المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وقام به من الكفر والمعاصي .. فلا نلطف به لصرف - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٢

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: وقام به من الكفر والمعاصي .. فلا نلطف به لصرف

وقام به من الكفر والمعاصي .. فلا نلطف به لصرف قواه إِليه، وعدم مراجعته نفسه فيه، وندخله جهنم فيخلد فيها إن كان كافرًا، ويعاقب فيها على قدر معصيته إِن كان عاصيا .. وقبُحَت جهنم مصيرا.

فلا ينبغي لعاقل أَن يقترف من المعاصي ما يجعلها مصيرا له ومآلا.

‌الأحكام

استدل الإِمام الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية، على أَن الإِجماع من أَهل الحق حجة.

فعن المزني أَنه قال: "كنت عند الشافعي يوما، فجاءَه شيخ عليه لباس صوف وبيده عصا، فلما رآه ذا مهابة: استوى جالسا، وكان مستندا إلى الأَسطوانة (1) وسوّى ثيابه: فقال الشيخ: ما الحجة في دين الله تعالى؟ قال الشافعي: كتابه. قال: وماذا؟ قال سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة. قال: من أَين هذا الأخير؟. أَهو في كتاب الله تعالى؟ فتدبر الشافعي ساعة ساكتا، فقال له الشيخ أجّلتك ثلاثة أَيام بلياليهن، فإِن جئت بآية، وإِلا فاعتزل الناس

فمكث ثلاثة أَيام لا يخرج. وخرج في اليوم الثالث بين الظهر والعصر، وقد تغير لونه، فجاءَه الشيخ وسلم عليه وجلس، وقال: حاجتي: فقال: نعم أَعوذ باللهِ من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى

} الآية. فدلت الآية على أَن اتباع سبيل المؤمنين فيما يذهبون إِليه من الأَحكام فرض، لورود الوعيد فيمن لم يتبع سبيلهم. قال الشيخ: صدقت وقام وانصرف (2) ".

والآية لا تفيد الخلود في النار لمن يرتكب المعاصي، بل تفيد عقوبتهم بالصيرورة إِلى النار، وذلك لا يقتضي التأبيد، خلافا لمن زعم ذلك من الخوارج. حيث زعموا أَن مرتكب

(1) السارية أو العمود.

(2)

روى عنه: أنه قرأ القرآن ثلاث مرات يتفقد هذا الحكم حتى ظفر به.

ص: 908

الكبيرة كافر خالد في النار، ويحسم دعواهم قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ

}.

روى الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أَنه قال: ما في القرآن آية أَحبُّ إِليّ من هذه الآيةِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وفيما يلي نص تفسيرها.

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)} .

المفردات:

{مَا دُونَ ذَلِكَ} : ما سوى الشرك من المعاصي.

{ضَلَالًا بَعِيدًا} : أي بُعدًا عن الحق عظيما.

{إِنْ يَدْعُونَ} : ما ينادون، أَو ما يعبدون.

{إِلَّا إِنَاثًا} : أي معبودات كالإِناث في الضعف، وعدم القدرة على الإِسعاف بالمطلوب.

وفيها معانٍ أُخرى، ستأتي في الشرح بمشيئة الله.

ص: 909

{شَيْطَانًا مَرِيدًا} : الشيطان هنا: إِبليس - لعنه الله - والمريد بمعنى التمرد على الطاعة. أو المتمرد للشر. من قولهم: شجرة مرداءُ. وهي التي سقط ورقها.

{لَعَنَهُ اللَّهُ} : طرده عن رحمته.

{لَأَتَّخِذَنَّ} : الاتخاذ، أَخذ الشيء على وجه الاختصاص.

{نَصِيبًا مَفْرُوضًا} : حظا مقسوما. وسيأتي بيانه في الشرح.

{وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ} : أي لأُعَلِّلَنَّهم بالأماني الكاذبة.

{فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ} : الأنعام، الإبل والبقر والغنم والمعز. وغلب استعمالها في الإِبل خاصة. وتبتيك الأنعام: تقطيع آذانها أو شقها. وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية. وسيأتي بيانه.

{فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} : صورةً أو صفة، كفَقْإِ عين الفحل. وسيأتي بيانه، وكخصاءِ العبيد، وإتيان الذكور بدل الإِناث.

{وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ} : أي معبودا وناصرا، متجاوزا الله، وتاركا له.

{خُسْرَانًا مُبِينًا} : أي خسرانا بينا واضحًا.

{إِلَّا غُرُورًا} : إلا إِيهاما وغشا وخداعا.

{مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} : مسقرهم ومرجعهم.

{مَحِيصًا} : معدلا ومهربا.

التفسير

116 -

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ

} الآية.

سبب النزول:

أخرج الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهم: أَن شيخا من العرب، جاءَ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب، إلا أني لم أُشركْ باللهِ تعالى - منذ عَرَفته وآمنتُ به، ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أوقع معصية جراءة، وما توهمت - طرفة عين - أني أُعجِزُ الله تعالى هربا، وإني لنادم تائب، .. فما ترى حالي عند الله تعالى -؟ فنزلت.

ص: 910

المعنى: إن الله لايغفر أَن يُشْرِك أحدٌ به غيرَه في العبادة. سواءٌ أَكان هذا الشريك من عوالم السماءِ، أم من عوالم الأرض. فكلها مخلوقاته: تخضع له فيما أَراد، ولا تُعْبَد معه، ولكنه تعالى يغفر ما دون الشرك من السيئات المختلفة، لمن يشاءُ من عباده المؤمنين، حسبما تقتضيه حكمته في العفو.

والتوبة أرجى في الغفران مِنْ تَرْكِها

والحسناتُ يذهبن السيئات.

والمقصود من الشرك باللهِ: الكفر به مطلقا. فيشمل نسبة الوالد أَو الصاحبة إليه سبحانه وتعالى، وإنكار وجوده. كأولئك الذين يؤمنون بأَن الطبيعة هي التي أَوجدتهم: قَاتَلَهُمُ الله أنى يُصْرَفُون!!

وإِنما ذكر الشرك في الآية؛ لأنه كان الاعتقادَ السائد في الجزيرة العربية، التي نشأت فيها الدعوة الإِسلامية.

وقد جاء تعميم هذا الحكم لكل كافر، في نحو قوله:{وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} (1) وقوله: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} (2) وقوله: {وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} (3).

{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} :

ومن يشرك باللهِ شيئًا من مخلوقاته، أو شيئًا من الشرك، أَو يكفر به بأي وجه، فقد بَعُد عن الحق، وعن العقل بُعدًا سحيقا، على الرغم من وضوح الأدلة الصارفة له عن شركه وكفره.

ثم شرع يقبح هذا الإشراك فقال:

117 -

{إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} :

المراد من الإِناث: الموتى، كما رواه ابن أَبي طلحة، والضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(1) إبراهيم، من الآية:2.

(2)

الإسراء، من الآية:8.

(3)

الفرقان، من الآية:26.

ص: 911

ويؤَيده، ما رواه ابن جرير، وابن أَبي حاتم عنه: أَنه قال: الإِناث كل شيء ليس فيه روح، مثل الخشبة اليابسة، والحجر اليابس. فمثل ذلك في حكم الموتى.

وبرأي ابن عباس. قال الحسن رضي الله عنه.

ورأَى آخرون: أَن إِطلاق الإِناث على معبودات المشركين، لضعفها وعدم نصرتها لهم، كما هو شأن الإِناث، لأَن العرب كانت تطلق الُأنثى: على ما ضعُفَت منزلته، أَو قلتْ فائدته. وكانت نساؤُهم لديهم من هذا القبيل.

وقال آخرون: إِن إِطلاق الأنثى على الوثن

لأَن ذلك كان تعبير العرب عنه. فقد رُوِيَ أَن كل حي من أَحياء العرب كان لهم صنم يعبدونه. وكانوا يقولون: أنثى بني فلان لأَنهم كانوا يزينونها بالحلي، كما تزين النساءُ.

والرأيان الأَولان أَجدر بالقبول، فإن المقصود، هو ذم هذه الأَوثان من جهة ضعفها عن جلب المنافع أَو دفع المضار، لا من جهة الأُنوثة.

والمعنى: ما يعبدون - أَو ما ينادون لحوائجهم - إِلا آلهة تشبه الأَموات أَو الإِناث، في ضعفها وعدم استجابتها لحاجة عابدها أَو داعيها - وما يعبدون أَو ما ينادون في الواقع إِلا شيطانا شريرًا. عاتيا متمردا، خارجا عن الطاعة. وهو إِبليس فهو الذي زَيَّنَ لهم دعاءها وعبادتها فأَطاعوه، فكانت طاعتهم له عبادة.

118 -

{لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} :

المعنى: طرده الله عن جنته وعن رحمته، لتمرده. واستكباره عن طاعة ربه. حين أَمره بالسجود لآدم، إعظاما لخلق الله إياه. ثم وسوس له بمختلِفِ أَلوانِ الإِغراءِ: حتى عَصَى الله، فأَكل من الشجرة التي حرَّمها عليه. ولذلك أَخرج الله إِبليس من الجنة مذموما مدحورا، محروما من رحمة الله في عاجله وآجله.

وبعد أَن أنزل الله به لعنته وطرده، قال يخاطب الله تعالى:{لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} يريد: توكيد استيلائه - بالوسوسة - على إرادة أَبناءِ آدم عدوه، حتى يسخرها في سبيل الغوَاية والفساد عقيدة وعملًا، حتى كأنهم نصيبٌ مفروض

ص: 912

مقسوم له: يفعل فيه ما يشاءُ .. وكأَن هذا اللعين ظن أَمرهم سيصير إِلى ذلك، بسبب استجابة أَبيهم آدم لإِغوائه في لحظة ضعف. فهم من طينة أَبيهم.

ومما يؤسف له، أَن هذا اللعين، صدَّق عليهمِ ظَنَّه: كما قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (1).

119 -

{وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ

} الآية.

المعنى: يؤَكد الشيطان اللعين، توكيدا بعد توكيد أَنه سيُضِل عباد الله عن الحق، وأَنه سيُمَنِّيهِم بالأَماني الباطلة، كعدم البعث، وعدم الحساب والعقاب. وما يوسوس به إِليهم من الكفر والمعاصي، كإِيهامهم أَن الديانات باطلةٌ، وما جاءَت به من الوعيد والجزاءِ باطل، وأَنها من صنع الذين جاءوا بها.

ويؤكد الشيطان أَنه سيأمرهم بتبكيت آذان الأَنعام فيطيعون أَمره

وتبكيتُ آذانِها: تقطيعُها أَو شَقُّها. وقد حققوا ظنه، فقد أَمرهم بذلك ففعلوا. إِذ كانوا يقطعونها أَو يشقونها زاعمين - كما وسوس لهم - أَن ذلك يرضي أوثانهم.

فقد كانوا في الجاهلية يقطعون آذان الناقة إِذا ولدت خمسة أَبطن خامسها ذكر، ويحرمون ركوبها والحمل عليها، سائر وجوه الانتفاع بها.

{وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} :

أي: ولآمرنهم بتغيير خلق الله فَيستجيبون ويغيرونه، كما في خَصْيهِم للعبيد، وكالوشم، وترجل النساءِ، وتخنس الرجال، وإِتيان الذكور كما تؤتى الإِناث، وفقء عين الفحل من الإبل، إِذا أدرك نتاجَ نتاجه، أي إِذا عاش إِلى أَن رأَى ولد ولده. ويقال له حينئذ: الحامي. ونحو ذلك من تغيير خلق الله.

وقد اختلف العلماءُ في خصاءِ البهائم، فرخص فيه جماعة إِذا قصدت فيه المنفعة.

وجمهور العلماءِ على جواز الأضحية من الأَنعام المخصية، فإِن الخصاء يطيب اللحم.

ورخص عمر بن عبد العزيز، في خصاء الخيل

وخَصَى عروة بن الزبير بَغْلًا له.

(1) سبأ، الأية:20.

ص: 913

وإِنما جاز ذلك؛ لأَنه لم يُقصد به التقرب إلى الأَصنام، بل قصِد به تطيِيب اللحم فيما يؤْكل، وتقوية الذكر إذا انقطع أَمله عن الأنثى.

وكرهه بعضهم.

وقال الأَوزاعي: كانوا يكرهون خصاءَ كل شىءٍ له نسل. واختاره ابن المنذر.

وقال: فيه حديثان؛ أَحدهما: عن ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خِصاءِ الغنم والبقر والإِبل والخيل". والآخر: "نهى عن صبر الحيوان (1) وخصاء البهائم".

قال القرطبي: والذي في الموطإِ من هذا الباب، ما ذكره عن نافع، عن ابن عمر:"أَنه كان يكره الإخصاءَ (2). ويقول: فيه تمام الخَلْقِ".

قال أَبو عمر: يعني في ترك الإِخصاءِ تمام الخلق. وروى: (نماءُ الخَلْقِ) ثم ذكر القرطبى حديثا عن نافع عن ابن عمر قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تخصوا ما ينمى خلق الله (3) ".

وأما خصاءُ الآدمي فحرام؛ لأَنه يقطع قوته ونسله، الذي به بقاءُ الجنس البشري.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} (4). ولأن فيه مُثْلَةً. والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها.

وخُصَّ من تغيير خلق الله أمورٌ مأذونٌ فيها من السنَّة: كالختان ووسم البهائم لحاجة.

والوَسْمُ: هو كَيُّ البهائم بمكواة يسمونها الميسم.

جاءَ في صحيح مسلم عن أَنس قال: "رأَيت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الميسَم وهو يَسِمُ إبل الصدقة والفيء، وغير ذلك. حتى يَعْرِفَ كلَّ مال فيؤَديَ فيه حقه، ولا يتجاوزَ به إِلى غيره".

كما استثنى منه الخضاب بالحناء. إلى غير ذلك مما هو مبسوط في الموسوعات.

ويرى بعض العلماءِ: أَن المراد من: "تغيير خلق الله، هو تحويله عن وجهه الذي خلقه الله لأجله، فالشمس والقمر والنجوم والنار والأَحجار، خلقت للاعتبار بآياتها والانتفاع بفوائدها، فغيَّرَها الكفار، فجعلوها آلهة معبودة.

(1) القتل صبرا: هو أن يحبس ويرمى حتى يموت.

(2)

لعله الخصاء لأن فعله ثلاثي.

(3)

رواه الدارقطني وغيره.

(4)

أول سورة النساء.

ص: 914

والأنعامُ خُلِقَتْ لِتُركب وتُؤْكَل. فحرَّموها على أنفسهم .. وكل ذلك باتباع الشيطان.

{وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} :

ومن يجعل الشيطان صاحبا يتبعه وينقاد له، متجاوزا أوامر الله تعالى، بإيثار ما يدعو إليه الشيطان عام ما يأمر به الله، والاغترار بوعوده، فقد خسر خسرانا بينا واضحًا.

وأي خسران أظهر وأَبين، من خسران مَنْ صادَق عدو الله وعدوه وعادى مولاه المنعم، واستخف بغضبه وعذابه؟.

120 -

{يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} :

المعنى: يعد الشيطان عباد الله على معصيته أحلى الوعود المكذوبة، ويمنيهم بأحلى الأماني الباطلة. وما يعدهم الشيطان ولا يمنيهم إِلا غرورا وإيهاما، وغشًّا وخداعا، فوعوده كاذبة، وأمانيه فارغة.

وتلك الوعود يلقيها الشيطان إما بالخواطر النفسية المخالفة لشرائع الله، أو بلسان أَوليائه.

121 -

{أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} :

المعنى: أولئك الذين يتخذون الشيطان وليا من دون الله، ويصدقون وعوده وأمانيه وغروره، مآلهم ومستقرهم جهنم، ولا يجدون عنها معدلا ومهربا ينجيهم من عذابها.

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122)} .

المفردات:

{خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} : مقيمين في الجنة دائمًا لا يبرحونها.

{قِيلًا} : أي قولا.

ص: 915

التفسير

122 -

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

} الآية.

لَمَّا بيَّن الله تعالى في الآيات السابقة سوءَ مصير مَن يتخذ الشيطان وليا من دون الله، أَتبعه بيانَ حسنِ مصيرِ مَنْ يتخذ الله وليا.

وبضدها تتميز الأشياءُ.

والمعنى:

{وَالَّذِينَ آمَنُوا} : باللهِ ورسوله، وبما جاءَ به عن ربه.

{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} التي جاءَ بها القرآن العظيم، أَو بيَّنها الرسولُ الكريم.

{سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : ينعمون فيها بما لا عين رأَت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

{خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} : لا يبرحونها ولا يتحولون عنها، وخلودهم فيها بلا موت، ونعيمهم فيها بلا فوت.

{وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا} : لا خلف فيه. {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} (1) وذلك على العكس من وعود الشيطان الكاذبة، وأمانيه الفارغة، فكلها غرور وأَباطيل، وغش وخداع. فهو لا يملك من ملك الله فتيلا، ولا يستطيع أَن يحقق من وعوده نقيرا ولا قطميرا، فلا ينبغي لعاقل أَن يغتر بوساوسه، حتى لا يندم حين لا ينفع الندم.

{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} :

ومن أَصدق من الله قولًا ووعدا؟! فهو الذي إِذا قال صدق، وإِذا وعد وفى، فعنده خزائن السموات والأَرض. يقول للشيء كن فيكون. فليس أَصدق منه سبحانه وتعالى قولًا.

(1) الأحزاب، من الآية:37.

ص: 916

{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)} .

المفردات:

{بِأَمَانِيِّكُمْ} : الأَماني، جمع أمنية. وخلاصة ما قاله الراغب في معناها: أَنها هي الصورة الحاصلة في النفس، المترتبةُ على التمني. أَما التمني: فهو الرغبة الشديدة في شيءٍ يقدره الشخص في نفسه.

{وَلِيًّا} : أَحدا يَلِي أَمر الدفاع عنه بالقول.

{وَلَا نَصِيرًا} : ينصره ويمنعه بالقوة من العقاب.

{نَقِيرًا} : النقير هو النقرة في ظهر النواة. وهو مثل يضرب للقلة والحقارة.

{أَسْلَمَ وَجْهَهُ} : الوجه هنا. مجاز عن الذات أي: أَخلص ذاته ونفسه لله.

{حَنِيفًا} : مائلا عن الأَديان الباطلة.

{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} : الخليل - كما قال الزجاج -: هو من ليس في محبته خلل .. أ. هـ. فمعنى اتخاذ الله إبراهيم خليلا: أَنه تعالى، أَحبه حبًّا تامًّا لا نقص فيه، واصطفاه اصطفاءً كاملا.

{مُحِيطًا} : عليما شامل العلم.

ص: 917

التفسير

123 -

{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ

} الآية.

لما بيّن الله سوءَ مصير من اغتر بوعود الشيطان وأَمانيه الكاذبة، وعقبه بذكر حسن مصير المؤمنين الصالحين، أَتبع ذلك بيان أَن الأَمر - بعد الموت - لا يكون بالتمني من هؤُلاء وأولئك، بل يكون بالعمل الصالح، فإن الآخرة هي دار الجزاء

والجزاءُ من جنس العمل. قمن يعمل سوءًا يجز به سوءًا، ومن يعمل خيرا يجز به خيرا. ولا يظلم ربك أَحدا.

سبب النزول:

أَخرج ابن جرير وابن أَبي حاتم، عن السدى، قال: التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى فقال اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم. ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إِلا من كان هودا وقالت النصارى: مثل ذلك. فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم. ونبينا صلى الله عليه وسلم بعد نبيكم، وديننا بعد دينكم. وقد أمرتم أَن تتبعونا وتتركوا أَمركم. فنحن خير منكم، ونحن على دين إِبراهيم وإِسماعيل وإِسحق. ولن يدخل الجنة إِلا من كان على ديننا فأَنزل الله {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ

} الآية.

وقال القرطبي: مِن أَحسن ما قيل في سبب نزولها، ما رواه الحكم بن أبَان، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: قال اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان منا، وقالت قريش: ليس نبعث فأَنزل الله: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ

} الآية.

وليس هناك ما يمنع نزول الآية للسببين، فحكمهما عام: للمسلمين وأهل الكتاب والمشركين ومن في حكمهم من سائر الكافرين. كما سيتضح في الكلام على المعنى.

والمعنى: ليس الفوز بدخول الجنة والتقلب في نعيمها الذي وعده الله الصالحين، حاصلا بأَمانيكم - أَيها المسلمون - ولا بأَماني أَهل الكتاب، فإِن الأَماني - وحدها - لا تحقق هذه الغاية العظيمة. وإِنما يحققها - مع الإِيمان - العمل الصالح. أَما العمل النافع وحده فلا يحققها؛ لخلوه من قصد وجه الله تعالى، وهذا يستلزم الإِيمان. كما أَن عدم البعث ليس بأماني من

ص: 918

أَنكروا البعث، فإنه حاصل، وسيجزى بعده الناس على أَعمالهم:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (1) ولذا قال الله بعده:

{مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} :

من يعمل عملا سيئا، سواءٌ أكان من كسب القلوب كالكفر والحقد والحسد، وسوءِ الظن بالمسلمين، أَم كان عن كسب الجوارح كالقتل والسرقة وأَكل مال اليتيم، والتطفيف في الكيل والميزان - يعاقبه الله عليه بما يسوءُه، ولا يجد له أَحدا ينقذه منه. مِن وليٍّ يدافع عنه بالقول والشفاعة، أَو نصير ينصره بالقوة

فالكل مَقْهور لله الواحد القهار.

ولما نزلت هذه الآية، كان لها أَثر شديد في نفوس المؤمنين.

يصوره ما أَخرجه الترمذي وغيره، عن أَبي بكر رضي الله عنه أَنه قال للرسول صلى الله عليه وسلم بعد أَن سمعها:"بِأَبي أَنتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، وَأيُّنَا لَم يَعْمَلْ سُوءًا، وَإِنّاَ لمَجزِيُّونَ بكل سُوءٍ عَمِلْنَاه" وما أَخرجه الإِمام مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: "لما نزلت هذه الآية، شق ذلك على المسلمين، وبلغت منهم ما شاءَ الله تعالى - فشكوا ذاَك إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: سَدِّدوا وقَارِبُوا، فَإنَّ كُلَّ مَا أَصابَ المسلِمَ كَفَّارةٌ، حتى الشوكةَ يُشاكُهَا، والنَّكْبةَ يُنكبُهَا".

ومن هذا الحديث، نفهم أَن الله تعالى، يكفر الخطايا بالبلايا - صغرت أَم كبرت - والأَحاديث الواردة في هذا كثيرة.

ولهذا أَجمع العلماءُ، على أَن مصائبَ الدنيا وهمومَها - وإِن قلت مشقتها - تكفَّرُ بها الخطايا، إِذا صبر صاحبها.

والأَكثرون على أَنها تُرفَع بها الدرجات، وتكَفَّر بها السيئات.

وهو الصحيح المعول عليه.

ومما صح في ذلك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنه قال:"ما من مُسلِمٍ يُشَاك شَوْكَةً فما فَوقَها إِلا كُتِبتْ له بها دَرَجَةٌ، ومُحِيتْ عَنْه بِها سَيِّئَةٌ". أَورده الآلوسي.

(1) الزلزلة: الآيتان الأخيرتان.

ص: 919

124 -

{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} :

المعنى: ومن يعمل شيئا من الأَعمال الصالحات - من الذكور أَو الإِناث - في حال إِيمانه فأولئك المؤمنون الصالحون يدخلون الجنة، جزاءَ إيمانهم وعملهم الصالح، ولا ينقصون شيئًا من الثواب على أَي عمل، ولو كان مشبها للنقير في القلة.

وكما أنه لا ينقص من ثواب المطيع، لا يزاد في عقاب العاصي. فعدالة الله واحدة.

بل العاصي أَولى بذلك؛ لأَن الأَذى بزيادة العقاب، أَشد من انقاص الثواب. فإِذا لم يرض الله - سبحانه - بنقص الثواب، فإنه لا يرضى بزيادة العقاب بالأَولى - فهو الرحمن الرحيم العادل الكريم.

وإنما فصلت الآية فقالت: {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} : مع شمول {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ} : لهما جميعًا. لئلا يتوهم متوهم خصوص هذا الحكم بالذكور، وإن كان هذا الوهم ضعيف البنيان، ولأَن فيه اعتبارًا للمرأَة التي كانوا ينتقصون حقها في الجاهلية. والنقير كما تقدم في المفردات: نقرة في ظهر النواة. يضرب بها المثل في أدنى الأُمور وأَصغرها.

125 -

{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ

} الآية.

الاستفهام في قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ} بمعنى: النفي الإنكاري.

والمعنى: لا يوجد أحسن - في الدين - ممن أَخلص نفسه وذاته لله، فلم يعرف لها ربًّا سواه، ولم يتوجه بوجهه لغيره سبحانه، ولم يخضع في سجوده إِلا له عز وجل: يفعل ذلك كله وهو محسن في عمله، بأَلا يترك واجبًا، ولا يفعل محرمًا.

{وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} :

المراد من اتباع ملة إبراهيم: اتباع ملة الإسلام، فإنما هو ملة إِبراهيم عليه السلام في العقائد وأصول الأحكام. فمن اتبعها فهو متبع للإسلام الذي جاءَت به ملة إبراهيم. ومن اتبع سواها فليس له من اتباع ملة إبراهيم نصيب، فقد حاد عنها أَهل الكتاب بما بدلوا وغيَّروا من أصول شريعته الموجودة في شرائع الأنبياءِ المرسلين: قبله وبعده، كما حاد عنها المشركون.

ص: 920

وأَشدُّ ما حاد عنه أَهل الكتاب، تنزيه الله عن الصاحبة والولد والشريك. فقد جعلوا له صاحبة وولدا، وأَشركوه معه في التقديس، كما أَشرك به المشركون أَنصابهم وسائر آلهتهم فأَي فارق بينهم وبين المشركين في ذلك؟! وكفروا بعصمة الرسل، وأَلصقوا بهم أَحقَرَ التُّهَم، وحرَّموا ما أَحل الله، وأَحلوا ما حرم، وغيروا وبدلوا في كتبهم، ما شاءَ لهم هواهم ..

وإِذا كان أَمرهم وأَمر المشركين كذلك، فلا تغنيهم - جميعًا - دعواهم أَنهم على ملة إبراهيم، فإِن ملته - عليه وعلى نبينا أَفضل الصلاة والسلام - لا تقرهم على هذه المآثم وسواها فهو حنيف. أي مائل الباطل، مقرٌّ للحق الذي جاءَ به النبي صلى الله عليه وسلم تصحيحا للعقائد وأصول الأَحكام الشرعية، وإعادةً بها إلى دين إِبراهيم الذي حرفه هؤُلاء وأولائك.

وإنما قلنا: إِن العقائد وأصول الأَحكام مشتركة بين شرائع المرسلين دون فروع الأحكام، لأَن هذه الفروع، لابد من اختلافها في الصورة والعدد والمواقيت وغير ذلك. مما يناسب الأمة والعصر الذي بعثوا إليها فيه.

وفي ذلك يقول الله - تعالى -: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (1).

{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} :

أي أَحب الله إبراهيم حبا كاملًا، لا خلل فيه ينقصه عن الكمال.

ويجوز أَن يكون المعنى: أَنه تعالى خصه بكرامة تشبه كرامة الخليل لخليله.

والسبب في اتخاذ إبراهيم خليلا، ما أَظهره من الفقر والحاجة إلى الله تعالى - في شدته ورخائه، وانقطاعه إليه، وعدم التفاته إِلى سواه في محنته. فقد آثر عقيدته - في ربه - على نجاته من النار، التي أراد قومه إِلقاءَه فيها. بسبب توحيده. وعادى - من أَجل ذلك - أَباه، وهَمَّ بذبح ولده الوحيد، امتثالا لأَمر مولاه.

وليس في الآية ما يفيد قصر الخُلَّةِ على إبراهيم عليه السلام فقد اتخذ الله نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم خليلًا أَيضا.

(1) المائدة، من الآية:48.

ص: 921

ومما يدل على ذلك، ما رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود: أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَوْ كُنتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذت أَبَا بِكْرٍ خَلِيلًا. وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللهُ صاحَبكُمْ خَلِيلًا" والمراد بصاحبهم، هو نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم.

وقد بلغ نبينا في الخلة أَعلى درجاتها. حتى كان سيد ولد آدم يوم القيامة.

وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أَنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ. وَبِيَدِي لِوَاءُ: الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ. وَمَا مِنْ نبِيٍّ يَوْمَئِذٍ - آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ - إلَّا تَحْتَ لِوَائي. وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّل مُشَفَّعٍ. ولَا فَخر"(1).

126 -

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} :

هذه جملة مستأْنفة؛ لبيان أَن اتخاذه عز وجل لإبراهيم خليلًا، ليس لاحتياجه إلى خلته في شأن من شئونه، بل ذلك لتكريمه وتشريفه.

والمعنى: ولله ملك السموات والأَرض وما فيهن: له كل ذلك خلقا وملكًا. وتدبيرا وتصرفا، ليس له في ذلك شريك أَو معين .. وكان الله بكل شيء موجود - أَو سيوجد في هذا العالم - محيطا إِحاطة علم وتدبير. لا تغيب عن علمه ذرة في ذاتها وأحوالها وما ينبغي لها وما ليس في مصلحتها. ومن كان كذلك. لا يغيب عن علمه سيءٌ ولا محسن. فيجزي كلاًّ بما كسبت يداه.

(1) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة.

ص: 922

{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)} .

المفردات:

{الْكِتَابِ} : القرآن.

{يَتَامَى النِّسَاءِ} : اللائي لا حول لهن.

{وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} : تطمعون في ما لهن من الميراث والصداق، فتتزوجونهن لذلك، أو تمنعونهن من الزواج ويعضلونهن لذلك.

{وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} : الأطفال اليتامى.

{بِالْقِسْطِ} : بالعدل.

التفسير

127 -

{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ

} الآية.

الربط: في هذه الآية - وما تلاها - رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساءِ واليتامى.

وكان المسلمون قد بقيت لهم أحكام، سبق لهم السؤَال عنها، فلم يجبهم الرسول صلى الله عليه وسلم انتظارا للوحي.

روى أشهب عن مالك رضي الله عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسْألُ فلا يجيب، حتى ينزلَ عليه الوَحْيُّ، وذلك في كتاب الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ

}، {

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ (1)

} و {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ (2)

}، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ (3)

" أ. هـ.

(1) البقرة، من الآية: 220

(2)

البقرة:، من الآية: 219

(3)

طه، من الآية: 105

ص: 923

سبب النزول:

أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جبير، قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئًا، فلما نزلت المواريث في سورة النساء، شق ذلك على الناس، وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال، والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث الرجل؟! فَرَجَوْا أَن يأتي في ذلك حَدَثٌ من السماءِ. فانتظروا، فلما رأَوا أنه لا يأتي حدث قالوا: لئن تم هذا، إنه لواجب ما عنه بُدٌّ. ثم قالوا: سَلُوا .. فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ورُوِي غير ذلك في سبب النزول ورجح هذا شيخ الإسلام أبو السعود، كما قاله الآلوسي.

ونحن نقول: إن سبب النزول لا يقتضي أنهم لم يسألوا إِلا عما جاء فيه، بل سألوا عن غيره أيضا، ولهذا تضمنت الفتوى جواب سؤَالهم الوارد في سبب النزول، كما تضمنت عدة أحكام، ستأتي في الآيات التالية، تتعلق بأمر النساء.

{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} :

المعنى: ويستفتيك المسلمون - يا محمد - في أحكام الإناث، فيطلبون منك بيان ما يُشْكِلُ عليهم من أحكامهن، مما يجب لهن أو عليهن.

{قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} :

المعنى: قل الله يفتيكم في حكمهن ويبينه لكم، وكذا ما يتلى في أمرهن، مما سبق نزوله قبل هذه الآية، فهو أيضًا يفتيكم، ويبين لكم الحكم الشرعي الذي تسألون عنه.

والمقصود من الآية الكريمة: أن الله سيفتيكم - مستقبلا - فيما لم ينزل حكمه من شأن النساء، وأن ما سبق نزوله فيهن ويتلى عليكم، تظل الفتيا أيضًا في أمرهن، فيكتمل بالفتاوى - السابقة واللاحقة - أحكامهن المشروعة.

وقد أشار المولى سبحانه بقوله:

{وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ

} الآية: إلى ما سبق في صدر هذه السورة عنهن وعن المستضعفين من الولدان، ابتداءً من قوله: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ

} الآية. إلى آخر آيتي المواريث.

ص: 924

{فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} :

أي: ويفتيكم أيضًا فيما يتلى عليكم في شأن يتامى الإناث، اللاتي لا تؤتونهن أيها الأولياءُ ما كُتِبَ لهن من الميراث والصداق، وقد رغبتم في الزواج بهن، طمعا في الميراث والصداق. فقد أوجب عليكم فيما نزل بشأنهن أَول السورة - أن تقسطوا في شأنهن، بألا تطمعوا في أموالهن الموروثة، وأن تعطوهن من الصداق أَعلى سنتهن، وتعدلوا بينهن وبين ضراتهن: في القسم والنفقة وحسن العشرة

أو يكون المعنى: وإن أنتم رغبتم عن الزواج بهن، فلا تعضلوهن عن الزواج بغيركم، طمعًا في أَموالهن (1).

{وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} :

أي: ويفتيكم فيما يتلى عليكم في شأن المستضعفين من الأولاد والصغار اليتامى: ذكورا وإناثًا. فقد أوجب عليكم - فيما سبق - أن تحافظوا على أموالهم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم، وأفهمكم أن أَكل أموالهم ذنب كبير، وأَوجب عليكم أن تؤدوا أموالهم إليهم عند بلوغهم رشدهم، دون مماطلة.

وبالجملة، فقد أوجب عليكم - هنا، وفيما مر في صدر هذه السورة - أن تقوموا لليتامى بالقسط والعدل، في أمرهم كله. فلا تحاولوا أن تعودوا لما كنتم عليه في الجاهلية، من توريث الرجال الذين يدافعون عن القبيلة وحرمان الصغار والنساء، فذلك جَوْرٌ لا يوافق عليه الإسلام ولا يقره (2).

{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} :

أي: وما تفعلوا - أَيها الأولياءُ - من خير في حقوق من تقدم ذكرهم، فإن الله كان به عليما قبل أن يخلقكم، كما هو عليم به عند فعلكم له، فيجزيكم عليه خير الجزاء.

وإنما اقتصرت الآية على ما يفعلونه من الخير، مع أنه يعلم ما يفعلونه من شر أيضا، ويجازى عليه بمثله، للإِيذان بأن الشر لا ينبغي أن يقع منهم، وتحريضا على فعل الخير والاستدامة عليه.

(1) راجع ما كتبناه في تفسير الآية (3) في سورة النساء.

(2)

راجع ما كتبناه عن ذلك في شرح الآيات الواردة في شئون اليتامى والمواريث العامة للذكور والإناث صغارًا كانوا أم كبارا ابتداء من الآية رقم (2) إلى نهاية الآية رقم (12) من سورة النساء.

ص: 925

وتكرار هذه الوصية باليتامى والنِّساء الضعاف - مع ما سبق في أول السورة - لاجتثاث ما عسى أن يكون عالقا بالرجال من أطماع في أموال الضعاف من يتامى النساء والولدان.

{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)}

المفردات:

{خَافَتْ} : علمت أو توقعت.

{بَعْلِهَا} : زوجها.

{نُشُوزًا} : أي ترفعا (1).

{أَوْ إِعْرَاضًا} : أي ميلا وعدم اهتمام.

{فَلَا جُنَاحَ} : فلا حرج ولا إثم.

{وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} : أي جُعِلَ الشح حاضرا في الأنفس ملازما لها، والشح: البخل الشديد.

{كَالْمُعَلَّقَةِ} : المرأة المعلقة؛ هي التي ليست مطلقة ولا صاحبة زوج، كما قال ابن عباس رضي الله عنه. أَو هي المسجونة. كما قال قتادة رضي الله عنه.

{يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} : أي يُغْن الله كليهما من غناه الواسع.

(1) وفعله: نشز ينشز، بوزن: يمكر، ويعرف.

ص: 926

التفسير

128 -

{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا

} الآية.

الربط:

لا تزال الآيات متصلة بشئون النساء.

سبب النزول:

أخرج الحاكم في مستدركه، عن عروة بن الزبير، عن أَبيه، عن عائشة رضي الله عنها أَنها قالت له (1): يابن أختي (2)، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا. وكان قَلَّ يومٌ إلا وهو يطوف علينا فَيَدنُوَنَّ من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى من هو يومها، فيبيت عندها. ولقد قالت سودة بنت زمعة - حين أسَنّت - وفَرِقَت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة: ففي ذلك أَنزل الله {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا

} الآية.

ومثل ذلك رواه أبو داود رضي الله عنه.

والمعنى: النشوز والإِعراض يصح أن يوصف كل من الزوجين بهما.

وقد سبق الحديث عن نشوز المرأَة في الآية (34) من هذه السورة.

أما هذه الآية، فقد تحدثت عن نشوز الزوج وإعراضه .. والمقصود من نشوزه، ترفعه عن صحبتها والإِبقاء عليها. والمقصود من إعراضه عنها: عدم اهتمامه بها، وهو أخف - في التباعد عنها - من النشوز.

ولكل منهما أَسبابه، كتقدم الزوجة في السنن، وعقمها، وذبول جمالها، وتغير طباعها، وإهمالها لمنزلها، وتقصيرها في رعاية أولادها، وامتداد يدها إلى مال زوجها، وخروجها من المنزل بغير إذنه تباعا، رغم تحذيره لها من ذلك: إلى غير ذلك من الأسباب التي تأتي من خاصيتها.

(1) أي قالت لعروة بن الزبير.

(2)

فهو ابن أختها أسماء.

ص: 927

وقد يكون نشوز الزوج وإِعراضه عن زوجته بأسباب من غير جهتها، كتأثير ضرة عليه في كراهيتها، أو ظهور امرأَة أخرى لم تكن من قبل في جوهما، فلما تزوجها غيرت مجرى حياتهما، وجرت معها الأمور على غير ما تُشْتَهَى من نشوز أو إعراض.

وكما أَن لكل من النشوز والإِعراض أسبابًا، فإن لكل منهما علاماتٍ وأمارات.

فأمارات النشوز كثيرة، منها: الغلظة والجفاءُ، والضرب، والسب، والتهديد بالطلاق، وأَن يمنعها نفسه ونفقته ومودته. ونحو ذلك.

وأمارات الإِعراض عديدة: كأَن يقلل من محادثتها ومؤَانستها، ويتساهل في تحقيق رغباتها.

والإِعراض يسبق النشوز عادة، فإِذا استمر، أَدَّى إلى النشوز، وإذا استمر النشوز، انتهى إلى الطلاق، كما هو معروف في عادات الناس.

والمراد من خوفها من نشوز الزوج أَو إِعراضه، علمها بذلك، بما بدا لها من أَمارات يقينية أَو توقُّعها إِياه، بما بدا لها من أمارات ظنية.

ولمّا كانت الآية نزلت في شأن امرأَة تخاف نشوز زوجها أو إِعراضه عنها، فذلك يقتضي أنها حريصة على بقائها معه، ويخيفها ما بدا لها منه أَن ينتهى بها إِلى عاقبة لا ترضاها لنفسها، فلذا لم يمنعها الشارع من أَن تتساهل في بعض حقوقها؛ ليتحقق لها ما أَرادته من بقائها معه. فإِنه سبحانه وتعالى لا يحب أَن تُحْرَم زوجةٌ من بقائها مع زوجها الذي أحبته، وأَن تفجع بفراقه، وذلك بقوله تعالى:

{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} :

أي: فلا إِثم على الزوجة فيما تفعله لإِصلاح ما بينها وبين زوجها، من إِعفائه من صداقها أَو نفقتها أَو بعضهما، أَو من مسكن أَو كسوة، أَو فيما تعطيه من مالها، أَو فيما تنزل له عنه من نصيبها في القسم، ليعطيه لإِحدى ضراتها: لكي يبقى عليها، ولا إِثم على الزوج في قبول ذلك منها، فإِن ذلك لا يعتبر رشوة مؤَثمة لكليهما. حتى يتحرجا منه. بل يعتبر سبيلا إِلى عودة المودة، واستمرار الزوجية بينهما. وذلك

ص: 928

أسمى - في نظر الدين - من تلك الماديات اليسيرة، التي تعينت سبيلا لعودة المودة بينهما.

قال ابن عباس: "فما اصطلحا عليه من شيءٍ فهو جائز"(1).

{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} :

أي: والصلح بينهما، خير من الجفاء والإعراض، فقد ينتهيان - لو لم يكن الصلح - إلى عاقبة بغيضة لديهما، أو لدى أحدهما.

وفيما يلي تفسيرات مأثورة تزيد الآية وضوحا، وتؤَكد الغرض المقصود منها في نفس القاريء:

روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، في تفسير الآية أَنها قالت:"الرجلُ تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها فتقول: أجعلكَ من شأني في حل".

وروى الشيخان عنها أنهما قالت: "هو الرجل يكون له المرأَتان: إحداهما قد كبرت أو هي دميمة، وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني".

وروى ابن أبي حاتم، عن أبي عَرْعَرَة، قال:"جاء رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فسأله عن قول الله عز وجل: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} قال على - كرم الله وجهه -: يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها، من دمامتها أو كِبَرها، أو سوءِ خُلُقِها أَو قَذَرِها، فتكره فراقه، فإِن وضعت له شيئًا من مهرها حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرَج".

وبمثل هذا، فسرها ابن عباس ومجاهد والشعبي وابن جبير وكثير من السلف والأئمة، رضوان الله عليهم أجمعين.

{وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} :

لما رغب الله في الصلح بقوله: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} عقبه بقوله: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} : لبيان العذر في المماكسة والمشاقَّةِ. وهو أن النفس من طبعها الشح والحرص.

(1) رواه أبو داود والطيالسي.

ص: 929

والمعنى: وجُعل البُخل والحرص على النفع الذاتي، حاضرًا في الأنفس ملازمًا لها. لا يغيب عنها؛ لأَنه من طبعها، فلذا لا تكاد الزوجة تُفَرِّط في حقوقها عند الزوج. ولا يكاد الزوج يجود بالإِنفاق وحسن المعاشرة لمن لا يريدها.

وإِذا كان ذلك هو ما فطر عليه الناس، فينبغي - لكل من الزوجين - أن يقدر حرص الآخر على مصلحته، فلا يهدرها تماما، فتُرضِي الزوجةُ حرصَ الزوج، بالبذل والتضحية، ويرضى الزوج حرص الزوجة، فلا يقسو عليها في مطالبه.

ثم ندب الله الأزواج إلى الإحسان والتقوي، فقال جل شأنه:

{وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} :

أي: وإِن تحسنوا عشرتكم - أَيها الأزواج - مع النساء، وتتقوا النشوز والإِعراض عن الزوجات، وعدم إكراههن على ترك شيءٍ من حقوقهن أو بذل ما يعز عليهن، وذلك بالتسامح واللين، وغض الطرف عما يدعو إلى الجفاء والإِعراض - فإِن الله كان - ولا يزال - بما تعملون من الإِحسان والتقوى خبيرا، فيجازيكم ويحسن ثوابكم.

29 -

{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ

} الآية.

المعنى: ليس في استطاعتكم ومقدرتكم إِقامة العدل التام بين الضرات، بحيث لا يقع منكم أي ميل لإِحداهن أكثر من الأخرى، ولو حرصتم على ذلك وبالغتم فيه، فإِن فُرِضَ أَنكم عدلتم في القسم والنفقة، فقد لا تعدلون في النظر والإِقبال والمؤانسة والحب، وغير ذلك. وتلك مسأَلة جِبِلِّيَّةٌ، لا سلطان للأَزواج عليها، مهما كان مقامهم من الدين.

وأحيانا يكون للمرأة أَثر في جذب الرجل إليها أَكثر من ضرتها؛ لبشاشتها ونظافتها، ومزيد إِخلاصها.

ومع هذا، ينبغي للإِنسان أَلَّا ينساق وراء الأَسباب الداعية إلى الميل، بقدر طاقتهِ وهنا، يعفى عما خرج عن الطوق.

أَخرج أَحمد والترمذي وأَبو داود، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فَيَعْدِلُ. ثم يقول: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فيما

ص: 930

أملِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أمْلِكُ" يقصد النبي بما يملكه الله: الحب والميل القلبي، فإنهما تحت سلطان الله وحده، ولا سلطان للبشر عليهما.

{فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} :

المراد بالميل هنا عدم العدل في القسم والنفقة، بسبب تفاوت الحب. أي فلا تجوروا كل الجور على من لا تحبون من النساء، بأن تمنعوها حقها في القسم والنفقة، وفي السكن والكسوة، من غير رضاها، واعدلوا بقدر ما استطعتم، فإن عجزكم عن كمال العدل، لا يمنع تكليفكم بما تستطيعون منه، بقدر طاقتكم.

{فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} :

أي: فلا تميلوا كل الميل عن العدل بين الضرات، فتحرموا بعضهن حقهن المقدور لكم، فتتركوها - بذلك - كالمرأَة المعلقة، لا هي مطلقة فَتَرضى بطلاقها، وتسكن بانفرادها عن الزوج: أَو تتزوج من تشاءُ. ولا هي ذات زوج يعطيها حقها كالزوجات، فأشبهت بذلك الشيء المعلق بآخر: فلا هو عام الأَرض فيستقر: ولا هو محمول على ما عُلِّق به فلا يتأَرجح.

وفسر قتادة. المعلقة: بالمسجونة.

والآية مشعرة بتوبيخ الذين لا يعدلون بين نسائهم، بقدر استطاعتهم.

ومن أَلوان العدل التي كان السلف الصالح يحرص عليها، ما رواه غير واحد، عن جابر رضي الله عنه أنه قال:"كانت لي امرأَتان: فَلَقَد كُنْتُ أعدِلُ بَينَهُمَا حَتى أعُدَّ القُبَل".

وعن مجاهد قال: كانوا يستحيون أَلَّا يسووا بين الضرائر في الطيب، يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه!!!.

وعن ابن سيرين في الذي له امرأتان: يُكْرَهُ أَن يتوضأ في بيت إِحداهما دون الأخرى.

وبالجملة، فالعدل واجب؛ في القسم والنفقة والسكنى والكسوة وكل ما هو ضروري كالعلاج، وهو سنةٌ فيما عداها.

ص: 931

والعدل فيما هو واجب، هو الذي ورد في تركه الوعيد، في قوله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأتانِ، فَمَالَ إلَى إحدَاهُما: جَاء يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ"(1).

{وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} :

هذه دعوة كريمة من الله تعالى، للأزواج المقصرين في حق نسائهم؛ ليعالجوا تقصيرهم في شأنهن.

والمعنى: وإن تصلحوا ما أفسدتم من شئون زوجاتكم، وتتقوا الميل عن العدل بينهن فيما تستقبلون من الزمان. فإِن الله كان - ولا يزال - عظيم الغفران، فيغفر لكم ما فرط منكم فيما مضى بإِحسانكم كما قال تعالي: "

إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبنَ السيئاتِ

" (2). كما كان - ولا يزال - عظيم الرحمة.

فلذا، تفضل عليكم بقبول متابكم، وإسباغ رحمته عليكم.

130 -

{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ

} الآية.

المعنى: وإِن لم يتصالحا، واتسعت شقة الخلاف بينهما. حتى وقعت الفرقة - بالطلاق - فإِن الله يغني كلا من الزوجين المفترقين، من غناه الواسع.

ولا شك أن تشريع الطلاق، تظهر حكمته جلية واضحة في هذه الحالة. فإِنه إِذا لم يكن في مقدور الزوجين أَن يعيشا في حب وسلام. وكانت الحياة بينهما مشحونة بالمتاعب، فإِن العاقبة ستكون سيئة بالنسبة إليهما، وإِلى أَولادهما الذين يشهدون المعارك القاسية - من آن لآخر - بين والديهم.

فالفراق - حينئذ - يكون ضروريا

كاستعمال مبضع الجراح لاتقاء أَخطار الفساد في الجسم.

وهذه الجملة تعتبر تسلية للزوجين عما أَصابهما من الفراق، وإشعارًا لهما، بأَن الله تعالى سيسلك بكليهما مسلكا يغنيه عن الآخر. فهو الكفيل براحة عباده؛ لكيلا يشتد حزنهما على فراقهما بعد عشرة.

(1) أخرجه أحمد، وأبو داود والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة.

(2)

هود، من الآية: 114

ص: 932

كما أنها تشعر بلوم مَنْ يتسبب في عرقلة الصلح منهما، حيث أفهمت المتشدد: أَن للطرف الآخر ما يغنيه - من عند الله - عن صاحبه.

{وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} :

أي: وكان الله - ولا يزال - واسع الغنى، كافيا لخلقه، حكيما مُتْقِنًا لأحكامه وأَفعاله.

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)}

المفردات:

{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا} : ولقد أمرنا أمرا مؤَكدًا.

{الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} : المراد بهم؛ أَهل الكتب السماوية السابقون جميعًا: اليهود، والنصارى، وغيرهم.

{حَمِيدًا} : مستحقا للحمد، وإن لم يحمده الحامدون.

{وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} : وكفى به قيما وكفيلا؛ تُوكَل إليه الأمور.

ص: 933

التفسير

131 -

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ

} الآية.

لما بين الله - تعالى - أن الزوجين - إن تفرقا - يغن كلا من سعته، أتبع ذلك ما يؤَكد به هذا الوعد الكريم، فقرر سبب تحقيقه وهو: أنه - سبحانه - له ما في السموات وما في الأرض، فإن من كانت بيده مقاليدهما، تحققت مواعيده لقدرته الواسعة، وحكمة تدبيره.

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} :

ولله ما في السموات وما في الأرض: خلقا وملكا وتصرفا. فلا يتعذر عليه إغناءُ الزوجين بعد فرقتهما، ولا إيناسُهُمَا بعد وحشتهما.

{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} :

ولقد أمَرْنَا كل مَن أوتِيَ الكتابَ من قبلكم، من أتباع الأنبياء السابقين - كما أمرناكم - بتقوى الله تعالى، فهي سر النجاح وصلاح الأمر كله. مَن أخَذَ بها استغنى وكف عن المآثم، ورغب في الخير، وعمل لمصلحته ومصلحة أسرته وأُمته.

{وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} :

وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض. ومن كان كذلك، فلن يضره كفركم ومعاصيكم، كما لا ينفعه إيمانكم وتقواكم. وما أمركم بالتقوى ونهاكم عن الكفر والمعاصى إلا لمصلحتكم؛ رحمةً بكم، لا لحاجته إلى عبادتكم.

{وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} :

وكان الله - قبل أن تكونوا، ولا يزال بعد ما كنتم - غنيا غير محتاج إلى سواه، مستحقا للحمد وإن لم يحمده الحامدون.

132 -

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} :

هذه الآية الكريمة، مؤَكدة لما قبلها، بإفادتها ما أَفادته من أَنه تعالى، يملك مقاليد السموات والأرض، مقررة أن أمر هذا الكون موكول إليه تعالى، ممهدة لما بعدها.

ص: 934

والمعنى: ولله ما في السموات والأرض: من أجزائهما وما استقر فيهما. ومَن كان كذلك، فكل ما فيهما محتاج إِليه تعالى، وهو غنى عنه بغناه الذاتي، وكفى باللهِ قيما على أمور السموات والأرض، موكولا إِليه شئونهما خلقا وتدبيرا، فلا يليق بعاقلٍ ألا يفعل ما أوصاه به من التقوى، فيلقى بزمام نفسه إلى شهواته وغرائزه الضارة، وينصرف بذلك عن المراشد.

133 -

{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ

} الآية.

المعنى: إن يشأ إذهابكم - أيها الناس - والإتيانَ بآخرين أفضلَ منكم، فإنه يفعل

ولا رادَّ لمشيئته. كما قال تعالى: {

وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ

} (1).

{وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} :

فإن مالك السموات والأرض، لا يعجزه تحقيق مشيئته. ومن كان أمره نافذًا في خليقته، فحقه أن يُتَّقَى ويُحذَرَ، ويُشكَرَ ولا يُكفَرَ.

فإذا كان قد أبقاكم على ما أنتم عليه من عصيان، فما ذاك إلا لاستغنائه عن طاعتكم وعدم تعلق مشيئته بإِفنائكم من رحمته بكم، لعلكم تثوبون إلى رشدكم، وتعودون إلى طاعة ربكم؛ لتنالوا ثوابه، وتتقوا عذابه، فمصارع الضالين قبلكم ماثلة أمامكم.

134 -

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ

} الآية.

بعد أن بين الله - في الآية السابقة - قدرته على أخذ العصاة بظلمهم ببيان، قدرته على إِفناء جميع الخلق، وإحلال غيرهم محلهم، أَوضح - في هذه الآية - السبيل الأمثل للطاعة. وهو أَداؤُها ابتغاءَ مرضاة الله، دون أَن يراد بها الذكر الحسن، وثناءُ الناس، وجرُّ المغانم. حتى ينالوا بالإخلاص - ثواب الدنيا والآخرة.

والمعنى: من كان يريد - بطاعته - ثواب الدنيا، كالجندي يريد بجهاده الثناءَ على شجاعته، والرقيَّ في الرتب العسكرية، وجَرَّ المغانم، وكالمزكي: يريد بزَكَاتِه الثناءَ عليه

(1) محمَّد، من الآية: 38

ص: 935

بالكرم، واكتسابَ مودةِ الناس، وحبَّ المساكين ورضاهم، وكالحاج يقصد بحجه التجارةَ أو الحصول على لقب "الحاج" بين الناس، فليعم هذا المقصر المبهور بزخارف الدنيا الزائلة: أن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة. فما له يطلب ثواب الدنيا وهو قليل فانٍ، ويحرم نفسه من ثواب الآخرة وهو جزيل باق .. قال تعالى: {

وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} (1). فليطلب العبد بطاعته ثوابهما معا، ويقول: {

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (2) أو ليطلب ثواب أشرفهما وأبقاهما!

قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ

} (3).

{وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} :

أي: وكان الله - ولا يزال - عظيم العلم بجميع المسموعات والمبصرات. وفي جملتها أَقوال عبادة. وأَعمالهم ونياتهم. فيجازى كلاًّ على حسب حاله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)}

(1) الشورى، من الآية: 20

(2)

البقرة، من الآية: 201

(3)

الشورى، من الآية: 20

ص: 936

المفردات:

{قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} : قائمين بالعدل مع المواظبة عليه، والمبالغة فيه.

{وَإِنْ تَلْوُوا} : وإن تميلوا أَلسنتكم بالشهادة، بالإتيان بها على غير وجهها.

{أَوْ تُعْرِضُوا} : أي تتركوا إقامتها أو تقيموها عَلى غير وجهها.

التفسير

135 -

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ

} الآية.

هذه الآية - والتي بعدها - فيهما امتداد للحديث عن العدل، الذي سبق طرف منه في الآيات السابقة. وبين الإِيمان والعدل رباط وثيق؛ لأن الإِيمان الصحيح، يقتضي إقامة العدل والقسط بين الناس.

والمعنى: يأَيها الذين آمنوا، كونوا مواظبين على العدل في جميع الأمور، مجتهدين في إِقامته كل الاجتهاد، لا يصرفكم عنه صارف. وكونوا شهداء لله ولو على أَنفسكم أَو الوالدين والأَقربين. وذلك بأَن تقيموا شهاداتكم بالحق خالصة لوجه الله، لا لغرضٍ من الأَغراض الدنيوية، مهما يكن أَجره، ولو عادت الشهادة بالضرر عليكم، أَو على الوالدين والأَقربين. فإِن الحق أحق أَن يتبع، وأَولى بالمراعاة من كل عاطفة وغرض.

{إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} :

أي: أن يكن المشهود عليه غنيا يُرْجَى نفعُه. أَو فقيرا يثير فقرُه الرحمة، فلا تتأَثروا بذلك كله في شهاداتكم. فالله أَولى بالأَغنياءِ والفقراءِ، وأَحق منكم برعاية ما يناسب كلا منهما. ولولا أَن أَداءَ الشهادة على وجهها فيه مصلحة لهما، لما شرعه الله. فراعوا أَمره - تعالى - فإِنه أَعلم بمصالح العباد منكم.

{فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} :

أي: فلا تتبعوا في شهاداتكم - على هذا أَو ذاك - هواكم: كارهين إقامة العدل في شهاداتكم من أَجل الرغبة في مصلحتهما؛ لأن اتباع الهوى والميل، ضلال لا يليق بالمؤمنين.

وإقامة العدل حق وهدى: يجب على المؤمنين - وجوبا مؤكَّدًا - أَن يتصفوا به.

ص: 937

{وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} :

أي: وإِن تميلوا ألسنتكم عن الشهادة - بالإتيان بها على غير وجهها الذي تستحقه، أو تعرضوا عنها، وتتركوا إقامتها وتهربوا من أدائها - فإن الله كان بما تعملون من معاداتكم للحق بأي وجه مما سبق - عليما فيجازيكم على ما اقترفتم.

هذا، وكما تحرم الشهادة: للغني أَو الفقير على غير وجهها، تحرم أيضا الشهادة إِذا كانت لغرض آخر كرعاية الجار، أو الطمع في جاهٍ أَو منصبٍ عند حاكم، أو انتصار لطائفة أو مذهب أو نحو ذلك. وما جاءَ في الآية، إنما هو من باب ضرب المثل.

وقد التزم المسلمون الأولون، مراعاة العدل التام، فلم يفرقوا بين من كان على دينهم ومن خالفهم - اتباعًا لأهوائهم.

ومن هذا قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم. فقال: والله، لقد جئتكم من عند أَحب الخلق إليّ. والإِثمُ أبغضُ إلي من اعدادكم من القردة والخنازير. وما يحملني حبي إِياه ولا بغضي لكم، على أَلّا أعدلَ فيكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.

136 -

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ

} الآية.

المعنى: الخطاب للمؤمنين كافة. والمراد من قوله: (آمِنُوا): استمروا، أَو اثبتوا على إيمانكم باللهِ ورسوله، والكتاب الذي نزل الله على رسوله وهو القرآن، والكتب السماوية التي أنزلها الله من قبل، على من سبق من الأنبياء والمرسلين. وهي التوراة والإنجيل والزبور. والإِيمان بها - بطريق الإِجمال - واجب شرعا.

أَما ما يتداول بين أهل الكتاب المعاصرين، من أسفار عنها، اسمها "العهد القديم""والعهد الجديد"، فقد دخلها - من التغيير والتبديل، والإِضافة والحذف - ما أخرجها عن نسبتها إلى الله تعالى وعن تسميتها توراة وإنجيلا. فلا تدخل فيما أمرنا بالايمان به، وإنما نؤمن بأصولها الأولى الصحيحة، التي أَنزلها الله. وكما نؤمن بتلك الأصول نؤمن بأَنها نسخت بالقرآن الكريم.

ص: 938

قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ

} (1).

وبهذا صار القرآن المرجع الديني التشريعي الوحيد، للبشرية أجمعين.

{وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} :

ومن يكفر بالله تبارك وتعالى، واتصافه بكل كمال وتنزهه عن كل نقص، ويكفر بملائكته الذين هم عباد مكرمون: لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويكفر بكتبه المنزلة على رسله لهداية خلقه، ويكفر باليوم الآخر الذي يبعث فيه الخلائق للجزاء - من يفعل ذلك - فقد بَعُدَ عن الحق بعدا سحيقا، يستحق عليه العذاب الشديد، لإهداره آدميته.

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)} .

المفردات:

{ازْدَادُوا كُفْرًا} : عَادُوا واستمروا فيه.

{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ} : أنذرهم.

(1) المائدة، من الآية: 48

ص: 939

{أَيَبْتَغُونَ} : أيطلبون.

{الْعِزَّةَ} : الغلبة والقوة.

{يَخُوضُوا} : يدخلوا.

التفسير

137 -

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا

} الآية.

هذه الآية، بينت حال بعض الكافرين، وهم المنافقون الذين ترددوا بين الإيمان الظاهر أمام المؤمنين، وبين الكفر، حينما يلتقون بالكافرين أمام المؤمنين.

والمعنى: إِن المنافقين الذين أَظهروا الإيمان أَمام المؤمنين رياءً، ثم كفروا أمام أَوليائهم الكافرين، ثم عادوا إلى إظهار الإيمان حين لقائهم بالمؤمنين، ثم كفروا عند عودتهم إلى الكافرين، ثم ازدادوا في دخيلة أنفسهم كفرا وجحودا، واستمروا عليه. - إن هؤلاء:

{لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} :

أي: هؤلاء المنافقون المذكورون، قد حكم الله بأنهم محرومون من أن يغفر الله لهم كفرهم ومعاصيهم، ومحرومون من أَن يهديهم الله إلى الحق؛ لإصرارهم على الكفرِ والنفاق.

وقيل إن المراد من هؤلاء. قوم تكرر منهم الارتداد، وأصروا على الكفر وتمادوا في الغَيِّ والضلال.

138 -

{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} :

بعد أن أَوصد الله في وجه هؤُلاء المنافقين أبواب الرحمة والهداية، نتيجة تكرر الكفر منهم، أَمر الله رسوله أن ينذرهم بأنه أعَدَّ لَهُم في الآخرة عذابا شديد الإيلام، وعبر عن الإنذار بالتبشير، تهكما بهم وسخرية منهم، وإيآسًا لهم من المبشرات كلها، وأنها - بفرض وقوعها كما هي هنا - فليس لها رصيد إلا العذاب الأليم؛ لتلاعبهم بالعقيدة وسخريتهم بها.

ص: 940

139 -

{الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ

} الآية.

أفادت هذه الآية أن هؤُلاء المنافقين: يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم من دون المؤمنين، حينما يخلون بهم، ويبتعدون عن المؤمنين، ويقولون للكافرين إذا خلوا بهم:{إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (1) أي: مستهزئون بالمؤمنين في إظهارنا الموافقة لهم في الإيمان.

ولقد أنكر الله عليهم ذلك المسلك بقوله عن غايتهم:

{أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ} :

أي يطلبون بموالاتهم القوة والغلبة مع أنهم لا يستطيعون منحهم إياها.

{فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} :

أي يمنحها إلا أولياءه. فمن استعز باللهِ أعزه. ومن استعز يغيره أذله. وصدق الله تعالى - إذ يقول: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (2).

140 -

{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ

} الآية.

جاءت هذه الآية، لتشديد النكير على المنافقين، في موالاتهم للكافرين، والرضا بما يقولون في حق الإِسلام والمسلمين.

والمعنى: أيبتغي هؤُلاء المنافقون العزة بموالاتهم الكافرين ومشاركتهم الاستهزاء بكتاب الله أو الرضى به؟! والحال أَنه قد نزل عليكم - يا معشر المؤمنين - أنكم إذا رأَيتم أولئك الكافرين يستهزئون بكتاب الله تعالى، وسمعتم منهم ذلك - فاتركوا مجالسهم حتى يخوضوا في حديث غيره.

فلو كان هؤُلاء المنافقون مؤمنين - كما زعموا - لما رضوا بسماع هذا الاستهزاء من الكافرين، ولا جالسوهم.

(1) البقرة، من الآية: 140

(2)

المنافقون، من الآية: 8

ص: 941

والحق: أنهم ما جالسوهم إلا ليشاركوهم في الكفر والاستهزاء.

ولذا قال الله عقب ذلك:

{إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} : أي: مثلهم في الكفر. ولستم بمؤمنين كما تزعمون. فإن المرء بجليسه. ولذلك أشركهم الله مع الكافرين في الوعيد، فقال تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} :

فيعذبون فيها على اختلاف أعمالهم.

ولا شك أن عذاب النفاق أشد من عذاب الكفر، كما قال تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} (1)؛ لأنهم جمعوا بين الكفر والكيد للإسلام.

{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)}

المفردات:

{يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} : ينتظرون وقوع أمر بكم.

{فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ} : نصر منه.

(1) النساء، الآية: 145

ص: 942

{أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} : ألم نُحِطْكُم بِعَوْننا ومساعدتنا.

{يُخَادِعُونَ اللَّهَ} : يفعلون مع الله ما يفعل المخادع. وهو إِظهار ما لا يبطن.

{يُرَاءُونَ النَّاسَ} : يظهرون للناس غير ما انطوت عليه صدورهم.

{مُذَبْذَبِينَ} : مترددين بين المؤمنين والكافرين.

التفسير

141 -

{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ

} الآية.

هذه الآية - وما بعدها - تبين لنا، بعض سمات المنافقين وصفاتهم، التي كانوا عليها. وأَول صفة ذكرت لهم، هي التربص والانتظار؛ لاستغلال المواقف استغلالا دنيئا لمصلحتهم. وهو ما بيَّنه الله بقوله:

{فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} :

أي: فإن كان لكم نصر على أعدائكم - بمعونة الله - تَزَلَّفوا لكم، وراحوا يطالبون بالمغانم قائلين:{أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} : بالعون حتى نُصرتم على الأعداء؟

{وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} : من الغلبة في الحرب على المؤمنين.

{قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} :

أي: قال المنافقون للكافرين: أَلم نُحِطكُمْ بعوننا ومساعدتنا، واطلاعكم على أسرار المؤمنين حتى صارت لكم الغلبة عليهم.

{وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} :

أي: ندفع عنكم صولة المؤمنين بتثبيطنا إياهم، وتباطئنا في معاونتهم، وإشاعة الأخبار التي توهن قلوبهم، وتضعف عزائمهم. فاعرفوا حقنا عليكم. وهاتوا نصيبنا مما غنمتم.

{فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} :

فهو مطلع على دخائل الجميع محقين ومبطلين، فيثيب أَولياءه المؤمنين المخلصين، ويعاقب أعداءه المنافقين يوم الجزاء.

ص: 943

{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} :

في الدنيا والآخرة. فلن يُغْلَب المؤمنون الصادقون في الدنيا غلبة حقيقية. وإذا وقعت لهم هزيمة - في بعض الأوقات - فهي للابتلاء والاختبار. وغالبا ما تكون نتيجةَ انحراف عن سلوك الطريق المستقيم. إذ ليس بين المؤمنين وبين النصر على أعدائهم إِلا أن يعودوا إلى الله، ويستكملوا حقيقة الإيمان: بالانقياد لكتاب الله والتمسك بشريعته

{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ

} (1).

142 -

{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ

} الآية.

هذه صفة ثانية من صفات المنافقين وسماتهم. ومعنى {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} : أنهم يفعلون مع الله فعل المخادع، فيظهرون الإيمان للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولكنهم يضمرون الكفر.

{وَهُوَ خَادِعُهُمْ} : وهو يعاملهم بما يناسب خداعم، فيتركهم في خداع الدنيا لغرورهم بها، وحرصهم على بريقها وزخرفها، ولكنه يُعِدُّ لهم في الدار الآخرة، الدرك الأسفلَ من النار.

{وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} :

هذه صفة ثالثة من صفاتهم، وهي إِذا قاموا إِلى الصلاة قاموا متباطئين متثاقلين، لا نشاط عندهم، ولا رغبة لهم في أَدائها؛ لأنهم لا يعتقدون ثوابا على فعلها، ولا عقابا على تركها. وما قيامهم للصلاة مع المصلين، إلا مظهرٌ من مظاهر خداعهم، بدليل قوله تعالى بعد ذلك:

{يُرَاءُونَ النَّاسَ} :

أي: يراءُون الناس بقيامهم مع المسلمين في الصلاة، ليحسبهم المؤمنون من فريقهم وأنصارهم، وهم لا يقصدون إلا أَن يرى المسلمون أنهم معهم، بل منهم. إمعانا في الخداع!!

{وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} :

أي: ولا يذكرونه - سبحانه - إلا زمانا قليلًا، أو ذكرًا قليلًا؛ لأن المنافق لا يفعل ذلك إلا بحضور من يرائيه فحسب. وهذا أقل أَحواله، أو يراد بالقلة: العدم؛ لأن ذكرهم غير

(1) سورة الرعد، من الآية: 10

ص: 944

مقبُول، فلا فائدة فيه، وما لم يُقبَل معدوم، وإِن كان كثيرا في نفسه.

وعلى هذا يكون المعنى: لا يذكرون الله أَبدا.

143 -

{مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ

} الآية.

أي: مترددين حائرين بين الإِيمان والكفر، ولا مستقر لهم على أَحدهما.

{لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} :

أي: ليسوا منسوبين إِلى المؤمنين في الحقيقة، لإِضمارهم الكفر. ولا إِلى الكافرين لإِظهارهم الإِيمان: والموصوفون بذلك، ضالون عن سنن الهدى.

{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ} : لعدم استعداده للهداية والتوفيق:

{فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} :

أي: فلن تجد لهدايته طريقا موصلا إِلى الحق والصواب.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)}

ص: 945

المفردات:

{سُلْطَانًا مُبِينًا} : حجة ظاهرة.

{أَوْلِيَاءَ} : نُصَراء.

{الدَّرْكِ الأَسْفَلِ} : الطبقة السفلى.

{وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ} : اتخذوه ملجأً وملاذا.

{وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا} : أي كان - ولا يزال - مثيبا على الشكر.

التفسير

144 -

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ

} الآية.

بعد أَن بين الله صفات المنافقين، الناطقة بأَنهم كفار في حقيقة أَمرهم، نهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين - جميعًا - أَولياء، فإِنهم لا يضمرون الخير لهم. فقال: يأَيُّهَا الذين آمنوا لا تتخذوا الكفار أَولياء وأَحبَّاء ونصراءَ من دون المؤمنين؛ لأَنهم لا يُؤمَنُ جانبهم:

{أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} :

أي: أَتَرغبون - بموالاة الكفار - أن تكون لله عليكم حجة واضحة في عذابه إياكم، إذْ أنكم اتخذتم أعداءه أَولياء لكم. وهم يبغون لكم الهزيمة، ولدينكم الزوال. كما قال تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ

} (1) الآية!!

وهذا لا يمنع من عقد معاهدات السلام معهم إذا كان في ذلك مصلحة الإِسلام والمسلمين.

145 -

{إنَّ الْمُنَافِقِينَ في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ

} الآية.

هذه الآية، عادت بالحديث إلى المنافقين، لشدة خطرهم على الإِسلام، وبينت أنهم في الطبقة السفلى من النار.

فإن النارَ دركاتٌ، كما أَن الجنةَ درجاتٌ.

(1) الممتحنة، من الآية:1.

ص: 946

وفي ذلك إشارة إِلى شدة عذاب المنافقين. وإنما كانوا أشد عذابا من الكفار الظاهرين، لأَنهم ضموا إِلى الكفر المشترك بين الطائفتين - استهزاءً بالإِسلام، وخداعًا لأَهله ..

(وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا):

أَي: لن تجد لهم من ينصرهم بإِخراجهم من هذا العذاب، أَو بأَن يخفف عنهم منه شيئًا.

146 -

(إِلَّا الّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا

) الآية

أي: إلا الذين تابوا عن النفاق في الدنيا قبل أَن يموتوا، وأَصلحوا مَا فَسَدَ من نياتهم وضمائرهم.

(وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ):

أي: تمسكوا بكتابه، ووثقوا بربهم، وجعلوه ملجأً ومعاذا لهم.

(وَأخْلَصُوا ودِينَهُمْ لِلهِ):

أَي: جعلوا طاعتهم خالصة لوجه الله لا رياءَ فيها ولا نفاقا، بل رغبة في رضاه.

(فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ):

أي: فأولئك الموصوفُون بما ذكر - مع المؤْمنين المخلصين؛ الذين لم ينافقوا منذ إيمانهم.

والمراد: أنهم معدودون منهم في الدنيا والآخرة.

(وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا):

أَي: يؤْتيهم في الآخرة أجرا عظيما، فيساهمونهم فيه، ويشاركونهم إياه.

وفي هذه الآية الكريمة، ما يدل على ضَعَةِ المنافقين، ورفعة شأْن التائبين المصلحين، المعتصمين بالله، المخلصين دينهم له سبحانه.

ص: 947

147 -

{مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ

} الآية.

هذا خطاب للمنافقين، سيق لبيان أن مدار تعذيبهم هو داء النفاق، المشتمل على عدم شكر الخالق، وعدم الإيمان به.

والمعنى: أي شيءٍ يعود على الله سبحانه بعذابكم، إن كنتم شاكرين، وهو لا يعذب لجلب نفع له، أو دفع ضر عنه، أو لإدراك ثأْر، أو للتشفي؟! فهو منزه عن ذلك كله، فإِن شكرتم نعمَ الله عليكم، وآمنتم مخلصين لله، جازاكم على ذلك خير الجزاء، وغفر لكم ووفَّاكم أُجورَكم.

(وَكانَ اللهُ شَاكِرًا):

أَي مثيبا على الشكر.

(عَلِيمًا):

لا يعزب عن علمه شيء. وبذلك يصل ثوابه كاملا للشاكرين.

ص: 948

{لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)} .

المفردات:

(لَا يُحِبُّ اللَهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَء مِنَ الْقَوْلِ): أي لا يرضى الله عن إفشاءِ القبيح من القول في الناس؛ بذمهم وذكر معايبهم.

التفسير

148 -

{لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} :

بيَّن الله - قبل هاتين الآيتين - ألوانًا من الأخلاق والأحكام، التي يجب أن يتحلى بها المسلمون: من قيامهم بالعدل شهداء لله ولو على أنفسهم، وإِيمانهم باللهِ وجميع رسله وكتبه، ونَبْذ النفاق، وألّا يتخذوا الكافرين أَولياءَ من دون المؤمنين.

وقد تضمنت هاتان الآيتان، بعض الأَخلاق التي يكمُل بها إِيمانهم، ويكونون بها مُثُلًا عُليا في الآداب الإِسلامية التي يدعو إليها دينهم.

فقد جاءَ فيهما وجوبُ صون ألسنتهم عن مقالة السوء في غيرهم، والترغيبُ في إبداءِ محاسن سواهم، والعفوُ عمن أساءَ إليهم.

سبب النزول:

قال ابن جريج، عن مجاهد: نزلت في رجلٍ ضاف رجلًا بفلاةٍ من الأرض فلم يُضَيِّفه فنزلت: (إلَاّ مَن َظُلِمَ).

ص: 949

ورواه ابن أبي نَجِيح - أيضًا - عن مجاهد. قال: نزلت هذه الآية: {لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} في الرجل يمرُّ بالرجل، فلا يضيفه، فرخص له أن يقول فيه: إنه لم يحسن ضيافته.

{لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ} :

أَي لا يحب الله إيذاءَ الناس جهرًا بالسّيىء الفاحش من القول، كشتمهم ووصفهم بالظلم والبخل، والقدح في أَعراضهم. وغير ذلك مما يسيء إِليهم، ويهدر كراماتهم، سواءٌ أَكان ذلك في مواجهتهم أَم كان في غيبتهم.

ومن الجهر بالسوءِ من القول: إذاعة (التمثيليات والأَفلام) المشتملة على القصص الفاجرة، التي تبرز فيها الرذيلة، وتُسلَّطُ الأَضواءُ فيها على ممثلاث الإغراء الجنسي، وتُسْمَعُ فيها العبارات المخجلة، والأَصوات المنكَرة المغرية بالإثم، وتُرَى فيها الصور المفسدة لأَخلاق الذكور والأناث؛ الكبار منهم والصغار. فذلك يبغضه الله ولا يحبه. بل إنه تعالى، يعاقب عليه أَشدَّ العقاب؛ لخطورته على الأخلاق.

ومن الجهر بالسوء: نشر كتب الجنس وصورِه، التي تحرّض الشباب على الفسق والانحلال الخلقي، وتستأصل المناعة الخلقية - في شبابنا المسم - من أُصولها.

فليتق الله أَولئك المشرفون على الإِذاعات والتليفزيون في العالم الإِسلامى، ولْيمنعوا نشر تلك التمثيليات الهادمة لمجتمعنا، المدمرة لأَخلاق شبابنا.

وليتق الله المشرفون على المطبوعات، فلا يسمحوا بنشر تلك الكتب، وهذه الصور المفسدة لأخلاق أبنائنا وبناتنا، فإن مسئولية هؤُلاء وأولئك، عظيمة عند الله، الذي أَنزل القرآن دستورا للأَخلاق الإِسلامية الفاضلة، وجعل أُمة الإِسلام خير أمة أخرجت للناس؛ تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن باللهِ.

ومن الجهر بالسوء: نشر المبادئ الهادمة للعقيدة الإِسلامية: بطريق الكتب، أو المحاضرات، والتحدث عن النزوات وأَلوان الفسق المختلفة.

ص: 950

والمقصود من الجهر بالسوء: أن تخبر به غيرك .. سواءٌ أكان ذلك بصوت مرتفع يسمعه عدد من الناس، أم بصوت خفيض تخص به بعض الناس؛ فإِن خروج السوء والفحش عن مكنون سريرتك وأَعماق نفسك، إلى غيرك سرًّا أَو علنا، يؤدي إلى الجهر به وإذاعته، وإِلحاق الأذى بسمعة من تحدثت عنه. مما ينجم عنه هبوط المستوى الخلقي للمجتمع كله. وفي ذلك ما فيه من ضرر خطير، تجب مكافحته شرعًا وعقلا.

وخص القول السيىء بالذكر؛ لأَنه الشائع وقت نزول القرآن، فمثله في الحكم كل ما أَدى إِلى الإيذاء من الهمز واللمز والكتابة والتصوير. فكل ذلك حرام.

وقد أَباح الله للمظلوم أن يجهر بالسوء عن ظالمه فقال:

(إِلَّا مَن ظُلِمَ):

أَي لا يحب الله الجهر بالسوءِ، إلا جهر المظلوم بظلمه. فإِن الله لا يَسخطه ولا يعاقب عليه عقاب الجهر بالفحش، بل يقره؛ لأنه من باب الانتصاف من الظالم، ومكافحة الظلم، فصاحب الحق له مقال يرضاه الله ولا يسخطه. قال تعالى:"وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوَلئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبيل"(1).

ولو لم يبح للمظلوم الانتصاف من ظالمه - مهما كان مكانه الاجتماعي - لَبَغَى الناس بعضهم على بعض، ولضاعت القيم الخلقية، باستمرار الظالم في غيه وبغيه. فلذا أُبيح للمظلوم أَن يرد الظالم عن نفسه، حتى يكف الظالم عن العود إلى مثل ما فعل.

وهذا الحق الذي أُعطي للمظلوم، يشمل أن يشكو ظالمه أمام القضاء، بأن يقول: أَخذ مالي، أو اعتدى على أرضي، أو سبني، أَو سب عرضي، أو نحو ذلك من الظلامات. كما يشمل الدعاءَ عليه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسم مع قريش؛ إذ دعا عليهم بأَن يجعلها الله عليهم سنين كَسنيِّ يوسف (2).

وروى أبو داود عن عائشة أنها "سُرِق لها شيء، فجعلت تدعو عليه" أَي على السارق فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تسَبِّخي عنه" أَي لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه.

(1) الشورى، الآية: 41

(2)

ورد في الصحيحين ومسند أحمد والترمذي.

ص: 951

ولا يخفى أَن الانتصاف من الظالم، تجب الدقة في تحرِّيه، بحيث يحقق العدالة، ويأْمن الفتنة .. ولهذا يحذر اللهُ بقوله:

(وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا):

أي وثبت لله تعالى - قديما - أَنه بليغ السمع، بليغ العلم بكل شيءٍ على ما هو عليه.

ففي ذلك تحذير وتخويف لمن يجهر بالسوءِ والفحش، ومن يتجاوز الحد في الانتصار من ظالمه فإِن من شأْن الإِله - السميع العلم - أن ينتقم ممن يتجاوز الآداب الإِسلامية، ويعتدي على سواه ابتداءً أَو جزاءً.

149 -

{إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)} :

المراد بالخير: ما يعم كل ضروبه؛ من الصدقة، والكلمة الطيبة، والثناءِ الجميل، والأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك من خصال الخير الكثيرة.

والعفو عن المسيءِ داخل في باب هذا الخير الواسع، ومندرج تحت عمومه الشامل، وإنما أَفرده بالترغيب فيه بعد الترغيب في الخير بقوله:{أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} : تنبيها على علو منزلته ومكانته في الخير.

ونظرا لأَن العفو عن المسيءِ هو المقصود الأساسي، ختمت الآية بقوله تعالى:

(فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا):

فَإِن إيراد العفو في جواب الشرط، يدل على أَنه هو العمدة في الكلام، وأنه هو المقصود الأول من هذا الخير المقدم في الجملة الشرطية. ولو كان إبداءُ الخير وإخفاؤُه - مطلقا - هو المقصود الأساسي، لما حسنَ الاكتفاءُ في الجواب بالعفو، بل كان يتضمن جزاء الخير أيضًا.

والمعنى: إن تُظهِروا فعْلَ الخير بأنواعه المختلفة، أو تستروه وتجعلوه سرًّا بينكم وبين ربكم، أو تعفوا عن سوء صدر مِن سواكم نحوكم: من جهرٍ بكلام يؤذيكم، أو إسرارٍ به، أو ظلمٍ لحق بكم منهم، فقد تخلقتم بأَخلاق الله تعالى - فإن الله كان - ولم يزل - كثير

ص: 952

العفو عمن عصاه، عظيم القدرة على عقوبته. ولكنه يؤْثر العفو مع القدرة على العقاب.

فاعفوا واصفحوا عمن أَساءَ إِليكم وأَنتم قادرون على الانتقام منه.

ويصح أَن يكون المعنى: فإِن الله كان عفوا عمن عما عن أخيه، قديرا على إيصال الثواب إليه.

وبهذا المعنى، جاءَ قوله تعالى: "

فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ

" (1).

ويكون العفو في أَعلى مراتب الفضيلة، إذا كان مع القدرة على رد السيئة بمثلها.

ويزداد رفعة إِذا قُصِد به وجْه الله تعالى، ولم يقصد به مجرد حسم النزاع، أو الاستجابة إلى شفاعة أحدٍ من الناس، أو غير ذلك من الأَغراض التي لم يدخل فيها جانب الله.

وفي الحديث الصحيح: "وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا يَعْفُو إِلَّا عِزًّا".

وإنما يحسن العفو، إذا كان يؤدي إلى أثرٍ جميل، من حلول السلام محل الوئام، وارتداع المسيء عن إساءَته.

أَما إِن أدّى إلى ضراوة المسيءِ، فإن ردّ إساءَته يصبح واجبا شرعيا.

والشر بالشر، والبادي أَظلم

وقد فهمنا - من مجموع الآيتين - أَن ردَّ الإساءَة مشروع، وأَن العفو أَولى من الانتقام، ما لم يؤَدِّ إلى استمرار المسيء في إساءته، فحينئذ، يكون الأَخذ بالحق أولى.

وينبغي أن يكون ذلك بطريق القضاء، حتى لا يتفاقم الشر.

وهناك من الجرائم ما لا يصح العفو فيه، ولا السكوت عليه، كالخيانة في أَموال الدولة وإذاعة أسرارها لعدوها. ونحو ذلك من الجرائم ذات الطابع الخطير. فمثل هذه الجرائم، يجب العقاب الشديد عليها، حتى يكون رادعًا لمن تسول له نفسه أن يفعل مثلها.

(1) الشورى، من الآية: 40

ص: 953

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن ِيُفَرِ قُواْبَينَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)} .

المفردات:

{يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ} : أَي يؤَدي مذهبهم إلى الحكم بكفرهم بالله ورسله، على ما سيأتي بيانه.

{وَيُرِيدُونَ ان يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ} : بأَن يؤْمنوا بالله ويكفروا ببعض الرسل، فيحصل بذلك التفريق بين الله ورسله في الإيمان. وهذا التفريق أدى بهم إِلى الكفر باللهِ؛ لعصيانهم أمره، وإلى الكفر برسله، لأنهم يصدق بعضهم بعضا.

التفسير

150 -

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنِ يُفَرِقُواْ بَينَ اللهِ وَرُسُلِهِ

} الآية.

بعد أن بين الله - في الآيتين السابقتين - ما لا يحبه من القول، عقبه ببيان ما يمقته من الاعتقاد وما يرضاه منه، وجزاء كل منهما. فيما سنذكر تفسيره من الآيات الثلاث.

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن ِيُفَرِقُواْ بَينَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} :

المراد بهؤُلاء الكافرين: اليهود والنصارى.

ص: 954

فاليهود؛ كفروا باللهِ تعالى، فجعلوه جسما ينزل إلى الأرض، ويأْكل ويشرب، ويغالب غيره، فَيَغْلِبُ تارة ويُغْلَب أخرى، ويقود جيوشهم، فتنتصر تارة، وتهزم أُخرى. وكفروا بعيسى وبمحمد، وآمنوا بغيرهما. وبذلك فرقوا بين الله ورسولَيْهِ اللذَيْنِ لم يؤْمنوا بهما، وأَقصوهما عن شرف الرسالة.

وبذلك آمنوا ببعض الرسل، وكفروا بالبعض الآخر، وخالفوا بذلك أمر الله، وكانوا به كافرين بجميع الرسل.

والنصارى؛ كفروا باللهِ تعالى - فجعلوه جِسْمًا، وأبا، وثالث ثلاثة، وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وآمنوا بغيره.

وبذلك فرقوا بين الله تعالى، وبين رسوله محمَّد. ونحَّوْهُ عن شرف الرسالة. فقد آمنوا ببعض الرسل، وكفروا بالبعض الآخر، وكانوا - بذلك - كافرين بالرسل جميعًا.

فقد صاروا - بكفرهم ببعض الرسل - كافرين بالرسل جميعًا؛ لأَن دين كل واحد منهم هو دين الله، فالكفر به - مع أحدهم - هو بمثابة الكفر بما جاءَ به سائر الرسل، ولأَن كل رسول أوصى أُمته: أن يؤْمنوا بالرسل الذين يبعثهم الله بعده. فمن كفر بأَحدهم، فقد كذب الرسل الذين سبقوه، وجحد وصيّتهم.

وبعض المفسرين لم يخص الآية باليهود والنصارى، بل جعلها شاملة لأَصناف ثلاثة:

الصنف الأَول: من كفر باللهِ فأَنكر وجوده، وكفر برسله فأَنكر النبوات، لأَن من أَنكر وجود المرسل، أنكر وجود الرسل. وهذا هو المقصود بقوله تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ} :

ويمكن أن يدخل - في هذا الصنف - المشركون بالله.

والصِّنفُ الثاني: مَن آمن بالله وكفر برسله، وهو المعنى بقوله تعالى:

{وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ} :

أَي: والذين يريدون أن يفرقوا بينه وبينهم في الإيمان، فيوجبوا الإيمان به، وينفوا وجوب الإيمان بالرسل، لأنهم ينكرون النبوات.

ص: 955

والصنف الثالث: مَنْ يؤمن بالله، ويؤْمِن ببعض الرسل، ويكفر بالبعض الآخر، كاليهود والنصارى، وهو المقصود بقوله تعالى:

{وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} :

أي: والذين يقولون نؤْمن ببعض الرسل، ونكفر ببعضهم، مع إيمانهم باللهِ (1).

والرأْي الراجح هو الأَول.

{وَيُرِيدُونَ أن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} :

أي ويريدون - بما قالوه من الإيمان بالبعض والكفر بالبعض الآخر - أن يتخذوا طريقًا وسطا بين الإيمان والكفر، مع أنه لا وسط بينهما، إذ الحق واحدٌ: لا يُنْتَقَصُ منه. وليس بعد الحق إلا الضلال.

151 -

{أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا

} الآية.

أَي أولَئك الموصوفون بتلك الصفات الشائنة، هم الكافرون المبالغون في الكفر حقا.

فلا عبرة بما يزعمونه من الإِيمان.

{وَاعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} :

أي: وأعددنا لهؤُلاء الكافرين عذابا؛ يهينهم ويذلهم، جزاء التفريق بين اللهِ ورسله، والإيمان بالبعض والكفر بالبعض الآخر.

152 -

{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} الآية.

المعنى: والذين صدّقوا بالله، وبما يجب له من صفات الكمال، وبما يتنزه عنه من صفات

(1) والواو في قوله: "ويريدون" وقوله: "ويقولون" إما أنها بمعنى أو، وإما أنها بمعناها الأصلي. وفي الكلام موصول مقدر، أي والذين يريدون أن يفرقوا إلخ، والذين يقولون نؤمن ببعض إلخ، على رأي من يجيز حذف الموصول مع بقاه صلته.

ص: 956

النقص، وآمنوا بجميع رسله وما يتصفون به من صفات الكمال، ولم يفرقوا بينهم في الإيمان، بأَن يؤمنوا ببعضهم دون بعض، كما فعل اليهود والنصارى (1).

{أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} :

أولئِكَ المؤمنون بالله ورسله دون تفريق بينهم في الإِيمان، سوف يعطيهم الله أُجورهم، التي وعدهم إِياها، لأَنهم هم المؤمنون حقا، دون من سبقهم، ممن يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض. وكان الله: عظيم الغفران لما عسى أن يكونوا فعلوه من المعاصي، واسع الرحمة بالمؤمنين، فيضاعف حسناتهم، ويزيدهم على ما وعدوا.

{يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا في السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154)} .

المفردات:

{جَهْرَةً} : علانية.

{الصَّاعِقَةُ} : النازلة المهلكة.

(1) صح دخول (بين) على أحد، مع أنه لا يدخل إلا على متعدد؛ لأن المقصود من أحد هنا العموم. "وأحد" من الكلمات التي تصلح للمفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث. والمقام هو الذي يعين المعنى المراد منه. والمقام هنا للجمع، فكأنه قيل: ولم يفرقوا بينهم.

راجع ما كتبناه على الآية رقم: 136 من سورة البقرة.

ص: 957

{سُلْطَانًا مُبِينًا} : تسلطا ظاهرا على قومه.

{الطُّورَ} : الجبل المعروف.

{بِمِيثَاقِهِمْ} : بعهدهم.

{ادْخُلُوا الْبَابَ} : المراد به، باب المدينة التي أُمروا بدخولها.

{سُجًدًا} : خاضعين.

{لَا تَعْدوا في السَّبْتِ} : لا تظلموا فيه أَنفسكم، بصيد الحيتان التي حُرِّم عليكم صيدها فيه.

(مِيثَاقًا غَلِيظًا): عهدا وثيقا مؤكدا.

التفسير

153 -

{يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاء

} الآية.

بعد أَن بينت الآياتُ السابقةُ عقائد أَهل الكتاب الزائفة؛ عقبته ببيان موقف اليهود من موسى وموقفهم مع الله تعالى، تسلية لرسوله محمَّد صلى الله عليه وسلم.

سبب النزول:

قال محمَّد بن كعب القرظي، والسدّى، وقتادة: سأَل اليهود رسول صلى الله عليه وسلم وسلم أن يُنْزلَ عليهم كتابا من السماء، كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة. فنزلت الآية.

وروى ابن جرير في تفسيره عن ابن جريج، قال: إِن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: "لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتيَنَا بكتاب من عند الله تعالى - إِلى فلان: أنك رسول الله، وإِلى فلان أَنك رسول الله

" وما كان مقصدهم بذلك إِلا التحكيم والتعنت.

المعنى: يطلب منك أهل الكتاب من يهود المدينة أن تنزل عليهم - يا محمَّد - كتابا من السماءَ يَروْنه عِيانًا، وقد نزل من السماء مكتوبا في قرطاس أَو أَلواح، كما نزلت التوراة

ص: 958

على موسى جملة واحدة؛ ليكون ذلك - في نظرهم - آية على نبوتك، غير مقتنعين بأَن ينزل الله عليك وحْيًا شفويا، ويقولون: لا نبايعك ولا نؤْمن بك حتى يُنَزّلَ عليك الكتاب كما سأَلنا.

{فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً} :

أَي لا تبال بتعنتهم وعنادهم، فذلك طبع جامح يجري في دمهم. فقد سأَل آباؤُهم موسى سؤالا أكبر مما سأَلوك، فقالوا له: أرِنا الله جهرة وعلانية، حتى نعلم - منه - انه أَرسلك. فإِن لم تفعل فلن نؤْمن لك.

وذلك ما حكاه الله عنهم في سورة البقر بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً

} (1) فالتعنت الذي تراه في أحفادهم المعاصرين لك يا محمَّد، أَمرٌ موروث عن آبائهم، وخُلُقٌ قديم انتقل من أصولهم إليهم، والشيءُ من معدنه لا يستغرب.

ونسبة ما قاله آباء اليهود الأَولون إلى أَحفادهم المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من باب نسبة الذنب. إلى النوع كله - كأَنه جِبلَّة وطييعة - كما ينسب ذنب بعض أفراد القبيلة إلى القبيلة كلها، وذلك على حد قول الشاعر:

قوى همو قتلوا أميم أخي

فإِذا رميت يصيبني سهمي

{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} :

من معاني الصاعقة: العذاب المهلك.

والمعنى: أَن الله تعالى أهلكهم بما شاءَه من أسباب الإهلاك لتجاوزهم حد الأَدب والحق، حين طلبوا معاينة الله ليؤْمنوا برسوله موسى عليه السلام.

والظاهر أن الإهلاك كان لأَصحاب هذا السؤال الفاجر، لا لكل اليهود.

{ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} :

أي ثم اتخذ بنو إسرائيل العجل معبودًا لهم، من بعد ما جاءَتهم الأدلة الواضحة الشاهدة بوحدانية الله، النافية لعبادة آلهة سواه.

(1) سورة البقرة، من الآية:55.

ص: 959

فلقد أَراهم الله - على يد موسى - آيات عظيمة، لا يصح - معها - أن يهدروا عقولهم فيعبدوا عجلًا لا حول له ولا قوة!!

أَفلم يشقّ لهم الله اثنى عشر طريقا في البحر: يتخللها الماءُ كالطود العظيم؟

أَفلم يفجَّر لهم اثنتي عشرة عينا، قد علم كل أُناس منهم مشربهم؟

أَفلم يَرَوا العَصَا تبتلع ما جاءَ به السحرة من السحر العظيم؟

أَفلم يشاهدوا الطوفان والجراد والقُمَّلَ والضفادع والدم؟

إلى غير هذه الآيات.

وقد جاءَت هذه الآيات كلها، بدعوة موسى ربه، ولكنهم: عُمْيُ العيون فلا يبصرون، غلْف القلوب فلا يعقلون.

فلا غرابة في أَن يطوفوا حول عجل جسد يعبدونه.

{

أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} (1).

وليس المراد بالآيات التوراة فقد جاءَتهم بعد عبادتهم العجل، حيث كان موسى في ميقات ربه الذي آتاه التوراة بعده وكانوا هم في هذه الفترة - يعبدون العجل الذي صنعه لهم السامري ثم جاءَ موسى بالتوراة، فرآهم على تلك الحال فغضب، وألقى الألواح، وعاتب أَخاه هارون على ما حدث.

وسيأتي بيان ذلك في سورتي: الأعراف، وطه.

{فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا} :

أَي فعفونا عن اتخاذهم العجل معبودا بعد ما تابوا، وآتينا موسى تَسَلُّطًا بَيّنا واضحًا على قومه، فَقوىَ فيهم أَمره، وضعفت معارضتهم له، وظهر انكسار نفوسهم، فقبلوا أَمره أَن يقتلوا أَنفسهم - بالندم والحزن - على ما صنعوا توبة منهم.

وفيما تقدم، بشارة للنبي صلى الله عليه وسم - بأَن الله تعالى سيعاقب معانديه من اليهود على تعنتهم كما عاقب أسلافهم، وأن أَمره فيهم، سيكون ذا سلطان بيّن، وقهر ظاهر.

(1) الأعراف، من الآية:148.

ص: 960

وهذا ما حدث له فيهم بعد ذلك: عن القتل والإِجلاءِ، جزاءَ ما صنعوا معه صلى الله عليه وسلم، من نكث العهود والخيانة في أَوقات الشدة.

154 -

{وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ

} الآية.

لمَّا جاءَهم موسى بأَلواح التوراة، استثقلوا العمل بما جاءَ فيها من التكاليف، فلم يأُخذوها بعزم وقوة. بل بتثاقل وتراخ وامتناع؛ لأَن قلوبهم لا تزال مشدودة إلى عبادة العجل. فلذا، رفع الله فوقهم الجبل، تهديدا لهم، ليقبلوا العمل بالتوراة، ويأُخذوها بقوة وعزم، ويعطوا الميثاق والعهد على ذلك.

وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1).

وهكذا كان شأُن اليهود: عصيانٌ لما يؤْمرون به، وعقابٌ أَو تهديد بعقاب من الله، حتى يستقيموا على العبادة.

والمعنى: ورفعنا فوقهم الطور بسبب ميثاقهم ليعطوه، ويتعهدوا بالعمل بالتوراة.

{وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} :

المراد بالباب؛ باب القرية التي أمروا بدخولها، بعد أَن يخرجوا من التيه.

والقائل هو الله سبحانه وتعالى على لسان نبي من أَنبياءِ بني إسرائيل وهذا النبي هو موسى عليه السلام.

ويشهد له ما سبقه من الحديث عن إيتاءِ موسى سلطانا مبينا، ومن رَفْع الطور فوقهم، فإن ذلك كان في عهد موسى.

والمراد باالسجود، الخضوع أَو الركوع.

وقيل: إِن القائل عن الله تعالى، هو النبي يوشع. فإِن الظاهر أَن قوله:

{ادْخُلُوا الْبَابَ} : أَمرٌ بدخول القرية بعد فتحها. وموسى عليه السلام لم يدخل تلك القرية؛ لأَنها فتحت بعد التيه بقيادة يوشع.

وموسى عليه السلام توفي أَثناء التيه.

واختلف في هذا الباب الذي أُمروا أَن يدخلوه سجدا. فقيل: هو باب بيت المقدس.

(1) سورة الأعراف، الآية:171.

ص: 961

روى ابن المنذر وغيره، عن قتادة:"كنا نتحدث أَنه باب من أَبواب بيت القدس"، وقيل: باب إيلياء.

وقيل: باب أريحاء.

وقد أمروا أن يسألوه تعالى أن يحط عنهم ذنوبهم، فيقولوا:"حِطَّةٌ".

كما جاءَ في قوله تعالى { .... وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ

} (1).

ولكنهم لما دخلوا منتصرين، تنكروا لما أمرهم الله به من الخضوع والخشوع لله سبحانه.

بل سخروا بالخشوع والاستغفار واستبدلوا بهما عملا ماجنا، وقولا هازئا.

فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه رسلم قال: "قِيلَ لِبَني إسْرَائِيلَ ادْخُلوا الْبَابَ سجَّدًا وَقُولُوا حِطَّة، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أسْتَاهِهِم فَبَدَّلُوا، وَقَالُوا: حِنْطَة؛ حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ"(2).

وفي ذلك يقول الله تعالى: "فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأنزَلْنَا عَلَى اَلذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا منَ السَّماَءِ بِهَ كَانُوا يَفْسُقُونَ"(3).

{وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا في السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} :

نهاهم الله عن العدوان في يوم السبت: بفعل ما حرم عليهم فيه من صيد الحيتان وغيره، وأخَذَ عليهم بذلك ميثاقا غليظا - أَي عهدا مؤَكَّدا -.

ويجوز أن يكون المراد بالميثاق الغلِيظ هنا؛ هو ما أخذه الله منهم بعد رفع الجبل فوقهم كأَنه ظلة، تهديدا لهم. فقد أَعطوْا موسى عليه السلام عهدا بالعمل بالتوراة، تحت تأثير هذا التهديد.

(1) سورة البقرة، من الآية: 58

(2)

أخرجه البخاري في تفسير سورة البقرة.

(3)

سورة البقرة، الآية: 59

ص: 962

{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156)} .

المفردات:

{فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} : أي فبسبب نقضهم ومخالفتهم للعهد الوثيق المؤكد.

و (مَا) في قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِم} : لتوكيد هذا النقض، فإنها كثيرا ما توصل بالكلام لهذا الغرض كقوله تعالى:"فَبِمَا رَحْمَةٍ منَ اللَهِ لِنتَ لَهُمْ": أي فبرحمة مؤَكدة من الله كنت لينا معهم.

{قُلُوبُنا غُلْفٌ} : أي مغلفة ومغطاة بأَغشية تمنعها من قبول ما جاءَ به الرسول.

وغلف: جمع أغلف. وهو: مما له غلاف.

{طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} : أي تخلى عن هدايتها بسبب إصرارهم على الكفر.

{بُهْتَانًا عَظِيمًا} : كذبا فظيعا؛ يبهت من يقال فيه، ويدهشه، ويحيره.

التفسير

155 -

{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ

} الآية.

ختم الله الآية السابقة بقوله.: {وَأخَذْنَا مِنْهُم ميثَاقًا غَلِيظًا} وجاءَت هذه الآية بعدها

ص: 963

تطوى تحت إِيجازها: أنهم نقضوا هذا الميثاق، وأنهم عوقبوا بسبب هذا النقض (1).

والإِيجاز مقصد من مقاصد البلاغة.

والمعنى: فَنَقَضَ بنو إِسرائيل الميثاق الغليظ الذي أخذناه عليهم، فبسبب هذا النقض، لعَنَّاهم وعاقبناهم، كما لعناهم وعاقبناهم بسبب كفرهم بآيات الله الكونية العجيبة، التي أَجراها لله على يد موسى، إذ عبدوا العجل بعدها، وقالوا:{أَرِنَا الله جَهرَةً} .

وكذلك آيات التوراة، فقد أَخفوا ما جاءَ فيها من بشارات عن النبي محمَّد صلى الله عليه وسلم، أَو أَساءُوا تَأَويلها؛ ليبرروا كفرهم به.

وكما لعنَّاهم بذلك، لعناهم بقتلهم أَنبياءهم بغْيًا وحسدًا، دون شائبة من الحق، كما فعلوا بيحيى وزكريا وشعيب وغيرهم عليهم السلام ولعناهم وعاقبناهم بقولهم:{قُلُوبُنَا غُلْفٌ} .

والمقصود من قولهم: (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أَنها محجوبة ومغلفة بغلاف من الصدود والرفض لدعوتك يا محمَّد، فلن تصل إليها براهينك، فلا تُتعبِ نفسك معنا.

ويجوز أن يكون المراد: أَن قلوبهم أَوعية للعلم وأَغلفة له، فليسوا بحاجة إلى علم جديد، وهذا الأخير مبني على أن غُلْف - بسكون اللام - مخفف غُلُف - بضمها - جمع غلاف.

وكلا المعنيين قبيح بهم، فالصد عن الحق، والإِعراض عنه، لا يجوز ممن يدَّعون العلم، ويتعالون به على الناس، فهم أَولى بالأَخذ به من الجهلاءِ.

{بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} :

هذا رد من الله لا أَرادوه من قولهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أَي ليست قلوبهم مليئة بالعلم كما زعموا. وليس فيما جاءَ به محمَّد ما يصرفهم عن قبوله. فهو الحق الذي ينفذ إِلى

(1) وعقوبتهم وإن لم تشر إليها الآية فهي مفهومة استلزاما من حكايته ذنوبهم الفظيعة. وللتصريح بها في آية المائدة المماثلة لها: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لعناهم .. } وعلي هذا تكون الباء في قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} متعلق بفعل مقدر أي فلعناهم بسبب نقضهم ميثاقهم

إلخ.

وأجاز بعضهم تعلقه بفعل تقديره (لا يؤمنون) أخذا من قوله في آخر الآية: (فلا يؤمنون إلا قليلًا).

وقيل هو وما عطف عليه؛ من قتلهم الأنبياء، وقولهم:"قلوبنا غلف"، وقوله:"وبكفرهم"، وقوله:"وقولهم على مريم"، وقولهم:"إنا قتلنا المسيح" وقوله: "فبظلم" - كل ذلك - متعلق بقوله: "حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم".

ص: 964

شغاف القلوب، ولكن الأَمر أَن الله طبع على قلوبهم وحجبها عنه؛ بسبب إصرارهم على الكفر والمعاصي. (فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلاً):

أي فلا يؤْمنون إلا إيمانا قليلًا، ليس له وزن عند الله، لفقدانه العناصر الضرُورية لصحته. فهو والعدم سواء.

156 -

{وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} :

هاتان سيئتان من سيئاتهم المنكرة، معطوفتان على ما تقدم منها، من سيئات، مثل نقض الميثاق والكفر بآيات الله .. إلخ. داخلة جميعها في حيز السببية لِلَعْن الله لهم، وعقابه إِياهم، كباقي سيئاتهم التي ستأْتي بعد.

والمعنى: فبسبب نقضهم ميثاقهم وما تلاه من قبائحهم، وبكفرهم بعيسى عليه السلام، ورميهم أُمه مريم الطاهرة بالزنى، لعنَّاهم وطردناهم عن رحمتنا، فإِنها عليها السلام وإن حملت وهي غير متزوجة، فقد برَّأَها الله من السِّفَاح، على لسان وليدها الذي أنطقه الله عقب الوضع، فَبرَّأَ والدته، وأخبرهم أَنه عبد الله، وأَنه آتاه الكتاب وجعله نبيا .. إلخ.

{وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)} .

المفردات:

{شُبِّهَ لَهُمْ} : أَي أَلقى شبهه على غيره لينجو من القتل فاشتبه عليهم.

{لَفِي شَكٍّ مِنْهُ} : أي لفي حيرة وتردد، وليس إلى الجزم - بأَنه عيسى - من سبيل.

ص: 965

التفسير

157 -

(قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ

) الآية.

أي ولُعِنوا بقولهم - على سبيل الفخر - إِنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم، فنسبوه إلى أُمه تهكما به، وغمزًا له ولأُمه - بما هو معروف من رأْيهم فيهما إلى يومنا هذا - مع أَن عيسى برَّأها أَمامهم في مهده، وقال لهم: "

إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نبيا" (1)

وكفى بذلك آية على طهرها

فإن الطفل لا يتكلم - في مهده - إلا بباعث من الله، وإِذن منه.

وكلمة (رَسُولَ اللهِ): إن كانت من قول اليهود، فهي من باب التهكم بدعواه أَنه رسول الله، كما قال المشركون في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم: "

يَأ أيهَا الَّذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الِذّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ" (2). فكأنهم يقولون: إِنا قتلنا المسيح الذي يزعم أنه رسول الله. ولو كان كذلك، لما استطعنا قتله.

وأَما إِن كانت من قول الله تعالى وليست من قولهم، فهي استئناف من الله تعالى أريد به مدح عيسى عليه السلام، ورفعُ منزلته، وإظهارُ غاية جراءَتهم عليه، ووقاحتهم في شأنه، إِذ تصَدَّوْا لقتله وهو رسول الله.

ولقد كذبهم الله في دعواهم قتله وصلبه، فقال:

(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ):

وذلك أنهم تآمروا على قتله، مع الحاكم الروماني الذي كان يحكم بيت المقدس، بعد أن أفهموه أن دعوته خطر على الحكم الروماني وعلى الشعب، فإنه سيجمع الأمة على رفع سلطتهم عن الأرض المقدسة وإِجلائهم عنها. فظاهَرَهُم على قتله، واتخذوا من أَحد حوارييه جاسوسا عليه، يرصد حركاته وتنقلاته ويخبرهم بها، وكان اسمه يهوذا الإسخريوطي. وقد جعلوا له - في مقابل ذلك - ثلاثين درهما.

(1) سورة مريم، من الآية: 30

(2)

سورة الحجر، من الآية: 6

ص: 966

وفي يوم عيد لهم، كان السيد المسيح ضيفا مع حوارييه عند بعض اتباعه، وكان يهوذا معهم، فأخبرهم - السيد المسيح - أَن أَحدهم سيسلمه إلى الأعداء. فقال يهوذا: هُوَ ذَا أنا يا معلم؟ قال: أنت قلت ..

وفي اليوم التالي جاءت قوة من الرومان يتقدمهم يهوذا، ودخلوا عليه حيث يوجد في دار مضيفه، فألقى الله شبهه على يهوذا، ورفع عيسى إِليه، فقبضوا على يهوذا ليصلبوه ويقتلوه، فقال لهم: أنا يهوذا. فقالوا: بل أنت عيسى، فإن كنت يهوذا كما تدعى فأين عيسى؟ فقال لهم هذا الشبيه: إِن كنت أنا عيسى - كما قلتم - فأين يهوذا؟ فلم يأبهوا لجداله، وأَخذوه وصلبوه.

هذه هي إحدى الروايات التي ذكرت في الرجل الذي ألقى الله شبه عيسى عليه فقتلوه مكانه (1)

وهناك روايات أخرى لا نرى داعيا لذكرها.

ونقول: إن القرآن الكريم، أمسك عن ذكر اسم مَن أَلقى الله عليه شبهَ عيسى فقتل مكانه، واكتفى بنفي قتلهم وصلبهم لعيسى وأَنه شُبِّهَ لهم.

وهذا هو القدر الذي يتحتم القطع به. أما مَا سواه، فيحتمل الصدق والكذب. والله تعالى أَعلم.

(وَإنَّ الذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ):

لما قتل الرومان واليهود هذا الشبيه الذي جعله اللهُ فداءً لعيسى، اختَلَفَ الناسُ في شأنه.

فمن قائل: إنه هو المسيح وكان كاذبا فقتلناه.

وقال آخرون: إِن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأَين عيسى؟

وقال غيرهم: لا نظن أَنهم قتلوه، فالوجه وجه عيسى والجسد لغيره.

وبالجملة: فإن أمارات القطع - بأَنه هو أَو غيره - لم تكن متوفرة لديهم. فلذلك شَكُّوا، واختلفت أَقوالهم في شأنه.

(1)

إنجيل برنابا، ملخصا.

ص: 967

ومن عجيب أن تنص أَناجيل المسيحيين، على أَن المسيح أخبر حوارييه أنهم جميعًا سيشكون فيه ليلة الصلب (1) فكيف ساغ لهم القطع بقتله وصلبه، حتى أَلزموا أنفسهم تأْويلات سخيفةً، ناشئة عن اعتقادهم أُلوهيته وصلبه، إِذْ زعموا أَنه صُلِب ليفتديَ أهلَ الخطايا جميعًا!!.

وهذا زعم لا يقبله عاقل. فإنه إِن كان إلها، أَو ابن الله كما زعموا: يستطيع أَن يغفر لمن شاءَ، وَألَّا يُحَكِّم في جسده أَسلحة أَعدائه، كما أَنه - باستسلامه لهم - تسبب في زيادة خطاياهم بقتله، وهذا عكس المقصود!!

(مَا لَهُم بِهِ مِنْ علم الَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ):

بعد أَن أثبت الله شك المختلفين في أمره، وأنهم لا ينزعون - فيما قالوه في شأنه - عن يقين، بل عن حيرة وتردد في أمره، أَكد ذلك بقوله:(مَا لَهم بهِ مِنْ عِلْم) أي ليس لهم بما قالوه في قتل عيسى علمٌ ناشيءٌ عن أدلة يقينية: (إلَاّ اتِّبَاعَ الظّنَّ) أي لكنهم يتبعون - فيما قالوه - الظن والتخمين.

(وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا):

هذا تأكيد ثانٍ. أي وما قَتَلَ اليهودُ والرومانُ عيسى قتلا يقينا.

158 -

(بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ):

أَي: بل رفعه الله إِلى موضع؛ تولى الله فيه حفظه وحمايته، حتى لا يجريَ فيه حكم أعدائه.

(وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا):

أَي وكان الله - ولم يزل - غالبا لا يعجزه شيء، حكيما فيما يصنع؛ فلذلك نَجّى عيسى مِن أَعدائه، ولم يمكِّن من جسده الشريف خصومَ الحق.

(1) جاء في إنجيل متى - إصحاح 26 فقرة 31. وإنجيل مرقص - إصحاح 14 فقرة 27 - أن السيد المسيح قال لحوارييه: (كلكم يشكون فيَّ هذه الليلة) يقصد الليلة التي قتل فيها، وهذا مصدق لما جاء في القرآن من شكهم فيه.

ص: 968

(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)

التفسير

159 -

(وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ

) الآية.

أَي وما من أَحد من أَهل الكتاب، إِلا ليؤْمنن بعيسى قبل موته، والضمير في (مَوْتِهِ) راجع إِلى عيسى عليه السلام كما جنح إِليه بعض المفسرين.

ومعنى ذلك: أَن عيسى حين ينزل - آخر الزمان - يجتمع الناس على الإِيمان بأَنه رسول الله، فلا يعود اليهود إلى تكذيبه، ولا النصارى إِلى ادعاءِ أُلوهيته، أَو بنوته لله تعالى.

وبذلك يؤمنون به جميعًا قبل أَن يموت. وتصبح الأَديان كلها دينًا واحدا، هو دين الإِسلام، الذي جاءَ به محمد صلى الله عليه وسلم .. ليكون خاتمَة الأَديان باقيا إِلى آخر الزمان.

وحجة مَن قال برجوع الضمير في كلمة: (قَبْلَ مَوْتِهِ) إِلى عيسى: إِن هذا هو ظاهر النص القرآني. وظاهر ما جاءَ في السنة الصحيحة.

فقد أَخرج البخاري في كتاب: الأَنبياء، عن أَبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنّ أَن يَنزِلَ فيكُم ابْنُ مَرْيمَ حكَمًا عَدْلًا، فَيكْسرَ الصِّليبَ، ويقْتُلَ الخِنزِيرَ، ويضعَ الجِزْيَةَ (1)، ويفيضَ المالُ حتى لا يقبَلهُ أَحَدٌ، حتى

(1) أي لا يقبلها من أحد عن أهل الأديان؛ لأنه لا يقبل غير الإِسلام دينا.

ص: 969

تكونَ السَّجدةُ الواحِدَةُ خَيْرا مِنَ الدُّنيَا وما فِيهَا

" ثم يقول أَبو هريرة واقرءُوا إِن شئتم: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا).

هكذا رواه مسلم، عن أَبى هريرة، وزاد: أَنه (يَقْتُلُ الدَّجَّالَ).

والدليل على أَنه يحكم بشريعة الإِسلام، ما رواه البخارى، عن نافع - مولى أَبي قتادة الأَنصارى - أَن أَبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَيْفَ أَنتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكمُ الْمَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ، وإِمامُكم مِنْكُم

" إِلخ! وفي رواية لأَحمد مع زيادات.

ورأَى بعض المفسرين: أَن ضمير (قَبْلَ مَوْتِهِ) يعود على (أَحَد) مقدر، أَي وما أَحد من أَهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى، قبل موت هذا الأَحد.

وحاصل المعنى على هذا: أَن كل يهودي ونصراني - وهو يحتضر - يؤمن بعيسى قبل أَن تزهق روحُهُ، فيعتقد أَنه - أَي عيسى - عبدُ الله ورسوله، لأَن حقائق الحق تنكشف للمحتضر؛ ولكن هذا الإِيمان لا ينفعه، لأَنه حدث في وقت انقطع فيه عنه التكليف، لأَن وقت الغرغرة من عالم الآخرة.

ويؤيد هذا الرأْي قراءة أُبَيّ: (لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ) بضم النون، وصيغة الجمع.

وقد جنح إِلى هذا الرأْي، ابن عباس، كما نقله عنه ابن المنذر وغيره.

والإِخبار بحالتهم هذه وعيدٌ لهم، وتحريض على المسارعة إِلى الإِيمان بعيسى عليه السلام قبل أَن يُضطَرُّوا إِليه - عند الموت - مع عدم فائدته.

(وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا):

أَي ويوم القيامة يكون عيسى على أَهل الكتاب شهيدا، فيشهد على اليهود؛ بتكذيبهم إِياه، وعلى النصارى بقولهم فيه: إِنه ابن الله.

ص: 970

(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161).

المفردات:

(الَّذِينَ هَادُوا): هم اليهود. هادوا: أَي تابوا من عبادة العجل.

(أَعْتَدْنَا): أَعددنا لهم قبل قدومهم.

التفسير

160 -

(فَبِظُلْم مِّنَ الّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ

) الآية

الحديث لا يزال موصولا في شأْن أَهل الكتاب.

والمعنى: فبسبب ظلم عظيم من الذين هادوا -أَي تابوا من عبادة العجل- حرمنا ما كان حلالًا لهم من الطيبات، ولم نحرمه ابتداءً بغير ذنب منهم، كما يزعمون، وذلك أَن الطيبات كانت حلالًا لهم، منذ بدءِ تكليفهم بشريعة موسى، كما كانت حلالًا لهم قبل أَن تنزل التوراة، منذ عهد إِسحق الذي اشتهر بإِسرائيل.

ولكن هؤلاءِ اليهود كانوا كثيري الآثام وكبائر الذنوب فلذا عاقبهم الله بتحريم بعض الطيبات عليهم، فكانوا كلما ارتكبوا كبيرة من كبائرهم، حرَّم الله عليهم نوعا من الطيبات التي كانت حلالًا لهم ولمن سبقهم. جزاء على ما ارتكبوا.

ولما أَنزل الله هذه الآية الكريمة التي تدمغهم بالجريمة والعقاب، تبجحوا وافتروا على الله تعالى فقالوا: لسنا بأَوَّل مَن حُرِّمت عليه تلك الأَطعمة. وإنما كانت محرمةً على

ص: 971

نوح، وإِبراهيم عليهما السلام وعلى من بعدهما، حتى انتهى الأمر إِلينا. وادعوا أَن ذلك ثابت في التوراة. فأنزل الله -في سورة آل عمران- تبكيتا لهم وتحدّيا، قوله تعالى:"كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"(1) وقد مضى الكلام عن ذلك في تلك السورة.

والمراد بالطيبات: ما طاب ولذَّ لآكله. وسيأْتي الحديث عما حرم عليهم بظلمهم عند الكلام على قوله تعالى: "وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ

" 146 من سورة الأنعام.

(وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا):

أَي وحرمنا عليهم الطيبات - أَيضا. بسبب صدهم ومنعهم الناس منعا كثيرا عن طاعة الله، التي هي السبيل الموصلة إِلى مرضاته.

161 -

(وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ

) الآية.

أَي وحرمنا عليهم الطيبات - أَيضا - بسبب أَخذهم الربا في أَموالهم التي يقرضونها غيرهم، وفي أَخذهم أَموال الناس بغير حق.

وكل ذلك كان محرما عليهم في التوراة الأَصيلة التي أَنزل الله على موسى، ولكنهم ابتدعوا حِلَّ ذلك بالنسبة لغير اليهود، فقد أَباح لهم تلمودهم (2) أَموال غيرهم يأْخذونها بأَي طريق، كما أَباح لهم سفر الخروج (3) أَن يأخذوا أَموال المصريين وأَمتعتهم وحليّهم وهم خارجون من مصر، وكل ذلك مدخول على ما شرعه الله في التوراة، وباطل لا يشرعه الله.

(1) سورة آل عمران، الآية: 93

(2)

التلمود: هو تشريع يهودي لم ينزل على نبي. وهو في حجم التوراة أو أكبر منها عندهم. ويعج بالعصبية اليهودية العمياء.

(3)

سفر الخروج: إصحاح (3) فقرة (22).

ص: 972

وقد ابتدع هذا الشعب النَّهِمُ الذي لا يشبع، ما لا يعرفه الناس من الوسائل الظالمة، لابتزاز أموال الناس بالباطل، حتى أثْرَوْا إثراءً فاحشا، وتحكموا في كل مصادر ثروات الناس، وأَجهزتهم الإِعلامية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية.

وأَصبح واجبا على المجتمع الدولي أن يأخذ على أَيديهم قبل أَن تحل الكارثة التي يبيِّتونها للبشرية.

(وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا):

أي وأعدَدْنَا - في الآخرة - للكافرين منهم خاصة، عذابا شديد الإِيلام.

وقد استفيد مما تقدم: أن العقوبات الدنيوية، يقع أَثرها على الكافر والمؤمن والعاصي والطائع. وهي للعصاة عقاب، وللمطيعين ابتلاءٌ. وفي ذلك يقول الله تعالى:

"وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّة

" (1).

أَما العقوبات في الآخرة، فإِنها تختص بالعصاة والكفار. ولذا قال تعالى في عقوبة الآخرة:(وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا اليمًا): فخص الكافرين بالعذاب، وقال في عقوبة الدنيا:(فبظُلْم مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أحِلَّتْ لَهُمْ).

فعمَّ جميع اليهود بتحريم الواد من الطيبات.

{لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)} .

(1) الأنفال، من الآية: 25

ص: 973