواهر الأحاديث، ولأنه قد يُخِلُّ باستماع غيره من المقتدين الذين يسمعون، وهذا ظاهر في الأصم، وممكن في البعيد.

(1)

(2/ 169).

ص: 171

ولأنه يُرجى أنه إذا أنصت تمام الإنصات سمع. ولسدِّ الذريعة. والله تبارك وتعالى أعلم.

ص: 172

ــ 1 ــ

(1)

[ص 9] ولو كان الذي قرأ رفع صوته حتى سمعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كان للاستفهام والتعجب وجه، والله أعلم.

ثم قال الشارح: (وكذا القول بأنَّ حديث أبي هريرة مختصر من حديث عبادة، والواقعة واحدة= لا يصحُّ؛ لأنه قول بلا دليل).

أقول: القائل ذلك رأى اتفاق الحديثين في أمور:

منها: أنَّ الصلاة كانت الصبح.

ومنها: في حديث عبادة ثقل القراءة والتباسها، وفي حديث ابن أكيمة المنازعة، والمعنى واحد؛ لأن المنازعة تُوجب الثقل والالتباس.

مع أنَّ في رواية من روايات حديث عبادة: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وأنا أقول: مالي أنازع القرآن، فلا يقرأنَّ أحد منكم شيئًا من القرآن إذا جهرتُ؛ إلَاّ بأم القرآن» . أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم. وهذا اللفظ ــ أعني قوله:«وأنا أقول: مالي أنازع القرآن» ــ هو عين اللفظ الواقع في حديث ابن أكيمة.

ومنها: الاستفهام عن القراءة.

ومنها: الجواب بالإثبات.

(1)

من هنا إلى (ص 210) أوراق متفرقة كتبها المؤلف في الرد على شارح الترمذي ووضعها في أثناء الكتاب في مواضع، فأفردناها وألحقناها بآخره، ورقمنا كل مجموعة برقم مستقل، أما الأحاديث والآثار فقد سبق تخريجها، فلا نعيدها.

ص: 173

ومنها: في حديث عبادة: «فلا تفعلوا» ، وحديث ابن أكيمة يُشعِر بذلك كما تقدَّم.

وزاد عبادة استثناء الفاتحة، وليس ذلك في حديث ابن أكيمة، ولكن ذلك ينجبر بما عُرِف من مذهب أبي هريرة. على أنَّ حديث ابن أكيمة لم تدخل فيه الفاتحة أصلًا، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.

فرأى ذلك القائل أنَّ هذا الاتفاق يحصل به غلبة الظن بأنَّ الحديثين واقعة واحدة، هذا دليله.

ومع ذلك ففي النفس شيءٌ من ذلك؛ لأنَّ في حديث عبادة في رواية: «إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم، قلنا: أجل والله يا رسول الله، إنا لنفعل هذًّا» . وفي حديث ابن أكيمة: «هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله» . فالاستفهام مختلف، والجواب مختلف، وسيتضح ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.

ثم قال الشارح: (وحملُ حديث أبي هريرة على ما عدا الفاتحة تعسُّفٌ، بل علَّة الشارع فيه العموم؛ لأنَّ الشارع منع عن القراءة مطلقًا، وبيَّن علة النهي المنازعة، وقراءة الفاتحة وغيرها مشتركة في المنازعة سواء فيها، بدون فرق؛ فهذه العلة تجري في قراءة الفاتحة كما تجري في قراءة غيرها سواء بسواء).

أقول: الحديث من رواية أبي هريرة، ومذهبه الذي كان يفتي به كما في «صحيح مسلم» وغيره وجوب القراءة على المأموم سواء أسرَّ الإمام أم جهر، ومذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنَّ فتوى الراوي على خلاف

ص: 174

روايته قادح في ما رواه. والشارح عافاه الله حنفي، وقد احتجَّ بمثل هذا كما يأتي.

والشافعي والمحدثون وإن قالوا: العبرة بما روى دون ما رأى؛ فإنهم لا ينكرون أنَّ فتوى الراوي بخلاف ما روى تُورِث شبهة ما فيما روى، فإذا انضمَّ إلى ذلك وهنٌ في السند أو نحوه قويت الشبهة؛ فقد تبلغ إلى حدِّ يتعيَّن بسببه ردُّ الرواية أو تأويلها.

وقد انضمَّ إلى فتوى أبي هريرة لِينُ ابن أكيمة. فقد قال الحميدي وغيره: مجهول، لم يروِ عنه إلَاّ ابن شهاب هذا الحديث وحده.

والذين قوَّوه إنما استندوا إلى أنَّ الزهري سمعه يحدِّث سعيد بن المسيِّب؛ فاستدلُّوا بذلك [ص 10] على أنه كان مقبولًا عند سعيد.

وهذا الاستدلال لا يكفي مثله في تثبيت حديث يلزم منه نسخ الأحاديث الصحيحة.

وانضمَّ إلى ذلك أيضًا اتفاقُ هذا الحديث مع حديث عبادة في أكثر الأمور. فلو لم يكن إلَاّ هذا لكان كافيًا في وجوب حمل القراءة في حديث ابن أكيمة على غير الفاتحة، أو على الأقل في منع أن يقال لهذا الحمل تعسُّف، فكيف وعندنا برهان واضح على هذا الحمل، فدونكه:

قد ثبت بالأوجه الثلاثة التي قدمناها في الكلام على قول الشارح أن الاستفهام للإنكار، والتمسنا منك التحفظ بها، وقلنا: إنه سيكون لها نبأ.

إنَّ الاستفهام والجواب والتعجُّب في هذا الحديث يدلُّ على أنهم لم يكونوا قبله مأمورين بالقراءة التي سألهم عنها، بل إما أن يكونوا لم يؤمروا

ص: 175

بها قط، وإما أن يكونوا أُمروا بها اولًا ثم نُهوا عنها قبل هذا الحديث؛ فارجع إلى تلك الأوجه، وتدبَّرها جيدًا.

ثم إنك تعلم أنَّ أحاديث وجوب الفاتحة عامة تتناول المأموم وإن جهر الإمام، وقد ثبت ذلك نصًّا بحديث عبادة وشواهده.

فحديث ابن أكيمة لا يخلو أن يكون قبلها أو بعدها.

فإن كان قبلها فهو منسوخ بها أو محمول عليها، وانقطع النزاع.

وإن كان بعدها ــ كما اختاره الشارح ــ فالأوجه الثلاثة المتقدمة توجب أحد أمرين:

إما أن يكون المراد بالقراءة التي سألهم عنها يصدق بالفاتحة، ويكون قد سبقه ناسخٌ لوجوبها؛ حتى صحَّ ذلك الاستفهام والجواب والتعجُّب.

وإما ان يكون المراد قراءة غير الفاتحة؛ وكأنَّ ذلك الرجل لم يبلغه حديث عبادة في النهي عن قراءة غير أم القرآن وراء الإمام إذا جهر، وتكون القرينة علمهم أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أن الفاتحة واجبة عليهم، وأنهم لا يدعونها كلُّهم، فيعلمون أنه لا يقول لهم: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؛ ويريد ما يصدق بالفاتحة، وأنه لا يتعجَّب من المنازعة التي تحصل بقراءتهم الفاتحة إن كانت تحصل بها. فهذه قرينة واضحة؛ تدلُّهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما أراد قراءة غير الفاتحة؛ فتدبَّر هذا الكلام جيدًا.

وإذ قد انحصر الواقع في هذين الاحتمالين فما بقي علينا إلَاّ أن ننظر أيهما أرجح، سائلين الله تعالى التوفيق.

قد يرجح الأول بأنَّ فيه إبقاء لفظ «قرأ» على إطلاقه.

ص: 176

ويرجح الثاني بأنَّ الآثار عن الصحابة تدلُّ أنه لما وقع هذا السؤال لم يفهموا منه الإطلاق، وإنما ذلك لقيام القرينة.

وبيان ذلك: أنَّ مذهب أبي هريرة نفسه ــ كما تقدَّم ــ وجوب القراءة خلف الإمام ولو جهر. ووافقه على ذلك جمهور الصحابة؛ منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، [ص 11] وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وراوي حديث:«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» عبادة بن الصامت، شهد العقبتين وبدرًا، وهو أحد النقباء.

وجاء عن جماعة من الصحابة القراءة خلف الإمام مطلقًا؛ منهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأم المؤمينن عائشة، وسيِّد المسلمين أبي بن كعب، وصاحب السرِّ حذيفة بن اليمان، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر.

وجاء عن بعضهم القراءة خلف الإمام في الظهر والعصر، ولم ينفوا ما سوى ذلك؛ منهم: عبد الله بن مغفَّل، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص.

واختلفت الرواية عن الحبر عبد الله بن مسعود، والبحر عبد الله بن عباس، والناسك عبد الله بن عمر، وجابر، وأبي الدرداء.

وجاء عن زيد بن ثابت أنه قال: «لا قراءة مع الإمام في شيء» ، ولم يُنقل عنه خلاف ذلك.

وقال القاسم بن محمد: كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام جهر أولم يجهر، وكان رجال أئمة يقرؤون وراء الإمام.

ص: 177

قلت: وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا.

وقال البخاري: وقال ابن خُثيم: قلت لسعيد بن جبير: أقرأُ خلف الإمام؟ قال: نعم وإن كنت تسمع قراءته؛ فإنهم قد أحدثوا مالم يكونوا يصنعونه، إنَّ السلف كان إذا أمَّ أحدهم الناس كبَّر ثم أنصت، حتى يظنَّ أنَّ من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصتوا.

انظر أسانيد هذه الآثار في «جزء القراءة» للبخاري، و «السنن الكبرى» للبيهقي.

وفي حديث ابن أكيمة ما يُعلم منه أنه لم يقرأ في تلك الواقعة تلك القراءة التي سأل عنها إلَاّ رجلٌ واحدٌ من الصحابة؛ فما ظنك بهم بعد ذلك وقد سمعوا هذا الحديث؟ لا أراك ترتاب أن الظن بهم أن لا يعود أحد منهم لتلك القراءة التي سأل عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد جاء في آخر حديث ابن أكيمة في بعض الروايات زيادة: «فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإمام، وقرؤوا في أنفسهم سرًّا فيما لا يجهر فيه الإمام» . وقد حقَّق الأئمة محمد بن يحيى والبخاري وغيرهما أنَّ هذا من كلام الزهري.

وأنا أقول: هَبْهُ من كلام أبي هريرة فإنه يؤكِّد ذلك الظن. فكيف تجمع بين هذا وبين ما سمعته عن راوي هذا الحديث نفسِه وعن جمهور الصحابة؟ فهل هناك جامع غير أن يقال: إنَّ السؤال عن القراءة في حديث ابن أكيمة متوجِّهٌ إلى قراءة غير الفاتحة؟ وكانت عند الصحابة رضي الله عنهم عندما خاطبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرينة مبيِّنة لذلك. وأظهر القرائن هو ما تقدَّم،

ص: 178

وزيادة «فانتهى الناس

» إلخ لو ثبتت تبع لذلك، والمعنى: فانتهى الناس عن القراءة بغير الفاتحة.

وإذا ثبتت القرينة الصارفة عن الإطلاق سقط ما يرجح به الاحتمال الأول من إبقاء اللفظ على إطلاقه.

[ص 16] فأما قول الشارح: (إنَّ علَّة النهي هي المنازعة؛ وهي تحصل بالفاتحة كما تحصل بغيرها) ففيه نظر.

فالجواب: أنَّ المنازعة قد حصلت في حديث عمران، وإن سمَّاها «المخالجة» ، وفي حديث عبادة لثقل القراءة والتباسها؛ وذلك نتيجة المنازعة. مع أنه قد جاء في روايةٍ في حديث عبادة: «

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وأنا أقول مالي أنازع القرآن، فلا يقرأنَّ أحد منكم شيئًا من القرآن إذا جهرتُ إلَاّ بأم القرآن» . أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم.

والشارح يوافقنا أنهم في واقعتي عمران وعبادة كانوا يقرؤون الفاتحة؛ فهل كانت تحصل المنازعة بقراءتهم لها أم لا؟

أما حديث عمران فلا دليل فيه على ذلك، وإنما فيه حصول المخالجة بقراءة:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، ولا يلزم من حصول المنازعة بقراءة غير الفاتحة حصولها بقراءة الفاتحة؛ لأنَّ المنازعة أمرٌ روحاني لا يُدرك بالقياس.

وأما حديث عبادة فقد يقال: إنَّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إني أراكم تقرؤون» مطلقٌ يتناول الفاتحة، ولذلك استثناها لما قال:«فلا تفعلوا إلَاّ بأم القرآن» . وقد قال الراوي: إنَّ القراءة التبست على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وذلك دليل المنازعة، وقد

ص: 179

أوضحت ذلك رواية الدارقطني السابقة. فلما كانت المنازعة حصلت بسبب القراءة التي سألهم عنها بقوله: «إني أراكم تقرؤون» ، وهذه القراءة شاملة للفاتحة كما مرَّ، فقد يؤخذ منه أنَّ المنازعة كانت تحصل بسبب قراءة الفاتحة، وإنما استثناها من النهي لأنها كانت واجبة، وأداء الواجب مقدَّمٌ على ترك المنازعة. وقد نصَّ صلى الله عليه وآله وسلم على هذه العلَّة بقوله:«فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» .

هذا أقصى ما يحتجُّ به لحصول المنازعة بقراءة الفاتحة، وفيه بعد ذلك نظر يظهر بالتأمل.

ولكننا نقول: هَب المنازعة كانت تحصل بقراءة الفاتحة؛ فإننا قد أثبتنا فيما تقدَّم أن السؤال في حديث ابن أكيمة إنما وقع عن قراءة غير الفاتحة. فإن ثبت أنه نهى فالنهي متوجِّهٌ إلى ذلك.

وإذا نهى عن قراءة غير الفاتحة معلِّلًا بالمنازعة لم يكن لهم ولا لنا أن نقيس الفاتحة على غيرها بجامع المنازعة؛ لتقدُّم حديث عبادة بالنصِّ على أنَّ المنازعة إنما تمنع القراءة بغير الفاتحة. فأما الفاتحة فلا؛ لأنه لا قراءة لمن لم يقرأ بها؛ فأداؤها لا بد منه. وإن لزم منه المنازعة. فهذا نصٌّ مبطلٌ للقياس، مبيِّنٌ للفرق الواضح.

بل لو لم يتقدَّم حديث عبادة لكفى في منع القياس ما علموه من فرضية الفاتحة دون غيرها، فهذا كافٍ لمنع القياس؛ لأنَّ منعه لهم من القراءة المندوبة لمفسدة المنازعة لا يلزم منه منعُه لهم من القراءة الواجبة؛ للفرق المعلوم بين الفرض والنفل، وهذا واضحٌ جدًّا، والله أعلم.

ص: 180

ــ 2 ــ

[ص 7] وأما حديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» فالحفَّاظ مجمعون على ضعفه، وسيأتي توجيه ذلك إن شاء الله تعالى بما لا يمسُّ عظمة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

وقد تأوَّله البخاري رحمه الله تعالى على فرض صحَّته: بأنه عام مخصوص بحديث عبادة، فتخرج منه الفاتحة.

أقول: وتخرج أيضًا الزيادة على الفاتحة في السرية بحديث عمران بن حصين الذي تقدَّم.

وقد روى الإمام أبو حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد عن جابر بن عبد الله: أن رجلًا قرأ خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ؛ فلما انصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قرأ منكم بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ؛ فسكت القوم، فسألهم ثلاث مرات، كل ذلك يسكتون، ثم قال رجل: أنا، قال: قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها.

وقال عبد الله بن شدَّاد عن أبي الوليد عن جابر بن عبد الله: أنَّ رجلًا قرأ خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الظهر والعصر فأومأ إليه رجلٌ فنهاه؛ فلما انصرف قال: أتنهاني أن أقرأ خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فتذاكرا ذلك حتى سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صلَّى خلف الإمام فإن قراءته له قراءة.

هكذا في «سنن الدارقطني» : حدثنا أبو بكر النيسابوري عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ثنا عمِّي ثنا الليث بن سعد عن يعقوب عن النعمان، فذكره.

ص: 181

ثم قال الدارقطني: أبو الوليد هذا مجهول.

أقول: كنية عبد الله بن شدَّاد أبو الوليد، فالله أعلم.

وقد أخرج الطحاوي الحديث الثاني في «شرح معاني الآثار» ، ولفظه: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال ثنا عمي عبد الله بن وهب قال أخبرني الليث عن يعقوب عن النعمان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن جابر بن عبد الله أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» .

أخرجه من طريق الثوري، ولم يذكر جابر.

وأخرجه من طريق إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدَّاد عن رجل من أهل البصرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحوه.

فالحديث الأول في قراءة سبح اسم ربك الأعلى هو حديث عمران بن الحصين بعينه. ولفظه عند مسلم: عن عمران بن حصين قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الظهر أو العصر؛ فقال: أيكم قرأ خلفي بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ؟ فقال رجل: أنا، ولم أُرِدْ بها إلَاّ الخير، قال: قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها.

وقد روى محمد بن الحسن في «كتاب الآثار» الحديث الثاني عن أبي حنيفة رحمه الله، وليس فيه ذكر الظهر والعصر. وكذا رواه البيهقي وغيره من طريق مكي بن إبراهيم عن أبي حنيفة.

والذي يغلب على الذهن أنَّ قوله «في الظهر والعصر» إنما هي

ص: 182

في الحديث الأول، كما ثبتت في حديث عمران؛ فحذْفها من الحديث الأول وإدراجها في الثاني سهو لعلَّه [ص 8] من ابن أخي ابن وهب، أو من أبي بكر النيسابوري، أو غيرهما، والله أعلم.

فالحديث الأول يدلُّ على مثل ما دلَّ عليه حديث عمران من جواز قراءة المأموم غير الفاتحة في السرية.

وأما الحديث الثاني فإن كان الأمر ما ظنناه من أنَّ ذكر «الظهر أو العصر» فيه مدرج، فقد تقدَّم الكلام عليه أنه عام وحديث عمران مع حديث جابر الأول خاص. وإلَاّ فالجمع بين الحديثين بأنَّ المأموم إذا لم يقرأ غير الفاتحة في السرية كَفتْه قراءة الإمام في حصول الثواب، وإن قرأ فلا حرج. ولهذا لم ينهَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرجل عن القراءة، ولا ذكر له أنها تُخِلُّ بالصلاة، واقتصر على قوله:«قراءة الإمام له قراءة» ، وهذا لا يُشعِر بالنهي عن القراءة، وإنما يشعر بأنه إذا لم يقرأ كَفتْه قراءة الإمام؛ أي: فيما سوى الفاتحة كما علمْت. والله أعلم.

ثم حكى الشارح عن ابن قدامة في «الشرح الكبير» قوله: (وممن كان لا يرى القراءة خلف الإمام: علي وابن عباس وابن مسعود وأبو سعيد وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر وجابر وابن عمر وحذيفة بن اليمان. وبه يقول الثوري وابن عيينة وأصحاب الرأي ومالك والزهري والأسود وإبراهيم وسعيد بن جبير).

قلت: أكثر هؤلاء اختلفت الرواية عنهم؛ فروي عن بعضهم إيجاب الفاتحة على المأموم ولو في الجهرية. وعن بعضهم إيجابها في السرية فقط. وروي إيجابها ولو في الجهرية عن جماعة من الصحابة غير من ذكر.

ص: 183

قال البخاري في «جزء القراءة» : (وقال عمر بن الخطاب: اقرأْ خلف الإمام، قلت: وإن قرأتَ، قال: نعم وإن قرأتُ.

وكذلك قال أبي بن كعب وحذيفة بن اليمان وعبادة رضي الله عنهم.

ويُذكر عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو وأبي سعيد الخدري وعدَّة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وقال القاسم بن محمد: كان رجال أئمة يقرؤون خلف الإمام.

وقال أبو مريم: سمعت ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ خلف الإمام.

وقال أبو وائل عن ابن مسعود: أنصِتْ للإمام.

وقال ابن المبارك: دلَّ أنَّ هذا في الجهر، وإنما يقرأ خلف الإمام فيما سكت الإمام.

وقال الحسن وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وما لا أحصي من التابعين وأهل العلم: إنه يقرأ خلف الإمام وإن جهر.

وكانت عائشة رضي الله عنها تأمر بالقراءة خلف الإمام

وقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة.

وكذلك قال عبد الله بن الزبير

وقال ابن خُثَيم: قلت لسعيد بن جبير: أَقرأُ خلف الإمام؟ قال: نعم وإن كنت تسمع قراءته؛ فإنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه، إنَّ السلف كان إذا أمَّ أحدهم الناس كبَّر، ثم أنصتَ حتى يظنَّ أنَّ من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصتوا.

ص: 184

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن يقرأ سكت سكتةً.

وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن وميمون بن مهران وغيرهم وسعيد بن جبير يرون القراءة عند سكوت الإمام إلى نون {نَعْبُدُ}

وقال الحسن وسعيد بن جبير [ص 6] وحميد بن هلال: اقرأْ بالحمد يوم الجمعة.

وكان سعيد بن المسيب، وعروة، والشعبي، وعبيد الله بن عبد الله، ونافع بن جبير، وأبوالمليح، والقاسم بن محمد، وأبو مجلز، ومكحول، ومالك، وابن عون، وسعيد بن أبي عروبة= يرون القراءة.

وكان أنس وعبد الله بن يزيد الأنصاري يسبحان خلف الإمام).

ثم أسند عن جابر: اقرأْ في الظهر والعصر خلف الإمام، وعن ابن عمر وقد سئل عن القراءة خلف الإمام؛ فقال: ما كانوا يرون بأسًا أن يقرأ بفاتحة الكتاب في نفسه.

ثم أسند بعد ذلك كثيرًا من هذه الآثار، وأسند عن أمير المؤمنين علي: أنه كان يأمر ويحب أن يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.

وأسند عن عبد الله بن مغفَّل أنه كان يفعل ذلك.

ثم قال الشارح: (وقال ابن قدامة في «المغني» : وأيضًا فإنه إجماع؛ قال أحمد: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إنَّ الإمام إذا جهر بالقراءة لا

ص: 185

تُجزئ صلاةُ من خلفه إذا لم يقرأ. وقال: هذا النبي وأصحابه والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر = ما قالوا لرجل صلَّى وقرأ إمامه ولم يقرأ هو: صلاته باطلة).

أقول: يريد: وقرأ إمامه جهرًا، كما لا يخفى. وبعد أن تواترت السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدالة على أنه لا تُجزئ صلاة من لم يقرأ بالفاتحة، ولم يثبت ما يُخرِج المأموم من هذا العموم؛ بل ثبت ما ينصُّ على أنه داخلٌ فيه، وثبت عن جماعة من الصحابة النصُّ على ذلك، وثبت مثل ذلك عن جماعة من أئمة التابعين، فلا معنى لكونهم لم ينصُّوا على أنَّ صلاة المأموم إذا لم يقرأها في الجهرية باطلة؛ لأنَّ ذلك من السنة المتوترة التي احتجُّوا بها.

فمن زعم أنهم كلهم كانوا يقولون بوجوبها، ويقولون مع ذلك إذا تركها المأموم في الجهرية لا يعيد الصلاة= فعليه البيان، وإلَاّ فالظاهر بيد خصمه. نعم، لم يكونوا يشدِّدون على من رأوه لا يقرأ؛ لعلمهم أنَّ المسألة من مسائل الاجتهاد.

وقد تقدَّم قول البخاري: «وقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة» ، وقال في موضع آخر:«وقال ابن عُليَّة عن ليث عن مجاهد: إذا نسي فاتحة الكتاب: لا تعدّ تلك الركعة» .

أقول: وأما مذهب أبي هريرة فمشهور.

ثم إنَّ من أصل الإمام أحمد الثابت عنه: أنَّ الإجماع لا يمكن العلم به، وإنما للعالم أن يقول: لا أعلم مخالفًا، ومن أصله: أن هذا لا يكون حجة يُردُّ بها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والله تعالى أعلم.

ص: 186

[ص 5] ثم قال ابن قدامة: «ولأنها قراءة لا تجب على المسبوق؛ فلم تجب على غيره، كالسورة» .

أقول: إنما يصحُّ القياس لو ثبت أنَّ السقوط عن المسبوق لا علة له إلَاّ عدم الوجوب، وليس هذا بمسلَّم؛ بل العلَّة في سقوط الفاتحة عن المسبوق عند من يقول به هي التخفيف عنه، لئلَاّ تلزمه المشقة، مع أنه قد أدرك معظم الأركان. وعلى كل حال فهذا القياس معارض للنص؛ فهو فاسد الاعتبار.

مع انَّ البخاري رحمه الله تعالى اختار أنَّ من أدرك الإمام راكعًا فركع معه لم تُحسَب له ركعة، ونقله عن جماعةٍ من الصحابة، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.

قال الشارح: (ولأنَّ الفاتحة وسائر القرآن سواء في سائر الأحكام، فكذلك في الصلاة).

أقول: يُطلَب جواب هذا القياس من الذي قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]، والمراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم: الفاتحة كما في الصحيح. والقائل: «قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل» ، ثم فسَّر الصلاة بالفاتحة. ومن القائل:«لا تُجزِي صلاةٌ لا يُقرأ فيها بأم القرآن» .

ثم قال الشارح: (وقال الإمام أحمد رحمه الله وغيره: إنه يُستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وفيما لا يجهر فيه، وإنما ذهبوا إلى أن يقرأ فيما يجهر في سكتات الإمام، لئلا تلزم القراءة حين قراءة الإمام. وفي السر لم يطَّلِع المأموم على سكتات الإمام فيجب عليه أن لا يقرأ في السرِّ مطلقًا؛ لأنه

ص: 187

يمكن أن تقع قراءته في وقت قراءة الإمام، وقد نُهِي عنه).

قلت: قد بيَّنا فيما تقدَّم أنه لم يثبت دليل على منع المأموم من القراءة إلَاّ حديث عبادة: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرتُ، إلَاّ بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» .

وأما ذهاب من ذهب إلى أنه يقرؤها في سكتات الإمام فذلك استحباب لاستماع قراءة الإمام مع التدبُّر التام ــ واستماع القرآن مع التدبُّر أمرٌ مستحبٌّ إجماعًا ولو في غير الصلاة ــ ولظنهم أنَّ في الآية أو بعض الأحاديث التي تقدّمت دلالة على إيجاب الإنصات.

وقد بيَّنا أنه إن كان في الآية دلالة على وجوب الإنصات، فالمراد به أن يستمع جهرَ الإمام ولا يجهر، وقد عقَّبها ببيان ذلك، فأمرَ المأمورَ بالإنصات أن يذكر الله تعالى في نفسه دون الجهر. وكذلك تلك الزيادة:«وإذا قرأ فأنصتوا» إن صحَّت. ونحن نستحبُّ ذلك، ولكن إذا قصَّر الإمام في السكوت لم نترك الفريضة لأجل المستحب.

ص: 188

ــ 3 ــ

[الأوراق بين: 86 ــ 87]

[ص 1] بسم الله الرحمن الرحيم

قد قدّمنا الكلام على ما أدرجه الشارح في الكلام على المسألة الأولى، من الكلام على المسألة الرابعة. وقد تكلَّم عليها ثانيًا في بابها الذي ترجم له الترمذي بقوله:(باب ما جاء في القراءة خلف الإمام) والباب الذي يليه، فسأقتصُّ أثره في هذين البابين، وأسأل الله تعالى التوفيق.

قال عافاه الله: (قوله: «لا تفعلوا إلَاّ بأمِّ القرآن» فيه دلالةٌ على أنهم كانوا يقرؤون خلف الإمام غير أم القرآن

، فنسخ من هذا اليوم قراءة غير أم القرآن خلف الإمام؛ أعني: فرضية غير أم القرآن الذي كان قراءته فرضًا قبل هذا).

أقول: قد تقدَّم أنَّ قراءة شيءٍ من القرآن مع الفاتحة لم يكن فرضًا قط.

وتقدَّم أنَّ حديث عبادة إنما نُهي فيه

(1)

عن قراءة غير أم القرآن إذا جهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي «سنن الدارقطني» : أخبرنا ابن صاعد ثنا عبيد الله بن سعد ثنا عمي ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني مكحول بهذا، وقال فيه:«إني لأراكم تقرؤون خلف إمامكم إذا جهر؟» قلنا: أجل والله يا رسول الله، هذًّا، قال:«فلا تفعلوا إلَاّ بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» .

(1)

في الأصل: «فيها» .

ص: 189

وكذا في روايات أخرى التقييد بالجهر.

وسنعقد لهذا الحديث فصلًا مستقلًّا، إن شاء الله تعالى.

وزَعْم الشارح أنَّ هذا الحديث ناسخٌ، فيه كلامٌ سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى.

قال الشارح: (قوله: «فإنه لا صلاة

» إلخ؛ فيه دلالة على أنَّ قراءة أم القرآن خلف الإمام إنما هو لكونها فرضًا

ثم نُسِخت فرضيتها أيضًا في الصلاة فيما بعد؛ كما رواه

عن أبي هريرة: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انصرف من صلاةٍ جهرَ فيها بالقراءة؛ فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ قال رجلٌ: نعم يا رسول الله، قال: إني أقول مالي أُنازَع القرآن» . هذا لفظ النسائي).

أقول: هذا حديث ابن أُكيمة، وقد تقدَّم الكلام عليه، وسأتتبَّعُ هنا كلام الشارح.

قال: (الاستفهام فيه للإنكار).

أقول: هذا إخراجٌ له عن حقيقته بلا دليل، وقد أجابه الرجل بقوله: نعم، أنا يا رسول الله. والاستفهام الإنكاري لا يستدعي الجواب.

والمتقدِّمون إنما فهموا النهي من الحديث من وجوهٍ أخر.

أحدها: أنَّ الاستفهام يدلُّ أنهم لم يكونوا مأمورين بالقراءة قبل ذلك؛ إذ لو كانوا مأمورين بها لكان صلى الله عليه وآله وسلم عالمًا بأنهم يقرؤون، فكيف يستفهمهم؟

وهذا الوجه يردُّ دعوى الشارح أنَّ هذا الاستفهام إنكاري؛ إذ كيف ينكر عليهم أمرًا عملوه طاعةً لله ورسوله، فلو أراد النسخ لقال:«كنتُ أمرتكم بالقراءة فلا تفعلوا» أو نحو ذلك.

ص: 190

الوجه الثاني: قوله: «هل قرأ معي أحدٌ منكم» ، ولو كانوا مأمورين قبل ذلك بالقراءة لَعَلِم صلى الله عليه وآله وسلم أنهم قرأوا كلهم؛ فكيف يقول:«هل قرأ معي أحدٌ منكم؟ » .

الوجه الثالث: قوله: «وأنا أقول مالي أنازع القرآن» ؛ وهذا تعجُّبٌ؛ كما قاله أهل المعاني وغيرهم في قوله تعالى: {فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل: 20].

وهذا يدلُّ أنهم لم يكونوا مأمورين من قبل؛ إذ لو كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أنهم كانوا مأمورين بالقراءة لعلم بأنهم [ص 2] يقرؤون، ولو علم أنهم يقرؤون مع علمه أنّ القراءة توجب المنازعة لما كان هناك وجه للتعجُّب.

فهذه الوجوه تدلُّ على أنهم لم يكونوا مأمورين بالقراءة قبل.

فإما أن لا يكونوا أُمِروا قطُّ، وإما أن يكونوا أُمِروا أولًا ثم نُسِخ ذلك قبل هذه الواقعة. وعلى الثاني فيكون هذا الحديث دليلًا على سَبْقِ ناسخٍ، لا ناسخًا بنفسه كما زعمه الشارح.

على أنه لو كان الاستفهام إنكاريًّا كما قاله الشارح لكان هذا المعنى بحاله؛ لأنَّ الاستفهام الإنكاري يُطلق في معنيين:

الأول: الإنكار الإبطالي؛ وهو يقتضي أنَّ ما بعد أداة الاستفهام واقع، وأنّ مدَّعيه كاذب.

الثاني: الإنكار التوبيخي؛ وهو يقتضي أنّ ما بعد أداة الاستفهام واقع، وأنَّ فاعله ملوم؛ قاله ابن هشام في «المغني» وغيره.

ص: 191

فلو كان الاستفهام في الحديث إنكاريًّا كما قاله الشارح لكان فيه توبيخ وملامة للقاريء. وكيف يجوز أن يوبِّخهم ويلومهم على القراءة التي أُعْلِموا قبل ذلك بوجوبها عليهم، ولم يُنهَوا عنها إلى وقت الاستفهام؟

فيجب إذنْ ما قدَّمناه؛ أنه إما أن لا يكونوا أُمِروا بالقراءة قطُّ، وإما أن يكونوا أُمِروا أولًا ثم نُسخ ذلك قبل هذه الواقعة، والله أعلم.

الوجه الرابع: ما فيه من أنَّ قراءتهم معه صلى الله عليه وآله وسلم موجبة لأن ينازع القرآن، وإعلامه لهم بهذا ربّما يشعِر بالنهي. وفي هذا الأخير نظر، وإلَاّ لكان قوله في حديث عمران:«قد علمتُ أنَّ بعضكم خالجنيها» مُشعِرًا بالنهي أيضًا، والشارح لا يقول بذلك. وقد مرَّ قول قتادة:«لو كرهها لنهى عنها» .

وعندي أنَّ بينهما فرقًا سيأتي في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى.

ثم قال الشارح: (وفيه النهي عن القراءة مطلقًا).

أقول: سيأتي الكلام على هذا قريبًا إن شاء الله تعالى.

قال: (وحديث أبي هريرة هذا لا بدَّ أن يكون بعد حديث عبادة؛ لأنه لو كان حديث أبي هريرة قبل حديث عبادة يلزم أنَّ الصحابة يقرؤون خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد نهيه عنها مطلقًا، وهو بعيد).

أقول: ومتى ثبت أنَّ النهي في حديث ابن أُكيمة عن القراءة مطلقًا؟

قال: (والقول بأنَّ المنازعة إنما تكون مع جهر المؤتمّ لا مع إسراره [لا يصحُّ]؛ لما روى مسلمٌ عن عمران بن حصين

، والقراءة في الظهر تكون سرًّا باتفاق الأمة).

ص: 192

أقول: لا حاجة إلى هذا الاستدلال؛ فإنَّ القائلين بأنَّ المؤتمَّ يقرأ يقولون: يقرأ سرًّا مطلقًا. والقائل بأنَّ المنازعة إنما تكون إذا جهر المأموم يقول: قد يخالف المأموم السنة فيرفع صوته.

وقد مرَّ في الكلام على آية الإنصات ما رُوِي عن مجاهد: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الصلاة فسمع قراءة فتى من الأنصار

».

وما رُوي عن ابن مسعود: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقوم كانوا يقرؤون القرآن فيجهرون: «خلَّطتم عليَّ القرآن» .

وفي «سنن البيهقي» : عن أبي هريرة أنَّ ابن حذافة صلَّى فجهر بالقراءة؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا ابن حذافة! لا تُسمِعْني وأَسْمِع الله عز وجل» .

وفي بعض روايات حديث عمران في «صحيح مسلم» ما يُشعِر بأنَّ الرجل رفع صوته بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، قال عمران: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلّى الظهر، فجعل رجلٌ يقرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الحديث.

ورأى القائل بأنَّ المنازعة لا تكون إلَاّ إذا جهر المأموم أنَّ المنازعة هي ما جرت به العادة، أنَّ الرجل إذا قرأ وكان رجلٌ آخر يقرأ بحيث يسمعه تختلط عليه القراءة.

وفي هذا نظر. والذي يظهر أنَّ المخالجة والمنازعة والالتباس المذكورات في حديث عمران وابن أكيمة وعبادة أمرٌ روحاني كان يعرض للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ سورة غير الفاتحة، وقرأها معه أحدٌ ممن يصلِّي خلفه. وسيأتي إيضاح هذا قريبًا، إن شاء الله تعالى.

ص: 193

والدليل على أنَّ ذلك الأمر الروحاني كان يحصل ولو لم يرفع المأموم صوته قولُه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عبادة: «هل تقرؤون إذا جهرتُ بالقراءة؟ » وفي حديث ابن أُكيمة: «هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ » ثم قوله: «وأنا أقول مالي أُنازَع القرآن»

[ص 3] يريد ــ والله أعلم ــ: فأَنْصِتوا عما سوى الفاتحة، وقوله:«وإذا قرأ» أي: جهرًا؛ بحيث تسمعون صوته؛ بقرينة قوله: «فأنصتوا» ، فإنَّ الإنصات عند أهل اللغة هو السكوت للاستماع، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.

وبهذا تتفق الأدلة، ولله الحمد.

ما يحتجُّ به من قال: إنَّ المأموم لا يقرأ أصلًا

احتجُّوا بآية الإنصات، وبزيادة:«وإذا قرأ فأنصتوا» في حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة.

[ص 2] ثم قال الشارح: (وكذا القول بأنَّ حديث أبي هريرة مختصر من حديث عبادة، والواقعة واحدة= لا يصحُّ؛ لأنه قول بلا دليل).

أقول: دليله اتفاق الحديثين في أمور:

الأول: في أنَّ الصلاة كانت الصبح.

الثاني: في حديث عبادة: أنَّ القراءة ثقلت أو التبست على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي حديث أبي هريرة قوله صلى الله عليه وآله وسلم:«وأنا أقول مالي أنازع القرآن» .

والمعنى واحد؛ في أنَّها ثقلت أو التبست عليه، وأنه نوزع فيها.

ص: 194

الثالث والرابع: في حديث عبادة: «إني أراكم تقرءون وراء إمامكم؟ قال: قلنا: أجل والله يا رسول الله، إنا لنفعل هذًّا» .

وفي روايةٍ: «فلما انصرف أقبل علينا بوجهه؛ فقال: هل تقرءون إذا جهرت بالقراءة؛ فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك» .

وفي روايةٍ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «هل تقرءون في الصلاة معي؟ ، قلنا: نعم» .

وفي روايةٍ: «فلما انصرف قال: منكم من أحدٍ يقرأ شيئًا من القرآن إذا جهرت بالقراءة؟ قلنا: نعم» .

وفي حديث أبي هريرة: «هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ ، قال رجلٌ: نعم، أنا يا رسول الله» .

وفي روايةٍ: «هل قرأ منكم أحدٌ؟ ؛ فقالوا: نعم يا رسول الله» .

فها أنت ترى أنَّ المعنى واحدٌ. هو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألهم فأجابوا أو بعضهم بنعم.

الخامس: في حديث عبادة: «فثقلت عليه القراءة» .

وفي روايةٍ: «فالتبست عليه القراءة» .

وفي حديث عبادة: «وأنا أقول مالي أنازع القرآن» .

والمعنى واحدٌ؛ لأنه إذا نُوزِعَ القرآن ثقلت عليه القراءة والتبست.

السادس: في حديث عبادة: «فلا تفعلوا» ، وفي حديث أبي هريرة:«وأنا أقول مالي أنازع القرآن؟ » ؛ والمعنى متقاربٌ؛ لما قدَّمنا أنَّ هذا التعجُّب

ص: 195

مشعرٌ بالنهي.

ولم يختلف الحديثان إلَاّ في أمرٍ واحدٍ؛ وهو أنَّ في حديث عبادة استثناء الفاتحة، ولم يذكر هذا في حديث أبي هريرة.

ولكن حديث أبي هريرة بيَّن أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما سألهم: هل قرأ أحد منهم معه السورة بعد الفاتحة؟

وهذا مما فتح الله به عليَّ، ولله الحمد.

وهو واضحٌ جدًّا، وذلك أنَّ قراءة الفاتحة كانت مفروضة على المأمومين قبل ذلك، والشارح معترفٌ بهذا.

فمن المحال أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أنَّ الفاتحة مفروضة عليهم، ومع ذلك يسألهم: هل قرأ أحدٌ منكم معي آنفًا؛ يريد هل قرأ الفاتحة أو غيرها.

فتعيَّن أنَّ المراد: هل قرأ أحدٌ منكم معي ما قرأته بعد الفاتحة؛ لأنهم لم يكونوا مأمورين بقراءة غير الفاتحة، كما بيَّناه من قبل.

فكان محتملًا فقط أنَّ بعضهم قرأ؛ فلهذا سألهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك السؤال، فعلم الصحابة رضي الله عنهم أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ليسألهم هل قرؤوا قراءةً مطلقًا، كيف وهو صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أنَّ الفاتحة فرضٌ عليهم، لا بد أن يقرؤوها.

فعلموا أنه إنما يريد: هل قرأ أحدٌ منكم معي ما قرأته بعد الفاتحة؛ فقال رجلٌ: نعم أنا يا رسول الله؛ فقال: وأنا أقول: مالي أنازع القرآن؛ فأشعرَ هذا بالنهي عن أن يتحرَّى إنسانٌ فيقرأ مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يقرأه بعد الفاتحة.

ص: 196

فإنَّ قوله «معي» يشعر بأنَّ المراد: قرأ عين ما قرأته، ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم في الكلام على حديث عمران.

وإنما صرَّح في حديث عمران بقوله: «هل قرأ أحدٌ منكم بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}» لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قرأها سرًّا، لأن الصلاة كانت ظهرًا، فلو قال: هل [قرأ] أحدٌ منكم معي؟ لما عُلِم المقصود.

وأما في حديث أبي هريرة فإنَّ قراءته صلى الله عليه وآله وسلم كانت جهرًا، فاكتفى بقوله: هل قرأ أحدٌ منكم معي؛ لأنهم يعلمون ما قرأ، بأبي هو أمي.

ينجبر ذلك بما عُرِف من مذهبه، وفي «صحيح مسلم»: «

فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ قال: اقرأ بها في نفسك

».

وفي روايةٍ للحميدي على شرط مسلمٍ: «

قلت يا أبا هريرة: إني أسمع قراءة الإمام، فقال: يا فارسي، أو يا ابن الفارسي، اقرأ بها في نفسك».

ومذهبه في ذلك مشهور.

ومذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنَّ فتوى الراوي بخلاف ما روى يمنع الاستدلال بما روى.

وأما الشافعي وأئمة الحديث فالعبرة عندهم بما روى، ولكنهم لا ينكرون أنَّ مخالفته لمرويِّه تُورِث فيه شبهةً.

[الأوراق بين: 90 ــ 91]

فإذا انضمَّ إلى رأيه دليل آخر لم يمتنعوا من ردِّ روايته حينئذٍ أو تأويلها.

والقرائن التي قدَّمناها يحصل بها أو بدونها غلبة الظن باتحاد القصة، ومثل ذلك كافٍ في الدلالة عند أهل العلم.

ص: 197

وغاية الأمر أنَّ عبادة زاد زيادة سكت عنها أبو هريرة، ولكنه كان يفتي بمقتضاها.

هذا مع أنَّ ابن أكيمة ليس بالمشهور.

وقد قال فيه ابن سعد: «روى عنه الزهري حديثًا واحدًا، ومنهم من لا يحتجُّ بحديثه، ويقول هو مجهول» .

وقال أبو بكر البزَّار: «ابن أُكيمة ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدِّث عنه إلَاّ الزهري، وقال الحميدي: هو رجلٌ مجهول» .

وقدَّمنا أنَّ من قوَّاه استند إلى مستند ضعيف؛ وهو أنه حدَّث سعيد بن المسيِّب والزهري يسمع.

فمثل هذا إذا روى حديثًا عن صحابي، وكان ذلك الحديث مخالفًا لمذهب ذلك الصحابي، وكان لمذهب ذلك الصحابي دليل ثابت لم يشكَّ متدبِّر في وجوب ردِّ تلك الرواية أو تاويلها، والتأويل هنا قريب.

وكأنَّ أبا هريرة كان بعيدًا في تلك القصة؛ فسمع بعض كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وخفي عليه آخره، فأخبره غيره من الصحابة بحاصله.

ولذلك ــ والله أعلم ــ ترك رواية القصة فلم يروِها عنه أصحابه المشهورون، وعددهم لا يحصى، وروايتهم عنه مملوءة بها كتب الحديث.

وحدَّث بها مرَّةً واحدةً سمعها منه هذا الرجل إن كان سمعها، وعسى أن يكون أبو هريرة لما ذكرها ذكر معها ما يدلُّ على استثناء الفاتحة، فلم يحفظه ابن أكيمة، والله أعلم.

ص: 198

فإن قيل: هب أنَّ القصة واحدة فإنَّ في حديث عبادة زيادة معارضة لما يفهم من حديث أبي هريرة من الإطلاق.

قلت: غايته أنه يجب الترجيح بينهما، ولا ريب أنَّ حديث عبادة أرجح؛ لأنَّ سنده أثبت، ولأنَّ راويه ــ وهو عبادة ــ كان يعمل ويفتي على وفقه، وأبو هريرة كان يعمل ويفتي على خلاف إطلاق حديثه.

وحديث عبادة موافق لقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} [الأعراف: 205]، على ما تقدَّم في الكلام على آية الإنصات.

وموافق لحديث عمران بن الحصين.

وموافق لعموم دلائل وجوب الفاتحة، وغير ذلك.

وله شواهد من حديث أنس، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما، سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى.

فإن لم تقنعك الدلائل المتقدِّمة على اتحاد القصة أو ردِّ رواية ابن أكيمة فلا علينا أن نجاريك في ذلك؛ فنقول: هب أنَّ حديث ابن أكيمة ثابت، وأنهما واقعتان.

فلا يخلو أن يكون حديث عبادة متقدِّمًا أو متأخرًا.

فإن كان متقدِّمًا فهو مخصِّص لحديث أبي هريرة؛ على قول الشافعية والجمهور إن العام المتأخر لا ينسخ الخاص المتقدِّم؛ بل يُعمل بهما معًا، فيُحمَل الخاص على خصوصه، والعام على ما بقي.

وإن كان حديث عبادة متأخرًا فهو ناسخٌ لحديث أبي هريرة عند

ص: 199

الحنفية، وناسخٌ أو مخصِّصٌ عند غيرهم.

فإن قلت: أنا أختار أنه متقدِّمٌ، وأقول بمذهب الحنفية؛ أنَّ العام المتأخر ينسخ الخاص [ص 20] المتقدَّم.

قلنا: فما دليلك على تقدُّم حديث عبادة؟

قال الشارح: (لأنه لو كان أبو هريرة قبل حديث عبادة يلزم أنَّ الصحابة يقرؤون خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد نهيه عنها، وهو بعيد).

قلنا: فقد بقي أبو هريرة نفسه يفتي بالقراءة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هذا وهو راوي الحديث. وهكذا عبادة؛ بقي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ وراء الإمام في ما يجهر فيه الإمام، ويفتي بذلك. فما بالك بغيرهما؟

ولعلهم لم يفهموا مما رواه أبو هريرة نهيًا؛ لأنه ليس بصريح. ولعلَّ من قرأ منهم في حديث عبادة لم يكن سمع الحديث الذي رواه أبو هريرة، وقد بقي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم طائفة من جلَّة الصحابة ــ منهم أمير المؤمنين عمر، وسيِّد المسلمين أبي بن كعب، وغيرهما ــ يقرؤون خلف أئمتهم ويفتون بذلك. وقد تقدَّم كلام البخاري رحمه الله تعالى، وسيأتي زيادة عليه إن شاء الله تعالى.

وفي كتاب «الاعتبار» للحازمي فصل نقله عن الحميدي، أوضح فيه أنَّ حديث عبادة هو الناسخ لحديث أبي هريرة؛ فانظره فيه إن شئت.

وأنت إذا تدبَّرت ما ذكرناه وآثرت الحق فلا أقلَّ من أن تتوقَّف عن الحكم لأحد الحديثين بالتقدُّم.

وعلى هذا فمذهب الشافعي وجمهور العلماء رحمهم الله تعالى حمل

ص: 200

العام على الخاص؛ فيعمل بالخاص في خصوصه، وبالعام فيما سواه، ومذهب الحنفية التوقُّف، والعمل بالراجح. وقد قدَّمنا أنَّ حديث عبادة هو الراجح.

هذا كلَّه مجاراة، والصواب ما قدَّمناه: أنَّ الحديثين عن قصة واحدة، والله أعلم.

ثم قال الشارح: (وحملُ حديث أبي هريرة على ما عدا الفاتحة تعسُّف؛ بل علة الشارع فيه العموم؛ لأنَّ الشارع منع عن القراءة مطلقًا، وبيَّن علَّة النهي المنازعة. وقراءة الفاتحة وغيرها مشتركة في المنازعة؛ سواء فيها بدون فرق، فهذه العلَّة تجري في قراءة الفاتحة كما تجري في قراءة غيرها، سواء بسواء).

أقول: إنما التعسُّف ما كان بغير حجَّة، وقد قدَّمنا الحجة في ذلك، ولو لم يكن على الحمل المذكور دليل إلَاّ ما عُرِف من فتوى أبي هريرة لكان كافيًا لمنع الشارح عن أن يقول: تعسف؛ لأنَّ مذهب إمامه أنَّ فتوى الراوي بخلاف مرويِّه تمنع الاحتجاج بمرويِّه. والشارح نفسه قد احتجَّ بمثل هذا؛ كما سيأتي نقله إن شاء الله تعالى.

وأما قوله: (إنَّ الشارع بيَّن أنَّ العلَّة المنازعة، وهي موجودة في قراءة الفاتحة)؛ فهذه دعوى لا دليل عليها؛ لأنّ المنازعة على ما يقتضيه صنيع الشارح فيما مرَّ، وهو الذي يظهر لي أمرٌ روحاني كان يعرض للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما يقرأ المأمومون معه.

ولسنا ندري هل كان يعرض له إذا قرأ المأمومون الفاتحة، أم كان لا يعرض له إلَاّ إذا قرأوا غيرها، أم كان لا يعرض له إلَاّ إذا قرأ أحد المأمومين

ص: 201

عين السورة التي يقرأها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الفاتحة؛ كما يؤخذ من حديث عمران، على القول بأنَّ الذي قرأ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قرأها سرًّا. فمن أين له الجزم بأنَّ المنازعة تقع بقراءة الفاتحة كما تقع بغيرها؟

[ص 19] فإن قال: أخذته من إطلاق الحديث، فإنه سألهم: هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: إني أقول مالي أنازع القرآن.

فالجواب: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليسألهم هذا السؤال

(1)

.

(1)

بعده بياض كبير في بقية الصفحة.

ص: 202

ــ 4 ــ

[ص 12] مع أنَّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا» مخاطبة لهم في قضية عرضت، وليس من الكلام الذي يُقصد به تأسيس أصل شرعي، كقوله:«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ، وقوله:«كل صلاة لا يُقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» ، ونحو ذلك.

وكلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم كله حقٌّ، ولكن الكلام الذي تؤسَّس به قاعدة شرعية يحتاط له مالا يحتاط لما كان من المخاطبات العارضة. فإنه قد يعتمد في هذه على قرائن يعلمها المخاطب، وإن لم يدلَّ عليها اللفظ.

وقد علمت أنَّ ترك لفظ «قرأ» على إطلاقه يستدعي افتراض ناسخ ينسخ تلك القواعد الشرعية الكلية. ومثل هذا الافتراض لا يثبت بمجرد ذلك الظاهر الضعيف؛ فقد بان الصبح لذي عينين.

فإن لم يُقنِعك ما ذكرنا فأقل ما يجب عليك أن تعلم أنك إذا لم تستبعد أن يكون حديث ابن أُكيمة ناسخًا لوجوب الفاتحة، وناهيًا عنها وراء الإمام، مع أنَّ جمهور الصحابة ــ ومنهم أبو هريرة راويه ــ لم يزالوا بعده يقرؤون الفاتحة وراء الإمام ويفتون بذلك= فليس لك أن تستبعد أن يبقى بعضهم بعده يقرؤون غير الفاتحة بعد الإمام، وإذا لم يكن لك أن تستبعد هذا لم يبق بيدك دليل على تأخر حديث ابن اكيمة عن حديث عبادة؛ لأنك إنما احتججت على تأخره بقولك:(لأنه لو كان حديث أبي هريرة قبل حديث عبادة يلزم أن الصحابة يقرؤون خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد نهيه عنها مطلقًا، وهو بعيد).

ص: 203

وإذا سقط دليلك على تأخره فقد احتجَّ الحميدي على تقدُّمه ــ كما نقله الحازمي في الاعتبار ــ بأنَّ مذهب راويه أبي هريرة يدلُّ على تقدُّمه، ويقوِّيه ما عرفت من موافقة جمهور الصحابة له.

لعلك تقول: هذا هو الدليل الأول الذي لم أقنع به.

فنقول: لا حرج، هَبْ أنه لم يقم دليل على تقدّمه ولا تأخره؛ فإنه يُرجع حينئذٍ إلى الترجيح. ولا شكَّ أنَّ حديث عبادة وشواهده أرجح مع ما يعضده من النصوص العامة الثابتة في الصحيحين أو أحدهما.

فأما قول الشارح: (إنَّ علة النهي المنازعة، وهي تحصل بالفاتحة كما تحصل بغيرها)؛ فإن كان مقصوده تأكيد ما قاله من أنَّ لفظ «قرأ» مطلق، فالذي قدمناه من أنَّ المراد به قراءة غير الفاتحة أقوى وأوضح. مع أنَّ المنازعة كانت موجودة في حديث عبادة، وقد صرَّح فيه باستثناء الفاتحة.

وإن كان مقصوده أنه إن سلَّم أن لفظ «قرأ» عنى به قراءة غير الفاتحة؛ فتلحق الفاتحة بالنهي قياسًا؛ لأنَّ علة النهي المنازعة، وهي موجودة في قراءة الفاتحة. فالجواب: لا نسلَّم أن المنازعة هي علة النهي.

لِم لا تكون العلة هي الإخلال بالاستماع لغير موجب، وإنما ذكر المنازعة في الحديث لأنه استدلّ بها على أنَّ بعض من خلفه قرأ بغير الفاتحة.

أو يكون كل من المنازعة والإخلال المذكور جزء علَّة، والعلَّة مجموعهما.

ولو سلَّمنا أنَّ المنازعة هي العلَّة فنقول: قد أثبتنا أنَّ القراءة المنصوصة

ص: 204

هي قراءة غير الفاتحة، وقراءة غير الفاتحة غير واجبة؛ فينبغي أن يُلحظ هذا الوصف؛ فيقال: المنازعة لغير موجب.

ولو سلَّمنا إلغاء هذا الوصف، وثبوت أنَّ العلَّة هي المنازعة مطلقًا فلا نسلِّم أنها كانت تحصل منازعة بسبب قراءة الفاتحة.

ولا يلزم من حصول المنازعة بغير الفاتحة حصولها بالفاتحة؛ لأنَّ المنازعة أمرٌ روحاني لا يدرك بالقياس.

ولو سلَّمنا حصول المنازعة بالفاتحة فغايته أن ينتظم القياس، ولكنه يكون فاسد الاعتبار؛ لمعارضته النص في حديث عبادة على وجوب الفاتحة، ولو أدَّت إلى المنازعة، والقياس لا ينسخ النص.

ولو فرضنا أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى المقتدين به عن قراءة الفاتحة معللًا ذلك بالمنازعة فلا يلزم من ذلك عدم وجوب الفاتحة على المأموم مطلقًا؛ لاحتمال أنها سقطت عنهم دفعًا للمنازعة، كما يسقط القيام عن العاجز.

وعلى هذا فلا يدلُّ ذلك إلا على سقوط الفاتحة عن المقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنَّ المنازعة مخصوصة به صلى الله عليه وآله وسلم، فأما غيره فإنه لا يحسُّ بمنازعة، كما هو مشاهد.

والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والله أعلم.

ثم قال الشارح: (وكذا القول بنسخ حديث أبي هريرة لا يصحُّ؛ لما بيَّنا أنَّ حديث أبي هريرة بعد حديث عبادة).

أقول: قد تقدَّم أنَّ ما استُدِلَّ به على تأخر حديث أبي هريرة يدلُّ على وجوب حمله على ما دون الفاتحة؛ بل دلالته على هذا أوضح.

ص: 205

فإن أصرَّ على الاستدلال بذلك الدليل لزمه حملُ الحديث على ما دون الفاتحة، وإن ترك الاستدلال لزمه نسخ حديث أبي هريرة أو تأويله أو سقوطه لرجحان معارضه، (أشقرُ إن تقدّم تُنحَرْ، وإن تأخر تُعقَرْ).

ثم قال: (وأما ما قيل إنَّ أبا هريرة أفتى بقراءة الفاتحة خلف الإمام ففيه أن لا حجة في قول أحد بمقابلة الحديث المرفوع، ولا يكون عمل الراوي خلاف روايته دليلًا على ضعفه

).

أقول: لم يعارض ذلك القائل الحديث بقول الصحابي، وإنما استدلَّ بمذهب أبي هريرة على ضعف الحديث أو تأويله أو نسخه.

ومثل هذا الاستدلال صحيح عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

وأما الشافعي والمحدِّثون فالعبرة عندهم بما روى دون ما رأى، ولكنهم لا ينكرون أنَّ فتوى الراوي بخلاف روايته يورث الرواية وهنًا ما؛ فإذا انضمَّ إليه موهنٌ آخر قوي الوهَن، إلى أن تسقط الرواية أو تؤوَّل، وقد تقدَّم هذا المعنى.

ثم قال: (فثبت بحديث أبي هريرة النهي عن قراءة الفاتحة خلف الإمام، وهو دليل على نسخ ركنيتها).

أقول: قد علمت جوابه، وقد أسلفنا في أواخر الكلام على المسألة الأولى أنه لو فُرِض ثبوت نهي المأموم عن قراءة الفاتحة لما دلَّ ذلك على نسخ ركنيتها مطلقًا؛ كمطلق القراءة عند الحنفية.

[ص 31] ثم قال: (وعلى هذا إجماع، قال ابن قدامة في المغني: وأيضًا فإنه إجماع، قال أحمد: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام

).

ص: 206

أقول: قد تقدَّم نقل هذا الكلام وجوابه.

ثم قال: (وإذا ثبت أنَّ صلاة من لم يقرأ خلف إمامه في الجهرية لم تبطل فعلم به أنَّ الفاتحة ليست بركن).

وقد مرَّ جوابه في الكلام على المسألة الأولى.

ثم ذكر زيادة: «وإذا قرأ فأنصتوا» .

وقد مرَّ بيانُ ضعفها من الطريقين، وأنها لو صحَّت في حديث أبي هريرة تكون منسوخة بحديث عبادة وغيره، وأما في حديث أبي موسى فعلى أصول الحنفية تسقط لمعارضتها لعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الفاتحة، والتاريخ مجهول. وأما على أصول الشافعية وغيرهم فيكون الأمر بالإنصات محمولًا على الإنصات عن غير الفاتحة، وإنما يكون الإنصات إذا سمع قراءة الإمام كما قدمناه.

والشافعية يقولون بهذا: إنَّ المأموم إذا كان يسمع صوت الإمام في الجهرية يقرأ الفاتحة فقط، ثم ينصت لقراءة الإمام.

وبذلك يحصل الجمع بين هذه الزيادة إن صحَّت وبين سائر الأدلة، والله أعلم.

ثم أعاد الاستدلال بآية الانصات، وحديث المسيء صلاته، وحديث أبي هريرة:«لا صلاة إلَاّ بقراءة» على نسخ ركنية الفاتحة.

وقد مرَّ الكلام على ذلك كله.

ثم ذكر حديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» .

ص: 207

ــ 5 ــ

فاستمع الآن ما يلقى إليك:

قد ثبت بالثلاثة الوجوه الأولى أن هذا الحديث يدل أنَّهم لم يكونوا قبله مأمورين بالقراءة؛ بل إما أن لا يكونوا أُمِروا بها قط، وإما أن يكونوا أُمروا بها أولًا، ثم نُهوا عنها قبل هذا الحديث.

إذا تقرَّر هذا فقد علمت أنَّ أحاديث وجوب الفاتحة عامة تتناول المأموم وإن جهر الإمام.

وقد نصَّ على وجوبها على المأموم وإن جهر الإمام في حديث عبادة.

فحديث ابن أُكيمة لا يخلو أن يكون قبلها أو بعدها؛ فإن كان قبلها فهو منسوخٌ بها قطعًا، وإن كان بعدها فلا.

فالثلاثة الوجوه المتقدمة توجب أحد أمرين:

إما أن يكون المراد بالقراءة التي سألهم عنها ما يصدق على الفاتحة، ويكون قد سبقه ناسخٌ لوجوب الفاتحة.

وإما أن يُحمل قوله: «هل قرأ معي أحد منكم» على قراءة غير الفاتحة، وتكون القرينة علمهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أنَّ الفاتحة كانت واجبةً عليهم، وأنهم لا يدعونها.

فهذا يمنع أن يستفهمهم هل قرأ أحد منهم ويريد الفاتحة أو ما يصدق بها، ويمنع أن يتعجَّب من المنازعة التي تحصل بقراءتهم الفاتحة.

وإذن يعلمون أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما عنى غير الفاتحة؛ فتدبَّر هذا الكلام جيدًا.

ص: 208

وإذ قد تعيَّن أحد هذين الاحتمالين فلْننظر أيهما أرجح، سائلين الله تعالى التوفيق.

قد يقال: مما يرجِّح الأول أنَّ فيه إبقاء لفظ «قرأ» على إطلاقه.

وفيه نظر من وجهين:

الأول: أنَّ من كلامه صلى الله عليه وآله وسلم ما يُساق مساق التشريع العام؛ كقوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» .

وقوله: «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» ، ونحو ذلك.

ومنه ما يكون محاورة لبعض أصحابه؛ كهذا الحديث.

فما كان من قبيل الأول فهو الذي ينبغي أن يحافظ على إطلاقه وعمومه وغير ذلك.

وما كان من الثاني فالمدار فيه على العلم بالقرائن التي كانت عند المخاطب.

الوجه الثاني: أنَّ إبقاءه على إطلاقه يتوقَّف على افتراض تقدُّم ناسخ ينسخ تلك النصوص.

ولا شك أنَّ صرفه عن إطلاقه أهون من ذلك الافتراض.

ومما يرجِّح الثاني أنَّ أبا هريرة راوي الحديث ممن يفتي بوجوب الفاتحة خلف الإمام وإن جهر.

وهذا يدلُّ أنه كان عنده حين سماعه قرينة صارفة عن الإطلاق.

ووافقه جماعة من الصحابة؛ منهم أمير المؤمنين عمر، وأمير المؤمنين

ص: 209

علي في إحدى الروايتين عنه، وأم المؤمنين عائشة، وسيِّد المسلمين أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، والإمام الجليل عبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين، وحبر الأمة عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مغفَّل.

ص: 210