الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
8 - (بابُ اجتنابِ الرّأي والقياس)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن عطف القياس على الرأي من عطف المرادف، إذ المراد هنا هو الرأي، أو القياس الذي يعارِض النصوص، وهو الذي جاء ذمّه عن السلف، كما سيأتي بيانه قريبًا.
فأما "الرّأي" -بفتح، فسكون- في اللغة فهو: العقل والتدبير، يقال: رجلٌ ذو رَأْيٍ: أي بصيرة وحِذْق في الأمور. قاله في "المصباح"(1).
وقال أبو بكر الخطيب رحمه الله تعالى: وأما "الرأي" فهو استخراج صواب العاقبة، فمن وضع الرأي في حقّه، واستعمل النظر في موضعه سُدّد إلى الحقّ والصواب، وكمن قصد المسجد الجامع، فسلك طريقه، ولم يَعدِل عنه أدّاه إليه، وأورده عليه. انتهى (2).
وقال ابن الأثير عند تفسير قوله: "وفينا رجلٌ له رأيٌ": يقال: فلانٌ من أهل الرأي: أي أنه يَرى رأيَ الخوارج، ويقول بمذهبهم، وهو المراد هاهنا، والمحدّثون يُسَمُّون أصحاب القياس أصحاب الرأي، يعنون أنهم يأخذون برأيهم فيما يُشكل من الحديث، أو ما لم يأت فيه حديثٌ ولا أَثَر. انتهى (3).
وقال الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى: الرأي في الأصل مصدر رأى الشيءَ يراه رأيًا، ثم غَلَبَ استعماله على المرئيّ نفسِهِ، من باب استعمال المصدر في المفعول، كالهَوَى في الأصل مصدر هَوِيَه يَهْوَاهُ هَوًى، ثم استُعمل في الشيء الذي يَهْوَاه، فيقال: هذا هَوَى فلان، والعرب تُفَرّق بين مصادر فعل الرؤية بحسب محالّها، فتقول: رأى كذا في النوم رُؤيا، ورآه في اليقَظَة رُؤيةً، ورأى كذا -لما يُعلَمُ بالقلب، ولا يُرَى بالعين- رَأْيًا،
(1)"المصباح المنير" 1/ 247.
(2)
"الفقيه والمتفقّه" 1/ 551.
(3)
"النهاية" 2/ 179.
ولكنهم خَصّوهُ بما يراه القلب بعد فكر وتأمّل وطلب، لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات، فلا يقال لمن رأى بقلبه أمرًا غائبًا عنه مما يحسُّ به: إنه رأيه، ولا يقال أيضًا للأمر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول، ولا تتعارض فيه الأمارات: إنه رأيٌ، وإن احتاج إلى فكر وتأمّل كدقائق الحساب ونحوها. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى. (1).
وأما "القياس" في اللغة فهو: التقدير، قال في "المصباح": قِستُه على الشيء، وبه أَقِيسه قَيْسًا، من باب باع، وأَقُوسُه قَوْسًا، من باب قال لغةٌ، وقايسته بالشيء مُقايسةً، وقِيَاسًا، من باب قاتل، وهو تقديره به، والْمِقياس: المقدار. انتهى (2).
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب رحمه الله تعالى: اعلم أن القياس فِعْلُ القائس، وهو حمل فرع على أصل في بعض أحكامه؛ لمعنًى يَجمَع بينهما. وقيل: هو الاجتهاد.
والأول أجمع لحدّه؛ لأن الاجتهاد، هو بذل المجهود في طلب العلم، فيخل فيه حمل المطلق على المقيّد، وترتيب الخاصّ على العامّ، وجميع الوجوه التي يُطلب منها الحكم، وليس شيء من ذلك بقياس.
والقياس مثاله مثال الميزان أن يوزن به الشيء من الفروع ليُعلَم ما يُوازنه من الأصول، فيُعلم أنه نظيره، أو لا يوازنه، فيُعلم أنه مخالفه، والاجتهاد أعمّ من القياس، والقياس داخل فيه. انتهى كلام الخطيب (3).
وعرّفوه في كتب الأصول بأنه حمل معلوم على معلوم لمساواته في علّة حكمه.
وإليه أشار في "الكوكب الساطع" حيث قال:
وَحَمْلُ مَعلُومِ عَلَى ذِي عِلْمِ
…
سَاوَاهُ في عِلَّتِهِ في الحُكْمِ
(1)"إعلام الموقّعين" 1/ 69.
(2)
"المصباح المنير" 2/ 521.
(3)
"الفقيه والمتفقّه".
هُوَ الْقِيَاسُ وَمُرِيدُ الشَّامِلِ
…
غَيْرَ الصَّحِيح زَادَ "عِنْدَ الْحَامِلِ"
ولكن المراد هنا هو القياس المذموم الذي يعارض به النصّ، فليس كلّ قياس مذمومًا، كما سيأتي تفصيل ذلك قريبًا -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة رحمه الله في أول الكتاب قال:
51 -
(حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَعَبْدَةُ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ح وحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ اللَّه لَا يَقْبضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ اَلْعُلَمَاءِ، فَإِذَا لَمْ يُبْقِ عَالمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا").
رجال هذا الإسناد: أربعة عشر:
1 -
(أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء بن كُريب الْهَمْدانيّ، أبو كُريب الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقة حافظ [10].
رَوَى عن عبد الله بن إدريس، وحفص بن غياث، وأبي بكر بن عياش، وهشيم، ومعتمر، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ويونس بن بكير، وابن المبارك، وأبي خالد الأحمر، وأبي معاوية الضرير، وخلق كثير.
ورَوَى عنه الجماعة، ورَوَى النسائي عن أبي بكر بن علي المروزي، عن زكريا بن يحيى السِّجْزي عنه، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وعثمان بن خُرَّزاذ، والذهلي، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وبقي بن مخلد، وخلق كثير.
قال حجاج بن الشاعر: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لو حَدَّثتُ عن أحد ممن أجاب في المحنة لحدثت عن أبي معمر، وأبي كريب. وقال الحسن بن سفيان: سمعت ابن نُمير يقول: ما بالعراق أكثر حديثا من أبي كريب، ولا أَعْرَف بحديث بلدنا منه. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: صدوق. وقال أبو علي النيسابوري: سمعت
أبا العباس ابن عُقْدة يُقَدِّمه في الحفظ والمعرفة على جميع مشايخهم، ويقول: ظهر لأبي كريب بالكوفة ثلاثمائة ألف حديث. وقال موسى بن إسحاق الأنصاري: سمعت من أبي كريب مائة ألف حديث.
وقال النسائي: لا بأس به. وقال مرة: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو عَمْرو الْخَفّاف: ما رأيت من الشايخ بعد إسحاق بن إبراهيم أحفظ منه. وقال إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمحمد بن يحيى: لم أر بعد أحمد بن حنبل بالعراق أحفظ من أبي كريب. وقال صالح جَزَرة غَلَبَت اليبوسة مَرّةَّ عَلى رأس أبي كريب، فغَلَّف الطبيبُ رأسه بالفالوذج، فأخذه من رأسه فوضعه في فيه، وقال: بطني أحوج إلى هذا. وقال مسلمة بن قاسم: كوفي ثقة.
قال البخاري وغير واحد: مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ومائتين، زاد بعضهم: وهو ابن سبع وثمانين سنة. وقيل: مات سنة سبع، وهو وَهَمٌ.
وفي "الزهرة": رَوَى عنه البخاري خمسة وسبعين حديثًا، ومسلم خمسمائة وستة وخمسين حديثًا (1). وله في هذا الكتاب (105) حديثًا.
2 -
(سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سهل، أبو محمد الْحَدَثانيّ، هرويّ الأصل، صدوق في نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قُدماء [10] 4/ 30.
3 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأوديّ -بسكون الواو- الزَّعَافريُّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيهٌ عابدٌ [8].
رَوَى عن أبيه، وعمه داود، والأعمش، ومنصور، وعبيد الله بن عمر، وإسماعيل ابن أبي خالد، وأبي مالك الأشجعي، وداود بن أبي هند، وعاصم بن كليب، وابن
(1) الذي في برنامج الحديث (صخر) أن البخاريّ روى عنه (54) حديثًا، وأن مسلمًا روى عنه (488) حديثًا. وهذا فرق كبير، والذي يظهر لي أن ما في البرنامج أقرب إلى الصواب، فليُحرّر.
جريج، وهشام بن عروة، وخلق كثير.
ورَوي عنه مالك بن أنس، وهو من شيوخه، وابن المبارك ومات قبله، ويحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وأبو كريب، وخلق كثير.
قال أحمد: كان نسيج وحده. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: ابن إدريس أحب إليك أو بن نمير؟ فقال: ثقتان إلا أن ابن إدريس أرفع منه، وهو ثقة في كل شيء.
وقال يعقوب بن شيبة: كان عابدًا فاضلًا، وكان يسلك في كثير من فتياه ومذاهبه مسلك أهل المدينة، وكان بينه وبين مالك صداقة، وقيل: إن بلاغات مالك سمعها من ابن إدريس. وقال الحسن بن عَرَفة: ما رأيت بالكوفة أفضل منه. وقال ابن المديني: عبد الله بن إدريس فوق أبيه في الحديث. وقال جعفر الفريابي: سألت ابن نُمير عن عبد الله بن إدريس وحفص، فقال: حفص أكثر حديثًا، ولكن ابن إدريس ما خرج عنه فإنه فيه أثبت وأتقن، فقلت: أليس عبد الله آخذٌ في السنة؟ قال: ما أقربهما في السنة. وقال ابن عمار: كان من عباد الله الصالحين الزهاد، وكان إذا لحن رجل عنده في كلامه لم يحدثه. وقال أبو حاتم: هو حجة يُحتجّ بها، وهو إمام من أئمة المسلمين ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت.
وقال أحمد بن جَوّاس: سمعته يقول: وُلدت سنة (115)، وكذا قال غير واحد. وقيل: سنة (20). وقال أحمد بن حنبل وغير واحد: مات سنة اثنتين وتسعين ومائة، زاد ابن سعد في عشر ذي الحجة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (42) حديثًا.
4 -
(عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبتٌ، من صغار [8] 2/ 22.
5 -
(أَبُو مُعَاوِيَة) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، عَمِيَ وهو صغير، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [9] 1/ 3.
6 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) مصغّرًا الهمدانيّ الخارِفِيّ، أبو هشام الكوفيّ، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [9].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، ويحيى بن سعيد، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وموسى الْجُهَنيّ، وزكرياء بن أبي زائدة، وسعد بن سعيد الأنصاريّ، وحنظلة بن أبي سفيان، وسيف بن سليمان، والأوزاعيّ، وعثمان بن حكيم الأَوْديّ، والثوري، وعمرو بن عثمان بن موهب، وجماعة.
ورَوَى عنه ابنه محمد، وأحمد، وأبو خيثمة، ويحيى بن يحيى، وعلي بن المديني، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وأبو قُدَامة السرخسي، وأبو كريب، وأبو موسى، وأبو سعيد الأشجّ، وهناد بن السريّ، وجماعة.
قال أبو نعيم: سئل سفيان عن أبي خالد الأحمر، فقال: نعم الرجل عبد الله بن نمير. وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى بن معين: ابن إدريس أحب إليك في الأعمش أو ابن نمير؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال أبو حاتم: كان مستقيم الأمر. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجليّ: ثقة، صالح الحديث، صاحب سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، صدوق.
قال ابنه محمد وغيره: مات سنة تسع وتسعين ومائة. وقيل: إنه ولد في سنة (115). وله في هذا الكتاب (107) أحاديث.
7 -
(مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة حافظ [9] 7/ 48.
8 -
(عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعد ما أضرّ [8] 4/ 37.
9 -
(مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن عثمان بن خُثيل بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح، الأصبحي الْحِمْيري، أبو عبد الله المدني الفقيه، أحد أعلام الإسلام، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [7].
رَوَى عن عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، ونعيم بن عبد الله المُجْمر، وزيد ابن أسلم، ونافع مولى ابن عمر، وحميد الطويل، وسعيد المقبريّ، وأبي حازم سلمة بن دينار، وسُلَيم، وخلق كثير.
ورَوَى عنه الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، وغيرهم من شيوخه، والأوزاعي، والثوري، ووَرْقاء بن عُمر، وشعبة بن الحجاج، وابن جريج، وخلق كثير.
قال محمد بن إسحاق الثقفي: سئل محمد بن إسماعيل البخاري، عن أصح الأسانيد؟ فقال: مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وقال علي بن المديني، عن ابن عيينة: ما كان أشد انتقاء مالك للرجال، وأعلمه بشأنهم، قال: وقيل لسفيان: أيما كان أحفظ سُمَيّ، أو سالم أبو النضر؟، قال: قد روى مالك عنهما. وقال علي، عن بشر بن عمر الزهراني: سألت مالكا عن رجل؟ فقال: رأيته في كتبي؟ قلت: لا، قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي. قال: علي لا أعلم مالكا ترك إنسانا إلا إنسانا في حديثه شيء. وقال الدوري، عن ابن معين: كل من روى عنه مالك فهو ثقة، إلا عبد الكريم.
وقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد: يقول: أصحاب نافع الذين رووا عنه: أيوب، وعبد الله، ومالك، قال علي: هؤلاء أثبت أصحاب نافع، قال: وسمعت يحيى بن سعيد يقول: ما في القوم أصح حديثا من مالك -يعني السفيانين- ومالكا، قال: ومالك أحب إلي من معمر، قال: وأصحاب الزهري مالك، فبدأ به، ثم فلان، وفلان، وكان ابن مهدي لا يقدم على مالك أحدا، ومناقبه رحمه الله جمةٌ.
وقال إسماعيل بن أبي أويس: توفي صبيحة أربع عشرة من شهر ربيع الأول، سنة تسع وسبعين، وكان ابن خمس وثمانين سنة. وقال الواقدي: كان ابن تسعين سنة. ومناقبه كثيرة جدا لا يمكن استيعابها في مثل هذه العُجَالة، وقد أُفرِدت بالتصنيف. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (71) حديثًا.
10 -
(حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقَيليُّ، أبو عُمَر الصَّنعانيُّ، سكن عَسْقَلان، ثقةٌ رُبّما وَهِمَ [8].
رَوَى عن زيد بن أسلم، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم.
ورَوَى عنه عمرو بن أبي سَلِمَة التِّنّيسيُّ، وابن وهب، والهيثم بن خارجة، وآدم ابن أبي إياس، وسعيد بن منصور، وسويد بن سعيد، وغيرهم، ورَوَى عنه الثوري، وهو أكبر منه.
قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: ليس به بأس، قلت: إنهم يقولون: عَرَضَ على زيد ابن أسلم، فقال: ثقة. وقال ابن معين: ثقة إنما يَطعَن عليه أنه عرض. وقال أيضًا: قد رَوَى الثورى عن أبي عمر الصنعاني، وهو حفص بن ميسرة. وقال مرة: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال في موضع آخر: يُكتب حديثه، ومحله الصدق، وفي حديثه بعض الوهم. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به. وقال الآجري عن أبي داود: يُضَعّف في السماع. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الساجيّ: في حديثه ضُعْفٌ. وقال الأزديّ: رَوَى عن العلاء مناكير، يتكلمون فيه. قال قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي: لا يُلتَفت إلى قول الأزديّ.
قال أحمد، وابن يونس، وغيرهما: توفي سنة (181).
أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (52) و (278) و (4322).
[تنبيه]: اختُلف في نسبة حفص بن ميسرة هذا هل هو إلى صنعاء الشام، أم صنعاء اليمن، فقال الأكثرون: إنه من صنعاء الشام، وممن قال بهذا: أحمد، والبخاريّ، والنسائيّ، والفلاس، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم. وقال أبو حاتم: إنه من صنعاء اليمن، وعليه يدلّ صنيع بن أبي داود، قال أبو القاسم: وهو أشبه (1). والله تعالى أعلم.
11 -
(شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد الدِّمَشقيّ الأمويّ مولى رَملة بنت عثمان، أصله من البصرة، ثقةُ رُمي بالإرجاء، من كبار [9].
(1) راجع "تهذيب التهذيب" 1/ 460.
رَوَى عن أبيه، وأبي حنيفة، وتمَذهب له، وابن جريج، والأوزاعيّ، وسعيد بن أبي عروبة، وعبيد الله بن عُمَر، وهشام بن عروة، والثوريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن ابنه عبد الرحمن بن عبد الصمد بن شعيب، وداود بن رُشيد، والحكم بن موسى، وأبو النضر الفراديسي، وعَمرو بن عون، وإبراهيم بن موسى الرازي، وإسحاق بن راهويه، وسُويد بن سعيد، وأبو كريب محمد بن العلاء، وهشام ابن عمار، وغيرهم، وحدث عنه الليث بن سعد، وهو في عداد شيوخه.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقة ما أصح حديثه وأوثقه. وقال أبو داود: ثقة، وهو مرجىء، سمعت أحمد يقول: سمع من سعيد بن أبي عروبة بآخر رَمَقٍ. وقال هشام بن عمار عن شعيب: سمعت من سعيد سنة (144). وقال ابن معين، ودحيم، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الوليد بن مسلم: رأيت الأوزاعي يقربه ويدنيه. ونقل أبو الوليد الباجيّ عن أبي حاتم قال: شعيب بن إسحاق ثقة مأمون.
قال دُحيم: وُلد سنة (18)، ومات سنة (189). وفيها أرّخه ابن حبان في "الثقات"، وكذا أرّخه ابن مُصَفَّى، وزاد: في رجب، وفيها أرّخه غير واحد. ووقع في "الكمال" سنة (98) وهو وَهَم.
أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (52) و (2425) و (2563) و (2891) و (3156).
12 -
(هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو المنذر، وقيل: أبو عبد الله، ثقة فقيهٌ ربّما دلّس [5].
رَأَى ابن عمر، ومسح رأسه، ودعا له، وسهلَ بن سعد، وجابرًا، وأنسا، وروى عن أبيه، وعمه عبد الله بن الزبير، وأخويه: عبدِ الله وعثمان، وابن عمه عبّاد بن عبد الله ابن الزبير، وخلق كثير.
وروى عنه أيوب السختيانيّ، ومات قبله، وعبيد الله بن عمر، ومعمر، وابن جريج، وابن إسحاق، وابن عجلان، وخلق كثير.
قال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: هشام أحب إليك عن أبيه أو الزهريُّ؟ قال: كلاهما ولم يفضّل. وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: رأيت مالك ابن أنس في النوم، فسألته عن هشام بن عروة؟ فقال: أما ما حدث به، وهو عندنا فهو أي كأنه يصححه، وما حدث به بعدما خرج من عندنا، فكأنه يوهنه. وقال ابن سعد، والعجلي: كان ثقة، زاد ابن سعد: ثبتا كثير الحديث، حجة. وقال أبو حاتم: ثقة، إمام في الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، لم ينكر عليه شيء إلا بعدما صار إلى العراق، فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي نرى أن هشاما تسهل لأهل العراق، أنه كان لايحدث عن أبيه إلا بما سمعه منه، فكان تسهله أنه أرسل عن أبيه مما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان متقنا ورعا فاضلا حافظا.
قال عمرو بن علي الفلاس عن عبد الله بن داود: ولد هشام، والأعمش، وسَمَّى غيرهما سنة مقتل الحسين -يعني سنة إحدى وستين- قال الحربي: مات سنة ست وأربعين ومائة، وأرخه أبو نعيم وغيره: سنة خمس. وقال أبو حاتم: يقال: إنه توفي بعد الهزيمة سنة خمس، وقد بلغ سبعا وثمانين. وقال عمرو بن علي: مات سنة سبع وأربعين.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (101).
13 -
(أبوه) عروة بن الزبير، بن العوّام بن خُوَيلد بن أسد بن عبد العزي بن قصي الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور [3](ت 94)(ع) تقدّم في 2/ 15.
14 -
(عبدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سَعْد بن سَهْم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نُصَير. وأمه رائطة بنت مُنَبّه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة السهمية، ويقال: حذافة بن سعد بن سهل، وقال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:"نعم أهل البيت: عبد الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله". وقيل: كان اسمه العاص، فلما أسلم سُمّي عبد الله، ولم يكن بينه وبين أبيه في السن سوى إحدى عشرة سنة، وأسلم قبل أبيه، وكان
مجتهدا في العبادة، غزير العلم. قال أبو هريرة: ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، وكنت لا أكتب. رَوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وسراقة بن مالك بن جُعشُم، وغيرهم. وروى عنه أنس بن مالك، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: مات ليالي الحرة، وكانت في ذي الحجة، سنة (63). وقال في موضع آخر: مات سنة (65)، وكذا قال ابن بكير. وقال في رواية: مات سنة (68)، وكذا قال الليث. وقيل: مات سنة (73). وقيل: سنة (77). وقيل: غير ذلك، وكان موته بمكة، وقيل: بالطائف، وقيل: بمصر، وقيل: بفلسطين. وذكر العسكري أنه عاش قريبا من مائة سنة. قال الحافظ: وهو بعيد من الصحة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (116) حديثًا. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "الفتح": ما حاصله: قال الدارقطنيّ: لم يرو عن مالك هذا الحديث في "الموطإ" إلا مَعْن بن عيسى، وراه أصحاب مالك، كابن وهب وغيره عن مالك خارج "الموطإ"، وأفاد ابن عبد البر أن سليمان بن يزيد رواه أيضًا في "الموطإ"، والله أعلم.
قال الحافظ: وقد اشتهر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة، فوقع لنا من رواية أكثر من سبعين نفسًا عنه، من أهل الحرمين، والعراقين، والشام، وخُرَاسان، ومصر، وغيرها، ووافقه على روايته عن أبيه عروةَ أبو الأسود المدني، وحديثه في "الصحيحين"، والزهري وحديثه في النسائيّ، ويحيى بن أبي كثير وحديثه في "صحيح أبي عوانة"، ووافق أباه على روايته عن عبد الله بن عمرو، عُمَر بن الحكم بن ثوبان، وحديثه في مسلم انتهى (1).
(1)"فتح" 1/ 257 "كتاب العلم".
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، والصحابيّ، فمدنيّ، ثم مصريّ، ثم طائفيّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
5 -
(ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفية الأثر":
وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو
…
وَابْنُ الزُّبَيْرِ في اشْتِهَارٍ يَجْرِي
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لهُمْ عَبَادِلَهْ
…
وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذا مَالَ لَهْ
6 -
(ومنها): أنه ليس بينه وبين أبيه إلا إحدى عشرة سنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنهما.
[تنبيه]: قوله: "ابن العاص": أكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه، ونحوهما بحذف الياء، وهي لغة، والفصيح الصحيح "العاصي" بإثبات الياء، وكذلك شدّاد بن الهادي، وابن أبي الموالي، فالفصيح الصحيح في كلّ ذلك، وما أشبهه إثبات الياء، ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث، أو أكثرها بحذفها. قاله النوويّ (1).
وإلى القاعدة المذكورة أشار في "الخلاصة" حيث قال:
وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا
…
لَمْ يُنْصَبَ أوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا
وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي
…
نَحْوِ "مُرٍ" لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقتُفِي
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ اللَّه لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ) جملة في محلّ رفع؛ لأنها خبر
(1)"شرح مسلم" 1/ 78 - 79.
"إنّ"(انْتِزَاعًا) يحتمل أن يكون نصبه على أنه مفعول مطلقٌ لـ "يَقبضُ"، مثلُ رجع القهقرى، وقعد جلوسًا، ويحتمل أن يكون مفعولا مطلقًا مقدّمًا على فعله، وهو "ينتزعه"، والجملة حال من الضمير في "يقبضه"، ويحتمل أن يكون حالًا من "العلم" بمعنى مُنتَزعًا (1).
والمراد بالعلم هو العلم الشرعيّ الذي هو علم الكتاب والسنّة؛ لأنه المراد عند الإطلاق، لا العلم الدنيويّ؛ لأنه النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يُبعث من أجله بدليل ما أخرجه مسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" رقم (2363) من حديث عائشة، وأنس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مَرّ بقوم يُلَقِّحُون فقال:"لو لم تفعلوا لَصَلَحَ"، قال:" فخرج شِيصًا (2)، فَمَرّ بهم، فقال: "ما لنخلكم؟ "، قالوا: "قلت: كذا وكذا، قال:"أنتم أعلم بأمر دنياكم".
وأخرجه المصنّف في "كتاب الأحكام": (2462): وأحمد رقم (23773) من حديثهما بلفظ: "أَن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أصواتا، فقال: ما هذا الصوتُ؟ "، قالوا: النخل يُؤبّرونها، فقال:"لو لم يفعلوا لصلح، فلم يؤبروا عامئذٍ، فصار شيصًا، فذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "إن كان شيئًا من أمر دنياكم فشأنُكُم به، وإن كان من أمور دينكم فإليّ".
وأخرجه أحمد في "مسنده" رقم (12086) من حديث أنس رضي الله عنه وحده، ولفظه: قال: سمع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصواتا، فقال:"ما هذا؟ "، قالوا: يُلَقِّحون النخل، فقال:"لو تركوه، فلم يُلَقِّحوه لصلح"، فتركوه، فلم يُلَقِّحوه، فخرج شِيصًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما لكم؟ "، قالوا: تركوه لمّا قلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا كان شيء من أمر دنياكم، فأنتم أعلم به، فإذا كان من أمر دينكم فإليّ".
(يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ) أي مَحْوًا من الصدور. قال ابن بطّال رحمه الله تعالى: معناه
(1) راجع "عمدة القاري" 2/ 89.
(2)
هو التمر الذي لا يشتدّ نواه، ويقوى.
إن الله لا ينزع العلم من العباد بعد أن يتفضّل به عليهم، ولا يسترجع ما وَهَبَ لهم من العلم المؤدّي إلى معرفته، وبَثّ شريعته، وإنما يكون انتزاعه بتضييعهم العلم، فلا يوجد من يَخلُف من مضى، فأنذر صلى الله عليه وسلم بقبض الخير كله.
وكان تحديث النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حجة الوداع، كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، قال: لما كان في حجة الوداع قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خُذُوا العلم قبل أن يُقبَض، أو يرفع"، فقال أعرابي: كيف يُرفَع فقال: "ألا إنّ ذَهَاب العلم ذَهابُ حملته"، ثلاث مرات.
وقال ابن المُنَيِّر: مَحْوُ العلم من الصدور جائز في القدرة، إلا أن هذا الحديث دَلَّ على عدم وقوعه. انتهى.
(وَلَكِنْ) للاستدراك (يَقْبِضُ الْعِلْمَ) بكسر الموحّدة، من باب ضرب، والفعل مبنيّ للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى. وهو من قبيل إقامة الظاهر موضع المضمر؛ لزيادة تعظيم المضمر؛ إذ مقتضى الظاهر أن يقال:"ولكن يقبضه"، كما في قوله تعالى:{اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] بعد قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} . قاله العينيّ (1)(بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ) أي بسبب توفّيهم.
[تنبيه]: هذا الحديث صريحٌ في أن المقبوض هو العلم لا العمل به، ويعارضه ما أخرجه الترمذيّ في "جامعه" من طريق جُبير بن نُفير، عن أبي الدرداء رضي الله عنه مما يدلّ على أن الذي يُرفع هو العمل، ونصّه:
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال:"هذا أوانٌ يُخْتَلَسُ فيه العلم من الناس حتى لا يَقدِروا منه على شيء"، فقال زياد بن لبيد الأنصاريّ، وكيف يُختلس منّا، وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنُقرأنّه، ولنقرأنه نساءنا وأبناءنا، فقال: "ثكِلتك أمّك يا زياد إن كنت لأعدّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل
(1)"عمدة القاري" 2/ 89.
عند اليهود والنصارى، فماذا تُغني عنهم؟ "، قال: فلقيتُ عُبَادة بن الصامت رضي الله عنه، فقلتُ: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدَقَ أبو الدرداء، إن شئتَ لأُحدّثنّك بأول علم يُرفع: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجامع فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا. قال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ غريبٌ (1)، وقد خرّجه النسائيّ من حديث جبير بن نُفير أيضًا عن عوف بن مالك الأشجعيّ رضي الله عنه من طرق صحيحة.
فهذا الحديث ظاهر في أن الذي يُرفع إنما هو العمل بالعلم، لا نفسُ العلم، وهو بخلاف ما دلّ عليه حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، فإنه صريحٌ في أنّ المرفوع هو العلم.
وأجاب أبو العبّاس القرطبيّ، فقال: لا تباعد بينهما، فإنه إذا ذهب العلم بموت العلماء، خَلَفهم الْجُهّال، فأفتوا بالجهل، فعُمل به، فذهب العلم والعمل، وإن كانت المصاحف والكتب بأيدي الناس، كما اتّفقَ لأهل الكتابين من قَبْلنا، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزياد على ما نصّ عليه النسائيّ:"ثَكِلتك أمك يا زيادُ، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى؟ "، وذلك أن علماءهم لمّا انقرضوا خَلَفَهم جُهّالهم، فحرّفوا الكتاب، وجَهِلوا المعاني، فعملوا بالجهل، وأفتوا به، فارتفع العلم والعمل، وبقيت أشخاص الكتب لا تُغني شيئًا. انتهى كلام القرطبيّ (2).
(فَإِذَا لَمْ يُبْقِ عَالمًا) -بضم أوله، وكسر القاف- من الإبقاء، والفاعل ضمير "الله تعالى"، و"عالمًا": أي لم يُبقِ الله عالمًا.
ولفظ البخاريّ: "حتى إذا لم يَبْقَ عالِمٌ"، وهو -بفتح أوله، وإسكان ثانيه- من البقاء.
(1) حديثٌ صحيحٌ أخرجه الترمذيّ برقم (2653).
(2)
"المفهم" 6/ 705 - 708.
[فإن قلت]: "إذا" للاستقبال، و"لم" لقلب المضارع ماضيًا، فكيف يَجتمعان؟.
[أجيب]: بأنهما لما تعارضا تساقطا، فبقي على أصله، وهو المضارع، أو تعادلا، فيفيد الاستمرار.
[فإن قلت]: إذا كانت "إذا" شرطيّة يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط، ومن وجود المشروط وجود الشرط، لكنه ليس كذلك هنا؛ لجواز حصول الاتخاذ مع وجود العالم.
[أجيب]: بأن ذلك في الشروط العقليّة، أما في غيرها فلا نُسلّم اطّراد هذه القاعدة، ثم الاستلزام إنما هو في موضع لم يكن للشرط فيه بدلٌ، فقد يكون لمشروط واحد شروط متعاقبة، كصحّة الصلاة بدون الوضوء عند التيمّم، أو المراد بالناس جميعهم، فلا يصحّ أن الكلّ اتخذوا رءوسًا جُهّالًا إلا عند عدم بقاء العالم مطلقًا، وذلك ظاهر. قاله العينيّ رحمه الله تعالى (1).
(اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا) قال النووي: رحمه الله تعالى: ضبطنا "رءوسًا" -بضم الهمزة والتنوين- جمع رأس. قال في "الفتح": وفي رواية أبي ذر أيضًا: "رؤساء" -بفتح الهمزة، وفي آخره همزة أخرى مفتوحة، جمع رئيس، وكلاهما صحيح، والأول أشهر.
(جُهَّالًا) -بضم الجيم، وتشديد الهاء-: جمع جاهل، صفة لـ "رءوسًا".
[فإن قلت]: المراد بالجهل هنا الجهل البسيط، وهو عدم العلم بالشيء، لا مع اعتقاد العلم به، أم الجهل المركّب، وهو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به؟.
[أجيب]: بأن المراد هو القدر المشترك بينهما المتناول لهما.
[فإن قلت]: أهذا مختصّ بالمفتين، أم عامّ للقضاة الجاهلين؟.
[أجيب]: بأنه عامّ؛ إذ الحكم بالشيء يستلزم الفتوى به. قاله العينيّ رحمه الله تعالى (2).
(1) المصدر السابق 2/ 89.
(2)
"عمدة القاري" 2/ 90.
وفيه التحذير عن اتخاذ الجهّال رءوسًا.
(فَسُئِلُوا) بضم السين المهملة: أي سألهم السائلون (فَأَفْتَوْا) بفتح الهمزة، والتاء: أي بيّنوا الحكم للسائلين (بِغَيْرِ عِلْمٍ) وفي رواية أبي الأسود عند البخاريّ في "الاعتصام": "فيُفتُون برأيهم"، وفي هذا الحديث: الحثُّ على حفظ العلم، والتحذير من ترئيس الجهَلَة. وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وذَمُّ من يُقْدِم عليها بغير علم. واستدل به الجمهور على القول بخلوّ الزمان عن مجتهد، ولله الأمر يفعل ما يشاء.
(فَضَلُّوا) أي في أنفسهم، من الضلال (وَأَضَلُّوا) أي غيرهم ممن يقلّدهم رأيهم الفاسد، وهو من الإضلال.
[فإن قلت]: الضلال متقدّم على الإفتاء، فما معنى الفاء؟.
[أجيب]: بأن المجموع من الضلال والإضلال هو متعقّب على الإفتاء، وإن كان الجزء الأول مقدّمًا عليه؛ إذ الإضلال الذي بعد الإفتاء غير الضلال الذي قبله.
[فإن قلت]: الإضلال ظاهر، وأما الضلال فإنما يلزم أن لو عَمِل بما أفتى، وقد لا يَعمَل به.
[أجيب]: بأن إضلاله لغيره ضلال له، عَمِل بما أفتى أو لم يَعمَل. قاله العينيّ (1).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (8/ 52) فقط، و (البخاريّ)(1/ 36 و 9/ 123) وفي "خلق أفعال العباد"(47) و (مسلم)(8/ 60) و (الترمذيّ)(2652) و (النسائيّ) في
(1) المصدر السابق 2/ 90.
"الكبرى" 3/ 455 رقم (5907)(والطيالسيّ) في "مسنده"(2292) و (الحميديّ) في "مسنده"(581) و (أحمد) في "مسنده" 2/ 162 و190 و 203 و (الدارميّ) في "سننه"(245) و (ابن حبّان) في "صحيحه"(4571) و (البغويّ) في "شرح السنّة"(147)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو وجوب اجتناب الرأي والقياس، وهو محمول على الرأي المذموم، كما سيأتي بيانه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
2 -
(ومنها): أن فيه الحثَّ على حفظ العلم والاشتغال به.
3 -
(ومنها): أن الفتوى هي الرئاسة الحقيقيّة، وذمّ من يُقْدِم عليها بغير علم.
4 -
(ومنها): التحذير عن اتّخاذ الجهّال رؤوسًا.
5 -
(ومنها): أن فيه دلالةً للقائلين بجواز خلوّ الزمان عن المجتهد، على ما هو مذهب الجمهور، خلافًا للحنابلة.
ومسألة خلوّ الزمان عن المجتهد مشهورة في كتب الأصول، وحاصلها أن الجمهور يرون جوازه، وخالف في ذلك الحنابلة، وذهب العلامة ابن دقيق العيد إلى أنه لا يجوز ما لم تأت أشراط الساعة الكبرى، كطلوع الشمس من مغربها، فإذا أتت جاز الخلوّ عنه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن دقيق العيد هو الأرجح؛ للحديث الآتي.
ثم على القول بالجواز أنه لم يثبُت وقوعه، وقيل: يقع؛ لحديث "الصحيحين": "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله"، أي الساعة، والمراد به إتيان الأشراط المذكورة.
ودليل الوقوع حديث الباب المتّفق عليه، وحديث البخاريّ: "إن من أشراط
الساعة أن يُرفع العلم، ويَثبُت الجهل"، والمراد برفع العلم قبض أهله.
قال الجامع: لا خلاف بين الأحاديث، إذ هي على معنى واحد، وهو أن المراد بالحديثين الأخيرين عند قرب الساعة، فيكونان بمعنى الحديث الأول، أي أن قبض العلم ورفعه يكون عند قرب الساعة بظهور أشراطها المذكورة. والله تعالى أعلم.
وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى:
جَازَ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدِ
…
وَمُطْلَقًا يَمْنَعُ قَوْمُ أَحْمَدِ
وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَا إِنْ أَتَتِ
…
أَشْرَاطُهَا وَالْمُرْتَضَى لَمْ يَثْبُتِ (1)
6 -
(ومنها): أن الداوديّ قال: هذا الحديث خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله"، ويقال: هذا بعد إتيان أمر الله تعالى، إن لم يُفسّر إتيان الأمر بإتيان القيامة، أو عدم بقاء العلماء إنما هو في بعض المواضع كما في بيت المقدس مثلًا، إن فسرناه به، فيكون محمولًا على التخصيص جمعًا بين الأدلّة.
7 -
(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث بيّن كيفيةَ رفع العلم، وظهور الجهل، وهو نصّ في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل بموت العلماء، وبقاء الجهّال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يُفتون بالجهل، ويُعلّمونه، فينتشر الجهل، ويظهر، وقد ظهر ذلك، ووُجد على نحو ما أخبر صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك دليلًا من أدلّة نبوّته، وخصوصًا في هذه الأزمان، إذ قد ولي المدارس والفتيا كثيرٌ من الجهّال والصبيان، وحُرِمها أهل ذلك الشأن. انتهى (2)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1) راجع ما كتبته على "الكوكب الساطع" ص 556 - 557.
(2)
"المفهم" 6/ 705.
(المسألة الرابعة): في تقسيم الرأي على ثلاثة أقسام:
قال الإمام ابن القيّم رحمه الله في كتابه القيّم "إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين":
الرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه، والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح، وعملوا به، وأفتَوْا به، وسوّغوا القول به، وذمّوا الباطل، ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمّه وذمّ أهله.
والقسم الثالث سوّغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه، حيث لا يُوجد منه بدٌّ، ولم يُلزموا أحدًا العمل به، ولم يُحرّموا مخالفته، ولا جعلوا مخالفه مخالفًا للدين، بل غايته أنهم خَيَّروا بين قبوله وردّه، فهو بمنزلة ما أُبيح للمضطرّ من الطعام والشراب الذي يَحرُم عند عدم الضرورة إليه، كما قال الإمام أحمد: سألت الشافعيّ عن القياس، فقال لي: عند الضرورة. وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة، لم يُفْرِطُوا فيه، ويُفَرّعوه، ويولّدوه، ويوسّعوه كما صنع المتأخّرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار، وكان أسهل عليهم من حفظها، كما يوجد كثير من الناس يَضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه، وتعسّر حفظه، فلم يَتَعَدَّوا في استعماله قدر الضرورة، ولم يَبْغُوا العدول إليه مع تمكّنهم من النصوص والآثار، كما قال تعالى في المضطرّ إلى الطعام المحرّم:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173]، فالباغي: الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصّل إلى المذكّى، والعادي: الذي يتعدّى قدرَ الحاجة بأكملها.
فالرأي الباطل أنواع:
[أحدها]: الرأي المخالف للنّصّ، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه، ولا تحلّ الفُتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه مَن وقع بنوع تأويل وتقليد.
[النوع الثاني]: هو الكلام في الدين بالْخَرْص والظنّ، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص، وفهمِها، واستنباط الأحكام منها، فإن مَن جهلها، وقاس برأيه فيما
سُئل عنه بغير علم، بل لمجرّد قدر جامع بين الشيئين أُلحق أحدهما بالآخر، أو لمجرّد قدر فارقٍ يراه بينهما يُفرّق بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص والآثار، فقد وقع في الرأي المذموم الباطل فضلّ وأضلّ.
[النوع الثالث]: الرأي المتضمّن تعطيل أسماء الربّ وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال، من الجَهْميّة، والمعتزلة، والقدريّة، ومن ضاهاهم، حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة، وشُبَههم الداحضة في ردّ النصوص الصحيحة الصريحة، فردّوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رُواتها وتخطئتهم، ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى ردّ ألفاظها سبيلًا، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل، فأنكروا لذلك رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وأنكروا كلامه، وتكليمه لعباده، وأنكروا مُباينته للعالم، واستواءه على عرشه، وعُلُوّه على المخلوقات، وعموم قدرته على كلّ شيء، بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجنّ والإنس عن تعلّق قدرته ومشيئته وتكوينه لها، ونَفَوا لأجلها حقائق ما أخبر به سبحانه وتعالى عن نفسه، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات كماله، ونعوت جلاله، وحَرَّفوا لأجلها النصوص عن مواضعها، وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرّد الذي حقيقته أنه ذُبالة (1) الأذهان، ونُخالة الأفكار، وعُفارة الآراء، ووساوس الصدور، فملؤوا به الأوراق سوادًا، والقلوب شكوكًا، والعالم فسادًا.
وكلُّ من له مُسكة من عقل يَعلَم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استَحكَم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استَحكَم هلاكه، ولا أمّة إلا فسد أمرُها أتمّ فساد، فلا إله إلا الله كم نُفي بهذه الآراء من حقّ، وأُثبت بها من باطل، وأُميت بها من هُدى، وأُحيي بها من ضلالة؟ وكم هُدم
(1) الذُّبالة بالضم: فتيلة السراج. قاله في "اللسان".
بها من مَعْقِل الإيمان، وعمّر بها من دين الشيطان؟ وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل، بل هم شرّ من الْحُمُر، وهم الذين يقولون يوم القيامة:{لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10].
[النوع الرابع]: الرأي الذي أُحدثت به البدع، وغُيّرت به السنن، وعَمَّ البلاء، وتربّى عليه الصغير، وهَرِمَ فيه الكبير.
فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتّفق سلف الأمة، وأئمتها على ذمّه، وإخراجه من الدين.
(النوع الخامس): ما ذكره أبو عمر بن عبد البرّ عن جمهور أهل العلم، أن الرأي المذموم.
في هذه الآثار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه والتابعين رضي الله عنهم أنه القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، وردّ الفروع والنوازل بعضها على بعض قياسًا، دون ردّها على أصولها، والنظر في عللها واعتبارها، فاستعمل فيها الرأي قبل أن ينزل، وفُرِّعت، وشُقِّقت قبل أن تقع، وتكلّم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظنّ، قالوا: وفي الاشتغال بهذا، والاستغراق فيه تعطيل السنن، والحثّ على جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها، ومن كتاب الله عز وجل ومعانيه، واحتجّوا على ما ذهبوا إليه بأشياء (1).
ثم ذكر من طريق أسد بن موسى، ثنا شريك، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عمر، قال:"لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر يَلعَن مَن يسأل عما لم يكن"(2).
ثم ذكر من طريق أبي داود، ثنا إبراهيم بن موسى الرازيّ، ثنا عيسى بن يونس،
(1) راجع "جامع بيان العلم" 2/ 1054.
(2)
"جامع بيان العلم"(2036) وهو ضعيف؛ لأن في سنده ليث بن أبي سليم، متروك، وشريك متكلّم فيه.
عن الأوزاعيّ، عن عبد الله بن سعد، عن الصُّنابحيّ، عن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن الأُغلوطات"(1).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ بإسناده مثله، وقال: فسّره -يعني صعاب المسائل-. وقال الوليد بن مسلم عن الأوزاعيّ، عن عبد الله بن سعد، عن عبادة بن نُسيّ، عن الصنابحيّ، عن معاوية بن أبي سفيان أنهم ذكروا المسائل عنده، فقال: أما تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن عُضَل المسائل (2).
واحتجّوا أيضًا بحديث سهل بن سعد رضي الله عنهما وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره المسائل وعابها (3).
وأنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال"(4).
وأخرج بسنده عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، عن الزهريّ، عن سهل بن سعد قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها"(5).
وأخرج أيضًا عن الأوزاعيّ، عن عبدة بن أبي لبابة قال:"وددتُ أن أحظى من أهل الزمان أن لا أسألهم عن شيء، ولا يسألوني عن شيء، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم بالدراهم"(6).
وأخرج أيضًا عن إسماعيل بن عيّاش، ثنا شُرحبيل بن مسلم، أنه سمع الحجاج
(1) أخرجه أحمد 5/ 435 وأبو داود رقم (3656) وهو ضعيف؛ لأن في سنده عبد الله ابن سعد بن فروة البجليّ مجهول.
(2)
إسناده ضعيف جدًّا في سنده سليمان بن أحمد الواسطيّ متروك الحديث، بل كذبه بعضهم، وعنعنة الوليد، وهو مدلّس، وجهالة عبد الله بن سعد.
(3)
متّفقٌ عليه.
(4)
حديث متّفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
(5)
حديث صحيح.
(6)
إسناده حسن.
ابن عامر الثُّماليّ -وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم وكثرة السؤال"(1).
قال: وفي سماع أشهب سئل مالك عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال"، فقال: أما كثرة السؤال فلا أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل، فقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها، وقال الله عز وجل:{لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]، فلا أدري أهو هذا أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاف؟.
واحتجّوا أيضًا بما رواه ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعظم المسلمين في المسلمين جُرمًا من سأل عن شيء لم يُحرّم على المسلمين، فحرّم عليهم من أجل مسألته"(2).
وقد جاء ذمّ الرأي في كلام السلف رحمهم الله، فقد سئل الشعبيّ -وهو من كبار التابعين، وقد أدرك مائة وعشرين من الصحابة، وأخذ عن معظمهم- عن مسألة من النكاح، فقال للسائل: إن أخبرتك برأي، فبُلْ عليه. وعنه قال: ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوه، وما كان من رأيهم فاطرحوه في الْحُشّ (3). وعن عمرو ابن دينار، قال: قيل لجابر بن زيد: إنهم يكتبون ما يسمعون منك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يكتبونه وأنا أرجع عنه غدًا. وعن ابن عيينة قال: اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم، لا أن يقوله هو برأيه. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الناس أنه لا رأي لأحد مع سنة سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي نضرة قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول للحسن البصريّ: بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تُفت برأيك إلا أن يكون
(1) إسناده حسن.
(2)
حديث متّفقٌ عليه.
(3)
أي الكنيف.
سنّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي وائل قال: إياك ومجالسة من يقول: أرأيت أرأيت. وعن ابن شهاب قال: دَعُوا السنّة تمضي، لا تَعَرَّضُوا لها بالرأي. وعنه قال -وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي، وتركهم السنن-: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي بأيديهم حين اتّبعوا الرأي، وأخذوا فيه.
وسأل رجل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء، فقال: لم أسمع في هذا شيئًا، فقال له الرجل: فأخبرني -أصلحك الله- برأيك، فقال: لا، ثم أعاد عليه، فقال: إني أرضى برأيك، فقال سالم: إني لعلي إن أخبرتك برأي، ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأيًا غيره، فلا أجدك. وقال البخاريّ: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسيّ، ثنا مالك بن أنس، قال: كان ربيعة يقول لابن شهاب: إن حالي ليس يشبه حالك، أنا أقول برأيي، من شاء أخذه، وعمل به، ومن شاء تركه.
وقال الفريابيّ: ثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقيّ قال: سمعت عبد الرحمن بن مهديّ يقول: سمعت حماد بن زيد يقول: قيل لأيوب السختيانيّ: ما لك لا تنظر في الرأي؟ فقال أيوب: قيل للحمار: ما لك لا تَجْتَرُّ؟ قال: أكره مَضْغ الباطل.
وقال الفريابيّ: ثنا العباس بن الوليد بن مَزْيَد، أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعيّ يقول: عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوا لك القول. وقال أبو زرعة: ثنا أبو مسهر، قال: كان سعيد بن عبد العزيز إذا سئل لا يُجيب حتى يقول: لا حول ولا قوّة إلا بالله هذا الرأي، والرأي يُخطىء ويُصيب. وقد روى أبو يوسف والحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه.
وقال الطحاويّ: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ثنا أشهب بن عبد العزيز، قال: كنت عند مالك، فسئل عن الْبَتّة، فأخذت ألواحي لأكتب ما قال، فقال لي مالك: لا تفعل، فعسى في العشيّ أقول: إنها واحدة. وقال معن بن عيسى القزّاز: سمعت
مالكًا يقول: إنما أنا بشرٌ أُخطىء وأُصيب، فانظروا في قولي، فكلُّ ما وافق الكتاب والسنّة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنّة فاتركوه. قال ابن القيّم رحمه الله: فرضي الله عن أئمة الإسلام، وجزاهم عن نصيحتهم خيرًا، ولقد امتثل وصيّتهم وسلك سبيلهم أهل العلم والدين من أتباعهم.
وأما المتعصّبون فإنهم عكسوا القضيّة، ونفروا في السنّة، فما وافق أقوالهم منها قبِلُوه، وما خالفها تحيّلوا في ردّه، أو ردّ دلالته، وإذا جاء نظير ذلك، أو أضعف منه سندًا ودلالةً، وكان يوافق قولهم قبِلوه، ولم يستجيزوا ردّه، واعترضوا به على منازعهم، وأشاحوا، وقرّروا الاحتجاج بذلك السند ودلالته، فإذا جاء ذلك السند بعينه، أو أقوى منه، ودلالته كدلالة ذلك، أو أقوى منه في خلاف قولهم دفعوه، ولم يقبلوه.
وقال بقيّ بن مخلد: ثنا سحنون والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك أنه كان يكثر أن يقول:{إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية: 32].
وقال القعنبيّ: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلّمت عليه، ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت له: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب وما لي لا أبكي؟ ومن أحقّ بالبكاء منّي؟ والله لوددتُ أني ضُربت بكل مسألة أفتيت فيها بالرأي سَوْطًا، وقد كانت لي السعة فيما قد سُبقتُ إليه، وليتني لم أُفت بالرأي.
وقال ابن أبي داود: ثنا أحمد بن سنان قال: سمعت الشافعي يقول: مَثلُ الذي ينظر في الرأي، ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عُولج حتى برىء، فأُعقل ما يكون قد هاج به. وقال ابن أبي داود: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحدًا نظر في الرأي إلا وفي قلبه دَغَل (1).
وقال عبد الله بن أحمد أيضًا: سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحبّ إليّ من الرأي، فقال عبد الله: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث
(1)"الدَّغَل" بفتحتين، والغين المعجمة، و"الدَّخَل" بالخاء المعجمة بوزنه: الفساد.
لا يَعرِف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة، فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي.
قال ابن القيّم: وأصحاب أبي حنيفة رحمه الله مُجمِعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بَنَى مذهبه، كما قدّم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي، وقدّم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر (1) مع ضعفه على الرأي والقياس، ومنع قطع السارق بسرقة أقلّ من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف، وجعل أكثر الحيض عشرة أيام، والحديث فيه ضعيف، وشرط في إقامة الجمعة المصرَ، والحديث فيه كذلك، وترك القياس المحض في مسائل الآبار؛ لآثار فيها غير مرفوعة، فتقديم الحديث الضعيف، وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله، وقول الإمام أحمد، وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل ما يسمّيه المتأخّرون حسنًا قد يسميه المتقدّمون ضعيفًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول ابن القيّم رحمه الله: إن مذهب أبي حنيفة تقديم الحديث الضعيف على القياس، ثم ذكر أمثلة على ذلك، محلّ نظر، فإنهم إذ قد فعلوا ذلك في الأمثلة المذكورة، فيا ليتهم وقفوا عليه، لكنهم يردّون الأحاديث الصحيحة بالقياس، كما فعلوا في حديث المصرّاة المتّفق عليه، وكالحديث المتفق عليه أيضًا:"لا صلاة إلا بأم القرآن"، وكحديث بيع العرايا، وكحديث تحريم الرجوع في الهبة إلا للوالد، وكحديث:"لا زكاة في حبّ ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق"، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي ردّوها بأنها تخالف القياس، وقد أجاد ابن القيّم حيث أورد نيّفا وخمسين مثالا لما خالف فيه الحنفيّة وغيرهم الأحاديث الصحيحة، فراجعه تستفد (2)، وبالله تعالى التوفيق.
(1) القيد بالسفر محل نظر، وما أظنه شرطا عندهم، فليُنظر.
(2)
راجع "إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين" 1/ 617 - 699.
وأيضًا قوله: وليس المراد بالحديث الضعيف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين محلّ نظر، فإنه لا ينطبق على مذهب الحنفيّة، كما تشهد به الأحاديث التي أوردها ابن القيّم أمثلة لذلك، فإنها ضعيفة على اصطلاحهم، فتأملها بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: والمقصود أن السلف جميعهم على ذمّ الرأي والقياس المخالف للكتاب والسنّة، وأنه لا يحلّ العمل به، لا فُتيا، ولا قضاءً، وأن الرأي الذي لا يُعلم مخالفته للكتاب والسنة ولا موافقته فغايته أن يسوغ العمل به عند الحاجة إليه، من غير إلزام، ولا إنكار على من خالفه.
وأخرج الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ بسنده عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه قال [من الكامل]:
دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ آثَارُ
…
نِعْمَ المطِيّةُ لِلْفَتَى الأَخْبَارُ
لَا تُخْدَعَنَّ عَنِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ
…
فَالرَّأْيُ لَيْلٌ وَالْحَدِيثُ نَهَارُ
وَلَرُبَّمَا جَهِلَ الْفَتَى طُرُقَ الهُدَى
…
وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ لهَا أَنْوَارُ
ولبعض أهل العلم [من البسيط]:
الْعِلْمُ قَالَ اللهُ قَالَ رَسُولُه
…
قَالَ الصَّحَابَةُ لَيْسَ خُلْفٌ فِيهِ
مَا الْعِلْمُ نَصْبُكَ لِلْخِلَافِ سَفَاهَةً
…
بَيْنَ النُّصُوصِ وَبَيْنَ رَأْيِ سَفِيهِ
كَلَّا وَلَا نَصْبُ الْخِلَافِ جَهَالَةً
…
بَيْنَ الرَّسُولِ وَبَيْنَ رَأْيِ فَقِيهِ
كَلَّا وَلَا رَدُّ النُّصُوصِ تَعَمُّدًا
…
حَذَرًا مِنَ التَّجْسِيم وَالتَّشْبِيهِ
حَاشَا النُّصُوصَ مِنَ الَّذِي رُمِيَتْ بِه
…
مِنْ فِرْقَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْوِيهِ (1)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1) راجع "إعلام الموقعين" 1/ 75 - 81.
(المسألة الخامسة): في بيان الرأي المحمود:
(اعلم): أن الرأي المحمود أنواع:
(الأول): رأي أفقه الأمة، وأبرّهم قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأقلّهم تكلّفًا، وأصحّهم قُصُودًا، وأكملهم فطرةً، وأتمّهم إدراكًا، وأصفاهم أذهانًا، الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، فنسبة آرائهم وقُصُودهم إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كنسبتهم إلى صحبته، والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل، فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم. قال الشافعيّ رحمه الله في "رسالته البغداديّة" التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفرانيّ، وهذا لفظه:
وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن، والتوراة، والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله، وهنّأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصدّيقين والشهداء والصالحين، أدَّوا إلينا سُنَن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاهدوه، والوحي يَنزِل عليه، فعلِموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عامّا وخاصّا، وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كلّ علم، واجتهاد، وورَعٍ، وعقلٍ، وأمر استُدرك به علم، واستُنبط به، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يُرضَى، أو حُكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرّقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يُخالفه غيره أخذنا بقوله.
ولمّا كان رأي الصحابة رضي الله عنهم عند الشافعيّ بهذه المثابة، قال في الجديد في "كتاب الفرائض" في ميراث الجدّ والإخوة: وهذا مذهبٌ تلقّيناه عن زيد بن ثابت، وعنه أخذنا أكثر الفرائض.
وقال: والقياس عندي قتل الراهب لولا ما جاء عن أبي بكر رضي الله عنه، فترك صريح
القياس لقول الصديق رضي الله عنه. وقال في رواية الربيع عنه: والبدعة ما خالف كتابًا، أو سنّةً، أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ما خالف قول الصحابيّ بدعة.
والمقصود أن أحدًا ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم، وقد كان أحدهم يرى الرأي، فينزل القرآن بموافقته؟ كما رأى عمر رضي الله عنه في أسارى بدر أن تُضرب أعناقهم، فنزل القرآن بموافقته، ورأى أن تُحجب نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنزل القرآن بموافقته، ورأى أن يُتّخذ مقام إبراهيم مُصلّى، فنزل القرآن بموافقته، إلى غير ذلك من موافقاته.
وقد قال سعد بن معاذ رضي الله عنه لمّا حكمه النبيّ صلى الله عليه وسلم في بني قريظة: إني أرى أن تقتل مقاتلهم، وتَسبي ذرياتهم، وتغنم أموالهم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سماواته. متّفقٌ عليه.
ولمّا اختلفوا إلى ابن مسعود رضي الله عنه شهرًا في المُفَوِّضة قال: أقول فيها برأي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه، أرى أن لها مهر نسائها، لا وكس ولا شَطَط، ولها الميراث، وعليها العدّة، فقام ناس من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأة منّا، يقال لها: بَرْوَع بنت واشق مثلَ ما قضيت به، فما فرِحَ ابن مسعود رضي الله عنه بشيء بعد الإسلام فَرَحه بذلك. حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ وابن ماجه، وغيرهم.
وحقيقٌ بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم خيرًا لنا من رأينا لأنفسنا، وكيف لا؟ وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمةً وعلمًا ومعرفة وفهمًا عن الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم، ونصيحةً للأمة، وقلوبهم على قلب نبيّهم، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم يتلقّون العلم والإيمان من مشكاة النبوّة غَضًّا طريًّا لم يَشُبْهُ إشكال، ولم يشبه خلاف، ولم تدنّسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس.
(النوع الثاني من الرأي المحمود): الرأي الذي يُفسّر النصوص، ويُبيّن وجه الدلالة منها، ويقرّرها، ويوضّح محاسنها، ويُسهّل طريق الاستنباط منها، كما قال عبدان: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي
ما يُفسّر لك الحديث، وهذا هو الفهم الذي يختصّ الله سبحانه وتعالى به من يشاء من عباده.
ومثال هذا رأي الصحابة رضي الله عنهم في العول في الفرائض عند تزاحم الفروض، ورأيهم في مسألة زوج وأبوين، وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين، ورأيهم في توريث المبتوتة في مرض الموت، ورأيهم في مسألة جرّ الولاء، ورأيهم في المحرم يقع على أهله بفساد حجه، ووجوب المضيّ فيه، والقضاء، والهدي من قابل، ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا، وقضتا، وأطعمتا لكلّ يوم مسكينًا، ورأيهم في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر تصلّي المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل الغروب صلّت الظهر والعصر، ورأيهم في الكلالة، وغير ذلك.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنا عاصم الأحول، عن الشعبيّ قال: سئل أبو بكر عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد (1).
(النوع الثالث من الرأي المحمود): هو الرأي الذي تواطأت عليه الأمّة، وتلقّاه خلفهم عن سلفهم، فإن ما تواطؤوا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابًا، كما تواطؤوا عليه من الرواية والرؤيا، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وقد تعدّدت منهم رؤيا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان: "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، متّفقٌ عليه، فاعتبر صلى الله عليه وسلم تواطؤ رؤيا المؤمنين، فالأمة معصومة فيما تواطأت عليه من روايتها ورؤياها، ولهذا كان من سَدَاد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله، ولا ينفرد به واحد، وقد مدح الله سبحانه وتعالى المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم، وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليس عنده فيها نصّ عن الله سبحانه وتعالى، ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم جمع لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جعلها شُورى بينهم.
(1) رواه الدارميّ في "مسنده"(2976) وعبد الرزاق في "مصنفه"(19191) والبيهقيّ في "سننه" 6/ 224. وفيه انقطاع؛ لأن الشعبيّ لم يسمع من أبي بكر رضي الله عنه.
قال البخاريّ: حدّثنا سُنيد، ثنا يزيد، عن العوّام بن حَوْشَب، عن المسيّب بن رافع قال: كان إذا جاء الشيء من القضاء ليس في الكتاب، ولا في السنّة، سُمَّي صوافي الأمراء (1)، فيرفع إليهم، فجُمع له أهل العلم، فما اجتمع عليه رأيهم فهو الحقّ (2).
(الرابع من الرأي المحمود): الاجتهاد بالرأي على ضوء الكتاب والسنة، ورأي الصحابة، وذلك يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن، فإن لم يجدها ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة، فبما قضى به الخلفاء الراشدون، أو اثنان منهم، أو واحد، فإن لم يجده فبما قاله واحد من الصحابة رضي الله عنهم، فإن لم يجده اجتهد رأيه، ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله، وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأقضية أصحابه رضي الله عنهم، فهذا هو الرأي الذي سوّغه الصحابة، واستعملوه، وأقرّ بعضهم بعضًا عليه.
قال عليّ بن الجعد: أنبأنا شعبة عن سيّار، قال: أخذ عمر رضي الله عنه فرسًا من رجل على سوم، فحَمَل عليه، فعطِبَ، فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا، فقال الرجل: إني أرضى بشُريح العراقيّ، فقال شريح: أخذته صحيحًا سليمًا، فأنت ضامنٌ حتّى تردّه صحيحًا سليمًا، قال: فكأنه أعجبه، فبعثه قاضيًا، وقال: ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه، فإن لم تستبن في كتاب الله فمن السنّة، فإن لم تجده في السنّة فاجتهد رأيك.
وقال أبو عبيد: ثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن بُرْقان، وقال أبو نُعيم: عن جعفر بن بُرقان، عن معمر البصريّ، عن أبي الْعَوّام، وقال سفيان بن عيينة: ثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس، قال: أتيت سعيد بن أبي بُردة، فسألته عن رُسُل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بُردة، فأخرج إليه كتُبًا، فرأيت في كتاب منها.
(1) صوافي الأمراء: ما اختارهم الأمراء للفتيا من أهل العلم.
(2)
ضعيف؛ لأن سنيدًا ضعيف مع إمامته ومعرفته، راجع "التقريب" ص 138.
رجعنا إلى حديث أبي العوّام، قال: كتب عمر إلى أبي موسى:
"أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسُنّةٌ متّبعة، فافهم إذا أُدْلِي إليك، فإنه لا ينفع تكلّم بحقّ لا نفاذ له، آسِ الناسَ في مجلسك، وفي وجهك، وقضائك، حتى لا يطمع شريفٌ في حَيْفك، ولا يَيْئس ضعيف من عَدْلك، البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلحًا أحلّ حرامًا، أو حرّم حلالًا، ومن ادّعى غائبًا، أو بيّنةً فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن بيّنه أعطيته بحقّه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضيّة، فإن ذلك هو أبلغ في العذر، وأجلى للعماء، ولا يمنعنّك قضاءٌ قضيتَ فيه اليومَ، فراجعت فيه رأيك، فهُديتَ فيه لرُشدك أن تراجع فيه الحقّ، فإن الحقّ قديم لا يُبطله شيء، ومراجعة الحقّ خيرٌ من التمادي في الباطل، والمسلمون عُدُولٌ بعضهم على بعض، إلا مجرّبًا عليه شهادة زور، أو مجلودًا في حدّ، أو ظَنينًا في ولاء، أو قرابة، فإن الله تعالى تولّى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبيّنات والأيمان، ثم الفَهْمَ الْفَهْمَ فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن، ولا سنّة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثالَ، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبّها إلى الله، وأشبهها بالحقّ، وإياك والغضبَ، والْقَلَقَ، والضجَرَ، والتأذّي بالناس، والتنكّر عند الخصومة، أو الخصوم -شكّ أبو عبيد- فإن القضاء في مواطن الحقّ مما يوجب الله به الأجر، ويُحسن به الذكر، فمن خلصت نيّته في الحقّ ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن بما ليس في نفسه شأنه الله، فإن الله تعالى لا يَقبَلُ من العباد إلا ما كان خالصًا، فما ظنّك بثواب عند الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته. والسلام عليك ورحمة الله".
قال أبو عبيد: فقلت لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا (1).
(1) رواه البيهقيّ 10/ 135 من حديث سعيد بن أبي بردة وجادةً، قال الشيخ الألبانيّ رحمه الله: وهي وجادة صحيحة من أصحّ الوجادات، وهي حجة. انظر تخريجه مفصّلًا في "إرواء الغليل" جـ 8 / ص 241 - 242 رقم 2619.
قال ابن القيّم رحمه الله: وهذا كتاب جليلٌ تلقّاه العلماء بالقبول، وبَنَوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوجُ شيء إليه، وإلى تأمّله، والتفقّه فيه. انتهى (1). وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة رحمه الله في أول الكتاب قال:
52 -
(حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِىءٍ، حُمَيْدُ بْنُ هَانِىءٍ الخوْلانِيُّ، عَنْ أبِي عُثْمَانَ، مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا غَيْرِ ثَبَتٍ، فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد الحافظ الثبت [10] 1/ 1.
2 -
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) العدويّ، مولى آل عمر، أبو عبد الرحمن المقري القصير، أصله من ناحية البصرة، وقيل: من ناحية الأهواز، سكن مكة، ثقة فاضلٌ، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنة [9].
رَوَى عن كَهْمَس بن الحسن، وموسى بن عُلَيّ بن رَبَاح، وأبي حنيفة، وابن عون، وسعيد بن أبي أيوب، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاري، وروى له هو والباقون بواسطة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي قُدَامة، وعبد بن حميد، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وابنه محمد بن عبد الله ابن يزيد، وغيرهم، وآخر من رَوى عنه بشر بن موسى بن صالح الأسديّ.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وقال الخليلي: ثقة، حديثه في الثقات، يُحتج به، ويتفرد بأحاديث. وقال أبو سعد الصفّار، عن جده، عن محمد بن
(1) راجع "إعلام الموقّعين" 1/ 69 - 87.
عبد الله بن يزيد المقري: كان ابن المبارك إذا سئل عن أبي، قال: زَرْزَدَهْ -يعني ذهبا مضروبا خالصًا. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن قانع: مكي ثقة. وقال محمد بن عاصم الأصبهاني: سمعت المقري يقول: أنا ما بين التسعين إلى المائة، وأقرأت القرآن بالبصرة ستا وثلاثين سنة، وهاهنا بمكة خمسا وثلاثين سنة. وقال البخاري: مات بمكة سنة (12) أو ثلاث عشرة ومائتين. وقال محمد بن عبد الله الحضرمي، وابن سعد: مات سنة (13)، زاد ابن سعد: في رجب.
قال الحافظ: وذكر أبو العرب الحافظ أن ابن وهب رَوَى عنه مع تقدمه، فلئن كان كذلك فبين وفاته ووفاة بشر بن موسى نيف وتسعون سنة. وفي الزهرة روى عنه البخاري اثنى عشر حديثًا. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم (53) و (505) و (738) و (2221) و (2775).
3 -
(سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) واسمه مِقْلاص الْخُزاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقة ثبتٌ [7].
رَوَى عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، وأبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، وعبد الله بن أبي جعفر، وكعب بن علقمة، وعُقيل بن خالد، وأبي هانىء حميد بن هانىء، وجعفر بن ربيعة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن جريج، وهو أكبر منه، وابن المبارك، وابن وهب، ونافع بن يزيد، وأبو عبد الرحمن المقري، وغيرهم.
قال أحمد: لا بأس به. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن حِبَّانَ في موضع آخر: ليس له عن تابعيّ سماع صحيح، وروايته عن زيد بن أسلم، وأبي حازم إنما هي كتاب. وقال ابن يونس: كان فقيهًا. وقال ابن وهب: كان فَهِمًا حُلْوًا، فقيل له: كان فقيهًا؟ فقال: نعم. وقال الساجيّ: صدوق. ونقل ابن خلفون، عن يحيى بن بُكير أنه وَثّقَه. وقال ابن معين: مات زمن أبي جعفر. وقال ابن يونس: وُلد سنة مائة، وتوفي سنة (161)، وقيل: سنة (66)،
وسنة إحدى أصح. وقال البخاريّ: يقال: مات سنة (49). وقال ابن حبان في "الثقات": يروي عن زيد بن أسلم، وأهل المدينة، وعنه خالد بن يزيد، وأهل مصر، مات سنة (149)، وقد قيل: في آخر سنة (61)، أو أول سنة (62). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم (53) و (2435) و (3276) و (3669) و (4176).
4 -
(أَبُو هَانِىءٍ، حُمَيْدُ بْنُ هَانِىءٍ الْخَوْلانِيُّ) المصريّ، لا بأس به [5].
أدرك سُلَيم بن عِتْر، ورَوَى عن عمرو بن حريث، وأبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، وعُلَيّ ابن رَبَاح، وعباس بن جُلَيد الحَجْريّ، وأبي عثمان الطُّنْبُذيّ، وغيرهم. وروى عنه سعيد ابن أبي أيوب، وحَيْوَة، وعبد الرحمن بن شُريح، والليث، وابن وهب، وغيرهم من أهل مصر.
قال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن شاهين في "الثقات": هو أكبر شيخ لابن وهب، رُفِع به أحمد بن صالح المصريّ. وقال الدارقطنيّ: لا بأس به ثقة. وقال ابن عبد البر: هو عندهم صالح الحديث، لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات" في التابعين. وقال ابن يونس: توفي سنة (142). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم (52) و (2775) و (3924) و (4128).
5 -
(أَبُو عُثْمَانَ، مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ) المصريّ الطُّنْبُذيّ (1)، ويقال: الإفريقيّ، مولى الأنصار، كان رَضِيع عبد الملك بن مروان، صدوق (2)[4].
(1)"الطُّنْبُذيّ" بضم الطاء، والموحّدة، بينهما نون ساكنة، آخره معجمة: نسبة إلى طُنْبُذة قرية بمصر. قاله في "لبّ اللباب" 2/ 94.
(2)
قال في "التقريب": مقبول، والأولى أنه صدوق، لأنه روى عن جماعة، وروى عنه جماعة، كما يُعلم من ترجمته، ووثقه ابن حبّان، وقال الدارقطنيّ: يُعتبر به، وقال الذهبيّ في "الميزان" 4/ 107: لا يبلغ حديثه درجة الصحّة، وهو في نفسه صدوق. انتهى.
رَوَى عن أبي هريرة، وابن عمر، وسفيان بن وهب الخولانيّ. وروى عنه حميد بن هانىء، وبكر بن عمرو، وشَرَاحيل بن يزيد، وعمرو بن أبي نُعَيمَة الْمُعَافريان، وسهل ابن علقمة السبائيّ، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم.
قال الدارقطنيّ: يُعتَبَر به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الذهبيّ: لا يبلغ حديثه درجة الصحّة، وهو في نفسه صدوق. وقال ابن يونس: قال يحيى ابن عثمان بن صالح: تُوفي مسلم بن يسار بإفريقية زمنَ هشام بن عبد الملك.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم في "المقدّمة"، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
6 -
(أَبو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
2 -
(ومنها): أن رجاله ثقات، غير حميد، فلا بأس به، ومسلم، فصدوقٌ، وهم من رجال الجماعة، غير حميد بن هانيء، فما أخرج له البخاريّ، وغير مسلم، فما أخرج له البخاريّ، وأخرج له مسلم في "المقدّمة" حديثًا واحدًا.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير شيخه، فكوفيّ، والصحابيّ، فمدنيّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
5 -
(ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنعة من صيغ الاتصال، على الأصحّ في "عن" من غير المدلّس، إن ثبت السماع، على الراجح، ويكتفي مسلم بالمعاصرة.
6 -
(ومنها): أن صحابيّه أكثر الصحابة رواية للحديث، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ) شرطيّة مبتدأ (أُفْتِيَ) بالبناء للمفعول، قال ابن الأثير رحمه الله: يقال: أَفتاه في المسألة يُفتيه: إذا أجابه،
والاسم الفتوى. انتهى (1).
وقال الفيّوميّ رحمه الله: "الفتوى": بالواو بفتح الفاء، وبالياء، فتُضمّ، وهي اسم من أفتى العالم: إذا بيّن الحكم، واستفتيته: سألته أن يُفتي، ويقال: أصله من الفَتِيّ، وهو الشابّ القويّ، والفَتَاوِي بكسر الواو على الأصل، وقيل: يجوز الفتح للتخفيف. انتهى (2).
(بِفُتْيَا) بضم الفاء، وسكون المثنّاة الفوقيّة، وبالياء، مقصورًا: اسم مصدر لـ "أفتى"، ويقال فيه "الفتوى" بالواو كما سبق بيانه آنفًا، و"فُتْيَا" مضافٌ إلى قوله:(غَيْرِ ثَبَتٍ) بفتحتين، وفتح، فسكون: أي بفُتْيَا رجلٍ غيرِ مُتثبِّتٍ في فتواه؛ لعدم موافقتها للأدلة الشرعيّة من الكتاب، والسنّة، والإجماع.
قال الفيّوميّ: ثَبَتَ الأمرُ: صَحّ، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، وقال أيضًا: ورجلٌ ثبتٌ ساكن الباء: مُتثبّتٌ في أموره، وثَبْتُ الجنان: أي ثابتُ القلب، وثَبُتَ في الحرب فهو ثبيتٌ، مثالُ قرُبَ فهو قريبٌ، والاسم ثَبَت بفتحتين، ومنه قيل للحجّة: ثَبْتٌ، ورجلٌ ثَبَتٌ بفتحتين أيضًا: إذا كان عدلًا ضابطًا، والجمع أثبات، مثلُ سبب وأسباب. انتهى (3).
وفي رواية أبي داود: "من أفتي بغير علم". وفي لفظ لأحمد: "ومن أفتي بفتيا بغير علم"، ولفظ الدارميّ:"من أفتي بفتيا بغير ثَبْتٍ".
(فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ) أي على الشخص الذي أفتى السائل.
وقال في "المرقاة": قال الأشرف، وتبعه زين العرب: يجوز أن يكون "أفتى" الثاني بمعنى استفتى، و"أفتى" الأول معروفًا: أي كان إثمه على من استفتاه، فإنه جعله
(1)"النهاية" 3/ 411.
(2)
"المصباح" 2/ 462.
(3)
"المصباح المنير" 1/ 80.
في معرض الإفتاء بغير علم، ويجوز أن يكون مجهولًا: أي فإثم إفتائه على من أفتاه: أي الإثم على المفتي دون المستفتي. اهـ والأظهر الثاني، وهو الأصحّ من النُّسَخ، يعني أن كلّ جاهل سأل عالمًا عن مسألة، فأفتاه العالم بجواب باطل، فَعَمِل السائلُ بها، ولم يعلم بطلانها، فإثمه على المفتي إن قصّر في اجتهاده. انتهى (1).
والحاصل أنه من وقع في خطإ بفتوى عالم، فالإثم على ذلك العالم، لا على متّبعه، وهذا إذا لم يكن الخطأ في محلّ الاجتهاد، أو كان إلا أنه وقع لعدم بلوغه في الاجتهاد حقّه، وفيه زجرٌ عن الإفتاء بغير علم (2).
وزاد في رواية أبي داود: "ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره، فقد خانه".
ومعناه: "أن من أشار على أخيه بأمر: أي أمر أخاه المستشير بأمر "يعلم" المراد بالعلم ما يشمل الظنّ "أن الرشد" أي المصلحة "في غيره" أي غير ما أشار إليه "فقد خانه": أي خان المستشارُ المستشيرَ؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: "المستشار مؤتمن" (3)، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه وغيره مرفوعًا: "من غشّنا فليس منّا" (4).
وأخرجه أحمد في "مسنده"، ولفظه:"من تقول عليّ ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار، ومن استشاره أخوه المسلم، فأشار عليه بغير رَشَدٍ، فقد خانه، ومن أُفتي بفتيا غيرِ ثَبْتٍ، فإنما إثمه على من أفتاه". وقد تقدّم شرح قوله: "من تقوّل عليّ إلخ" في الحديث
(1) راجع "المرقاة" 1/ 503.
(2)
راجع "المرعاة" 1/ 237.
(3)
حديث صحيح أخرجه المصنّف بإسناد صحيح في "كتاب الأدب" برقم (3735).
وانظر "صحيح الجامع" للشيخ الألبانيّ رحمه الله 2/ 1136 رقم (6700).
(4)
حديث صحيح يأتي للمصنّف برقم (2225) وانظر "صحيح الجامع" للشيخ الألبانيّ رحمه الله 2/ 1094 رقم (6407).
رقم (34)، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا حسنٌ؛ لأجل الكلام في مسلم بن يسار، وقد سبق أنه لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، كما أشار إليه الذهبيّ رحمه الله، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف)(8/ 53) بهذا الإسناد فقط، و (أبو داود) رقم (3657) عن سليمان بن داود، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن بكر بن عمرو، عن عمرو بن أبي نُعيمة، عن أبي عثمان مسلم بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه و (أحمد) في "مسنده"(2/ 321) عن عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب، عن بكر بن عمرو به و (الدارميّ) في "سننه"(161) و (البخاريّ) في "الأدب المفرد"(259) كلاهما عن عبد الله بن يزيد بسند أحمد، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 -
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو وجوب اجتناب الرأي والقياس، ووجهه أن المراد بفتيا غير ثبت الفتاوى التي تصدر من غير حجة شرعيّة، من كتاب، أو سنّة، أو إجماع، ولا تكون هذه الفتيا إلا مجرّد هوى، وهو الرأي المذموم الذي بوّب له المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أنه لا إثم على المستفتي إذا عمل بالخطإ، وإنما الإثم على المفتي الذي تجرّأ على الله، فأفتى بغير علم.
3 -
(ومنها): تحريم الفتوى بغير علم، وقال الله عز وجل:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وقال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} الآية [النحل: 116]، وقال سبحانه وتعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} الآية [الأنعام: 21]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:
53 -
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الهُمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَني رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَجَعْفَرُ ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ أَنْعُمٍ، هُوَ الْإِفْرِيقِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ، فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادَلَةٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الهُمْدَانِيُّ) هو: أبو كريب الحافظ الثبت المذكور أول الباب.
2 -
(رِشْدِينُ -بكسر الراء، وسكون المعجمة- ابْنُ سَعْدٍ) -بفتح، فسكون- ابن مُفلح المُهْريّ -بفتح الميم، وسكون الهاء- أبو الحجّاج المصريّ، وهو رِشدين بن أبي رِشْدين، ضعيف [7].
رَوَى عن زَبّان بن فائد، وأبي هانىء حميد بن هانىء، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، والأوزاعي، وعمرو بن الحارث، وغيرهم. ورَوَى عنه بقية، وهو من أقرانه، وابن المبارك، ومروان بن محمد، وابنه عبد القاهر بن رشدين، وضمرة بن ربيعة، وأبو كريب، وهشام بن عمار، وغيرهم.
قال الميمونيّ: سمعت أبا عبد الله يقول: رِشْدين بن سعد ليس يُبَالي عن من رَوَى، لكنه رجل صالح، قال: فوثقه الهيثم بن خارجة، وكان في المجلس، فتبسم أبو عبد الله، ثم قال: ليس به بأس في أحاديث الرِّقَاق. وقال حرب: سألت أحمد عنه، فضعفه، وقَدَّم ابن لَهيعة عليه. وقال البغوي: سئل أحمد عنه، فقال: أرجو أنه صالح الحديث. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا يُكتَب حديثه. وقال محمد بن أحمد بن الجنيد عن ابن معين: ليس من حُمَّال المَحَامل. وقال أحمد بن محمد بن حرب عن ابن
معين: رِشدِينَين ليسا برَشِيدَين: رشدين بن كريب، ورشدين بن سعد. وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين: ليس بشيء. وقال عمرو بن عليّ، وأبو زرعة: ضعيف الحديث.
وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وفيه غفلة، ويحدث بالمناكير عن الثقات، ضعيف الحديث، ما أقربه من داود بن المحبر، وابنُ لهيعة أَسْتَر، ورشدين أضعف. وقال الجوزقاني: عنده معاضيل ومناكير كثيرة. وقال أيضا: سمعت ابن أبي مريم: يُثني عليه في دينه. وقال قتيبة: كان لا يبالي، ما دُفع إليه قرأه. وقال النسائيّ: متروك الحديث.
وقال في موضع آخر: ضعيف الحديث، لا يُكتَب حديثه. وقال ابن عدي: أحاديثه ما أقل من يتابعه عليها، وهو مع ضعفه يُكتب حديثه. وقال ابن يونس: وُلد سنة عشر ومائة، ومات سنة (188)، وكان رجلا صالحًا، لا يُشَكّ في صلاحه وفضله، فأدركته غفلة الصالحين، فخلّط في الحديث، أساء فيه يحيى بن معين القول، ولم يكن النسائي يرضاه، ولا يُخرّج له. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا. وقال الساجي: قال عبد الله -يعني ابن أحمد-: قال أبي: رِشْدين كذا وكذا، وسمعت ابن مثنى يقول: مات رشدين، فذكر وفاته، قال: وكان عنه مناكير. وقال ابن شاهين في "الثقات": ثنا البغوي، عن الإمام أحمد قال: أرجو أنه صالح الحديث.
وقال ابن قانع، والدارقطني: ضعيف الحديث. وقال الآجري، عن أبي داود: ضعيف الحديث. وقال ابن حبان: كان ممن يجيب في كل ما يُسأل، ويَقرَأُ كلما دُفِع إليه، سواء كان من حديثه أم من غير حديثه، فغلبت المناكير في أخباره. وقال ابن بكير: رأيت الليث أخرجه من المسجد، وقال له: لا تقنت في النوازل. وقال يعقوب بن سليمان: ورشدين أضعف وأضعف. تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث برقم 54 و412 و521 و802 و1116 و 2435 و 2637.
3 -
(جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [9]. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وإبراهيم بن مسلم الهَجَريّ، والأعمش،
وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد، والمسعوديّ، وأبي الْعُمَيس، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وجماعة. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، والحسن بن علي الْحُلْواني، وإسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، وبُندار، وهارون الْحَمّال، وابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة، وجماعة. قال أحمد: رجل صالح، ليس به بأس. وقال أبو أحمد الفراء: قال لي أحمد: عليك بجعفر بن عون. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان، وابن شاهين في "الثقات". وقال ابن قانع في "الوفيات": كان ثقة. وقال البخاري: مات سنة (206). وقال أبو داود: سنة (7)، قيل: مات وهو ابن (87)، وقيل:(97) سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث برقم 54 و 970 و 1586 و 1859 و 1900 و 2435 و 2952 و 3312 و 3748.
4 -
(ابْنُ أَنْعُمٍ، هُوَ الْإِفْرِيقِيُّ) هو: عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم -بفتح أوله، وسكون النون، وضمّ المهملة- الشعبانيّ، أبو أيوب، ويقال: أبو خالد الإفريقي القاضي، عِدَاده في أهل مصر قاضي إِفريقية، ضعيف في حفظه [7].
رَوَى عن أبيه، وأبي عبد الرحمن الحُبُليّ، وعبد الرحمن بن رافع التَّنُوخيّ، وزياد ابن نعيم الحضرمي، وعمران بن عبد المعافري، وغيرهم. ورَوَى عنه الثوري، وابن لَهِيعة، وابن المبارك، وعيسى بن يونس، ورشدين بن سعد، وغيرهم.
قال عبد الله بن إدريس: ولي قضاء إفريقية لمروان. وقال المقري عنه: أنا أوّل مَن وُلد في الإسلام بعد فتح إفريقية -يعني بها-. وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان عنه. وقال عمرو بن علي: كان يحيى لا يحدث عنه، وما سمعت عبد الرحمن ذكره إلا مرة، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو مليح الحديث، ليس مثله غيره في الضعف. وقال ابن قهزاذ، عن إسحاق بن راهويه: سمعت يحيى بن سعيد يقول: عبد الرحمن بن زياد ثقة. وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه، فقال: سألت هشام بن عروة، فقال: دعنا منه. وقال في موضع آخر: ضعَّف يحيى الإفريقي. وقال محمد بن يزيد المستملي، عن ابن مهدي: أما
الإفريقي فما ينبغي أن يُروَى حديث عنه. وقال أبو طالب عن أحمد: ليس بشيء. وقال أحمد بن الحسن الترمذي وغيره عن أحمد: لا أكتب حديثه. وقال الْمرُّوذيّ عن أحمد: منكر الحديث. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن معين: ضعيف يكتب حديثه، وإنما أُنكر عليه الأحاديث الغرائب التي يحدثها. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ليس به بأس، وهو ضعيف، وهو أحب إلي من أبي بكر بن أبي مريم. وقال يعقوب بن شيبة: ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق رجل صالح. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وفي حديثه ضعف. وقال صالح بن محمد: منكر الحديث، ولكن كان رجلا صالحًا.
وقال الترمذي: ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى القطان وغيره، ورأيت محمد بن إسماعيل يُقَوّي أمره، ويقول هو مقارب الحديث. وقال النسائي ضعيف. وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وقال ابن خِرَاش: متروك. وقال الساجي فيه ضعف وكان ابن وهب يُطريه. وكان أحمد بن صالح يُنكر على من يتكلم فيه، ويقول: هو ثقة. وقال ابن رشدين عن أحمد بن صالح: من تكلم في ابن أنعُم فليس بمقبول، ابن أنعُم من الثقات. وقال ابن عديّ: عامة حديثه لا يُتابَع عليه. قال الهيثم وخليفة: مات في خلافة أبي جعفر.
وقال البخاري عن المقريء: مات سنة ست وخمسين ومائة. وقال ابن يونس: مات بإفريقية سنة ست وخمسين. وقال المقريء: جاز المائة. وذكر أبو العرب أنه مات سنة إحدى وستين ومائة، وقال: كان مولده سنة أربع أو خمس وسبعين. وقال أبو العرب القيراني: كان ابن أنعم من أجلة التابعين عدلًا في قضائه صَلْبًا أنكروا عليه أحاديث ذكرها البهلول بن راشد، سمعت الثوري يقول: جاءنا عبد الرحمن بستة أحاديث، يرفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم أسمع أحدًا من أهل العلم يرفعها، حديث:"أمهات الأولاد"، وحديث:"إذا رفع رأسه من آخر السجدة، فقد تمت صلاته"، وحديث:"لا خير فيمن لم يكن عالما أو متعلما"، وحديث: اغدُ عالما أو متعلمًا"، وحديث: "العلم
ثلاثة"، وحديث: "من أذّن فهو يقيم".
قال أبو العرب: فلهذه الغرائب ضعف ابن معين حديثه. وقال الغلابي: يُضعفونه، ويكتب حديثه. وقال سحنون: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ثقة. وقال الحربي: غيره أوثق منه. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، ويدلّس عن محمد بن سعيد المصلوب. وقال الْبَرْقاني: قال أبو بكر بن أبي داود: إنما تكلم الناس في الإفريقي، وضعفوه لأنه رَوَى عن مسلم ابن يسار، ولم يدخل مسلم إفريقية قط، يَعنون البصري، ولم يعلموا أن مسلم بن يسار آخر يقال له: أبو عثمان الطُّنْبُذيّ، وكان الإفريقي رجلا صالحًا. وقال أبو الحسن بن القطان: كان من أهل العلم والزهد بلا خلاف بين الناس، ومن الناس من يوثقه، ويربأ به عن حَضيض رد الرواية، والحقّ فيه أنه ضعيف، لكثرة روايته المنكرات، وهو أمر يعتري الصالحين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن القطّان رحمه الله هو القول الفصل في ابن أنعُم. والله تعالى أعلم.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (11) حديثًا برقم 54 و 229 و 512 و 717 و970 و 1855 و 1859 و 2435 و 2694 و 3597 و 3748.
5 -
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَافِعٍ) التّنُوخيّ، أبو الْجَهْم، ويقال: أبو الحجر المصريّ قاضي إفريقية، ضعيف [4].
رَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وغَزِيّة، ويقال: عقبة بن الحارث. وروى عنه ابنه إبراهيم، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وسليمان بن عوسجة، وبكر بن سَوَادة، وغيرهم.
قال البخاري: في حديثه مناكير. وقال أبو حاتم: شيخ مغربي حديثه منكر.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لا يحتج بخبره إذا كان من رواية ابن أنعم، وإنما
وقع المناكير في حديثه من أجله. وقال أبو العرب: كان أحد الفقهاء العشرة الذين أرسلهم عُمر بن عبد العزيز ليفقهوا أهل إفريقية. وقال الساجي: فيه نظر. وقال النّبَاتيّ: فيه نظر، وهو غير مشهور. قال ابن يونس: تُوفي في وسط خلافة هشام بن عبد الملك، قال الحسن ابن علي العَدّاس: سنة ثلاث عشرة ومائة.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم 54 و 3597 و 3748.
6 -
(عَبْدُ اللَّه بْنُ عَمْرٍو) بن العاص رضي الله عنهما، تقدّم أول الباب، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) رضي الله عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "الْعِلْمُ) أي العلم الذي هو أصل علوم الدين، واللام للعهد الذهنيّ (ثَلَاثَةٌ) أي معرفة ثلاثة أشياء (فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ) أي ما سوى ما ذُكر من العلوم، يعني أن كلّ علم سوى هذه العلوم الثلاثة، وما يتعلّق بها مما تتوقّف هذه الثلاثة عليه، وتُستخرَج منه (فَهُوَ فَضْلٌ) أي فهو زائد على الحاجة، لا ضرورة إلى معرفته.
قال الطيبيّ رحمه الله: العلم إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان:
[أحدهما]: إدراك ذات الشيء.
[والثاني]: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفيّ عنه، فالأول هو المتعدّي إلى مفعول واحد، نحو قوله تعالى:{لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101]. والثاني إلى مفعولين، نحو قوله تعالى:{فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10]. والتعريف في العلم للعهد، وهو ما عُلم من الشارع أنه ما هو، وهو العلم النافع في الدين، فإن العلم مطلقٌ يجب أن يقيّد بما يُفهم منه المقصود، فيقال: علم الشريعة معرفة ثلاثة أشياء، والتقسيم حاصر، وبيانه أن قوله:"آيَةٌ مُحْكَمَةٌ" يشتمل على معرفة كتاب الله تعالى، وما يتوقّف عليه معرفته؛ لأن المحكمة هي التي
أُحكمت عبارتها، بأن حُفظت من الاحتمالات والاشتباه، وكانت أمّ الكتاب، أي أصله، فتُحمل المتشابهات عليها، أو تردّ إليها، ولا يتمّ ذلك إلا للماهر الحاذق في علم التفسير والتأويل الحاوي لمقدّمات يفتقر إليها من الأصولين، وأقسام العربيّة.
وقوله: "أو سنّة قائمة" معنى قيام السنّة ثباتها، ودوامها بالحافظة عليها، من قامت السوق إذا نفقت؛ لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجّه إليه الرغبات، ويتنافس فيه المخلصون، وإذا عُطّلت، وأُضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يُرغب فيه، ودوامها إما أن يكون بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرجال، والجرح والتعديل، ومعرفة الأقسام من الصحيح والحسن والضعيف المتشعّب منه أنواع كثيرة، وما يتّصل بها من المتمّمات، وإما أن يكون بحفظ متونها من التغيير والتبديل بالإتقان والتيقّظ، وبتفهّم معانيها، واستنباط العلوم الجمّة منها؛ لأن جلّها، بل كلّها من جوامع الكلم التي أوتي، وخصّ بها هذا النبيّ الأميّ المكتوب في التوراة والإنجيل، لا سيّما هذه الكلمة الفاذّة الجامعة مع قصر متنها، وقرب طرقها علوم الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم (1).
وقوله: "أو فريضة عادلة" إذا فُسّر بما أسلفناه في قوله: "طلب العلم فريضة" على ما تكلّم فيه العلماء من الفرائض المتكاثرة، كانت شاملة لجميع أنواعها، وإذا ذهب إلى أن "العادلة" هي المستقيمة المستنبطة من الكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس، رجع المعنى إليه، وسُمّيت عادلةً لأنها معادلة، أي مساوية لما أخذ منها، ونقف من هذا على أن المراد بقوله:"وما سوى ذلك فهو فضل" أن الفضل واحد الفضول الذي لا مدخل له في أصل علوم الدين، وما يُستعاذ منه حينًا بقوله:"أعوذ بالله من علم لا ينفع"، قال صاحب "المغرب": الفضل الزيادة، وقد غلب، جمعه على ما لا خير فيه، حتى قيل: فضول بلا فضل، وطول بلا طول، ثم قيل: لمن يشتغل بما لا يعنيه فضولي،
(1) هذا لو صحّ الحديث بهذا اللفظ، ولكن الحال ما عرفته، فتفطّن.
وأما الطبّ فليس بفضول؛ لما ثبت بنصوص السنة الافتقار إليه. والله أعلم. انتهى كلام الطيبيّ (1).
وقال الشاه وليّ الله: قوله: "العلم ثلاثة إلخ" هذا ضبط وتحديد لما يجب عليهم بالكفاية، فيجب معرفة القرآن لفظًا، ومعرفة مُحْكمِهِ بالبحث عن شرح غريبه، وأسباب نزوله، وتوجيه معضله، وناسخه ومنسوخه، فأما التشابه فحكمه التوقّف، أو الإرجاع إلى المحكم، والسنّة القائمة ما ثبت في العبادات، والاتفاقات من الشرائع، والسنن مما يشمل عليه علم الفقه، والقائمة ما لم ينسخ، ولم يهجر، ولم يشذّ راويه، وجرى عليه جمهور الصحابة والتابعين، والفريضة العادلة الأنصباء للورثة، ويُلحق به أبواب القضاء مما سبيله قطع المنازعة بين المسلمين بالعدل، فهذه الثلاثة يحرم خلوّ البلد عن عالمها لتوقّف الدين عليه، وما سوى ذلك من باب الفضل والزيادة. انتهى باختصار (2).
(آيَةٌ مُحْكَمَةٌ) أي علمها، فالنكرة عامّ في الإثبات، كقوله تعالى:{عَلِمَتْ نَفْسٌ} ، والمضاف مقدّر قبلها، وكذا قوله:"أو سنة قائمة"، والمراد بالحكمة غير المنسوخة، أو ما لا يحتمل إلا تأويلًا واحدًا، وهي إشارة إلى كتاب الله، وخصّ المحكم بالذكر؛ لأن المحكمات هنّ أم الكتاب وأصله، ومحفوظة من الاحتمال والاشتباه.
(أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ) أي ثابتة إسنادًا بأن تكون صحيحة منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حكما بأن لا تكون منسوخة، و"أو" للتنويع، كقوله (أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ) قيل: المراد بالفريضة ما يجب العمل به، وبالعادلة المساوية لما يؤخذ من القرآن والسنة في وجوب العمل، فهو إشارة إلى الإجماع والقياس.
والظاهر أن المراد بالعادلة، أي في القسم، والفريضة كلّ حكم من أحكام
(1)"الكاشف عن حقائق السنن" 2/ 694 - 695.
(2)
راجع "المرعاة" 1/ 366.
الفرائض يحصل به العدل في قسمة التركات بين الورثة، ففيه حثّ على تعلم الفرائض، وتحريض عليه، ويدلّ صنيع أبي داود في "سننه" أنه اختار هذا المعنى حيث أورد هذا الحديث في الفرائض، وكذا أشار إليه ابن ماجه، فإنه ذكر الحديث في "باب اجتناب الرأي، والقياس" من كتاب السنّة، فكأنه قصد بذلك الردّ على من حمل قوله:"فريضة عادلة" على الأحكام المستنبطة بالرأي والقياس، يعني أراد إبطال الرأي المصطلح عليه بين الفقهاء. وقيل: بل أراد إبطال الرأي بمعنى الحكم بمجرد الهوى. قاله في "المرعاة"(1).
وقال في "المرقاة": قوله: أو فريضة عادلة": أي مستقيمة، قيل: المراد بها الحكم المستنبط من الكتاب والسنة بالقياس لمعادلته الحكم المنصوص فيهما، ومساواته لهما في وجوب العمل، وكونه صدقًا وصوابًا. وقيل: فريضة معدلة بالكتاب والسنّة، أي مزكاة بهما. وقيل: الفريضة العادلة ما اتّفق عليها المسلمون، وهو إشارة إلى الحكم الثابت بالإجماع. وقيل: علم الفرائض.
والحاصل أن أدلّة الشرع أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، ويسمّى الإجماع والقياس فريضة عادلة. ذكره زين العرب (2). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما هذا ضعيف؛ لضعف رِشدين، وابن أنعُم، وعبد الرحمن بن رافع، كما سبق بيان ذلك في تراجمهم، لكنّ رِشدين توبع عليه، فقد تابعه جعفر بن عون، كما في هذا السند، وعبد الله بن وهب كما هو عند أبي داود،
(1) راجع "المرعاة" 1/ 335 - 336.
(2)
"المرقاة" 1/ 501.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (8/ 54) بهذا السند فقط، و (أبو داود)(2885) عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم بسند المصنّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة رحمه الله في أول الكتاب قال:
55 -
(حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ سَجَّادَةُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَني رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ: "لَا تَقْضِيَنَّ، وَلَا تَفْصِلَنَّ إِلَّا بِمَا تَعْلَمُ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فَقِفْ حَتَّى تَبَيَّنَهُ، أَوْ تَكْتُبَ إِلَيّ فِيهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(الحسَنُ بْنُ حَمَّادٍ سَجَّادَةُ) هو: الحسن بن حماد بن كُسَيب بالسين المهملة، آخره باء موحّدة، مصغّرًا- الحضْرميّ، أبو علي البغدادي المعروف بسَجّادة، صدوق [10].
رَوَى عن أبي بكر بن عياش، وحفص بن غياث، ويحيى بن سعيد الأُمويّ، وأبي خالد الأحمر، وأبي مالك الجنبي، ووكيع، وجماعة. وروى عنه أبو داود، وابن ماجه، وروى له النسائي بواسطة عثمان بن خُرَّزاذ، وأبو زرعة، وعلي بن الحسين بن الْجُنيد، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم.
قال أحمد: صاحب سنة، ما بلغني عنه إلا خيرٌ. وقال الخطيب: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاري: مات يوم السبت لثمان بقين من رجب سنة (241). وروى عنه المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (55) و (4135) "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم
…
" الحديث.
2 -
(يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ) هو: يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن
أمية الأموي، أبو أيوب الكوفي، الحافظ نزل بغداد، لقبه الجَمَل، صدوق يُغْربُ، من كبار [9].
رَوَى عن أبيه، ويحيى بن سعيد، وسعيد بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وابن جريح، والأعمش، ومسعر، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه سعيد، وأحمد بن إسحاق، والحكم بن هشام الثقفي، وهو من أقرانه، ومَخْلَد بن مالك الجمال، وداود بن رُشيد، وسريج بن يونس، وآخرون.
قال الأثرم عن أحمد: ما كنت أظن عنده الحديث الكثير، وقد كتبنا عنه، وكان له أخ له قَدْرٌ وعِلْمٌ يقال له: عبد الله، ولم يبين أمر يحيى، كأنه يقول: كان يصدق، وليس بصاحب حديث. وقال المروذي عن أحمد: لم تكن له حركة في الحديث. وقال أبو داود عن أحمد: ليس به بأس، عنده عن الأعمش غرائب. وقال أبو داود: ليس به بأس ثقة. وقال يزيد بن الهيثم عن ابن معين: هو من أهل الصدق، ليس به بأس. وقال الدُّوريُّ وغيره عن ابن معين: ثقة. وكذا قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، والدارقطني. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". أورده العُقَيليّ في "الضعفاء"، واستنكر له عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله:"لا يزال المسروق متغيظا، حتى يكون أعظم إثما من السارق". وقال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي: مات أبي سنة أربع وتسعين ومائة في النصف من شوال، وبلغ ثمانين سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (55) برقم (55) و (1054) و (4101).
3 -
(محمد بن سعيد بن حسّان) بن قيس الأسدي المصلوب، ويقال: محمد بن سعيد ابن عبد العزيز، ويقال: ابن أبي عُتْبة، ويقال: ابن أبي قيس، ويقال: ابن أبي حسان، ويقال: ابن الطبري، ويقال: غير ذلك في نسبه، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو قيس الشامي الدمشقي، ويقال: الأزديّ، كذّاب يضع الحديث، وقتل في الزندقة [6].
رَوَى عن عبد الرحمن بن غَنْم من وجه ضعيف، وعُبَادة بن نُسَيّ، وربيعة بن يزيد، وصالح بن جبير الشامي، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن عجلان، والثوري، وسعيد بن أبي هلال، ويحيى بن سعيد الأموي، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة، حديثه حديث موضوع. وقال أبو داود عن أحمد: عمدًا كان يضع. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: منكر الحديث، وليس كما قالوا: إنه صُلب في الزندقة. وقال البخاري: تُرك حديثه. وقال النسائي: الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة: إبراهيم بن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان، ومحمد بن سعيد بالشام.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: نظمت هؤلاء الأربعة بقولي:
مَنْ عُرِفُوا بِالْوَضعِ قُلْ أَرْبَعَةُ
…
ابْنُ أَبِي يَحْيَى حَوَتْهُ طَيْبَةُ
وَالْوَاقِدِيُّ قُلْ بِبَغْدَادَ افْتَرَى
…
وَبِخُرَاسَانَ مُقَاتِلٌ فَرَى
مُحَمَّدُ الْمَصْلُوبُ بِالشِّامِ اعْتَدَى
…
لِذَا النَّسَائِيُّ الْبَصِيرُ أَرْشَدَا
وقال دُحيم: سمعت خالد بن يزيد الأزرق يقول: سمعت محمد بن سعيد الأُرْدُنّيّ يقول: إذا كان الكلام حسنًا لم أُبالِ أن أجعل له إسنادًا. وقال الْعُقَيليّ: يُغَيِّرون اسمه إذا حدثوا عنه، مروان بن معاوية يقول: محمد بن حسان، ومحمد بن أبي قيس، ومحمد بن أبي زينب، وابن زكريا، وابن أبي الحسن، وبعضهم يقول: عن أبي عبد الرحمن الشامي، ويقولون: محمد بن حسان الطبري، وربما قالوا: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الكريم، وغير ذلك على معنى التعبيد لله، ويَنسُبونه إلى جده، ويَكْنُون الجد حتى يتسمع الأمر جِدّا في هذا، وبلغني عن بعض أصحاب الحديث أنه قال: يُقلب اسمه على نحو مائة اسم، وما أبعد أن يكون كما قال. وقال عبد الغني بن سعيد المصري نحو ذلك، وزاد: وهو محمد الذي نسبه المحاربي إلى ولاء بني هاشم، وهو محمد الطبري، وهو محمد الأردني، وهو محمد بن سعيد السُّدّيّ الذي رَوَى عنه سعيد بن أبي هلال، ولو قال
قائل: إنه أبو عبد الله محمد الأسديّ الذي يروي عن وابصة بن مَعْبَد، وعنه محمد بن صالح لما دفعت ذلك. وقال عبد الغني: وقال الْعُقَيليّ: إنه عبد الرحمن بن أبي شُمَيلة، وهو محمد بن سعيد المصلوب، وإنّ قولهم: عبد الرحمن بن أبي شُميلة أحد الأسامي غُيّر بها اسمه، وما صنع شيئًا، وأنا أقول: إن عبد الرحمن بن أبي شُميلة غيره، وإنه رجل من الأنصار من أهل قباء، حدّث عنه مروان بن معاوية، وحماد بن زيد، وحماد بن زيد لا يُدَلِّس، ولا ينقل اسمًا إلى اسم. وقال ابن نُمير، وذكرت له رواية الكوفيين عنه، فقال: لم يعرفوه، وإنما العيب على الشاميين الذي عرفوه، ثم رووا عن هذا العدو لله، كذَابٌ يَضَعُ الحديث.
وقال ابن عُقْدَة: سمعت أبا طالب بن سَوَادة يقول: قَلَبَ أهلُ الشام اسمه على مائة وكذا وكذا اسمًا قد جمعتها في كتاب. وقال ابن القطان: من جملة ما قلبوه محمد بن أبي سهل، ونقل ذلك عن أبي حاتم. وقال أبو مسهر: هو من كذابي الأُرْدُنّ. وقال عمرو بن علي: حَدّث بأحاديث موضوعة. وقال ابن رِشْدِين: سألت أحمد بن صالح المصري عنه، فقال: زنديق ضُرِبت عنقه، وَضَعَ أربعة آلاف حديث، عند هؤلاء الحمقى فاحذروها. وقال النسائي أيضا، والدارقطنيّ: متروك. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث، لا يحل ذكره إلا على وجه القدح فيه. وقال أبو أحمد الحاكم: كان يضع الحديث، صُلِب على الزندقة. وقال الجوزجانيّ: هو مكشوف الأمر هالك. وقال الحاكم: هو ساقط لا خلاف بين أهل النقل فيه. انفرد به الترمذيّ وله عنده حديث واحد، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
4 -
(عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ) بن سِنَان، أبو عُمَر الشامي الأردني، قاضي طبرية، ثقة فاضلٌ [3].
رَوَى عن أوس بن أوس الثقفيّ، وشداد بن أوس، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وعبد الرحمن بن غَنْم، وخَبّاب بن الأرت، والأسود بن ثعلبة، وأبي بن عمارة،
وله صحبة، وجُنَادة بن أبي أمية، وكعب بن عجرة، وغيرهم. وروى عنه بُرْد بن سِنَان، والمغيرة بن زياد الموصليّ، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وأيوب بن قَطَن، وحاتم بن نصر، والحسن بن ذكوان، وعتبة بن حميد، وغيرهم.
قال ابن سعد في تابعيّ أهل الشام: كان ثقة. وقال أحمد، وابن معين، والعجليّ، والنسائي: ثقة. وقال أحمد في رواية: ليس به بأس. وقال البخاري: عبادة بن نسي بن سنان الكِنْديّ سيدهم. وقال أبو داود: سألت ابن معين عنه، فقال: لا يسأل عنه من النُّبَل. وقال أبو حاتم، وابن خراش: لا بأس به. وقال مغيرة بن زياد: قال مسلمة بن عبد الملك: إن كندة لثلاثةَ نفر، إن الله لَيُنْزِل بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء: عُبادة ابن نُسَيّ، ورجاء بن حيوة، وعدي بن عدي. وقال ابن حبان في "الثقات": مات وهو شاب. وقال ابن صَفْوَان: وثقة ابن نُمَير. قال عمرو بن علي وغير واحد: مات سنة ثماني عشرة ومائة. أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث، برقم 55 و 557 و 1354 و 1473 و 1637 و 2157 و 2694 و 3372 و4205.
5 -
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ) -بفتح الغين المعجمة، وسكون النون- ابن كُريب بن هانىء بن ربيعة الأشعري مختلف في صحبته.
رَوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عمر، وعثمان، وعليّ، ومعاذ، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وأبي عُبيدة بن الجَرّاح، وأبي مالك الأشعري، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وعمرو ابن خارجة، وشداد بن أوس، وعبادة بن الصامت، وثوبان، ومعاوية، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه محمد، وعطية بن قيس، وأبو سلام الأسود، ومكحول الشامي، وشَهْر بن حوشب، ورجاء بن حيوة، وعبادة بن نسي، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعيّ أهل الشام، وقال: كان ثقة -إن شاء الله- بعثه عمر بن الخطاب يُفَقِّه الناس، وكان أبوه ممن قَدِمَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم صُحْبة أبي موسى، وقال ابن يونس: عبدُ الرحمن بنُ غَنْم بن كُريب بن هاني بن ربيعة، وساق نسبه إلى أشعر، ممن قَدِم على النبي صلى الله عليه وسلم، وقَدِمَ مصر مع مروان سنة (65). وقال ابن
مندهْ: ذكر يحيى بن بكير عن الليث وابن لهيعة، أنهما كانا يقولان: إن لعبد الرحمن بن غَنْم صُحْبةً. وقال أبو زرعة الدمشقي: ناظرت عبد الرحمن بن إبراهيم قلت: أرأيت الطبقة التي أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تره، وأدركت أبا بكر وعمر ومَنْ بعدهما من أهل الشام مَنِ المقدَّم منهم: الصنابحي، أو عبد الرحمن بن غنم؟ قال: ابن غنم المقدم عندي، وهو رجل من أهل الشام. وقال العجلي: شامي تابعيّ ثقة، من كبار التابعين. وقال يعقوب بن شيبة: مشهور من ثقات الشاميين، وقد حَدّث عن غير واحد من الصحابة، وأدرك عمر، وسمع منه. وقال البخاري في "التاريخ" قال محمد -من شيوخ البخاري-: ثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث، حُدِّثتُ عن عبد الرحمن بن ضباب الأشعريّ، عن عبد الرحمن بن غنم، وكانت له صحبة، قال كنا جُلُوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر حديثًا وقال أبو القاسم البغوي: لا أدري أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ وقيل: إنه وُلد على عهده. وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد: عبد الرحمن بن غنم قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع منه. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: زعموا أن له صحبةً، وليس ذلك بصحيح عندي.
وقال ابن عبد البر: كان مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يره، ولازم معاذ بن جبل إلى أن مات، وسمع من عمر، وكان أفقه أهل الشام، وهو الذي فَقَّه عامة التابعين بالشام، وكانت له جلالة وقدر. قال خليفة وغيره: مات سنة (78). أخرج له البخاري في التعاليق، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث برقم 55 و 72 و 280 و 2694 و 2712 و 4020 و 4257.
6 -
(معاذ بن جبل) بن عَمْرو بن أوس بن عائذ بن عَدِيّ بن كعب بن عَمرو بن أُدَيّ بن سَعْد بن عليّ بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جُشَم بن الْخَزْرج الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن المدنيُّ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشَهِدَ بدرًا والعقبة والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورَوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه ابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وابن عُمَر، وابن عَمْرو، وعبد الرحمن بن سَمُرة،
وابن أبي أَوْفَى، وأنس، وجابر، وأبو الطفيل، وعبد الرحمن بن غنم، وأبو مسلم الخولاني، وأبو عبد الله الصنابحي، وأبو وائل، ومسروق، وغيرهم.
قال قتادة عن الحسن: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة، كلهم من الأنصار: أُبَيّ، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (1). وقال مسروق، عن عبد الله بن عمرو: أربعة رهط لا أزال أحبهم بعدما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "استقرءوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبَي بن كعب، ومعاذ ابن جبل"(2). وعن أبي قلابة، عن أنس، مرفوعًا: "وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل
…
" الحديث (3) ويُرْوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ومتصلًا: "يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء بِرَتْوَةٍ" (4).
وقال الأعمش عن أبي سفيان: حدثني أشياخ لنا فذكر قصة فيها، فقال عمر: عَجَزت النساء أن تَلِد مثل معاذ، لولا معاذ هلك عمر. ومناقبه كثيرة جِدّا. قال أبو مسهر: مات سنة سبع عشرة، قال أبو مسهر قرأت مثله في كتاب ابن عَبِيدة بن أبي المهاجر: وكان سعيد بن عبد العزيز يقول: إنه صحيح. وقال يحيى بن معين: مات سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة، زاد يحيى: وهو ابن أربع وثلاثين. وقال الواقدي عن رجاله: مات سنة ثماني عشرة، وهو ابن ثمان وثلاثين. قال الواقدي: وكان من أجمل الناس، وفيها أرّخه غير واحد وقيل: في سنّه غير ذلك.
أخرج له الجماعة، روى من الأحاديث (157) حديثًا، وله في هذا الكتاب (22) حديثًا، والله تعالى أعلم.
(1) متّفقٌ عليه.
(2)
متّفقٌ عليه.
(3)
حديث صحيح، أخرجه أحمد 3/ 184 والترمذيّ (3791) وابن ماجه (154).
(4)
"الرَّتْوَة" بفتح الراء، وسكون التاء، وفتح الواو: أي برمية سهم، وقيل: يميل، وقيل: مدى البصر. اهـ "النهاية" 2/ 195.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ) بفتح، فسكون الأشعريّ، أنه قال (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) رضي الله عنه (قَالَ: لمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَمَنِ) قال أهل المغازي كان بعث معاذ رضي الله عنه إلى اليمن في ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة. قاله في "الفتح"(1).
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَا) ناهية (تَقْضِيَنَّ) مؤكد بالنون الثقيلة، وقوله (وَلَا تَفْصِلَنَّ) من الفصل بالفاء والصاد، والعطف للتفسير (إِلَّا بَما تَعْلَمُ) أي إلا بما تتأكّد حكم الشرع فيه (فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرٌ) أي اشتبه عليك حكم أمر بأن لم تتبيّن لك الأدلة حتى تعمل بمقتضاها (فَقِفْ) أمر من وقف يقف، من باب ضرب (حَتَّى تَبَيَّنَهُ) بحذف إحدى التاءين، وكان أصله تتبيّنه، فحذفت إحداهما تخفيفًا، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ
…
فِيهِ عَلَى تَا كـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
(أَوْ تَكْتُبَ إِلَيَّ فِيهِ) أي لأبيّن لك حكمه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه هذا موضوع؛ لأن في سنده محمد بن سعيد بن حسّان، وهو المصلوب في الزندقة، كان كذّابًا يضع الحديث، كما سبق في ترجمته، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله، أخرجه هنا بهذا السند فقط، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية) في الكلام على حديث معاذ رضي الله عنه المشهور على الألسنة، وهو الحديث الذي أخرجه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده"(1/ 282) وأحمد في "مسنده"(5/ 230 و 242) وأبو داود في "سننه"(2/ 116) والترمذيّ في "جامعه"(2/ 275) والبيهقيّ في "سننه"(10/ 114) وغيرهم من طرق، عن شعبة، عن أبي عون الثقفيّ،
(1)"كتاب المغازي" جـ 8/ ص 61.
عن الحارث بن عمرو -ابن أخي المغيرة بن شعبة-، عن أناس من أهل حمص، من أصحاب معاذ بن جبل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال:"كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله، قال:"فإن لم تجد في كتاب الله؟ "، قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في كتاب الله؟، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره، وقال: "الحمد لله الذي وَفّق رسول رسول الله لِمَا يُرضي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم".
قال الإمام البخاريّ في "التاريخ"(2/ 1/ 275): لا يصحّ، ولا يُعرف إلا بهذا، مرسل. انتهى. وقال الترمذيّ: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتّصل. وأقرّه الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث منهاج الأصول" للبيضاويّ 1/ 76.
وقال ابن حزم: هذا حديث ساقط لم يروه أحد من غير هذا الطريق، وأول سقوطه أنه عن قوم مجهولين لم يُسمّوا، فلا حجة فيمن لا يُعرف من هو؟ وفيه الحارث ابن عمرو، وهو مجهول، لا يعرف من هو؟ ولم يأت هذا الحديث قط من غير طريقه.
وقال في موضع آخر: هذا حديث باطلٌ لا أصل له. (1).
وقال في "التلخيص الحبير": وقال الدارقطنيّ في "العلل": رواه شعبة عن أبي عون هكذا، وأرسله ابن مهديّ، وجماعات عنه، والمرسل أصحّ. وقال أبو داود -يعني الطيالسيّ-: وأكثر ما كان يُحدّثنا شعبة عن أصحاب معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال مرّةً: عن معاذ. وقال ابن حزم: لا يصحّ؛ لأن الحارث مجهول، وشيوخه لا يُعرفون، قال: وادّعى بعضهم فيه التواتر، وهذا كذبٌ، بل هو ضدّ التواتر؛ لأنه ما رواه أحد غير ابن عون، عن الحارث، فكيف يكون متواترًا. وقال عبد الحقّ: لا يُسْنَد، ولا يوجد من وجه صحيح. وقال ابن الجوزيّ في "العلل المتناهية": لا يصحّ، وإن كان الفقهاء كلهم
(1)"الإحكام" 6/ 26 - 35 و7/ 111 - 112.
يذكرونه في كتبهم، ويَعتمدون عليه، وإن كان معناه صحيحًا، وقال ابن طاهر في تصنيف له مفرد في الكلام على هذا الحديث:
(اعلم): أنني فحصتُ عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار، وسألت عنه من لقيته من أهل العلم بالنقل، فلم أجد له غير طريقين:
[إحداهما]: طريق شعبة.
[والأخرى]: عن محمد بن جابر، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن رجل من ثقيف، عن معاذ، وكلاهما لا يصحّ، قال: وأقبح ما رأيت فيه قول إمام الحرمين في كتاب أصول الفقه: والعمدةُ في هذا الباب على حديث معاذ، قال: وهذه زلّة منه، ولو كان عالمًا بالنقل لما ارتكب هذه الجهالة.
قال الحافظ رحمه الله: قلت: أساء الأدب على إمام الحرمين، وكان يُمكنه أن يُعبّر بألين من هذه العبارة، مع أن كلام إمام الحرمين أشدّ مما نقله، فإنه قال: والحديث مدوّن في الصحاح، متّفقٌ على صحّته، لا يتطرّق إليه التأويل، كذا قال رحمه الله. وقد أخرجه الخطيب في كتاب "الفقيه والمتفقّه" من رواية عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، فلو كان الإسناد إلى عبد الرحمن ثابتًا لكان كافيًا في صحة الحديث. انتهى كلام الحافظ في "التلخيص"(1).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلام الحافظ المذكور لي نظر من وجهين:
[أحدهما]: قوله: "أساء الأدب إلخ" ليس فيه إساءة أدب؛ لأنه ما قال هذا الكلام إلا غضبًا للشرع حيث نسب إليه ما ليس منه، فإنه -كما اعترف به الحافظ نفسه- قال بصحّة الحديث، وأنه متّفقٌ على صحته، فكيف لا يَغْضَب من هذا مَن علم درجة الحديث، وقد ثبت في "الصحيح" أن ابن ابن عبّاس رضي الله عنهما لمّا سمع أن نوفا البكاليّ يقول: إن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل قال: "كذب
(1) راجع "التلخيص الحبير" 4/ 182 - 183.
عدوّ الله"، مع أن نوفًا كان أحد العلماء، وكان إمامًا لأهل دمشق، ولئن كان ذلك إساءة، فقد أساء نفسه إلى ابن طاهر، حيث رماه بهذا الكلام، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[الثاني]: قوله: "فلو كان الإسناد إلخ"، كيف يكون الإسناد إلى عبد الرحمن ثابتًا؟، وقد تفرّد به محمد بن سعيد المصلوب في الزندقة، وهو كذّاب، وضّاع، قيل: وضع أربعة آلاف حديث، فهيهات هيهات.
والحاصل أن حديثي معاذ رضي الله عنه هذان لا يصحّان، أما حديث الباب، فموضوع، وأما الحديث الآخر ففي سنده مجاهيل، فتأمل بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف.
ولقد أجاد الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى في الكلام على هذا الحديث في "السلسلة الضعيفة" 2/ 273 - 286 وطوّل البحث فيه بما لا تجده مجموعًا عند غيره، فاستفد، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قول ابن الجوزيّ المتقدّم بعد أن حكم بعدم ثبوت الحديث: ما نصّه: "وإن كان معناه صحيحًا"، إن أراد أنه صحيح المعنى فيما يتعلّق بالاجتهاد عند فقدان النصّ، فهذا مما لا خلاف فيه، وإن أراد كلّ ما تضمّنه الحديث فغير صحيح؛ لأنه تضمّن تصنيف السنّة مع القرآن، وإنزالها معه منزلة الاجتهاد منهما، فكما أنه لا يجوز الاجتهاد مع وجود النصّ في الكتاب والسنّة، فكذلك لا يأخذ بالسنّة إلا إذا لم يجد في الكتاب، وهذا التفريق مما لا دليل عليه، بل مضادّ لقوله عز وجل:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، فالسنّة تُبيّن مجمل القرآن، وتقيّد مطلقه، وتُخصّص عمومه، فالواجب النظر في الكتاب والسنّة معًا، وعدم التفريق بينهما (1). والله تعالى أعلم يالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(1) راجع ما كتبه الشيخ الألبانيّ رحمه الله في "السلسلة الضعيفة" 2/ 286.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة رحمه الله في أول الكتاب قال:
55 -
(حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَبْدةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَمْ يَزَلْ أَمْرُ بَنِي إسْرَائِيلَ مُعْتَدِلًا، حَتَّى نَشَأَ فِيهِمُ الْمُوَلَّدُونَ أَبْنَاءُ سَبَايَا الْأُمَمِ، فَقَالُوا بِالرَّأْيِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(سُويد بن سعيد) الْحَدَثانيّ الهرويّ الأصل، صدوق في نفسه، عمي، فصار يتلقّن، من قدماء [10] تقدّم في 4/ 30.
2 -
(ابن أبي الرجال) هو: عبد الرحمن بن أبي الرجال -بكسر الراء، ثم جيم- واسمه محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان بن نُفيع بن زيد بن عُبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاريّ المدنيّ، كان ينزل بعض ثُغُور الشام، صدوقٌ ربّما أخطأ [8].
رَوَى عن أبيه، وأخيه، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وربيعة، وعمر بن نافع، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو نعيم، وعبد الله بن يوسف، وقتيبة، وهشام بن عمار، وسويد بن سعيد، وآخرون.
قال أحمد، وابن معين، والمفضل الغلابي، والدارقطني: ثقة. وقال ابن معين أيضا، وأبو داود: ليس به بأس. وقال الْبَرْذَعي: سألت أبا زرعة، عن عبد الرحمن، وحارثة، فقال: عبد الرحمن أشبه، وحارثة واهٍ، وعبد الرحمن أيضا يرفع أشياء لا يرفعها غيره. وقال الآجري عن أبي داود: أحاديث عمرة يجعلها كلها عن عائشة. وقال أبو حاتم: صالح هو مثل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ. أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (56) وحديث (2059) "الشهر هكذا يرسل أصابعه فيها ثلاث مرّات
…
".
[تنبيه]: كون ابن أبي الرجال هنا هو عبد الرحمن بن أبي الرجال هو الصواب، وقد أخطأ البوصيريّ -وتبعه الدكتور بشّار، والشيخ علي حسن في تحقيقيهما لهذا الكتاب-
فقال: هو حارثة بن أبي الرجال، والحقّ أنه عبد الرحمن، فقد نصّ عليه الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ في "تحفة الأشراف" 6/ 360، فتنبّه. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
3 -
(عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، واسمه يُحْمِد الشامي، أبو عمرو الأوزاعي الفقيه، نزل بيروت في آخر عمره، فمات بها مرابطا، فقيه ثقة جليل [7].
رَوَى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وشداد بن عمار، وعبدة بن أبي لبابة، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وغيرهم.
ورَوَى عنه مالك، وشعبة، والثوري، وابن المبارك، وابن أبي الزناد، وعبد الرزاق، وابن أبي الرجال، وخلق كثير.
قال الحاكم أبو أحمد في "الكنى": الأوزاعي من حمير، وقد قيل: إن الأوزاع قرية بدمشق، وعَرَضت هذا القول على أحمد بن عمير فلم يرضه، وقال: إنما قيل: الأوزاعي لأنه من أوزاع القبائل. وقال أبو سليمان بن زَبْر: هو اسم وقع على موضع مشهور بدمشق، يُعرف بالأوزاع، سكنه في صدر الإسلام بقايا من قبائل شتى. وقال أبو زرعة الدمشقي: كان اسم الأوزاعي عبدَ العزيز، فسَمَّى نفسه عبدَ الرحمن، وكان أصله من سِبَاءِ السند، وكان ينزل الأوزاع، فغلب ذلك عليه، وإليه فتوى الفقه لأهل الشام لفضله فيهم، وكثرة روايته، وبلغ سبعين سنة، وكان فصيحًا، ورسائله تُؤثر. وقال عمرو بن علي عن ابن مهدي: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعي، ومالك، والثوري، وحماد بن زيد. وقال أبو عبيد عن ابن مهدي: ما كان بالشام أعلم بالسنة منه. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، ما أقل ما رَوَى عن الزهري. وقال أبو حاتم: إمام مُتَّبعٌ لما سمع. وقال أبو مسهر، عن هِقْل بن زياد: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة أو نحوها. وقال ابن عيينة: كان إمام أهل زمانه. وقال أمية بن يزيد بن أبي عثمان: كان عندنا أرفع من مكحول، جمع العبادة، والورع، والقول بالحق. وقال عيسى ابن يونس: كان الأوزاعي حافظًا. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من فقهاء أهل
الشام وقرائهم وزهادهم، وكان السبب في موته أنه كان مرابطًا ببيروت، فدخل الحمّام، فزَلَق فسقط، وغُشِي عليه، ولم يُعلَم به حتى مات.
وقال الخليلي في "الإرشاد": أجاب عن ثمانين ألف مسألة في الفقه من حفظه، وقال ابن سعد: وُلد سنة (88)، وكان ثقة مأمونًا صدوقًا فاضلًا خيرًا، كثير الحديث والعلم والفقه، وكان مكتبه باليمامة، ومات ببيروت سنة (158). وقال الآجري عن أبي داود: مات الأوزاعي في الحمام. وقيل: مات سنة (55)، وقيل: سنة (51)، وقيل: سنة (56).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (79) حديثًا.
4 -
(عبدة بن أبي لبابة) الأسدي الغَاضِريّ مولاهم، يقال: مولى قريش، أبو القاسم البزاز الكوفي الفقيه، نزيل دمشق، ثقة [4].
رَوَى عن ابن عمر، وابن عمرو، وزِرّ بن حُبيش، وأبي وائل، ومجاهد، وهلال بن يساف، وورّاد كاتب المغيرة، وغيرهم، وأرسل عن عمر.
ورَوَى عنه ابن أخته الحسن بن الْحُرّ، وحبيب بن أبي ثابت، ومات قبله، والأعمش، وابن جريج، والأوزاعي، وشعبة، والثوري، وغيرهم.
قال الميموني عن أحمد: لقي ابن عمر بالشام. وقال ابن سعد: كان من فقهاء أهل الكوفة. وقال سعيد بن عبد العزيز: كان يُكنى أبا القاسم كناه مكحول. وقال الأوزاعي: لم يَقْدَم علينا من العراق أحد أفضل من عبدة بن أبي لبابة، والحسن بن الحر، وكانا شريكين. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة من ثقات أهل الكوفة. وقال أبو حاتم، والنسائي، وابن خراش: ثقة. وقال علي بن المديني، عن ابن عيينة: جالست عبدة بن أبي لبابة سنة ثلاث وعشرين ومائة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: من ثقات أهل الكوفة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: جالسه ابن عيينة ثلاثا وعشرين سنة كذا قال، والصواب ما تقدّم أنه جالسه سنة ثلاث وعشرين ومائة.
أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في "المسائل"، والترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم 56 و 413 و 1344 و 2970.
5 -
(عبد الله بن عمرو بن العاص) الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، تقدّم
في 8/ 52، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله عنهما، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَمْ يَزَلْ أمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْتَدِلًا) أي مستقيما على منهج الأنبياء (حَتَّى نَشَأَ) مهموزًا، من باب نفع: أي حدَثَ وتجدّد (فِيهِمُ الْمَوَلَّدُونَ) بفتح اللام المشدّدة، بصيغة اسم المفعول، قال الجوهريّ: رجلّ مولّد: إذا كان عربيّا غير محض. وقال ابن الأثير: المولَّدة: هي التي بين العرب، ونشأت مع أولادهم، وتأدّبت بآدابهم، والتَّلِيدة: هي التي وُلدت ببلاد العجم، وحُمِلت، فنشأت ببلاد العرب. انتهى (1).
والمراد هنا من ليس من بني إسرائيل من سائر الناس.
وقوله: (أَبْنَاءُ سَبَايَا الْأمَمِ) بدلٌ من "المولّدون"، و"السبايا" بالفتح: جمع سَبِيّة، قال ابن الأثير: السَّبِيّة: المرأة الْمَنْهُوبة، فَعِيلة بمعنى مفعولة (فَقَالُوا بِالرَّأْيِ) أي أَفْتَوا، وحكموا برأيهم، معرضين عن الحكم الذي أنزله الله عز وجل في التوراة والإنجيل (فَضَلُّوا) في أنفسهم (وَأَضَلُّوا) غيرهم، قال الفيّوميّ: ضلّ الرجل الطريقَ، وضلّ عنه يَضِلّ، من باب ضرب ضلالًا، وضلالةً: زلّ عنه، فلم يَهتد إليه، فهو ضالّ، هذه لغة نَجْد، وهي الفصحى، وبها جاء القرآن في قوله تعالى:{قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي} [سبأ: 50]، وفي لغة لأهل العالية من باب تَعِب، والأصل في الضلال: الغيبة. انتهى (2). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما هذا ضعيفٌ؛ للانقطاع بين عبدة بن أبي لبابة وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، فإن عبدة لم يلقَ عبد الله رضي الله عنه، كما
(1)"النهاية" 5/ 225.
(2)
"المصباح الْمُنِير" 2/ 363.
بيّن ذلك الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ رحمه الله في "تحفة الأشراف" 6/ 360.
[فإن قلت]: أخرج هذا الحديث البزار في "مسنده"، من طريق قيس بن الربيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا، وقال: لا نعلم أحدًا قال: عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو إلا قيس، ورواه غيره مرسلًا انتهى. فهلا تكون رواية قيس مقوية لرواية عبدة بن أبي لبابة، فتصحّ؟.
[قلت]: قيس بن الربيع ضعيف؛ لسوء حفظه، والمحفوظ كما نقل الحافظ 13/ 285 عن البزّار: عن هشام بن عروة بهذا الإسناد مرفوعًا إنما هو بلفظ: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس
…
" الحديث المذكور أول الباب، فرواية قيس منكرة لا تصلح للتقوية، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (8/ 56) بهذا الإسناد فقط، وهو من أفراده، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره.
وأخرجه أيضًا يعقوب الْفَسَويّ في "المعرفة والتاريخ"(3/ 20) بسند صحيح عن عروة مرفوعًا. وأخرجه أيضًا الدارميّ في "مسنده"(1/ 50) والبيهقيّ في "المعرفة" وابن عبد البرّ في "جامع بيان العلم"(2/ 1047 و 1052) بإسناد صحيح، عن عروة موقوفا عليه (1).
[تنبيه]: ذكر الحافظ المزّيّ رحمه الله في "تحفة الأشراف" 13/ 223 أن ابن ماجه أخرج بعد حديث عبد الله بن عمرو المذكور عن محمد بن أبي عُمر العَدَنيّ، عن سفيان ابن عُيينة أنه قال:"لم يزل أمر الناس مُعتدلًا حتى نشأ فلانٌ بالكوفة، وربيعة الرأي بالمدينة، وعثمان الْبَتّيّ بالبصرة، فوجدناهم من أبناء سبايا الأمم".
(1) راجع "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألبانيّ رحمه الله 9/ 320 - 322.
وهذا الأثر لا يوجد في النسخ المطبوعة، وذكر بعضهم (1) أنها ثابتة في نسخة البوصيريّ التي عليها كتاب "مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه".
قلت: أخرج هذا الأثر الحافظ أبو بكر الخطيب في "تاريخه" 13/ 413 من طريق أخرى، ولفظه: قال سفيان -هو ابن عيينة-: لم يزل أمر الناس معتدلًا حتّى غيّر أبو حنيفة بالكوفة، وعثمان الْبَتّيّ بالبصرة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن بالمدينة، فنظرنا، فوجدناهم من أبناء سبايا الأمم" (2).
وأخرجه الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ في "جامع بيان العلم" من طريق موسى ابن هارون بن إسحاق الهمدانيّ، عن الحميديّ، عن ابن عيينة قال:"لم يزل أمر أهل الكوفة معتدلًا حتى نشأ فيهم أبو حنيفة". قال موسى: "وهو -يعني أبا حنيفة- من أبناء سبايا الأمم، أمه سِنْديّة، وأبوه نَبَطيّ، قال: والذين ابتدعوا الرأي ثلاثة، وكلّهم من أبناء سبايا الأمم، وهم: ربيعة بالدينة، وعثمان البتّي بالبصرة، وأبو حنيفة بالكوفة. انتهى (3). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الإمام أبو حنيفة رحمه الله إمام جليل مشهور، وإنما عِيب عليه إغراقه في الرأي، ولقد أنصف فيه الحافظ أبو عمر رحمه الله حيث قال -بعد أن ذكر أقوال الذامين له-: ما نصّه:
وأفرط أصحاب الحديث في ذمّ أبي حنيفة رحمه الله، وتجاوزوا الحدّ في ذلك، والسبب الوجب له عندهم إدخاله الرأي والقياس على الآثار، واعتبارهما، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صحّ الأثر من جهة الإسناد بطل القياس والنظر، وكان ردّه لما ردّ من الأحاديث بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدّمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله ممن قال
(1) هو الشيخ عليّ حسن في تخريجه لهذا الكتاب 1/ 41 قال: فلعله تعمّد حذفها من السنن المطبوعة اليوم بعض المتعصّبة لأبي حنيفة، فإنه المراد بقوله:"فلان"، كما صرّحت به رواية ابن عبد البرّ، كما هو مخرّج في "الضعيفة". انتهى.
(2)
راجع "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألبانيّ 9/ 321 - 322.
(3)
راجع "جامع بيان العلم وفضله" 2/ 1079.
بالرأي، وجُلُّ ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتّباعًا لأهل بلده، كإبراهيم النخعيّ، وأصحاب ابن مسعود رضي الله عنه، إلا أنه أغرق وأفرط في تنزيل النوازل هو وأصحابه، والجواب فيها برأيهم، واستحسانهم، فيأتي منهم في ذلك خلاف كثير للسلف وشنع هي عند مخالفيهم بدع، وما أعلم أحدًا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية، أو مذهب في سنّة، رَدّ من أجل ذلك المذهب سنة أخرى بتأويل سائغ، أو ادّعاء نسخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرًا، وهو يوجد لغيره قليل.
قال: ونَقَموا أيضًا على أبي حنيفة الإرجاء، ومن أهل العلم من يُنسَب إلى الإرجاء كثير، لم يُعنَ أحدٌ بنقل قبيح ما قيل فيه كما عُنُوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته، وكان أيضًا مع هذا يُحسَد، ويُنسَب إليه ما ليس فيه، ويُختلقُ عليه ما لا يليق به، وقد أثنى عليه جماعة من العلماء وفضلوه، ولعلّنا إن وجدنا نشطةً نجمع من فضائله، وفضائل مالك، والشافعيّ، والثوريّ، والأوزاعيّ رحمهم الله كتابًا أمّلنا جمعه قديمًا في أخبار أئمة الأمصار -إن شاء الله تعالى- انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه الله، وهو كلام نفيس.
لكن نقول عن العلماء الذين تكلّموا في هذا الإمام: إنما حملهم على ذلك نصرة السنة المطهّرة، والذبّ عنها، والدفاع عن حريمها، كما قال ابن عبّاس رضي الله عنهما لنوف البكاليّ:"كذب عدوّ الله"، غضبًا لمخالفته ما ثبت في السنّة، وذلك لئلا يتلاعب بها أهل الأهواء بآراهم الفاسدة، وأهوائهم الكاسدة، فنشأ من شدّة غضبهم ما سمعته في حقّ هذا الإمام فنراهم كلهم على خير وهُدى بحسب نيتهم الصالحة، والقيام بما وجب عليهم نحو السنّة المطهّرة، فجزى الله تعالى الجميع خير الجزاء، فنحن نحبّهم كلهم، ونرجو من الله سبحانه وتعالى أن يحشرنا معهم، ويُسكننا الفردوس الأعلى برحمته، إنه بعباده عليم، وبالمؤمنين رءوف رحيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.