المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌10 - (باب في القدر) - مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه - جـ ٢

[محمد بن علي بن آدم الأثيوبي]

الفصل: ‌10 - (باب في القدر)

‌10 - (بابٌ في القَدَرِ)

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف بهذا الباب إثبات القدر، وبيان وجوب الإيمان به.

مسائل تتعلّق بهذه الترجمة:

(المسألة الأولى): في ضبط القدر، وبيان معناه:

(اعلم): أن "القدَر" -بفتحتين، أو بفتح فسكون-: القضاء والحكم، وهو ما يُقَدِّرُهُ الله عز وجل، من القضاء، ويَحكُم به من الأمور. وقال اللحيانيّ: القدَر -أي بفتحتين- الاسم، والقَدْر -أي بفتح، فسكون- المصدر، وأنشد [من الخفيف]:

كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى أخِيكَ مَتَاعٌ

وَبِقَدْرٍ تَفَرُّقٌ وَاجْتِمَاعُ

وأنشد في المفتوح [من الكامل]:

قَدَرٌ أَحَلَّكَ ذَا النَّخِيلِ وَقَدْ أَرَى

وَأَبِيكَ مَا لَكَ ذُو النَّخِيلِ بِدَارِ

قال ابن سِيدَهْ: هكذا أنشده بالفتح، والوزن يَقبَل الحركة والسكون. ذكره في "اللسان"(1).

وقال ابن الأثير: وقد تكرّر ذكر "القدر" في الحديث، وهو عبارة عما قضاه الله، وحكم به من الأمور، وهو مصدرُ قَدَرَ يَقْدِرُ قَدَرًا، وقد تُسكّن داله. انتهى (2).

وقال في "الفتح": "القدر": مصدرٌ، تقول: قَدَرتُ الشيءَ -بتخفيف الدال، وفتحها- أقدِرُهُ -بالكسر، والفتح- قَدَرًا وقَدْرًا: إذا أحطت بمقداره. قال الله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، قال الراغب: القدر بوضعه يدل على القدرة، وعلى المقدور الكائن بالعلم، ويَتَضَمَّن الإرادة عقلا والقول نقلا وحاصله وجود شيء في وقت وعلى حال بوفق العلم والإرادة والقول، وقَدَّر الله الشيءَ

(1)"لسان العرب" 5/ 74.

(2)

"النهاية" 4/ 22.

ص: 396

بالتشديد: قضاه، ويجوز بالتخفيف. وقال ابن القطاع: قدر الله الشيءَ: جعله بقَدَر، والرزقَ صنعه، وعلى الشيء ملكه.

وقال الكرماني: المراد بالقدر حكم الله، قال العلماء: القضاء: هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله (1).

والمراد أن الله تعالى عَلِمَ مقادير الأشياء، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجَدُ، فكل مُحدَث صادر عن علمه وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة، وخيار التابعين، إلى أن حَدَثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة.

وقد روى مسلم القصة في ذلك من طريق كهمس، عن ابن بُرَيدة، عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة مَعْبَدٌ الجهني، قال: فانطلقت أنا وحميد الحميري، فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر، وأنه سأله عن ذلك، فأخبره بأنه برىء ممن يقول ذلك، وأن الله لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عَمَلًا. وقد حَكَى المصَنِّفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارىء عالمًا بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يَعلَمها بعد كونها.

قال القرطبي وغيره: قد انقرض هذا المذهب، ولا نَعرِف أحدًا يُنسَب إليه من المتأخرين، قال: والقدرية اليوم مُطبِقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخفّ من المذهب الأول، وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارًا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سَلَّمَ القدري العلم خُصِمَ -يعني يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم، فإن مَنَعَ وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل

(1) راجع "فتح الباري" 11/ 581.

ص: 397

تعالى الله عن ذلك (1).

وقال أبو المظفر بن السمعاني: سبيلُ معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة، دون محض القياس والعقل، فمن عَدَل عن التوقيف فيه ضَلَّ، وتاه في بحار الْحَيْرة لم يبلغ شفاء العين، ولا ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار الله تعالى، اختَصَّ العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم؛ لما عَلِمَه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف لهم قبل دخولها. انتهى.

وقد أخرج الطبراني بسند حسن من حديث ابن مسعود رضي الله عنه رفعه: "إذا ذُكِر القدر فأمسكوا". وأخرج مسلم من طريق طاوس: "أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: "كلُّ شيء بقدر". وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلُّ شيء بقدر، حتى العجز والكيس".

قال الحافظ رحمه الله: و"الْكَيْسُ" -بفتح الكاف-: ضد العجز، ومعناه: الْحِذْق في الأمور، ويتناول أمور الدنيا والآخرة، ومعناه: أن كل شيء لا يقع في الوجود إلا وقد سبق به علم الله عز وجل ومشيئته، وإنما جعلهما في الحديث غايةً لذلك؛ للإشارة إلى أن أفعالنا، وإن كانت معلومة لنا، ومرادةَ منا فلا تقع مع ذلك منا إلا بمشيئة الله.

وهذا الذي ذكره طاوس مرفوعا وموقوفا مطابق لقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، فإن هذه الآية نص في أن الله خالق كل شيء، ومُقَدِّره، وهو أنصّ من قوله تعالى:{خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]، وقوله تعالى:{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96].

واشتهر على ألسنة السلف والخلف أن هذه الآية نزلت في القدرية. وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "جاء مشركو قريش يخاصمون النبي صلى الله عليه وسلم في القدر،

(1) راجع "الفتح" 1/ 145 في "كتاب الإيمان".

ص: 398

فنزلت. قال: ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى، كما قال تعالى:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر: 21] انتهى (1) .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثانية): قسم شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله القدريّة ثلاثة أقسام:

(القسم الأول): القدريّة المشركة، وهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، وقالوا:{لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} الآية [الأنعام: 148]، {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} الآية [النحل: 35]، {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} الآية [الزخرف: 20].

فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع، والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبيّة العامّة لكل مخلوق، وأنه ما من دائة إلا ربي آخذ بناصيتها، وهو الذي يُبتَلَى به كثيرًا، إما اعتقادًا، وإما حالًا طوائفُ من الصوفيّة والفقراء حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرّمات، وإسقاط الواجبات، ورفع العقوبات، وإن كان ذلك لا يستتبّ لهم، وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم، كفعل المشركين من العرب.

ثم إذا خولف هوى أحد منهم قام في دفع ذلك متعدّيًا للحدود، غير واقف عند حدّ، كما كان يفعل المشركون أيضًا؛ إذ هذه الطريقة تتناقض عند تعارض إرادات البشر، فهذا يريد أمرًا، والآخر يريد ضدّه، وكلّ من الإرادتين مقدّرة، فلا بدّ من ترجيح إحداهما أو غيرهما، أو كلّ منهما من وجه، وإلا لزم الفساد.

وقد يغلوا أصحاب هذا الطريق حتى يجعلوا عين الموجودات هي الله، ويتمسّكون بموافقة الإرادة القدرية في السيئات الواقعة منهم ومن غيرهم، كقول الحريريّ: أنا كافر برب يُعصى، وقول بعض أصحابه لما دعاه مكّاس، فقيل له: هو مكّاس، فقال: إن كان قد عصى الأمر فقد أطاع الإرادة، وكقول ابن إسرائيل:

(1) راجع "الفتح" 11/ 582 في "كتاب القدر".

ص: 399

أَصْبَحْتُ مُنْفَعِلًا لِمَا يَخْتَارُهُ

مِنِّي فَفِعلي كُلُّهُ طَاعَةُ

وقد يسمّون هذا حقيقةً باعتبار أنه حقيقة الربوبية، والحقيقة الموجودة الكائنة، أو الحقيقة الخبريّة، ولمّا كان في هؤلاء شَوْبٌ من النصارى، والنصارى لهم شوبٌ من الشرك تابعوا المشركين فيما كانوا عليه من التمسّك بالقدر المخالف للشرع، هذا مع أنهم يعبدون غير الله الذي قدّر الكائنات كما أن هؤلاء فيهم شوب من ذلك.

وإذا اتسع زنادقتهم الذين هم رؤساؤهم قالوا: ما نعبد إلا الله؛ إذ لا موجود غيره، وقال رئيس لهم: إنما كفر النصارى لأنهم خصّصوا، فيشرعون عبادة كل موجود بهذا الاعتبار، ويقررون ما كان عليه المشركون من عبادة الأوثان والأحجار، لكنهم يستقصرونهم حيث خصّصوا العبادة ببعض المظاهر والأعيان.

ومعلوم أن هذا حاصل في جميع المشركين، فإنهم متفنّنون في الآلهة التي يعبدونها، وإن اشتركوا في الشرك، هذا يعبد الشمس، وهذا يعبد القمر، وهذا يعبد اللات، وهذا يعبد العزى، وهذا يعبد مناة الثالثة الأخرى، فكل منهم يتخذ إلهه هواه، ويعبد ما يستحسن، وكذلك في عبادة قبور البشر كلّ يعلق على تمثال من أحسن به الظنّ.

(القسم الثاني القدرية المجوسيّة) الذين يجعلون لله شركاء في خلقه، كما جعل الأولون شركاء في عبادته، فيقولون: خالق الخير غير خالق الشرّ، ويقول من كان منهم في ملّتنا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وربّما قالوا: ولا يعلمها أيضًا، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقع بغير قدرته، ولا صنعه، فيجحدون مشيئته النافذة، وقدرته الشاملة، ولهذا قال ابن عبّاس: القدر نظام التوحيد، فمن وحّد الله، وآمن بالقدر تمّ توحيده، ومن وحّد الله، وكذّب بالقدر نقض تكذيبه قدره.

ويزعمون أن هذا هو العدل، ويضمون إلى ذلك سلب الصفات، ويسمّونه التوحيد، كما يسمّى الأولون التلحيد التوحيد، فيُلحِد كلّ منهما في أسمائه وصفاته، وهذا يقع كثيرًا، إما اعتقادًا، وإما حالًا في كثير من المتفقّهة والمتكلّمة، كما وقع اعتقاد

ص: 400

ذلك في المعتزلة والشيعة المتأخرين، وابتُلي ببعض ذلك طوائف من المتقدّمين من البصريين والشاميين، وقد يُبتلى به حالًا، لا اعتقادًا بعض من يغلب عليه تعظيم الأمر والنهي من غير ملاحظة للقضاء والقدر.

ولِمَا بين الطائفتين من التنافي تجد المعتزلة أبعد الناس عن الصوفيّة، ويميلون إلى اليهوديّة، وينفرون عن النصارى، ويجعلون إثبات الصفات هو قول النصارى بالأقانيم، ولهذا تجدهم يذمّون النصارى أكثر، كما يفعل الجاحظ وغيره، كما أن الأولين يميلون إلى النصارى أكثر.

ولهذا كان هؤلاء في الحروف، والكلام المبتدع، كما كان الأولون في الأصوات، والعمل المبتدع، كما اقتسم ذلك اليهود والنصارى، واليهود غالبهم قدرية بهذا الاعتبار، فإنهم أصحاب شريعة، وهم معرضون عن الحقيقة القدريّة، ولهذا تجد أرباب الحروف والكلام المبتدع كالمعتزلة يوجبون طريقتهم، ويحرمون ما سواها، ويعتقدون أن العقوبة الشديدة لا حقة من خالفها، حتى إنهم يقولون بتخليد فسّاق أهل الملل، ويكفّرون من خرج عنهم من فرق الأمة، وهذا التشديد، والآصار، والأغلال شبه دين اليهود.

وتجد أرباب الصوت والعمل المبتدع لا يوجبون، ولا يحرّمون، وإنما يستحبّون، ويَكرهون، فيعظّمون طريقهم، ويفضلونه، ويرغّبون فيه، حتى يرفعوه فوق قدره بدرجات، فطريقهم رغبة بلا رهبة إلا قليلًا، كما أن الأول رهبةٌ في الغالب برغبة يسيرة، وهذا يُشبه ما عليه النصارى من الغلوّ في العبادات التي يفعلونها مع انحلالهم من الإيجاب والاستحباب، لكنهم يتعبّدون بعبادات كثيرة، ويبقون أزمانًا كثيرةً على سبيل الاستحباب، والفلاسفة يغلب عليهم هذا الطريق، كما أن المتكلّمين يغلب عليهم الطريق الأول.

(القسم الثالث القدريّة الإبليسيّة): الذين صدّقوا بأن الله صدر عنه الأمران، لكن عندهم تناقض، وهم خصماء الله، كما جاء في الحديث، وهؤلاء كثير في أهل

ص: 401

الأقوال والأفعال، من سفهاء الشعراء، ونحوهم من الزنادقة.

قال: فتدبّر كيف كانت الملل الصحيحة الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئون ليس فيها في الأصل قدريّة، وإنما حدثت القدريّة من الملّتين الباطلتين: المجوس، والذين أشركوا. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله (1)، وهو كلام نفيس، وبحثٌ أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثالثة): قد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في الردّ على أحد علماء الذميين، حيث أورد أبياتًا فيها استشكالات في القدر، فقال [من الطويل]:

أيَا عُلَمَاءَ الدِّينِ ذِمِّيُّ دينكم

تَحَيَّرَ دُلُّوهُ بِأَوْضَح حُجَّةِ

إِذَا مَا قَضَى رَبِّي بِكُفْرِي بِزَعْمِكُمْ

وَلَمْ يَرْضَهُ مِنِّي فَمَا وَجْهُ حِيلَتِي

دَعَانِي وَسَدَّ الْبَابَ عَنِّي فَهَلْ إِلَى

دُخُولِي سبِيلٌ بَيِّنُوا لِي قَضِيَّتِي

قَضَى بِضَلَالِي ثُمَّ قَالَ ارْضَ بِالْقَضَا

فَمَا أَنَا رَاضٍ بِالَّذِي فِيهِ شِقْوَتِي

فَإِنْ كنْتُ بِالمقْضِيِّ يَا قَوْمُ رَاضِيًا

فَرَبِّيَ لَا يَرْضَى بِشُؤْمِ بَلِيَّتِي

فَهَلْ لِي رِضًا مَا لَيْسَ يَرْضَاهُ سَيِّدِي

فَقَدْ حِرْتُ دُلُّونِي عَلَى كشْفِ حَيْرَتِي

إِذَا شَاءَ رَبِّي الْكُفْرَ مِنِّي مَشِيئَةً

فَهَلْ أَنَا عَاصٍ في اتِّبَاع الْمَشِيئَةِ؟

وَهَلْ لِي اخْتِيَارٌ أَنْ أُخَالِفَ حُكْمَهُ؟

فِبِاللَّه فَاشْفُوا بِالْبَرَاهِينِ غُلَّتِي

فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مرتجلًا، فقال:

سُؤَالُكَ يَا هَذَا سُؤَالُ مُعَانِدٍ

مُخَاصِمِ رَبِّ الْعَرْشِ بَارِي الْبَرِيَّةِ

فَهَذَا سُؤَالٌ خَاصَمَ الْمَلأَ الأَعْلَى

قَدِيمًا بِهِ إِبْلِيسُ أَصْلُ الْبَلِيَّةِ

وَمَنْ يَكُ خَصْمًا للمهيمن يَرْجِعَنْ

عَلَى أُمِّ رَأْسٍ هَاوِيًا في الْحفِيرَةِ

وَيُدْعَى خُصُومُ اللَّه يَوْمَ مَعَادِهِمْ

إِلَى النَّارِ طُرًّا مَعْشَرُ الْقَدَرِيَّة

(1) راجع "مجموع الفتاوى" 8/ 256 - 261.

ص: 402

سَوَاءٌ نَفَوْهُ أَوْ سَعَوْا لِيُخَاصِمُوا

بِهِ اللَّهَ أَوْ مَا رَوْا بِهِ لِلشَّرِيعَة

وَأَصْلُ ضَلَالِ الخُلْقِ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ

هُوَ الْحَوْضُ في فِعْلِ الإِلَهِ بِعِلَّةِ

فَإِنَّهُمُوا لَمْ يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ

فَصَارُوا عَلَى نَوْع مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ

فَإِنَّ جَمِيعَ الْكَوْنِ أَوْجَبَ فِعْلَهُ

مَشِيئَةُ رَبِّ الْخَلْقِ بَارِي الخُلِيقَةِ

وَذَاتُ إِلَهِ الْخَلْقِ وَاجِبَة بِمَا

لهَا مِنْ صِفَاتِ وَاجِبَاتٍ قَدِيمَةِ

مَشِيئَتُهُ مَعْ عِلْمِهِ ثُمَّ قُدْرَةٍ

لَوَازِمُ ذَاتِ اللَّه قَاضِي الْقَضِيَّةِ

وَإِبْدَاعُهُ مَا شَاءَ مِنْ مُبْدَعَاتِهِ

بِهَا حِكْمَةٌ فِيهِ وَأَنْوَاعُ رَحْمَةِ

وَلَسْنَا إِذَا قُلْنَا جَرَتْ بِمَشِيئَةٍ

مِنَ المُنْكِرِي آيَاتِهِ المُسْتَقِيمَةِ

بَلِ الحقُّ أَنَّ الْحُكْمَ للَّه وَحْدَهُ

لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ الَّذِي في الشَّرِيعَةِ

هُوَ الْمَلِكُ الْمَحْمُودُ في كُلِّ حَالَةٍ

لَهُ الْمُلْكُ مِنْ غَيْرِ انْتِقَاصٍ بِشِرْكَةِ

فَمَا شَاءَ مَوْلانَا الإِلَهُ فَإِنَّهُ

يَكُونُ وَمَا لَا لَا يَكُونُ بِحِيلَةِ

وَقُدْرَتُهُ لَا نَقْصَ فِيهَا وَحُكْمُهُ

يَعُمُّ فَلا تَخْصِيصَ في ذِي الْقَضِيِّةِ

أُرِيدُ بِذَا أَنَّ الحوَادِثَ كُلَّهَا

بِقُدْرَتِهِ كَانَتْ وَمَحْضِ الْمَشِيئَةِ

وَمَالِكُنَا في كلِّ مَا قَدْ أَرَادَهُ

لَهُ الْحَمْدُ حَمْدًا يَعْتَلي كُلَّ مِدْحَةِ

فَإِنَّ لَهُ في الْخَلْقِ رَحْمَتُهُ سَرَتْ

وَمِنْ حِكَمِ فَوْقَ الْعُقُولِ الْحَكِيمَةِ

أُمُورًا يَحَارُ الْعَقْلُ فِيهَا إِذَا رَأَى

مِنَ الْحِكَم الْعُلْيَا وَكُلِّ عَجِيبَةِ

فَنُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ بِقُدْرَةٍ

وَخَلْقٍ وَإِبْرَامِ لحُكْمِ المَشِيئَةِ

فَنُثْبِتُ هَذَا كُلَّهُ لإِلَهِنَا

وَنُثْبِتُ مَا في ذَاكَ مِنْ كُلِّ حِكْمَةِ

وَهَذَا مَقَامٌ طَالمَا عَجَزَ الأُولَى

نَفَوْهُ وَكَرُّوا رَاجِعِين بِحَيْرَةِ

وَتَحْقِيقُ مَا فِيهِ بِتَبْيِينِ غَوْرِهِ

وَتَحْرِيرِ حَقِّ الْحَقِّ في ذِي الْحَقِيقَةِ

هُوَ الْمَطْلَبُ الأَقْصَى لِوُرَّادِ بَحْرِهِ

وَذَا عَسِرٌ في نَظْم هَذِي الْقَصِيدَةِ

ص: 403

لحِاجَتِهِ إِلَى بَيَانٍ مُحَقِّقٍ

لأَوْصَافِ مَوْلانَا الإِلَهِ الْكَرِيمَة

وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَأَحْكَامِ دِينِهِ

وَأَفْعَالِهِ في كُلِّ هَذِي الخَلِيقَةِ

وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّه قَدْ بَانَ ظَاهِرًا

وَإِلْهَامُهُ لِلْخَلْقِ أَفْضَلُ نِعْمَةِ

وَقَدْ قِيلَ في هَذَا وَخَطِّ كتَابِهِ

بَيَانُ شِفَاءٍ للنُّفُوسِ السَّقِيمَةِ

فَقَوْلُكَ لمْ قَدْ شَاءَ مِثْلُ سُؤَالِ مَنْ

يَقُولُ فَلِمْ قَدْ كَانَ في الأَزَليَّةِ

وَذَاكَ سُؤَالٌ يُبْطِلُ الْعَقْلُ وَجْهَهُ

وَتَحْرِيمُهُ قَدْ جَاءَ في كُلِّ شِرْعَةِ

وفِي الْكَوْنِ تَخْصِيصٌ كَثِيرٌ يَدُلُّ من

لَهُ نَوْعُ عَقْلٍ أَنَّهُ بِإِرَادَةِ

وَإِصْدَارُهُ عَنْ وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ

أَوْ الْقَول بِالتَّجْوِيزِ رَمْيَةُ حَيْرَةِ

وَلَا ريْبَ في تَعْلِيقِ كُلِّ مُسَبَّبٍ

بَما قَبْلَهُ مِنْ عِلَّةٍ مُوجِبَيَّةِ

بَلُ الشَّأْنُ في الأَسْبَابِ أَسْبَابِ مَا تَرَى

وَإِصْدَارُهَا عَنْ حُكْمِ مَحْضِ الْمَشِيئَة

وَقَوْلُكَ لِم شَاءَ الإِلَهُ هُوَ الَّذِي

أَزَلَّ عُقُولَ الخَلْقِ في قَعْرِ حُفْرَةِ

فَإِنَّ الْمَجُوسَ الْقَائِلِينَ بِخَالِقٍ

لِنَفْعِ وَرَبِّ مُبْدِعِ لِلْمَضَرَّةِ

سُؤَالهُمُ عَنْ عِلَّةِ السِّرِّ أَوْقَعَتْ

أَوَائِلَهُمْ في شُبْهَةِ الثَّنَوِيَّةِ

وَإِنَّ مَلَاحِيدَ الْفَلَاسِفَةِ الأُولَى

يَقُولُونَ بِالْفِعْلِ الْقَدِيمِ لِعِلَّةِ

بَغَوْا عِلَّة لِلْكَوْنِ بَعْدَ انْعِدَامِهِ

فَلَمْ يَجِدُوا ذَاكُمْ فَضَلُّوا بِضِلَّةِ

وَإِنَّ مَبَادِي الشَّرِّ في كُلِّ أُمَّةِ

ذَوِي مِلَّةِ مَيْمُونَةٍ نَبَويَّةِ

بَخَوْضِهِمُ في ذَاكُمُ صَارَ شِرْكهُمْ

وَجَاءَ دُرُوسُ الْبَيِّنَاتِ بِفَتْرَةِ

وَيَكْفِيكَ نَقْضًا أَنَّ مَا قَدْ سَأَلْته

مِنَ الْعُذْرِ مَرْدُودٌ لَدَى كُلِّ فِطْرَةِ

فَأنْتَ تَعِيبُ الطَّاغِينَ جَمِيعَهُمْ

عَلَيْكَ وَتَرْمِيهِمْ بِكُلِّ مَذَمَّةِ

وَتَنْحَلُ مَنْ وَالَاكَ صَفْوَ مَوَدَّةٍ

وَتُبْغِضُ مَنْ نَاواكَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةِ

وَحَالهُمُ في كُلِّ قَوْلٍ وِفَعْلَةٍ

كَحَالِكَ يَا هَذَا بِأَرْجَح حُجَّةِ

ص: 404

وَهَبْكَ كفَفْتَ اللَّوْمَ عَنْ كُلِّ كَافِرٍ

وَكُلِّ غَوِيٍّ خَارِج عَنْ مَحَجَّةِ

فَيَلْزَمُكَ الإِعْرَاضُ عَنْ كُلِّ ظَالِم

عَلَى النَّاسِ في نَفْسٍ وَمَالٍ وَحُرْمَةِ

وَلَا تُبْغِضَنْ يَوْمًا عَلَى سَافِكٍ دَمَا

وَلَا سَارِقٍ مَالًا لِصَاحِبِ فَاقَةِ

وَلَا شَاتِمِ عِرْضًا مَصُونًا وَإِنْ عَلَا

وَلَا نَاكِح فَرْجًا عَلَى وَجْهِ غَيَّةِ

وَلَا قَاطِع لِلنَّاسِ نَهْجَ سَبِيلِهِمْ

وَلَا مُفْسِدٍ في الأَرْضِ في كُلِّ وِجْهَةِ

وَلَا شَاهِدٍ بِالزُّورِ إِفْكًا وَفِرْيَةً

وَلَا قَاذِفٍ لِلْمُحْصَنَاتِ بِزَنْيَةِ

وَلَا مُهْلِكٍ لِلْحَرْثِ وَالنَّسْلِ عَامِدًا

وَلَا حَاكِمِ لِلْعَالمَينَ بِرِشْوَةِ

وَكُفَّ لِسَانَ اللَّوْمِ عَنْ كُلِّ مُفْسِدٍ

وَلَا تَأْخُذَنْ ذَا جَرْمَةٍ بِعُقُوبَةِ

وَسَهِّلْ سَبِيلَ الْكَاذِبِينَ تَعَمُّدًا

عَلَى رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ جَاءٍ بِفِرْيَةِ

وَإِنْ قَصَدُوا إِضْلَالَ مَنْ يَسْتَجِيبُهُمْ

بِرَوْمِ فَسَادِ النَّوْع ثُمَّ الرِّيَاسَةِ

وَجَادِلْ عَنِ الْمَلْعُونِ فِرْعَوْنَ إِذْ طَغَى

فَأُغْرِقَ في الْيَمِّ انْتِقَامًا بِغَضْبَةِ

وَكُلِّ كَفُورٍ مُشْرِكٍ بِإِلَهِهِ

وَآخَرَ طَاغِ كَافِرٍ بِنُبُوَّةِ

كَعَادٍ وَنُمْرُوذٍ وَقَوْمِ لِصَالِح

وَقَوْمِ لِنُوح ثُمَّ أَصْحَاب الأَيْكَةِ

وَخَاصِمْ لِمُوسَى ثُمَّ سَائِرِ مَنْ أَتَى

مِنَ الأَنبِيَاءِ مُحْيِيًا لِلشَّرِيعَةِ

عَلَى كَوْنِهِمْ قَدْ جَاهَدُوا النَّاسَ إِذْ بَغَوْا

وَنَالُوا مِنَ الْعَاصِي بَلِيغَ الْعُقُوبَةِ

وَإِلَّا فَكُلُّ الْخَلْقِ في كُلِّ لَفْظَةٍ

وَلَحْظَةِ عَيْنٍ أَوْ تَحَرُّكِ شَعْرَةِ

وَبَطْشَةَ كَفٍّ أَوْ تخَطِّي قُدَيْمَةٍ

وَكُلِّ حِرَاكٍ بَلْ وَكُلِّ لسَكِينَةِ

هُمُ تَحْتَ أَقْدَارِ الإِلَهِ وَحُكْمِهِ

كَمَا أَنْتَ فِيمَا قَدْ أَتَيْتَ بحُجَّةِ

وَهَبْكَ رَفَعْتَ اللَّوْمَ عَنْ كُلِّ فَاعِلٍ

فِعَالِ رَدًى طَرْدًا لهِذِي الْمَقِيسَةِ

فَهَلْ ممكن رَفْعُ الْمُلَامِ جَمِيعِهِ

عَنِ النَّاسِ طُرًّا عِنْدَ كُلِّ قَبِيحَةِ

وَتَرْكُ عُقُوبَاتِ الَّذِينَ قَدِ اعْتَدَوْا

وَتَرْكُ الْوَرَى الإِنْصَافَ بَيْنَ الرَّعِيَّةِ

ص: 405

فَلَا تُضْمَنَنْ نَفْسٌ وَمَالٌ بِمِثْلِهِ

وَلَا يُعْقَبَنْ عَادٍ بِمِثْلِ الْجَرِيمَةِ

وَهَلْ في عُقُولِ النَّاسِ أَوْ في طِبَاعِهِمْ

قَبُولٌ لِقَوْلِ النَّذْلِ (1) مَا وَجْهُ حِيلَتِي

وَيَكْفِيكَ نَقْضًا مَا بِجِسْمِ ابْنِ آدَمِ

صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَكُلِّ بَهِيمَةِ

مِنَ الأَلم الْمَقْضِيِّ في غَيْرِ حِيلَةٍ

وَفِيمَا يَشَاءُ اللَّهُ أَكْمَلُ حِكْمَةِ

إِذَا كَانَ في هَذَا لَهُ حِكْمَةٌ فَمَا

يُظَنُّ بِخَلْقِ الْفِعْلِ ثُمَّ الْعُقُوبَةِ

وَكَيْفَ وَمِنْ هَذَا عَذَابٌ مُوَلَّدٌ

عَنِ الْفِعْلِ فِعْلِ الْعَبْدِ عِنْدَ الطَّبِيعَةِ

كَآكِلِ سُمٍّ أَوْجَبَ الْمَوْتَ أَكْلُهُ

وَكُلٌّ بِتَقْدِيرٍ لِرَبِّ الْبَرِيَّةِ

فَكُفْرُكَ يَا هَذَا كَسُمٍّ أَكَلْتَهُ

وَتَعْذِيبُ نَارٍ مِثْلُ جُرْعَةِ غُصَّةِ

أَلسْتَ تَرَى في هَذِهِ الدَّارِ مَنْ جَنَى

يُعَاقَبُ إِمَّا بِالْقَضَا أَوْ بِشِرْعَةِ

وَلَا عُذْرَ لِلْجَانِي بِتَقْديرِ خَالِقٍ

كَذَلِكَ في الأُخرَى بِلَا مَثْنَوِيَّةِ

وَتَقْدِيرُ رَبِّ الْخَلْقِ لِلذَّنْبِ مُوجِبٌ

لِتَقْدِيرِ عُقْبَى الذَّنْبِ إِلَّا بتَوْبَةِ

وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ المتَابِ لِرَفْعِهِ

عَوَاقِبَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ الخَبِيثَةِ

كَخَيْرٍ تُمْحَى بِهِ الذُّنُوبُ وَدَعْوَةٍ

تُجَابُ مِنَ الجَانِي وَرُبَّ شَفَاعَةِ

وَقَوْلُ حَلِيفِ الشِّرِّ إِنِّي مُقَدَّرٌ

عَلَيَّ كَقَوْلِ الذِّئْبِ هَذِي طَبِيعَتِي

وَتَقْدِيرُهُ لِلْفِعْلِ يَجْلُبُ نِقْمَةً

كتَقْدِيرِهِ الأَشْيَاءَ طُرًّا بِعِلَّةِ

فَهَلْ يَنْفَعَنْ عُذْرُ الْمَلُومِ بِأَنَّهُ

كَذَا طَبْعُهُ أَمْ هَلْ يُقَالُ لِعْثْرَةِ

أَمِ الذَّمُّ وَالتَّعْذِيبُ أَوْكَدُ لِلَّذِي

طَبِيعَتُهُ فِعْلُ الشُّرُورِ الشَّنِيعَةِ

فَإِنْ كُنْتَ تَرْجُو أَنْ تُجَابَ بِما عَسَى

يُنَجِّيكَ مِنْ نَارِ الإِلَهِ الْعَظِيمَةِ

فَدُونَكَ رَبَّ الخَلْقِ فَاقْصِدْهُ ضَارِعًا

مُرِيدًا لأَنْ يَهْدِيكَ نَحْوَ الْحَقِيقَةِ

وَذَلِّلْ قِيَاد النَّفْسِ لِلْحَقِّ وَاسْمَعَنْ

وَلَا تُعْرِضَنْ عَنْ فِكْرَةٍ مُسْتَقِيمَةِ

(1)"النذل" بفتح، فسكون، و"النذيل: الخسيس من الناس. اهـ "ق".

ص: 406

وَمَا بَانَ مِنْ حَقٍّ فَلَا تَتْرُكنَّهُ

وَلَا تَعْصِ مَنْ يَدْعُو لأَقْوَمِ شِرْعَةِ

وَدَعْ دِينَ ذَا الْعَادَاتِ لَا تَتْبَعَنَّهُ

وَعُجْ عَنْ سَبِيلِ الأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ

وَمَنْ ضَلَّ عَنْ حَقٍّ فَلَا تَقْفُوَنَّهُ

وَزِنْ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ بِالْمَعْدِلِيَّةِ

هُنَالِكَ تَبْدُو طَالِعَاتٌ مِنَ الْهُدَى

تُبَشِّرُ مَنْ قَدْ جَاءَ بِالْحَنِيفِيَّةِ

بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ذَاكَ إِمَامُنَا

وَدينِ رَسُولِ اللهِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ

فَلَا يَقْبَلُ الرَّحْمَنُ دِينًا سِوَى الَّذِي

بِهِ جَاءَتِ الرُّسْلُ الْكِرَامُ السَّجِيَّةِ

وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَاشِرُ الْخَاتِمُ الَّذِي

حَوَى كُلَّ خَيْرٍ في عُمُومِ الرِّسَالَةِ

وَأَخْبَرَ عَنْ رَبِّ الْعِبَادِ بِأَنَّ مَنْ

غَدَا عَنْهُ في الأُخْرَى بِأَقْبَح خَيْبَةِ

فَهَذِي دَلَالَاتُ الْعِبَادِ لِحَائِرٍ

وَأَمَّا هُدَاهُ فَهْوَ فِعْلُ الرُّبُوبَةِ

وَفَقْدُ الْهُدَى عِنْدَ الْوَرَى لَا يُفِيدُ مَنْ

غَدا عَنْهُ بَلْ يُجْزَى بِلَا وَجْهِ حُجَّةِ

وَحُجَّةُ مُحْتَجٍّ بِتَقْدِيرِ رَبِّهِ

تَزِيدُ عَذَابًا كَاحْتِجَاجِ مَرِيضَةِ

وَأَمَّا رِضَانَا بِالْقَضَاءِ فَإِنَّمَا

أُمِرْنَا بِأَنْ نَرْضَى بِمِثْلِ المُصِيبَةِ

كَسُقْمِ وَفَقْرٍ ثُمَّ ذُلٍّ وَغُرْبَةٍ

وَمَا كَانَ مِنْ مُؤْذٍ بِدُونِ جَرِيمَةِ

فَأَمَّا الأَفَاعِيلُ الَّتِي كُرِهَتْ لنَا

فَلَا نَرْتَضِي مَسْخُوطَةً لمِشِيئَةِ

وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أُولِي الْعِلْم لَا رِضَا

بِفِعْلِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ الْكَبِيرَةِ

وَقَالَ فَرِيقٌ نَرْتَضِي بِقَضَائِهِ

وَلَا نَرْتَضِي المقْضِيَّ أَقْبَحِ خَصْلَةِ

وَقَالَ فَرِيقٌ نَرْتَضِي بِإِضَافَةٍ

إِلَيْهِ وَمَا فِينَا فَنَلْقَى بِسَخْطَةِ

كَمَا أَنَّهَا لِلرَّبِّ خَلْقٌ وَأَنَّهَا

لمِخْلُوقِهِ لَيْسَتْ كَفِعْلِ الْغَرِيزَةِ

فَنَرْضَى مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ خَلْقُهُ

وَنَسْخَطُ مِنْ وَجْهِ اكْتِسَابِ الْخَطِيئَةِ

وَمَعْصِيَةُ الْعَبْدِ المكَلَّفِ تَرْكُهُ

لِمَا أَمَرَ الْمَوْلَى وِإِنْ بِمَشِيئَةِ

فَإِنَّ إِلَهَ الْخَلْقِ حَقٌّ مَقَالُهُ

بِأَنَّ الْعِبَادَ في جَحِيمِ وَجَنَّةِ

ص: 407

كَمَا أَنَّهُمْ في هَذِهِ الدَّارِ هَكَذَا

بَلِ الْبُهْمُ في الآلَام أَيْضًا وَنِعْمَةِ

وَحِكْمَتُهُ الْعُلْيَا اقْتَضتْ مَا اقْتَضَتْ مِنَ

فِرُوقِ بِعِلْم ثُمَّ أَيْدٍ وَرَحْمَةِ

يَسُوقُ أُولِي التَّعْذِيبِ بِالسَّبَبِ الَّذِي

يُقَدِّرُهُ نَحْوَ الْعَذَابِ بِعِزَّةِ

وَيَهْدِي أُولِي التَّنْعِيم نَحْوَ نَعِيمِهِمْ

بِأَعمالِ صِدْقٍ في رَجَاءٍ وَخَشْيَةِ

وَأَمْرُ إِلَهِ الْخَلْقِ بَيَّنَ مَا بِهِ

يَسُوقُ أُولِي التَّنْعِيمِ نَحْوَ السَّعَادَةِ

فَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ أَثَّرَتْ

أَوَامِرُهُ فِيهِ بِتَيْسِيرِ صَنْعَةِ

وَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ لَمْ يَنَلْ

بِأَمْرٍ وَلَا نَهْي بِتَقْدِيرِ شِقْوَةِ

وَلَا مَخْرَجٌ لِلْعَبْدِ عَمَّا بِهِ قَضَى

وَلَكِنَّهُ مُخْتارُ حُسْنٍ وَسَوْأَةِ

فَلَيْسَ بِمَجْبُورٍ عَدِيمِ الإِرَادَةِ

وَلَكِنَّهُ شَاءٍ بخَلْقِ الإِرَادَةِ

وَمِنْ أَعْجَبِ الأَشْيَاءِ خَلْقُ مَشِيئَةٍ

بَهَا صَارَ مُخْتَارَ الْهُدَى بِالضَّلَالَةِ

فَقَوْلُكَ هَلْ أَخْتَارُ تَرْكًا لحِكْمَةٍ

كَقَوْلكَ هَلْ أَخْتَارُ تَرْكَ الْمَشِيئَةِ

وَأَخْتَارُ أَنْ لا اخْتَارَ فِعْلَ ضَلَالَةٍ

وَلَوْ نِلْتُ هَذَا التَّرْكَ فُزْتُ بتَوْبَةِ

وَذَا مُمكنٌ لَكِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ

عَلَى مَا يَشَاءُ اللَّهُ مِنْ ذِي الْمَشَيئَةِ

فَدُونَكَ فَافْهَمْ مَا بِهِ قَدْ أَجَبْتُ مِنْ

مَعَانٍ إِذَا انْحَلَّتْ بِفَهْمِ غَرِيزَةِ

أَشَارَتْ إِلَى أَصْلٍ يُشِيرُ إِلَى الْهُدَى

وَللَّه رَبِّ الْخَلْقِ أَكْمَلُ مِدْحَةِ

وَصَلَّى إِلَهُ الخلْقِ جل جلاله

عَلَى الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ

انتهت قصيدة شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في الردّ على سؤال في قصيدة وجهها بعض الذميين معترضًا على القدر، فأجابه رحمه الله بهذه القصيدة الجامعة الفاذّة، فأجاد وأفاد، جزاه الله عن دفاعه عن الإسلام خير الجزاء (1)، والله تعالى أعلم بالصواب.

(1) انتهت منقولة من "مجموع الفتاوى" جـ 8/ ص 245 - 255.

ص: 408

وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

76 -

(حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ.

(ح) وحَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُوُل اللَّه صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، أَنَّهُ يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ في بَطنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّه إِلَيْهِ الْمَلَكَ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كلِمَاتٍ، فَيَقُولُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَأَجَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنه وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنه وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجنَّةِ فَيَدْخُلُهَا").

رجال هذا الإسناد: تسعة:

1 -

(عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن إسحاق الطَّنَافسيّ، ثقة عابدٌ [10] تقدّم في 9/ 57.

2 -

(عِليُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ) العطّار، ثقة [10] تقدم في 9/ 59.

3 -

(وَكيعٌ) بن الجرّاح الرؤاسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ عابد [9] تقدّم في 1/ 3.

4 -

(مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوَان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق، رُمي بالتشيّع [9] تقدم في 2/ 21.

5 -

(أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [9] تقدّم في 1/ 3.

6 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بن أبي أُميّة -واسمه عبد الرحمن، ويقال: إسماعيل- الطَّنَافسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأحدب، ثقة حافظٌ [11](1).

(1) وقع في نسخ "التقريب" أنه من الحادية عشرة، والظاهر أنه غلط، بل هو من التاسعة، كما هو ظاهر من مشايخه، وتلامذته، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

ص: 409

رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وابن إسحاق، ووائل بن داود، ويزيد بن كيسان، وجماعة.

ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، ويحيى بن معين، وابنا أبي شيبة، وأبو خَيْثمة، ومحمد ابن عبد الله بن نمير، وأحمد بن منيع، وهارون بن عبد الله، وغيرهم.

قال الأثرم: وسألته -يعني أحمد بن حنبل- عن عُمر بن عبيد، ومحمد بن عبيد، ويعلى بن عبيد، فوثقهم. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت يحيى بن معين -وسئل عن وَلَدِ عبيد: محمد، وعُمر، ويعلى- فقال: كانوا ثقات، وأثبتهم يعلى. وقال المفضل الغلابي عن يحيى: بنو عُبيد ثقات. وقال ابن عمار: كلهم ثبت، وأحفظهم يعلى، وأبصرهم بالحديث محمد، وعمر شيخهم، وكان الأخ الرابع لا يُحسِن قليلًا ولا كثيرًا. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان عثمانيا، وكان حديثه أربعة آلاف يحفظها. وقال الآجري عن أبي داود: حدث محمد بن عبيد عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يَضْرِب ولده على اللحن، فقال له رجل: لو أخذناك بهذا ما رفعنا عنك العصا. وقال النسائي: ثقة.

وقال الدارقطني: محمد، وعُمر، ويعلى، وإدريس، وإبراهيم بنو عُبيد، كلهم ثقات، وأبوهم ثقة حدث أيضًا. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: أتيناه، وكان لا يجترىء على قراءة كتابه، حتى نُعينه عليه، أو نحو هذا، قاله يحيى، وما ذكره إلا بخير.

وقال الدوري: سمعت محمد بن عبيد يقول: خير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ويقول: اتّقوا، لا يَخْدَعكم هؤلاء الكوفيون. وقال حرب عن أحمد: كان محمد رجلًا صدوقًا، وقال: يعلى أثبت منه. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: كان محمد يُظهر السنة، وكان يخطىء، ولا يرجع عن خطئه. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، صاحب سنة.

وقال يعقوب بن شيبة: مات قبل أخيه يعلى، سنة أربع ومائتين، سمعت علي بن المديني يقول: كان كَيِّسًا. وقال خليفة، ومطين: مات سنة خمس. وقال ابن قانع، وابن

ص: 410

حبان: مات سنة ثلاث. وقيل: سنة خمس. وقال الخطيب: كان مولده سنة أربع وعشرين ومائة.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (14) حديثًا.

7 -

(الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ، ثقة ثبت عابد يدلس [5] تقدّم في 1/ 1.

8 -

(زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الْجُهَنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، مخضرم ثقة جليلٌ، لم يُصب من قال: في حديثه خَلَلٌ [2].

رَحَلَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقبض وهو في الطريق، ورَوَى عن عمر، وعثمان، وعليّ، وأبي ذرّ، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وغيرهم.

وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، والحْكَم بن عُتيبة، والأعمش، ومنصور، وحُصين، وعبد العزيز بن رُفيع، وسَلَمَة بن كُهيل، وطلحة بن مُصَرِّف، وحبيب بن أبي ثابت، وحماد بن أبي سليمان، وعَدِيّ بن ثابت، وعبد الملك ابن ميسرة، وجماعة.

قال زهير عن الأعمش: إذا حدثك زيد بن وهب عن أحد، فكأنك سمعته من الذي حدثك عنه. وقال ابن معين: ثقة: وقال ابن خِرَاش: كوفي ثقة، دخل الشام، وروايته عن أبي ذر صحيحة.

وقال العجلي: ثقة. وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": وابن مندهْ: أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إليه، فلم يدركه. وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير (1). وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، تُوفي في ولاية الحجاج بعد الجماجم.

وقال أبو بكر بن منجويه: مات سنة ست وتسعين. وكذا قال ابن حبان في "الثقات".

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تعقّب الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى قول

(1) قد عرفت في أول الترجمة أن هذا غير صحيح.

ص: 411

يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير، فأجاد وأفاد، ونصّه في "ميزان الاعتدال":

زيد بن وهب من أجلة التابعين وثقاتهم، متفق على الاحتجاج به، إلا ما كان من يعقوب الفسوي، فإنه قال في "تاريخه": في حديثه خلل كثير، ولم يصب الفسوي، ثم إنه ساق من روايته قول عمر:"يا حذيفة بالله أنا من المنافقين"، قال: وهذا محُال أخاف أن يكون كذبًا، قال: ومما يُستَدَلُّ به على ضعف حديثه روايته عن حذيفة: "إن خَرَج الدجال تبعه من كان يحب عثمان"، ومن خلل روايته قوله: حدثنا والله أبو ذر بالرَّبَذَة قال: "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فاستقبلنا أحد

" الحديث.

فهذا الذي استنكره الفسوي من حديثه، ما سُبِق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا، لرددنا كثيرًا من السنن الثابتة بالوهم الفاسد، ولا نفتح علينا في زيد بن وهب خاصّة باب الاعتزال، فردوا حديثه الثابت عن ابن مسعود، حديث الصادق المصدوق، وزيد سيد، جليل القَدْر. انتهى المقصود من كلام الذهبي رحمه الله، وهو كلام نفيسٌ جدًّا (1).

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث برقم 76 و 346 و 3238 و 3351 و 3956 و 4053.

9 -

(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ) الصحابيّ الجليل رضي الله عنه تقدّم في 2/ 19، والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله بالنسبة للسند الأول، ومن خماسيّاته بالنسبة للثاني، فهو عالٍ بدرجة.

2 -

(ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين.

3 -

(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.

4 -

(ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش، إلا أن يكون الثوريّ.

(1) راجع "ميزان الاعتدال" 2/ 107.

ص: 412

5 -

(ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه أحد السابقين إلى الإسلام، جمّ المناقب، وقد سبق بعضها في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجهنيّ رحمه الله، أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه، ووقع عند البخاريّ من طريق آدم بن أبي إياس، عن شعبة، حدّثنا الأعمش، سمعت زيد بن وهب، سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

" (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ) قال الطيبي: يحتمل أن تكون الجملة حالية، ويحتمل أن تكون اعتراضية، وهو أولى لتعم الأحوال كلها، وأن ذلك من دَأْبه وعادته.

وقوله: "الصادق": أي الكامل في الصدق، أو الظاهر كونه صادقًا بشهادة المعجزات الباهرات، وليس المراد أنه الصادق دون غيره. و"المصدوق": أي الذي جاءه الصدق من ربّه، وليس معناه: المُصَدَّق -بفتح الدال المشدّدة- أي الذي صَدَّقه المؤمنون، وإن كان هو في الواقع موصوفًا بكونه مُصَدَّقًا أيضًا. قاله السنديّ رحمه الله (1).

وقال في "الفتح": "الصادق" معناه: المخبر بالقول الحق، ويُطلق على الفعل، يقال: صدق القتال، وهو صادق فيه. و"المصدوق" معناه: الذي يُصدَق له في القول، يقال: صدقته الحديث: إذا أخبرته به إخبارًا جازمًا، أو معناه: الذي صَدَقَهُ الله تعالى وَعْدَه.

وقال الكرماني: لمّا كان مضمون الخبر أمرًا مخالفًا لما عليه الأطباء، أشار بذلك إلى بطلان ما ادّعوه.

ويحتمل أنه قال ذلك تلذذًا به، وتبركًا، وافتخارًا، ويؤيده وقوع هذا اللفظ بعينه في حديث أنس وليس فيه إشارة إلى بطلان شيء يخالف ما ذُكر، وهو ما أخرجه أبو داود من حديث المغيرة بن شعبة، سمعت الصادق المصدوق يقول: "لا تُنزع الرحمة إلا

(1)"شرح السنديّ" 1/ 58.

ص: 413

من شقي". وفي "صحيح البخاريّ"، في "علامات النبوة"، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، سمعت الصادق المصدوق يقول: "هلاكُ أمتي على يدي أُغيلمة من قريش". قاله في "الفتح" (1).

(أَنَّهُ) بفتح الهمزة، وهو الظاهر، وكسرها على الحكاية، ولفظ البخاريّ:"أنّ أحدكم".

قال أبو البقاء في "إعراب المسند": لا يجوز في أنّ إلا الفتح؛ لأنها وما عملت فيه معمول "حدثنا"، فلو كُسِرت لصار مستأنفًا منقطعا عن قوله:"حدثنا".

[فإن قلت]: اكسِرْ، واحمل "حدّثنا" على "قال".

[قيل]: هذا خلاف الظاهر، ولا يُترك الظاهر إلى غيره، إلا لدليل مانع من الظاهر، ولو جاز مثل هذا من غير أن يثبت به النقل لجاز في مثل قوله تعالى:{أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ} [المؤمنون: 35] الكسر؛ لأن معنى "يعدكم" يقول لكم، وقد اتفق القراء على أنها بالفتح.

وقال الزركشيّ: وردّ عليه القاضي شمس الدين الخوبيّ، وقال الكسر واجب؛ لأنه الرواية، ووجهه على الحكاية، كقول الشاعر:

سَمِعْتُ النَّاسُ يَنْتَجِعُونَ غَيْثًا (2)

برفع "النّاسُ".

وجزم النووي في "شرح مسلم" بـ "إنه" بالكسر على الحكاية، وجوز الفتح، وقد جزم ابن الجوزي بأنه في الرواية بالكسر فقط. قال الخوبي: ولو لم تجيء به الرواية لمَا امتنع جوازًا على طريق الرواية بالمعنى، وأجاب عن الآية بأن الوعدَ مضمون الجملة، وليس بخصوص لفظها، فلذلك اتفقوا على الفتح، فأما هنا فالتحديث يجوز أن يكون

(1)"الفتح" 11/ 583 "كتاب القدر".

(2)

البيت لذي الرّمّة، وتمامه:

سَمِعْتُ النَّاسُ يَنْتَجِعُونَ غَيْثًا

بِسَائِقَةِ الْبَيَاضِ إِلَى الْوَحِيدِ

ص: 414

بلفظه وبمعناه. انتهى (1).

(يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ في بَطْنِ أُمِّهِ) هكذا رواية المصنّف، وفي رواية عند البخاريّ:"إن أحدكم يُجمَع في بطن أمه"، وفي رواية له:"إن خلق أحدكم يُجمَع في بطن أمه"، وفي رواية: إن أحدكم يُجمَع خلقه في بطن أمه".

والمراد بالجمع ضم بعضه إلى بعض بعد الانتشار.

وفي قوله: "خلقُ" تعبيرٌ بالمصدر عن الجُثّة، وحَمْل على أنه بمعنى المفعول، كقولهم: هذا درهمٌ، ضَرْبُ الأميرِ: أي مضروبُهُ، أو على حذف مضاف: أي ما يقوم به خلق أحدكم، أو أُطْلِق مبالغةً، كقوله:"وإنما هي إقبال وإدبار"، جعلها نفس الإقبال والإدبار؛ لكثرة وقوع ذلك منها.

قال القرطبي في "المفهم": المراد أن المنيّ يَقَع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثًا متفرقًا، فيجمعه الله في محل الولادة من الرحم في هذه المدّة. انتهى (2).

(أَرْبَعِينَ يَوْمًا) زاد في رواية عند البخاريّ: "أو أربعين ليلةً"، قال في "الفتح": وكذا لأكثر الرواة عن شعبة بالشك، وفي رواية يحيى القطان، ووكيع، وجرير، وعيسى ابن يونس:"أربعين يوما" بغير شك، وفي رواية سلمة بن كهيل:"أربعين ليلةً"، بغير شك.

ويُجمَع بأن المراد يوم بليلته، أو ليلة بيومها، ووقع عند أبي عوانة، من رواية وهب بن جرير، عن شعبة زيادة:"نُطْفَة" بين قوله: "أحدكم"، وبين قوله:"أربعين"، فَبَيَّن أن الذي يُجمَع هو النطفة، والمراد بالنطفة المنيُّ، وأصله الماء الصافي القليل، والأصل في ذلك أن ماء الرجل إذا لاقى ماء المرأة بالجماع، وأراد الله أن يخلُق من ذلك

(1)"الفتح" 11/ 584 ببعض تصرّف، وزيادة من "عقود الزبرجد" للسيوطيّ 1/ 224 - 225.

(2)

راجع "المفهم" 6/ 649 - 650.

ص: 415

جَنِينًا هيّأ أسباب ذلك؛ لأن في رحم المرأة قوتين: قوة انبساط عند ورود مني الرجل، حتى ينتشر في جسد المرأة، وقوةُ انقباض بحيث لا يسيل من فرجها، مع كونه منكوسًا، ومع كون المني ثقيلا بطبعه، وفي مني الرجل قوة الفعل، وفي مني المرأة قوة الانفعال، فعند الامتزاح يَصِير مني الرجل كالإِنفَحة للبن، وقيل: في كل منهما قوة فعل وانفعال، لكن الأول في الرجل أكثر، وبالعكس في المرأة.

وزعم كثير من أهل التشريح أن مني الرجل لا أثر له في الولد إلا في عقده، وأنه إنما يتكون من دم الحيض، وأحاديث الباب تُبطِل ذلك، وما ذُكِر أولا أقرب إلى موافقة الحديث. والله أعلم.

وقال ابن الأثير في "النهاية": يجوز أن يُريد بالجمع مكث النطفة في الرحم: أي تَمْكثُ النطفة أربعين يومًا تُخَمَّر فيه حتى تتهيأ للتصوير، ثم تخلق بعد ذلك.

وقيل: إن ابن مسعود رضي الله عنه فسره بأن النطفة إذا وقعت في الرحم، فأراد الله أن يخلُق منها بشرًا طارت في جسد المرأة، تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين يومًا، ثم تَنْزِل دمًا في الرحم، فذلك جمعها.

قال الحافظ: هذا التفسير ذكره الخطابي، وأخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" من رواية الأعمش أيضا، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود رضي الله عنه.

وقوله: "فذلك جمعها" كلام الخطابي، أو تفسير بعض رواة حديث الباب، وأظنه الأعمش، فظن ابن الأثير أنه تَتِمَّة كلام ابن مسعود رضي الله عنه، فأدرجه فيه، ولم يتقدم عن ابن مسعود في رواية خيثمة ذِكْرُ الجمع حتى يفسره.

وقد رجح الطيبي هذا التفسير، فقال: الصحابي أعلم بتفسير ما سَمِعَ، وأحقّ بتأويله، وأولى بقبول ما يَتَحَدّث به، وأكثر احتياطًا في ذلك من غيره، فليس لمن بعده أن يَتَعّقب كلامه.

وقد وقع في حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه رَفَعَهُ ما ظاهره يخالف التفسير المذكور، ولفظه: "إذا أراد الله خلق عبد، فجامع الرجل المرأة، طار ماؤه في كل عِرْقٍ

ص: 416

وعضو منها، فإذا كان يوم السابع جمعه الله، ثم أحضره كل عِرْقٍ له دون آدم، في أيِّ صورة ما شاء ركبه"، وفي لفظ: "ثم تلا: {في أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 8]، وله شاهد من حديث رَبَاحٍ اللَّخْمِيّ، لكن ليس فيه ذكر يوم السابع.

وحاصله أن في هذا زيادةً تدل على أن الشَّبَهَ يَحصُل في اليوم السابع، وأن فيه ابتداء جمع المني، وظاهر الروايات الأخرى أن ابتداء جمعه من ابتداء الأربعين.

وقد وقع في رواية عبد الله بن ربيعة، عن ابن مسعود: أن النطفة التي تُقضى منها النفس، إذا وقعت في الرحم، كانت في الجسد أربعين يومًا، ثم تحادرت دمًا، فكانت عَلَقَةً.

وفي حديث جابر رضي الله عنه "أن النطفة إذا استقرت في الرحم أربعين يومًا أو ليلة، أذن الله في خلقها"، ونحوه في حديث عبد الله بن عمرو، وفي حديث حذيفة بن أسيد من رواية عكرمة بن خالد، عن أبي الطفيل عنه:"أن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك" وكذا في رواية يوسف المكي، عن أبي الطفيل عند الفريابي، وعنده وعند مسلم من رواية عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل:"إذا مُرَّ بالنطفة ثلاث وأربعون"، وفي نسخة "ثنتان وأربعون ليلة"، وفي رواية ابن جريج، عن أبي الزبير، عند أبي عوانة:"ثنتان وأربعون"، وهي عند مسلم، لكن لم يسق لفظها، قال: بمثل حديث عمرو بن الحارث، وفي رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبي الطفيل عند مسلم أيضا:"إذا أراد الله أن يخلقَ شيئًا يأذن له لبضع وأربعين ليلةً".

وفي رواية عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل:"يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين، أو خمس وأربعين"، وهكذا رواه ابن عيينة، عن عمرو عند مسلم، ورواه الفريابي من طريق محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو، فقال:"خمسة وأربعين ليلة"، فجزم بذلك.

فحاصل الاختلاف أن حديث ابن مسعود رضي الله عنه لم يَختَلِف في ذكر الأربعين، وكذا في كثير من الأحاديث، وغالبُها كحديث أنس عند البخاريّ لا تحديد فيه، وحديث

ص: 417

حذيفة بن أَسِيد اختَلَفت ألفاظ نقلته، فبعضهم جزم بالأربعين، كما في حديث ابن مسعود، وبعضهم زاد ثنتين، أو ثلاثًا، أو خمسًا، أو بضعًا، ثم منهم من جزم، ومنهم من تردد، وقد جمع بينها القاضي عياض بأنه ليس في رواية ابن مسعود بأن ذلك يقع عند انتهاء الأربعين الأولى، وابتداء الأربعين الثانية، بل أطلق الأربعين، فاحتمل أن يريد أن ذلك يقع في أوائل الأربعين الثانية.

ويحتمل أن يُجمَع الاختلاف في العدد الزائد على أنه بحسب اختلاف الأجنة، وهو جيد، لو كانت مخارج الحديث مختلفة، لكنها متحدة، وراجعة إلى أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد، فدل على أنه لم يَضبِط القدر الزائد على الأربعين، والخطب فيه سهل، وكلُّ ذلك لا يدفع الزيادة التي في حديث مالك بن الحويرث في إحضار الشَّبَه في اليوم السابع، وأن فيه يبتدىء الجمع بعد الانتشار، وقد قال ابن منده: إنه حديث متصل على شرط الترمذي والنسائي، واختلاف الألفاظ بكونه في البطن، وبكونه في الرحم، لا تأثير له؛ لأنه في الرحم حقيقة، والرحم في البطن، وقد فَسَّرُوا قوله تعالى:{في ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} [الزمر: 6] بأن المراد ظلمة المَشِيمَة، وظلمة الرحم، وظلمة البطن، فالمشيمة في الرحم، والرحم في البطن (1).

(ثُمَّ يَكُونُ) أي يصير خَلْقُ أحدكم، أي مادّةُ خلقه، وهي النطفة (عَلَقَةً) بفتحتين: أي دمًا جامدًا غليظًا، وسُمّي بذلك للرطوبة التي فيه، وتَعَلُّقه بما مَرّ به (مِثْلَ ذَلِكَ) أي مثل الزمن المذكور، وهو الأربعون.

ووقع في رواية مسلم بلفظ: "ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك"، قال القرطبيّ:"ذلك" الأول إشارة إلى المحلّ الذي اجتمعت فيه النطفة، وصارت علقةً، و"ذلك" الثاني إشارة إلى الزمان الذي هو الأربعون. انتهى (2).

(1) راجع "الفتح" 11/ 585 - 586.

(2)

"المفهم" 6/ 650.

ص: 418

وقال في "الفتح": و "تكون" هنا بمعنى "تصير"، ومعناه أنها تكون بتلك الصفة مدة الأربعين، ثم تنقلب إلى الصفة التي تليها، ويحتمل أن يكون المراد تصييرها شيئًا فشيئًا، فيخالط الدم النطفة في الأربعين الأولى بعد انعقادها وامتدادها، وتجري في أجزائها شيئًا فشيئًا، حتى تتكامل عَلَقَةً في أثناء الأربعين، ثم يخالطها اللحم شيئًا فشيئًا إلى أن تشتد، فتصير مضغةً، ولا تسمى عَلَقَة قبل ذلك ما دامت نطفةً، وكذا ما بعد ذلك من زمان العلقة والمضغة.

وأما ما أخرجه أحمد من طريق أبي عبيدة قال: قال عبد الله رفعه: "إن النطفة تكون في الرحم أربعين يومًا على حالها لا تتغير"، ففي سنده ضعف وانقطاع، فإن كان ثابتا حُمِل نفي التغير على تمامه: أي لا تنتقل إلى وصف العلقة إلا بعد تمام الأربعين، ولا ينفي أن المني يستحيل في الأربعين الأولى دمًا إلى أن يصير علقة. انتهى.

وقد نقل الفاضل علي بن المهذّب الحمويّ الطبيب اتفاق الأطباء على أن خلق الجنين في الرحم يكون في نحو الأربعين، وفيها تتميز أعضاء الذكر دون الأنثى؛ لحرارة مزاجه وقُواه، وأُعيد إلى قوام المنيّ الذي تتكون أعضاؤه منه ونضجه، فيكون أقبل للشكل والتصوير، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، والْعَلَقة قطعة دم جامد، قالوا: وتكون حركة الجنين في ضِعْفِ المدة التي يُخلَق فيها، ثم يكون مضغة مثل ذلك، أي لحمةً صغيرةً، وهي الأربعون الثالثة، فتتحرك، قال: واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر.

وذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم أن داخل الرحم خَشِنٌ كالسفنج، وجعل فيه قبولا للمنيّ كطلب الأرض العطشى للماء، فجعله طالبًا مشتاقًا إليه بالطبع، فلذلك يمسكه، ويشتمل عليه، ولا يُزْلِقُهُ، بل ينضم عليه؛ لئلا يفسده الهواء، فيأذن الله لملك الرحم في عقده وطبخه أربعين يومًا، وفي تلك الأربعين يُجمَع خلقه، قالوا: إن المنيّ إذا اشتمل عليه الرحم، ولم يَقذِفه استدار على نفسه، واشتد إلى تمام ستة أيام، فينقط فيه ثلاث نقط، في مواضع القلب، والدماغ، والكبد، ثم يظهر فيما بين تلك النقط خطوط

ص: 419

خمسة إلى تمام ثلاثة أيام، ثم تنفذ الدموية فيه إلى تمام خمسة عشر، فتتميز الأعضاء الثلاثة، ثم تمتد رطوبة النخاع إلى تمام اثني عشر يومًا، ثم ينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الضلوع، والبطن عن الجنين، في تسعة أيام، ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحس في أربعة أيام، فيكمل أربعين يومًا، فهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"يُجمَع خلقه في أربعين يومًا"، وفيه تفصيل ما أُجمل فيه.

ولا ينافي ذلك قوله: "ثم تكون علقة مثل ذلك"، فإن العلقة وإن كانت قطعة دم لكنها في هذه الأربعين الثانية تنتقل عن صورة المني، ويظهر التخطيط فيها ظهورًا خفيا على التدريج، ثم يتصلب في الأربعين يومًا بتزايد ذلك التخليق شيئًا فشيئًا حتى يصير مضغة مخلقة، ويظهر للحس ظهورا لا خفاء به، وعند تمام الأربعين الثالثة، والطعن في الأربعين الرابعة يُنفخ فيه الروح كما وقع في هذا الحديث الصحيح، وهو ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي، حتى قال كثير من فضلاء الأطباء، وحُذّاق الفلاسفة إنما يُعرَف ذلك بالتوهم والظن البعيد، واختلفوا في النقطة الأولى أيها أسبق، والأكثر نقط القلب، وقال قوم: أول ما يُخلق منه السرة؛ لأن حاجته من الغذاء أشد من حاجته إلى آلات قواه، فإن من السرة ينبعث الغذاء، والحجب التي على الجنين في السرة كأنها مربوط بعضها ببعض، والسرة في وسطها، ومنها يتنفس الجنين، ويتربى وينجذب غذاؤه منها.

(ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ) أي مثل مدة الزمان المذكور في الاستحالة، و"المضغةُ": قطعة اللحم، سُمِّيت بذلك لأنها قدرُ ما يَمْضَغُ الماضغ.

(ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّه إِلَيْهِ الْمَلَكَ) وفي رواية البخاريّ: "ثم يبعث الله ملكًا"، وفي رواية له:"ثم يُبْعَثُ إليه ملكٌ"، ولمسلم بلفظ:"ثم يُرسل الله".

أي يبعث الله إليه الملك في الطور الرابع حينما يتكامل بنيانه، وتتشكّل أعضاؤه، فيعيّن، ويُنقش فيه ما يليق به من الأعمال والأعمار والأرزاق حسبما اقتضته حكمته، وسبقت كلمته، فمن وجده مستعدّا لقبول الحقّ واتّباعه، ورآه أهلا للخير، وأسباب الصلاح، متوجّهًا إليه أثبته في عِداد السعداء، وكتب له أعمالًا صالحةً تناسب ذلك،

ص: 420

ومن وجده جافيًا، قاسي القلب، ضاريًا بالطبع، متنائيًا عن الحقّ أثبت ذكره في ديوان الأشقياء الهالكين، وكتب له ما يُتَوَقَّع منه من الشرور والمعاصي، هذا إذا لم يعلم من حاله وقوع ما يَقتضي تغيّر ذلك، وإن علم من ذلك شيئًا كتب له أوائل أمره وأواخره، وحكم عليه وفقَ ما يَتمّ به عمله؛ فإن مِلاك العمل خواتمه، وهو الذي يسبق إليه الكتاب، فيعمل عمل أهل الجنّة. انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله (1).

وقال في "الفتح": واللام فيه -أي الملك- للعهد، والمراد به عهد مخصوص، وهو جنس الملائكة الموكلين بالأرحام، كما ثبت في رواية حُذيفة بن أَسِيد من رواية ربيعة بن كلثوم:"أن ملكا موكلا بالرحم"، ومن رواية عكرمة بن خالد:"ثم يَتَسَوَّر عليها الملك الذي يُخَلِّقها"، وهو بتشديد اللام، وفي رواية أبي الزبير عند الفريابي:"أتى ملكُ الأرحام"، وأصله عند مسلم، لكن بلفظ:"بعث الله ملكًا"، وفي حديث ابن عمر:"إذا أراد الله ان أن يخلُق النطفة، قال ملك الأرحام"، وفي حديث أنس عند البخاريّ:"وكّل الله بالرحم ملكًا".

وقال الكرماني: إذا ثبت أن المراد بالملك مَن جُعل إليه أمرُ تلك الرحم، فكيف يُبْعَث، أو يُرسل؟.

وأجاب بأن المراد أن الذي يُبْعَث بالكلمات غير الملك الموكل بالرحم الذي يقول: "يا رب نُطفة الخ"، ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بالبعث أنه يؤمر بذلك.

قال الحافظ: وهو الذي ينبغي أن يُعَوَّل عليه، وبه جزم القاضي عياض وغيره.

وقد وقع في رواية يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الأعمش: "إذا استقرت النطفة في الرحم أخذها الملك بكفه، فقال: أي رب أذكر أو أنثى

" الحديث، وفيه: فيقال: انطلق إلى أم الكتاب، فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد ذلك"، فينبغي أن يفسر الإرسال المذكور بذلك.

(1)"الكاشف عن حقائق السنن" 2/ 534.

ص: 421

[تنبيه]: اختُلف في أول ما يتشكل من أعضاء الجنين، فقيل: قلبه؛ لأنه الأساس، وهو معدن الحركة الغريزية، وقيل: الدماغ؛ لأنه مَجْمَع الحْوَاسّ، ومنه ينبعث، وقيل: الكبد؛ لأن فيه النموّ والاغتذاء الذي هو قِوَام البدن، ورجّحه بعضهم بأنه مقتضى النظام الطبيعي؛ لأن النمو هو المطلوب أولًا، ولا حاجة له حينئذ إلى حِسّ، ولا حركة إرادية؛ لأنه حينئذ بمنزلة النبات، وإنما يكون له قوة الحس والإرادة عند تعلق النفس به، فيقدم الكبد، ثم القلب، ثم الدماغ. قاله في "الفتح"(1).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن مثل هذا الاختلاف مما لا ينبغي الاشتغال به؛ لأنه لا يعتمد على نصّ صحيح، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

(فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) أي بأربع قضايا مقدرة، فكل قضية تسمى كلمة قولًا كان أو فعلًا، ووقع عند البخاريّ بلفظ:"فيؤمر بأربعة"، في رواية:"بأربع"، وكلاهما صحيحٌ؛ لأن المعدود إذا حُذف جاز تذكير العدد وتأنيثه، والمعنى أنه يؤمر بكتب أربعة أشياء من أحوال الجنين.

(فَيَقُولُ) أي سبحانه وتعالى (اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَأَجَلَهُ، وَرِزْقَهُ) ووقع في رواية لمسلم: "فيؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه

الخ"، وضبط بكتب بوجهين أحدهما بموحدة مكسورة وكاف مفتوحة، ومثناة ساكنة، ثم موحدة على البدل، والآخر بتحتانية مفتوحة بصيغة الفعل المضارع، وهو أوجه؛ لأنه وقع في رواية: "فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب

"، وكذا في رواية أبي داود وغيره.

والمراد من كتابة عمله هل هو صالح، أو فاسد، وبالأجل هل هو طويلٌ، أو قصير، وبالرزق تقديره قليلًا أو كثيرًا، وصفته حرامًا أو حلالًا.

(وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ) بالرفع خبر مبتدإ محذوف، أي هو، والجملة عطف على مفعول "اكتُب"؛ لأنه أريد بها لفظها باعتبار الوجود الْكَتْبيّ، دون اللفظيّ، فإن اللفظ

(1)"الفتح" 11/ 587 - 588.

ص: 422

لا يكون لفظًا إلا بالتلفّظ، لا بالكتابة، ثم الترديد في الحكاية، لا في المحكيّ، وإنما جاءت الحكاية على لفظ الترديد نظرًا إلى التوزيع والتقسيم على آحاد المولود، فمنهم شقيّ وسعيد. قاله السنديّ (1).

وقال في "الفتح": والمراد أنه يُكتب لكل أحد إما السعادة، وإما الشقاء، ولا يكتبهما لواحد معًا، وإن أمكن وجودهما منه؛ لأن الحكم إذا اجتمعا للأغلب، وإذا ترتبا فللخاتمة، فلذلك اقتصر على أربع، وإلا لقال:"خمس".

ووقع لأبي داود من رواية شعبة والثوري جميعا عن الأعمش: "ثم يكتب شقيا أو سعيدًا".

ومعنى قوله: "شقيّ أو سعيدٌ" أن الملك يكتب إحدى الكلمتين، كأن يكتب مثلًا أجل هذا الجنين كذا، ورزقه كذا، وعمله كذا، وهو شقيّ باعتبار ما يُختَم له، وسعيد باعتبار ما يختم له، كما دل عليه بقية الخبر، وكان ظاهر السياق أن يقول: ويكتب شقاوته وسعادته، لكن عدل عن ذلك؛ لأن الكلام مسوق إليهما، والتفصيل وارد عليهما، أشار إلى ذلك الطيبي.

ووقع في حديث أنس رضي الله عنه: "إن الله وكل بالرحم ملكًا، فيقول: أي رب أذكر أو أثنى؟ " وفي حديث عبد الله بن عمرو: "إذا مكثت النطفة في الرحم أربعين ليلة، جاءها ملك، فقال: اخلُقْ يا أحسن الخالقين، فيقضي الله ما شاء، ثم يُدفَع إلى الملك، فيقول: يا رب أسقط أم تام؟، فيبين له، ثم يقول: أواحد أم توأم؟، فيبين له، فيقول: أذكر أم أنثى؟، فيبين له، ثم يقول: أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبين له، ثم يقول: أشقي أم سعيد؟ فيبين له، ثم يقطع له رزقه مع خلقه، فيهبط بهما".

ووقع في غير هذه الرواية أيضًا زيادة على الأربع، ففي رواية عبد الله بن ربيعة، عن ابن مسعود:"فيقول اكتب رزقه، وأثره، وخلقه، وشقي أو سعيد". وفي رواية

(1)"شرح السنديّ" 1/ 58.

ص: 423

خصيف، عن أبي الزبير، عن جابر من الزيادة:"أي رب مصيبته، فيقول: كذا وكذا".

وفي حديث أبي الدرداء عند أحمد والفريابي: "فَرَغَ الله إلى كل عبد من خمس: من عمله، وأجله، ورزقه، وأثره، ومضجعه".

وأما صفة الكتابة فظاهر الحديث أنها الكتابة المعهودة في صحيفته، ووقع ذلك صريحًا في رواية لمسلم، في حديث حُذيفة بن أَسِيد:"ثم تُطْوَى الصحيفة، فلا يزاد فيها ولا ينقص". وفي رواية الفريابي: "ثم تُطوَى تلك الصحيفة إلى يوم القيامة". ووقع في حديث أبي ذرّ: "فيَقضِي الله ما هو قاض، فيُكتَب ما هو لاقٍ بين عينيه، وتلا أبو ذر خمس آيات من فاتحة سورة التغابن"، ونحوه في حديث ابن عمر في "صحيح ابن حبان" دون تلاوة الآية، وزاد:"حتى النَّكبَة يُنكَبها"، وأخرجه أبو داود في "كتاب القدر" المفرد.

[تنبيه]: حديث ابن مسعود رضي الله عنه بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار، كلُّ طور منها في أربعين، ثم بعد تكملتها يُنفخ فيه الروح، وقد ذكر الله تعالى هذه الأطوار الثلاثة من غير تقييد بمدة في عِدة سور، منها في "سورة الحج" قوله عز وجل:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} الآية [الحج: 5] ودلت هذه الآية على أن التخليق يكون للمضغة، وبَيّن الحديثُ أن ذلك يكون فيها إذا تكاملت الأربعين، وهي المدة التي إذا انتهت سُمِّيت مضغة، وذكر الله النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة في سور أخرى، وزاد في سورة {قَدْ أَفْلَحَ} بعد المضغة:{فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} الآية [المؤمنون: 14]، ويؤخذ منها، ومن حديث الباب أن تصيير المضغة عظامًا بعد نفخ الروح. ووقع في آخر رواية أبي عبيدة المتقدم ذكرها قريبا بعد ذكر المضغة:"ثم تكون عظامًا أربعين ليلة، ثم يكسو الله العظام لحمًا".

وقد رَتَّبَ الأطوار في الآية بالفاء؛ لأن المراد أنه لا يتخلل بين الطورين طور

ص: 424

آخر، ورتبها في الحديث بـ "ثُمَّ" إشارةً إلى المدة التي تتخلل بين الطورين ليتكامل فيها الطور، وإنما أتى بـ "ثم" بين النطفة والعَلَقة؛ لأن النطفة قد لا تتكون إنسانًا، وأتى بـ "ثم" في آخر الآية عند قوله:{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} الآية [المؤمنون: 14] ليدل على ما يتجدد له بعد الخروج من بطن أمه، وأما الإتيان بـ "ثم" في أول القصة بين السُّلالة والنطفة، فللإشارة إلى ما تخلل بين خلق آدم وخلق ولده.

ووقع في حديث حُذيفة بن أَسيد عند مسلم ما ظاهره يخالف حديث ابن مسعود، ولفظه:"إذا مَرّ بالنطفة ثلاث وأربعون"، وفي نسخة: "ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحميها وعظمها، ثم قال: أي رب أذكر أم أنثى، فيَقضِي ربك ما شاء، ويَكتُب الملك، ثم يقول: يا رب أجله

" الحديث، هذه رواية عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أَسِيد في مسلم، ونسبها عياض في ثلاثة مواضع من شرح هذا الحديث إلى رواية ابن مسعود، وهو وَهَمٌ، وإنما لابن مسعود في أول الرواية ذِكْرُ قوله: "الشقيُّ من شَقِيَ في بطن أمه، والسعيدُ من وُعِظ بغيره"، فقط، وبقية الحديث إنما هو لحذيفة بن أَسيد، وقد أخرجه جعفر الفريابي من طريق يوسف المكيّ، عن أبي الطفيل عنه بلفظ: "إذا وقعت النطفة في الرحم، ثم استقرت أربعين ليلةً، قال: فيجيء ملك الرحم فيدخل، فيصور له عظمه ولحمه وشعره وبشره وسمعه وبصره، ثم يقول: أي رب أذكر أو أنثى؟

" الحديث.

قال القاضي عياض: وحمل هذا على ظاهره لا يصح؛ لأن التصوير بأثر النطفة وأولِ العَلَقة في أول الأربعين الثانية غير موجود ولا معهود، وإنما يقع التصوير في آخرِ الأربعين الثالثة، كما قال تعالى:{ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} الآية [المؤمنون: 14]، قال: فيكون معنى قوله: "فصوّرها الخ": أي كتب ذلك، ثم يفعله بعد ذلك، بدليل قوله بعدُ:"أذكر أو أنثى؟ "، قال: وخلقه جميعَ الأعضاء، والذكوريةُ والأنثوية، يقع في وقت

ص: 425

متفق، وهو مُشَاهَد فيما يوجد من أجنة الحيوان، وهو الذي تقتضيه الخلقة، واستواء الصورة، ثم يكون للملك فيه تصور آخر، وهو وقت نفخ الروح فيه، حين يكمل له أربعة أشهر، كما اتفق عليه العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة اشهر. انتهى ملخصًا.

وقد بسطه ابن الصلاح في "فتاويه"، فقال: ما مُلَخَّصه: أعرض البخاري عن حديث حُذيفة بن أَسيد إما لكونه من رواية أبي الطفيل عنه، وإما لكونه لم يره ملتئما مع حديث ابن مسعود، وحديثُ ابن مسعود لا شك في صحته، وأما مسلم فأخرجهما معًا، فاحتجنا إلى وجه الجمع بينهما، بأن يُحمَل إرسال الملك على التعدد، فمرة في ابتداء الأربعين الثانية، وأخرى في انتهاء الأربعين الثالثة لنفخ الروح، وأما قوله في حديث حذيفة في ابتداء الأربعين الثانية:"فصوّرها"، فان ظاهر حديث ابن مسعود أن التصوير إنما يقع بعد أن تصير مُضغة، فيحمل الأول على أن المراد أنه يصورها لفظًا وكَتْبًا لا فعلًا، أي يذكر كيفية تصويرها ويكتبها، بدليل أن جعلها ذكرا أو أنثى إنما يكون عند المضغة.

قال الحافظ: وقد نوزع في أن التصوير حقيقةً إنما يقع في الأربعين الثالثة، بأنه شوهد في كثير من الأجنة التصوير في الأربعين الثانية، وتمييز الذكر على الأنثى، فعلى هذا فيحتمل أن يقال: أول ما يبتدي به الملك تصوير ذلك لفظًا وكَتْبًا، ثم يشرع فيه فعلًا عند استكمال العَلَقة، ففي بعض الأجنة يتقدم ذلك، وفي بعضها يتأخر، ولكن بقي في حديث حُذيفة بن أسيد أنه ذكر العظم واللحم، وذلك لا يكون إلا بعد أربعين العلقةِ، فيقوى ما قال عياض ومن تبعه.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون الملك عند انتهاء الأربعين الأولى يَقْسِم النطفة إذا صارت عَلَقَة إلى أجزاء بحسب الأعضاء، أو يَقسِم بعضها إلى جلد، وبعضها إلى لحم، وبعضها إلى عظم، فيقدر ذلك كله قبل وجوده، ثم يتهيأ ذلك في آخر الأربعين الثانية، ويتكامل في الأربعين الثالثة.

ص: 426

وقال بعضهم: معنى حديث ابن مسعود أن النطفة يغلب عليها وصف المني في الأربعين الأولى، ووصف العلقة في الأربعين الثانية، ووصف المضغة في الأربعين الثالثة، ولا ينافي ذلك أن يتقدم تصويره، والراجح أن التصوير إنما يقع في الأربعين الثالثة.

وقد أخرج الطبري من طريق السُّدِّيّ في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ في الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: 6] قال عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وذكر أسانيد أخرى قالوا: إذا وقعت النطفة في الرحم، طارت في الجسد أربعين يومًا، ثم تكون عَلَقة أربعين يومًا، ثم تكون مضغة أربعين يومًا، فإذا أراد الله أن يخلقها بعث ملكا فصورها كما يؤمر، ويؤيده حديث أنس عند البخاريّ حيث قال بعد ذكر النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة:"فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب أذكر أم أنثى؟ "

الحديث.

ومال بعض الشراح المتأخرون إلى الأخذ بما دل عليه حديث حُذيفة بن أُسيد من أن التصوير والتخليق يقع في أواخر الأربعين الثانية حقيقة، قال: وليس في حديث ابن مسعود ما يدفعه، واستند إلى قول بعض الأطباء: إن المنيّ إذا حصل في الرحم حصل له زبدية، ورغوة في ستة أيام أو سبعة من غير استمداد من الرحم، ثم يستمد من الرحم، ويبتدىء فيه الخطوط بعد ثلاثة أيام أو نحوها، ثم في الخامس عشر ينفذ الدم إلى الجميع، فيصير عَلَقة، ثم تتميز الأعضاء، وتمتد رطوبة النخاع، وينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الأصابع تمييزا يظهر في بعض، ويخفى في بعض، وينتهي ذلك إلى ثلاثين يومًا في الأقل، وخمسة وأربعين في الأكثر، لكن لا يوجد سِقْط ذكر قبل ثلاثين، ولا أنثى قبل خمسة وأربعين، قال: فيكون قوله: "فيكتب" معطوفا على قوله: "يُجمَع".

وأما قوله: "ثم يكون علقة مثل ذلك"، فهو من تمام الكلام الأول، وليس المراد أن الكتابة لا تقع إلا عند انتهاء الأطوار الثلاثة، فيحمل على أنه من ترتيب الإخبار، لا

ص: 427

من ترتيب المخبر به، ويحتمل أن يكون ذلك من تصرف الرواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه.

قال الحافظ: كذا قال، والحمل على ظاهر الأخبار أولى، وغالب ما نُقِل عن هؤلاء دَعَاوي لا دلالة عليها.

قال ابن العربي رحمه الله: الحكمة في كون الملك يكتب ذلك، كونه قابلًا للنسخ، والمحو، والإثبات، بخلاف ما كتبه الله تعالى، فإنه لا يتغير، انتهى.

[تنبيه]: سقط هنا في هذه الرواية قوله: "ثم يُنفخ فيه الروح"، وقد ثبت في رواية البخاريّ، ووقع في رواية مسلم بلفظ:"ثم يُرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات"، وظاهره قبل الكتابة.

قال الحافظ رحمه الله: ويجمع بأن الرواية الأولى صريحةٌ في تأخير النفخ للتعبير بقوله: "ثم"، والرواية الأخرى محتملة، فترد إلى الصريحة؛ لأن الواو لا ترتب، فيجوز أن تكون معطوفة على الجملة التي تليها، وأن تكون معطوفة على جملة الكلام المتقدم: أي يُجمع خلقه في هذه الأطوار، ويؤمر الملك بالكتب، وتوسط قوله:"يُنفخ فيه الروح" بين الجُمَل، فيكون من ترتيب الخبر على الخبر، لا من ترتيب الأفعال المخبر عنها.

ونقل ابن الزملكاني عن ابن الحاجب في الجواب عن ذلك أن العرب إذا عَبّرت عن أمر بعده أمور متعددة، ولبعضها تعلق بالأول حسن تقديمه لفظا على البقية، وإن كان بعضها متقدما عليه وجودًا، وحسن هنا لأن القصد ترتيب الخلق الذي سيق الكلام لأجله.

وقال عياض: اختلفت ألفاظ هذا الحديث في مواضع، ولم تَخْتَلِف أن نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر ودخولِهِ في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يُعَوّل فيما يُحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وغير ذلك بحركة الجنين في الجوف.

وقد قيل: إنه الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهو الدخول

ص: 428

في الخامس، وزيادة حذيفة بن أَسِيد مُشعرة بأن الملك لا يأتي لرأس الأربعين بل بعدها، فيكون مجموع ذلك أربعة أشهر وعشرًا، وهو مصرح به في حديث ابن عباس:"إذا وقعت النطفة في الرحم مكثت أربعة أشهر وعشرًا، ثم يُنفخ فيها الروح".

وما أشار إليه من عدة الوفاة جاء صريحًا عن سعيد بن المسيب، فأخرج الطبري عنه أنه سئل عن عدة الوفاة، فقيل له: ما بال العشرة بعد الأربعة أشهر؟ فقال: يُنفخ فيها الروح.

وقد تمسك به من قال كالأوزاعي وإسحاق: إن عدة أم الولد مثل عدة الحرة، وهو قويّ؛ لأن الغرض استبراء الرحم، فلا فرق فيه بين الحرة والأمة، فيكون معنى قوله:"ثم يُرسل إليه الملك": أي لتصويره وتخليقه، وكتابة ما يتعلق به، فينفخ فيه الروح إثر ذلك، كما دلت عليه رواية البخاري وغيره.

ووقع في حديث علي بن عبد الله عند ابن أبي حاتم: "إذا تمت للنطفة أربعة أشهر، بعث الله إليها ملكًا فَيَنفُخ فيها الروح، فذلك قوله:{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14]، وسنده منقطع.

وهذا لا ينافي التقييد بالعشر الزائدة، ومعنى إسناد النفخ للملك أنه يفعله بأمر الله، والنفخ في الأصل إخراج ريح من جوف النافح ليدخل في المنفوخ فيه، والمراد بإسناده إلى الله تعالى أن يقول له: كن فيكون.

وجمع بعضهم بأن الكتابة تقع مرتين، فالكتابة الأولى في السماء، والثانية في بطن المرأة. ويحتمل أن تكون إحداهما في صحيفة، والأخرى على جبين المولود. وقيل: يختلف باختلاف الأجنة، فبعضها كذا، وبعضها كذا، والأول أولى (1).

(فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ) ولفظ البخاريّ: "فوالله إن أحدكم"، وفي لفظ:"فإن أحدكم"، ومثله لأبي داود، وفي لفظ:"فإن الرجل منكم ليعمل"، وفي رواية

(1) راجع "الفتح" 11/ 589 - 592.

ص: 429

مسلم، والترمذي وغيرهما:"فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل".

لكن وقع عند أبي عوانة، وأبي نعيم في "مستخرجيهما" من طريق يحيى القطان، عن الأعمش قال:"فوالذي لا إله غيره"، وهذه محتملة لأن يكون القائل النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون الخبر كله مرفوعًا، ويحتمل أن يكون بعض رواته.

ووقع في رواية وهب بن جرير، عن شعبة بلفظ:"حتى إن أحدكم ليعمل"، ووقع في رواية زيد بن وهب ما يقتضي أنه مدرج في الخبر من كلام ابن مسعود، لكن الإدراج لا يثبت بالاحتمال، وأكثر الروايات يقتضي الرفع، إلا رواية وهب بن جرير فبعيدة، من الإدراج، فأخرج أحمد، والنسائي، من طريق سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود، نحو حديث الباب، وقال بعد قوله:"اكتبه شقيا أو سعيدًا، ثم قال: والذي نفس عبد الله بيده إن الرجل ليعمل كذا"، وقع مفصلا في رواية جماعة عن الأعمش، منهم المسعودي، وزائدة، وزهير بن معاوية، وعبد الله بن إدريس، وآخرون، فيما ذكره الخطيب.

وقد روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أصل الحديث بدون هذه الزيادة، وكذا أبو وائل، وعلقمة، وغيرهما عن ابن مسعود، وكذا اقتصر حبيب بن حسان، عن زيد بن وهب، وكذا وقع في معظم الأحاديث الواردة عن الصحابة، كأنس، وحذيفة بن أسيد، وابن عمر، وكذا اقتصر عبد الرحمن بن حميد الرؤاسيّ، عن الأعمش على هذا القدر.

نعم وقعت هذه الزيادة مرفوعةً في حديث سهل بن سعد عند البخاريّ، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم، وفي حديث عائشة عند أحمد، وفي حديث ابن عمر، والْعُرْس بن عَمِيرة في البزار، وفي حديث عمرو بن العاص، وأكثم بن أبي الجون في الطبراني.

لكن وقعت في حديث أنس من وجه آخر قويٍّ مفردةً من رواية حميد، عن الحسن البصري عنه، ومن الرواة من حَذَف الحسن بين حميد وأنس، فكأنه كان تاما عند

ص: 430

أنس، فحَدّث به مُفَرَّقًا، فحفظ بعض أصحابه ما لم يحفظ الآخر عنه، فيقوى على هذا أن الجميع مرفوع، وبذلك جزم المحب الطبري، وحينئذ تُحمَل رواية سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب على أن عبد الله بن مسعود لتحقق الخبر في نفسه أقسم عليه، ويكون الإدراج في القسم، لا في المقسم عليه، وهذا غاية التحقيق في هذا الموضع، ويؤيد الرفع أيضا أنه مما لا مجال للرأي فيه، فيكون له حكم الرفع.

[تنبيه]: قد اشتملت جملة "فوالذي نفسي بيده الخ" على أنواع من التأكيد، منها: التأكيد بالقسم، ووصف المقسم به، وبـ "إنّ"، وباللام، والأصل في التأكيد أنه يكون لمخاطبة المنكِر، أو المستبعِد، أو من يُتَوَهّم فيه شيء من ذلك، وهنا لمّا كان الحكم مستبعدًا، وهو دخول مَنْ عمل الطاعة طول عمره النارَ، وبالعكس حَسُنَ المبالغة في تأكيد الخبر بذلك. والله أعلم.

(إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ) الباء زائدة، والأصل ليعمل عملَ أهل الجنة؛ لأن قوله:"عَمَلَ" إما مفعول مطلق، وإما مفعول به، وكلاهما مُستَغنٍ عن الحرف، فكان زيادة الباء للتأكيد، أو ضُمِّن "يعمل" معنى يَتَلَبّس في عمله بعمل أهل الجنة.

يعني أنه عمل أهل الجنة من الطاعات الاعتقادية، والقولية، والفعلية، ثم يحتمل أن الحفظة تكتب ذلك، ويُقبل بعضها، ويرد بعضها، ويحتمل أن تقع الكتابة، ثم تمحى، وأما القبول فيتوقف على الخاتمة.

(حَتَّى مَا يَكُونَ) قال الطيبي: "حتى" هنا هي الناصبة، و"ما" نافية، ولم تَكُفَّ "حتى" عن العمل في "يكون"، فهو منصوب بـ "حتى". وأجاز غيره أن تكون "حتى" ابتدائية، فـ "يكون" على هذا بالرفع، وهو مستقيم أيضًا.

(بَيْنه وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ) كناية عن غاية القرب. ووقع عند البخاريّ بلفظ: "غير ذراع، أو باع"، وفي رواية:"باع أو ذراع"، وفي رواية:"إلا ذراع"، من دون شكّ.

قال في "الفتح": والتعبير بالذراع تمثيل بقرب حاله من الموت، فيحال من بينه

ص: 431

وبين المكان المقصود بمقدار ذراع أو باع من المسافة، وضابطُ ذلك الحسيّ الغرغرة التي جُعلت علامةً لعدم قبول التوبة.

وقد ذَكَر في هذا الحديث أهلَ الخير صِرْفًا، وأهل الشر صِرْفًا إلى الموت، ولا ذكر للذي خَلَطُوا، وماتوا على الإسلام؛ لأنه لم يُقصَد في الحديث تعميم أحوال المكلفين، وإنما سيق لبيان أن الاعتبار بالخاتمة. انتهى.

(فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ) وفي رواية للبخاريّ: "كتابه" قال الطيبيّ: الفاء للتعقيب على حصول السبق بلا مُهلة، وضَمّن "يسبق" معنى يَغْلِب فعدّاه بـ "على": أي يغلب عليه الكتاب، وما قُدّر عليه سبقًا بلا مُهلة، فعند ذلك يعمل بعمل أهل الجنّة، أو أهل النار. انتهى كلام الطيبيّ ببعض تصرّف (1).

وقال في "الفتح": قوله: "عليه" في موضع نصب على الحال: أي يسبق المكتوب واقعًا عليه. انتهى.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الطيبيّ من التضمين أوضح. والله تعالى أعلم.

(فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا) قال في "الفتح": ظاهره أنه يعمل بذلك حقيقةً، ويُختم له بعكسه، وثبت في حديث سهل بلفظ:"ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس"، وهو محمول على المنافق والمرائي، بخلاف حديث الباب، فإنه يتعلق بسوء الخاتمة.

قال: والمراد بسبق الكتاب سبق ما تضمنه على حذف مضاف، أو المراد المكتوب، والمعنى أنه يتعارض عمله في اقتضاء السعادة، والمكتوب في اقتضاء الشقاوة، فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنه لو تمثل العمل والكتاب شخصين ساعيين، لظفر شخص الكتاب، وغُلِب شخص

(1)"الكاشف عن حقائق السنن" 2/ 534 - 535.

ص: 432

العمل. انتهى.

(وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونَ) تقدّم أنه يجوز نصبه، ورفعه (بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا) ووقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم: "وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يُختَم له بعمل أهل الجنة"، زاد أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة:"سبعين سنة".

وفي حديث أنس رضي الله عنه عند أحمد، وصححه ابن حبان: "لا عليكم أن لا تَعْجَبُوا بعمل أحد حتى تنظروا بم يُختَم له، فإن العامل يعمل زمانًا من عمره بعمل صالح، لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملًا سيئًا

" الحديث.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند أحمد مرفوعًا: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وهو مكتوب في الكتاب الأول من أهل النار، فإذا كان قبل موته تَحَوّل، فعَمِل عمل أهل النار، فمات فدخلها

" الحديث.

ولأحمد، والنسائي، والترمذي، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يده كتابان

" الحديث، وفيه: "هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أُجمِل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا، فقال أصحابه: ففيم العمل؟ فقال: سَدِّدوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة، وإن عَمِل أي عمل

" الحديث.

وفي حديث عليّ رضي الله عنه عند الطبراني نحوه، وزاد: "صاحبُ الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة، وإن عَمِل أيَّ عَمَلٍ، وقد يُسلَك بأهل السعادة طريق أهل الشقاوة، حتى يقال: ما أشبههم بهم، بل هم منهم، وتدركهم السعادة، فتستنقذهم

" الحديث، ونحوه للبزار من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وفي حديث سهل بن سعد عند البخاريّ: "إنما الأعمال بالخواتيم"، ومثله في حديث عائشة عند ابن حبان، ومن حديث معاوية نحوه، وفي آخر حديث علي المشار إليه قبلُ: "الأعمال بخواتيمها". ذكر هذا كلّه

ص: 433

في "الفتح"(1). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا مُتّفق عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا بهذا السند فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "كتاب القدر"(6594) و"كتاب التوحيد"(7454) و"بدء الخلق"(3208) و"أحاديث الأنبياء"(3332)، و (مسلم) في "القدر"(6665) و (6666) و (أبو داود) في "السنّة"(4708) و (الترمذيّ) في "القدر"(2137). و (النسائيّ) في "الكبرى"(2)، و (الحميديّ) في "مسنده"(126) و (أحمد) في "مسنده"(1/ 374 و 382 و 414 و 430) والله تعالى أعلم.

[المسألة الثالثة]: قال الحافظ رحمه الله: هذا الحديث اشتهر عن الأعمش بالسند المذكور هنا قال علي بن المديني في "كتاب العلل": كنا نَظُنُّ أن الأعمش تفرد به حتى وجدناه من رواية سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب. قال الحافظ: وروايته عند أحمد، والنسائي، ورواه حبيب بن حَسّان، عن زيد بن وهب أيضًا وروايته عند أبي نعيم في "الحلية"، ولم ينفرد به زيد، عن ابن مسعود، بل رواه عنه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عند أحمد، وعلقمةُ عند أبي يعلى، وأبو وائل في "فوائد تَمّام"، ومُخَارق بن سُليم، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي كلاهما عند الْفِرْيابي في "كتاب القدر"، وأخرجه أيضا من رواية طارق، ومن رواية أبي الأحوص الْجُشَمِيّ كلاهما عن عبد الله مختصرًا. وكذا لأبي

(1) راجع "الفتح" 11/ 593 - 594.

(2)

انظر "تحفة الأشراف" 7/ 29.

ص: 434

الطفيل عند مسلم، وناجية بن كعب في "فوائد العيسوي"، وخيثمة بن عبد الرحمن عند الخطابيّ، وابن أبي حاتم، ولم يرفعه بعض هؤلاء عن ابن مسعود، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن مسعود جماعة من الصحابة مُطَوَّلًا ومختصرًا، منهم: أنس، عند البخاريّ في "صحيحه"، وحُذيفة بن أَسِيد عند مسلم، وعبد الله بن عمر في "القدر" لابن وهب، وفي "أفراد الدارقطني".

وفي "مسند البزار"، من وجه آخر ضعيف، والفريابي بسند قوي، وسهل بن سعد عند البخاريّ، وأبو هريرة عند مسلم، وعائشة عند أحمد بسند صحيح، وأبو ذر عند الْفِرْيابي، ومالك بن الحويرث عند أبي نعيم في "الطبّ"، والطبراني، ورَبَاح اللَّخْميّ عند بن مردويه في "التفسير"، وابن عباس في "فوائد المخلص" من وجه ضعيف، وعلي في "الأوسط" للطبراني من وجه ضعيف، وعبد الله بن عمرو في "الكبير" بسند حسن، والْعُرْس بن عَمِيرة عند البزار بسند جيد، وأكثم بن أبي الْجَوْن عند الطبراني، وابن مَنْدَه بسند حسن، وجابر عند الْفِريابي، وقد أشار الترمذي في الترجمة إلى أبي هريرة، وأنس فقط، وقد أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" عن بضع وعشرين نفسًا، من أصحاب الأعمش، منهم من أقرانه: سليمان التيمي، وجرير بن حازم، وخالد الحذّاء، ومن طبقة شعبةَ الثوريُّ، وزائدة، وعمار بن زريق، وأبو خيثمة.

ومما لم يقع لأبي عوانة رواية شَريك، عن الأعمش، وقد أخرجها النسائي في "التفسير" من "الكبرى".

ورواية وَرْقَاء بن عمر، ويزيد بن عطاء، وداود بن عيسى أخرجها تَمّام، قال الحافظ: وكنت خرجته في جزء من طرق نحو الأربعين نفسًا عن الأعمش، فغاب عني الآن، ولو أمعنت التتبع لزادوا على ذلك. انتهى (1)، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(1) راجع "الفتح" 11/ 583.

ص: 435

(المسألة الرابعة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو إثبات القدر، ووجوب الإيمان به، والمراد بالقدر في لسان الشرع أن الله عز وجل علم مقادير الأشياء، وأزمانها أزلًا، ثم أوجدها بقدرته ومشيئته على وفق ما علمه منها، وأنه كتبها في اللوح المحفوظ قبل إحداثها.

وقد تقدّم في شرح حديث عمر رضي الله عنه الحديث (63) البحث في القدر والإيمان به مستوفًى، فراجعه تستفد.

2 -

(ومنها): أن فيه أن خلق السمع والبصر يقع والجنين داخل بطن أمه، وقد رْعم بعضهم أنه يُعطَى ذلك بعد خروجه من بطن أمه؛ لقوله تعالى:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} الآية [النحل: 78]، وتُعُقّب بأن الواو لا تُرَتِّب، والتحقيق أن خلق السمع والبصر وهو في بطن أمه محمولٌ جزمًا على الأعضاء، ثم على القوة الباصرة والسامعة؛ لأنها مودعة فيها، وأما الإدراك بالفعل فهو موضع النزاع، والذي يترجح أنه يتوقف على زوال الحجاب المانع.

3 -

(ومنها): أن الأعمال حسنها وسيئها أماراتٌ، وليست بموجبات، وأن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء، وجرى به القدر في الابتداء. قاله الخطابي.

4 -

(ومنها): أن فيه القسمَ على الخبر الصدق تأكيدًا في نفس السامع.

5 -

(ومنها): أن فيه إشارةً إلى علم المبدإ والمعاد، وما يتعلق ببدن الإنسان، وحاله في الشقاء والسعادة.

6 -

(ومنها): أن فيه عِدّةَ أحكام تتعلق بالأصول والفروع، والحكمةِ، وغير ذلك.

7 -

(ومنها): أن السعيد قد يَشقَى، وأن الشقي قد يَسْعَد، لكن بالنسبة إلى الأعمال الظاهرة، وأما ما في علم الله تعالى فلا يتغير.

8 -

(ومنها): أن الاعتبار بالخاتمة، قال ابن أبي جمرة نفع الله به: هذه التي قَطَعَت

ص: 436

أعناق الرجال، مع ما هم فيه من حسن الحال؛ لأنهم لا يَدرُون بماذا يُختَم لهم.

9 -

(ومنها): أن عموم مثل قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ} الآية [النحل: 97] مخصوص بمن مات على ذلك، وأن من عمل السعادة، وختم له بالشقاء، فهو في طول عمره عند الله شقي وبالعكس، وما ورد مما يخالفه يُؤَوَّلُ إلى أن يَؤُولَ إلى هذا، وقد اشتهر الخلاف في ذلك بين الأشعرية والحنفية، وتمسك الأشاعرة بمثل هذا الحديث، وتمسك الحنفية بمثل قوله تعالى:{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} الآية [الرعد: 39]، وأكثرَ كلٌّ من الفريقين الاحتجاجَ لقوله، والحق أن النزاع لفظيٌّ، وأن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة، والموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات، كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله، فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله تعالى.

10 -

(ومنها): أن فيه التنبيهَ على صدق البعث بعد الموت؛ لأن من قَدَرَ على خلق الشخص من ماء مهين، ثم نقله إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم ينفخ الروح فيه، قادر على نفخ الروح بعد أن يصير ترابا، ويجمع أجزاءه بعد أن يفرقها، ولقد كان قادرًا على أن يخلقه دفعة واحدة، ولكن اقتضت الحكمة بنقله في الأطوار رِفْقًا بالأم؛ لأنها لم تكن معتادة، فكانت المشقة تعظم عليها، فهيأه في بطنها بالتدريج إلى أن تكامل، ومن تأمل أصل خلقه من نطفة، وتنقله في تلك الأطوار إلى أن صار إنسانا جميل الصورة، مُفَضّلًا بالعقل والفهم والنطق، كان حقّا عليه أن يشكر من أنشأه، وهيأه، ويعبده حَقَّ عبادته، ويطيعه ولا يعصيه.

11 -

(ومنها): أن فيه أن في تقدير الأعمال ما هو سابق ولاحق، فالسابق ما في علم الله تعالى، واللاحق ما يُقَدَّر على الجنين في بطن أمه، كما وقع في هذا الحديث، وهذا هو الذي يَقبَل النسخ، وأما ما وقع في "صحيح مسلم" من حديث عبد الله بن عمر

ص: 437

رضي الله عنهما مرفوعًا: "كَتَبَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة"، فهو محمول على كتابة ذلك في اللوح المحفوظ على وفق ما في علم الله سبحانه وتعالى.

12 -

(ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن السِّقْطَ بعد الأربعة أشهر يُصَلَّى عليه؛ لأنه وقت نفخ الروح فيه، وهو منقول عن القول القديم للشافعي، والمشهور عن أحمد، وإسحاق، وعن أحمد: إذا بلغ أربعة أشهر وعشرًا، ففي تلك العشر يُنفخ فيه الروح، ويُصلّى عليه، والراجح عند الشافعية أنه لا بد من وجود الروح، وهو القول الجديد للشافعيّ، وقد قالوا: فإذا بَكَى، أو اختلج، أو تنفس، ثم بطل ذلك صُلِّي عليه، وإلا فلا، والأصل في ذلك ما أخرجه النسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم، عن جابر رضي الله عنه رفعه:"إذا استَهَلَّ الصبي وَرِثَ، وصُلِّيَ عليه".

وقد ضعفه النووي في "شرح المهذّب"، والصواب أنه صحيح الإسناد، لكن المرجح عند الحفاظ وقفه، وعلى طريق الفقهاء لا أثر للتعليل بذلك؛ لأن الحكم للرفع لزيادته، قالوا: وإذا بلغ مائة وعشرين يومًا غُسِل، وكُفِّنَ، ودُفِن بغير صلاة، وما قبل ذلك لا يُشرَع له غسل ولا غيره.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تحقيق المسألة حيث يذكره المصنّف في "كتاب الجنائز" رقم (1508) إن شاء الله تعالى.

13 -

(ومنها): أنه استُدِلّ به على أن التخليق لا يكون إلا في الأربعين الثالثة، فأقل ما يتبين فيه خلق الولد أحد وثمانون يومًا، وهي ابتداء الأربعين الثالثة، وقد لا يتبين إلا في آخرها، ويترتب على ذلك أنه لا تنقضي العدة بالوضع إلا ببلوغها، وفيه خلاف، ولا يثبت للأمة أُمّيةُ الولد إلا بعد دخول الأربعين الثالثة، وهذا قول الشافعية والحنابلة، وتوسع المالكية في ذلك، فأداروا الحكم في ذلك على كلِّ سِقْطٍ، ومنهم من قَيَّده بالتخطيط، ولو كان خفيا، وفي ذلك رواية عن أحمد، وحجتهم ما تقدم في بعض طرقه أن النطفة إذا لم يُقَدّر تخليقها لا تصير علقة، وإذا قُدِّر أنها تتخلق تصير علقة، ثم

ص: 438

مضغة الخ، فمتى وَضَعَت علقة عُرِف أن النطفة خرجت عن كونها نطفة، واستحالت إلى أول أحوال الولد.

قال الجامع عفا الله عز وجل تعالى عنه: ما قاله الأولون أظهر، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم.

14 -

(ومنها): أن كلا من السعادة والشقاء، قد يقع بلا عمل ولا عُمْر، وعليه ينطبق قوله صلى الله عليه وسلم:"الله أعلم بما كانوا عاملين"، وهذا البحث قد استوفيته في "شرح النسائيّ" عند شرح الحديث المذكور، فراجعه برقم (1949) وبالله تعالى التوفيق.

15 -

(ومنها): أن فيه الحثَّ القويَّ على القناعة، والزجرَ الشديد عن الحرص؛ لأن الرزق إذا كان قد سبق تقديره لم يُغنِ التعني في طلبه، وإنما شُرع الاكتساب؛ لأنه من جملة الأسباب التي اقتضتها الحكمة في دار الدنيا.

16 -

(ومنها): أن فيه أن الأعمال سبب دخول الجنة أو النار، وهو معنى قوله تعالى:{وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 72]، ولا يعارض ذلك حديث:"لن يُدخل أحدًا عمله الجنّة"؛ لما سيأتي في المسألة التالية من الجمع بينهما -إن شاء الله تعالى-.

17 -

(ومنها): أن من كُتِب شقيا لا يُعلَم حاله في الدنيا وكذا عكسه، واحتج من أثبت ذلك بحديث عليّ رضي الله عنه المتّفق عليه: "أما من كان من أهل السعادة، فإنه يُيَسَّر لعمل أهل السعادة

" الحديث.

والتحقيق أن يقال: إن أريد أنه لا يُعلم أصلًا ورأسًا فمردود، وإن أريد أنه يُعلم بطريق العلامة المثبتة للظن الغالب فنعم، ويُقَوِّي ذلك في حق من اشتَهَر له لسانُ صدق بالخير والصلاح، ومات على ذلك؛ لقوله في الحديث الصحيح المتّفق عليه:"أنتم شُهداء الله في الأرض"، وإن أريد أنه يُعلم قطعًا لمن شاء الله أن يُطلِعه على ذلك، فهو من جملة الغيب الذي استَأْثَرَ الله بعلمه، وأطلَع من شاء ممن ارتضى من رسله عليه.

18 -

(ومنها): أن فيه الحثَّ على الاستعاذة بالله تعالى من سوء الخاتمة، وقد عَمِل به جمع جَمٌّ من السلف، وأئمة الخلف، وأما ما قال عبد الحق في "كتاب العاقبة": إن

ص: 439

سوء الخاتمة لا يقع لمن استقام باطنه، وصلح ظاهره، وإنما يقع لمن في طويته فساد أو ارتياب، ويَكُثر وقوعه للمُصِرّ على الكبائر، والمجترىء على العظائم، فيَهْجُمُ عليه الموت بغتة، فيَصْطَلِمه الشيطان، عند تلك الصدمة، فقد يكون ذلك سببًا لسوء الخاتمة -نسأل الله السلامة- فهو محمول على الأكثر الأغلب. قاله في "الفتح"(1).

وقد أورد الحافظ ابن رجب رحمه الله في "جامع العلوم والحكم" بعض ما ورد عن السلف من خوفهم سوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى منها، فأورد حديث "الصحيحين" عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبيّ رضي الله عنه التقى هو والمشركون، وفي أصحابه رجل لا يَدَعُ شاذّةً، ولا فاذّةً إلا اتبعها، يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحدٌ كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هو من أهل النار"، فقال رجل من القوم: أنا أصاحبه، فاتّبعه، فجُرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نَصْل سيفه على الأرض، وذُبَابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،، فقال: أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقَصّ عليه القصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة"، زاد البخاري في رواية له:"إنما الأعمال بالخواتيم".

وقوله: "فيما يبدو للناس" إشارةٌ إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وإن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسةٍ باطنة للعبد لا يَطَّلِع عليها الناسُ، إما من جهة عمل سيىء ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار، وفي باطنه خصلة خفيةٌ من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة.

قال عبد العزيز بن أبي رَوّاد حضرتُ رجلًا عند الموت يُلَقَّنُ "لا إله إلا الله"،

(1)"الفتح" 11/ 596.

ص: 440

فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر، وكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب، فإنها هي التي أوقعته.

وفي الجملة فالخواتيم ميراث السوابق، فكل ذلك سبق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم، ومنهم من كان يَقْلَقُ من ذكر السوابق.

وقد قيل: إن قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم، يقولون: بماذا يُختَم لنا، وقلوب المقربين معلقة بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا.

وبكى بعض الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تعالى قبض خلقه قبضتين، فقال هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار"، ولا أدري في أي القبضتين كنت؟ (1).

قال بعض السلف: ما أبكَى العيونَ ما أبكاها الكتاب السابق. وقال سفيان لبعض الصالحين: هل أبكاك قط علم الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركني لا أفرح أبدًا. وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق والخواتيم، فكان يبكي ويقول: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيا، ويبكي ويقول: أخاف أن أُسلب الإيمان عند الموت. وكان مالك بن دينار يقوم طولَ ليله قابضًا على لحيته، ويقول: يا رب قد علمتَ ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أيٍّ مالكٌ؟. وقال حاتمٌ الأصمّ: من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار، فهو مُغْتَرٌّ، فلا يَأمَن الشقاء:

(الأولُ): خطر يوم الميثاق، حين قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي، فلا يَعلَم في أيّ الفريقين كان.

(والثاني): حين خُلق في ظلمات ثلاث، فنادى الملك بالشقاوة والسعادة، ولا يَدرِي أَمِنَ الأشقياء هو أم من السعداء.

(والثالث): ذكر هول الطلع فلا يَدرِي أيبشر برضا الله أم بسخطه.

(1) أخرجه أحمد في "مسنده" 4/ 176 - 177 بإسناد صحيح.

ص: 441

(والرابع): يومَ يصدُر الناس أشتاتًا فلا يَدري أي الطريقين يُسلَك به.

وقال سهل التستري: المريد يخاف أن يُبْتلَى بالمعاصي، والعارف يخاف أن يُبتلَى بالكفر.

ومن هنا كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم وجزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة، فيخرجَهُ إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفيّة توجب سوء الخاتمة.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يقول في دعائه: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، فقيل له: يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ فقال:"نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل قلبها كيف شاء". أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، من حديث أنس (1).

وأخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، فقلت: يا رسول الله، أَوَ إن القلوب لتتقلب؟ قال:"نعم ما من خلق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله عز وجل، فإن شاء عز وجل أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يُزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب"، قالت: قلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مُضِلات الفتن ما أحييتني"(2).

(1) أخرجه أحمد 3/ 112 و 257 والترمذيّ (2140) وحسّنه.

(2)

أخرجه أحمد 6/ 302 وفي إسناده شهر بن حوشب، وقد تُكلّم فيه، والحقّ أنه حسن الحديث كما قال البخاريّ، ولا سيما رواية عبد الحميد بن بهرام كما هنا، وقد صرّح بأنه سمع أم سلمة رضي الله عنها تحدّث بهذا الحديث، وقدحققت هذا البحث في غير هذا الموضع من هذا الشرح وغيره.

ص: 442

وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة.

وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم مُصَرِّفَ القلوب صَرِّفْ قلوبنا على طاعتك".

انتهى المقصود مما كتبه ابن رجب رحمه الله تعالى (1).

19 -

(ومنها): أن قدرة الله تعالى لا يوجبها شيء من الأسباب إلا بمشيئته، فإنه لم يجعل الجماع علّةً للولد؛ لأن الجماع قد يَحصُل ولا يكون الولد حتى يشاء الله ذلك.

20 -

(ومنها): أن الشيء الكثيف يحتاج إلى طول الزمان، بخلاف اللطيف، ولذلك طالت المدة في أطوار الجنين حتى حصل تخليقه، بخلاف نفخ الروح، ولذلك لمّا خلق الله الأرض أوّلًا عَمَد إلى السماء فسواها، وترك الأرض لكثافتها بغير فتق، ثم فُتِقَتَا معًا، ولما خلق آدم، فصوره من الماء والطين، تركه مدة، ثم نفخ فيه الروح.

21 -

(ومنها): أن الداوديّ استدل بقوله: "فتدخل النار" على أن الخبر خاص بالكفار، واحتج بأن الإيمان لا يُحبطه إلا الكفر.

وتُعُقِّب بأنه ليس في الحديث تَعَرُّض للإحباط، وحمله على المعنى الأعم أولى، فيتناول المؤمن حتى يُختَم له بعمل الكافر مثلًا فيرتدّ، فيموت على ذلك، فنستعيذ بالله من ذلك، ويتناول المطيع حتى يختم له بعمل العاصي، فيموت على ذلك، ولا يلزم من إطلاق دخول النار أنه يُخَلَّد فيها أبدًا، بل مجرد الدخول صادق على الطائفتين.

22 -

(ومنها): أنه استدل به على أنه لا يجب على الله رعاية الأصلح، خلافًا لمن قال به من المعتزلة؛ لأن فيه أن بعض الناس يذهب جميعُ عمره في طاعة الله، ثم يختم له بالكفر -والعياذ بالله- فيموت على ذلك، فيدخل النار، فلو كان يجب عليه رعاية

(1) راجع "جامع العلوم والحكم" جـ 1 / ص 172 - 175. بتحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس.

ص: 443

الأصلح لم يَحبِط جميع عمله الصالح بكلمة الكفر التي مات عليها، ولا سيما إن طال عمره، وقرب موته من كفره.

23 -

(ومنها): أنه استدل به بعض المعتزلة على أن من عمل عمل أهل النار وجب أن يدخلها؛ لترتب دخولها في الخبر على العمل، وترتبُ الحكم على الشيء يُشعِر بعليته.

وأُجيب بأنه علامة لا علة، والعلامة قد تتخلف، سلمنا أنه علة، لكنه في حق الكفار، وأما العصاة فخرجوا بدليل:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116]، فمن لم يُشرك فهو داخل في بالمشيئة.

24 -

(ومنها): أنه استدل به الأشعري في تجويزه تكليف ما لا يطاق؛ لأنه دلّ على أن الله كَلَّفَ العباد كلهم بالإيمان، مع أنه قَدَّرَ على بعضهم أنه يموت على الكفر.

وقد قيل: إن هذه المسألة لم يثبت وقوعها إلا في الإيمان خاصة، وما عداه لا توجد دلالة قطعية على وقوعه، وأما مطلق الجواز فحاصل.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تعقّب بعض المحقّقين هذا الاستدلال، وأجاد في ذلك، فقال: إطلاق القول بالتكليف بما لا يُطاق من البدع المحدثة من المتكلّمين في أصولي الدين والفقه، والحقّ فيه التفصيل، فتكليف ما لا يُطاق لعجز العبد عنه عادةً، كالمشي على القفا، أو على الرأس وغيره، فهو غير موجود في الشريعة البتّة، قال سبحانه وتعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، وقال أيضًا:{لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} ، وقال:{لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، وقال سبحانه وتعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ، فهو مما رفق الله سبحانه وتعالى به علينا من الحرج، فخفّفه على عباده، {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6].

وأما تكليف ما لا يُطاق لا للعجز عنه، بل للاشتغال بضدّه من الكفر والفسوق والعصيان، فهذا مما جاءت به الشريعة أمرًا ونهيًا، وتسميته بما لا يطاق خطأٌ، ولم يَرِد بها الشرع الحنيف. وراجع في هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع

ص: 444

الفتاوى" 8/ 469 وما بعدها، و"درء التعارض" 1/ 65. والله تعالى أعلم.

25 -

(ومنها): أن فيه أن الله يَعلَم الجزئيات كما يَعلَم الكليات؛ لتصريح الخبر بأنه يأمر بكتابة أحوال الشخص مفصلة.

26 -

(ومنها): أنه سبحانه وتعالى مريد لجميع الكائنات بمعنى أنه خالقها ومُقَدِّرها، لا أنه يحبها ويرضاها.

27 -

(ومنها): أن جميع الخير والشر بتقدير الله تعالى، وإيجاده، وخالف في ذلك القدرية والجبرية.

فذهبت القدرية إلى أن فعل العبد من قبل نفسه، ومنهم من فرق بين الخير والشر، فنسب إلى الله الخير، ونفى عنه خلق الشر، وقيل: إنه لا يُعرَف قائله، وإن كان قد اشتَهَرَ ذلك، وإنما هذا رأي المجوس.

وذهبت الجبرية إلى أن الكل فعل الله، وليس للمخلوق فيه تأثير أصلًا، وتوسط أهل السنة، فمنهم من قال: أصل الفعل خلقه الله، وللعبد قدرة غير مؤثّرة في المقدور، وأثبت بعضهم أن لها تأثيرًا، لكنه يُسَمَّى كسبا، وبَسطُ أدلتهم يطول. قاله في "الفتح"(1).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التقرير الذي ذكره الحافظ فيه نظرٌ؛ لأنه تقرير منه لكسب الأشاعرة في باب القضاء والقدر، والحقّ أن قدرة العبد ينشأ عنها فعله، ولهذا هو محاسب ومؤاخذٌ عليها، وهي على كلّ حال لا تخرُج عن قدرة الله، ومشيئته بحال، والله تعالى خلق العبد، وخلق قدرته، فـ "الله خالق كلّ صانع وصنعته"، فتبصّر فإن هذا من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

وقد أخرج أحمد، وأبو يعلى من طريق أيوب بن زياد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، حدثني أبي، قال: دخلت على عبادة، وهو مريض، فقلت: أوصني، فقال إنك لن تَطعَم طُعمَ الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله، حتى تؤمن بالقدر خيره

(1)"الفتح" 11/ 597.

ص: 445

وشره، وهو أن تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك

" الحديث، وفيه: "وإن مُتّ، ولست على ذلك دخلت النار".

وأخرجه الطبراني من وجه آخر بسند حسن، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي الدرداء، مرفوعًا مقتصرًا على قوله:"إن العبد لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه".

28 -

(ومنها): أن فيه أن الأقدار غالبة، والعاقبة غائبة، فلا ينبغي لأحد أن يغتر بظاهر الحال، ومن ثَمَّ شُرِع الدعاء بالثبات على الدين، وبحسن الخاتمة، اللهم أحينا وأمتنا على السنّة، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها في محيانا ومماتنا، إنك أنت السميع العليم.

[تنبيه]: حديث ابن مسعود رضي الله عنه المذكور في الباب قد يقال: يُعارضه حديث علي رضي الله عنه الآتي بعد حديث، وهو متّفقٌ عليه، حيث سأل الصحابة رضي الله عنهم عن فائدة العمل مع تقدم التقدير، فأجابهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله:"اعملوا فكل ميسر لما خُلِق له".

ويُجمع بينهما بحمل حديث علي رضي الله عنه على الأكثر الأغلب، وحمل حديث الباب على الأقل، ولكنه لما كان جائزًا تعين طلب الثبات، قاله في "الفتح".

[تنبيه آخر]: حَكَى ابن التين أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله لمّا سمع هذا الحديث أنكره، وقال: كيف يصحّ أن يعمل العبد عمره الطاعةَ، ثم لا يدخل الجنة. انتهى.

وقد توقف ابن الملقن في صحة ذلك عن عمر، قال الحافظ رحمه الله: وظهر لي أنه إن ثبت عنه حُمِل على أن راويه حذف منه قوله في آخره: "فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها"، أو أكمل الراوي، لكن استبعد عمر وقوعه، وإن كان جائزًا، ويكون إيراده على سبيل التخويف من سوء الخاتمة، انتهى (1)، والله تعالى أعلم

(1)"الفتح" 11/ 597 - 598.

ص: 446

بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الخامسة): هذا الحديث يعارضه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: "لن يُدخِل أحدًا منكم عمَلُهُ الجنةَ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمّدني الله بفضل ورحمةٍ

" الحديث.

وأجاب ابن بطال رحمه الله عن ذلك بأن تحمل الآية -أي وكذا حديث الباب- على أن الجنة تُنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يُحمَل الحديث المذكور على دخول الجنة، والخلود فيها.

ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]، فصَرّح بأن دخول الجنة أيضًا بالأعمال.

وأجاب بأنه لفظ مُجمَل بينه الحديث، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد بذلك أصل الدخول.

ثم قال: ويجوز أن يكون الحديث مُفَسِّرًا للآية، والتقدير: ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم، وتفضله عليكم؛ لأن اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخول الجنة هو برحمته، حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، وقد تفضل عليهم ابتداء بإيجادهم، ثم برزقهم، ثم بتعليمهم.

وقال القاضي عياض رحمه الله طريق الجمع أن الحديث فسّر ما أُجمل في الآية، فذكر نحوًا من كلام ابن بطال الأخير، وأن من رحمة الله توفيقَهُ للعمل، وهدايته للطاعة، وكل ذلك لم يستحقه العامل بعمله، وإنما هو بفضل الله وبرحمته.

وقال ابن الجوزي رحمه الله: يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة:

(الأول): أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان، ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة.

(الثاني): أن منافع العبد لسيده، فعمله مُستَحَقٌّ لمولاه، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله.

ص: 447

(الثالث): جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله، واقتسام الدرجات بالأعمال.

(الرابع): أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير، والثواب لا يَنْفَد، فالإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل، لا بمقابلة الأعمال.

وقال الكرماني: الباء في قوله {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] ليست للسببية، بل للإلصاق، أو المصاحبة: أي أورثتموها ملابسة، أو مصاحبة، أو للمقابلة، نحو أَعطيتُ الشاة بالدرهم، وبهذا الأخير جزم الشيخ جمال الدين ابن هشام في "المغني"، فسبق إليه، فقال: تَرِدُ الباء للمقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، كاشتريته بألف، ومنه:{ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] وإنما لم تُقَدَّر هنا للسببية كما قالت المعتزلة (1)، وكما قال الجميع في:"لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" لأن المُعْطِي بعوض قد يعطي مَجّانًا، بخلاف المسبب فلا يوجد بدون السبب، قال: وعلى ذلك ينتفي التعارض بين الآية والحديث.

وقد سبقه إلى ذلك ابن القيم، فقال في كتاب "مفتاح دار السعادة": الباء المقتضية للدخول غير الباء الماضية، فالأولى السببية الدالة على أن الأعمال سبب الدخول المقتضية له، كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، والثانية بالمعاوضة، نحو اشتريت منه بكذا، فأخبر أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنه لولا رحمة الله لعبده لما أدخله الجنة، لأن العمل بمجرده، ولو تناهى لا يوجب بمجرده دخول الجنة، ولا أن يكون عوضا لها، لأنه ولو وقع على الوجه الذي يحبه الله، لا يقاوم نعمة الله، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها، وهو لم يُوَفِّها حَقَّ شكرها، فلو عذبه في هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم له، وإذا رحمه في هذه الحالة كانت

(1) كون الباء للسببية ليس مذهب المعتزلة، كما توهمه هذه العبارة، بل هو مذهب أهل الحقّ من أهل السنة والجماعة، وإنما لم تُجعل هنا للسببية لدليل اقترن بها، وهو الجمع بين الأدلة، فتفطّن. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 448

رحمته خيرًا من عمله، كما في حديث أُبَيّ بن كعب الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه (1) في ذكر القدر، ففيه: "لو أن الله عذب أهل سماواته وأرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم

" الحديث.

قال: وهذا فصل الخطاب مع الجبرية الذين أنكروا أن تكون الأعمال سببًا في دخول الجنة من كل وجه، والقدرية الذين زعموا أن الجنة عوض العمل، وأنها ثمنه، وأن دخولها بمحض الأعمال، والحديث يبطل دعوى الطائفتين. والله أعلم.

وجوز الكرماني أيضا أن يكون المراد أن الدخول ليس بالعمل، والإدخال المستفاد من الإرث بالعمل، وهذا إنْ مشى في الجواب عن قوله تعالى:{أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43] لم يمش في قوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32].

قال الحافظ: ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جواب آخر، وهو أن يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل، لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولًا، وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا فمعنى قوله:{ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} : أي تعملونه من العمل المقبول، ولا يضر بعد هذا أن تكون الباء للمصاحبة، أو للإلصاق، أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية.

ثم رأيت النووي جزم بأن ظاهر الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، والجمع بينها وبين الحديث أن التوفيق للأعمال، والهداية للإخلاص فيها وقبولها إنما هو برحمة الله وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الحديث، ويصح أنه دخل بسبب العمل، وهو من رحمة الله تعالى.

وردّ الكرماني الأخير بأنه خلاف صريح الحديث.

(1) هو الحديث الآتي بعد هذا عند المصنّف.

ص: 449

وقال المازري: ذهب أهل السنة إلى أن إثابة الله تعالى من أطاعه بفضل منه، وكذلك انتقامه ممن عصاه بعدل منه، ولا يثبت واحد منهما إلا بالسمع، وله سبحانه وتعالى أن يعذب الطائع، وينعم على العاصي، ولكنه أخبر أنه لا يفعل ذلك، وخبره صدق لا خلف فيه، وهذا الحديث يُقَوِّي مقالتهم، ويرد على المعتزلة حيث أثبتوا بعقولهم أعواض الأعمال، ولهم في ذلك خبط كثير، وتفصيل طويل. انتهى (1). وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

77 -

(حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سِنَانٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ خَالِدٍ الْحِمْصِيِّ، عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، قَالَ: وَقَعَ في نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، خَشِيتُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ دِينِي وَأَمْرِي، فَأتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ في نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، فَخَشِيتُ عَلَى دِينِي وَأَمْرِي، فَحَدِّثْنِي مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، فَقَالَ: لَوْ أنَّ اللَّه عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَته خَيْرًا لهُمْ مِنْ أَعْمَالهِمْ، وَلَوْ كَانَ لَكَ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا، أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ، تُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّه، مَا قُبِلَ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ، وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ أَخِي عَبْدَ اللَّه بْنَ مَسْعُودٍ، فَتَسْأَلهُ، فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّه، فَسَأَلْته، فَذَكَرَ مِثْلَ مَا قَالَ أُبَيٌّ، وَقَالَ لِي: وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ حُذَيْفَةَ، فَأَتَيْتُ حُذَيْفَةَ، فَسَأَلْته، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَا، وَقَالَ: ائْتِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَاسْأَلْهُ، فَأَتيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُوُل: "لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالمٍ لهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَته خَيْرًا لهُمْ مِنْ أَعْمَالهِمْ، وَلَوْ كَانَ لَكَ

(1) راجع "الفتح" 11/ 357 - 359 "كتاب الرقاق" رقم الحديث (6464).

ص: 450

مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا، تُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّه، مَا قَبِلَهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطَّنَافسيّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ [10] 9/ 57.

2 -

(إِسْحَقُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو يحيى العبديّ الرازيّ، كوفيّ الأصل، ثقة فاضلٌ [9].

روى عن مالك، وابن أبي ذئب، وحَرِيز بن عثمان، وحنظلة بن أبي سفيان، وأفلح بن حميد، وداود بن قيس الفَرّاء، وأبي سنان البرجُميّ، وغيرهم.

وروى عنه قتيبة، وعمرو الناقد، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وابن نمير، وأبو كريب، وعليّ بن محمد الطنافسيّ، وغيرهم.

قال أبو أسامة: كنا نَستسقِي به، وأثنى عليه أحمد. وقال محمد بن سعيد الأصبهاني: ثنا إسحاق بن سليمان، وكان ثقة. وقال أبو الأزهر: كان من خيار المسلمين. وقال العجلي: ثقة رجل صالح. وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن قانع: صالح. ووثقه ابن نمير. وقال الحاكم: ثقة. وقال ابن وَضّاح الأندلسيّ: ثقة ثبت في الحديث، مُتَعَبِّدٌ كبير. وقال الخليلي في "الإرشاد": ثقة. وقال محمد بن سعد: كان ثقة، له فضل في نفسه وورع، مات بالرّيّ سنة (199)، وقال أبو الحسين بن قانع: مات سنة (200). وذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة من الثقات، وأَرَّخَهُ سنة مائتين.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (10) أحاديث برقم 77 و 408 و 824 و 842 و 1140 و 1604 و 2264 و 3513 و 3691 و 3853.

3 -

(أبو سِنَانٍ) هو: سعيد بن سنان الْبُرْجميّ -بضم الموحّدة، والجيم بينهما راء ساكنة- الشيبانيّ الأصغر الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [6].

رَوَى عن طاوس، وأبي إسحاق السبيعي، وعمرو بن مرة، وسعيد بن جبير،

ص: 451

وعلقمة بن مرثد، وحبيب بن أبي ثابت، ووهب بن خالد الحمصي، وغيرهم.

وروى عنه الثوري، وابن المبارك، ووكيع، وجرير بن عبد الحميد، وإسحاق بن سليمان الرازي، وأسباط بن محمد القرشي، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم.

قال أبو طالب عن أحمد: كان رجلًا صالحًا، ولم يكن يقيم الحديث. وقال عبد الله ابن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي في الحديث. وقال الدُّوريّ وغيره عن ابن معين: ثقة.

وقال العجلي: كوفي جائز الحديث. وقال ابن سعد: كان من أهل الكوفة، ولكنه سكن الرّيّ، وكان سيء الْخُلُق. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة من رُفَعاء الناس. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان عابدًا فاضلًا. ووثقه يعقوب بن سفيان. وقال ابن عديّ: له غرائب، وأَفْراَدٌ، وأرجو أنه ممن لا يتعمد الكذب، ولعله إنما يَهِمُ في الشيء بعد الشيء. وقال الدارقطني: سعيد بن سنان اثنان: أبو مهدي حمصي يضع الحديث، وأبو سنان كوفي سكن الرّيّ من الثقات.

أخرج له البخاري في "جزء القراءة خلف الإمام"، ومسلم، وأبو داود، والترمذي والنسائي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم 77 و 765 و 1532 و 3057 و 4226.

4 -

(وَهْبُ بْنُ خَالِدٍ الْحِمْصِيِّ) أبو خالد الحميريّ، ثقة [7].

رَوَى عن ابن الديلمي، ومحمد بن زياد الألهاني، وأسد بن وَدَاعَة، وأم حبيبة بنت العرباض بن سارية.

وروى عنه أبو سنان سعيد بن سنان البرجميّ، وأبو عاصم النبيل.

قال الآجري عن أبي داود: ثقة لقيه أبو عاصم بمكة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: وهب بن خالد حمصي ثقة.

أخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

5 -

(ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ) هو: عبد الله بن فَيْروز، ثقة، من كبار التابعين، ومنهم من

ص: 452

ذكره في الصحابة، تقدّم في 7/ 49.

6 -

(زيد بن ثابت) بن الضحاك بن زيد بن لُوذان بن عمرو بن عَبد عَوف بن غَنْم بن مالك بن النجار الأنصاري، أبو سعيد، ويقال: أبو خارجة المدني، قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهو ابن إحدى عشرة سنة، وكان يكتب له الوحي، رَوَى عنه، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنه.

وروى عنه ابناه: خارجة، وسلمان، ومولاه ثابت بن عبيد، وأم سَعْد، قيل: إنها ابنته، وأبو هريرة، وأنس، وأبو سعيد، وسهل بن حُنيف، وابن عمر، وسهل بن سعد، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وسهل بن أبي حَثْمَةَ، ومروان بن الحكم، وأبان بن عثمان، وبُسْر بن سعيد، وطاووس، وعُبيد بن السَّبَّاق، وعطاء بن يسار، وغيرهم من الصحابة والتابعين.

قال عاصم عن الشعبي: غلب زيدٌ الناسَ على اثنتين: الفرائضِ والقرآنِ. وقيل: إن أوّل مشاهده يوم الخندق. قاله الواقدي. وكانت معه راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أوّلًا مع عُمارة بن حَزْم، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم منه، فدفعها لزيد بن ثابت، فقال: يا رسول الله بلغك عني شيء؟ قال: "لا، ولكن القرآن مُقَدَّم". أخرجه الحاكم في "المستدرك" 3/ 421.

وكان زيد من علماء الصحابة، وكان هو الذي تولى قسم غنائم اليرموك. وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه ثبت ذلك في "الصحيح"، وقال له أبو بكر: إنك شابٌّ عاقل، لا نَتَّهِمُك. وروى البخاري تعليقًا، والبغوي، وأبو يعلى موصولًا عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، قال: أُتِي بي النبي صلى الله عليه وسلم مَقْدَمَهُ المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأتُ عليه فأعجبه ذلك، فقال:"تعلم كتاب يهودَ، فإني ما آمنهم على كتابي"، ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حَذِقتُهُ، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له. ورواه عبد بن حميد من طريق ثابت بن عبيد، عن زيد بن ثابت، قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "إني أكتب إلى قوم، فأخاف أن يزيدوا عليّ، أو

ص: 453

ينقصوا، فتَعَلَّمِ السُّرْبانية، فتعلمتها في سبعة عشر يومًا. وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن الشعبي قال: ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسك ابن عباس بالركاب، فقال: تَنَحّ يا ابن عَمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفرضكم زيد"، رواه أحمد بإسناد صحيح، وقيل: إنه معلول. ورَوَى ابن سعد بإسناد صحيح قال: كان زيد بن ثابت أحد أصحاب الفتوى، وهم ستة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأُبَيٌّ، وأبو موسى، وزيد بن ثابت. ورُوِي بسند فيه الواقدي من طريق قبيصة قال: كان زيد رأسًا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض، وقال مسروق: قَدِمتُ المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم.

وقال علي بن زيد بن جُدْعان، عن سعيد بن المسيب: شَهِدتُ جنازة زيد بن ثابت، فلما دُلِّيَ في قبره قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: مَن سَرّه أن يعلم كيف ذَهَاب العلم؟ فهكذا ذهاب العلم، والله لقد دُفن اليوم علم كثير. وقال أبو هريرة رضي الله عنه حين مات: مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا.

مات زيد سنة اثنتين، أو ثلاث، أو خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى، أو اثنتين، أو خمس وخمسين، وفي خمس وأربعين قول الأكثر، وفضائله كثيرة (1).

أخرج له الجماعة، روى من الأحاديث (92) حديثًا، اتفق الشيخان على (5) وانفرد البخاريّ بـ (4) ومسلم بحديث واحد، وله في هذا الكتاب (10) أحاديث برقم 77 و230 و 1694 و 2268 و 2269 و 2381 و 2461 و 2823 و 3176 و 4105. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله.

(1) راجع "الإصابة" 2/ 490 - 492 و"تهذيب التهذيب" 1/ 659 - 660.

ص: 454

2 -

(ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.

3 -

(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى أبي سنان.

4 -

(ومنها): أن صحابيّه أحد الراسخين في العلم، وأعلم الناس بالفرائض، وكاتب الوحي للنبيّ صلى الله عليه وسلم.

5 -

(ومنها): أن جملة ما رواه المصنف لكل من زيد بن ثابت رضي الله عنه، وإسحاق بن سليمان عشرة أحاديث، ولأبي سنان خمسة، ولوهب بن خالد حديث واحد فقط، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَن) عبد الله (ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ) بفتح الدال المهملة، واللام، بينهما ياء تحتانيّة ساكنة-: نسبة إلى الديلم، وهي بلاد معروفة نُسب إليها خلق كثير من العلماء. قاله السمعانيّ (1) (قَالَ: وَقَعَ في نَفْسِي شَيْءٌ) أي حزازة واضطراب عظيم (مِنْ هَذَا الْقَدَرِ) أي لأجل القدر، أي القول به، يريد أنه وقع في نفسه من الشُّبَه لأجل القول بالقدر، أو المراد بالقدر هو القول بنفي القدر الذي هو مذهب القدريّة. قاله السنديّ رحمه الله.

(خَشِيتُ) بكسر الشين المعجمة، من باب تَعِبَ، يقال: خَشِيَ خَشْيَةً: خاف، فهو خَشْيان، والمرأة خَشْيَا، مثلُ غضبان وغضبى، وربما قيل: خَشِيتُ بمعنى عَلِمْتُ. قاله في "المصباح"(2)(أَنْ يُفْسِدَ) بضم أوله، من الإفساد (عَلَيَّ دِينِي) أي بخروجي من ملّة الإسلام بسبب إنكاره أحد أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقدر (وَأَمْرِي) أي أمر الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فحيث يخرج من صفوف المسلمين، ويدخل في صفوف القدريّة الضالين، وأما في الآخرة، فحيث لا ينال درجة المؤمنين الذين استكملوا أركان الإيمان، ويدخلون الجنة (فَأَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) رضي الله عنه، هو: أُبَيّ بن كعب بن قيس بن عُبيد بن زيد

(1) راجع "الأنساب" 2/ 527 - 528 و"اللباب" 1/ 524.

(2)

راجع "المصباح المنير" 1/ 170.

ص: 455

بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، أبو المنذر، ويقال: أبو الطفيل المدنيّ، سيد القراء. رَوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه عمر بن الخطاب، وأبو أيوب، وأنس بن مالك، وسليمان بن صرد، وسهل بن سعد، وغيرهم.

شَهِد بدرًا، والعقبة الثانية. وسماه النبيّ صلى الله عليه وسلم سيّد الأنصار، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سيد المسلمين أبي بن كعب. وكان يكتب الوحي للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد الفقهاء الستة الذين كانوا يُفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت في "الصحيح" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا". ورَوَى الترمذيّ حديث أنس الذي فيه: "وأقرؤهم أُبي بن كعب".

قال الهيثم بن عدي: مات سنة (19). وقيل: سنة (32) في خلافة عثمان رضي الله عنه، وفي موته اختلاف كثير جدًّا، والأكثرون على أنه في خلافة عمر.

وروى ابن سعد في الطبقات بإسناد رجاله ثقات، لكن فيه إرسال أن عثمان أمره أن يجمع القرآن، فعلى هذا يكون موته في خلافته، قال الواقدي وهو أثبت الأقاويل عندنا.

أخرج له الجماعة، روى (164) حديثًا، اتّفق الشيخان على ثلاثة، وانفرد البخاريّ بأربعة، ومسلم بسبعة، وله في هذا الكتاب (22) حديثًا.

(فَقُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ) كنية أبيّ رضي الله عنه (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي تفسّره الجملة بعده، وقد تقدّم تمام البحث فيه، فلا تغفل (قَدْ وَقَعَ في نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ) تقدّم آنفًا المراد به (فَخَشِيتُ عَلَى دِيني وَأَمْرِي، فَحَدِّثْني مِنْ ذَلِكَ بِشَيْء) أي بحديث مما يتعلّق بمسألة القدر ثبوتًا حتى يزول ذلك منّي (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَني بِهِ) قال الطيبيّ رحمه الله: أدخَلَ "أن" في خبر "لعلّ" تشبيهًا لها بـ "عسى". ووقع في رواية أبي داود: "بلفظ: "فحدّثني لعلّ الله أن يُذهبه من قلبي".

قال الطيبيّ: قال أوّلًا: "في نفسي"، وثانيًا "منْ قلبي" إشعارًا بأن ذلك تمكّن منه،

ص: 456

وأخذ بمجامعه من ذاته وقلبه. انتهى (1).

قال القاري بعد ذكر كلام الطيبيّ: والأظهر أن الحزازة تنشأ من الخطرات النفسيّة، والثبات والاطمئنان من الصفات القلبيّة. انتهى (2).

(فَقَالَ) أُبيّ بن كعب رضي الله عنه مجيبًا لسؤاله (لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ) من الملائكة المقرّبين (وَأَهْلَ أَرْضِهِ) من الأنبياء والأولياء والصالحين (لَعَذَّبَهُمْ) قال القاري: وفيه إشكال، ودفعه أن الشرطيّة غير لازمة الوقوع. انتهى. وقوله:(وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لهُمْ) جملة في محلّ نصب على الحال: أي والحال أنه غير ظالم لهم في تعذيبهم ذلك؛ لأنه متصرّفٌ في مُلْكِه ومِلْكه، فعذابه عدلٌ، وثوابه فضلٌ.

وفيه إرشاد عظيم، وبيان شافٍ لإزالة ما طَلَب منه؛ لأنه هَدَم قاعدة القول بالحسن والقبح عقلًا؛ لأنه مالك السموات والأرض، وما فيهنّ، ويتصرّف في ملكه كيف شاء، ولا يُتصوّر فيه الظلم؛ لأنه تصرّف في ملك غيره، ولا ملك لغيره سبحانه وتعالى أصلًا. أفاده الطيبيّ (3).

ثم عطف على ما سبق قوله: (وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَته خَيْرًا لهُمْ مِنْ أَعْمَالهِمْ) إيذانًا بأن النجاة من العذاب إنما هي برحمته وفضله، لا بالأعمال الصالحة، وإيجابها إياها؛ إذ هي لا توجبها عليه، كيف، وهي من جملة رحمته بهم، فرحمته إياهم محض فضل منه تعالى عليهم، فلو رحم الأولين والآخرين فله ذلك، ولا يخرج ذلك عن حكمة، غايته أنه أخبر أن المطيعين لهم الثواب، وأن العاصين لهم العقاب، كما هو مثبت في أم الكتاب، فالأمر المقدّر لا يتبدّل، ولا يتغيّر، وهذا هو الصواب في الجواب. قاله القاري (4).

(1)"الكاشف عن حقائق السنن" 2/ 577.

(2)

"المرقاة": 1/ 318.

(3)

"الكاشف" 2/ 577.

(4)

"المرقاة" 1/ 318.

ص: 457

(وَلَوْ كانَ لَكَ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ) بضمّتين: جبل عظيم قرب المدينة النبويّة، معروف، وقعت فيه الوقعة المشهورة (ذَهَبًا) منصوب على التمييز (أَوْ) للشكّ من الراوي: أي أو قال (مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ، تُنْفِقُهُ) بضم أوله، من الإنفاق رباعيّا (في سَبِيلِ اللَّهِ) أي مرضاته، وطريق خيراته، أو المراد الإنفاق في الجهاد (مَا قُبِلَ مِنْكَ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية أبي داود:"ما قبل الله منك". يعني أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل منك ذلك الإنفاق، أو مثل ذلك الجبل، وهو تمثيل على سبيل الفرض، لا تحديد؛ إذ لو فُرض إنفاق ملء السموات والأرض كان كذلك. قاله الطيبي (1).

وقال السنديّ رحمه الله: قوله: "ما قُبِل منك" يشير إلى أنه لا قبول لعمل المبتدع عند الله تعالى، أو هو مبنيّ على القول بكفر منكره.

(حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) أي بأن جميع الأمور الكائنة خيرها وشرّها، حُلْوها ومُرّها، نفعها وضرّها، قليلها وكثيرها، كبيرها وصغيرها كلّ بقضائه سبحانه وتعالى، وقدره، وإرادته، وأمره، وأنه ليس فيها لهم إلا مباشرة الفعل بقدرة ناشئة من قدرته تعالى، {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30].

(فَتَعْلَمَ) بالنصب عطفًا على "تؤمن"، وهو شروع في التخصيص بعد التعميم (أَنَّ مَا أَصَابَكَ) من النعمة والبليّة، أو الطاعة والمعصية مما قدّر الله لك، أو عليك (لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ) بضم أوله رباعيّا: أي يَتجاوز عنك، فلا يصيبك، بل لا بدّ من إصابته، والحيل غير نافعة في دفعه، وعنوان "لم يكن ليخطئك" يدلّ على أنه محال أن يخطئك، والوجه في دلالته أن "لم يكن" يدلّ على المضيّ، و"ليُخطئك" يدلّ على الاستقبال بواسطة الصيغة، سيّما مع "أَنْ" المقدّرة، فيدلّ على أنه ما كان قبل الإصابة في الأزمنة الماضية قابلًا لأن يُخطئك في المستقبل بواسطة تقدير الله تعالى وقضائه في الأزل بذلك. (2).

(1)"الكاشف" 2/ 577.

(2)

راجع "شرح السنديّ" 1/ 60.

ص: 458

وقال الطيبيّ رحمه الله: هذا وُضع موضع المحال، كأنه يقول: محالٌ أن يُخطئك، كقوله تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} الآية [آل عمران: 179]: أي لا ينبغي، ولا يصحّ، ومحال أن يُطلعكم عليه، لأن فيه ثلاث مبالغات:

[أحدها]: دخول اللام المؤكّدة للنفي في الخبر.

[وثانيها]: تسليط النفي على الكينونة.

[وثالثها]: سرايته في الخبر. قال بعض المغاربة: فائدةُ دخول "كان" المبالغةُ في نفس الفعل الداخلة عليه؛ لتعديد جهته لنفيه عمومًا باعتبار الكون، وخصوصًا باعتبار الخبر، فهو نفي مرّتين. انتهى.

كأنه أشير إلى أن هذا الفعل من الشئون التي عدمها راجح على الوجود، وأنها من قبيل المحال، ومنه قوله تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} الآية [الأنفال: 33]. انتهى كلام الطيبيّ (1).

(وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ) أي من الخير والشرّ (لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ) قال الطيبيّ رحمه الله: الخطأ: العدول عن الجهة، ومن أراد شيئًا، واتّفق غيره يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراده، يقال: أصاب. انتهى (2).

(وَأَنَّكَ إِنْ مُتَ) ولفظ أبي داود: "ولو متّ"، وهو بضم الميم وكسرها، يقال: مات يموت موتًا، من باب نصر، ومات يَمَات من باب خاف يخاف، ويقال أيضًا مِتُّ بالكسر أموتُ بالضمّ لغة ثالثة، وهي من تداخل اللغتين. قاله في "المصباح" (3) (عَلَى غَيْرِ هَذَا) أي على اعتقاد غير هذا الذي ذكرت لك من الإيمان بالقدر (دَخَلْتَ النَّارَ) قال القاري رحمه الله: يحتمل هذا الوعيد، ويحتمل التهديد. انتهى (4)(وَلَا عَلَيْكَ) أي

(1)"الكاشف" 2/ 577.

(2)

"الكاشف" 2/ 578.

(3)

"المصباح المنير" 2/ 583.

(4)

"المرقاة" 1/ 319.

ص: 459

ليس عليك حرج (أَنْ تَأْتِيَ أَخِي) أراد به أخوّة الإسلام؛ لأنه ليس بينهما نسبٌ؛ لأن أُبيّ ابن كعب رضي الله عنه أنصاريّ خزرجيّ، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه مهاجريّ هُذَليّ (عَبْدَ اللَّهَ بْنَ مَسْعُودٍ) الصحابيّ المشهور صاحب السجادة، والمِخَدّة، والنعلين، والطهور، تقدّمَت ترجمته في 2/ 19 (فَتَسْأَلَهُ) أي عما سألتني عنه ليتأكّد لك الجواب، وهذا فيه أن أبيّا رضي الله عنه يعلم أن ابن مسعود رضي الله عنه لا يخالفه فيه، حيث إنه من الأمور المسلّمة لدى الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم مجمعون على وجوب الإيمان بالقدر.

قال ابن الديلميّ رحمه الله (فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّه) أي ابن مسعود رضي الله عنه (فَسَأَلْتُهُ، فَذَكَرَ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (مِثْلَ مَا قَالَ أُبَيّ) بن كعب رضي الله عنه، أي مثل جوابه في سؤالي له (وَقَالَ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (لِي: وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ حُذَيْفَةَ) بن اليمان الصحابيّ الجليل، صاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في "صحيح مسلم" أنه صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه أيضًا صحابيّ، واسمه حِسْل بكسر فسكون، أو حُسيل مصغّرًا، واليمان لقبه، استُشهِد بأحد رضي الله عنهما، وقد تقدّمت ترجمة حذيفة رضي الله عنه في 7/ 49 (فَأَتَيْتُ حُذيْفَةَ) رضي الله عنه (فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَا) أي أبيّ وابن مسعود رضي الله عنهما (وَقَالَ) أي حذيفة رضي الله عنه (ائْتِ زيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) رضي الله عنه، سبقت ترجمته مع رجال الإسناد (فَاسْأَلْهُ، فَأَتيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ) أي زيد رضي الله عنه (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَوْ أَنَّ اللَّه عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لهُمْ مِنْ أَعْمَالهِمْ، وَلَوْ كَانَ لَكَ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا، تُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّه، مَا قَبِلَهُ مِنْكَ حَتَى تُؤْمِنَ بالْقَدَرِ كُلِّهِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ") فظهر بهذا أن حديث الثلاثة: أُبيّ، وابن مسعود، وحُذيفة رضي الله عنهم موقوفٌ، وحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه مرفوع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

ص: 460

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه هذا صحيح.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا بهذا السند فقط، وأخرجه (أبو داود)(4699) و (أحمد) في "مسنده"(5/ 182 و 185 و 189) و (عبد بن حميد) في "مسنده"(247) و (ابن أبي عاصم) في "السنة"(245) و (ابن حبان) في "صحيحه"(727) و (الآجرّيّ) في "الشريعة"(187) و (الطبرانيّ) في "الكبير"(4940) و (البيهقيّ) في "السنن الكبرى" 10/ 204. والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو بيان وجوب الإيمان بالقدر، فيجب على العبد أن يؤمن أن كلّ شيء بقدر، وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

2 -

(ومنها): عناية السلف بطلب العلم، ولا سيّما ما يتعلّق بالعقائد.

3 -

(ومنها): أنه ينبغي للشخص إزالة ما يعتري قلبه من الشكوك والشبهات بسؤال أهل العلم؛ لأن الشك والشبهة ظلمات، والعلم نور، ولا يزيل الظلمات إلا النور.

4 -

(ومنها): أنه ينبغي الخوف والقلق مما يصيب القلب من الانحرافات؛ لأنه يفسد الدين والدنيا.

5 -

(ومنها): أن في سؤال ابن الديلميّ رحمه الله هؤلاء الصحابة واحدًا بعد واحد، واتفاقهم في الجواب من غير تغيير، ثم انتهاء الجواب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم دليلٌ على الإجماع المستند إلى النصّ الجليّ، انظر إلى هذه التشديدات والمبالغات، ثم احكم على من

ص: 461

خالفها بالمكابرة والعناد الصريح. أفاده الطيبيّ رحمه الله (1).

6 -

(ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا رأى من المستفتي قَلَقًا أن يرشده بعد أن يفتيه إلى عالم غيره ليزول عنه قلقه، ويطمئنّ قلبه أتمّ اطمئنان.

7 -

(ومنها): أنه لا يتصوّر الظلم في تصرّف الله سبحانه وتعالى في خلقه؛ لأنهم ملكه، يفعل فيهم ما يشاء، ويحكم فيهم بما يريد، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23].

8 -

(ومنها): أن الأعمال ليست موجبة للنجاة من النار ودخول الجنة، بل ذلك بمحض فضل الله ورحمته، كما سبق حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه مرفوعًا:"لن يدخل أحدًا عمله الجنة"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: "لا ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة

" الحديث.

9 -

(ومنها): أن من لم يؤمن بالقدر لا يُقبل عمله الصالح؛ لأنه مبتدع، وليس من المتقين، وقد قال الله عز وجل:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27].

10 -

(ومنها): أن فيه الحثّ على التوكل والرضا، ونفي الحول والقوّة إلا بالله، وملازمة القناعة والصبر على المصائب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

78 -

(حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ

(ح) وحَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ ابْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِب، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَبِيَدِهِ عُودٌ، فَنكَتَ في الْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ:"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجنَّةِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَفلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: "لَا

(1)"الكاشف عن حقائق السنن" 2/ 578.

ص: 462

اعْمَلُوا، وَلَا تَتَّكِلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لمَا خُلِقَ لَهُ"، ثُمَّ قَرَأَ:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5 - 10]).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة حافظ شهير [10] 5/ 40.

2 -

(سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السُّلَميّ (1)، أبو حمزة الكوفي، ثقة [3].

روى عن المغيرة بن شعبة، وابن عمر، والبراء بن عازب، وحِبّان بن عطية، والمستورد بن الأحنف، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وكان خَتَنَه على ابنته.

وروى عنه الأعمش، ومنصور، وفِطْرُ بن خليفة، وحصين، وأبو حَصِين، والحكم بن عتيبة، وزُبيد اليامي، وعمرو بن مرة، وعلقمة بن مرثد، وأبو مالك الأشجعي، وجماعة.

قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: كان يرى رأي الخوارج، ثم تركه، يكتب حديثه. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد، وابن حبّان، والكلاباذيّ: مات في ولاية عمر ابن هُبيرة على العراق.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم 78 و 211 و 897 و 1351 و 4269.

3 -

(أبو عبد الرحمن السُّلَميّ) هو: عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة الكوفيّ المقرىء، ثقة ثبتٌ، ولأبيه صحبة، تقدّم في 2/ 20.

(1) بضم السين المهملة، وفتح اللام: نسبة إلى سُليم قبيلة مشهورة. قاله في "لب اللباب" 2/ 23.

ص: 463

4 -

(علي بن أبي طالب) الخليفة الراشد رضي الله عنه تقدّم في 2/ 20.

والباقون تقدّموا قبل حديث. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من سداسيات المصنّف رحمه الله.

2 -

(ومنها): أن رجاله رجاله الصحيح، غير شيخه عليّ بن محمد، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة.

3 -

(ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين.

4 -

(ومنها): أن سعد بن عُبيدة هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وله فيه خمسة أحاديث فقط، كما بينتها آنفًا.

5 -

(ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش عن سعد، عن أبي عبد الرحمن.

6 -

(ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، والعشر المبشّرين بالجنة، وهو جمّ المناقب رضي الله عنه، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) ووقع عند البخاريّ في "التفسير" من طريق شعبة، عن الأعمش، سمعت سعد بن عبيدة، فصرّح بالسماع (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حَبيب (السُّلَمِيِّ) -بضم السين المهملة، وفتح اللام: نسبة إلى سُليم قبيلة مشهورة. قاله في "لب اللباب" 2/ 23.

(عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) رضي الله عنه، وفي رواية مسلم البطين، عن أبي عبد الرحمن السلميّ: "أخذ بيدي عليّ، فانطلقنا نمشي حتى جلسنا على شاطىء الفرات، فقال علي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" فذكر الحديث مختصرًا.

(قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا) جمع جالس، وفي رواية عبد الواحد، عن الأعمش:"كنا قعودا"، وزاد في رواية سفيان الثوري، عن الأعمش: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بقيع الْغَرْقَد

ص: 464

-بفتح الغين المعجمة والقاف، بينهما راء ساكنة- في جنازة"، قال الحافظ: ظاهره أنهم كانوا جميعا شهدوا الجنازة، لكن أخرجه البخاريّ في "الجنائز" من طريق منصور، عن سعد بن عبيدة، فبين أنهم سبقوا بالجنازة، وأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، ولفظه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقعد، وقعدنا حوله".

(عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَبِيَدِهِ عُودٌ) بضم العين المهملة، وسكون الواو: الخشب، وجمعه أعواد (فَنكَتَ في الْأَرْضِ) أي ضرب فيها ضربًا أثّر فيها، قال في "القاموس": النّكْتُ -أي بفتح، فسكون-: أن تضرب في الأرض بقَضِيب، فيؤثّر فيها. انتهى.

وفي رواية البخاريّ: "ومعه عود ينكت به في الأرض"، وفي رواية:"ومعه مِخْصَرة" -بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الصاد المهملة-: هي عصًا، أو قضيب يمسكه الرئيس ليتوكأ عليه، ويدفع به عنه، ويشير به لما يريد، وسميت بذلك لأنها تُحمَل تحت الْخِصْر غالبًا للإتكاء عليها. وفي اللغة اختصر الرجل: إذا أمسك المخصرة.

(ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ) أي بعد تنكيسه، ففي رواية البخاريّ:"فنكس"، وهو بتشديد الكاف أي أطرق.

(فَقَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) زاد في رواية عند البخاريّ: "ما من نفس منفوسة": أي مصنوعة مخلوقة (إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ) أي موضع قعوده (مِنَ الجنَّةِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ) قال الطيبيّ: كنى به عن كونه من أهل الجنّة أو النار باستقراره فيها، والواو المتوسّطة بينهما لا يُمكن أن تجري على ظاهرها، فإن "ما" النافية، و"من" الاستغراقيّة تقتضيان أن يكون لكلّ أحد مقعده من النار، ومقعده من الجنة، وإن ورد في حديث آخر هذا المعنى إلا أن التفصيل (1) الآتي يأبى حمله على ذلك، فيجب أن يقال: إن الواو بمعنى "أو". انتهى (2).

(1) وقع في النسخة "لأن التفصيل الخ" لكن الظاهر أن صوابه: "إلا أن التفصيل الخ، فليُتأمّل.

(2)

"الكاشف" 2/ 537.

ص: 465

ووقع في البخاريّ بلفظ: "إلا قد كُتب مقعده من النار، أو من الجنة"، قال في "الفتح":"أو" للتنويع، قال: وفي رواية منصور: "إلا كتب مكانها من الجنة والنار"، وزاد فيها:"وإلا وقد كُتبت شقيةً أو سعيدةً، وإعادة "إلا" يحتمل أن يكون "ما من نفس" بدل "ما منكم"، و"إلا" الثانية بدلًا من الأولى، وأن يكون من باب اللف والنشر، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص، والثاني في كُلٍّ منهما أعم من الأول، أشار إليه الكرماني. انتهى (1).

(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّه) وفي رواية البخاريّ: "فقال رجل من القوم"، وفي رواية له:"فقالوا"، والرجل القائل هو سُراقة بن مالك بن جُعْشُم، فقد أخرجه المصنف برقم (91) عن مجاهد عن سراقة بن جعشم، قال: قلت: يا رسول الله العمل فيما جف به القلم، وجرت به المقادير، أم في أمر مُستقبل؟ قال:"بل فيما جف به القلم، وجرت به المقادير، وكل ميسر لما خلق له".

وفي رواية مسلم من حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم قال: "جاء سراقة، فقال: يا رسول الله أَنَعْمَل اليوم فيما حُفّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أو فيما يُستَقبَل؟ قال: بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، فقال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، وأخرجه الطبراني، وابن مردويه نحوه، وزاد: "وقرأ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} إلى قوله: {لِلْعُسْرَى} .

ووقع هذا السؤال وجوابه سوى تلاوة الآية لشُرَيح بن عامر الكلابيّ، أخرجه أحمد والطبراني، ولفظه: قال: ففيم العمل إذًا؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله أرأيت ما نَعمَل فيه أمر مُبتَدَعٌ، أو أمر قد فُرِغ منه؟ قال: "فيما قد فُرِغ منه

"، فذكر نحوه، وأخرج البزار، والفريابيّ، من حديث أبي هريرة: أن عمر قال: يا رسول الله

فذكره، وأخرجه أحمد،

(1)"الفتح" 11/ 605.

ص: 466

والبزار، والطبراني من حديث أبي بكر الصديق، قلت: يا رسول الله، نعمل على ما فُرغ منه

الحديث نحوه، ووقع في حديث سعد بن أبي وقاص، فقال رجل من الأنصار.

والجمع بين هذه الروايات أن يُحمل على تعدد السائلين عن ذلك، فقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو أن السائل عن ذلك جماعة، ولفظه: فقال أصحابه: ففيم العمل إن كان قد فُرغ منه؟ فقال: "سَدِّدُوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يُختَم له بعمل أهل الجنة، وإن عَمِلَ أيَّ عملٍ

" الحديث. أخرجه الفريابيّ. ذكره في "الفتح" (1).

(أَفَلَا نَتَّكِلُ؟) أي أفلا نعتمد على ما كُتب لنا في الأزل، ونترك العمل؟ يعني أنه إذا سبق القضاء لكل واحد منّا بالجنة أو النار، فأيّ فائدة في السعي، فإنه لا يردّ قضاء الله وقدره.

وقال في "الفتح": الفاء مُعَقِّبةٌ لشيء محذوف تقديره: فإذا كان كذلك، أفلا نتكل، وفي رواية للبخاريّ:"ألا نتكل يا رسول الله"، وفي رواية:"أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل": أي نعتمد على ما قُدِّر علينا، وزاد في رواية:"فمن كان منا من أهل السعادة، فيصير إلى عمل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة مثله".

وقال السنديّ رحمه الله في "شرحه": قوله: "أفلا نتكل": ما حاصله: أي إذا كان العمل لا يردّ القضاء والقدر السابق، فلا فائدة فيه، فنبّه بالجواب عنه أن الله تعالى دبّر الأشياء على ما أراد، وربط بعضها ببعض، وجعلها أسبابًا ومسبّبات، ومن قدّره من أهل الجنّة قدّر له ما يُقرّبه إليها من الأعمال، ووفقه لذلك، بإقداره، ويُمكّنه منه، ويُحرّضه عليه بالترغيب والترهيب، ومن قدّر أنه من أهل النار قدّر له خلاف ذلك، وخذَلَهُ حتى اتّبع هواه، وترك أمر مولاه.

والحاصل أنه جعل الأعمال طريقًا إلى نيل ما قدّره له من جنة أو نار، فلا بدّ من المشي في الطريق، وبواسطة التقدير السابق يتيسّر ذلك المشي لكلٍّ في طريقه، ويَسهلُ

(1)"الفتح" 11/ 605.

ص: 467

عليه، وتلا الآية للاستشهاد على أن التيسير منه تعالى. انتهى (1).

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَا) أي لا تتكلوا (اعْمَلُوا) وقوله: (وَلَا تَتَكلُوا) تأكيد لـ "لا"(فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لمِا خُلِقَ لَهُ) أي مهيّأٌ، ومصروف إليه.

وزاد في رواية البخاريّ: "أما من كان من أهل السعادة، فيُيَسَّر لعمل السعادة

" الحديث، وفي رواية: قال: "أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة

" الحديث.

وحاصل السؤال: ألا نترك مشقة العمل، فإنا سنصير إلى ما قُدّر علينا.

وحاصل الجواب: لا مشقة؛ لأن كل أحد ميسر لما خُلق له، وهو يسير على من يسره الله سبحانه وتعالى.

قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله: حاصل هذا السؤال أنه إذا وجبت السعادة والشقاوة بالقضاء الأزليّ، والقدر الإلهيّ، فلا فائدة للتكليف، ولا حاجة بنا إلى العمل، فنتركه، وهذه أعظم شُبَه النافين للقدَر، وقد أجابهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بما لا يَبْقَى معه إشكال، فقال:"اعملوا، فكلّ ميسّر لما خُلق له"، ثم قرأ:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} الآيات [الليل: 5 - 6]. ووجه الانفصال أن الله تعالى أمرنا بالعمل، فلا بُدّ من امتثال أمره، وغَيّب عنا المقادير لقيام حجته وزجره، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته، وحكمته، وعزّه {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} لا يبقى معها لقائل مقول، وقهر {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] يضع له المتكبّرون، قال: ومورد التكليف فعل الأخيار، وذلك ليس مناقضًا لما سَبَقت به الأقدار. انتهى (2).

وقال الطيبي رحمه الله: الجواب من الأسلوب الحكيم، منعهم صلى الله عليه وسلم عن الاتكال، وترك العمل، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من امتثال أمر مولاه، وهو عبوديته عاجلًا، وتفويض الأمر إليه آجلًا، يعني أنتم عبيد، ولا بُدّ لكم من العبوديّة، فعليكم

(1)"شرح السنديّ" 1/ 60 - 61.

(2)

"المفهم" 6/ 658 "كتاب القدر".

ص: 468

بما أُمرتم به، وإياكم والتصرّف في الأمور الإلهيّة؛ لقوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فلا تجعلوا العبادة وتركها سببا مستقلا لدخول الجنة والنار، بل هي أمارات وعلامات لها، ولا بدّ في الإيجاب من لطف الله وكرمه أو خذلانه، كما ورد:"لن يدخل أحدكم عمله الجنة"، والفاء في {فَسَنُيَسِّرُهُ} تُفصح عن هذه المقدّرات. انتهى كلام الطيبيّ (1).

(ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى}) أي حقوق ماله {وَاتَّقَى} أي ربه، فاجتنب محارمه، وقيل: اتقى البخلَ {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} أي بالملة الحسنى، وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، أو بالكلمة الحسنى، وهي لا إله إلا الله {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} أي نهيّئه، ونُهَوّن عليه الخَلّة اليسرى، وهي العمل الصالح، والخير الراجح. وقيل: الجنّة {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ} أي بماله، وقيل: بحقّ الله، وهو قريب مما قبله {وَاسْتَغْنَى} عن ربّه، فلم يتّقه، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} أي بالإسلام، أو الجنة {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} أي للْخَلَّة المؤدّية إلى النار، فتكون الطاعة أعسر شيء عليه، وأشدّ، أو سَمّى طريق الخير باليسرى؛ لأن عاقبتها اليسر، وطريق الشرّ بالعسرى؛ لأن عاقبتها العسر، أو أراد بهما طريق الجنة والنار (2).

وزاد في البزار بعد أن ساق الآيات: "فقال القوم بعضهم لبعض: فالجِدّ إذًا"، وأخرجه الطبراني في آخر حديث سراقة، ولفظه:"فقال: يا رسول الله ففيم العمل؟ قال: كل ميسر لعمله، قال: الآن الجدّ، الآن الجدّ"، وفي آخر حديث عمر عند الفريابي:"فقال عمر: ففيم العمل إذا؟، قال: كلٌّ لا يُنال إلا بالعمل، قال عمر: إذًا نجتهد"، وأخرج الفريابي بسند صحيح إلى بُشير بن كعب أحد كبار التابعين قال: "سأل غلامان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيم العمل، فيما جَفّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم شيء نَستأنفه؟

(1)"الكاشف" 2/ 538.

(2)

راجع "تفسير النسفي" 4/ 362 و"المفهم" 6/ 658 - 659.

ص: 469

قال: بل فيما جفت به الأقلام، قالا: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما هو عامل، قالا: فالجد الآن". ذكره في "الفتح" (1). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (78) وأخرجه (البخاريّ) في "الجنائز"(1362) و"التفسير"(4945) و (4946) و (4947) و (4948) و"الأدب"(6217) و"القدر"(6605) و"التوحيد"(7552) و (مسلم) في "القدر"(6663) و (6674) و (6674) و (6675) و (6676) و (أبو داود) في "السنّة"(4694) و (الترمذيّ) في "القدر"(2136) و (عبد الرزاق)(20074) و (أحمد) 1/ 82 و 129 و 132 و 140 و 157 و (عبد بن حميد)(84) و (ابن حبان) في "صحيحه"(334) و (335) و (الآجريّ) في "الشريعة"(171) و (البيهقيّ) في "الاعتقاد"(86) و (87) و (البغويّ) في "السنّة"(72)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو وجوب الإيمان بالقدر.

2 -

(ومنها): جوازُ القعود عند القبور، والتحدث عندها بالعلم والموعظة، وقال المهلب: نَكْتُهُ الأرض بالْمِخْصرة أصل في تحريك الإصبع في التشهد، نقله ابن بطال، وهو بعيد، وإنما هي عادة لمن يتفكر في شيء يستحضر معانيه، فيحتمل أن يكون ذلك تفكرا منه صلى الله عليه وسلم في أمر الآخرة بقرينة حضور الجنازة، ويحتمل أن يكون فيما أبداه بعد ذلك

(1) راجع "الفتح" 11/ 606.

ص: 470

لأصحابه من الحكم المذكورة، ومناسبته للقصة أن فيه إشارةً إلى التسلية عن الميت بأنه مات بفراغ أجله.

3 -

(ومنها): أن هذا الحديث أصل لأهل السنة في أن السعادة والشقاء بتقدير الله القديم.

4 -

(ومنها): أن فيه رَدًّا على الجبرية؛ لأن التيسير ضد الجبر؛ لان الجبر لا يكون إلا عن كره، ولا يأتي الإنسان الشيء بطريق التيسير إلا كاره له.

5 -

(ومنها): أن أفعال العباد، وإن صدرت عنهم، لكنها قد سبق علم الله بوقوعها بتقديره، ففيها بطلان قول القدرية صريحًا.

6 -

(ومنها): أنه استُدِلَّ به على إمكان معرفة الشقي من السعيد في الدنيا، كمن اشتَهَر له لسان صدق وعكسه؛ لأن العمل أمارة على الجزاء على ظاهر هذا الخبر.

ورُدَّ بما تقدم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وأن هذا العمل الظاهر قد ينقلب لعكسه على وفق ما قُدَّرَ.

والحق أن العمل علامةٌ وأمارةٌ، فيحكم بظاهر الأمر، وأمرُ الباطن إلى الله تعالى.

قال الطيبيّ نقلًا عن الخطابي: إن قول الصحابيّ هذا مطالبة بأمر يوجب تعطيل العبوديّة، فلم يُرخّص صلى الله عليه وسلم له، وذلك أن إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن سابق الكتاب، إخبار عن غيب علم الله تعالى فيهم، وهو حجة عليهم، فرام القوم أن يتخذوه حجة لأنفسهم في ترك العمل، فأعلمهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أن هنا أمرين محُكَمين، أحدهما لا يُبْطِلُ الآخر، باطن، وهو الحكمة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر، وهو السمة اللازمة في حق العبودية، وهو أمارة ومُخَيَّلةٌ، غير مفيدة حقيقة العلم، ويشبه أن يكون -والله أعلم- إنما عوملوا بهذه المعاملة، وتُعُبِّدوا بهذا التعبّد؛ ليتعلّق خوفهم ورجاؤهم بالباطن، وذلك من صفة الإيمان، وبَيَّنَ صلى الله عليه وسلم لهم أن كلا ميسر لما خُلق له، وأن عمله في العاجل دليلُ مصيره في الآجل، وتلا قوله تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} ، {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} [الليل: 5 - 8] وهذه الأمور في حكم الظاهر،

ص: 471

ومن وراء ذلك حكم الله تعالى فيهم، وهو الحكيم الخبير:{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23].

واطلب نظير ذلك من أمرين: الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، والأجل المضروب مع المعالجة بالطبّ، فإنك تجد المعتبر فيهما علّة موجبة، والظاهر البادي سببًا مُخيّلا، وقد اصطلح الناس خواصهم وعوامهم على أن الظاهر منها لا يُترك بالباطن. انتهى (1).

وقال الخطابيّ في "معالم السنن": هذا الحديث إذا تأملته أصبت منه مما يتخالج في الضمير من أمر القدر، وذلك أن القائل:"أفلا نتكل، وندع العمل" لم يترك شيئًا مما يَدخُل في أبواب المطالبات والأسئلة الواقعة في التجويز والتعديل إلا وقد طالب به، وسأل عنه، فأعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القياس في هذا الباب متروك، والمطالبة عليه ساقطة، وأنه لا يشبه الأمور المعلومة التي قد عُقلت معانيها، وجَرَت معاملات البشر فيما بينهم عليها، وأخبر أنه إنما أمرهم بالعمل ليكون أمارة في الحال العاجلة لما يصيرون إليه في الحال الآجلة، فمن تيسّر له العمل الصالح كان مأمولًا له الفوز، ومن تيسّر له العمل الخبيث كان مخوفًا عليه الهلاك.

وهذه أمارات من جهة العلم الظاهر، وليست بموجبات، فإن الله سبحانه وتعالى طَوَى علم الغيب عن خلقه، وحجبهم عن دَرْكه، كما أخفى عنهم أمر الساعة، فلا يَعلَم أحد متى إِبّانُ قيامها، ثم أخبر على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بعض أماراتها وأشراطها، فقال:"من أشراط الساعة أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان"، ومنها كيت وكيت. انتهى كلام الخطابيّ ببعض تصرّف (2).

وقال غيره وجه الانفصال عن شبهة القدرية أن الله أمرنا بالعمل، فوجب علينا

(1) راجع "الكاشف عن حقائق السنن" 2/ 538 - 539.

(2)

راجع "معالم السنن" 8/ 62 - 63.

ص: 472

الامتثال، وغيّب عنّا المقاديرَ لقيام الحجة، ونَصَبَ الأعمالَ علامةً على ما سبق في مشيئته، فمن عَدَلَ عنه ضَلَّ وتاه؛ لأن القدر سر من أسرار الله، لا يَطَّلِع عليه إلا هو، فإذا أدخل أهل الجنةِ الجنةَ، كشف لهم عنه حينئذ (1). والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

79 -

(حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ، وَأَحَبُّ إِلَى اللَّه مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِص عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّه، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ "لَوْ" تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ").

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد الحافظ الثبت [10] تقدم في 1/ 1.

2 -

(عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ) المذكور في الحديث الماضي.

3 -

(عَبْدُ اللَّه بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابدٌ [8] تقدّم 7/ 52.

4 -

(رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ) بن ربيعة بن عبد الله بن الْهُدَير التيميّ، أبو عثمان المدني، صدوقٌ له أوهامٌ [6].

أرسل عن سهل بن سعد، وروى عن زيد بن أسلم، وعامر بن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وابن المنكدر، ونافع، وهشام بن عروة.

(1) راجع "الفتح" 11/ 606.

ص: 473

وروى عنه ابن عجلان، وهو من أقرانه، وابن المبارك، وابن إدريس، وابن أبي فُديك، ووكيع، وغيرهم.

قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: إلى الصدق ما هو، وليس بذاك القوي. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، يُكتب حديثه. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد عن الواقدي: وكان ثقةً، قليل الحديث، وكان فيه عسر. وقال ابن وَضّاح: سمعت ابن نمير يقول: ربيعة بن عثمان ثقة. وقال مسعود السجزي عن الحاكم: كان من ثقات أهل المدينة، ممن يُجمَع حديثه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: أمه أم يحيى بنت المنكدر.

وقال الواقدي: مات سنة (154)، وهو ابن سبع وسبعين سنة، وكذا أرخه ابن حبان في "الثقات".

أخرج له مسلم، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة"، والمصنّف، وله عندهم هذا الحديث فقط. ووقع له ذكر في "صحيح البخاري" ضمنًا في أَثَرٍ عَلّقَه.

5 -

(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) -بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة- ابن مُنْقِذ بن عمرو بن مالك بن خنساء بن مَبْذُول بن عمرو بن غَنْم بن مازن بن النجار الأنصاري المازنيّ، أبو عبد الله الأنصاريّ المدنيّ، ثقة فقيه [4].

روى عن أبيه، وعمه واسع، ورافع بن خَديج، وأنس، وعَبّاد بن تميم، ويحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري، والأعرج، وعمرو بن سليم الزُّرَقي، وغيرهم.

وروى عنه الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد ربه بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وربيعة بن عثمان التيمي، وابن عجلان، وابن إسحاق، ومالك، وآخرون.

قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الواقدي: كانت له حلقة في مسجد المدينة، وكان يفتي، وكان ثقة، كثير الحديث، مات بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة، وهو ابن أربع وسبعين سنة.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (11) حديثًا.

ص: 474

6 -

(الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ثقة ثبتٌ عالم بالأنساب والعربيّة [3].

روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد الله بن مالك ابن بُحينة، وابن عباس، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومعاوية بن أبي سفيان، وخلق كثير.

وروى عنه زيد بن أسلم، وصالح بن كيسان، والزهري، وأبو الزبير، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وموسى بن عقبة، وعمرو بن أبي عمرو، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وأيوب، وجعفر بن ربيعة، وسعد بن إبراهيم، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وغيرهم.

وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وقال المُقَدَّميُّ: سئل ابن المديني عن أعلى أصحاب أبي هريرة، فبدأ بابن المسيب، وذكر جماعة، قيل له: فالأعرج؟ قال: دون هؤلاء، وهو ثقة. وقال العجلي: مدني تابعيّ ثقة. وقال أبو زرعة، وابن خِرَاش ثقة. وقال ابن عيينة: قال أبو إسحاق: قال أبو صالح، والأعرج: ليس أحد يُحدّث عن أبي هريرة إلا علمنا أصادق هو أم كاذب. وقال ابن حبان في "الثقات": كنيته أبو داود. وقد قيل: أبو حازم. وقد قيل: إن اسم أبيه كيسان، فقال غندر: ثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، ثنا عبد الرحمن بن كيسان الأعرج. وقال الحاكم أبو أحمد: عبد الرحمن بن هُرْمز، ويقال: كيسان. وقال الداني: رَوَى عنه القراءة عَرْضًا نافع بن أبي نُعَيم. وقال ابن لَهِيعة عن أبي النضر: كان الأعرج عالمًا بالأنساب والعربية.

قال ابن يونس وغير واحد: مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة. وقال الفلاس وغيره: مات سنة (11) وهو وَهَمٌ، والأصح الأول.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (47) حديثًا.

7 -

(أبو هريرة) رضي الله عنه تقدّم في 1/ 1، والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.

2 -

(ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه عليّ بن محمد، فإنه من أفراده

ص: 475

والنسائي في "مسند عليّ"، وهو ثقة.

3 -

(ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين من ربيعة، والباقون كوفيون.

4 -

(ومنها): ربيعة، ومحمد بن يحيى، والأعرج هذا أول محل ذكرهم من الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لمحمد (11) حديثًا، وللأعرج (47) حديثًا، ولربيعة هذا الحديث فقط.

5 -

(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ محمد بن يحيى عن الأعرج.

6 -

(ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (5374) حديثًا، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ) القادر على تكثير الطاعة، وهو مبتدأ خبره قوله (خَيْرٌ) وقوله: (وَأَحَبُّ إِلَى اللَّه) عطفٌ تفسير لـ "خير" (مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ) متعلّق بـ "أحبّ": أي العاجز عن تكثير الطاعة.

وقال النوويّ رحمه الله: المراد بالقوة هنا عزيمةُ النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدوّ في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه، وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمةً في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاقّ في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظةً عليها، ونحو ذلك. انتهى (1).

وقال القرطبيّ رحمه الله: المؤمن القويّ البدن والنفس الماضي العزيمة الذي يصلح للقيام بوظائف العبادات من الصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على ما يُصيبه في ذلك، وغير ذلك مما يقوم به الدين، وتنهَض به كلمة المسلمين، فهذا هو الأفضل والأكمل، وأما من لم يكن كذلك من

(1)"شرح مسلم" 16/ 215.

ص: 476

المؤمنين، ففيه خيرٌ من حيث كان مؤمنًا، قائمًا بالصلوات، مكثّرًا لسواد المسلمين، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"وفي كلّ خيرٌ"، لكنه قد فاته الحظّ الأكبر، والقام الأفخر. انتهى (1).

وقال الطيبيّ رحمه الله: قيل: أراد بالمؤمن القويّ الذي قوي في إيمانه، وصَلُب في إيقانه بحيث لا يرى الأسباب، ووثق بمسبّب الأسباب، والمؤمن الضعيف بخلافه، وهو أدنى مراتب الإيمان. قال: ويمكن أن يُذهَب إلى اللفّ والنشر، فيكون قوله:"احرص على ما ينفعك" بيانًا للقويّ، وقوله:"ولا تعجز" بيانًا للضعيف. انتهى (2).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "لا يرى الأسباب" إن أراد أنه لا يعتمد على الأسباب، فمسلّم، وإن أراد أنه لا يأخذ بالأسباب أصلًا، فهذا لا مدح فيه؛ لأنه خلاف هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ بالأسباب، ويحثّ عليه، وهو سيّد المتوكلين.

وبالجملة فالواجب على العبد أن يأخذ بالأسباب، ولا يعتمد عليها، بل يعتمد على الله سبحانه وتعالى. والله تعالى أعلم.

وقال القاري رحمه الله: قيل: المراد بالمؤمن القويّ الصابر على مخالطة الناس، وتحمّل أذيّتهم، وتعليمهم الخير، وإرشادهم إلى الهدى، ويؤيّده ما أخرجه أحمد وغيره، عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا:"المؤمن الذي يُخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يُخالط الناس، ولا يَصْبر على أذاهم"(3).

(وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ) أي في كلّ من المؤمن القويّ والمؤمن الضعيف أصل الخير موجود؛ لاشتراكهما في الإيمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات.

(احْرِصْ) بكسر الراء، وفتحها، وضمّها: أمرٌ من حرَص يحرِص، من باب ضرب، وسمع، ونصر.

(1)"المفهم" 6/ 682. "كتاب القدر".

(2)

"الكاشف" 10/ 3334.

(3)

حديث صحيح، رواه أحمد في "المسند" رقم (5022) و (23159).

ص: 477

[تنبيه]: اختُلِف في اشتقاق الحرص -بكسر، فسكون- وهو الْجَشَعُ، فقيل: مشتقّ من حَرَصَ القصارُ الثوبَ: إذا قشره بدقّه، وهذا قول الراغب، وقال الأزهريّ: أصلُ الحرص الشقّ، وقيل للشَّرِهِ حريصٌ؛ لأنه يقشر بحرصه وجوهَ الناس. وقيل: هو مأخوذ من السحابة الحارصة التي تقشر وجه الأرض، كأن الحارص ينال من نفسه بشدّة اهتمامه بتحصيل ما هو حريصٌ عليه، وهذا قول صاحب "الاقتطاف"، وقد نقله محمد بن الطيب الفاسي في شرح "القاموس"، واستبعده (1).

(عَلَى مَا يَنْفَعُكَ) أي من أمور الدين (وَاسْتَعِنْ بِاللَّه) أي على فعلك، فإنه لا حول ولا قوّة إلا بالله (وَلَا تَعْجَزْ) بكسر الجيم، وفتحها، من بابي ضرب، وسمع، قاله في "القاموس".

والمعنى: لا تعجز عن الحرص، والاستعانة بالله، فإن الله سبحانه وتعالى قادرٌ على أن يُعطيك قوّة على طاعته، إذا استقمت على استعانته. وقيل: معناه: لا تعجز عن العمل بما أُمرت به، ولا تتركه مقتصرًا على الاستعانة به، فإن كمال الإيمان أن يجمع بينهما (2).

وقال النوويّ: معناه: احرص على طاعة الله تعالى، والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك، ولا تعجز، ولا تَكْسِل عن طلب الطاعة، ولا عن طلب الإعانة. انتهى.

وقال القرطبيّ: أي استعمل الحرص، والاجتهاد في تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك، وصيانة عيالك، ومكارم أخلاقك، ولا تُفرّط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متّكلًا على القدَر، فتُنسَبَ للتقصير، وتلام على التفريط شرعًا وعادةً، ومع إنهاء الاجتهاد نهايته، وإبلاع الحرص غايته، فلا بُدّ من الاستعانة بالله، والتوكّل عليه، والالتجاء في كلّ الأمور إليه، فمن سلك هذين

(1) راجع "تاج العروس في شرح القاموس" 4/ 378.

(2)

راجع "المرقاة" 9/ 154.

ص: 478

الطريقين حصل على خير الدارين. انتهى (1).

(فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ) أي من المكروه الدينيّ، أو الدنيويّ، وفي الرواية الآتية في "كتاب الزهد" من طريق ابن عجلان عن الأعرج:"فإن غلبك أمرٌ"(فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا)"لو" شرطيّة، وجوابها مقدّر: أي لما أصابني ذلك الشيء، فإن هذا القول غير سديد، ومع هذا فإنه غير مفيد، فإن الله جلّ شأنه قال:{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51]، وقال صلى الله عليه وسلم:"ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك"، وقال عز وجل:{لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} [الحديد: 23].

ويحتمل أن تكون للتمنّي، فلا تحتاج إلى تقدير جواب، والوجه الأول أولى؛ لأنه يؤيّده رواية مسلم بلفظ:"لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا".

وقال الطيبيّ: أي لو كان الأمر لي، وكنت مستبدّا بالفعل والترك كان كذا وكذا، وفيه تأسّف على الفائت، ومنازعة للقدر، وإيهام بأن ما يفعله باستبداده، ومقتضى رأيه خير مما ساقه القدر إليه، من حيث إن "لو" تدلّ على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيما مضى، ولذلك استكرهه، وجعله يفتح عمل الشيطان. انتهى (2).

(وَلَكِنْ قُلْ) أي بلسان القال، أو بلسان الحال. قاله القاري (قَدَّرَ اللَّه) بتشديد الدال، ويجوز تخفيفها بصيغة الفعل الماضي: أي قل: قدّر الله عليّ ذلك، أي وقع ذلك بمقتضى قضائه، وعلى وفق قدره، ويجوز كونه بصيغة المصدر، مضافا إلى لفظ الجلالة، وهو مرفوع على أنه خبر لمحذوف: أي هذا قَدَرُ الله تعالى، والوجه الأول أولى؛ ليتناسب مع قوله:(وَمَا شَاءَ فَعَلَ) أي ما شاء الله تعالى فعلَهُ فعله، فإنه فعّال لما يريد، ولا رادّ لقضائه، ولا معَقّب لحكمه (فَإِنَّ "لَوْ") الفاء للتعليل: أي إن كلمة "لو"، وفي رواية ابن عجلان الآتية:"وإياك واللّوّ، فإن "اللّوّ" تفتح عمل الشيطان".

(1)"المفهم" 6/ 682 - 683.

(2)

"الكاشف" 10/ 3335.

ص: 479

[تنبيه]: إنما دخلت "ال" على "لو" في هذه الرواية؛ لأنها أُريد لفظها، فاستُعملت استعمال الأسماء، وهذه قاعدة عامّة في كل ما أريد لفظه، سواء كان حرفًا، أو غيره، قال ابن مالك رحمه الله في "شرح الكافية": وإذا نُسب إلى حرف أو غيره حكمٌ هو للفظه دون معناه جاز أن يُحكى، وجاز أن يُعرب بما يقتضيه العوامل، فمن الحكاية قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:"إياك و"لو"، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:

بُثَيْنُ الْزَمِي "لا" إِنَّ "لا" إِنْ لَزِمْتِهِ

عَلَى كَثْرَةِ الْوَاشِينَ أَيُّ مَعُونِ

ومن الإعراب قول الشاعر [من الخفيف]:

لَيْتَ شِعْرِي وَأَيْنَ مِنِّي "لَيْتٌ"

إِنَّ "لَوًّا" وَإِنَّ "لَيْتًا" عَنَاءُ

وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ونهاكم عن قِيلَ وقَالَ" على الحكاية، و"عن قيل وقالٍ" على الإعراب.

وإذا كانت الكلمة على حرفين ثانيهما حرف لين، وجُعلت اسمًا ضُعِّف ثانيهما، فقيل في "لَوْ":"لَوٌّ"، وفي "في": فِيٌّ، وفي "ما":"ماءٌ"، فُعِل بألف "ما" من التضعيف ما فُعِل بواو "لو"، وياء "في"، فاجتمعت ألفان، فقُلبت الثانية همزةً.

ثم إنّ الأداة التي يُحكم لها بالاسميّة في هذا الاستعمال إن أُوّلت بـ "كلمة" مُنِعَ الصرف، وجاز أيضًا إن كانت ثُلاثيّة ساكنة الوسط، وإن أُوّلت بـ"لفظ" صُرِفت قولًا واحدًا.

وإلى هذا أشار في "الكافية" بقوله:

وَإِنْ نَسَبْتَ لأَدَاةٍ حُكْمَا

فَابْنِ أَوَ اعْرِبْ وَاجْعَلَنَّهَا اسْمَا

وَضَعِّفَنْ ثَانِيَ "في" وَ"لَوْ" و"مَا"

وشِبْهِهَا وَإِنْ نَويتَ الْكَلِمَا

فَأَنِّثَنْ وَذَكِّرِ أنْ لَفْظٌ قُصِدْ

وَصَرْفٌ أوْ مَنْعٌ عَلَى ذَيْنِ يَرِدْ

انتهى كلام ابن مالك رحمه الله تعالى (1).

وقوله: (تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) أي تُلقي في القلب معارضة القدر، ويوسوس به

(1)"شرح الكافية الشافية" 4/ 1716 - 1724 في "باب الحكاية".

ص: 480

الشيطان.

قال القرطبيّ رحمه الله: يعني أن الذي يتعيّن بعد وقوع المقدور التسليم لأمر الله، والرضا بما قدّر الله تعالى، والإعراض عن الالتفات لما مضى وفات، فإن افتكر فيما فاته من ذلك، وقال: لو أني فعلتُ كذا لكان كذا جاءته وساوس الشيطان، ولا تزال به حتى تُفضي به إلى الخسران؛ لتعارض توهّم التدبير سابق المقادير، وهذا هو عَمَلُ الشيطان الذي نَهَى عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله:"فلا تقل: لو، فإن لو تفتح عمل الشيطان"، ولا يُفهم من هذا أنه لا يجوز النطقُ بـ "لو" مطلقًا، إذ قد نطق بها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"لو أني استقبلتُ ما استدبرتُ لم أسُق الهدي، ولجعلتها عمرةً"، متّفقٌ عليه، و"لو كنت راجمًا أحدًا بغير بيّنة لرجمتُ هذه"، متّفقٌ عليه، وقال أبو بكر رضي الله عنه:"لو أن أحدهم نظر إلى رجليه لرآنا"، ومثله كثير؛ لأن محل النهي عن إطلاقها إنما هو فيما إذا أُطلقت في معارضة القَدَر، أو مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور، فأما لو أخبر بالمانع على جهة أن تتعلّق به فائدة في المستقبل، فلا يُختلَف في جواز إطلاقه؛ إذ ليس في ذلك فتحٌ لعمل الشيطان، ولا شيء يُفضي إلى ممنوع ولا حرام. انتهى كلام القرطبيّ (1)، وهو نفيس جدّا. والله تعالى أعلم.

وقال القاضي عياض رحمه الله: قال بعض العلماء: هذا النهي إنما هو لمن قاله معتقدًا ذلك حتمًا، وأنه لو فَعَل ذلك لم تُصبه قطعًا، فأما من رَدّ ذلك إلى مشيئة الله تعالى بأنه لن يصيبه إلا ما شاء الله، فليس من هذا، واستَدَلَّ بقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الغار:"لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا".

قال القاضي: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه إنما أخبر عن مُستَقبَلٍ، وليس فيه دعوى لردّ قدر بعد وقوعه، قال: وكذا جميع ما ذكره البخاري في "باب ما يجوز من اللَّوّ"، كحديث:"لولا حِدْثانُ عهد قومك بالكفر، لأتممت البيت على قواعد إبراهيم"،

(1)"المفهم" 6/ 683.

ص: 481

و"لو كنت راجما بغير بينة لرجمت هذه"، و"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك"، وشبه ذلك فكله مستقبل لا اعتراض فيه على قدر، فلا كراهة فيه؛ لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يَفعَل لولا المانع، وعما هو في قدرته، فأما ما ذهب فليس في قدرته.

قال القاضي: فالذي عندي في معنى الحديث أن النهي على ظاهره وعمومه، لكنه نهي تنزيه، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"فإن "لو" تفتح عمل الشيطان". انتهى.

قال النوويّ بعد نقل كلام القاضي: ما نصّه: وقد جاء من استعمال "لو" في الماضي قوله صلى الله عليه وسلم: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي"، وغير ذلك، فالظاهر أن النهي إنما هو عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، فيكون نهيَ تنزيه لا تحريم، فأما من قاله تأسفًا على ما فات من طاعة الله تعالى، أو ما هو متعذر عليه من ذلك، ونحو هذا، فلا بأس به، وعليه يُحمَل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث. انتهى كلام النوويّ رحمه الله (1). وهو بحثٌ نفيس جدّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (10/ 79) بهذا السند، وأعاده في "كتاب الزهد"(4168) عن محمد بن الصبّاح، عن سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه (مسلم) في "القدر"(6716) و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة"(622) و (623) و (624) و (625) و (أحمد) في "مسنده" 2/ 366 و 370 و (ابن حبّان) في "صحيحه"(5722) وابن أبي عاصم في "السنّة"(356)

(1)"شرح مسلم" 16/ 216.

ص: 482

و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار"(262) و (البيهقيّ) في "السنن" 10/ 89 وفي "الأسماء والصفات" 1/ 263. والله تعالى أعلم.

[تنبيه]: قال الدكتور بشّار عوّاد في تحقيقه لهذا الكتاب: سيأتي في الرقم (4168) من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن الأعرج، أخرجه النسائيّ في "عمل اليوم والليلة"(621) وابن حبان (5721) والطحاويّ في "شرح مشكل الآثار"(259) وهو إسناد ضعيف؛ لأن ابن عجلان دلّسه عن الأعرج، فقد رواه أحمد 2/ 366 و 370 والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة"(623) و (624) والطحاويّ في "شرح المشكل"(260) و (261) من طريق ابن المبارك، عن ابن عجلان، عن ربيعة به، انتهى.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "وهو إسناد ضعيف" فيه نظر لا يخفى، بل هو إسناد صحيح، وما ادّعاه من التدليس لا يستلزم الضعف؛ لأنه تبيّن أنه دلّسه عن الثقة، فإن ربيعة وثقه جماعة، كابن معين، وابن نمير، وابن سعد، وغيرهم، ومن المعروف في اصطلاح المحدثين أن من تبيّن تدليسه عن ثقة يُقبل تدليسه، فراجع كتب المصطلحات في باب التدليس، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو بيان وجوب الإيمان بالقدر.

2 -

(ومنها): بيان فضل المؤمن القويّ على غير القويّ؛ لأنه ينفع نفسه، وينفع المؤمنين.

3 -

(ومنها): بيان فضل الإيمان، وإن كان صاحبه ضعيفًا.

4 -

(ومنها): الحثّ على الحرص على تحصيل ما ينفع المؤمن من خير الدنيا والآخرة، وعدم التواني في طلب ذلك.

5 -

(ومنها): الحثّ على الاستعانة بالله سبحانه وتعالى في تحقيق ما يريده؛ لأن مجرّد الحرص لا يُجدي شيئًا إلا بعون من الله تعالى على حصوله، بل يكون حرصه وبالًا عليه، ولقد

ص: 483

أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الطويل]:

إِذَا كَانَ عَوْنُ الله لِلْمَرْءِ مُسْعِفَا

تَهَيَّا لَهُ في كُلِّ أَمْرٍ مُرَادُهُ

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ الله لِلْفَتَى

فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ

6 -

(ومنها): ذمّ العجز، والتواني في طلب المنافع.

7 -

(ومنها): أنه إذا وقع بعد حرصه على طلب ما ينفعه خلاف مطلوبه، لا ينبغي له التأسّف، وقولُ "لو أني فعلتُ كذا كان كذا" تسخّطًا لقدر الله تعالى، بل الواجب أن يستسلم لقضائه وقدره، ولا يتسخّط؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعلم بمصالح عباده، فربما يكون عكس ما حرص عليه خيرًا إما في الدنيا، وإما في الآخرة، قال الله عز وجل:{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، بل الواجب عليه حينئذ أن يقول:"قدّر الله، وما شاء فعل".

8 -

(ومنها): أن قول العبد "لو فعلت كذا" يفتح عليه باب الشيطان؛ إذ يحمله على تسخّط ما قدر الله تعالى عليه، والتبرّم منه، وعدم الرضا بالقضاء، وسوء الظنّ بربه سبحانه وتعالى، وكلها من نزغات الشيطان، فلا ينبغي للعبد أن يفتح بابها؛ إذ يخسر دنياه وآخرته، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده الذين قال فيهم:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} الآية [الحجر: 42] وقال: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

80 -

(حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عليهما السلام، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ انتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا، وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجنَّةِ بِذَنْبِكَ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّه بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ

ص: 484

التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ، قَدَّرَهُ اللَّه عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلَاثًا").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) الدمشقيّ، صدوق كبر، فصار يتلقّن، من كبار [10] 1/ 5.

2 -

(يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ) المدنيّ، نزيل مكة، صدوق ربما وهم [10] 1/ 9.

3 -

(سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة الثبت المكيّ [8] تقدّم في 2/ 13.

4 -

(عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الجُمَحِيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبتٌ [4].

روى عن ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبي الطفيل، والسائب بن يزيد، وجماعة.

وروى عنه قتادة، ومات قبله، وأيوب، وابن جريج، وجعفر الصادق، ومحمد بن جُحَادة، ومالك، وشعبة، وداود بن عبد الرحمن العطار، ورَوْح بن القاسم، وجماعة.

قال محمد بن علي الْجُوزَجَاني، عن أحمد بن حنبل: كان شعبة لا يُقَدِّم على عمرو ابن دينار لا الحَكَمَ، ولا غيرَهُ -يعني في التثبت-. وقال ابن المديني، عن ابن مهديّ، عن شعبة مثل ذلك. وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يذكر عن ابن أبي نَجِيح قال: ما كان عندنا أحد أفقه، ولا أعلم من عمرو بن دينار، زاد غيره: لا عطاء، ولا مجاهد، ولا طاوس. وقال الحميدي وغيره، عن سفيان: قلت لمسعر: مَنْ رأيت أشد إتقانا للحديث؟ قال: عمرَو بنَ دينار، والقاسمَ بنَ عبد الرحمن. وقال إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان: قالوا لعطاء: بمن تأمرنا؟ قال: بعمرو بن دينار. وقال عبد الرحمن بن الحكم عن ابن عيينة: ثنا عمرو بن دينار، وكان ثقة ثقة، وحديث أسمعه من عمرو أحب إلي من عشرين حديثًا من غيره. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن عيينة، وعمرو بن جرير: كان ثقة ثبتًا كثير الحديث، صدوقًا عالمًا، وكان مفتي أهل مكة في زمانه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: جاوز

ص: 485

السبعين.

قال أحمد: مات سنة (5) أو (126).

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (59) حديثًا.

5 -

(طاوس) بن كيسان الحميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة فقيه فاضل [3] تقدّم في 3/ 27.

6 -

(أبو هريرة) رضي الله تقدّم في 1/ 1. والله تعالى أعلم؟

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.

2 -

(ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه يعقوب، فإنه من أفراده.

3 -

(ومنها): أنه مسلسل بثقات المكيين إلى عمرو بن دينار، غير شيخه هشام، فدمشقيّ، وأما طاوس فيمنيّ، وأبو هريرة رضي الله عنه فمدنيّ.

4 -

(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عمرو عن طاوس.

5 -

(ومنها): أن عمرو بن دينار هذا أول محل ذكره في هذا الكتاب، وجملة ما روى له المصنّف فيه (59) حديثًا كما مرّ آنفًا.

6 -

(ومنها): أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) وقال البخاريّ: حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدثنا سفيان قال: حَفِظناه من عمرو

ووقع في "مسند الحميديّ" عن سفيان حدثنا عمرو بن دينار (سَمِعَ طَاوُسًا) اليمانيّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عليهما السلام أي اختصما، وفي رواية همام، ومالك:"تحاجّ"، وهي أوضح، وفي رواية أيوب ابن النجار، ويحيى بن كثير:"حج آدم وموسى"، وعليها شرح الطيبي، فقال: معنى قوله: "حج آدم وموسى": غلبه بالحجة، وقوله بعد ذلك:"قال موسى: أنت آدم الخ" توضيح لذلك، وتفسير لما أُجمِل، وقوله في آخره: "فحج

ص: 486

آدم موسى" تقرير لما سَبَقَ، وتأكيد له، وفي رواية يزيد بن هرمز: "عند ربهما"، وفي رواية محمد بن سيرين: "التقى آدم وموسى"، وفي رواية عمار، والشعبي: "لقى آدم موسى"، وفي حديث عمر: "لقي موسى آدم" كذا عند أبي عوانة، وأما أبو داود فلفظه: "قال موسى: يا رب أرني آدم".

وقد اختَلَفَ العلماء في وقت هذا اللفظ، فقيل: يحتمل أنه في زمان موسى عليه السلام، فأحيا الله له آدم معجزة له، فكلمه، أو كُشِف له عن قبره، فتحدثا، أو أراه الله روحه كما أُري النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج أرواح الأنبياء، أو أراه الله له في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي، ولو كان يقع في بعضها ما يَقبَل التعبير، كما في قصة الذبيح، أو كان ذلك بعد وفاة موسى، فالتقيا في البرزخ أول ما مات موسى، فالتقت أرواحهما في السماء، وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسي، وقد وقع في حديث عمر: "لمّا قال موسى: أنت آدم؟ قال له: من أنت؟ قال: أنا موسى، وأن ذلك لم يقع بعدُ، وإنما يقع في الآخرة، والتعبير عنه في الحديث بلفظ الماضي لتحقق وقوعه.

وذكر ابن الجوزي احتمال التقائهما في البرزخ، واحتمال أن يكون ذلك ضرب مثل، والمعنى لو اجتمعا لقالا ذلك، وخص موسى بالذكر؛ لكونه أول نبي بُعث بالتكاليف الشديدة، قال: وهذا وإن احتمل لكن الأول أولى، قال: وهذا مما يجب الإيمان به؛ لثبوته عن خبر الصادق، وإن لم يُطَّلَع على كيفية الحال، وليس هو بأول ما يجب علينا الإيمان به، وإن لم نَقِف على حقيقة معناه، كعذاب القبر ونعيمه، ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات، لم يبق إلا التسليم.

وقال ابن عبد البر: مثل هذا عندي يجب فيه التسليم، ولا يوقف فيه على التحقيق، لأنا لم نُؤْتَ من جنس هذا العلم إلا قليلًا.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن الجوزيّ، وابن عبد البرّ من وجوب التسليم لهذا الخبر، وإن لم نعلم كيفية الحال، هو الحق الأبلج، والطريق الأبهج، وما عده من التأويلات التي مرّت فيما لا ينبغي الالتفات إليها؛ إذ هي مجرّد تخمين

ص: 487

وظنون، ليس عليها أثارة من علم، فعليك بالاستسلام، ولا تتهوّر باتباع الأوهام، لعلك تلقى ربك بلا ملام. والله الهادي إلى سواء السبيل.

(فَقَالَ لَهُ) أي لآدم (مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا) وفي رواية يحيى بن أبي كثير: "أنت أبو الناس"، وكذا في حديث عمر، وفي رواية الشعبي:"أنت آدم أبو البشر".

(خَيَّبْتَنَا، وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّةِ بِذَنْبِكَ) وفي رواية حميد بن عبد الرحمن: "أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة"، وفي رواية:"أخرجت ذريتك"، وفي رواية:"أنت الذي أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة".

ومعنى: "أغويت": كنت سببًا لِغَواية من غَوَى منهم، وهو سبب بعيد؛ إذ لو لم يقع الأكل من الشجرة، لم يقع الإخراج من الجنة، ولو لم يقع الإخراج ما تسلط عليهم الشهوات والشيطان المسبب عنهما الإغواء، والغي ضد الرشد، وهو الانهماك في غير الطاعة، ويطلق أيضًا على مجرد الخطأ، يقال: غَوَى، من باب ضرب: أي أخطأ صواب ما أُمر به.

وفي رواية أبي سلمة: "أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك"، وعند أحمد من طريقه:"أنت الذي أدخلت ذريتك النار"، والقول فيه كالقول في أغويت، وزاد همام:"إلى الأرض"، وكذا في رواية يزيد بن هرمز:"فأهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض"، وأوله عنده:"أنت الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته"، ومثله في رواية أبي صالح، لكن قال:"ونفخ فيك من روحه"، ولم يقل:"وأسجد لك ملائكته"، ومثله في رواية محمد بن عمرو، وزاد:"وأسكنك جنته"، ومثله في رواية محمد بن سيرين، وزاد:"ثم صنعت ما صنعت"، وفي رواية عمرو بن أبي عمرو، عن الأعرج:"يا آدم خلقك الله بيده، ثم نفخ فيك من روحه، ثم قال لك: كن فكنت، ثم أمر الملائكة فسجدوا لك، ثم قال: لك: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35]، فنهاك عن شجرة واحدة، فعصيت"، وزاد الفريابي:"وأكلت منها"، وفي رواية عكرمة بن عمار، عن أبي سلمة:

ص: 488

"أنت آدم الذي خلقك الله بيده"، فأعاد الضمير في قوله:"خلقك" إلى قوله: "أنت"، والأكثر عوده إلى الموصول، فكأنه يقول: خلقه الله، ونحو ذلك ما وقع في رواية الأكثر:"أنت الذي أخرجتك خطيئتك"، وفي حديث عمر بعد قوله:"أنت آدم؟ "، "قال: نعم، قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء كلها، وأمر الملائكة فسجدوا لك؟، قال: نعم، قال: فلم أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ "، وفي لفظ لأبي عوانة: "فواللِّه لولا ما فعلتَ ما دخل أحد من ذريتك النار"، ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن أبي شيبة: "فأهلكتنا، وأغويتنا"، وذكر ما شاء الله أن يذكر من هذا.

وهذا يشعر بأن جميع ما ذُكر في هذه الروايات محفوظ، وأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر.

وقوله: "أنت آدم" استفهام تقرير، وإضافة الله خلق آدم إلى يده في الآية إضافة تشريف، وكذا إضافة روحه إلى الله، و"من" في قوله:"من روحه" زائدة على رأي، والنفخ بمعنى الخلق: أي خلق فيك الروح.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "وإضافة الله خلق آدم إلى يده في الآية إضافة تشريف" هكذا قال في "الفتح"، يعني أنه من المجاز، لا من الحقيقة، وفيه نظر، بل الحقّ أنه على ظاهره، وأن لله تعالى يدًا حقيقيّة، تليق بجلاله، لا تشبه يد الخلق، فنحن نثبت ما أثبته لنفسه من اليد والأصابع، والعين، والوجه، ونحو ذلك، من غير تمثيل ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تحريف، وكون الإضافة حقيقية يستفاد منها مع إثبات اليد تشريف آدم وذريته، حيث خلقه الله عز وجل بيده. فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، والله سبحانه وتعالى الهادي إلى سواء السبيل.

ومعنى قوله: "أخرجتنا": كنت سبببا لإخراجنا، كما تقدم تقريره.

وقوله: "أغويتنا، وأهلكتنا" من إطلاق الكل على البعض، بخلاف "أخرجتنا" فهو على عمومه.

ومعنى قوله: "أخطأت، وعصيت" ونحوهما: فعلتَ خلاف ما أُمرت به. وأما

ص: 489

قوله: "خيبتنا" بالخاء المعجمة، ثم الموحدة، من الخيبة، فالمراد به الحرمان، وقيل: هي كـ "أغويتنا" من إطلاق الكل على البعض، والمراد من يجوز منه وقوع المعصية، ولا مانع من حمله على عمومه، والمعنى أنه لو استمر على ترك الأكل من الشجرة، لم يخرج منها، ولو استمر فيها لوُلِد له فيها، وكان ولده سكان الجنة على الدوام، فلما وقع الإخراج، فات أهلَ الطاعة من ولده استمرار الدوام في الجنة، وإن كانوا إليها ينتقلون، وفات أهل المعصية تأخر الكون في الجنة مدة الدنيا، وما شاء الله من مدة العذاب في الآخرة، إما مؤقتا في حق الموحدين، وإما مستمرا في حق الكفار، فهو حرمان نسبي.

(فَقَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّه بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ) وفي رواية: "أنت موسى الذي أعطاك الله علم كل شيء، واصطفاك على الناس برسالته"، وزاد في رواية:"وقرّبك نجيا، وأعطاك الألواح فيها بيان كل شيء"، وفي رواية:"اصطفاك الله برسالته، واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة"، ووقع في رواية "فقال: نعم"، وفي حديث عمر: قال: أنا موسى، قال: نبي بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: أنت الذي كلمك الله من وراء حجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولًا من خلقه؟ قال: نعم".

(أتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ، قَدَّرَهُ اللَّه عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً) قال في "الفتح": وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة:"فكيف تلومني على أمر كتبه الله، أو قدره الله عليّ؟ "، ولم يذكر المدة، وثبت ذكرها في رواية طاوس، وفي رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، ولفظه:"فكم تَجِد في التوراة أنه كتب عليّ العمل الذي عملته قبل أن أُخلَق؟ قال: بأربعين سنة، قاك: فكيف تلومني عليه؟، وفي رواية يزيد بن هرمز نحوه، وزاد: "فهل وجدت فيها: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 20]؟ قال: نعم.

وكلام ابن عبد البر قد يوهم تفرُّد ابن عيينة عن أبي الزناد بزيادتها، لكنه بالنسبة لأبي الزناد، وإلا فقد ذَكَرَ التقييد ابن عيينة كما ترى، وفي رواية الزهري، عن أبي سلمة عند أحمد:"فهل وجدت فيها -يعني الألواح، أو التوراة- أني أهبط؟ "، وفي رواية الشعبي: "أفليس تجد فيما أنزل الله عليك أنه سيخرجني منها قبل أن يدخلينها؟ قال:

ص: 490

بلى"، وفي رواية عمار بن أبي عمار: "أنا أقدم أم الذكر؟ قال: بل الذكر"، وفي رواية عمرو ابن أبي عمرو، عن الأعرج: "ألم تعلم أن الله قدّر هذا عليّ قبل أن يخلقني؟ "، وفي رواية ابن سيرين: "فوجدتَهُ كتب عليّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم"، وفي رواية أبي صالح: "فتلومني في شيء كتبه الله عليّ قبل خلقي"، وفي حديث عمر: "قال: فلم تلومني على شيء سبق من الله تعالى فيه القضاء؟، ووقع في حديث أبي سعيد الخدري:"أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلق السماوات والأرض".

ويُجمَع بينه وبين الرواية القيدة بأربعين سنة بحملها على ما يتعلق بالكتابة، وحمل الأخرى على ما يتعلق بالعلم.

وقال ابن التين: يحتمل أن يكون المراد بالأربعين سنة ما بين قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] إلى نفخ الروح في آدم.

وأجاب غيره بأن ابتداء المدة وقت الكتابة في الألواح، وآخرها ابتداء خلق آدم.

وقال ابن الجوزي: المعلومات كلها قد أحاط بها علم الله القديم قبل وجود المخلوقات كلها، ولكن كتابتها وقعت في أوقات متفاوتة، وقد ثبت في "الصحيح" -يعني "صحيح مسلم"-: أن الله قدّر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة"، فيجوز أن تكون قصة آدم بخصوصها كُتبت قبل خلقه بأربعين سنة، ويجوز أن يكون ذلك القدر مدة لبثه طينًا إلى أن نُفخت فيه الروح، فقد ثبت في "صحيح مسلم" أن بين تصويره طينًا، ونفخ الروح فيه كان مدة أربعين سنة، ولا يخالف ذلك كتابة المقادير عمومًا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

وقال المازري: الأظهر أن المراد أنه كتبه قبل خلق آدم بأربعين عامًا، ويحتمل أن يكون المراد أظهره للملائكة، أو فعل فعلًا ما أضاف إليه هذا التاريخ، وإلا فمشيئة الله وتقديره قديم، والأشبه أنه أراد بقوله:"قدّره الله عليّ قبل أن أُخلق": أي كتبه في التوراة؟ لقوله في الرواية المشار إليها قبلُ: "فكم وجدته كتب في التوراة قبل أن أُخلق؟ ".

وقال النووي: المراد بتقديرها كَتْبُهُ في اللوح المحفوظ، أو في التوراة، أو في

ص: 491

الألواح، ولا يجوز أن يراد أصل القدر، لأنه أزليّ، ولم يزل الله سبحانه وتعالى مريدًا لما يقع من خلقه، وكان بعض شيوخنا يزعم أن المراد إظهار ذلك، عند تصوير آدم طينًا، فإن آدم أقام في طينته أربعين سنة، والمراد على هذا بخلقه نفخ الروح فيه.

قال الحافظ: وقد يعكر على هذا روايةُ الأعمش، عن أبي صالح:"كتبه الله عليّ قبل أن يخلق السماوات والأرض"، لكنه يُحمَل قوله فيه: "كتبه الله على قدّره، أو على تعدد الكتابة؛ لتعدد المكتوب، والعلم عند الله تعالى. انتهى.

(فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) أي غلبه بالحجة، يقال: حاججت فلانًا، فحَجَجْتُهُ، مثل خاصمته فخصمته (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلاثًا) قال في "الفتح": كذا في هذه الطرق ولم يكرر في أكثر الطرق، عن أبي هريرة، ففي رواية أيوب بن النجار كالذي هنا لكن بدون قوله:"ثلاثًا"، وكذا لمسلم من رواية ابن سيرين، وكذا في حديث جندب عند أبي عوانة، وثبت في حديث عمر، بلفظ:"فاحتجا إلى الله، فحج آدم موسى"، قالها ثلاث مرات، وفي رواية عمرو بن أبي عمرو، عن الأعرج:"لقد حجّ آدم موسى، لقد حج آدم موسى، لقد حج آدم موسى"، وفي حديث أبي سعيد عند الحارث:"فحج آدم موسى" ثلاثًا، وفي رواية الشعبي عند النسائي:"فخصم آدم موسى، فخصم آدم موسى".

واتفق الرواةُ، والنَّقَلَة، والشُّرّاح على أن "آدم" بالرفع، وهو الفاعل، وشذ بعض الناس، فقرأه بالنصب، على أنه المفعول، و"موسى" في محل الرفع على أنه الفاعل، نقله الحافظ أبو بكر بن الخاصية، عن مسعود بن ناصر السِّجْزي الحافظ، قال: سمعته يَقْرَأُ: "فحج آدمَ" بالنصب، قال: وكان قدريا.

قال الحافظ: هو محجوج بالاتفاق قبله على أن آدم بالرفع على أنه الفاعل، وقد أخرجه أحمد من رواية الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ:"فحجه آدم"،

ص: 492

وهذا يرفع الإشكال، فإن رواته أئمة حفاظ، والزهري من كبار الفقهاء الحفاظ، فروايته هي المعتمدة في ذلك (1)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (10/ 80) و (البخاريّ)(4/ 192 و 6/ 120 و 121 و (8/ 157) و (9/ 182) و (مسلم)(8/ 49 و 50 و51) و (الترمذيّ)(2134) و (النسائيّ) في "الكبرى" و (مالك) في "الموطإ"(560) و (الحميديّ) في "مسنده"(1116) و (أحمد) في "مسنده"(2/ 264 و 268 و 3314 و 392 و 448) و (ابن خزيمة) في "التوحيد"(54) و (ابن أبي عاصم) في "السنّة"(153 و 154 و155) و (الآجرّيّ) في "الشريعة"(181 و 324) و (ابن حبّان) في "صحيحه"(6210) و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات"(232)، والله تعالى أعلم.

[تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله: هذا الحديث ثابت بالاتفاق، رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين، ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخرى، من رواية الأئمة الثقات الأثبات.

وقال الحافظ: وقع لنا من طريق عشرة عن أبي هريرة، منهم: طاوس في "الصحيحين"، والأعرج عند مسلم من رواية الحارث بن أبي ذباب، وعند النسائي، عن عمرو بن أبي عمرو كلاهما عن الأعرج، وأبو صالح السمان عند الترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، كلهم من طريق الأعمش عنه، والنسائي أيضًا من طريق

(1) راجع "الفتح" 11/ 620 - 621.

ص: 493

القعقاع بن حكيم عنه.

ومنهم: أبو سلمة بن عبد الرحمن عند أحمد، وأبي عوانة، من رواية الزهري عنه، وقيل: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وقيل: عنه، عن حميد بن عبد الرحمن. ومن رواية أيوب بن النجار، عن أبي سلمة في "الصحيحين" أيضًا. ومن رواية محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة عند ابن خزيمة، وأبي عوانة، وجعفر الفريابي في "القدر". ومن رواية يحيى بن أبي كثير عنه، عند أبي عوانة.

ومنهم: حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة في "الصحيحين" أيضًا.

ومنهم: محمد بن سيرين في "الصحيحين" أيضًا.

ومنهم: الشعبي، أخرجه أبو عوانة، والنسائي.

ومنهم: همام بن منبه، أخرجه مسلم.

ومنهم: عمار بن أبي عمار، أخرجه أحمد.

وممن رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم: عمرُ عند أبي داود، وأبي عوانة، وجندب بن عبد الله عند النسائي، وأبو سعيد عند البزار، وأخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والحارث من وجه آخر عنه، وقد أشار إلى هذه الثلاثة الترمذي. انتهى (1).

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو بيان إثبات القدر، ووجوب الإيمان به.

2 -

(ومنها): ما قاله القاضي عياض رحمه الله: ففيه حجة لأهل السنة في أن الجنة التي أُخرج منها آدم هي جنة الخلد التي وُعد المتقون، ويدخلونها في الآخرة، خلافًا لمن قال من المعتزلة وغيرهم: إنها جنة أخرى، ومنهم من زاد على ذلك، فزعم: أنها كانت في الأرض.

(1) راجع "الفتح" 11/ 616.

ص: 494

3 -

(ومنها): أنّ فيه إطلاقَ العموم، وإرادة الخصوص في قوله:"أعطاك علم كل شيء"، والمراد به كتابه النزل عليه، وكل شيء يتعلق به، وليس المراد عمومه؛ لأنه قد أقر الخضرَ على قوله:"وإني على علم من علم الله لا تعلمه أنت".

4 -

(ومنها): أن فيه مشروعية الْحُجَج في المناظرة؛ لإظهار طلب الحق، وإباحة التوبيخ والتعريض في أثناء الحجاج؛ ليتوصل إلى ظهور الحجة.

5 -

(ومنها): أنه فيه دلالةً على أن اللوم على من أيقن، وعَلِم أشدّ من اللوم على من لم يحصل له ذلك.

6 -

(ومنها): أن فيه مناظرةَ العالم من هو أكبر منه، والابن أباه، ومحل مشروعية ذلك إذا كان لإظهار الحق، أو الازدياد من العلم، والوقوف على حقائق الأمور.

7 -

(ومنها): أن فيه حجةً لأهل السنة في إثبات القدر، وخلق أفعال العباد.

8 -

(ومنها): أنه يُغتَفَر للشخص في بعض الأحوال ما لا يُغتَفَر في بعضٍ، كحالة الغضب والأسف، وخصوصًا ممن طُبع على حِدَّة الخلق، وشدة الغضب، فإن موسى عليه السلام لمّا غلبت عليه حالة الإنكار في المناظرة، خاطب آدم مع كونه والده باسمه مجردًا، وخاطبه بأشياء لم يكن ليخاطب بها في غير تلك الحالة، ومع ذلك فأقره على ذلك، وعدل إلى معارضته فيما أبداه من الحجة في دفع شبهته.

9 -

(ومنها): أن فيه استعمالَ التعريض بصيغة المدح، يؤخذ ذلك من قول آدم لموسى: "أنت الذي اصطفاك الله برسالته

" إلى آخر ما خاطبه به، وذلك أنه أشار بذلك إلى أنه اطّلع على عذره، وعرفه بالوحي، فلو استحضر ذلك ما لامه، مع وضوح عذره، وأيضًا ففيه إشارة إلى شيء آخر أعم من ذلك، وإن كان لموسى فيه اختصاص، فكأنه قال: لو لم يقع إخراجي الذي رُتّب على أكلي من الشجرة ما حصلت لك هذه المناقب؛ لأني لو بقِيتُ في الجتة، واستمرّ نسلي فيها ما وُجِد من تجاهر بالكفر الشنيع بما جاهر به، فرعون حتى أُرسلت أنت إليه، وأعطيت ما أعطيت، فإذا كنتُ أنا السبب في حصول هذه الفضائل لك، فكيف يسوغ لك أن تلومني.

ص: 495

10 -

(ومنها): ما قاله الطيبي رحمه الله: (اعلم): أن هذه القصّة تشتمل على معاني محرّرة لدعوى آدم عليه السلام، مقرّرةً لحجّته.

[منها]: أن هذه المحاجّة لم تكن في عالم الأسباب الذي لم يجوز فيه قطع النظر عن الوسائط والاكتساب، وإنما كانت في العالم العلويّ عند مُلتقى الأرواح.

[ومنها]: أن اللائمة كانت بعد سقوط الذنب، ووجوب المغفرة.

قال: أقول: -والعلم عند الله- مذهب الجبرية إثبات التقدير لله تعالى، ونفي القدرة عن العبد أصلًا، ومذهب المعتزلة بخلافه، وكلا الفريقين من الإفراط والتفريط على شفا جُرُف هَارٍ، والطريق المستقيم القصد بين الأمرين، كما هو مذهب أهل السنّة؛ إذ لا يقدر أحد أن يُسقط الأصلَ الذي هو القدر، ولا أن يبطل الكسب الذي هو السبب، فلما جعل موسى عليه السلام مساق كلامه وقصّته إلى الثاني بأن صَدّر الجملة بحرف الإنكار والتعجب، وصَرّح باسم آدم عليه السلام، ووصفه بصفات أربع، كل واحدة منها مستقلة في علية عدم ارتكابه الخطيئة، ثم جاء بكلمة الاستبعاد في قوله:"ثم أهبطت"، فأسند الإهباط إليه على الحقيقة، والله سبحانه وتعالى هو المهبط في الحقيقة؛ لقوله تعالى:{قُلْنَا اهْبِطُوا} الآية [البقرة: 38] وقرن الإهباط بالأرض، والإهباط لا يكون إلا إليها؛ ليؤذن بسفالتها التي تورث الخساسة والرذالة، كما قال الله تعالى:{وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} الآية [الأعراف: 176]، بل الغرض الأول من ذلك الإنكار البليغ هذا لقوله:"ثم أهبطت الناس"، كأنه عليه السلام قال: ما أبعد هذه السفالة عن تلك المعالي والمناصب، فأجاب عنه عليه السلام بما يقابلها، بل أبلغ، من تصرير الجملة بالهمزة، وتصريح باسم موسى عليه السلام، ووصفه بصفات أربعٍ، كلُّ واحدة مستقلة في علية عدم الإنكار عليه، ثم رَتّب العلم الأزلي على ذلك، ثم أتى بدل كلمة الاستبعاد بهمزة الإنكار في قوله:"أفتلومني"، وحذف ما تقتضيه الهمزة، والفاء العاطفة من الفعل: أي أتجد في التوراة هذا النصّ الجليّ، فتلومني على ذلك؟، فما أبعده من إنكار!.

وفي هذا التقرير تنبيه على تحري قصد الأمور، قال: وختم النبي صلى الله عليه وسلم الحديثَ

ص: 496

بقوله: "فحَجَّ آدم موسى"، تنبيهًا على ما قصدناه من أن تحرّي قصد الأمور هو الصواب، ثم إنه صلى الله عليه وسلم ختم الحديث بقوله:"فحجّ آدم موسى" بعد افتتاحه، وبيانه بقوله:"قال موسى: أنت آدم" إلى آخر الحديث مجملًا أوّلًا، ومفصّلًا ثانيًا، ومُعيدًا له ثالثًا؛ تنبيهًا على أن بعض أمته، من المعزلة ينكر حديث القدر، فاهتم لذلك، وبالغ في الإرشاد (1). انتهى كلام الطيبيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم في هذا الحديث من المباحث المفيدة المكملة لما سبق من الفوائد:

قال الإمام أبو عمر ابن عبد البر: هذا الحديث أصل جسيم لأهل الحق في إثبات القدر، وأن الله قضى أعمال العباد، فكل أحد يصير لما قُدِّر له بما سبق في علم الله، قال: وليس فيه حجة للجبرية، وإن كان في بادىء الرأي يساعدهم.

وقال الإمام الخطابي رحمه الله في "معالم السنن": يَحسَب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر يستلزم الجبر، وقهرَ العبد، ويَتَوَهّم أن غلبة آدم كانت من هذا الوجه، وليس كذلك، وإنما معناه الإخبار عن إثبات علم الله بما يكون من أفعال العباد، وصدورها عن تقدير سابق منه، فإن القدر اسم لما صَدَرَ عن فعل القادر، وإذا كان كذلك، فقد نُفي عنهم من وراء علم الله أفعالهم، وأكسابهم، ومباشرتهم تلك الأمور عن قصد وتعمد واختيار، فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة إنما تتوجه عليها.

وجِمَاعُ القول في ذلك أنهما أمران لا يُبَدّل أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه.

وإنما كان موضع الحجة لآدم على موسى أن الله سبحانه وتعالى إذ كان عَلِمَ من آدم أنه يتناول من الشجرة، ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه، وأن يبطله بعد ذلك، وبيان هذا في قوله سبحانه وتعالى:{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً}

(1)"الكاشف عن حقائق السنن" 2/ 532 - 533.

ص: 497

[البقرة: 30]، فأخبر قبل كون آدم أنه إنما خَلقه للأرض، وأنه لا يتركه في الجنة، حتى ينْقُله منها إليها، فكان تناوله من الشجرة سببًا لإهباطه إلى الأرض التي خلق لها، وللكون فيها خليفة، وواليًا على من فيها.

قال: وإنما أدلى آدم عليه السلام بالحجة على هذا المعنى، ودفع لائمة موسى عليه السلام عن نفسه على هذا الوجه، ولذلك قال:"أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني؟ ".

[فإن قيل]: فعلى هذا يجب أن يسقط عنه اللوم أصلًا؟.

[قيل]: اللوم ساقط من قبل موسى؛ إذ ليس لأحد أن يُعيّر أحدًا بذنب كان منه؛ لأن الخلق كلهم تحت العبودية أكفاء سواء.

وإنما يتجه اللوم من قِبَلِ الله سبحانه وتعالى؛ إذ كان قد أمره ونهاه، فخرج إلى معصيته، وباشر ما نهاه عنه، ولله الحجة البالغة سبحانه وتعالى، لا شريك له.

قال: وقول موسى عليه السلام، وإن كان منه في النفس شبهة، وفي ظاهره مُتَعَلَّقٌ لاحتجاجه بالسبب الذي قد جُعل أمارة لخروجه من الجنّة، فقول آدم في تعلّقه بالسبب الذي هو بمنزلة الأصل، أرجح، والْفَلَج فيه قد يقع مع المعارضة بالترجيح، كما يقع بالبرهان الذي لا يُعارض له. انتهى كلام الخطابيّ في "معالم السنن"(1).

وقال في "أعلام الحديث" نحوه مُلَخّصًا وزاد: ومعنى قوله: "فحَجّ آدم موسى" دفع حجته التي ألزمه اللومَ بها، قال: ولم يقع من آدم إنكار لما صدر منه، بل عارضه بأمر دَفَعَ به عنه اللوم.

قال الحافظ رحمه الله: ولم يتلخص من كلامه مع تطويله في الموضعين، دفعٌ للشبهة إلا في دعواه أنه ليس للآدمي أن يلوم آخر مثله على ما فَعَل ما قدره الله عليه، وإنما يكون ذلك لله تعالى؛ لأنه هو الذي أمره ونهاه.

وللمعترض أن يقول: وما المانع إذا كان ذلك لله، أن يباشره من تَلَقَّى عن الله من

(1) راجع "معالم السنن" 7/ 70 - 72.

ص: 498

رُسُله، ومن تلقى عن رسله، ممن أُمر بالتبليغ عنهم.

وقال القرطبي رحمه الله: إنما غلبه بالحجة؛ لأنه عَلِم من التوراة أن الله تاب عليه، فكان لومه له على ذلك نوع جفاء، كما يقال: ذكر الجفاء بعد حصول الصفاء جفاء، ولأن أثر المخالفة بعد الصفح يَنمحي حتى كأنه لم يكن، فلا يصادف اللوم من اللائم حينئذ محلا. انتهى.

وهو محصل ما أجاب به المازري وغيره من المحققين، وهو المعتمد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الخامسة): قد أنكر القدرية هذا الحديث؛ لأنه صريح في إثبات القدر السابق، وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لآدم عليه السلام على الاحتجاج به، وشهادته بأنه غلب موسى، فقالوا: لا يصحّ؛ لأن موسى عليه السلام لا يلوم على أمر قد تاب منه صاحبه، وقد قَتَلَ هو نفسًا لم يؤمر بقتلها، ثم قال: رب اغفر لي فغفر له، فكيف يلوم آدم على أمر قد غُفر له.

ثانيها (1): لو ساغ اللوم على الذنب بالقدر الذي فُرغ من كتابته على العبد، لا يصح هذا لكان من عوتب على معصية، قد ارتكبها، فيحتج بالقدر السابق، ولو ساغ ذلك لانسد باب القصاص والحدود، ولاحتج به كل أحد على ما يرتكبه من الفواحش، وهذا يفضي إلى لوازم قطعية، فدل ذلك على أن هذا الحديث لا أصل له.

[والجواب]: من أوجه:

[أحدها]: آن آدم إنما احتج بالقدر على المعصية، لا المخالفة، فإن محصل لوم موسى إنما هو على الإخراج، فكأنه قال: أنا لم أخرجكم، وإنما أخرجكم الذي رَتَّبَ الإخراج على الأكل من الشجرة، والذي رتب ذلك قَدَّرَه قبل أن أُخلق، فكيف تلومني على أمر ليس لي فيه نسبة إلا الأكل من الشجرة، والإخراج المرتب عليها ليس من فعلي.

وهذا الجواب لا يدفع شبهة الجبرية.

(1) هكذا نسخة "الفتح""ثانيها" وفي العبارة ركاكة، فليحرّر.

ص: 499

[ثانيها]: إنما حكم النبي صلى الله عليه وسلم لآدم بالحجة في معنى خاص، وذلك لأنه لو كانت في المعنى العام لا تقدم من الله تعالى لومه بقوله:{أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} [الأعراف: 22]، ولا واخذه بذلك، حتى أخرجه من الجنة، وأهبطه إلى الأرض، ولكن لما أخذ موسى في لومه، وقدم قوله له: أنت الذي خلقك الله بيده، وأنت وأنت لم فعلت كذا؟ عارضه آدم بقوله: أنت الذي اصطفاك الله، وأنت وأنت.

وحاصل جوابه إذا كنت بهذه المنزلة، كيف يَخفَى عليك أنه لا محيد من القدر، وإنما وقعت الغلبة لآدم من وجهين:

[أحدهما]: أنه ليس لمخلوق أن يلوم مخلوقا في وقوع ما قُدّر عليه، إلا بإذن من الله تعالى، فيكون الشارع هو اللائم، فلما أخذ موسى في لومه من غير أن يؤذن له في ذلك، عارضه بالقدر فأسكته.

[والثاني]: أن الذي فعله آدم اجتمع فيه القدر والكسب، والتوبة تمحو أثر الكسب، وقد كان الله تاب عليه، فلم يبق إلا القدر، والقدر لا يتوجه عليه لوم؛ لأنه فعل الله، ولا يسأل عما يفعل.

[ثالثها]: قال ابن عبد البر: هذا عندي مخصوص بآدم؛ لأن المناظرة بينهما وقعت بعد أن تاب الله على آدم قطعًا، كما قال تعالى:{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37]، فحسن منه أن ينكر على موسى لومه على الأكل من الشجرة؛ لأنه كان قد تيب عليه من ذلك، وإلا فلا يجوز لأحد أن يقول لمن لامه على ارتكاب معصية، كما لو قتل، أو زنى، أو سرق: هذا سبق في علم الله وقدره عليّ قبل أن يخلقني، فليس لك أن تلومني عليه، فإن الأمة أجمعت على جواز لوم من وقع منه ذلك، بل على استحباب ذلك، كما أجمعوا على استحباب محمدة من واظب على الطاعة، قال: وقد حَكَى ابنُ وهب في "كتاب القدر" عن مالك، عن يحيى بن سعيد: أن ذلك كان من آدم بعد أن تيب عليه.

[رابعها]: إنما توجهت الحجة لآدم؛ لأن موسى لامه بعد أن مات، واللوم إنما

ص: 500

يتوجه على المكلف ما دام في دار التكليف، فإن الأحكام حينئذ جارية عليهم، فيلام العاصي، ويقام عليه الحد والقصاص، وغير ذلك، وأما بعد أن يموت، فقد ثبت النهي عن سَبّ الأموات، "ولا تذكروا موتاكم إلا بخير"؛ لأن مرجع أمرهم إلى الله، وقد ثبت أنه لا يُثنى العقوبة على من أُقيم عليه الحد، بل ورد النهي عن التثريب على الأمة إذا زنت، وأقيم عليها الحد، وإذا كان كذلك، فلوم موسى لآدم إنما وقع بعد انتقاله عن دار التكليف، وثبت أن الله تاب عليه، فسقط عنه اللوم، فلذلك عَدَل إلى الاحتجاج بالقدر السابق، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه غلب موسى بالحجة.

قال المازريّ: لمّا تاب الله على آدم، صار ذكر ما صَدَرَ منه إنما هو كالبحث عن السبب الذي دعاه إلى ذلك، فأخبر هو أن الأصل في ذلك القضاء السابق، فلذلك غلب بالحجة.

قال الداودي فيما نقله ابن التين: إنما قامت حجة آدم؛ لأن الله خلقه ليجعله في الأرض خليفة، فلم يَحتَجّ آدم في أكله من الشجرة بسابق العلم؛ لأنه كان عن اختيار منه، وإنما احتج بالقدر لخروجه؛ لأنه لم يكن بُدٌّ من ذلك.

وقيل: إن آدم أب، وموسى ابن، وليس للابن أن يلوم أباه. حكاه القرطبي وغيره، ومنهم من عَبّر عنه بأن آدم أكبر منه، وتعقّبه بأنه بعيد من معنى الحديث، ثم هو ليس على عمومه، بل يجوز للابن أن يلوم أباه في عدة مواطن.

وقيل: إنما غلبه لأنهما في شريعيتن متغايرتين، وتُعُقّب بأنها دعوى لا دليل عليها، ومن أين يَعلَم أنه كان في شريعة آدم أن المخالف يحتج بسابق القدر، وفي شريعة موسى أنه لا يحتج، أو أنه يتوجه له اللوم على المخالف.

وفي الجملة فأصح الأجوبة الثاني والثالث، ولا تنافي بينهما، فيمكن أن يمتزج منهما جواب واحد، وهو أن التائب لا يُلام على ما تِيب عليه منه، ولا سيما إذا انتقل عن دار التكليف، وقد سلك النووي هذا المسلك، فقال: معنى كلام آدم: إنك يا موسى تَعلَم أن هذا كُتب عليّ قبل أن أُخلق، فلا بُدَّ من وقوعه، ولو حرصتُ أنا، والخلق

ص: 501

أجمعون على رد مثقال ذرة منه لم نقدر، فلا تلمني، فإن اللوم على المخالفة شرعي لا عقلي، وإذا تاب الله عليّ، وغفر لي زال اللوم، فمن لامني كان محجوجًا بالشرع.

[فإن قيل]: فالعاصي اليوم لو قال: هذه المعصية قُدّرت عليّ، فينبغي أن يسقط عني اللوم.

[قلنا]: الفرق أن هذا العاصي باق في دار التكليف، جارية عليه الأحكام، من العقوبة واللوم، وفي ذلك له ولغيره زجرٌ وعظةٌ، فأما آدم فميت، خارج عن دار التكليف، مستغنٍ عن الزجر، فلم يكن للومه فائدة، بل فيه إيذاءٌ وتخجيلٌ، فلذلك كان الغلبة له.

وقال التوربشتي: ليس معنى قوله: "كتبه الله عليّ" ألزمني به، وإنما معناه أثبته في أم الكتاب قبل أن يَخلُق آدم، وحَكَمَ أن ذلك كائن.

ثم إن هذه المحاججة إنما وقعت في العالم العلوي، عند مُلْتَقَى الأوراح، ولم تقع في عالم الأسباب، والفرق بينهما أن عالم الأسباب لا يجوز قطع النظر فيه عن الوسائط والاكتساب، بخلاف العالم العلوي بعد انقطاع موجب الكسب، وارتفاع الأحكام التكليفية، فلذلك احتج آدم بالقدر السابق. قال الحافظ: وهو محصل بعض الأجوبة المتقدم ذكرها (1).

وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى ان احتجاج آدم على موسى عليهما السلام كان في المصائب، لا في الذنوب، قال: وقد ظنّ قوم أن آدم احتجّ بالقدر السابق على نفي الملام على الذنب، ثم صاروا لأجل هذا الظنّ ثلاثة أحزاب:

(فريق): كذبوا بهذا الحديث، كأبي عليّ الجبّائيّ وغيره؛ لأنه من المعلوم بالاضطرار أن هذا خلاف ما جاءت به الرسل، ولا ريب أنه يمتنع أن يكون هذا مراد الحديث، ويجب تنزيه النبيّ صلى الله عليه وسلم، بل وجميع الأنبياء، وأتباع الأنبياء أن يَجعلوا القدر حجة لمن عصى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

(1) راجع "الفتح" 11/ 622 - 634.

ص: 502

(وفريق): تأوّلوه بتأويلات معلومة الفساد، كقول بعضهم: إنما حجه لأنه كان أباه، والابن لا يلوم أباه.

وقول بعضهم: لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في أخرى. وقول بعضهم: لأن الملام كان بعد التوبة. وقول بعضهم: لأن هذا تختلف فيه دار الدنيا ودار الآخرة.

(وفريق ثالث) جعلوه عمدة سقوط الملام عن المخالف لأمر الله سبحانه وتعالي ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم لم يمكنهم طرد ذلك، فلا بدّ في نفس معاشهم في الدنيا أن يلام من فعل ما يضرّ نفسه وغيره، لكن منهم من صار يحتج بهذا عند أهوائه وأغراضه، لا عند أهواء غيره، كما قيل في مثل هذا: أنت عند الطاعة قدريّ، وعند المعصية جبريّ، أي أيّ مذهب وافق هواك تمذهبت به، فالواحد من هؤلاء إذا أذنب أخذ يحتجّ بالقدر، ولو أذنب غيره، أو ظلمه لم يعذُره، وهؤلاء ظالمون معتدون.

ومنهم من يقول: هذا في حقّ أهل الحقيقة الذين شهدوا توحيد الربوبيّة، وفنُوا عما سوى الله، فيرون أن لا فاعل إلا الله، فهؤلاء لا يستحسنون حسنةً، ولا يستقبحون سيّئةً، فإنهم لا يرون لمخلوق فعلًا، بل لا يرون فاعلا إلا الله، بخلاف من شهد لنفسه فعلًا، فإنه يُذَمُّ ويُعاقَب، وهذا قول كثير من متأخري الصوفيّة المدّعين للحقيقة، وقد يجعلون هذا نهاية التحقيق، وغاية العرفان والتوحيد، وهذا قول طائفة من أهل العلم.

قال: وممن يُشبه هؤلاء كثير من الفلاسفة، كقول ابن سينا بأن يشهد سرّ القدر، والرازيّ يقرّر ذلك؛ لأنه كان جبريًّا محضًا.

وفي الجملة فهذا المعنى دائر في نفوس كثير من أهل العلم والعبادة، فضلًا عن العامّة، وهو مناقض لدين الإسلام.

قال: إذا عرفت هذا، فنقول: الصواب في قصّة آدم وموسى- عليهما السلام أن موسى لم يَلُم آدم إلا من جهة المصيبة التي أصابته وذريّته بما فعل، لا لأجل أن تارك الأمر مذنبٌ عاصٍ، ولهذا قال:"لِمَ أخرجتنا ونفسك من الجنّة؟ "، ولم يقل: لماذا

ص: 503

خالفت الأمر، ولماذا عصيت؟. إلى آخر كلامه رحمه الله (1).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صوّبه شيخ الإسلام رحمه الله من أن لوم موسى لآدم عليهما السلام على المصيبة، لا على الذنب هو الذي يترجّح عندي؛ لوضوح حجته، كما فصّله رحمه الله تفصيلًا حسنًا، وحققه تحقيقًا بليغًا، فراجعه بتأمل تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

81 -

(حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيك، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ عَليٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله عز وجل: "لَا يُؤْمنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمنَ بِأَرْبَعٍ: بِالله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأنِّي رَسُولُ الله، وَبِالْبَعثِ بَعْدَ الموْتِ، وَالْقَدَرِ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عَبْدُ الله بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ) الحضرميّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ [10] تقدّم في 4/ 30.

2 -

(شَرِيكٌ) بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ القاضي، صدوقٌ يخطىء كثيرًا، وتغير حفظه [8] تقدّم في 1/ 1.

3 -

(مَنْصُور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل عابد [6] 4/ 31.

4 -

(رِبْعِيٍّ) بن حِرَاش العبسيّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقة عابدٌ مخضرم [2] 4/ 31.

5 -

(عَليّ) بن أبي طالب الخليفة الراشد رضي الله عنه، تقدّم في 2/ 20. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ عَليٍّ رضي الله عنه) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ صلى الله عليه وسلم لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ) هذا نفي لأصل الإيمان، لا نفي للكمال، فمن لم يؤمن بواحد من هذه الأربعة لم يكن مؤمنًا، ويلزم منه

(1) راجع "مجموع الفتاوى" 8/ 303 - 336.

ص: 504

أن يكون القدريّ كافرًا، وهو خلاف ما عليه الجمهور، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك فلا تغفل.

(حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ) أي أي بأربع خصال (بالله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) ولفظ الترمذيّ: "يشهد أن لا إله إلا الله"(وأنِّي رَسُولُ الله) زاد في رواية الترمذيّ: "بعثني بالحقّ"(وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الموْتِ) أي يؤمن ببعث الناس من قبورهم بعد الموت.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر رواية المصنّف أن هذا هو الثالث من الأمور الأربعة، فالإيمان بالله سبحانه وتعالى، أولها، والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ثانيها، والإيمان بالبعث ثالثها، ولفظ الترمذيّ:"ويؤمن بالموت، والبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر"، وعليه يكون الأول هما الشهادتان، والثاني الإيمان بالموت، والثالث الإيمان بالبعث بعد الموت، والرابع الإيمان بالقدر.

قال المظهر معنى الإيمان بالموت اعتقاد فناء الدنيا، وهو احتراز عن مذهب الدهريّة القائلين بقدم العالم، وبقائه أبدًا. قال القاري: وفي معناه التناسخيّ، ويحتمل أن يراد اعتقاد أن الموت يحصل بأمر الله، لا بفساد المزاج، كما يقول الطبيعيّ. انتهى. (وَالْقَدَرِ) أي الإيمان بأن جميع ما يجري في العالم بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره.

قال الطيبيّ رحمه الله: قوله: "حتى يؤمن بأربع الخ" هذا نفي أصل الإيمان، لا نفي الكمال، فمن لم يؤمن بواحد من هذه الأربعة لم يكن مؤمنًا:

[أحدها]: الإقرار بأن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، بعثه بالحقّ إلى كافة الجنّ والإنس.

[الثاني]: أن يؤمن بالموت حتى يعتقد أن الدنيا وأهلها تفنى، كما قال تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26]، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ، وهذا احتراز عن مذهب الدهريّة، فإنهم يقولون: العالم قديم باق. ويحتمل أن يراد الإيمان بالموت أي يعتقد أن الموت يحصل بأمر الله، لا بالطبيعة، خلافًا للطبيعيّ، فإنه يقول: يحصل الموت بفساد المزاج.

ص: 505

[الثالث]: أن يؤمن بالبعث بعد الموت.

[الرابع]: أن يؤمن بالقدر، يعني يعتقد أن جميع ما في العالم بقضاء الله وقدره، كما ذُكر قبل هذا.

قال: و"حتى" في قوله: "حتى يؤمن" للتدريج، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الرجل ليصدُق حتى يُكتب صديقًا"، يعني أنه لا يُعتبر التصديق بالقلب حتى يتمكّن منه التصديق إلى أن يبلغه إلى هذه الأوصاف الأربعة.

وقوله: "بعثني بالحق" -أي في رواية الترمذيّ- استئناف، كأنه قيل: لم يشهد بذلك؟ فأجيب "بعثني بالحقّ"، أي لأن الله تعالى بعثني بالحقّ، ويجوز أن يكون حالًا مؤكّدةً، أو خبرًا بعد خبر، فعلى هذا يدخل في حيّز الشهادة، وقوله صلى الله عليه وسلم حكايةُ معنى قول الشاهد، لا قوله، فإن قوله:"أن محمدًا رسول الله بعثه بالحقّ".

[فإن قلت]: لم ذكر في الثلاث الأخيرة -أي في رواية الترمذيّ أيضًا- لفظة "يؤمن"، وذكر في الأولى لفظة "يشهد"؟.

[قلت]: "يشهد" إلى آخره تفصيل لقوله: "يؤمن بأربع"، فلن يكون التفصيل مخالفًا للمجمل، كأن أصل الكلام أن يقال: يؤمن بالله وحده لا شريك له، وبأني رسول الله حقًّا، ويؤمن بكذا، ويؤمن بكذا، فعدل إلى لفظ الشهادة أمنًا من الالتباس، ودلالة على أن النطق بالشهادتين أيضًا ركن من الأركان، ولأن هذه الشهادة غاية للإيمان، ويتدرّج منه إليه، فلا يتصور الشهادة باللسان دون التصديق بالقلب، كأنه قيل: يشهد باللسان بعد التصديق الراسخ في القلب.

قوله: "يؤمن بالموت" أي يؤمن أن الموت حقّ، وأن البعث حقّ، وتكرير الموت إيذانٌ باهتمام شأنه، فهو مثل قوله تعالى:{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون:15 - 16] في أن المراد الاهتمام بشأن الموت، ثم الذي يليه من البعث، فإن الموت ذريعة إلى وصول السعادة الكبرى، ووسيلة إلى ارتقاء الدرجة العليا.

ص: 506

قال الراغب: الموت أحد الأسباب الموصلة إلى النعيم، فهو وإن كان في الظاهر فناءً واضمحلالًا، لكن في الحقيقة ولادة ثانية، وهو باب من أبواب الجنة، منه يُتوصّل إليها، ولو لم يكن لم تكن الجنة من الله تعالى على الإنسان، فقال:{خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك: 2] قدّم الموت على الحياة تنبيهًا على أنه يُتوصّل منه إلى الحياة الحقيقيّة، وعدّه علينا من الآلاء في قوله تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26]، ونبّه الله تعالى بعد قوله:{ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون:14 - 16] على أن هذه التغييرات لخلق أحسن، فنقض هذه البنية لإعادتها على وجه أشرف، كالنوى المزروع الذي لا يصير نخلًا مثمرًا إلا بعد فساد حبتها، وكذلك البرّ إن أردنا أن نجعله زيادة في أجسادنا نحتاج إلى أن يُطحن، ويُعجن، ويُطبخ، ونأكل، فهذه تغييرات كثيرة، هي فساد في الظاهر، وكذلك البذر إذا أُلقي في الأرض يعدّه من لا يتصوّر حاله فسادًا، فالنفس لا تحبّ البقاء في هذه الدار إلا إذا كانت قذرة راضيةً بالأعراض الدنيئة، رضا الجُعْل بالحشّ، أو تكون جاهلةً نجاتها في المآل. انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله. وهو بحث مفيدٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عليّ رضي الله عنه هذا صحيح.

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده شريك بن عبد الله النخعيّ، وهو متكلّم فيه؟.

[قلت]: لم ينفرد به شريك، بل تابعه عليه شعبة، عند الترمذيّ، فقد أخرجه في "الجامع" من طريقه، ونصّه:

ص: 507

حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة، عن منصور، عن رِبْعي بن حِرَاش، عن عليّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني محمد رسول الله، بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر".

حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا النضر بن شُميل، عن شعبة نحوه، إلا أنه قال ربعي: عن رجل، عن عليّ. قال أبو عيسى: حديث أبي داود عن شعبة عندي أصح، من حديث النضر، وهكذا روى غير واحد عن منصور، عن ربعي، عن علي. انتهى.

فتبيّن بهذا أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنف) هنا بهذا السند فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "القدر"(2145) و (الطيالسيّ) في "مسنده"(106) و (أحمد) في "مسنده"(1/ 97 و 133) و (عبد بن حميد) في "مسنده"(75) و (ابن حبّان) في "صحيحه"(178) و (الحاكم) في "المستدرك"(1/ 33)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف، وهو وجوب الإيمان بالقدر.

2 -

(ومنها): أن من لم يؤمن بهذه الأربعة لا يكون مؤمنًا.

3 -

(ومنها): وجوب الإيمان بالموت، أي بأنه حقّ، لا كما يقول الضالون من الدهريّة، وأهل الطبائع.

4 -

(ومنها): وجوب الإيمان بأن الخلائق يبعثون بعد موتهم يوم القيامة.

5 -

(ومنها): أن من لم يؤمن بالقدر لا يسمّى مؤمنًا، وبهذا قال بعض أهل العلم، وأما الجمهور فعلى التفصيل الذي مرّ تحقيقه عند شرح حديث عمر رضي الله عنه في سؤال جبريل للنبيّ صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ص: 508

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

82 -

(حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنينَ رضي الله عنها قَالَتْ: دُعِيَ رَسُوُل الله صلى الله عليه وسلم إِلَى جِنَازة غُلَامٍ مِنَ الْأنصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله طُوبَى لهِذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافَيرِ الجنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكهُ، قَالَ: "أَوَ غَيْرُ ذَلِكِ يَا عَائِشَةُ، إِنَ الله خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لهَا وَهُمْ في أَصْلَابِ آبائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لهَا وَهُمْ في أَصْلَابِ آبائِهِمْ").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبةَ) المذكور قبل حديثين.

2 -

(عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ المذكور قبل حديثين أيضًا.

3 -

(وكيع) بن الجرّاح المذكور قريبًا.

4 -

(طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله) التيمي المدني، نزيل الكوفة، صدوقٌ يُخطئ [6].

روى عن أبيه، وأعمامه، وابني عميه: إبراهيم بن محمد بن طلحة، ومعاوية بن إسحاق بن طلحة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ومجاهد بن جبر، وغيرهم.

وروى عنه السفيانان، وعبد الله بن إدريس، وعبد الواحد بن زياد، وشريك، وأبو أسامة، وعبدة بن سليمان، ويحيى القطان، ووكيع، وغيرهم.

قال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان: لم يكن بالقوي، وعمر بن عثمان أحب إلي منه. وقال أحمد: صالح الحديث، وهو أحب إلي من بريد بن أبي بردة، بُريد له أحاديث مناكير، وطلحة إنما أنكر عليه حديث:"عصفور من عصافير الجنة". وقال ابن معين: ثقة، وقَدّمه على أخيه إسحاق. وقال يعقوب بن شيبة، والعجلي: ثقة. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو داود: ليس به بأس. وقال أبو زرعة، والنسائي: صالح. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، حسن الحديث، صحيح الحديث. وقال صالح

ص: 509

ابن أحمد عن أبيه، والحاكم، عن الدارقطني: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة أيضًا: لا بأس به، في حديثه لين.

وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وأمه أم أبان بنت أبي موسى الأشعري. وقال الساجيّ: صدوق، لم يكن بالقوي. وقال ابن عدي: رَوَى عنه الثقات، وما برواياته عندي بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يُخطىء.

وقال ابن معين: مات سنة ثمان وأربعين ومائة. وقال ابن حبان: مات سنة (6)، قال: وقد قيل: إنه رأى ابن عمر، وليس عليه اعتماد. وقال الفلاس: وُلد سنة (61) هو، والأعمش، وهشام بن عروة، وعمر بن عبد العزيز.

أخرج له الجماعة سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (82) و (652) و (725) و (1701) و (2989).

5 -

(عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيمية، أُمُّ عمران، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر، ثقة [3].

روت عن خالتها عائشة، وعنها ابنها طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، وحَبِيب ابن أبي عَمْرو، وابن أخيها طلحة بن يحيى بن طلحة، وابن أخيها الآخر معاوية بن إسحاق، وابن ابن أخيها موسى بن عبيد الله بن إسحاق، والمنهال بن عمرو، وفضيل ابن عمرو، وعطاء بن أبي رباح، وعمر بن سعيد، وغيرهم.

قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة. وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة.

وقال أبو زُرعة الدمشقي: حَدّث عنها الناس لفضلها وأدبها. وذكرها ابن حبان في "الثقات".

أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (82) و (2901) و (4212).

6 -

(عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تقدّمت في 2/ 14، والله تعالى أعلم.

ص: 510

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.

2 -

(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه عليّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة.

3 -

(ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من طلحة، والباقون كوفيّون، وطلحة أيضًا نزيل الكوفة.

4 -

(ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمته: طلحة عن عائشة.

5 -

(ومنها): أن طلحة وعائشة بنت طلحة هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وجملة ما رواه المصنف لطلحة فيه خمسة أحاديث فقط، ولعائشة ثلاثة أحاديث فقط، كما نبهت عليه آنفًا.

6 -

(ومنها): أن عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (2210) أحاديث. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المؤمنين رضي الله عنها أنها (قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم) ببناء الفعل للمفعول، ورفع "رسول الله صلى الله عليه وسلم" على أنه نائب الفاعل: أي دُعي للَصلاة (إِلَى جِنَازة) بفتح الجيم، وكسرها (غُلَامٍ) متعلّق بـ "دُعي"، وفي رواية مسلم:"إلى جنازة صبيّ"(مِنَ الْأنصَارِ) بفتح الهمزة لقب لمسلمي الأوس والخزرج الذين نصروا الإسلام، وآووا المسلمين، قال في "اللسان": والأنصار أنصار النبيّ صلى الله عليه وسلم غَلَبت عليهم الصفة، فجرى مَجْرَى الأسماء، وصار كأنه اسم الحيّ، ولذلك أُضيف إليه بلفظ الجمع، فقيل: أنصاريّ. انتهى (1)(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله طُوبَى لهَذَا) قال الطيبيّ رحمه الله: "طوبى" فُعلى من الطيب، قُلبت الياء واوًا للضمة قبلها، قيل: معنى طوبى له: أطيب

(1)"لسان العرب" 5/ 210.

ص: 511

المعيشة له. وقيل: معناه أُصيب خيرًا على الكناية؛ لأن إصابة الخير مستلزم لطيب العيش له، فأَطلق اللازم، وأراد الملزوم. انتهى (1).

وقال في "اللسان": طوبى فُعلى من الطِّيبِ، كأن أصله طُيْبَى، فقلبوا الياء واوًا للضمة قبلها، ويقال: طُوبى لك، وطُوباك بالإضافة، ولا تقل: طُوِبيك بالياء، والإضافة، وأثبته الأخفش، وأنكره بعضهم، وقال: هو لحن، والصواب طوبى لك باللام، و"طوبى" شجرة في الجنة.

وفي التنزيل العزيز: {طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد: 29]، وذهب سيبويه بالآية مذهب الدعاء، قال: هو في موضع رفع يدلّك على رفعه رفعُ {وَحُسْنُ مَآبٍ} ، قال ثعلب: وقرىء "طوبى لهم وحسن مآب"، فجعل طوبى مصدرًا، كقولك: سقيًا لك، ونظيره من المصادر الرُّجْعَى، واستدلّ على أن موضعه نصبٌ بقوله:"وحسنَ مآب". وقيل: معنى طوبى لهم: حُسْنَى لهم، وقيل: خيرٌ لهم، وقيل: خِيرَةٌ لهم. وقيل: المعنى أن العيش الطيّب لهم. انتهى باختصار (2).

وقيل: طوبى لهم: معناه: فرحٌ وقرّة أعين لهم. وقيل: اسم الجنة بالحبشية، وقيل: اسمها بالهنديّة. وقيل: طوبى تأنيث أطيب: أي الراحة، وطيب العيش حصل لهذا الصبيّ (3).

(عُصْفُورٌ) خبر لمحذوف: أي هو عصفور: أي طير صغير، والعصفور بضم العين المهملة، على المشهور، وقد تُفتح، وأنكر الفتح بعضهم، طائر معروف، سُمّي بذلك لأنه عصى، وفَرّ (4). (مِنْ عَصَافِيرِ الجنَّةِ) أي هو مثلها من حيث إنه لا ذنب عليه، وينزل في الجنة حيث يشاء. قال ابن الملك: شبّهته بالعصفور كما هو صغير، إما بالنسبة إلى

(1)"الكاشف عن حقائق السنن" 2/ 536.

(2)

"لسان العرب" 1/ 564 - 565.

(3)

راجع "المرقاة" 1/ 269.

(4)

راجع "تاج العروس من جواهر القاموس" 3/ 408.

ص: 512

ما هو أكبر منه من الطيور، وإما لكونه خاليًا من الذنوب من عدم كونه مكلّفًا. انتهى.

قال القاريّ: والأظهر الثاني، فهو تشبيه بليغ، وما قيل: من أن هذا ليس من باب التشبيه؛ لأنه لا عصفور في الجنة، فممنوع؛ لما ورد في الحديث:"إن في الجنّة طيرًا كأمثال البخت تأتي الرجل، فيُصيب منها، ثم تذهب كأن لم ينقص منها شيء"، وقد قال الله عز وجل:{وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [الطور: 22]، وقال:{وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [الواقعة: 21].

وأما ما ذكره ابن حجر -يعني الهيتمي- من حديث: "أرواح الشهداء في أجواف طيور خُضْر

" (1) "، وخبر: "إنما نسمة المؤمن -أي روحه- طائر في شجر الجنة

" (2)، فليس يصلح سندًا للمنع، كما لا يخفى (3). انتهى (4).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي قال: إنه ليس من باب التشبيه، هو الطيبيّ، ونصّ عبارته في "الكاشف":

[فإن قلت]: هذا فيه إشكال؛ لأنه ليس من باب التشبيه، كما تقول: هذا

(1) حديث أخرجه مسلم في "صحيحه"، ولفظه: عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال:"أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا، قالوا: أيَّ شيء نشتهى، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات: فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يُسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا". وسيأتي للمصنّف في "كتاب الجهاد برقم (8201).

(2)

حديث صحيح أخرجه النسائي في "المجتبى" 4/ 108 رقم الحديث 2073. ولفظه: "إنما نَسَمَة المؤمن طائر، في شجر الجنة، حتى يبعثه الله عز وجل إلى جسده يوم القيامة".

(3)

قال الجامع: الظاهر أنه صالح للمنع، فتأمّل.

(4)

راجع "المرقاة" 1/ 269 - 270.

ص: 513

كعصفور من عصافير الجنة؛ إذ ليس المراد أن ثمة عصفورًا، وهذا مشبه به، ولا من باب الاستعارة؛ لأنه المشبّه والمشبّه به مذكوران؛ لأن التقدير هو عصفور، والمقدّر كالملفوظ.

[قلت]: هو من باب الادّعاء، كقولهم تحيّة بينهم ضربٌ وجيعٌ، وقولهم: القلم أحد اللسانين، جُعل بالادّعاء التحيّة والقلم ضربين: أحدهما المتعارف من الضرب واللسان، والآخر غير المتعارف من الضرب واللسان، فبيّن في الأول بقوله: ضرب وجيعٌ أن المراد غير المتعارف، كما بيّن في الثاني بقوله: أحد اللسانين أن المراد منه غير المتعارف، جَعَلت رضي الله عنها العصفور صنفين: أحدهما المتعارف، وثانيهما الأطفال من أهل الجنّة، وعيّنت بقولها:"من عصافير الجنة" أن المراد الثاني. وقولها: "لم يعمل السوء" بيان لإلحاق الطفل بالعصفور، وجعله منه، كما جَعَل القائل القلمَ لسانًا بواسطة إفصاحهما عن الأمر المضمر. انتهى (1).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قرّر الطيبيّ أنه لا تشبيه هنا، لكن الحقّ أنه من باب التشبيه، وقد عرفت تحقيقه في كلام القاري المذكور قبله، فتفطّن، ولا تكن أسير التقليد، والله الهادي إلى سواء السبيل.

(لَمْ يَعْمَلِ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تعب (السُّوءَ) بضم السين المهملة، وتُفتَح: أي الذنب، قال المظهر: أي لم يعمل ذنبًا يتعلّق بحقوق الله، وأما حقوق العباد، كإتلاف مال مسلم، وقتل نفس، فيؤخذ منه الغرم والدية، وإذا سرق يؤخذ منه المال، ولا تقطع يده؛ لأنه من حقوق الله. انتهى.

قال القاريّ: لا تُسمّى هذه الأفعال منه ذنوبًا. فتأمل (2)(وَلَمْ يُدْرِكْهُ) أي لم يَلحقه السوء، فيكون تأكيدًا، أو لم يدرك هو السوء: أي وقته؛ لموته قبل التكليف، فضلًا عن

(1)"الكاشف" 2/ 536.

(2)

"المرقاة" 1/ 270.

ص: 514

عمله، والتأسيس أولى، ومع إفادة المبالغة أحرى. قاله القاري.

قال القرطبيّ: رحمه الله تعالى: إنما قالت عائشة رضي الله عنها هذا؛ لأنها بَنَت على أن كلّ مولود يولد على فطرة الإسلام، وأن الله تعالى لا يُعذّب حتى يبعث رسولًا، فحكمت بذلك، فأجابها النبيّ بما ذُكر. انتهى (1).

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَوَ غيرُ ذَلِكِ) بفتح الواو، ورفع "غير"، وكسر الكاف، قال القاري: هو الصحيح المشهور من الروايات، والتقدير: أتعتقدين ما قلتِ؟، والحقّ غيرُ ذلكِ، وهو عدم الجزم بكونه من أهل الجنّة، فالواو للحال. قاله القاري.

وفي "الفائق" للزمخشريّ: الهمزة للاستفهام، أي الإنكاريّ، والواو عاطفة على محذوف، و"غير" مرفوع بعامل مضمر، تقديره: أقلتِ هذا، ووقع غير ذلك. ويجوز أن تكون "أو" بسكون الواو التي هي لأحد الأمرين: أي الواقع هذا أو غيرُ ذلك. وقيل: التقدير: أو هو غير ذلك. ورُوي بنص "غير": أي أو يكون غيرَ ذلك، أو التقدير أو غير ما قلتِ. قاله القاري (2).

وقال الطيبيّ: ويجوز أن تكون "أو" بمعنى "بل"، أنشد الجوهريّ [من الطويل]:

بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشِّمْسِ في رَوْنَقِ

وَصُورَتُهَا أَوْ أَنْتِ في الْعَيْنِ أَمْلَحُ

يريد بل أنت، وقوله تعالى:{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]، أي بل يزيدون، كأنه صلى الله عليه وسلم لم يرتض قولها رضي الله عنها، فأضرب عنه، وأثبت ما يُخالفه؛ لما فيه من الحكم بالغيب، والجزم بتعيين إيمان أبوي الصبيّ، أو أحدهما؛ إذ هو تبعٌ لهما، ومرجع معنى الاستفهام إلى هذا؛ لأنه لإنكار الجزم، وتقرير لعدم التعيين.

ولعلّ الرّدّ كان قبل إنزال ما أُنزل عليه في ولدان المؤمنين.

(1)"المفهم" 6/ 679.

(2)

"المرقاة" 1/ 270.

ص: 515

(يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا) أي يدخلونها، ويتنعّمون بها (خَلَقَهُمْ لهَا) قال الطيبيّ: كرّر "خلق" لإناطة أمر زائد عليه، وهو قوله:"وهم في أصلاب آبائهم" اهتمامًا بشأنه، كما قال زهير [من البسيط]:

مَنْ يَلْقَ يَوْمًا عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِمًا

يَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ وَالنَّدَى خُلِقَا

عِلَاته بكسر العين: أي على كلّ حال، و"هرمًا" اسم رجل، وكرّر "يَلْقَ"، وعلّق به السماحة والندى اهتمامًا به.

وقوله: (وَهُمْ في أَصْلَابِ آبائهم) أي قبل أن يولدوا، والجملة حالٌ. قيل: عيّن في الأزل من سيكون من أهل الجنّة، ومن سيكون من أهل النار، فعبّر عن الأزل بأصلاب الآباء تقريبًا لأفهام العامّة. وقال الطبيّ: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "وهم في أصلاب آبائهم" خلق الذرّيّة في ظهر آدم عليه السلام، وإخراجها ذرّيّةً بعد ذُرّيّة من صلب كل والد إلى انقراض العالم (1).

(وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا) فيه إيماء إلى أنه لا اعتراض، فإنهم أهل لها أهليّة لا يعلمها إلا خالقها (خَلَقَهُمْ لهَا وَهُمْ في أَصْلَابِ آبائهم) أي وإنما يظهر منهم من الأعمال ما قُدّر لهم في الأزل.

وقال القرطبيّ: هذا لا يعارض ما تقدّم من أنه يُكتب، وهو في بطن أمه شقيّ أو سعيدٌ؛ لما قدّمناه من أن قضاء الله وقدره راجعٌ إلى علمه وقُدرته، وهما أزليّان، لا أول لهما، ومقصود هذه الأحاديث كلِّها أن قدر الله سابق على حدوث المخلوقات، وأن الله تعالى يظهر من ذلك ما شاء لمن شاء متى شاء قبل وجود الأشياء. انتهى (2). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

(1)"الكاشف" 2/ 537.

(2)

"المفهم" 6/ 680.

ص: 516

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (10/ 82) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) في "كتاب القدر"(6710) و (أبو داود) في "كتاب السنّة"(4713) و (النسائيّ) في "كتاب الجنائز"(1946) و (الطيالسيّ) في "مسنده"(1574) و (الحميديّ) في "مسنده"(265) و (أحمد) في "مسنده" 6/ 41 و 208 و (ابن حبان) في "صحيحه"(138)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو إثبات القدر، وبيان وجوب الإيمان به.

2 -

(ومنها): مشروعية إعلام أهل الفضل حتى يصلّوا على موتى المسلمين، وليس ذلك من النعي المنهيّ عنه.

3 -

(ومنها): مشروعيّة الصلاة على أطفال المسلمين.

4 -

(ومنها): ما قاله القاضي عياض رحمه الله: في هذا الحديث إشارة إلى أن الثواب والعقاب لا لأجل الأعمال، وإلا لكان ذراريّ المسلمين والكافرين لا من أهل الجنّة، ولا من أهل النار، بل الموجب هو اللطف الربّانيّ، والخذلان الإلهيّ المقدّر لهم، وهم في أصلاب الآباء، فالواجب التوقّف، وعدم الجزم.

وقال النوويّ رحمه الله: أجمع من يُعتدّ به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنّة، وتوقّف في ذلك بعضهم لهذا الحديث، وأجابوا عنه بأنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليلٌ قاطع. ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنّة. انتهى.

وقال القاري رحمه الله: والأصحّ ما تقدّم من أنه لم يرتض هذا القول منها؛ لما فيه

ص: 517

من الحكم بالغيب، والجزم بإيمان أصل الولد؛ لأنها أشارت إلى طفل معيّن، فالحكم على شخص معيّن بأنه من أهل الجنة لا يجوز من غير ورود النصّ؛ لأنه من علم الغيب. وقد يقال: التبعيّة في الدنيا من الإيمان والكفر، وحكمها من أمور الآخرة.

ففيه إرشاد للأمة إلى التوقّف في الأمور المبهمة، والسكوت عما لا علم لهم به، وحسن الأدب بين يدي علام الغيوب.

وقال ابن حجر الهيتميّ الفقيه: ولعل هذا كان قبل ما نزل عليه في ولدان المؤمنين والكفّار؛ إذ هم في الجنة إجماعًا في الأول، وعلى الأصحّ في الثاني. انتهى (1).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن حجر الهيتميّ هو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الأطفال:

قال في "الفتح": اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة على أقوال:

[أحدهما]: أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن الحمادين، وابن المبارك، وإسحاق، ونقله البيهقي في "الاعتقاد" عن الشافعي في حق أولاد الكفار خاصة، قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص، إلا أن أصحابه صَرّحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة، والحجة فيه حديث:"الله أعلم بما كانوا عاملين".

[ثانيها]: أنهم تبع لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنة، وأولاد الكفار في النار، وحكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج، واحتجوا بقوله تعالى:{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]، وتعقّبه بأن المراد قوم نوح خاصة، وإنما دعا بذلك لما أوحى الله إليه:{أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: 36]،

(1) راجع "المرقاة شرح المشكاة" للقاري. 1/ 271.

ص: 518

وأما حديث: "هم من آبائهم"، أو "منهم"، فذاك ورد في حكم الحربي.

وأما ما رواه أحمد من حديث عائشة: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدان المسلمين، قال:"في الجنة"، وعن أولاد المشركين قال:"في النار"، فقلت: يا رسول الله لم يدركوا الأعمال؟ قال: "ربك أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار".

فحديث ضعيف جدّا؛ لأن في إسناده أبا عَقِيل، مولى بُهَيّة، وهو متروك.

[ثالثها]: أنهم يكونون في برزخ بين الجنة والنار؛ لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة، ولا سيئات يدخلون بها النار.

[رابعها]: هم خَدَم أهل الجنة، وفيه حديث عن أنس ضعيف، أخرجه أبو داود الطيالسي، وأبو يعلى، وللطبراني، والبزار، من حديث سمرة رضي الله عنه مرفوعًا:"أولاد المشركين خدم أهل الجنة"، وإسناده ضعيف.

[خامسها]: أنهم يصيرون ترابًا، رُوي عن ثمامة بن أشرس.

[سادسها]: هم في النار، حكاه عياض عن أحمد، وغلطه ابن تيمية بأنه قول لبعض أصحابه، ولا يُحفَظ عن الإمام أصلًا.

[سابعها]: أنهم يُمتحنون في الآخرة، بأن تُرفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبي عُذّب، أخرجه البزار من حديث أنس، وأبي سعيد رضي الله عنهما، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.

وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن مات في الفترة، من طُرُق صحيحة، وحكى البيهقي في "كتاب الاعتقاد" أنه المذهب الصحيح.

وتُعُقّب بأن الآخرة ليست دار تكليف، فلا عمل فيها، ولا ابتلاء.

وأُجيب بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة أو النار، وأما في عَرَصات القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} ، وفي "الصحيحين":"أن الناس يؤمرون بالسجود، فيصير ظهر المنافق طبقًا فلا يستطيع أن يسجد".

ص: 519

[ثامنها]: أنهم في الجنة، قال النووي: وهو المذهب الصحيحِ المختار الذي صار إليه المحققون؛ لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، وإذا كان لا يعذب العاقل؛ لكونه لم تبلغه الدعوة، فلأن لا يعذّب غير العاقل من باب أولى، ولما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه الطويل، وفيه قال:"وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وأما الولدان الذين حوله، فكلُّ مولود مات على الفطرة"، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وأولاد المشركين"

الحديث.

ولما أخرجه أحمد بإسناد حسن من طريق خنساء بنت معاوية بن صُريم، عن عمتها، قالت: قلت: يا رسول الله، مَنْ في الجنة؟ قال:"النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة".

[تاسعها]: الوقف. [عاشرها]: الإمساك، قال الحافظ: وفي الفرق بينهما دقة، انتهى (1).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرحج الأقوال عندي القول الثامن، وهو الذي صححه النوويّ، وعزاه إلى المحقّقين، وهو أن الأولاد مطلقًا في الجنة؛ لوضوح أدلّته:

(فمنها): الآية المذكورة.

(ومنها): حديث سمرة رضي الله عنه، ففيه:"وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود يولد على الفطرة"، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: "وأولاد المشركين".

(ومنها): ما رواه أبو يعلى بإسناده حسن -كما قال الحافظ- من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا: "سألت ربي اللاهين من ذرية البشر، أن لا يعذبهم، فأعطانيهم". وقد ورد تفسير "اللاهين" بأنهم الأطفال من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا، أخرجه البزار.

(ومنها): حديث عمة خنساء المذكور آنفًا، وهو حديث حسن.

(1) راجع "الفتح" 3/ 290 - 291 "كتاب الجنائز" رقم الحديث (1383).

ص: 520

والحاصل أن الأطفال مطلقًا في الجنّة؛ لما ذكرناه من الأدلة الصحيحة الظاهرة في ذلك، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى في أول الكتاب قال:

83 -

(حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبة، وَعَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ إِسماعِيلَ المخزوميِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، يُخَاصِمُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:48 - 49]).

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(سُفْيَانُ الثوْرِيُّ) هو: سفيان بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [7] تقدّم في 5/ 41.

2 -

(زِيَادُ بْنُ إِسماعِيلَ المخْزُومِيِّ) ويقال: السهمي المكي، ويقال: يزيد بن إسماعيل، صدوقٌ سييّء الحفظ [6].

روى عن محمد بن عباد بن جعفر، وسليمان بن عَتِيق. وروى عنه ابن جريج، والثوري.

قال ابن معين: ضعيف. وقال علي بن المديني: رجل من أهل مكة معروف. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات".

وقال أبو الفتح الأزدي: فيه نظر. وقال يعقوب بن سفيان: ليس حديثه بشيء.

أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، ومسلم، والترمذيّ، والمصنّف، وله عندهم هذا الحديث فقط.

3 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ) بن رفاعة بن أمية بن عائذ بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزومي المكي، ثقة [3].

ص: 521

رَوَى عن جده لأمه عبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وغيرهم.

وروى عنه ابنه جعفر، والزهري، وزياد بن إسماعيل المخزومي، وعبد الحميد بن جبير بن شيبة، والوليد بن كثير، والأوزاعي، وابن جريج، وغيرهم.

قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة مشهور. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات".

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (83) و (1431) و (1724) و (2896). والباقون تقدّموا في السند الماضي، وأبو هريرة رضي الله عنه تقدّم قبل حديثين. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: جَاءَ مُشْرِكو قُرَيْشٍ) أي القبيلة المعروفة، قال الفيّوميّ:"قُريش" هو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ. وقيل: قريشٌ هو فِهْر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش. نقله السهيليّ وغيره. وإلى هذا أشار الحافظ العراقيّ رحمه الله مع ترجيح الثاني في "ألفيّة السيرة" حيث قال:

أَمَّا قُرَيشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ

جَمَّاعُهَا وَالأَكْثَرُونَ النَّضْرُ

وأصل القرش: الجمع، وتقرّشوا: إذا تجمّعوا، وبذلك سُمّيت قُريشٌ. وقيل: قُريشٌ دابّة تسكن البحر، وبه سُمي الرجل، قال الشاعر [من الخفيف]:

وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحـ

ـر بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا

ويُنسب إلى قريش بحذف الياء، فيقال: قُرَشيٌّ، وربّما نُسب إليه في الشعر من غير تغيير، فيقال: قُريشيّ. انتهى كلام الفيّوميّ بزيادة (1).

(1)"المصباح المنير" 2/ 497.

ص: 522

(يُخَاصِمُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (في الْقَدَرِ) أي في إثبات القدر. وقال النوويّ رحمه الله: المراد بالقدر هنا القدر المعروف، وهو ما قدر الله وقضاه، وسبق به علمه وإرادته، وأشار الباجيّ إلى خلاف هذا، وليس كما قال. انتهى (1).

(فَنَزَلَتْ هَذ الْآيَةُ) وهي قوله (يَوْمَ يُسْحَبُونَ) بدل من اسم الإشارة، و"يوم" ظرف متعلّق بفعل مقدّر: أي يقال لهم "يوم يسحبون": أي يجرّون (في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) الجارّان متعلقان بـ "يسحبون"، وقوله (ذُوقُوا) مقول القول المقدّر: أي ذوُقوا على إنكاركم القدر (مَسَّ سَقَرَ) أي إصابة جهنّم لكم، قال النسفيّ رحمه الله: هو كقولك: وجد مسّ الحُمّى، وذاق طعم الضرب؛ لأن النار إذا أصابتهم بحرّها فكأنها تمسّهم مسّا. و"سقر" غير منصرف؛ للتأنيث والتعريف؛ لأنها علم لجهنّم، من سَقَرتهُ النارُ: إذا لوّحته. انتهى (2).

وقال القرطبي رحمه الله: و"سقر" اسم من أسماء جهنم لا ينصرف؛ لأنه اسم مؤنّث معرفةٌ، وكذا لظى، وجهنم. وقال عطاء:"سقر" الطبق السادس من جهنّم. وقال قُطرُب: "سقر" من سَقَرته الشمس، وصقرته: لَوّحته، ويوم مُسَمْقِرٌ، ومُصَمْقِرٌ: شديد الحرّ. انتهى (3).

{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} القدر بفتحتين، أو بفتح فسكون-: التقدير: أي بتقدير سابق، أو خلقنا كلّ شيء مقدّرًا محكمًا مرتّبًا على حسب ما اقتضته الحكمة، أو مقدّرًا مكتوبًا في اللوح، معلومًا قبل كونه، قد علمنا حاله، وزمانه. قاله النسفيّ (4).

وقال القرطبيّ رحمه الله: قرأ العامّة: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ} قرأ العامّة "كلّ" بالنصب،

(1) 16/ 205.

(2)

"تفسير النسفي" 4/ 206.

(3)

"تفسير القرطبيّ" 17/ 147.

(4)

"تفسير النسفيّ" 4/ 206.

ص: 523

وقرأ أبو السّمّال "كلّ" بالرفع على الابتداء، ومن نصب فبإضمار فعل، وهو اختيار الكوفيين؛ لأن "إنّ" تطلب الفعل فهي به أولى، والنصب أدلّ على العموم في المخلوقات لله تعالى؛ لأنك لو حذفت "خلقنا" المفسّر، وأظهرت الأول لصار إنا خلقنا كلَّ شيء بقدر، ولا يصحّ كون خلقنا صفة لـ "شيء"؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، ولا تكون تفسيرًا لما يعمل فيما قبله. انتهى (1). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه زياد بن إسماعيل، وقد تكلموا فيه؟.

[قلت]: الحديث أخرجه مسلم، وزياد وإن ضعفه ابن معين، فقد روى عنه ابن جريج، والثوريّ، وقال ابن المدينيّ: رجل من أهل مكة معروف، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ووثقه ابن حبّان، وأخرج مسلم هذا الحديث من طريقه، فتصحيح حديث مثله غير بعيد. والله تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (10/ 83) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) في "كتاب القدر"(6694) و (الترمذيّ) في "كتاب القدر"(2157) و"التفسير"(3290) و (أحمد) في "مسنده" 2/ 444 و 476 و (البخاريّ) في "خلق أفعال العباد"(19) و (الطبريّ) في "تفسيره" 27/ 110 و (ابن حبان) في "صحيحه"(6139)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف، وهو إثبات القدر، وبيان وجوب الإيمان به.

(1)"تفسير القرطبيّ " 17/ 147.

ص: 524

2 -

(ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.

3 -

(ومنها): أن الآية نصّ في تعذيب مكذّبي القدر، وهو محمول كما تقدم عن النوويّ على جحد القدر المعروف، وهو جحد تقدير الله سبحانه وتعالى للأشياء، وسبق علمه بها، وإرادته، فإن من كذب بهذا فهو كافر خارج عن الإسلام بلا خلاف بين أهل العلم (1).

4 -

(ومنها): ما قال الإمام ابن كثير رحمه الله: أنه استدلّ بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله تعالى السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل بَرْئها، وردُّوا بهذه الآية، وبما شاكلها من الآيات، وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدريّة الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة رضي الله عنهم. انتهى (2)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

84 -

(حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ عُثْمانَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أنهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرَ لهَا شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ تَكَلَّمَ في شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ، سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لم يَتكَلَّمْ فِيهِ لم يُسْألَ عَنْهُ").

قَالَ أَبُو الحْسَنَ القَطَّانُ: حَدَّثَناَ حَاَزِمُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَناَ عَبْدُ المْلِكَ بْنُ شَيْباَنَ، حَدَّثَناَ يَحْيىَ بْنُ عُثْماَنَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(مَالِكُ بْنُ إِسماعِيلَ) بن درهم، ويقال: ابن زياد بن درهم، أبو غَسّان النَّهْدِيّ مولاهم الكوفي الحافظ، ابن بنت حماد بن أبي سليمان، ثقة متقنٌ، صحيح الكتاب، عابدٌ، من صغار [9].

(1) راجع "شرح النووي على صحيح مسلم" 1/ 156.

(2)

"تفسير ابن كثير" 4/ 286.

ص: 525

روى عن عبد الوهاب بن سليمان بن الغسيل، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، والحسن بن حي، وإسرائيل، وزهير بن معاوية، وابن عيينة، وغيرهم.

وروى عنه البخاري، وروى له الباقون بواسطة هارون بن عبد الله الحمال، وأبي بكر ابن أبي شيبة، ويوسف بن موسى القطان، وأحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، والذهلي، وأحمد بن سليمان الرهاوي، وغيرهم.

قال محمد بن علي بن داود البغدادي: سمعت ابن معين يقول: إن سرك أن تكتب عن رجل ليس في قلبي منه شيء، فاكتب عن أبي غسان. وقال أبو حاتم: عن ابن معين: ليس بالكوفة أتقن من أبي غسان، وعن ابن معين قال: هو أجود كتابًا من أبي نعيم. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، صحيح الكتاب، وكان من العابدين. وقال مرة: كان ثقة متقنًا. وقال ابن نمير: أبو غسان أحب إلي من الصلت، أبو غسان محدث من أئمة المحدثين. وقال أبو حاتم: كان أبو غسان يُملي علينا من أصله، وكان لا يملي حديثًا حتى يقرأه، وكان ينحو، ولم أر بالكوفة أتقن منه، لا أبو نعيم ولا غيره، وهو أتقن من إسحاق بن منصور السَّلُولي، وهو متقن ثقة، وكان له فضل وصلاح وعبادة وصحة حديث، واستقامة، وكانت عليه سجادتان، كنت إذا نظرت إليه كأنه خرج من قبره. وقال أبو داود: كان صحيح الكتاب، جيد الأخذ. وقال النسائي: ثقة. ذكره ابن حبان في "الثقات".

قال ابن سعد: مات سنة تسع عشرة ومائتين، في غُرّة ربيع الأول، وفيها أرخه غير واحد.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (84) و (145) و (1608) و (1960) و (3577).

2 -

(يَحْيىَ بْنُ عُثْمانَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق التيميّ مولاهم، أبو سهل البصريّ، صاحب الدستوائيّ، ضعيف [8].

روى عن يحيى بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وعبد الله بن أبي نجيح،

ص: 526

وأيوب السختياني، وإسماعيل بن أمية، وعبد الله بن طاوس، وجماعة. وروى عنه أبو غسان النهديّ، ومسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، وأبو بكر بن أبي الأسود، وعمرو بن علي الفلاس، وغيرهم.

قال معاوية بن صالح عن ابن معين: منكر الحديث. وكذا قال البخاري. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال في موضع آخر: حديثه منكر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثمانين ومائة، وأعاده في "الضعفاء"، وقال: منكر الحديث جدًّا، لا يجوز الاحتجاج به.

وقال الساجيّ: ضعفه يحيى بن معين، وقال: روى مناكير. وقال العقيليّ: روى عن يحيى بن أبي مليكة، ولا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به.

تفرّد به المصنف، وأبو داود في "القدر" له عندهما هذا الحديث فقط.

3 -

(يَحْيى بْنُ عَبْدِ اللهَ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: يحيى بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة القرشي، والد إسماعيلَ بن يحيى التيميّ المكيّ، ليّن الحديث [7].

روى عن أبيه، وعنه يحيى بن عثمان التيمي، مولى آل أبي بكر، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يعتبر حديثه إذا رَوَى عنه غير يحيى بن عثمان، مات سنة ثلاث وسبعين ومائة.

تفرّد به المصنف، وأبو داود في "القدر" له عندهما هذا الحديث فقط.

4 -

(أبوه) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جُدْعان التيميّ، ثقة فقيه [3] تقدّم في 7/ 47. والباقيان تقدّما قبل حديث. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عن يَحْيى بنِ عَبْدِ الله بْنِ أبي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة (أنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها (فَذَكَرَ لهَا شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: "مَنْ تَكَلَّمَ في شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ) أي ولو يسيرًا، فكيف بالكثير (سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي سؤال تهديد ووعيد، ويحتمل أن المراد بقوله: "سئل

ص: 527

عنه" مطلق السؤال، وبقوله:(وَمَنْ لَمْ يَتكَلَّمْ فِيهِ لَمْ يُسْأل عَنْهُ) بأن يقال له: لم تركت التكلّم فيه؟، فصار ترك الكلام فيه خيرًا من التكلّم فيه. قاله السنديّ (1). والله تعالى أعلم.

(قَالَ أبُو الحسَنِ) عليّ بن سلمة (الْقَطَّانُ) تلميذ المصنّف، راوية كتابه هذا المتوفّى سنة (345 هـ)، تقدّمت ترجمته (حَدَّثَنَاهُ حَازِمُ بْنُ يَحْيَى) هكذا وقع في جميع نسخ "السنن""حازم" بالحاء المهملة، وهو تصحيف (2) فاحش، والصواب خازم بالخاء المعجمة، كما في "تاريخ بغداد" للخطيب، و"الإرشاد" للخليلي.

ونصّ ترجمته في "تاريخ بغداد" 8/ 334: خازم بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسن الحلوانيّ، وهو أخو أحمد بن يحيى، سكن بغداد، وحدّث بها عن شيبان بن فرّوخ، ومحمد بن أبي بكر المقدّميّ، ومخارق بن ميسرة، وهانىء بن المتوكّل الإسكندرانيّ، ومحمد بن أبي السريّ العسقلانيّ، روى عنه أخوه أحمد، وأحمد بن عليّ الأبار، ومحمد ابن أحمد الحكميّ، وإسماعيل بن محمد الصفّار. ثم أخرج عن ابن قانع أن خازم بن يحيى مات في سنة خمس وسبعين ومائتين. انتهى (3).

ونصّ ترجمته في "الإرشاد" 2/ 623 - 624 الترجمة (359): أبو الحسن خازم ابن يحيى الحُلْوانيّ، ارتحل إلى الشام، وإلى خراسان، وكان حافظًا، يَعرف هذا الشأن، ودخل قَزوين سنة نيّف وسبعين، وكتب عنه شيوخ البلد، ورضوه. انتهى.

وكتب محقّق الكتاب في الهامش: ما نصّه: هو خازم -بالخاء المعجمة، والزاي- ابن يحيى بن إسحاق الحلوانيّ، ذكره الرافعيّ في "التدوين" (خ ق 407) وقال: سمع منه إسحاق بن محمد، وعليّ بن مهرويه، وأبو الحسن القطّان. انتهى (4).

(1)"شرح السنديّ" 1/ 64.

(2)

نبّه على هذا الدكتور بشّار عوّاد في تحقيقه لهذا الكتاب 1/ 107 جزاه الله خيرًا.

(3)

راجع "تاريخ بغداد" جـ 8 ص 334 - 335.

(4)

راجع هامش "الإرشاد" للخليليّ 2/ 623 - 624 ترجمة (359).

ص: 528

فتبيّن بهذا أنه خازم بالخاء المعجمة، فما وقع في نسخ "سنن ابن ماجه" بالحاء المهملة، فتصحيف، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم.

(حَدَّثَنَا عَبْدُ الملِكِ بْنُ شَيْبَانَ) هكذا النسخ الطبوعة "شيبان" بشين معجمة، ثم ياء تحتانيّة، ثم موحّدة، والذي في النسخة الهندية "ابن سِنان" بسين مهملة، ثم نونين، بينهما ألف، ولم يتبيّن لي ما هو الصواب؛ لأني لم أجد ترجمته لا بهذا ولا بهذا، فليُحرّر.

والله تعالى أعلم بالصواب.

(حَدَّثَنَا يَحْيى بْنُ عُثمانَ) المذكور في السند السابق.

وقوله: (فَذَكَرَ) الذاكر هو عبد الملك (نَحْوَهُ) أي نحو حديث مالك بن إسماعيل.

[تنبيه]: إنما أتى أبو الحسن القطان بهذا الإسناد لعلوه، حيث وصل إلى يحيى بن عثمان بواسطتين، بينما وصل إليه بسند ابن ماجه بثلاث وسائط، فتنبّه.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عائشة رضي الله عنها هذا تفرّد به المصنّف، وهو ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف يحيى بن عثمان، وكذا يحيى بن عبد الله بن أبي مليكة قال فيه ابن حبان: يعتبر بحديثه إذا روى عنه غير يحيى بن عثمان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

85 -

حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أبي هِنْدٍ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه، قَالَ: خَرَجَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى أَصْحَابِهِ، وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ في الْقَدَرِ، فَكَأنَّما يُفْقَأُ في وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ مِنَ الغَضب، فَقَالَ:"بِهَذَا أُمِرتُمْ؟، أَوْ لهِذَا خُلِقْتُمْ؟، تَضْربُونَ الْقُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، بهَذَا هَلَكَتِ الْأمَمُ قَبْلَكُمْ"، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الله ابْنُ عَمْرٍو: مَا غَبَطْتُ نَفْسي بِمَجْلِسٍ، تَخَلَّفْتُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِذَلِكَ المجْلِسِ، وَتخَلُّفِي عَنْهُ).

ص: 529

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ الثقة المذكور قبل حديث.

2 -

(أبو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الثقة الكوفيّ، أحفظ من روى عن الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار [9] تقدّم في 1/ 3.

3 -

(دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) واسمه دينار بن عُذافر، ويقال: طهمان القشيري مولاهم، أبو بكر، ويقال: أبو محمد البصريّ، ثقة متقنٌ، كان يَهِم بآخره [5]. رأى أنس بن مالك، وروى عن عكرمة، والشعبي، وزرارة بن أوفى، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، وسماك بن حرب، وعاصم الأحول، وغيرهم.

وروى عنه شعبة، والثوري، ومسلمة بن علقمة، وابن جريج، والحمادان، ووهيب بن خالد، وعبد الوارث بن سعيد، وأبو معاوية، وغيرهم.

قال ابن عيينة عن أبيه: كان يفتي في زمان الحسن. وقال ابن المبارك عن الثوري: هو من حفاظ البصريين. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ثقة ثقة. قال: وسئل عنه مرة أخرى، فقال: مثل داود يُسأل عنه؟ وقال ابن معين: ثقة، وهو أحب إلي من خالد الحذاء. وقال العجلي: بصري ثقة، جيد الإسناد، رفيع، وكان صالحًا، وكان خياطًا. وقال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت.

وقال ابن حبان: رَوَى عن أنس خمسة أحاديث، لم يسمعها منه، وكان من خيار أهل البصرة، من المتقنين في الروايات، إلا أنه كان يَهِمُ إذا حدث من حفظه. وقال ابن سعد: كان ثقةَ، كثير الحديث.

وقال الحاكم: لم يصح سماعه من أنس. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن داود، وعوف، وقرة، فقال: داود أحب إلي، وهو أحب إلي من عاصم، وخالد الحذاء. وقال ابن خِرَاش: بصري ثقة. وقال الأثرم عن أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف. وقال يزيد بن هارون، وغير واحد: مات سنة (139). وقال علي بن المديني، وغير واحد: مات سنة (40). وقيل: مات سنة (41). أخرج له البخاري في التعاليق،

ص: 530

ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (17) حديثًا.

4 -

(عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ) بن محمد الطائفيّ، صدوق [5] تقدّم في 1/ 9.

5 -

(أبوه) هو: شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص الطائفيّ، صدوقٌ ثبت سماعه من جدّه [3] تقدّم في 1/ 9.

6 -

(جدّه) هو: عبد الله بن عمرو بن العاص السهميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، تقدّم في 8/ 52. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله.

2 -

(ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.

3 -

(ومنها): أن فيه رواية الابن أبيه، عن جدّه.

4 -

(ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: داود، عن عمرو، عن أبيه.

5 -

(ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ رحمه الله:

وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرو

وَابْنُ الزُّبَيْرِ في اشْتِهَارٍ يَجرِي

دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لهُمْ عَبَادِلَهْ

وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ

6 -

(ومنها): أن هذا الإسناد مما اختلف فيه العلماء، فمنهم من ادّعى فيه الانقطاع، بين شعيب وعبد الله بن عمرو، والصحيح أنه متّصل، فقد ثبت سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، بل هو الذي ربّاه؛ لموت أبيه في صغره، وقد تقدم تمام البحث في ذلك في شرح حديث (1/ 9)، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فالصحيح أن الضمير لشعيب، لا لعمرو، وإن كان هو

ص: 531

الظاهر، كما سيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء الله تعالى- أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى أَصْحَابِهِ) رضي الله عنهم (وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ في الْقَدَرِ) جملة في محل نصب على الحال من "أصَحابه": أي والحال أنهم يتخاصمون في شأن القدر، أي في الإثبات والنفي، وكأن كلا منهم كان يستدلّ بما يُناسب مطلوبه من الآيات، ولذا أنكر عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، بقوله:"تضربون القرآن بعضه ببعض". قاله السنديّ (1).

وفي رواية أحمد: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه، وهم يتنازعون في القدر، هذا ينزع آية، وهذا ينزع آية".

وفي رواية الترمذيّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نتنازع في القدر".

قال الطيبيّ رحمه الله: قوله: "نتازع" أي نتناظر، ونتخاصم كأن يقول أحد الخصمين: إذا كان جميع ما يجري في العالم بقدر الله تعالى، فلم يعذّب المذنبين، ولم يُنسَبِ الفعل إلى العباد، كما قالت المعتزلة؟ والآخر يقول: فما الحكمة في تقدير بعض العباد للجنة، وبعضهم للنار، وما أشبه ذلك؟.

(فَكَأنَّما يُفْقَأُ) بالبناء للمفعول، وهو معطوف على محذوف: تقديره: فغضب، فاحمرّ وجهه، فكان من شدّة غضبه كأنما يُفقأ: أي يُشَقّ، والفقأ: الشقّ، والبَخْصُ (2). قاله ابن الأثير (3). وقال المجد: فَقَأَ العينَ، والْبَثْرَةَ، ونحوهما، كمنع: كسرَها، أو قلعها، كفقّأها، فانفقأت، وتفقّأت (4).

وقال السنديّ: قوله: "فكأنما إلخ: أي فغضب، فاحمرّ وجهه من أجل الغضب

(1)"شرح السنديّ" 1/ 65.

(2)

بخص عينه، كمنع: قلعها بشحمها. "ق".

(3)

"النهاية" 3/ 461.

(4)

"القاموس" ص 46.

ص: 532

احمرارًا يُشبه فَقْءَ حَبّ الرّمّان في وجهه، أي يشبه الاحمرار الحاصل به، أو فصار كأنما يُفقأ الخ. انتهى. (فِيْ وَجْهِهِ) متعلّق بـ "يُفقأ"(حَبُّ الزُّمَّانِ) بالرفع على أنه نائب فاعل "يُفقأ"، و"الحب" بفتح الحاء المهملة، و"الرمّان" بضم الراء، وتشديد الميم (مِنَ الْغَضَبِ) أي من أجل شدّة غضبه صلى الله عليه وسلم عليهم، قال الطيبيّ: وإنما غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم؛ لأن القدر سرّ من أسرار الله تعالى، وطلب سر الله تعالى منهيّ عنه، ولأن من يبحث في القدر لم يأمن أن يصير قدريّا، أو جبريّا، بل العباد مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع من غير أن يطلبوا سرّ ما لا يجوز طلب سرّه. انتهى (1).

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (بِهَذَا أُمِرْتُمْ) بتقدير همزة الاستفهام: أي أبهذا التنازع في القدر أمرتكم؟. والاستفهام للإنكار، وتقديم الجارّ والجرور لمزيد الاهتمام. قاله القاري (2).

(أَوْ لهِذَا خُلِقْتُمْ) أي لهذا البحث عن القدر، والاختصام فيه، هل هو المقصود من خلقكم؟ أو هو الذي وقع التكليف به حتى اجترأتم عليه؟ يريد أنه ليس بشيء من الأمرين، فأيُّ حاجة إليه؟. قاله السنديّ (3) وفي رواية الترمذيّ:"أم بهذا أُرسلتُ إليكم؟ "(تَضْرِبُونَ الْقُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ) في "القاموس"، و"شرحه": ضربت الشيءَ بالشيء -أي بالتخفيف: خلطته، كضَرّبته تضريبًا، والتضريب بين القوم: الإغراء، والتضريب أيضًا: تحريض الشجاع في الحرب، يقال: ضرّبته، وحرّضته. انتهى (4):

والمراد به هنا معارضة بعض الآيات ببعضها، وادّعاء التناقض بينها (بِهَذَا) إشارة إلى الاختصام في القدر (هَلَكَتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ) وفي رواية أحمد من طريق إسماعيل، عن داود بن أبي هند، أن نفرًا كانوا جلوسا بباب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: ألم

(1)"الكاشف" 2/ 563.

(2)

"المرقاة" 1/ 299.

(3)

"شرح السنديّ" 1/ 65.

(4)

راجع "تاج العروس" 1/ 346 - 347.

ص: 533

يقل الله: كذا وكذا، وقال بعضهم: ألم يقل الله: كذا وكذا، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج كأنما فُقِئ في وجهه حَبّ الرمان، فقال:"بهذا أمرتم، أو بهذا بعثتم، أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما هاهنا في شيء، انظروا الذي أُمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا".

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الترمذيّ: "إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم أن لا تتنازعوا فيه".

قال الطيبيّ رحمه الله: قوله: "عزمت عليكم": أي أقسمت عليكم، وأصله عزمت بإقاء اليمين، وإلزامها عليكم، لا تبحثوا في القدر بعد هذا. انتهى (1).

(قَالَ) شعيب (فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو) رضي الله عنهما (مَا) نافية (غبَطْتُ نَفْسِي) بفتح الموحّدة، من غبَط يغبِط بالكَسر والفتح، من بابي ضرب، وسمع، يقال: غبطتُ الرجل أغبطه: إذا اشتهيت أن يكون لك مثلُ ما له، وأن يدوم عليه ما هو فيه، وحسدته أحسده حسدًا: إذا اشتهيت أن يكون لك ما له، وأن يزول عنه ما هو فيه. قاله ابن الأثير (2). وقال الفيّومي:"الغِبْطة": حسن الحال، وهي اسم من غبطته غبطًا: إذا تمنيت مثل ما ناله من غير زواله عنه لمِا أَعْجَبك منه، وعَظُم عندك. انتهى.

والمعنى هنا: ما استحسنت كون نفسي (بِمَجْلِسٍ) بفتح الميم، وكسر اللام أي بمكان جلوس (تخَلَّفْتُ فِيه) أي في ذلِك المجلس (عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم) متعلق بـ "تخلفت"(مَا) مصدريّة (غَبَطْتُ نَفْسِي) أي مثل اغتباط نفسي (بِذَلِكَ اَلمجْلِسِ) الذي غضب فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم (وَتخَلُّفِي عَنْهُ) أي عن ذلك المجلس.

والمعنى: أنه لم يتمنّ كون نفسه في مجلس تأخر فيه عن مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فيه مثل تمنيه تأخره عن ذلك المجلس الذي غضب صلى الله عليه وسلم عليهم لأجل خوضهم في القدر. والله

(1)"الكاشف" 2/ 563.

(2)

"النهاية" 3/ 339 - 340. بزيادة الضبط من "القاموس".

ص: 534

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما هذا صحيح.

قال الحافظ البوصيريّ رحمه الله: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه الإمام أحمد في "مسنده" من هذا الوجه بزيادة في آخره، وكذا رواه الحارث بن محمد بن أبي أسامة في "مسنده" كما أوردته في "زائد المسانيد العشرة". انتهى.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لفظ الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده":

حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسًا ما أُحب أن لي به حُمْرَ النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مَشْيَخةٌ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نُفَرِّق بينهم، فجلسنا حَجْرَةً، إذ ذكروا آية من القرآن، فتمارَوْا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبًا، قد احمر وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: مهلًا يا قوم، بهذا أُهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم يَنْزِل يُكَذِّب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه".

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (10/ 85) بهذا السند فقط، وقد تفرّد به، فلم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" 2/ 178 و 196 رقم (6415) و (6550)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ص: 535

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

86 -

(حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حدثنا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي حَيَّةَ، أَبُو جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ"، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ الْبَعِيرَ يَكُونُ بِهِ الجرَبُ، فَيُجْرِبُ الْإِبِلَ كُلَّهَا؟، قَالَ: "ذَلِكُمُ الْقَدَرُ، فَمَنْ أَجْرَبَ الْأَوَّلَ؟ ").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(يحيى بن أبي حيّة) أبو جَنَاب -بفتح الجيم، ونون خفيفة، وآخره موحّدة- الكلبيّ الكوفي، مشهور بكنيته، واسم أبي حية حَيّ، ضعّفوه؛ لكثرة تدليسه [6].

روى عن أبيه، ويزيد بن البراء بن عازب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والضحاك بن مُزَاحم، والحسن البصري، وأبي بردة بن أبي موسى، وشَهْر بن حَوْشب، وإياد بن لَقِيط، وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومَغْرَاء العبدي، وجماعة.

وروى عنه السفيانان، والحسن بن صالح، وجرير، وهشيم، ووكيع، وجعفر بن عون، وأبو نعيم، وغيرهم.

قال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان، عن أبي جناب قط. وقال علي بن المديني: كان يحيى بن سعيد يتكلم فيه، وفي أبيه. وقال البخاري، وأبو حاتم: كان يحيى القطان يضعفه. وقال إسحاق بن حكيم: قال يحيى القطان: لو استحللت أن أروي عن أبي جناب، لرويت عنه حديث علي في التكبير. وقال الذهلي: سمعت يزيد بن هارون يقول: كان صدوقًا، ولكن قال: يُدَلِّس. وقال أبو حاتم: وقال الغلابي: قال أبو نعيم: لم يكن بأبي جناب بأس، إلا أنه كان يدلس، وكذا قال أحمد، وابن معين، وأبو داود، عن أبي نعيم. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أحاديثه مناكير.

وقال عبد الله الدورقي عن ابن معين: ليس به بأس، إلا أنه كان يدلس. وقال

ص: 536

الدورقي عن ابن معين: ليس به بأس. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: صدوق. وقال ابن أبي خيثمة، وإبراهيم بن الجنيد، والغلابي عن ابن معين: ضعيف. وقال ابن نمير: صدوق، كان صاحب تدليس، أفسد حديثه بالتدليس، كان يحدث بما لم يسمع. وقال عثمان الدارمي: ضعيف. وقال العجلي: كوفي ضعيف الحديث، يكتب حديثه، وفيه ضعف. وقال أبو زرعة: صدوق غير أنه كان يدلس. وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا، وكان يدلس، وفي حديثه نُكْرة. وقال عمرو بن علي: متروك الحديث. وقال إبراهيم الجوزجاني: يضعف حديثه.

وقال يعقوب بن سفيان ضعيف، وكان يدلس. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ليس بالقوي، قلت: هو أحب إليك أو يحيى البكائي؟ قال: لا هذا ولا هذا، قلت: فإذا لم يكن الباب غيرهما أيهما أكتب؟ قال: لا يكتب منه شيء. وقال الآجري عن أبي داود: ليس بذاك. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال في موضع آخر: ليس بالثقة يدلس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الساجي: كوفي صدوق، منكر الحديث. وقال ابن عمار: ضعيف. وقال أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبان في "الضعفاء": كان يدلس عن الثقات ما سمع من الضعفاء، فأُلزقت به تلك المناكير التي يرويها عن المشاهير، فحَمَلَ عليه أحمد حملًا شديدًا.

قال الغلابي عن ابن معين: مات سنة سبع وأربعين ومائة، وفيها أرخه ابن سعد، ومطين. وقال أبو نعيم وغيره: مات سنة خمسين.

أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (86) و (3540) و (3549).

2 -

(أبوه) أبو حيّة الكلبيّ، واسمه كما سبق آنفًا - حيّ، روى عن ابن عمر، وروى عنه ابنه يحيى أبو جَنَاب، مجهول [4].

تفرّد به المصنّف، بهذا الحديث، وأعاده في "كتاب الطبّ" برقم (3540).

3 -

(ابن عمر) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي الله عنهما، تقدّم في 1/ 4.

ص: 537

والباقون تقدّموا قبل حديثين، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

عَنْ أَبِي حيّة الكلبيّ (عَن) عبد الله (بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي الله عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا عَدْوَى) بفتح العين، وسكون الدال المهملتين، وفتح الواو مقصورًا.

قال ابن الأثير رحمه الله: هو اسم من الإعداء، كالرَّعْوَى، والْتقْوَى، من الإِرْعاء، والإبقاء، يقال: أعداه الداء يُعْدِيه إِعْدَاءً، وهو أن يُصيبه مثلُ ما بصاحب الداء، وذلك أن يكون ببعير جَرَب مثلًا، فَتُتّقى مخُالطته بإبل أخرى حِذَارًا أن يَتَعَدّى ما به من الجرَب إليها فيُصيبها ما أصابه. وقد أبطله الإسلام؛ لأنهم كانوا يظنّون أن المرض بنفسه يتعدّى، فأعلمهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه ليس الأمر كذلك، وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي يُمرض، ويُنزل الداء، ولهذا قال:"فمن أعدى الأول؟ ": أي من أين صار فيه الجرب. انتهى كلام ابن الأثير (1).

وقال التوربشتيّ رحمه الله: العَدْوَى هنا مجازوة العلّة من صاحبها إلى غيره، يقال: أعدى فلان فلانًا من خُلُقه، أو من علّة به، وذلك على ما يذهب إليه المتطبّبة في عِلَلٍ سبع: الجذام، والجَرَب، والجدريّ، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائيّة. انتهى (2).

(وَلَا طِيَرَةَ) قال في "النهاية": بكسر الطاء، وفتح الياء، وقد تُسكّن: هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تَطَيّر، يقال: تطيّر طِيَرَةً، وتخيّر خِيَرَةً، ولم يجىء من المصادر هكذا غيرهما، وأصله فيما يُقال: التطيّر بالسَّوَانِحِ، والْبَوَارِح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع، وأبطله، ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع، أو دفع ضرّ. انتهى (3).

وقال في "الفتح": "الطِّيَرَة" -بكسر المهملة، وفتح التحتانية، وقد تسكن-: هي

(1)"النهاية في غريب الحديث" 3/ 192.

(2)

راجع "الكاشف" 9/ 2978 - 2979.

(3)

"النهاية" 3/ 152.

ص: 538

التشاؤم -بالشين- وهو مصدر تَطَيّر، مثل تَخَيَّر خِيَرَة. قال بعض أهل اللغة: لم يجيء من المصادر هكذا غير هاتين، وتعقب بأنه سمع طِيَبَة، وأورد بعضهم التِّوَلَة، وفيه نظر.

وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يَمْنَةً تيمَّن به واستَمَرّ، وإن رآه طار يَسْرَةً تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يُهَيِّج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك، وكانوا يُسَمُّونه السانح -بمهملة، ثم نون، ثم حاء مهملة- والبارح -بموحدة، وآخره مهملة-.

فالسانح: ما وَلّاكَ مَيَامِنَهُ، بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس، وكانوا يتيمنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح؛ لأنه لا يمكن رميه إلا بأن ينحرف إليه، وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له؛ إذ لا نطق للطير ولا تمييز، فيُستَدَلَّ بفعله على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانّه جهل من فاعله. وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير، ويتمدح بتركه.

قال شاعر منهم [من مجزوّ الكامل]:

وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكنْتُ لَا

أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمِ

فَإِذَا الأَشَائِمُ كَالأيا

مِنِ وَالأَيامِنُ كَالأَشَائِمِ

وقال آخر [من البسيط]:

الزَّجْرُ وَالطَّيْرُ وَالْكُهَّانُ كُلُّهُمُ

مُضَلِّلُونَ وَدُونَ الْغَيْبِ أَقْفَالُ

وقال آخر [من الطويل]:

وَمَا عَاجِلَاتُ الطَّيْرِ تُدْنِي مِنَ الْفَتَى

نَجَاحًا وَلا عَنْ رَيْثِهِنَ قُصُورُ

وقال آخر [من الطويل]:

لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالحصى

وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللهُ صانِعُ

وقال آخر [من الوافر]:

تخَيَّرَ طَيرَةً فِيهَا زِيَادٌ

لِتُخْبِرَهُ وَمَا فِيهَا خَبِيرُ

ص: 539

تَعلَّمَ أنَّهُ لَا طَيْرَ إِلَّا

عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثُّبُورُ

بَلَى شَيءٌ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيءٍ

أَحَايِينًا وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ

وكان أكثرهم يتطيرون، ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالبًا؛ لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين.

وقد أخرج ابن حبان في "صحيحه" من حديث أس رضي الله عنه رفعه: "لا طِيَرَة، والطيرة على من تَطَيَّر". وأخرج عبد الرزاق عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة لا يَسلَم منهن أحدٌ: الطيرة، والظنّ، والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تَبْغِ، وإذا ظننت فلا تحقِّق". وهذا مرسل، أو معضل، لكن له شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه البيهقي في "الشعب". وأخرج ابن عدي بسند لين عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه:"إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا".

وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه رفعه: "لن ينال الدرجات العُلَى من تَكَهَّن، أو استقسم، أو رجع من سفر تطيرًا". ورجاله ثقات، قال الحافظ: إلا أنني أظن أن فيه انقطاعًا، وله شاهد عن عمران بن حصين رضي الله عنهما، وأخرجه البزار في أثناء حديث بسند جيد. وأخرج أبو داود، والترمذيّ، وصححه هو وابن حبان، عن ابن مسعود رضي الله عنه رفعه:"الطيرة شرك، وما منا إلا تَطَيَّر، ولكن الله يُذهبه بالتوكل".

وقوله: "وما منا إلا" من كلام ابن مسعود، أُدرج في الخبر، وقد بينه سليمان بن حرب، شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي، عن البخاري عنه، وإنما جَعَل ذلك شركًا لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعًا، أو يدفع ضرًّا، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى.

وقوله: "ولكن الله يذهبه بالتوكل" إشارة إلى أن من وقع له ذلك، فسلَّم لله، ولم يعبأ بالطيرة أنه لا يؤاخذ بما عَرَضَ له من ذلك.

وأخرج البيهقي في "الشعب" من حديث عبد الله بن عمرو موقوفًا: "مَن عَرَض له من هذه الطيرة شيء، فليقل: اللهم لا طَيْر إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله

ص: 540

غيرك". انتهى (1).

(وَلَا هَامَةَ) بتخفيف الميم على المشهور، وقيل بتشديدها، قال أبو داود في "سننه": قال بقيّة: سألت محمد بن راشد عن قوله: "لا هامة"، فقال: كان أهل الجاهليّة يقولون: ليس أحدٌ يموت فيُدفن إلا خرج من قبره هامة. انتهى.

وقال النوويّ: فيها تأويلان:

[أحدهما]: أن العرب كانت تتشاءم بها، وهي من طير الليل. وقيل: هي الْبُومة، قالوا: كانت إذا سقطت على دار أحدهم، فيراها ناعيةً له نفسه، أو بعض أهله، وهو تفسير مالك بن أنس.

[وثانيهما]: أن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت، وقيل: روحه تنقلب هامة تطير، وهذا تفسير أكثر العلماء، وهو المشهور، ويجوز أن يكون المراد النوعين معًا، فإنهما باطلان، فبيّن النبيّ صلى الله عليه وسلم إبطال ذلك، وضلالة الجاهليّة فيما تعتقده من ذلك. و"الهامة" بتخفيف الميم على المشهور الذي لم يذكر الجمهور غيره. وقيل: بتشديدها. قاله جماعة، وحكاه القاضي عن أبي زيد الأنصاريّ الإمام في اللغة. انتهى (2).

وقال في "الفتح": قال أبو زيد: "الهامة" -بالتشديد- وخالفه الجميع، فخففوها، وهو المحفوظ في الرواية، وكأن من شدّدها ذهب إلى واحدة الْهَوَامّ، وهي ذوات السموم. وقيل: دواب الأرض التي تَهُمُّ بأذى الناس، وهذا لا يصح نفيه، إلا إن أريد أنها لا تضر لذواتها، وإنما تضر إذا أراد الله إيقاع الضرر بمن أصابته. وقد ذكر الزبير بن بَكّار في "الموفقيات" أن العرب كانت في الجاهلية تقول: إذا قُتِل الرجل، ولم يؤخذ بثأره خرجت من رأسه هامة، وهي دودة، فتَدُور حول قبره، فتقول: اسقوني اسقوني، فإن أُدرك بثأره ذهبت.

(1)"الفتح" 10/ 262 - 263 "كتاب الطبّ" رقم الحديث (5754).

(2)

"شرح مسلم".

ص: 541

وفي ذلك يقول شاعرهم [من البسيط]:

يَا عَمْرُو إِلَّا تَدَعْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي

أَضْرِبْكَ حَتَّى تَقُولَ الهامَةُ اسْقُونِي

قال: وكانت اليهود تَزْعُم أنها تدور حول قبره سبعة أيام، ثم تذهب. وذكر ابن فارس وغيره من اللغويين نحو الأول، إلا أنهم لم يُعَيِّنوا كونها دُودة، بل قال القزاز: الهامة طائر من طير الليل، كأنه يعني البومة. وقال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نَعَتْ إليّ نفسي، أو أحدًا من أهل داري. وقال أبو عبيد: كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير هامة فتطير، ويُسَمُّون ذلك الطائر الصَّدَى، فعلى هذا فالمعنى في الحديث: لا حياة لهامة الميت، وعلى الأول لا شُؤْم بالبومة ونحوها. انتهى (1).

(فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ) لم يُعرف اسمه (2)، وفي الرواية الآتية في "كتاب الطبّ": فقام إليه رجل".

و"الأعرابيّ" بفتح الهمزة، واحد الأعراب بفتحها، وهو الذي يكون صاحب نُجْعة وارتياد للكلإ، قال الأزهريّ: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَن بظَعْنِهم، فهم أَعراب، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن المدُن والقرى العربيّة وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَب، وإن لم يكونوا فصحاء، ويقال: سُمُّوا عربًا؛ لأن البلاد التي سكنوها تُسَمّى الْعَرَبَات، ويقال: العرَبُ العاربة هم الذين تكلّموا بلسان يَعرُب بن قَحْطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعرِبَة هم الذين تكلّموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وهي لغة الحجاز وما والاها (3).

(1)"الفتح" 10/ 296 - 297 "كتاب الطبّ" رقم الحديث (5770).

(2)

"الفتح" 10/ 297.

(3)

راجع "المصباح المنير" 2/ 400.

ص: 542

(فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ الْبَعِيرَ) قال في "اللسان": العرب لها في "أرأيتَ" لغتان، ومعنيان:[أحدهما]: أن يَسأل الرجلُ الرجلَ، أرأيتَ زيدًا بعينك؟ فهذه مهموزة، فإذا أوقعتها على الرجل منه قلتَ: أرأيتك على غير هذه الحال، يريد هل رأيت نفسك على غير هذه الحالة، ثم تُثنّى، وتُجمع، فتقول للرجلين: أرأيتكما، وللقوم: أرأيتكم، وللنسوة: أرأيتكنّ، وللمرأة أرأيتكِ بكسر التاء، لَا يجوز إلا ذلك.

[والمعنى الثاني]: أن تقول: أرأيتك، وأنت تقول: أخبرني، فتهمزها، وتنصب التاء منها، وتترك الهمز إن شئت، وهو أكثر كلام العرب، وتترك التاء موحّدةً مفتوحةً للمفرد وضده، والمذكر وضدّه. انتهى بتصرف (1).

والمناسب هنا المعنى الثاني، أي أخبرني حال البعير (يَكُونُ بِهِ الجرَبُ) بفتح الجيم والراء: ذُكر في كتب الطبّ أن الجرب خِلْطٌ غليظٌ يَحْدُثُ تحت الجلد من مخُالطة الْبَلْغم المِلْحِ للدم، يكون معه بُثُورٌ، وربّما حصَلَ معه هُزَالٌ لكثرته. قاله الفيّوميّ (2). (فَيُجْرِبُ) بضم أوله، وكسر ثالثه من أجربه رباعيّا، والفاعل ضمير "البعير"، وقوله:(الإبِلَ) بالنصب على المفعوليّة، وقوله (كلَّهَا؟،) تأكيد، والمعنى: أن ذلك البعير يجعل كل تلك الإبل التي خالطها مصابة بالجرب بسبب إعدائه، وهذا بناء على ما كانوا يعتقدونه من العدوى، وهو من أوهام الجهال، كانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحّاء أمرضهم.

وجوز السنديّ ضبط "يَجرَب" بفتح أوله وثالثه، من باب سمع: أي فتصير الإبل كلها أجرب. انتهى. وعليه يكون "الإبل كلها" مرفوعًا على الفاعلية، والوجه الأول أولى. والله تعالى أعلم.

وفي الرواية الآتية في "كتاب الطبّ": فقال: يا رسول الله البعير يكون به الجرب، فتَجرَب به الإبل". فقوله:"تجرب" بفتح أوله وثالثه، من باب سمع، و"الإبل" مرفوع

(1)"لسان العرب" 15/ 294.

(2)

راجع "المصباح المنير" 1/ 95.

ص: 543

على الفاعلية، ولا وجه له غير هذا. فليُتنبّه.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم ردّا على الأعرابي حيث أبدى هذه الشبهة (ذَلِكُمُ الْقَدَرُ) وفي الرواية الآتية في "الطبّ": "ذلك القدر" بإفراد اسم الإشارة: أي الذي أجرب تلك الإبل هو تقدير الله سبحانه وتعالى عليها أن تَجْرَب، لا الإعداء، ثم قال مؤكدًا هذا الردّ، ومبينًا له أتم بيان (فَمَنْ أَجْرَبَ الْأَوَّلَ) أي إذا كان جَربها حصل بالإعداء، فمن الذي أعدى البعير الأول.

والمعنى: من الذي أوصل الجرب إليه، حتى يكون بناء الإعداء عليه، أي فظهر بطلان هذا الزعم، واتّضح أن الكل بتقدير الله سبحانه وتعالى أولا وآخرًا.

وقال النوويّ: معناه أن البعير الأول الذي جرِبَ من أجربه، أي وأنتم تعلمون، وتعترفون أن الله تعالى هو الذي أوجد ذلك من غير ملاصقة لبعير أجرب، فاعلموا أن البعير الثاني والثالث وما بعدهما إنما جَرِب بفعل الله تعالى وإرادته، لا بعدوى تُعْدِي بطبعها، ولو كان الجرب بالعدوى بالطبائع لم يَجْرَب الأول؛ لعدم المعدِي، ففي الحديث الحديث بيان الدليل القاطع لإبطال قولهم في العدوى بطبعها. انتهى (1).

وقال في "الفتح": هو جواب في غاية البلاغة والرَّشَاقة، وحاصله من أين جاء الجرب الأول للذي أعدى بزعمهم؟ فإن أجيب من بعير آخر لزم التسلسل، أو سبب آخر، فليُفصَحْ به، فإن أُجيب بأن الذي فعله في الأول هو الذي فعله في الثاني ثبت المدّعَى، وهو أن الذي فعل الجميع هو الخالق القادر على كلّ شيء، وهو الله سبحانه وتعالى. انتهى (2).

وقال القرطبيّ: معنى ذلك أن البعير الأجرب الذي أجرب هذه الصحاح -على زعمهم- من أين جاءه الجرب؟ أمن بعير آخر؟ فيلزم التسلسل، أو من سبب غير البعير؟ فهو الذي فعل الجرب في الأول والثاني، وهو الله تعالى الخالق لكل شيء، والقادر على كلّ شيء.

(1)"شرح مسلم" 14/ 217.

(2)

"الفتح" 10/ 297 "كتاب الطبّ" رقم الحديث (5770).

ص: 544

وهذه الشبهة التي وقعت لهؤلاء هي التي وقعت للطبائعيين أوّلًا، وللمعتزلة ثانيًا، فقال الطبائعيون بتأثيرات الأشياء بعضها في بعض، وإيجادها إياها، وسمَّوا المؤثّرة طبيعةً. وقالت المعتزلة بنحو ذلك في أفعال الحيوانات والمتولّدات، وقالوا: إن قُدرتهم مؤثّرة فيها بالإيجاد، وإنهم خالقون لأفعالهم، مستقلّون باختراعها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله (1).

[تنبيه]: قال الطيبي رحمه الله: إنما أتى بـ "من"، والظاهر أن يقال: فما أعدى الأول ليجاب بقوله: الله تعالى. وذكر "أعدى" للمشاكلة والازدواج، كما في قوله:"كما تدين وتدان". انتهى (2). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، دون قوله:"ذالكم القدر"؛ لتفرّد أبي جناب عن أبيه به، وهو ضعيف مدلس، وأبوه مجهول.

قال البوصيريّ رحمه الله: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف يحيى بن أبي حيّة، ولكونه روى عن أبيه بالعنعنة، فإنه كان يدلّس. وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رواه الترمذيّ في "الجامع". انتهى.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الكلام المذكور في سند المصنّف خاصّة، وإلا فمتن الحديث متّفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه دون قوله:"ذلكم القدر".

وحديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي أشار إليه البوصيريّ، نصّه:

2069 -

حدثنا بندار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن عمارة بن

(1)"المفهم" 6/ 621.

(2)

"الكاشف" 9/ 2980.

ص: 545

القعقاع، حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، قال: حدثنا صاحب لنا عن ابن مسعود، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا يُعدِي شيء شيئًا، فقال أعرابي: يا رسول الله البعير الجرِبُ الحشفَةِ بذنبه، فتَجَرَبُ الإبلُ كلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فمن أجرب الأول؟، لا عدوى، ولا صفر، خلق الله كل نفس، وكتب حياتها ورزقها ومصائبها".

وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أن شيخ أبي زرعة مجهول؛ لإبهامه، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (10/ 86) بهذا السند، وفي "كتاب الطبّ" رقم (3539) عن أبي بكر بن أبي شيبة وحده، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" 2/ 24 رقم (4545)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو إثبات القدر، ووجوب الإيمان به.

2 -

(ومنها): إبطال ما كان عليه الجاهليّة من اعتقاد إعداء المرض، فكانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحّاء أمرضهم، فنفى الشارع ذلك، وأبطله، أتم بطلان.

3 -

(ومنها): أن هذا الحديث، وإن كان ظاهره نفيًا لهذه الأشياء، لكن المراد منه النهي عن الالتفات إليها، والاعتناء بها؛ لأنها في أنفسها ليست بصحيحة، وإنما هي من أوهام جهّال العرب.

4 -

(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله: وفيه دليلٌ على جواز مشافهة من وقعت له شبهة في اعتقاده بذكر البرهان العقليّ، إذا كان السامع أهلًا لفهمه، فأما أهل القصور، فيُخاطبون بما تحتمله عقولهم من الأمور الإقناعيات. انتهى (1)، والله تعالى

(1)"المفهم" 6/ 622 "كتاب الرقى والطبّ".

ص: 546

أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين حديث: "لا عدوى"، وحديث:"لا يورد ممرض على مصحّ"، وكلاهما صحيحان اتفق الشيخان على إخراجهما:

قال النوويّ: قال جمهور العلماء: يجب الجمع بين هذين الحديثين، وهما صحيحان، قالوا: وطريق الجمع أن حديث "لا عدوى" المراد به نفي ما كانت الجاهلية تزعمه، وتعتقده أن المرض والعاهة تُعْدِي بطبعها، لا بفعل الله تعالى، وأما حديث "لا يورد ممرض على مصح"، فأرشد فيه إلى مجابة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى وقدره، فنفى في الحديث الأول العدوى بطبعها، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدر الله تعالى وفعله، وأرشد في الثاني إلى الاحتراز مما يحصل عنده الضرر بفعل الله وإرادته وقدره، فهذا الذي ذكرناه من تصحيح الحديثين والجمع بينهما هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء، ويتعين المصير إليه، ولا يؤثر نسيان أبي هريرة رضي الله عنه لحديث "لا عدوى"؛ لوجهين:

[أحدهما]: أن نسيان الراوي للحديث الذي رواه لا يقدح في صحته، عند جماهير العلماء، بل يجب العمل به.

[والثاني]: أن هذا اللفظ ثابت من رواية غير أبي هريرة، فقد ذكر مسلم هذا من رواية السائب بن يزيد، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وحَكَى المازريّ، والقاضي عياض عن بعض العلماء أن حديث "لا يورد ممرض على مصح" منسوخ بحديث "لا عدوى"، وهذا غلط لوجهين:

[أحدهما]: أن النسخ يشترط فيه تعذر الجمع بين الحديثين، ولم يتعذر، بل قد جمعنا بينهما.

[والثاني]: أنه يُشترط فيه معرفة التاريخ، وتأخر الناسخ، وليس ذلك موجودًا هنا.

ص: 547

وقال آخرون: حديث "لا عدوى" على ظاهره، وأما النهى عن إيراد الممرض على المصح فليس للعدوى، بل للتأذي بالرائحة الكريهة، وقبح صورته، وصورة المجذوم، والصواب ما سبق. انتهى (1).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سلك العلماء في الجمع بين هذين الحديثين مسالك متعدّدة، والذي صححه النووي آنفًا أقربها، وأولاها، وسيأتي بيان تلك المسالك وما لها وما عليها في "كتاب الطبّ" إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

بالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

87 -

(حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ عِيسَى الجرَّارُ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أبي المسَاوِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لمَّا قَدِمَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الْكُوفَةَ، آَتيْنَاهُ في نَفَرٍ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: أتيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ"، قُلْتُ: وَمَا الْإِسْلَامُ؟ فَقَالَ: "تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأني رَسُولُ الله، وَتُؤْمِنُ بِالْأَقْدَارِ كُلِّهَا، خَيرهَا وَشَرِّهَا، حُلْوِهَا وَمُرِّهَا").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(علي بن محمد) المذكور في السند الماضي.

2 -

(يحيى بن عيسى الجرّار) - بالجيم، وراءين، أولاهما مشدّدة- (2) هو: يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن، ويقال: ابن محمد التميميّ النَّهْشَليّ الفاخوريّ -بالفاء والخاء المعجمة- أبو زكريا الكوفيّ، نزيل الرملة، صدوقٌ يُخطىء، ورُمي بالتشيّع [9].

(1)"شرح مسلم" 14/ 213 - 214.

(2)

هذا هو الصواب في ضبطه، كما نص عليه الذهبيّ في "المشتبه" ص (159) والحافظ في "التقريب"، وانظر "تهذيب الكمال" 31/ 488 - 491، فما وقع في النسخ المطبوعة "الخزّاز" بزايين، فغلط، فتنبه.

ص: 548

روى عن الأعمش، وأبي مسعود عبد الأعلى بن أبي المساور، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومسعر بن كِدَام، وغيرهم.

وروى عنه ابن أخيه عيسى بن عثمان بن عيسى، وآدم بن أبي إياس، وعيسى بن يونس الفاخوريّ، وابنا أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله المخزومي، وغيرهم.

قال عبد الله بن أحمد عن أبيه، ما أقرب حديثه. وقال أبو داود: بلغني عن أحمد أنه أحسن الثناء عليه. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال العجلي: ثقة، وكان فيه تشيع. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أحمد بن سنان: قال أبو معاوية: اكتبوا عنه فطالما رأيته عند الأعمش. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال آخر عن ابن معين: ضعيف. وقال مسلمة: لا بأس به، وفيه ضعف. وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه لا يُتابَعُ عليه. وذكره ابن حبان في "الثقات".

وقال البخاري في "تاريخه الصغير": حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى، قال: مات أبو زكريا يحيى بن عيسى سنة إحدى ومائتين أو نحوها. وقال ابن قانع: مات سنة إحدى ومائتين.

أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (87) و (178) و (1803) و (3515).

3 -

(عبد الأعلى بن أبي المساور) الزهريّ مولاهم، أبو مسعود الجرّار -بالجيم وراءين- الكوفيّ، نزيل المدائن، متروك، وكذّبه ابن معين [7].

روى عن الشعبي، وزياد بن عِلاقة، وعطاء بن أبي رَبَاح، وإبراهيم بن محمد بن حاطب، وعكرمة، وأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وغيرهم.

وروى عنه وكيع، ويزيد بن هارون، وشبابة، وعبد الرحيم بن سليمان، ويحيى ابن عيسى الرملي، ويحيى بن أبي بكر، وجُبَارة بن المغلِّس، وعدة.

ص: 549

قال أبو داود عن ابن معين: أرجو أن يكون صالحًا، ولم نُدركه نحن. وقال إبراهيم بن الجنيد، وعباس الدوري، عن ابن معين: ليس بشيء، زاد إبراهيم: كذاب. وقال المفضل الغلابي، عن ابن معين: ليس بثقة. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن علي ابن المديني: ضعيف، ليس بشيء. وقال ابن عمار الموصلي: ضعيف، ليس بحجة. وقال أبو زرعة: ضعيفٌ جدّا. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، يشبه المتروك. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا مأمون. وقال ابن نُمَير: متروك الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال الساجي: منكر الحديث. وذكره البخاري في "فصل من مات ما بين الستين إلى السبعين". وقال أبو نعيم الأصبهاني: ضعيف جدًّا، ليس بشيء.

تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (87) وحديث (4291).

4 -

(الشعبيّ) هو: عامر بن شرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه مشهور فقيه [3] تقدم في 1/ 11.

5 -

(عديّ بن حاتم) بن عبد الله بن سَعْد بن الحشْرَج ابن مرىء القيس بن عدي ابن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جَرْوَل بن ثُعَل بن عمرو بن الْغَوْث بن طيء الطائي، أبو طريف، ويقال: أبو وهب، ولد الجواد المشهور، أسلم في سنة تسع، وقيل: سنة عشر، وكان نصرانيا قبل ذلك، وثبت على إسلامه في الردة، وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر، وشهد فتح العراق، ثم سكن الكوفة، وشهد صِفِّين مع علي، ومات بعد الستين، وقد أسن.

قال خليفة: بلغ عشرين ومائة سنة. وقال أبو حاتم السجستاني: بلغ مائة وثمانين. قال محل بن خليفة، عن عدي بن حاتم: ما أُقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء. وقال الشعبي عن عدي: أتيت عمر في أناس من قومي، فجعل يَفْرِض

ص: 550

للرجل، ويعرض عني، فاستقبلته، فقلت: أتعرفني؟ قال: نعم آمنت إذ كفروا، وعرفتَ إذ أنكروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا، إن أول صدقة بَيَّضَت وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة طيّء، أخرجه أحمد، وابن سعد، وغيرهما، وبعضه في مسلم.

وجزم خليفة بأنه مات سنة ثمان وستين. وفي "التاريخ المظفري": أنه مات في زمن المختار، وهو ابن مائة وعشرين سنة (1).

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث برقم 87 و 185 و 1843 و 2108 و 3177 و 3208 و 3212 و 3213 و 3214 و 3215. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل رحمه الله، أنه (قَالَ: لمَّا قَدِمَ) بكسر الدال: أي دخل (عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ) رضي الله عنه (الْكُوفَةَ) بضم الكوفة: البلدة المعروفة (أتيْنَاهُ في نَفَرٍ) متعلّقٌ بحال محذوف: أي حال كوننا في جملة نفر، أو مع نفر، و"النفر" بفتحتين، ومثله القوم، والرهط: معناها الجمع من الناس، لا واحد لها من لفظها. قاله في "شرح القاموس" (مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ) متعلّق بصفة محذوفة لـ "نفر" (فَقُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم) أي من الأحاديث النافعة التي نتمسك بها لنفوز بخيري الدنيا والآخرة (قَالَ) عديّ رضي الله عنه (أتيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) أي من المكان الذي هرب إليه، فقد تقدّم في ترجمته آنفًا أنه قال: لمّا بُعِثَ النبي صلى الله عليه وسلم كرهته كراهية شديدة، فانطلقت حتى كنت في أقصى الأرض مما يلي الروم، فكرهت مكاني أشد من كراهته

" الحديث (فَقَالَ: "يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ) بقطع الهمزة فعل أمر من الإسلام رباعيّا (تَسْلَمْ) بفتح أوله وثالثة، مضارع سَلِم من باب تعب سلامةً. قال السنديّ رحمه الله: المراد الإسلام مع طهارة القلب، كما يدلّ عليه تفسيره، فلا يَرِد أن الإسلام بالمعنى الذي سبق في حديث جبريل

(1)"الإصابة" 4/ 388 - 390، و"تهذيب التهذيب" 85 - 86.

ص: 551

عليه السلام لا يستلزم السلامة من النار، فكيف قال: تسلم: أي تكن سالمًا من الخلود في النار، فلا دلالة على أن المسلم لا يُعَذّب. انتهى (1).

[فائدة]: يجوز في "عديّ" من قوله: "يا عديّ بن حاتم" بناؤه على الضم، وفتحه على الإتباع، والأصل في ذلك أنه إذا كان المنادى مفردًا علمًا، ووُصِف بـ "ابن" مضاف إلى علم، ولم يُفصل بين المنادى وبين "ابن" جاز لك في المنادى وجهان: البناء على الضمّ، نحو "يا زيدُ بنَ عمرو"، وكهذا الحديث، والفتح إتباعًا، نحو "يا زيدَ بنَ عمرو"، ويجب حذف ألف "ابن"، والحالة هذه خطّا.

وأما إذا لم يقع "ابن" بعد علم، أو لم يقع علم بعده، وجب ضمّ المنادى، وامتنع فتحه، فمثال الأول نحو: يا غلام ابن عمرو، ويا زيد الظريف ابن عمرو، ومثال الثاني نحو: يا زيد ابن أخينا، فيجب بناء "زيد" على الضم في هذه الأمثلة، ويجب إثبات ألف "ابن" والحالة هذه، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله في "خلاصته" حيث قال:

وَنَحْوَ "زيدٍ" ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ

نَحْوِ "أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ"

وَالضمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا

أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا

قال عديّ رضي الله عنه (قُلْتُ: وَمَا الْإِسْلَامُ؟) أي ما هو حقيقة الإسلام الذي دعوتني إليه، حتى أتبعك، وأنا على بصيرة (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله) قال السنديّ رحمه الله: بتقدير "أن تشهد"، فيجوز نصبه، أو هو من إقامة المضارع مقام المصدر بلا تقدير. انتهى.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "فيجوز نصبه" فيه نظر؛ لأن نصب المضارع مع حذف "أن" المصدريّة شاذ، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":

وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصْبٌ في سِوَى

مَا مَرَّ فَاقبلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى

(1)"شرح السندي"! / 67.

ص: 552

والأولى رفعه، مع تقديرها، وهو جائز في سعة الكلام على الأصحّ، وقد وقع في القرآن الكريم في قوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} الآية [الروم: 24]، والصدر المؤول خبر لمحذوف، والتقدير: هو أن تشهد الخ، أي شهادة أن لا إله إلا الله الخ. (وأنِّي رَسُولُ الله) صلى الله عليه وسلم (وَتُؤْمِنُ بِالْأَقْدَارِ) بفتح الهمزة جمع قدر بفتحتين، وقوله (كلِّهَا) بالجر توكيدًا لـ "الأقدار"، وقوله (خَيْرِهَا وَشَرِّهَا) بالجرّ بدل من "الأقدار"، وقوله (حُلْوِهَا وَمُرِّهَا) بالجرّ أيضًا بدل إضراب، أو معطوف على ما قبله، بتقدير حرف العطف، وهو جائز عند بعض النحاة، حكى أبو زيد" "أكلت خبزًا لحمًا تمرًا"، فقيل: على حذف واو العطف، وقيل: على بدل الإضراب. قاله ابن هشام الأنصاريّ في "مغنيه" (1). والله تعالى أعلم.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عديّ بن حاتم رضي الله عنه هذا تفرّد به المصنف، وهو حديث ضعيف جدّا؛ لأن في سنده عبد الأعلى بن أبي المساور، متروك، بل كذّبه ابن معين، والراوي عنه يحيى بن عيسى ضعيف أيضًا. وقال البوصيريّ رحمه الله: هذا إسناد ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف عبد الأعلى، وله شاهد من حديث جابر رضي الله عنه رواه الترمذيّ في "جامعه". انتهى.

وأخرجه (أحمد) في "مسنده" رقم (17548) و (18569) و (18575)، وقد تقدّم لفظه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله أول الكتاب قال:

88 -

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بن نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ يَزِيدَ الرِّقَاشِيِّ، عَنْ غُنيمِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ الرِّيشَةِ، تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ بِفَلَاةٍ").

(1) راجع "مغني اللبيب" 2/ 635.

ص: 553

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة حافظ فاضل [10] تقدم في 1/ 4.

2 -

(أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عبد الرحمن بن خالد بن مَيْسَرة القرشي مولاهم، أبو محمد، ثقة ضُعّف في الثوريّ [9].

روى عن الأعمش، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وأبي إسحاق الشيباني، ومحمد بن عجلان، والثوري، وغيرهم.

وروى عنه أحمد بن حنبل، وابنه عبيد بن أسباط، وابن أبي شيبة، وابن نمير، وإسحاق ابن راهويه، ومحمد بن مقاتل، وعليّ بن حرب، والحسن بن علي بن عفان، وعدة.

قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: قال لنا وكيع: اسْمَعُوا منه، فسمعنا منه، وكان حديثه ثلاثة آلاف. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال أحمد: إنه أحب إليه من الْخَفّاف. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس.

وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس به بأس، وكان يخطئ عن سفيان. وقال الغلابي عنه: ثقة، والكوفيون يضعفونه. وقال الْبَرْقِيّ عنه: الكوفيون يضعفونه، وهو عندنا ثَبْتٌ فيما يروي عن مُطَرِّف والشيبانيّ، وقد سمعت أنا منه. وقال العُقَيليّ: رُبّما يَهِمُ في الشيء. وقال العجلي: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، إلا أن فيه بعض الضعف. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال يعقوب بن شيبة: كوفي ثقة صدوق، توفي بالكوفة في المحرم سنة (200).

وقال هارون بن حاتم في "تاريخه": حدثني أنه وُلِد سنة (105) ومات في أيام أبي السّرَايَا سنة (199).

أخرج له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (88) و (670) و (1368) و (2101) و (3453).

3 -

(الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الحافظ الحجة الثبت [5] 1/ 1.

ص: 554

4 -

(يَزِيدُ الرِّقَاشِيُّ) هو: يزيد بن أبان الرَّقَاشِيّ، أبو عمرو البصريّ الزاهد، ضعيف [5].

روى عن أبيه، وأنس بن مالك، وغنيم بن قيس، وأبي الحكم البجلي، والحسن البصري، وقيس بن عَبَاية.

وروى عنه ابنه عبد النور، وابن أخيه الفضل بن عيسى بن أبان، وقتادة، وابن المنكدر، وأبو الزناد، وصفوان بن سليم، والأعمش، وغيرهم.

قال ابن سعد: كان ضعيفًا قدريا. وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقال: كان رجلًا صالحًا، وقد روى عنه الناس، وليس بالقوي في الحديث. وقال البخاري: تكلم فيه شعبة. وقال إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل: قال شعبة: لأن أقطع الطريق أحب إلى من أن أروى عن يزيد. وقال زكريا بن يحيى الحلواني: سمعت سلمة بن شبيب يقول: سمعت يزيد بن هارون، سمعت شعبة يقول: لأن أزني أحب إليّ من أن أحدث عن يزيد الرقاشي، قال يزيد: ما كان أهون عليه الزنا، قال سلمة بن شبيب: فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل، فقال: كان بلغنا أنه قال ذلك في أبان، فقال أبو داود السِّجِستاني، وكان في مجلس سلمة: قاله فيهما جميعًا.

وقال عبد الله بن إدريس: سمعت شعبة يقول: لأن أزني أحب إلي من أن أروي عن يزيد وأبان، وقال أبو داود عن أحمد: لا يكتب حديث يزيد، قلت: فلم تُرِكَ حديثه لهوى كان فيه؟ قال: لا، ولكن كان منكر الحديث، وكان شعبة يحمل عليه، وكان قاصّا. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: هو فوق أبان، وكان يضعف. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: هو خير من أبان. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: رجل صالح، وليس حديثه بشيء. وقال معاوية بن صالح، والدُّوري عن ابن معين: ضعيف. وكذا قال الدارقطني، والبرقاني. وقال الآجري عن أبي داود: رجل صالح، سمعت يحيى يقول: رجل صدق.

ص: 555

وقال يعقوب بن سفيان: فيه ضعف. وقال أبو حاتم: كان واعظًا بكاء كثير الرواية عن أنس بما فيه نظر، وفي حديثه ضعف. وقال النسائي، والحاكم أبو أحمد: متروك الحديث. وقال النسائي أيضًا: ليس بثقة. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة عن أنس وغيره، وأرجو أنه لا بأس به لرواية الثقات عنه. وقال الساجي: كان يَهِم، ولا يَحفَظ، ويُحمَل حديثه؛ لصدقه وصلاحه. وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله، من البكائين بالليل، لكنه غفل عن حفظ الحديث شغلًا بالعبادة، حتى كان يقلب كلام الحسن، فيجعله عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تحل الرواية عنه، إلا على جهة التعجب. انتهى.

وأخبار يزيد في الزهد والعبادة والمجاهدة كثيرة. وقال المعتمر بن سليمان: كان يقول: إذا نِمتُ، ثم استيقظتُ، فلا نامت عيناي، وعلى الماء البارد السلام بالنهار.

وذكره البخاري في "الأوسط" في "فصل من مات في عشر ومائة إلى عشرين ومائة".

أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (15) حديثًا.

5 -

(غُنيمُ بْنُ قَيْسٍ) المازنيّ الكعبيّ، أبو العنبر البصري، مخضرم ثقة [2].

أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يره (1)، ووفد- على عمر، وغزا مع عقبة بن غَزْوان، روى عن أبيه، وله صحبة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الأشعري، وابن عمر، وأبي العوّام مؤذن بيت المقدس.

وروى عنه سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وخالد الحذاء، وثابت بن عمارة الحنفي، وأبو السَّلِيل، ضُرَيب بن نُقَير، ويزيد الرَّقَاشيّ.

(1) هكذا جزم الحافظ المزّيّ في "تهذيب الكمال" بأنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يعارضه ما سيأتي عن عبد الغني بن سعيد، وابن ماكولا حيث قالا: إن له رؤية، فتأمل.

ص: 556

ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، وقال: كان ثقة، قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال شعبة عن عاصم الأحول، عن غُنيم بن قيس: إني أذكر أبياتًا قالها أبي على رسول الله صلى الله عليه وسلم[من مشطور الرجز]:

أَلَا لِيَ الْويلُ عَلَى مُحَمَّدِ

قَدْ كُنْتُ في حَيَاتِهِ بِمَقْعَدِ

أنامُ لَيْلي آمِنًا إِلَى الْغَدِ

..........................

وقال عبد الغني بن سعيد المصريّ: له رؤية، وكذا قال ابن ماكولا. قال ابن حبان في "الثقات": مات سنة تسعين.

روى له مسلم حديثًا واحدًا في المتعة، وأصحاب السنن الثلاثة حديث:"كُلُّ عين زانية"، والمصنّف هذا الحديث فقط.

6 -

(أبو مُوسَى الْأَشعَرِيُّ) هو: عبد الله بن قيس بن سُلَيم بن حَضّار بن حَرْب ابن عامر بن غَنْم بن بكر بن عامر بن عَذر بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر، أبو موسى الأشعري، مشهور باسمه وكنيته معًا، وأمه ظَبْية بنت وهب بن عَك، أسلمت وماتت بالمدينة، وكان هو سكن الرَّمْلة، وحالف سعيد بن العاص، ثم أسلم وهاجر إلى الحبشة، وقيل: بل رجع إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إلى الحبشة، وهذا قول الأكثر، فإن موسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي لم يذكروه في مهاجرة الحبشة، وقدم المدينة بعد فتح خيبر، صادفت سفينته سفينة جعفر بن أبي طالب، فقدموا جميعًا، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على بعض اليمن، كزَبِيد وعَدَن وأعمالهما، واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة، فافتتح الأهواز، ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصِفِّين، ثم اعتزل الفريقين.

وروى عنه أولاده: موسى، وإبراهيم، وأبو بُرْدة، وأبو بكر، وامرأته أم عبد الله، ومن الصحابة: أبو سعيد، وأنس، وطارق بن شهاب، ومن كبار التابعين فيمن بعدهم: زيد بن وهب، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ، وعُبيد بن عمير، وقيس بن أبي حازم، وأبو الأسود، وسعيد بن المسيب، وزِرّ بن حُبَيش، وأبو عثمان النَّهْدِيّ، وأبو رافع الصائغ،

ص: 557

وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، ورِبْعِيّ بن حِرَاش، وحِطان الرَّقَاشيّ، وأبو وائل، وصفوان بن مُحرِز، وآخرون.

وقال أصحاب الفتوح: كان عامل النبي صلى الله عليه وسلم على زَبِيد وعدن وغيرهما من اليمن وسواحلها، ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المدينة، وشَهِدَ فتوح الشام، ووفاة أبي عبيدة، واستعمله عمر على إمرة البصرة، بعد أن عزل المغيرة، وهو الذي افتتح الأهواز، وأصبهان، وأقرّه عثمان على عمله قليلًا، ثم صرفه، واستعمل عبد الله بن عامر، فسكن الكوفة، وتفقه به أهلها، حتى استعمله عثمان عليهم، بعد عزل سعيد بن العاص.

قال البغوي: بلغني أن أبا موسى مات سنة اثنتين، وقيل: أربع وأربعين، وهو ابن نَيِّفٍ وستين، وبالأول جزم ابن نمير وغيره، وبالثاني أبو نعيم وغيره. وقال أبو بكر ابن أبي شيبة: عاش ثلاثا وستين. وقال الهيثم وغيره: مات سنة خمسين، زاد خليفة: ويقال: سنة إحدى. وقال المدائني: سنة ثلاث وخمسين. واختلفوا هل مات بالكوفة أو بمكة.

أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (360) حديثًا، اتفق الشيخان على (50) وانفرد البخاريّ بأربعة، ومسلم بـ (25) وله عند المصنّف في هذا الكتاب (47) حديثًا. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْقَلْبِ) قال الطيبيّ رحمه الله: "المثل" بمعنى الصفة، لا القول السائر؛ لَأن المُعْنيّ صفة القلب العجيبة الشأن، وورود ما يرد عليه من عالم الغيب من الدواعي، وسرعة تقلّبها بسبب الدواعي (1)(مَثَلُ الرِّيشَةِ) أي كصفة الريشة، وهي بكسر الراء واحدة الريش. قال في "المصباح": الرِّيشُ من الطائر معروف، الواحدة رِيشة، ويقال: في جناحه ستّ عشرة

(1)"الكاشف" 2/ 567.

ص: 558

ريشةً، أربعٌ قوادم، وأربع خَوَافٍ، وأربعٌ مناكب، وأربع أباهر. انتهى (1).

(تُقَلِّبُهَا) بفتح أوله، وكسر ثالثه، مضارع قلب، من باب ضرب، أو بضمّ أوله، وتشديد ثالثه، من التقليب، قال السنديّ: والثاني هو الأشهر الأظهر في مقام البالغة؛ لدلالته على التكثير، وهو الأوفق بجمع "الرياح"؛ ليظهر التقلب؛ إذ لو استمرّ الريح على جانب واحد لم يظهر التقلّب، والجملة صفة للريشة؛ لكون تعريفها للجنس. انتهى (2).

قال الراغب الأصفهانيّ: قلب الشيء تصريفه، وصرفه عن وجه إلى وجه، كقلب الثوب، وقلب الإنسان: أي صرفه عن طريقته، وقلب الإنسان قيل: سمّي به لكثرة تقلّبه، ويُعبّر بالقلب عن المعاني التي يختصّ به من الروح، والعلم، والشجاعة، وغير ذلك. (3) انتهى.

وتسمية القلب لتقلّبه، كتسمية الآدمي إنسانًا لنسيانه؛ لأنه عُهِد إليه، فنسي، قال عز وجل:{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} ، قال الشاعر:

وَمَا سُمِّيَ الإِنْسَانُ إِلَّا لِنَسْيِهِ

وَلَا الْقَلْبُ إِلَّا أنهُ يَتَقَلَّب

(الرِّيَاحُ) بالرفع على الفاعلية، وإنما جمع "الرياح" لدلالتها على التقلّب ظهرًا لبطن؛ إذ لو استمرّ الريح على جانب واحد لم يظهر القلب، كما يظهر من الرياح المختلفة. قاله الطيبيّ (4).

وفي رواية أحمد: "يقلبها الرياح ظهرًا لبطن" يعني أنه يقلبها كل ساعة على صفة، فكذا القلب ينقلب ساعة من الخير إلى الشرّ وبالعكس، ونصب قوله:"ظهرًا" على أنه بدل بعض من الضمير في "يقلبها"، واللام في "لبطن" بمعنى "إلى" كقوله تعالى:{مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} الآية [آل عمران: 193]، ويجوز أن يكون "ظهرًا لبطن" مفعولًا مطلقًا:

(1) راجع "المصباح المنير" 1/ 248.

(2)

"شرح السنديّ" 1/ 68.

(3)

"مفردات ألفاظ القرآن" ص 681.

(4)

"الكاشف" 2/ 568.

ص: 559

أي يَقْلِبها تقليبًا مختلفًا، وأن يكون حالًا: أي يقلبها مختلفةً، ولهذا سُمّي القلب قلبًا (1).

(بِفَلَاةٍ) بفتح الفاء، وتخفيف اللام: هي الأرض القفر الخالية من العمران، أو المَفَازة، لا ماء فيها (2). وإنما خصّ الفلاة؛ لأن التقليب فيها أشدّ من العمران. قاله القاري (3).

وفي رواية لأحمد: "بأرض فلاة" قال الطيبيّ: لفظ "أرض" مقحمة؛ لأن في ذكر الفلاة استغناء عنها، وهو كقولك: أخذت بيدي، ونظرت بعيني، تقريرًا ورفعًا للمجاز، وأن يَتَوَهَّم متوهّم خلافه، ولا يسلك إلا في أمر خطير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه هذا صحيح موقوفًا.

قال البوصيريّ رحمه الله: هذا إسناد فيه يزيد بن أبان الرقَاشيّ، وقد أجمعوا على ضعفه، لكن لم ينفرد به، فقد رواه مسدّد في "مسنده": ثنا خالدٌ، ثنا الجريريّ، عن غُنيم ابن قيس، عن أبي موسى، فذكره موقوفًا بلفظ:"إنما مثل القلب كمثل الريشة، يقلبها الرياح ظهرًا لبطن"، وسعيد الجريريّ، وإن اختلط بآخره، فقد روى له البخاريّ ومسلم من طريق خالد بن عبد الله عنه. انتهى كلام البوصيريّ.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: لم ينفرد به إلخ، فيه نظر؛ لأن خالدًا وهو ابن عبد الله الطحان، لم يوافقه، بل خالفه في الوقف، فتبين بهذا تفرّد يزيد الرقاشي برفع هذا الحديث.

[فإن قلت]: قد تابعه يزيد بن هارون في رفعه عند الإمام أحمد، قال عبد الله بن أحمد: حدّثني أبي، ثنا يزيد، قال: أخبرنا الجريري، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا القلب كريشة بفلاة من الأرض، يقيمها الريح

(1) راجع "الكاشف" 2/ 567. و "المرقاة" 1/ 304.

(2)

أفاده في "القاموس" ص 1189.

(3)

"المرقاة" 1/ 304.

ص: 560

ظهرا لبطن"، قال أبي: ولم يرفعه إسماعيل عن الجريري. انتهى.

[قلت]: يزيد ممن روى عن الجريريّ بعد اختلاطه، فلا تنفع متابعته، وقد خالفه إسماعيل ابن عليّة، فوقفه، كما أشار إلى هذا الإمام أحمد، حيث قال: ولم يرفعه إسماعيل عن الجريريّ، يعني أن إسماعيل -وهو ابن عليّة- خالف يزيد بن هارون، فرواه موقوفًا، وروايته أرجح من رواية يزيد؛ لأنه ممن سمع من الجريريّ قبل اختلاطه، بخلاف يزيد، فإنه إنما سمع بعد اختلاطه.

[فإن قلت]: روى الإمام أحمد عن عفان، حدّثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم الأحول، عن أبي كبشة، قال سمعت أبا موسى يقول على المنبر، فذكر حديثًا، وفيه:"وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما سُمّي القلب من تقلّبه، إنما مثل القلب، كمثل ريشة معلّقة في أصل شجرة، يقلبها الريح ظهرًا لبطن

" الحديث.

فتتقوى بهذا رواية يزيد الرقاشي المرفوعة.

[قلت]: هذا فيه أبو كبشة، وهو السدوسيّ البصريّ، لم يرو عنه إلا عاصم الأحول، فهو مجهول العين (1)، فلا يقوّي رواية الرقاشيّ.

[فإن قلت]: خالد الطحان أيضًا ممن سمع من الجريريّ بعد اختلاطه، فكيف تصحّ روايته؟.

[قلت]: لم ينفرد خالد بالوقف، فقد تابعه عليه ابن عليّة، وروايته صحيحة، كما بيناه آنفًا.

والحاصل أن حديث أبي موسى رضي الله عنه هذا صحيح موقوفًا، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (10/ 88) بهذا السند فقط، وهو مما تفرد به عن أصحاب

(1) فقول الدكتور بشار في تحقيقه بعد إيراده لهذا الحديث: "وهذا إسناد صحيح"، غير صحيح، لأن أبا كبشة مجهول، فتنبّه.

ص: 561

الأصول، وأخرجه (مسدّد) في "مسنده"(الورقة 7 - 8) و (أحمد) في "مسنده"(4/ 419 و 408)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو إثبات القدر، ووجه الاستدلال أن تقلّب القلب إنما يكون بتقدير الله سبحانه وتعالى، فهو مقلّب القلوب حيث شاء.

2 -

(ومنها): أن فيه ضربَ المثل تقريبًا؛ إيضاحًا للمسألة، وتقريبًا لها إلى الأذهان.

3 -

(ومنها): أن فيه بيان تقلّب القلب، وتحوّلاته، وأن ذلك من الله تعالى؛ لأنه بين إصبعيه، فلا ينبغي للعبد أن يغفل عنه، بل يكثر الدعاء بتثبيته على الحقّ، وأن لا يُزيغه بعد الهدى، كما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو كثيرًا بذلك.

أخرج الإمام مسلم رحمه الله في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمرو بن

العاص رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم مُصَرِّف القلوب صَرِّف قلوبنا على طاعتك".

وأخرج الإمام الترمذيّ رحمه الله في "جامعه" عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله يُكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك"، فقلت: يا رسول الله آمَنّا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال:"نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله، يقلبها كيف يشاء". قال: وهذا حديث حسن.

وأخرج أيضًا بسند لا بأس به، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن جده، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي، وقد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه، وبسط السبابة، وهو يقول:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".

وأخرج الإمام أحمد رحمه الله، عن الحسن البصريّ، أن عائشة قالت: دعوات

ص: 562

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يدعو بها: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، قالت: فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر تدعو بهذا الدعاء؟ فقال ""إن قلب الآدمي بين إصبعين من أصابع الله عز وجل، فإذا شاء أزاغه، وإذا شاء أقامه".

وأخرج أيضًا بسند حسن عن شهر بن حوشب قال: سمعت أم سلمة رضي الله عنها تحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول: "اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، قالت: قلت: يا رسول الله أو إن القلوب لتتقلب؟ قال: "نعم ما من خلق الله من بني آدم من بشر، إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله، فإن شاء الله عز وجل أقامه، وإن شاء الله أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يُزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب"، قالت: قلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: بلى، قولي:"اللهم رب محمد النبي اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتنا". وشهر بن حوشب حسن الحديث، كما بيناه فيما مضى من هذا الشرح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

89 -

(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثنا خَالِي يَعْلَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالم بْنِ أَبِي الجعْدِ، عَنْ جَابرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُل مِنَ الْأنصَارِ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ لِي جَارِيَةً أَعْزِلُ عَنْهَا؟، قالَ: "سَيَأتِيهَا مَا قُدِّرَ لهَا"، فَأتاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: قَدْ حَمَلَتِ الجارِيَةُ، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا قُدِّرَ لِنَفْسٍ شَيءٌ إِلَّا هِيَ كَائِنة").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عِليُّ بنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ المذكور قبل حديث.

2 -

(يَعْلَى) بن عُبيد بن أُميّة الإياديّ، ويقال: الحنفي مولاهم، أبو يوسف الطَّنَافسيّ الكوفيّ، مولى إياد، ثقة إلا في حديثه عن الثوري، ففيه لينٌ، من كبار [9].

روى عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والأعمش، وعبد

ص: 563

العزيز بن سِيَاه، ويزيد بن كيسان، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم.

وروى عنه ابن أخته علي بن محمد الطنافسي، وأخوه محمد بن عُبيد، ومحمد بن مقاتل المروزي، وإسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وعبد بن حميد، وغيرهم.

قال صالح بن أحمد عن أبيه: كان صحيح الحديث، وكان صالحًا في نفسه. وقال علي بن الحسن الْهِسِنْجَانيّ، عن أحمد: يعلى أصح حديثا من محمد بن عُبيد وأحفظ. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ضعيف في سفيان، ثقة في غيره. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أثبت أولاد أبيه في الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أحمد بن يونس: ما رأيت أحدًا يُريد بعلمه الله تعالى إلا يعلى بن عبيد، ما رأيت أفضل منه. وقال أبو مسعود الرازي: كان يعلى ومحمد ابنا عبيد من أهل بيتِ بركةٍ، ما رأيت يعلى ضاحكًا قط، وكان يعلى أكثر مجلسًا، وأحسن خُلُقًا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال الدارقطنيّ: بنو عُبيد كلهم ثقات. وقال ابن عَمّار الموصليّ: أولاد عُبيد كلهم ثَبْتٌ، وأحفظهم يعلى، وأبصرهم بالحديث محمد.

وقال سعيد بن أيوب البخاري: كان يعلى يحفظ عامة حديثه أو جميعه.

قال ابن نمير وجماعة: مات في شوال سنة تسع ومائتين. وقال ابن حبان: مات في رمضان سنة سبع. وقيل: سنة تسع ومائتين. وقال غيره: كان مولده سنة سبع عشرة ومائة.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (22) حديثًا.

3 -

(الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران المذكور في السند الماضي.

4 -

(سَالمُ بْنُ أَبِي الجعْدِ) رافع الْغَطَفَانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، وكان يرسل كثيرًا [3].

روى عن عمر، ولم يدركه، وكعب بن مرة، وقيل: لم يسمع منه، وعائشة، والصحيح أن بينهما أبا المليح، وأبا كبشة. وقيل: عن ابن أبي كبشة، عن أبيه، وجابان، وقيل: بينهما نُبيط، وعن ثوبان، وزياد بن لبيد، وعلي بن أبي طالب، وجماعة.

ص: 564

وروى عنه ابنه الحسن، والحكم بن عتيبة، وعمرو بن دينار، وعمرو بن مرة، وقتادة، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش، وعمار الدُّهني، وغيرهم.

قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال الذهلي عن أحمد: لم يسمع سالم من ثوبان، ولم يَلْقَه، بينهما مَعْدان بن أبي طلحة، وليست هذه الأحاديث بصحاح. وقال العجليّ: ثقة تابعي. وقال إبراهيم الحربي: مُجْمَع على ثقته. وقال أبو حاتم، عن أبي زرعة: سالم بن أبي الجعد عن عمر وعثمان وعلي مرسل. وقال علي: لم يَلْقَ ابن مسعود، ولا عائشة. وقال أبو حاتم: أدرك أبا أمامة، ولم يدرك عمرو بن عبسة، ولا أبا الدرداء، ولا ثوبان. وقال البخاريّ: لا يُعرف لسالم من جابان سماع. وقال البخاري في "التاريخ الصغير": لا أرى سالما سمع زيادا -يعني بن لبيد-.

قال مطين: مات سنة مائة. وقيل: سنة إحدى ومائة. وقال أبو نعيم: مات سنة سبع وتسعين، أو ثمان وتسعين. وكذا قال ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، مات سنة مائة. وقيل: إحدى ومائة. وقيل: قبل ذلك. وقال ابن زَبْر: توفي سنة تسع وتسعين، وله من العمر مائة وخمس عشرة سنة.

قال الحافظ: كذا قال، ولا يصح ذلك.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (21) حديثًا.

5 -

(جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما تقدّم في 1/ 11، والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من خماسيّات المصنّف.

2 -

(ومنها): أن يعلى، وسالم بن أبي الجعد هذا الباب أول محل ذكرهما في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف ليعلى فيه (22) حديثًا، ولسالم (21) حديثًا، كما أسلفته آنفًا.

3 -

(ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، بل رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو، والنسائي في "مسند عليّ".

ص: 565

4 -

(ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ.

5 -

(ومنها): أن فيه رواية الراوي عن خاله: عليّ عن يعلى، وتابعيّ عن تابعيّ: الأعمش عن سالم.

6 -

(ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأنصَارِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ لِي جَارِيَةً) أي خادمة، وأصل الجارية السفينة، سمّيت بذلك لجريها في البحر، وسُمّيَت الأمة بها تشبيها بها؛ لجريها مسخّرةً في أَشْغال مواليها، ثم الأصل فيها الشابّة؛ لخفّتها، ثم توسّعوا حتى سَمَّوا كلَّ أمة جاريةً، وإن كانت عجوزًا لا تقدر على السعي؛ تسميةً بما كانت عليه، والجمع الجواري. قاله الفيّوميّ (1).

وفي رواية مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه: "إن لي جارية، هي خادمنا (2)، وسانيتنا (3)، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تَحْمِل

" (أَعْزِلُ عَنْهَا) بكسر الزاي، من باب ضرب، يقال: عزل الشيء يعزِله عَزْلًا: إذا نحّاه وصرفه (4). والجملة في محلّ نصب صفة لـ "جاريةً"، ومراده السؤال عن حكمه، أي أيجوز لي العزل أم لا؟. ويحتمل أن يكون بتقدير همزة الاستفهام: أي أأعزل عنها؟.

و"العزل": هو أن يجامع الرجل امرأته، فإذا قارب الإنزال نَزَع ذكره من فرجها، وأنزل خارج الفرج، وقد اختلف في حكمه، والصحيح أنه يجوز، وتركه أولى، وسيأتي تحقيق ذلك في محلّه من "كتاب النكاح"، إن شاء الله تعالى (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ

(1) راجع "المصباح المنير" 1/ 98.

(2)

الخادم يطلق على الذكر والأنثى، وخادمة بالهاء في الأنثى قليل. قاله في "المصباح".

(3)

أي التي تَسقي لنا، شبهها بالبعير في ذلك. قاله النوويّ في "شرحه" 10/ 13.

(4)

"النهاية" 3/ 230.

ص: 566

لهَا) فيه إشارة إلى أن تركه أولى؛ لأنه لا فائدة فيه. وفي رواية مسلم: "اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها"، فقوله:"فإنه" الضمير للشأن، وفيه التصريح بالجواز (فَأتاهُ بَعْدَ ذَلِكَ) أي الرجل السائل (فَقَالَ: قَدْ حَمَلَتِ) بالبناء للفاعل (الجارِيَة) مرفوع على الفاعلية (فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا قُدِّرَ لِنَفْسٍ شَيْءٌ) ببناء "قُدّر" للمفعول، و"لنفس" متعلّق به، و"شيء" مرفوع على أنه نائب الفاعل، ووقع في بعض النسخ:"ما قَدّر لنفس شيئًا"، وعليه فالفعل مبنيّ للفاعل، وفاعله ضمير يعود إلى الله تعالى، و"شيئًا" منصوب على المفعوليّة.

[تنبيه]: يوجد في النسخة الهنديّة ضَبْطُ "قُدِّرَ" علي بناء المفعول مع نصب "شيئًا"، وعليه فنائب الفاعل الجارّ والمجرور، وهو مذهب الكوفيين، واستدلوا له بقراءة أبي جعفر:{لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الجاثية: 14] ببناء "يجزَى" للمفعول، وبقول الشاعر [من الرجز]:

لَمْ يُعْنَ بِالْعَلْيَاءِ إِلا سَيِّدَا

وَلَا شَفَى ذَا الْغَيِّ إلَّا ذُو هُدَى

ومذهب جمهور البصريين أنه إذا وجد المفعول به بعد الفعل تعيّن إقامته مقام الفاعل، ولا ينوب غيره مع وجوده، وحملوا ما ورد من ذلك على أنه شاذّ، وأولوا الآية بأن النائب ضمير الغفران المفهوم من {يَغْفِرُوا} وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:

وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أَوْ مِنْ مَصْدَرِ

أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنِيَابَةٍ حَرِي

وَلَا يَنُوبُ بَعْضُ هَذِي إِنْ وُجِدْ

في اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ وَقَدْ يَرِدْ

(إِلَّا هِيَ) أي النفس (كَائِنَةٌ) أي عليه، أي على ذلك الشيء المقدّر لها. ويحتمل أن يكون ضمير "هي" للشيء المقدّر، وتأنيثه باعتبار أنه نسمة، وهو أوفق برواية الحديث. أفاده السندي (1).

(1)"شرح السنديّ" 1/ 68.

ص: 567

أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه: قال أصبنا سبايا، فكنا نَعزِل، ثم سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال لنا:"وإنكم لتفعلون؟، وإنكم لتفعلون؟، وإنكم لتفعلون؟، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة".

وفي رواية: "ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة، إلا وهي كائنة"، متّفق عليه.

وعنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل، فقال:"ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء". رواه مسلم. وستأتي بقية المباحث في محله من كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث جابر رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (10/ 89) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) في "النكاح"(1439) و (أبو داود) في "النكاح"(1858) و (عبد الرزاق) في "مصنّفه"(12551) و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه"(4/ 220) و (أحمد) في "مسنده" 3/ 313 و 388 و (أبو يعلى) في "مسنده"(1910) و (ابن حبّان) في "صحيحه"(4194) و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" 3/ 35.

[تنبيه]: تبيّن بهذا أن ما أشار إليه الحافظ البوصيريّ في الزوائد من أن هذا الحديث تفرد به المصنف غير صحيح، فقد شاركه فيه مسلم، وأبو داود، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو إثبات القدر، وأن كلّ شيء بقدر

ص: 568

الله، وإنه إذا شاء لا رادّ لما قدّره.

2 -

(منها): أن فيه جوازَ العزل، وهو -كما قال النوويّ- مكروه عند الشافعيّة في كل حال، وكل امرأة، سواء رضيت أم لا؛ لأنه طريق إلى قطع النسل، ولهذا جاء في الحديث الآخر تسميته الوأدَ الخفيَّ؛ لأنه قطع طريق الولادة، كما يقتل الولود بالوأد، وأما التحريم فقالوا: لا يحرم في مملوكته، ولا في زوجته الأمة، سواء رضيتا أم لا؛ لأن عليه ضررًا في مملوكته بمصيرها أم ولد، وامتناع بيعها، وعليه ضرر في زوجته الرقيقة بمصير ولده رقيقًا تبعًا لأمه، وأما زوجته الحرة، فإن أذنت فيه لم يحرم، وإلا فوجهان أصحهما لا يحرم.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد وردت أحاديث تدلّ على جواز العزل، وأحاديث تدلّ على النهي عنه، ويُجمَع بينها بأن ما ورد في النهى محمول على كراهة التَّنْزِيه، وما ورد في الإذن في ذلك محمول على أنه ليس بحرام، وليس معناه نفي الكراهة. هكذا ذكر النوويّ رحمه الله، وهو جمع حسن، وسيأتي ذكر أقوال أهل العلم مفصّلةً بأدلتها، ومناقشتها، وترجيح ما هو الراجح بدليله في محلّه من كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى.

3 -

(ومنها): أن فيه دلالةً على أن العزل لا يمنع الإيلاد، فلو استَفْرَشَ أمةً، وعزل عنها، ثم أتت بولد لحِقَه، إلا أن يدّعي عدم الاستبراء.

4 -

(ومنها): أنه ليست نسمة كائنة في علم الله سبحانه وتعالى إلى يوم القيامة في حال من الأحوال إلا كائنة ثابتة في وقت من الأوقات، لا يمنعها عزل، ولا حيلة من الحيل، ولو حاول من في الأرض كلهم جميعًا.

5 -

(ومنها): أنه استفيد من قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من كل الماء يكون الولد" أن بعض الماء لا يتكون منه الولد، وبعضه يتكون منه بميشئة الله سبحانه وتعالى، لا بطريقة الوسائل، فإنها لا تنفع إلا إذا أراد الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ص: 569

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

90 -

(حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبيِ الجعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَزِيدُ فِيَ الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِخَطِيئَةٍ يَعْمَلُهَا").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عَبْدُ الله بْنُ عِيسَى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ، أبو محمد الكوفيّ، وكان أكبر من عمه محمد، ثقة، فيه تشيّعٌ [6].

رَوَى عن جده عبد الرحمن، وأبيه عيسى، وأمية بن هند المزني، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن أبي الجعد الغطفاني، والزهريّ، وموسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم.

وروى عنه عمه محمد، وابن ابنه عيسى بن المختار بن عبد الله بن عيسى، وإسماعيل بن أبي خالد، والسفيانان، وشعبة، وشريك، وغيرهم.

قال علي بن حكيم: سمعت شريكًا يُثْني على عبد الله بن عيسى، وقال في رواية: كان رجل صدق، وكان يُعَلِّم محتسبًا. وقال ابن عيينة: ثنا عمارة بن القعقاع بن شُبْرُمة وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكانوا يقولون: هما أفضل من عمهما. وقال ابن معين: ثقة. وقال في رواية: كان يَتَشَيَّع. وقال أبو الحسن بن الْبَرّاء عن ابن المديني: هو عندي منكر الحديث. وقال ابن خِرَاش: هو أوثق ولد أبي ليلى. وقال النسائي: ثقة ثبت. وذكره ابن حبان في "الثقات".

وذكر أبو إسحاق الحربي في "العلل" أنه لم يسمع من جَدِّه، قال الحافظ: وهو قول مردود، أوردته لأُنَبِّه عليه، فحديثه عن جده في "الصحيح"، وقال العجلي: ثقة. وقال الحاكم: هو من أوثق آل أبي ليلى. قال جعفر الطيالسي عن ابن معين: مات سنة خمس وثلاثين ومائة.

ص: 570

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم (90) و (533) و (2079) و (2332) و (3506) و (4022).

2 -

(عَبْدُ الله بْنُ أَبِي الجعْدِ) الأشجعيّ الْغَطَفَانيّ، مقبول [4].

روى عن ثوبان، وجُعَيل الأشجعي، وعنه ابن أخيه رافع بن سلمة بن زياد بن أبي الجعد، وقيل: عن رافع بن سلمة، عن أبيه عنه، وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن القطان: إنه مجهول الحال.

تفرّد به النسائيّ، والمصنّف، وله عند النسائيّ حديثان، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث، وهو أحد الحديثين عند النسائيّ، وأعاده المصنّف في "كتاب الفتن" برقم (4022).

3 -

(ثَوْبَانُ) بن بُجْدُد الهاشميّ مولى النبيّ صلى الله عليه وسلم، صَحِبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة (54)، وتقدّمت ترجمته في 1/ 11. والباقون تقدّموا قريبًا، وسفيان هو الثوريّ، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ ثَوْبَانَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَزِيدُ في الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ) إما لأن البارّ ينتفَعُ بعمره، وإن قلّ أكثر مما ينتفع به غيره وإن كثُر، وإما لأنه يزاد له في العمر حقيقة، بمعنى أن لو لم يكن بارّا لقصر عمره عن القدر الذي كان له إذا برّ، لا بمعنى أنه يكون أطول عمرًا من غير البارّ، ثم التفاوت إنما يظهر في التقدير المعلّق، لا فيما يعلم الله تعالى أن الأمر يصير إليه، فإن ذلك لا يَقبل التغيير، وإليه يشير قوله عز وجل: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]، ومثله قوله (وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ) قال في "شرح السنة": ذكر أبو حاتم السجستانيّ في معنى الحديث: إن دوام المرء على الدعاء يطيب له ورود القضاء، فكأنما ردّه، والبرّ يطيب عيشه، فكأنما يزيد في عمره، والذنب يكدّر عليه صفاء رزقه إذا فكّر في عاقبة

ص: 571

أمره، فكأنما حَرَمه. انتهى (1).

وقال التوربشتيّ رحمه الله: يحتمل أن يكون المراد من القدر الأمر الذي كان يُقدّر لولا دعاؤه، ومن العمر العمر الذي كان يقصر لولا برّه، فيكون الدعاء والبرّ سببًا من أسباب ذلك، وهما مقدّران أيضًا، كما أن الأعمال حسنها وسيّئها سببان من أسباب السعادة والشقاوة، ولا شكّ أنهما مقدّران أيضًا. انتهى (2).

(وَإِنَّ الرجُلَ ليُحْرَمُ الرِّزْقَ) ببناء الفعل للمفعول، ونائب فاعله ضمير يعود إلى الرجل، و"الرزق" مفعوله الثاني (بِخَطِيئَةٍ) أي بسبب ذنبه (يَعْمَلُهَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "خطيئة".

قال الإمام ابن حبّان رحمه الله في "صحيحه" بعد هذا الحديث: ما نصّه: قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر لم يُرد به عمومه، وذاك أن الذنب لا يحرم الرزق الذي رُزق العبدُ، بل يُكدّر صفاءه إذا فكّر في تعقيب الحالة له، ودوام المرء على الدعاء يطيب له ورود القضاء، فكأنه ردّه لقلّة حِسّه بألمه، والبرّ يطيب العيش حتى كأنه يُزاد في عمره بطيب عيشه، وقلة تعذّر ذلك في الأحوال. انتهى (3).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام ابن حبّان رحمه الله هذا ظاهر في كونه لا يرى الزيادة على ظاهرها، وسيأتي أن الأرجح حمله على ظاهره، للأدلة الأخرى الكثيرة، والله تعالى أعلم.

قال المظهر رحمه الله: هذا يؤوّل على تأويلين:

[أحدهما]: أن يراد بالرزق الثواب في الآخرة.

[وثانيهما]: أن يراد به الرزق الدنيويّ من المال، والصحّة، والعافية، وعلى هذا إشكالٌ، فإنا نرى الكفّار والفسّاق أكثر مالًا وصحّةً من الصلحاء.

(1) راجع "الكاشف عن حقائق السنن" 10/ 3164.

(2)

المصدر السابق.

(3)

راجع "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" 3/ 154 بتحقيق شعيب الأرنؤوط.

ص: 572

[والجواب]: أن الحديث مخصوص بمسلم يريد الله تعالى أن يرفع درجته في الآخرة، فيُعذّبه بسبب ذنبه، فيُصَفّيه من الذنوب في الدنيا.

قال الطيبيّ: أقول: ويدلّ على الاختصاص تقييد هذه القرينة بالرجل دون القرينتين السابقتين، فالتعريف فيه إما للجنس، فيكون المعنى: الرجل الكامل الحازم هو الذي يتفكّر في عاقبة أمره، فإذا أذنب تكدّر عليه صفاء رزقه، كما قاله السجستاتيّ. أو للعهد، فيراد منه بعض الجنس من المسلمين على ما عليه كلام المظهر. انتهى كلام الطيبي (1).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الظاهر، والأول لا يخفى تكلّفه، فافهم، والله تعالى أعلم.

وذكر في "الفتح" عند شرح حديث: "من أحبّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه": ما نصّه:

قال ابن التين: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34]، والجمع بينهما من وجهين:

[أحدهما]: أن هذه الزيادة كناية عن البركة في العمر، بسبب التوفيق إلى الطاعة، وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته عن تضييعه ذلك، ومثل هذا ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من مضى من الأمم، فأعطاه الله ليلة القدر.

وحاصله أن صلة الرحم تكون سببًا للتوفيق للطاعة، والصيانة عن المعصية، فيبقى بعدَهُ الذكر الجميل، فكأنه لم يمت.

ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلمُ الذي يَنتفع به مَنْ بَعْدَه، والصدقة الجارية عليه، والخلف الصالح.

[ثانيهما]: أن الزيادة على حقيقتها، وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، وأما الأول الذي دلت عليه الآية فبالنسبة إلى علم الله تعالى، كأن يُقال للملك مثلًا: إن

(1)"الكاشف" 10/ 3165.

ص: 573

عمر فلان مائة مثلًا إن وصل رحمه، وستون إن قطعها، وقد سبق في علم الله أنه يَصِلُ، أو يقطع فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله تعالى:{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] فالمحو بوالإثبات النسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى، فلا محو فيه البتة، ويقال له: القضاء المبرم، ويقال للأول: القضاء المعَلَّق، والوجه الأول أليق بلفظ حديث الباب، -يعني حديث البخاري- فإن الأثر ما يتبع الشيء، فإذا أُخِّر حَسُن أن يحمل على الذكر الحسن بعد فقد المذكور. وقال الطيبي: الوجه الأول أظهر، وإليه يشير كلام صاحب "الفائق"، قال: ويجوز أن يكون المعنى: أن الله يُبْقِي أثر واصل الرحم في الدنيا طويلًا، فلا يَضْمَحِلّ سريعًا كما يضمحل أثر قاطع الرحم، ولما أنشد أبو تَمّام قوله في بعض المراثي:

تُوُفِّيَتِ الآمَالُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ

وَأَصْبَحَ في شُغْلٍ عَنِ السَّفَرِ السَّفْرُ

قال له أبو دُلَف: لم يمت من قيل فيه هذا الشعر. ومن هذه المادة قول الخليل عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ في الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84].

وقد ورد في تفسيره وجه ثالث، فأخرج الطبراني في "الصغير" بسند ضعيف، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ وَصَلَ رحمه أُنسىء له في أجله، فقال:"إنه ليس زيادة في عمره، قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} الآية [النحل: 61]، ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة، يدعون له من بعده، وله في "الكبير" من حديث أبي مشجعة الجهني رفعه: "إن الله لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر ذرية صالحة

" الحديث.

وجزم ابن فورك بأن المراد بزيادة العمر نفي الآفات عن صاحب البر، في فهمه وعقله. وقال غيره: في أعم من ذلك، وفي وجود البركة في رزقه وعلمه، ونحو ذلك.

انتهى ما في "الفتح"(1).

(1) راجع "الفتح" 10/ 510 - 511. "كتاب الأدب" رقم الحديث (5985 - 5986).

ص: 574

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الاحتمال الثاني هو الحقّ.

والحاصل أن الأرجح في هذه المسألة حمل النصوص الواردة في زيادة العمر، والرزق على ظاهرها، ولا تنافي بينها وبين آية {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُم} ؛ لأنها واضحة في أن عدم التأخير بعد مجيء الأجل، وأن النصوص المفيدة للتأخير محمولة على ما قبل مجيىء الأجل، وقد حقّق العلامة الشوكانيّ رحمه الله المسألة في رسالة أفردها لها، سمّاها "تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل"، فساق أدلّة الفريقين، ثم رجّح القول بالزيادة وحقّقه أتم تحقيق، وقد نقلت تلك الرسالة في شرح النسائيّ مع ترجيح ما ظهر لي وجهه، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ثوبان رضي الله عنه هذا حسن، كما قاله الحافظ العراقيّ رحمه الله (1).

[فإن قلت]: كيف يكون حسنًا، وفيه إسناده عبد الله بن أبي الجعد، وقد تقدّم أن ابن القطّان قال: إنه مجهول الحال؟.

[قلت]: عبد الله بن أبي الجعد روى عنه اثنان، فزالت جهالة عينه، ووثقه ابن حبّان، ولحديثه هذا شاهد، من حديث سلمان رضي الله عنه أخرجه الترمذي في "جامعه" (2139) بلفظ:"لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر"، قال الترمذي: حديث حسن غريب.

وأخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار"(3068) والشهاب القضاعيّ (833) و (833) ، وفي إسناده أبو مودود البصريّ، وهو وإن ضعفه أبو حاتم -كما في "الجرح

(1) فقد ذكره البوصيريّ في "الزوائد" أنه قال: سألت شيخنا أبو الفضل العراقي عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن. انتهى.

ص: 575