المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تسمى سورة العقود أيضا - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٢

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌تسمى سورة العقود أيضا

‌سورة المائدة

‌تسمى سورة العقود أَيضا

.

أَما تسميتها بسورة المائدة فلأَنها تحدثت - في أَواخرها - عن المائدة التي طلب الحواريون من عيسى بن مريم عليه السلام أَن يسأَل ربَّه أَن ينزلَها عليهم: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ)(1).

وأَما تسميتها: سورة العقود. فلأَنها افتتحت بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ)

الآية، ولأَنها ذُكِرَ فيها كثيرٌ من المواثيق، التي أخذت على بني إِسرائيل.

وهي مدينّةٌ جميعها، ومنها:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)(2)، فإِنها نزلت بعرفة، عام حجة الوداع.

فقد ورد في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه "أَن هذه الآية، نزلت عشية عرفة، يوم الجمعة، عام حجة الوداع".

وكل ما نزل بعد الهجرة يعتبر مدنيا. وإِن نزل بغير المدينة.

وهذه السورة من أَواخر القرآن نزولا.

ووجه المناسبَة بينها وبين سورة النساء التي قبلها في ترتيب المصحف:

أَن سورة النساءِ قد اشتملت على عدة عهود، وسورة المائدة افتتحت بالأَمر بالوفاءِ بالعقود.

وفي سورة النساء تمهيد لتحريم الخمر بقوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصلَاةَ وَأنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ

) الآية، وسورة المائدة حرّمتها تحريما قاطعا بقوله تعالى:(إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ)(3).

(1) المائدة، من الآية: 112

(2)

المائدة، من الآية: 3

(3)

المائدة، من الآية: 90

ص: 1001

كما أَن السورتين اشتركتا في الدعوة إِلى التوحيد وإِبطال عقيدة النصارى في عيسى، ودعواهم: أَنه ابن الله، وأن الله ثالث ثلاثة

إِلى غير ذلك من المناسبات.

ومما اشتملت عليه هذه السورة من المقاصد:

1 -

وجوب الوفاء بالعقود؛ قد جاءَ في السورة ذكر العقود والمواثيق التي أَخذها الله على بني إِسرائيل وإِن دأبوا على نقضها، ومعاقبة الله تعالى لهم على ذلك بأَنواع العقوبات.

2 -

ذكر ما أَحلَّه الله - تعالى - من الأَطعمة وما حرّمه منها، كما جاءَ في السورة، وذكر ما حرّمه العرب على أَنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، مما لم يحرمه الله.

3 -

وفيها بيان لأحكام الطهارة ويسر الشريعة.

4 -

وذكر فيها: نقض بني إِسرائيل للعهود، وتحريفهم هم والنصارى الكتاب المقدس، ورفضهم دخول الأَرض المقدسة.

5 -

وقصة ولدي آدم، وما كان من ارتكاب أَول جريمة للقتل في الأَرض وأَن سببب ذلك هو الحسد والمنافسة.

6 -

عقوبة قطاع الطريق، وحد السرقة.

7 -

هيمنة القرآن على ما قبله من الكتب السماوية. ووجوب الحكم به: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ).

8 -

المسلمون أولياء بعضهم البعض.

9 -

النهي عن تحريم طيبات ما أَحله الله: (لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا).

10 -

الأَيمان وكفارتها.

11 -

تحريم الخمر والميسر، والأَنصاب والأَزلام.

12 -

حكم الصيد برًّا وبحرا وفي الحَرَم، وفي الإِحرام.

13 -

مكانة الكعبة الشريفة، وأَنها قيام للناس جميعاً وأمان للإِنسان والحيوان. فهي حَرَم آمن.

14 -

إِشهاد المحتضر على وصيته اثنين ذَوَيْ عدل وحلفهما.

ص: 1002

15 -

وفيها ذكر للمعجزات التي أَظهرها الله على يدي المسيح تصديقا له، وتأْييدا. وطلب الحواريين منه أَن يسأَل ربه أَن ينزل عليهم مائدة من السماءِ.

16 -

وفي الختام، ذكَرَت يوم القيامة، وأَنه اليوم الذي ينفع فيه الصادقين صدقهم، وجزاءُ الله لهم عليه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)).

المفردات:

(أَوفُوا بِالْعُقُودِ): الوفاءُ؛ الإِيتاءُ بالشيء وافيا. والعقود: جمع عَقْد. والمراد منه هنا: العهد الموَثَّق.

(بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ): البهيمة؛ هي ما لا عقل له من الحيوان. وخصصت - في العرف - بذوات الأَربع. والأَنعام: هي الإِبل والبقر والغنم .. وأُلْحِق بِها ما يماثلها .. كالظباء وبقر الوحش وَحُمُرِه. والإِضافة هنا: بيانية أَي بهيمة هي الَأنعام.

(حُرُمٌ): أَي محرمون بالحج أَو العمرة.

التفسير

1 -

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .... ) الآية.

ينادي الله سبحانه وتعالى عباده المؤْمنين، آمرا إِياهم: بالوفاء بجميع العقود.

ص: 1003

وهذا أَمر عام: يشمل جميع ما أَلزم الله به عباده، وعقده عليهم: من التكاليف والأَحكام الدينية، وما يعقدونه - فيما بينهم - من عقود الأَمانات والمعاملات ونحوها، مما يجب الوفاء به.

فيجب على كل مؤْمن - بمقتضى أَمر الله سبحانه وتعالى أَن يَفِيَ بما عقده وارتبط به. ما لم يكن العقد محلّلًا لِحَرَامٍ، أَو محرِّما لحلال؛ فذلك يحرم تنفيذه كما حَرُمَ توقيعه.

أَمر الله سبحانه وتعالى المؤْمنين بالوفاءِ بالعهود على وجه الإِجمال. ومنها إِباحة تناول الطيبات، وتحريم الخبائث.

وبدأَ بما يتعلق بضروريات المعايش فقال:

(أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأنْعَامِ):

أَي أُحلت لكم - أَيها المؤْمنون - أَكل بهيمة الَأنعام: من الِإبل والبقر والغنم وما شابهها. من الظباءِ، وبقر الوحش، والحمر الوحشية.

(إِلَاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ):

استثنى من هذه الَأطعمة ما سيتلى في الآية الثالثة من هذه السورة، مما حَرمَّه الله سبحانه فإِنه يجب اجتنابه.

(غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأنتُمْ حُرُمٌ):

أَي: هذه الأَنعام حلالٌ لكم، حالة كونكم غير مُحِلِّي الصيد وأَنتم محرمون بالحج أَو العمرة.

فلا يجوز لكم الاصطياد - أَو الانتفاع بالمصيد - ما دمتم محرمين فإِذا تحللتم من إِحرامكم، فلا جناح عليكم أَن تصيدوا، أو تنتفعوا بالمصيد، ولكن في غير الحرم.

أما الحَرَمُ، فلا يحل الاصطياد فيه، ولا الانتفاع بما صيد فيه، سواءٌ في ذلك المحْرِم وغير المحرِم.

ص: 1004

(إنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ):

أَي: إِن الله سبحانه وتعالى يقضي في خلقه بما يشاءُ. ومن ذلك تحليل ما أَراد تحليله، وتحريم ما أَراد تحريمه

كما يشاءُ حسبما يعلمه سبحانه وتعالى من المصالح لعباده، لا حسب شهواتهم وأَهوائهم.

وفي ختم الآية بذلك، بيان أَن موجب الحكم والتكليف، هو إِرادته سبحانه وتعالى، فلا اعتراض عليه فيما شرع. ولا معقب لحكمه.

وعلى العباد أَن يمتثلوا أَمره تعالى، ويجتنبوا نهيه، وفاءً بعهده. سواء أَدركوا حكمة التشريع، أَم لم يدركوها.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2).

المفردات:

(شَعَائِرَ اللهِ): جمع شعيرة، وهي: العلامة. والمراد: ما جُعِلَ شعارا وعلامة للنسك. من مواقف الحج.

(الشَّهْرَ الْحَرَامَ): الَأشهر الَأربعة التي حرَّمها الله وهي:

ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.

ص: 1005

(الهَدْيَ): ما يُهدَى إِلى الحَرَم الشريف من الأَنعام.

(الْقَلَائِدَ): جمع قلادة، وهي: ما يُعَلَّق في عنق الأَنعام، علامةً على أَنها هَدْى.

والمراد: ذوات القلائد.

(آمِّينَ): قاصدين.

(لَا يَجْرِمَنَّكُمْ): لا يَحْمِلَنَّكُم.

(شَنَآَنُ): بُغْض.

(صَدُّوكُمْ): منعوكم.

(الْبِرّ): كلمة تجمع وجوه الخير.

(الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ): الِإثم؛ الذنب مطلقا. والعدوان؛ خاص بما يقع على الغير.

التفسير

لمَّا بيَّن الله سبحانه وتعالى حُرْمة الاصطياد في الِإحرام، عقب ذلك بنهي المؤمنين عن استحلال شعائر الله، ومعالم حدوده فقال:

2 -

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ

} الآية.

هذا نداءٌ: ثانٍ من الله تعالى للمؤمنين، في قوة النداء السابق بالوفاء بالعقود، لتساوي

الحكمين وجوبا فيقول تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ} :

أَي لا تستبيحوا وتنتهكوا أيَّةَ شعيرة من شعائر الدين: في الحج أَو غيره؛ لأَنه يؤَدي إِلى الاستخفاف بالشرع. وذلك كفر بالله سبحانه وتعالى لأَنه هو المُشرِّع.

(وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ):

أَي: ولا تستبيحوا وتستحلوا القتال في الأَشهر الحُرُم، وذلك لحرمة القتال فيها، إِلا إِذا اضطُررتم إِلى ذلك. فإِنه لا يحرم عليكم القتال فيها.

قال تعالى: "الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشهْرِ الحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ

" (1).

(1) البقرة، من الآية: 194

ص: 1006

والأَشهر الحُرُمُ هي: - كما قدمنا - ذو القعدة، وذو الحِجة، والمُحرم، ورجب.

(وَلَا الْهدْىَ ولَا الْقَلائِدَ):

كذلك نهاهم أَيضا، عن أَن يعتدوا على الهَدْيِ الذي يُهدَى إِلى الحرم، من الأنعام لينتفِع به عباد الله، أَو أَن يعتدوا على ما قُلِّدَ من هَدْيِ الأَنعام، فَجُعِلتْ به علامة للدلالة على أَنه مُهْد إِلى بيت الله، وذلك بقوله تعالى:(وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ): وخص القلائد بالنهي عن الاعتداءِ عليها - مع أَنها داخلة في الهَدي - تشريفا لها، واعتناءً بها.

والمراد من إِحلالِ الهَدْيِ والقلائد المنهي عنه - غصبها، أَو منعُها من بلوغ محلها، أَو إِصابتها بسوءٍ، وذهب ابن كثير إِلى أَن المعنى: لا تتركوا عبادة الإِهداءِ إِلى البيت الحرام فإِن فيه تعظيم شعائر الله. ولا تتركوا تقليدها في أَعناقها لتُعْرَف به عما عداها من الأَنعام، وليعلم أَنها هدى إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوءٍ، وتبعث من يراها على الإِتيان بمثلها.

ونهى الله أَيضا، عن أَن يتعرضوا لقاصدي البيت الحرام بسوءٍ، فقال:

(وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن ربِّهِمْ وَرِضوَانًا):

وذلك لأَنهم إِنما قصدوا أَداءَ المناسك، وابتغاءَ فضل الله ورضوانه.

وهذه المنهيات كلها، دليل على أَن الله يوجب أَن يكون زمان الحج ومكانه، وقاصده والبيت الحرام وما يهدى إِليه - كل ذلك - في أَمْن واطمئنان، فلا خوف ولا اضطراب في أَداءِ هذه الفريضة.

وتكرار "لا" أَربع مرات في (وَلَا الشَّهْرَ الْحرَامَ)، (وَلَا الْهَدْيَ)، (وَلَا الْقَلائِدَ)، (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) للدلالة على أَن قوة التحريم في كلٍّ واحدة.

وذكر كل واحدة من هذه المنهيات الخمس منفردة، مع أَنها مجمَلة في (شَعائِرِ اللهِ): لأَهميتها.

ص: 1007

(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا):

أَي وإِذا تحللتم أَيها المؤْمنون - من إِحرامكم وخرجتم من أَرض الحرم، فقد أُحِلَّ

لكم الاصطيادُ والانتفاع بالمصيد، كما تشاءُون. فإِنما حُرم عليكم الصيدُ - في أَرض

الحرم - سواء كنتم محرمين أَو محلين .. وكذلك حرم عليكم الصيدُ في حال الإِحرام -

مطلقا - في أَي أَرض تكونون.

(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا):

أَي: ولا يحملنكم بغضكم للمشركين - بسبب صدهم إِياكم - عن أَداءِ العمرة عام الحديبية بغير حق .. لا يحملنكم هذا البغض على الاعتداءِ عليهم بغير حق.

وهذا من عدالة الإِسلام وسماحته، فهو يكره الاعتداءَ دائما.

وهذه الآية - وإِن نزلت في شأْن عمرة الحديبية - فإِن حكمها عام في منع الاعتداءِ على الناس بغير حق، لدافع الكراهية أَو البغضاءِ.

(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَقْوَى (1)):

أَتبع الله سبحانه وتعالى النهي عن العدوان، بالأَمر بالتعاون على البر والتقوى، وكل ما فيه خير وصلاح للفرد والمجتمع.

(وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى اْلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ):

نهى - سبحانه - عن التعاون على المعاصي والمنكرات، وكل ما فيه إِضرار بمصالح الأَفراد والجماعات.

وعقب تلك النواهي بالتحذير من مخالفتها، فقال:

(وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ):

(1) راجع تفسير الآية: (177) من سورة البقرة.

ص: 1008

أَي: ولتكن تقوى الله - دائما، والخشية منه - ماثلة أَمام أَعينكم، في كل ما تأَتون وما تتركون، فراقبوه دائما في جميع أَعمالكم .. ومن أَهمها: تنفيذ ما أُمِرتم به، وترك ما نُهيتم عنه، واحذروا شديد عقابه، وأَليم عذابه، على المخالفة والعصيان.

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)).

المفردات:

(أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ): الإِهلال، رفع الصوت، والمراد مما أُهِل لغير الله به: ما ذكر غير اسم الله عليه عند الذبح.

(الْمُنْخَنِقَةُ): ما ماتت خنقًا.

(الْمَوْقُوذَةُ): هي التي ضُرِبت حتى ماتت.

(الْمُتَرَدِّيَةُ): ما سقطَت من علو فماتت.

(وَالنَّطِيحَةُ): ما نطحها غيرها حتى ما تت.

(السَّبُعُ): كلُّ حيوان مفترس.

ص: 1009

(ذَكَّيْتُمْ): ذبحتم ذبحا شرعيا.

(النُّصُب): جمع نصاب. وقيل: واحد الأَنصاب، وهي أَحجارٌ نصبوها حول الكعبة. وكانوا يذبحون عليها ويعظمونها.

(تَسْتَقْسِمُوا): تطلبوا معرفة ما قسم وقُدِّر لكم.

(بِالأَزْلَامِ): جمع زلم، وتسمى القداح، وهي سهام كانت عندهم في الجاهلية؛ يطلبون بها معرفة ما قسم لهم بتناولها، من نحو كيس وضعت فيه، وسيأْتي شرح ذلك.

(فِسْقٌ): خروج عن طاعة الله.

(يَئِسَ): اليأْس؛ انقطاع الرجاءِ.

(مَخْمَصَةٍ): شدة الجوع.

(مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ): مائل إِلى الإِثم، من الجنف وهو: الميل.

التفسير

3 -

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِه

) الآية.

بعد أَن ذكر الله - سبحانه - أَنه أَحل بهيمة الأَنعام، شرع في بيان المحرمات منها، التي استثناها بقوله:"إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ". وهي عشرة أَنواع:

1 -

(الْمَيْتَةُ): وهي التي ماتت بدون تذكية مشروعة، لأَن الغالب فيها: أَنها ماتت من مرض، فلا يحل أَكلها؛ لما فيها من الضرر؛ ولأَنها تعافها الأَنفس.

2 -

(وَالدَّمُ): والمراد به؛ الدم السائل. وحكمة تحريمه، أَن فيه من الجراثيم والفضلات ما يؤذي مَن يتناوله. بخلاف المتجمد منه، وهو الكبد والطحال وما يتخلل اللحم، فإِن هذه ليست من الدم المسفوح، وليست محرمة.

3 -

(وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ): والمراد، لحمه ودهنه، وكل شيءٍ فيه. وذلك: لخبثه، وللأَضرار. التي تنشأُ عن أَكله.

ص: 1010

4 -

(وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ): أَصل معنى الإِهلال؛ رفع الصوت، وكان أَهل الجاهلية يذبحون باسم أَصنامهم، رافعين أَصواتهم بذلك.

والمراد منه: ما ذبح على غير اسم الله؛ لأَن الذبح لغير الله فيه تعظيم لذلك الغير. والآكل من هذا المذبوح مشارك في التعظيم لغير الله.

5 -

(وَالمُنْخِنقَةُ): وهي التي ماتت خنقا ولم تذبح؛ وذلك لاحتباس الدم فيها وسواءٌ أَكان الخنق بفعلها أَم بفعل غيرها، فإِنها لا تحل.

6 -

(وَالْمَوْقُوذَةُ): وهي التي قذفت بمثقل كالحجارة ونحوها، حتى ماتت من الوقذ. أَي من الضرب، ولم تذبح ذبحا شرعيا.

7 -

(وَالْمُتَرَدِّيَةُ): وهي التي سقطت من مكانٍ عالٍ، أَو هوت في بئر فماتت من التردي.

8 -

(وَالنَّطِيحَةُ): وهي التي نطحتها غيرها فأَماتتها.

9 -

(وَمَا أَكَل السَّبُعُ): أَي ما افترسها السبع وأَكل منها، فلا يؤكل ما بقى، وكذا الحكم لو افترسها فماتت ولم يأَكل منها. وهذه الأَنواع من المنخنقة - وما عطف عليها - إِن أُدركَت وبها حياة فذكيت ذكاة شرعية، حَلَّ أَكلها.

واشترط الأَحناف في الحياة، أَن تكون فوق حياة المذبوح.

وقال غيرهم: يكتفى فيه أَن تدرك وبها حياة في الجملة كأَن تطرف عينها، أَو تضرب برجلها أَو غير ذلك. فمتى أَدركها الإِنسان وبها مثل هذا النوع من الحياة فذكَّاها - أَي ذبحها - حل أَكلها.

10 -

(وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ):

والنصب حجارة نصبها أَهل الجاهلية حول الكعبة. وكانوا يذبحون عليها، تقربا للأَصنام. وهو حرام؛ لأن في هذا الذبح تعظيمًا للأصنام، وهو إِشراك بالله سبحانه وتعالى.

ص: 1011

وهذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى؛ إِنما حرمت لأَن فيها إضرارا بالصحة أَو العقيدة.

(وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ):

كانوا يستقسمون بالأَزلام، أَي يطلبون معرفة ما لهم وما قدر عليهم، عن طريق الأَزلام.

والأَزلام: قطع من الخشب على هيئة السهام. وتسمى القداح. وهي ثلاثة: مكتوب على أَحدهما: أَمرنى ربي. وعلى الآخر: نهاني ربي. والثالث غفل من الكتابة. وكانوا في الجاهلية إِذا أَراد أَحدهم سفرا أَو غزوا. أَو زواجا أَو بيعا أَو نحو ذلك، أَتى إِلى بيت الأَصنام أَربابهم؛ ليطلب معرفة ما قسم له من هذا الذي أراده: أَيُقْدِم عليه؟ أَم يُحجِم عنه؟ فيحرك هذه الأَزلام، فإِن خرج الذي عليه، أَمرني ربي: أَقدم على الفعل. وإِن خرج الذي عليه، نهاني ربي: أَمسك وإِن خرج الثالث وهو الغفل: أَعاد ثانيا حتى يخرج الآمر أَو الناهي.

وهذا من الخرافات والأَوهام. التي لا يقدم عليها إِلا من سيطر على عقله الجهل. وجعل نفسه ألعوبة في أَيدي الكهان. ومن يدعون معرفة الغيب.

والإِسلام بريء من كل ذلك فطلب معرفة الْحَظِّ - عن طريق التنجيم وضرب الرمل والودع، وفنجان القهوة وما شابه ذلك - من الأُمور التي لم يشرعها الله.

وإِنما حرم الاستقسام، ومعرفة النصيب على هذا الوجه وما شابهه؛ لأَن خروج ورقة أَو نحوها؛ عليها: أَمرني ربي. أَو: نهاني ربي - رجمٌ بالغيب، وتَقَوُّلٌ على الله تعالى؛ لأَنه لا يمكن تعرُّف أَمر الله أَو نهيه بمثل هذا الطريق؛ لأَن الله لم يعط هذه الكائنات - أَو غيرها - معرفة قَدَرِه الذي استأثر بعلمه. قال تعالى: "

وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (1). فكيف نطلب العلم عن طريقها وفاقد الشيء لا يعطيه؟

(1) لقمان، من الآية: 34

ص: 1012

وإِن أَولئك الذين يلجأُون إِلى العرّافين والمنجمين ونحوهم، إِنما يتركون جانب الله العلم القدير، ويركنون إِلى أدعياء يجهلون كل شيء عن مراد الله تعالى، ويعرّضون أَنفسهم؛ لسخط الله، إِلى جانب إِهدار عقولهم وبذل أَموالهم فيما يضرهم ولا ينفعهم.

ولقد علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستخارة في الأُمور كلها. وهي من الالتجاءِ إِلى الله تعالى: أَن يقدر الخير لفاعلها ويُرَضِّيه به.

روى البخاري من حديث جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأَمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول:"إِذا هَمَّ أَحدُكُم بالأَمرِ فَليَركَعْ رَكْعَتَيْن من غَيْرِ الفَريضَةِ. ثُمَّ ليَقلْ. اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ. وأَستَقْدِرُكَ بقُدْرَتِكَ، وَأَسأَلُكَ مِن فَضْلِكَ العَظِيم. فَإِنَّكَ تَقْدِر وَلَا أَقْدِرُ، وتَعْلَمُ ولَا أَعْلَمُ. وأَنتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللهُم إِنْ كُنت تَعْلَمُ أَنَّ هَذا الأَمرَ - ويُسَمِّي حاجَتَهُ - خَيْرٌ لي في دِيِني وَمَعاشِي وَعَاقِبَةَ أَمْري - أَو قَالَ عاجِلَ أَمْري وآجِلَةُ - فَاقْدُرْهُ لِي، ويَسِّرْهُ ليِ، ثُمَّ بارِكْ لِي فِيه. وإِنْ كُنتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ - ويُسَمِي حاجَتَهُ - شَرٌّ لِي في دِيِني ومَعاشِي، وعَاقبَةِ أَمْري - أَو قال في عاجِلِ أَمْري وآجِلِه - فاصْرفْهُ عَنِّي واصْرفْنِي عَنْهُ، واقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ثمَّ رَضِّنِي - أَو أَرضِنِي - بِه". (1)

هذه هي الاستخارة المشروعة لمن أَراد أَن يوفقه الله لعمل الخير، وخير العمل.

(ذَلِكُمْ فِسْقٌ):

المشار إِليه، هو: كل ما ذكر من المحرمات السابقة؛ لأَن ارتكاب شيءٍ منها خروج عن طاعة الله تعالى، وعن دينه وشرعه. ولذلك كانت فسقًا. (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ):

المراد باليوم: يوم نزول هذه الآية، وهو عشية عرفة: عام حجة الوداع كما رواه الشيخان عن عمر رضي الله عنه.

وقد أَخبر سبحانه وتعالى، عباده المؤمنين، بأَن الكفار قد انقطع رجاؤهم من زوال دين الإِسلام. أو النَّيل منه ومن أَتباعه. فقد بدّل الله المؤمنين من ضَعْفِهِمْ قوةً، ومن خوفهم أَمْنًا، ومن فقرهم غنًى. فوجب عليهم أَلَّا يخشَوْا إِلا الله، وأَلَّا يرهبوا أَحدًا سواه.

(1) البخاري: ج 1 - باب التهجد بالليل.

ص: 1013

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ):

وقد أَكمل الله الدين لعباده. فبين حلاله وحرامه. فليسوا في حاجة إِلى تحليلٍ أَو تحريم بعد ذلك. وما كان من حكم غير منصوص، جاءَ عن طريق: الإِجماع، أَو القياس - فهو مستمد من الكتاب أَو السنة.

(وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي):

وأَتم الله عليهم نعمة النصر على الأَعداءِ والغلبة عليهم. فأَصبحَتْ لهم اليدُ العليا، ودخلوا مكة ظافرين منتصرين، وأَدَّوُا المناسك آمنين مطمئنين، وهُدِمَت معالمُ الجاهلية، وأُبْطِلت مناسِكُها، وانتَشَر الإِسلامُ في أَرجاء الجزيرة العربية.

(وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا):

واختار الله لهم الإِسلام دينا .. فمن طلب الهدى في غيره، فقد ضل سواءَ السبيل، وخسر خسرانا مبينا. (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ في اْلآخِرَةِ مِنَ الخَاِسرِينَ)(1).

وبنزول قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلَامَ دِينًا): عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَن رسالته تمت، وأَن أَجله اقترب، وأَنه عما قريب - لاحق بالرفيق الأَعلى.

(فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ):

هذا الجزءُ من الآية يتصل بقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) إِلى قوله: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ) وقد توسط قوله تعالى: (ذَلِكُمْ فِسْقٌ) إِلى هنا؛ لتأْكيد التحريم لما تقدم ذكره، لأَن تحريمَ هذه الخبائث، من جملة الدين الكامل. أَي: ما ذُكِر من المحرماتِ السابقة - محظورٌ تناول أَي شيءٍ منه في حالة الاختيار، ولكن قد يقع الِإنسان في الأَضرار بأَن تصيبَه مخمصة - أَي مجاعة - فتضطرَّهُ إِلى تناول شيءٍ من هذه المحرمات، إِنقاذًا لحياته، لأَنه لا يجد غيرَها أَمامه. فكان من رحمة الله بعباده أَن رَفَعَ الحرج عن المضطر، إِذا تناول شيئًا من هذه المحرمات، بشرط أَن يكون غير متجانف لإِثم: أَي غير مائل إِلى الإِثم. وذلك بتجاوزه حد الضرورة. ولذلك ختمت الآية بقوله تعالى: (فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ):

(1) آل عمران، الآية: 85

ص: 1014

أَي لا يؤَاخِذ الله من يُضْطَرُّ إِلى ذلك. وهذا من مظاهر رحمته سبحانه.

وقد قررت الآية مبدأَين من مباديء التشريع، بني عليهما كثير من فروع الشريعة؛ أَولهما: أَن الضرورات تبيح المحظورات.

ثانيهما: أَن الضرورة تقدر بقدرها .. وهذا من يُسْرِ الإِسلام وسماحته قال تعالى:

(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(1).

(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ في الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5).

المفردات:

(الطَّيِّبَاتُ): ما طاب من الأَطعمة وحَلَّ.

(الْجَوَارِحِ): واحدها جارحة. وهي الصائدة من الكلاب والفهود والطيور.

(1) الحج، من الآية:78.

ص: 1015

(مُكَلِّبِينَ): مبالغين في تدريبها على الصيد. فالمكلِّبُ: مؤَدِّب الجوارح ومدربُها على الصيد.

(الْمُحْصَنَات): العفيفات.

(مُسَافِحِينَ): مجاهرين بالزنى.

(أَخْدَانٍ) جمع خدن. وهو؛ الصديق في السر. يطلق على الذكر والأُنثى. والمراد من قوله: "وَلَا مُتَّخِدِي أَخْدَانٍ": ولا مسِرّين بالزنى مع الصديقات.

(حَبِطَ عَمَلُهُ): بطل ثواب عمله.

التفسير

4 -

(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ) الآية.

أَخرج ابن أَبي حاتم عن ابن جبير: أَن السائل: عديُّ بنُ حاتم. وزيُد بن المهلهل الطائيان - وكانا أَهل صيد - قالا: يا رسول الله، إِنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة.

وإِن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباءَ. فمنه ما ندرك ذكاتَهُ. ومنه ما تقتله، فلا ندرك ذكاته. وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا؟ فنزلت الآية.

(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ):

يسأَلك المؤْمنون: ماذا أَحل الله لهم من الطعام؟ فقُلْ لهم يا محمَّد: أَحَلَّ لكم ما تستطيبون أَكلَه وتشتهونه مما حَلَّ لكم ..

ولا شك أَن الأَشياءَ الممنوعة التي ذكرت في الآية السابقة، إِنما هي من المستقذرات التي تعافها النفوس بطبيعتها، ولا تشتهيها إِلا إِذا انحرفت عن طبيعتها وفطرتها.

(وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ):

وأَحل لكم كذلك صيد ما علمتم من الجوارح.

ص: 1016

(مُكَلِّبِينَ):

أَي مبالغين في تعليمها، بحيث تُصبح إِذا أُرسِلت استرسلت. وإِذا زُجرت ازدجرت، وإِذا أَمسكت صيدّا لم تأْكل منه شيئًا. وذلك هو ما عناه الله بقوله سبحانه:

(تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ):

أَي: تعلمونهن بعض ما علمكم الله من الحيل في الصيد.

(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ):

أَي: فكلوا من الصيد الذي أمسكته هذه الجوارح عليكم ومن أَجلكم. بأَن لم تأْكل منه شيئًا.

أَمَّا إذا أَكلت منه فلا تأْكلوه؛ لأَنها أَمسكته لنفسها، بدليل أَنها أَكَلت منه. وذلك ناشيءٌ من أَنها لم يتم تعليمُهَا.

(وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ):

أَي: واذكروا اسم الله على هذه الجوارح التي علمتموها عند إِرسالها.

روى أَصحاب السنن من حديث عدي بن حاتم: أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذا أَرسَلْتَ كلَابَكَ المعلَّمَةَ، وذكرتَ اسمَ اللهِ، فَكُلْ مما أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، إِلا أَن يأْكُلَ الكلْبُ فَلَا تَأْكُلْ، فِإني أَخافُ أَن يَكونَ إِنَّما أمْسَكَ على نَفْسِه".

ولأَجل هذا الحديث الذي شرح المراد من الآية، قال بعض الفقهاءِ: بحرمة الصيد الذي أَكل منه الجارح ولم يدركه الصائد حيا؛ لأَنه أَمسكه على نفسه.

وقال مالك والليث: يُؤْكَلُ وإِن أَكَلَ منه الكلبُ.

وقال أَبو حنيفة وأَصحابه: إِذا أَكل الكلبُ من الصيد فلا يُؤْكلُ منه، ويُؤْكلُ صيدُ البازي وإِن أَكل منه؛ لأَن تأْديب سباع الطير إِلى حد أَلا تأْكل منه متعذر، بخلاف الكلاب فإِنه غير متعذر.

ص: 1017

وإِن أدرك الصائد ما أكل منه السبع حيًّا حياة مستقرة. فذَكَّاه - أي ذبحه - حلَّ أَكلُه اتفاقًا، لقوله تعالى:(وَمَا أكَلَ السَّبُعُ إلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ).

وإن كانت حياته غير مستقرة وذكاه، فالحكم كذلك عند الجمهور لعموم الآية.

قال أَبو طليحة الأسدي: "سأَلتُ ابنَ عباس عن ذئب عدا على شاة فشق بطنيها، ثم انتشر قصبها - أَي أَمعاؤها - فَأَدْرَكْتُ ذكاتَها، فذكّيتُها، فقال: كُلْ، وما انتشر من قصبها فلا تأكل".

قال إسحاق بن راهويه: السُّنة في الشاة، على ما وصف ابن عباس. فإنها - وإن خرجت أَمعاؤُها - فهي حية بعد. وموضع الذكاة منها سالم. وإِنما يُنْظرُ - عند الذبح - أَحية هي أَم ميتة؟ ولا ينظر إِلى ما أصابها: هل تعيش معه أم لا؟

قال ابن إِسحاق: ومن خالف هذا فقد خالف جمهور الصحابة وعامة العلماء.

(وَاذْكُرُوا اسْم اللهِ عَلَيْهِ):

هذا أمرٌ بتسمية الله - تعالى - عند إرسال الكلب والطير على الصيد. فالحكم في التسمية عنده، كالحكم فيها عند الذبح.

وقيل: هو أمر بالتسمية على الصيد عند الأكل منه.

قال الآلوسي: وهو بعيد، وإن استظهره أبو حيان.

واستيفاءُ الأحكام مبسوط في المراجع الفقهية، فليرجع إليه من شاءَ.

(وَاتَّقُوا الله أن اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ):

واتقوا الله - أيها المؤمنون - في هذه الحدود، فلا تتجاوزوا ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم.

إن الله رقيب عليكم، ومحاسبكم على ما قدمتم من أعمال.

ص: 1018

وتذييل الآية، بالأَمر بالتقوى - إِثر بيان حكم الصيد - لِحَثِّ متعاطيه على التقوى، دَفْعًا لِمَظَنَّةِ التهاون والغفلة عن طاعة الله.

واستُدِل بالآية: على جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة؛ لأَن التعليم قد يحتاج إِلى ذلك، وعلى إِباحة اتخاذ الكلب للصيد. ومثلة الحراسة، والانتفاع به فيما يحقق المصالح العامة، مثل تعقب اللصوص، وإِنقاذ الغرقى، وقيادة العميان.

5 -

(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ .. ) الآية.

هذا الحكم - فضلا عن أنه تأْكيد لما سبق؛ تمهيد لما سيترتب عليه، في قوله سبحانه:

(وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ):

أَي: وطعام أَهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، حلالٌ لكم أَيها المؤمنون، وذلك لمخالطتهم للمسلمين.

والمقصود من الطعام: ما يعم الذبائح، إِذا كانت من الأَنواع التي يُحِلُّها الإِسلام.

(وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ):

أَي: ويحل لكم أَن تطعموهم من طعامكم الذي أَحل الله لكم، كالأَبقار والأَغنام، لأَن الإِسلام لا يرى مجرد المخالفة في الدين، مانعة من المؤَاكلة.

(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ):

بعد بيان ما أَحل من الطعام، ذكر الله تعالى حِلَّ المحصناتِ بالزواج، لينهى عن العادة الذميمة وهي السفاح.

والمراد بالمحصنات من المؤْمنات: أَي العفيفات. على ما ذهب إِليه الحسن والشعبي، أَو الحرائر على ما ذهب إِليه مجاهد.

وقال جماعة: هن العفائف والحرائر. وتخصيصهن بالذكر، للحث على ما هو الأَوْلى، لا لحرمة ما عداهنَّ فإِن نكاح الإِماء المسلمات بشروطه - جائز بالاتفاق.

وكذا نكاح غير العفائف منهن.

ص: 1019

وأَما الإِماءُ الكتابيات: فهن كالمسلمات عند أَبي حنيفة.

وفهم أَبو عبيد من تفسير مجاهد للمحصنات بالحرائر أَنه لا يذهب إِلى حِل نكاح إِماءِ أَهل الكتاب لقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ)(1).

قال القرطبي: وهذا القول الذي عليه جلةُ العلماءِ. أهـ. من الآلوسي والقرطبي.

(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ):

وكذلك أُحِلَّ لكم تزوجُ الحرائِر العفيفاتِ من الكتابيات، مثل العفيفات من المؤمنات.

وهذا من سماحة الإِسلام وعدالته في معاملة أَهل الكتاب.

(إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ):

أَي أعطيتموهن مهورهن. وقيد حلّ المحصناتِ من المؤْمنات ومن أَهل الكتاب بإِتيانهن لتأْكيد وجوبها، لا لتوقف الحِلّ على إِتيانها، فإِن الزواج يحل بالصداق المؤجل، كما يحل إِذا تم بدون مهر، فإِنه ليس من أَركان العقد، ولا من شروط صحته. ولكنه يتقرر فيه - أَي في العقد بغير ذكر المهر - مهر المثل بالوطء؛ لأَن الوطءَ لا يباح بمجرد الإباحة، بل لا بد من العقد؛ لما فيه من حق الله تعالى.

وسمى اللهُ المهور أُجورًا؛ لأَنها عوض عن الاستمتاع بهن، كما قاله ابن عباس وغيره.

وتسمى صداقا؛ لأَنها مشعرة بصدق رغبة باذليها في الزواج، وقد فرضت لذلك إِعزازا للمرأَة وتكريما لها.

وقد أَوجب الله أَن يكون الغرض من الزواج، الإِحصانَ والعفة، فقال تعالى:

(مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ):

أَي: أَعفَّاءَ غير مجاهرين بالزنى، ولا مُسِرِّين به، مع الخليلات والصديقات.

وكما أَن هذا هو المطلوب بالنسبة لزواج الرجل، فهو مطلوب بالنسبة لزواج المرأَة.

(1) النساء، من الآية: 25

ص: 1020

والأَخدان: جمع خدن وهو الصديق، ذكرا كان أَم أُنثى.

(وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ):

أَي: من ينكر شرائع الإِيمان وفروعه، وقوانينه وأَحكامه، التي من جملتها: ما بَيَّن هنا من الأَحكام المتعلقة بالحِل والحرمة، ويمتنع عن قبولها، من يفْعل هذا:

(فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ): فقد بطلَ عمله، فلا يُعْتدُّ به، وضلَّ سعيه.

(وَهُوَ في الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ):

ويكون في الآخرة من الهالكين.

وفي ذلك تعظيم لشأْن ما أَحلَّه الله وما حرَّمه، وتحذيرٌ من المخالفة لشرائع الدين، وتغليظٌ للعقوبة على مَن خالف ذلك.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7).

ص: 1021

المفردات:

(قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاِة): أَردتم القيام إِليها وأَنتم مُحْدِثون.

(المَرَافِقِ): جمع مرفق؛ وهو ما يصل الذراع في العضد.

(الكَعْبَيْنِ): العظمين الناتئين من الجانبين. عند مفصل الساق والقدم.

(الْغَائِطِ) المنخفض الواسع من الأَرض. وهو هنا؛ كناية عن قضاءِ الحاجة.

(لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ): كناية عن الاتصال الجنسي، أَو مطلق المباشرة.

(صَعِيدًا): الصعيد؛ وجه الأَرض البارز.

(طَيِّبًا): طاهرا.

(مِيثَاقَهُ): عهده.

(وَاثَقَكُم بِهِ): عاهدكم به.

التفسير

6 -

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم

} الآية.

بعد ما بَيَّن الله تعالى، الأَحكامَ المتعلقة بالأَطعمة وغيرها، شرع في بيان أَحكامٍ أُخرى، تتعلق بالعبادات فقال:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ):

يَأَيها الذين آمَنُوا إِذا أَردتم القيام إِلى الصلاة وأَنتم محدثون.

(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ):

فتوضأُوا بغَسل وجوهكم وأَيديكم إِلى المرافق.

(وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ):

(وَأَرْجُلَكُمْ): بالنصب، عطفا على (وُجُوهَكُمْ): داخلا معها في حكم الغسل، فواجب الرجلين هو الغسل عند الأَكثرين؛ ومنهم الصحابة. وفي توسيط مسْح الرأْس بينَ

ص: 1022

الأَعضاء التي تغسل، إِيماءٌ إلى وجوب مراعاة الترتيب. كما ذهب إِليه الشافعية إِذ لو لم يكن الترتيب واجبا، لأتى بالأَعضاء التي تُغْسل متتابعة، وأَخَّر عنها الممسوح.

وقرئ (وَأَرْجُلِكُمْ): بالجر، عطفا على (رُءُوسِكُمْ): ولا يفيد ذلك أَن الواجب في الرجلين هو المسح، بل للإِيذان بأَنه لا ينبغي الإِسراف في غسلهما. والمسح هنا محمول الغسل كما صرح به كثير من أَهل اللغة.

يقال للرجل إِذا توضأَ: تمسح، ويقال مَسَحَ المطرُ الأَرضَ: إِذا غسلها. وقيل المسح على ظاهره. والأرجل معطوفة على المغسولات. كما في قراءَة النصب .. والجرِّ بسبب المجاورة.

ويرى الشيعة الإِمامية: أَن الواجب في الرجلين هو المسح، أَخذًا من قراءَة الجر ..

وأَوجب داود: الجمع بين المسح والغسل فيهما، مراعاة للقراءتين.

والأَرجح: هو رأَي جمهور الفقهاء. وهذا الوضوءُ: شرور من شروط الصلاة على المحدث حدثا أَصغر. فلا تصح الصلاة بدون الوضوء.

روى الشيخان عن عمرو بن عامر الأَنصارى، قال:"سمعتُ أَنَسَ بنَ مالك يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأُ عند كل صلاة. قال: قلتُ: فأَنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوءٍ واحد، ما لم نُحدِثْ".

وروى البخاري عن أَبي هريرة، مرفوعًا:"لا يَقبلُ الله صلاةَ أَحدِكُم إِذا أَحدثَ حتى يتوضأَ".

والمذكور في الآية من فرائض الوضوءِ: غسل الوجه، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح الرأْس، وغسل الرجلين مع الكعبين.

على خلاف بين الأَئمة في المقدار الممسوح من الرأْس.

فيرى الشافعية أَن المراد بمسح الرأْس: البعض ولو شعرة، لأَن الباءَ للتبعيض.

ويرى الحنفية: أَن المراد: ربع الرأْس من أَي جانب ويستدلون بما رواه مسلم عن المغيرة: "أَن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَوضأَ فمسحَ بناصيتهِ" فهذا الحديث بيَّن المجملَ في الآية.

ص: 1023

والباءُ عندهم في (بِرُءُوسِكُمْ): للإِلصاق.

ويرى المالكية والحنابلة أن المراد: مسحُ جميع الرأس. والباءُ عندهم في (بِرُءُوسِكُمْ) زائدة، لأَن الفعل "امْسَحُوا" يتعدى بنفسه.

وبهذا المذكور في الآية، اكتفى الأحناف في فرائض الوضوء.

وزاد عليها غيرُهم فرائضَ أخرى، أُخذَت من مفهوم الآية وغيرها - كما هو مبين في كتب الفقه.

(وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَاطَهَّرُوا):

هذا بيان لحكم الحدث الأكبر - بعد بيان حكم الحدث الأَصغر - فإِذا كان الإِنسان جُنُبًا بمخالطةٍ أَو باحتلام أَو غيره، فلابد من أَن يتطهر بالغسل. وهو تعيمم الجسد كله بالماء.

وقد اختلف الأئمة في وجوب النية في الغسل والوضوءِ. كما اختلفوا في وجوب الدَّلْك أو سُنيَّتَّه.

(وَإِن كُنتم مَّرْضَى أَو عَلَى سَفر):

يعني: أَن من لم يستطع منكم استعمالَ الماءِ؛ لمرضٍ، أَو كان - مسافرا ولم يجد الماءَ، أو هو في حاجة إِلى الماء لحفظ حياته.

{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} :

وقد أَحدثتم حدثا أَصغر أَو أكبر.

(فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا):

أَي اقصدوا ترابا طاهرا: فالتيمم: القصد.

(فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكم منْه):

وهو أَن يمسح وجهَه ويَديْهِ: بضربتين يضربهما على الصعيد. إحداهما للوجه، والثانية لليدين، على خلاف بين المذاهب في ذلك.

ص: 1024

ويكفيه هذا التيمم عن كل من الطهارتين أَو مجموعهما، حتى يجد الماءَ أَو يقدر على استعماله بزوال عذره.

وهو تيمم لكل فريضة مع نوافلها، أَو يصلي به ما شاءَ من فرائض ونوافل؟

خلاف بين الفقهاء

وفي هذا من اليسر والسهولة والسماحة في الدين، وعدم الضيق والحرج - ما يليق بسماحة الإِسلام. ولذا قال تعالى:

(مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ):

أَي ما يريد الله أَن يشدد ويضيق عليكم أَيها المؤمنونَ بأَن يكلفَكم بما يشق عليكم، فيما شرعه لكم من الوضوءِ والغسل والتيمم.

(وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ):

ولكن يريد - بما شرعه لكم منها - أَن يطهرَكُم من الأَدناس والأَقذار، والذنوب والأَوزار؛ لأَن الوضوءَ والغسل - كما ينظف الجسم من الأَقذار - يكفر الله تعالى به الذنوبَ والخطايا.

ولأَن التيمم - بالغبار الطاهر النظيف - مَظْهَرٌ للتواضع والخضوع لله.

أَخرج مالك ومسلم وابن جرير، عن أَبي هريرة رضي الله عنه، أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا تَوضَّأَ العبدُ المسْلمُ فغَسَلَ وجَهَهُ، خَرَج من وجهِه كل خَطيئةٍ نَظَر إِليْها بِعينيْهِ مع الماءَ، فإِذا غَسلَ يَديْهِ، خَرجَ مِن يديْهِ كُلُّ خَطيئةٍ بطشتْهَا يداهُ مع الماء، فإِذا غَسل رِجليْهِ، خرجَتْ كُل خَطِيئة مَشَتْها رِجْلاهُ مع الماء حَتى يَخْرجَ نقيًّا مِنَ الذنُوبِ".

والتيمم - كالوضوءِ - في هذا الثواب الجزيل.

(وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ):

أَي: وشرع لكم ما سبق من الأَحكام - في الوضوء والغسل والتيمم - ليتم نعمته عليكم.

(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ):

ولكى تشكروه دائما على نعمه؛ بطاعتكم إِياه فيما أَمركم به.

ص: 1025

7 -

{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ

} الآية.

أَمرنا الله سبحانه وتعالى بأَن نتذكر نعمته علينا، بهدايته إِيانا إِلى الإيمان، وإِنفاذنا به من الكفر، وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وإِنما أَمرنا الله سبحانه وتعالى بأَن نتذكر نعمته علينا لنعرف موجِباتِ شكره فنشكره على أَنعمه

{وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} :

أَي: واذكروا ميثاقه وعهده الذي أخذه عليهم بالسمع والطاعة.

والمراد بالميثاق، هو الميثاق الذي أَخذه عليهم، حين بايعهم الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة الثانية، سنة ثلاث عشرة من النبوة، على السمع والطاعة، في حال اليسر والعسر، والمنشط والمكره، كما أَخرجه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت.

وإِضافة الميثاق إِليه - تعالى - مع صدوره عن النبي صلى الله عليه وسلم لكون المرجع

إِليه سبحانه وتعالى.

{وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} :

أَي: واتقوا الله في سركم وعلانيتكم، وفي كل ما تأْتون، وما تَذَرون، فهو سبحانه وتعالى، عليم بذات الصدور: لا تخفى عليه خافية.

والمراد بذات الصدور: النوايا التي اشتملت عليها الصدور والقلوب.

وتخصيص العلم بها، للتحذير من المخالفة في السر، وللإِيذان بعلمه بما عداها بطريق الأَولَى.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)} .

ص: 1026

المفردات:

{قَوَّامِينَ} : أي قائمين حق القيام.

{بِالْقِسْطِ} : بالعدل.

{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ} : لا يَحْمِلنَّكم.

{شَنَآنُ} : بُغض وعداوة.

{خَبِيرٌ} : عالم بكل الأُمور على وجه الدقة.

التفسير

8 -

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ .... } الآية.

بعد أن بين الله - في الآيات السابقة - من الشرائع ما يتعلق بالمؤمنين - شرع في بيان الشرائع المتعلقة بما يجرى بينهم وبين غيرهم. فقال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ} :

هذا أمر من الله سبحانه وتعالى، لعباده المؤمنين، بأن يكون دَأبهم - دائِما - القيام لله بحقوقه؛ في أنفسهم بالعمل الصالح، وفي غيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

{شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ} :

أن يؤدوا الشهادة بالعدل، على وجهها الصحيح، من غير مراعاة لقرابة أو صداقة، ومن غير محاباة أَو مجاملة.

وعقب ذلك بالنهي عن الجَوْر مع مَن يَبغضونهم، فقال:

{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} :

أي: ولا يحملنكم بُغْض قومٍ أو عداوتهم - على أن تجوروا في حكمكم، أو تُغيّروا في شهادتكم؛ لأن المؤمن يجب أن يكون - دائما - مؤثِرًا للعدل على كل ما عداه، وأَن يجعله فوق شهواته وأَهوائه.

وأكد سبحانه وتعالى ذلك بقوله:

{اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} :

أي: أن العدل، هو أقرب الطرق الموصلة إِلى تقوى الله وخشيته، وأَنسبُ الطاعات لها.

ص: 1027

ثمَّ أمر بتقواه - دائما - في جميع الأحوال والأعمال: ظاهرها وباطنها. فقال:

{وَاتَّقُوا اللهَ} : لأن التقوى ملاك الأمر كله. فليحذر المؤمنون مخالفة أمر الله تعالى، وليتمسكوا بالعدل دائما، ولا يحيدوا عنه.

{إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} :

إن الله سبحانه وتعالى عليم بدقائق أموركم، وسيجازيكم عليها، إن خيرا فخير، وإن شرًّا فشر.

وخَتْمُ الآية بذلك: تحذيرٌ من مخالفة الله، وتنبيهٌ على أنه مطلع على دقائق الأمور.

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10)} .

التفسير

9 -

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} :

أي: وعد الله عباده المؤمنين الذين امتلأت قلوبهم بالإيمان، وظهرت آثاره على وجوههم فعملوا الصالحات في أنفسهم - وفي روابطهم الاجتماعية - بأَن لهم مغفرةً وأجرًا عظيما.

وفي قَرْنِ الإِيمان بالعمل الصالح. دليل على أن العَملَ لا بدَّ مِنهُ، مع التصديق والإذعان؛ ليتحقق وعد الله.

ولما كانت الأمور تتميز بأضدادها، فلذا قَرَن وعْدَ المومنين بوعيد الكافرين فقال:

10 -

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا

} الآية.

أي: كذبوا بآيات الله المنزلة على رسله، وآياتِه التي أقامها في الأنفس والآفاق، للدلالة على وحدانيته، وكمال قدرته وسائر صفاته.

ص: 1028

{أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} :

هؤُلاء الكفار المكذبون، سيصلون نارا شديدة التأجج، ملازمة لهم، ملازمة الشيء لصاحبه. وهذا دليل على استحقاقهم لها بأعمالهم.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)} .

المفردات:

{يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} : يبطشوا بكم.

{فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} : فمنعهم عن إيذائكم.

التفسير

11 -

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ

} الآية.

في هذه الآية، تذكير للمؤمنين بنعمة إنجائهم من شر أَعدائهم، بعد تذكيرهم بنعمة إيصال الخير إليهم.

ورد في سبب نزولها - كما في صحيح مسلم وغيره: من حديث جابر - أَن المشركين رَأوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم بعسفان، قد قاموا إلى صلاة الظهر معًا. فلما صلُّوا، ندموا ألَاّ كانوا أكَبُّوا عليهم؟ وهمّوا أن يوقعوا بهم؛ إذا قاموا إلى صلاة العصر بعدها فرد الله - تعالى - كيدهم، بأَن أنزل صلاة الخوف.

وقد يكون هذا عندما همَّ المشركون بقتال المسلمين في عام الحديبية.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} :

ص: 1029

يذَكر اللهُ تعالى المؤْمنينَ بِنعَمِهِ المذكورة عليهم، ليشكروه عليها، فيداوموا على الطاعة والامتثال لأمره.

{إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} :

إذ هَمَّ المشركون أَن يبطشوا بكم: بالقتل والإهلاك.

{فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} :

بأَن مَنَعَهم عنكم بقهره وسلطانه، فلم يستطيعوا أَن ينالوا منكم شيئًا.

{وَاتَّقُوا الله} :

أيها المؤمنون، في كل ما تأتون وما تتركون.

{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} :

وتوكلوا عليه وحده، لا على قوتِكم وبأسكم؛ لأَن المؤْمنين يكلون أَمورهم إِلى خالقهم.

{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .

ص: 1030

المفردات:

(مِيثَاقَ): الميثاق؛ العهد المؤَكد - بين طرفين - في شأن هام.

(نَقِيبًا): النقيب؛ هو كبير القوم، المعْنِيُّ بشأنهم.

{إِنِّي مَعَكُمْ} : ناصركم ومعينكم.

{وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} : آزرتموهم ونصرتموهم.

{أَقْرَضْتُمُ اللَّهَ} : أنْفَقتم في سبيل الله نفقة طيبة.

{لَعَنَّاهُمْ} : اللعن؛ الطرد من الرحمة.

{قَاسِيَةً} : شديدة غليظة، لا تقبل خيرا.

{خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ} : خيانةٍ وغدرِ منهم.

التفسير

12 -

{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ

} الآية.

بعد أن أَمر الله سبحانه وتعالى بالوفاءِ بالعهد، وذكَّر المؤْمنين بميثاقه الذي واثقهم به على السمع والطاعة - ذَكَرَ بعضَ ما صدر من بني إسرائيل من نقض العهود؛ وما كان من عقاب الله لهم عليها ليتعظ المؤْمنون، ويعملوا على حفظ نعم الله - تعالى - بمراعاة حق الميثاق، وتحذيرهم من نقضه، فقال:

{وَلَقَدْ أخذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} :

أَي: لقد أَخذ الله العهد على بني إِسرائيل: أَن يعملوا بما في التوراة، ويقبلوها بجدٍّ ونشاط.

وقد أخذ الله عليهم مواثيق فرعية تتصل بما كلَّفهم الله به. ومنها ما سيأتي في الآية التي معنا.

وقد سبق بيان بعض المواثيق التي أُخذت عليهم؛ في سورتي البقرة، وآل عمران.

فارجعْ إليها وإلى شرحها إن شئت.

{وَبَعَثنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} :

وأمر الله موسى عليه السلام: أَن يختار منهم اثنى عشر رئيسا دينيا، يتولون أُمور الأسباط، ويقومون على رعايتم، ففعل، وبعثهم يتحسسون العدوَّ ليقاتلوه.

ص: 1031

{وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ} :

بالنصر والتأييد على أَعدائكم. أَو المراد منه: أنه معهم بعلمه: يسمع كلامهم، ويعلَمُ ضمائرهم، وأنه مجازيهم على ما يحدث منهم.

{لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ} : أي أديتموها حق أدائها.

{وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ} : وأعْطَيتموهَا مستحقيها، من مال طيبٍ، وكَسْبٍ حلال.

{وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي} : كلهم.

{وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} : نصرتموهم وجاهدتم الأعداء معهم.

{وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} :

أي: أنفقتم في سيل الله، عن طيب نفس، دون مَنٍّ أو حُبٍّ للفخر والرياء.

{لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} : لأمحوَنَّ ذنوبَكم.

{وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} :

أي: ولأُدخلنكم - في الآخرة - جناتٍ تجري من تحت أشجارها الأنهار، تَتَنَعَّمُونَ فيها بما أعدَّ لكم من النعيم.

وقد أكد الله - تعالى - وعيدَه بالقَسَم وغيره من التوكيدات؛ ليحملهم على تنفيذ مما عاهدوا الله عليه.

{فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} :

أي: فمن كفر منكم - بعد ذلك الوعد بالنصر، وتكفير السيئات، وإدخال الجنات، بأن نقض العهد والميثاق - فقد حادَ عن الصراط السوي: الذي رسمه الله لهم، كي يسيروا عليه.

ولكن بني إسرائيل لم يرفوا يعهدهم، ونقضوا الميثاق، الذي أخذه الله عليهم. فعاقبهم الله تعالى، وفي ذلك يقول سبحانه:

13 -

{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ

} الآية.

تعرض الآية النتائج المترتبة على موقفهم من الميثاق. فتقول:

{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} : أي فبحسب نقضهم عهدهم المؤَكد.

ص: 1032

{لَعَنَّاهُمْ} :

أي طردناهم من رحمتنا، عقوبةً لهم؛ لأنهم قد فسدت فطرتهم.

{وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} :

أي: أورثنا قلوبهم الغِلظة والقسوة. فهي لا تلين، ولا تنفذ إليها الحجة، ولا تؤَثر فيها الموعظة.

{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} :

أي يغيرون كلام الله في التوراة، بالمحو والإِثبات، والزيادة والنقصان، وسوءِ التأويل.

{وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} :

أي: وأعرضوا عن بعض ما أمِروا به في التوراة، من إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والإِيمان به، وغير ذلك. وإنما قال: يحرّفون، ولم يقل: حَرّفوا؛ للدلالة على أن هذا الخلق طبع فيهم؛ تتجدد آثاره آنًا فآنًا.

ولذا قال الله - تعالى - لنبيه عقب ذلك.

{وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ} :

أي: إن الغدر والخيانة عادة مستمرة لليهود. منتقلة فيهم. من الأصول إِلى الفروع.

فلا تزال - أَيها الرسول - تطَّلع من هؤُلاءِ اليهود المعاصرين. على خيانةٍ إثر خيانة. فهم قومٌ لا عهد لهم، ولا وَفَاءَ عندهم.

لقد دمغتهم السماوية بالغدر والخيانة والقسوة. فرماهم نبيهم أَرمياءُ بالكذب والسرقة والزنى والشرك، وأَنهم حوّلوا بيت الله إلى مغارة لصوص (1).

ورماهم السيد المسيح عليه السلام بأَنهم مثل القبور المبيضة من الخارج. المليئة بالجيف من الداخل. ووصفهم بأنهم الحيَّات. أَولاد الأفاعي. وأَنهم قَتَلُوا الأَنبياء والحكماءَ، وجعلوا بيت الله مغارة لصوص (2).

والآيات القرآنية العديدة تؤيد هذه الصفات.

(1) سفر أرمياء: 7، 8 - 11

(2)

إنجيل متى: إصحاح: 23 فقرة: 13، 14، 27، 33 - 35

ص: 1033

{إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} :

وهم من آمنوا بك، واتَّبعوك كعبد الله بن سلام وأمثاله من الذين آمنوا باللهِ ورسوله، فلا تظنن بهم سوءًا، ولا تخف منهم خيانة؛ لأَن الله طهرهم بالإِسلام.

{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} :

فاعفُ عما فرط بن هؤُلاء اليهود، واصفح عمن أَساءَ منهم وعامِلْهم بالإحسان؛ تأليفًا لهم، فلعل الله أن يهديهم.

{إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} :

وأنت أَحق الناس بالاتصاف بالإحسان، واتباع ما يحبه الله.

{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)} .

المفردات:

{نَصَارَى} : جمع نصران، كندمان وندامى، ولم يُستعمل إلا بياء النسب، وقد صارت كلمة "نصراني" لقبًا لكل من اعتنق المسيحية. قيل: لقبوا أَنفسهم بذلك، على معنى أَنهم أنصار الله. وقيل: نسبة إلى الناصرة بلدة بالشام، استَقر بها المسيح، بعد رجوع أمه به من مصر إلى الشام.

{حَظًّا} : نصيبًا أو مقدارا.

{فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ} : أَي فأَلقينا بينهم العداوة.

التفسير

14 -

{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ

} الآية.

بعد أَن بيَّن اللهُ شرور اليهود وآثامهم، أَتبعه ذكر قبائح النصارى فقال:

{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ

}. والضمير في قوله: {مِيثَاقَهُمْ} عائد على النصارى.

ص: 1034

والمعنى: أي وأَخذنا العهد واليثاق على النصارى: بالثبات على الطاعة، وتصديق الرسل واتِّباعهم.

وعبر بقوله: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} بدلا من قوله: (ومن النصارى)، للإيذان بأنهم على دين النصارى بزعمهم، لا حقيقة الواقع؛ لعدم عملهم بموجب دينهم، ومخالفتهم لما في الإنجيل من التوحيد، والتبشير بنبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم.

وقيل: للإشارة إلى أنهم لقبوا أنفسهم بذلك، على معنى أنهم أنصار الله، مع أنهم لا ينصرون - بكفرهم وسوء أعمالهم - إِلا الشيطان.

{فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} :

فسلكوا طريق اليهود في نقض العهد والميثاق، وتركوا نصيبًا وافرًا مما ذكِّروا به في كتابهم، من عقيدة التوحيد، ومن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسم.

{فَأَغرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاَء} :

فكان جزاؤُهم أن بث الله فيهم العداوة والبغضاءَ، حتى صارت صفة ملازمة لهم.

{إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ} :

حسبما تقتضيه أَهواؤُهم المختلفة، وعقائدهم المتنافرة.

وقد حدث هذا عبر الأجيال إلى يومنا هذا.

فكل طائفة من طوائفهم: تُكفِّر الأخرى، وتحرم التزاوج منها.

وبالرجوع إِلى التاريخ، تعرف هذه الحقيقة القرآنية الحليلة.

ولا يزالون كذلك إلى يوم القيامة.

{وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} :

وسيجازيهم الله - يوم القيامة - بما صنعوا في الدنيا، من نكث العهد، ونقض الميثاق، وتحريفهم الكتاب الذي أُنزل عليهم.

ص: 1035

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)} .

المفردات:

(نُورٌ): المراد به؛ محمد صلى الله عليه وسلم.

{كِتَابٌ مُبِينٌ} : هو القرآن.

{سُبُلَ السَّلَامِ} : طرق النجاة والسلامة.

التفسير

15 -

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ

} الآية.

سبب النزول:

أخرج ابن جرير، عن عكرمة، أنه قال:"إن نبي الله تعالى، أتاه اليهود يسألونه عن الرَّجم، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: أيُّكم أعْلمُ؟ فأشارُوا إلى ابنِ صوريا، فَناشَدهُ باِلذِي أنزلَ التَّوراةَ عَلَى مُوسى عليه السلام، وَالذِي رَفَع الطورَ، وبِالمواثِيقِ التي أخِذَتْ عليهم، حتى أخذه أفْكل (رعدة) فقال: إنه لما كثر فينا جلدنا مِائَة، وحلقنا الرءُوس. فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله تعالى الآية".

ص: 1036

وهذا الحديث يفيد: أن (ابن صوريا) الحبر اليهودي، لم يذكر أن كتابهم يحتوى على الرجم، تهربًا من توقيع هذا الجزاءِ على الزاني اليهودي، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتطبيق حكم الرجم عليه؛ لأنه شرعُ الله في التوراة والقرآن.

الربط:

بعد أن رمى الله اليهود والنصارى بنقض العهود، ساق مثلا على ذلك، فقال تعالى:

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} : نداءً لهم. والتفاتا إلى خطابهم.

وعبر عنهم بأهل الكتاب؛ تشنيعًا عليهم، لأن أهلية الكتاب تقتضي مراعاته، والعمل به.

{قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} :

قد أرسلنا إليكم رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم مؤيدا بالمعجزات. وأضافه إلى ضمير العظمة؛ تشريفًا له؛ وإيذانًا بوجوب اتباعه.

{يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} :

أي: يظهر لكم كثيرا من الأحكام التي كنتم تخفونها عن العوام.

وذلك مثل: حكم رجم الزاني المحصن.

ومثل: البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكتمان وصفه عليه السلام.

وكان بيان الرسول - صل الله عليه وسلم - لهم ذلك: من دلائل نبوته، إذ هم يعلمون أنه نبيٌّ أُميٌّ، لم يطع على شيءٍ من كتبهم. ومن ثَّمَ آمنَ به عددٌ من أحباوهم وعلمائهم.

{وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} :

ويترك كثيرا مما كنتم تكتمونه، مما لم تَدْعُ الحاجة الدينية إلى إظهاره؛ صيانةً لكم عن زيادة الافتضاح. أو ويُغضي عن كثير من إساءتكم فيقابلها بالصفح والغفران.

ص: 1037

{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ} :

قد جاءكم النور العظيم؛ محمَّد صلى الله عليه وسلم لأنه أنار الطريق، ووضح السبيل إلى الحق. وقد وصفه الله بأنه أرسله:"سِرَاجًا مُّنِيرًا"(1).

(وَكِتَابٌ مبِينٌ):

يبيّن الحق، ويُوضح كل ما يحتاج إليه الناس لهدايتهم. وهو القرآن الكريم.

16 -

{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ .... } الآية.

يهدي الله - بهذا القرآن - منَ كان همُّه الدينَ، واتَّبع كلَّ ما يُرضي ربه، فإنه طريق النجاة والفلاح، والخير والرشاد.

{وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ}

ويخرجهم من ظلمات الضلال والأوهام، إلى نور الإيمان واليقين.

{وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} :

ويهديهم إلى صراط الله المستقيم، الموصل إلى جنة النعيم.

وجمع الضمير في قوله: (يُخْرِجُهُمْ)، (وَيَهْدِيهِمْ) باعتبار معنى "مَنْ". وهذه الهداية هي عين الهداية السابقة.

وإِنما عطفت عليها؛ تأكيدًا لمدلولها، وتنزيلًا للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي.

وجاء الفعل المضارع "يَهدِي"، "وَيُخْرِجُهُمْ"، "وَيَهدِيهِمْ" للدلالة على استمرار هذه النعم في الاستقبال، كما هي في الحال.

(1) الأحزاب، من الآية: 46

ص: 1038

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)} .

التفسير

17 -

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ

} الآية

أَرسل الله عيسى عليه السلام إِلى بني إسرائيل: يدعوهم إلى التوحيد، والعمل الصالح.

ولما كانت ولادته من غير أب - كما تقدم في سورة آل عمران - غَلَا فيه النصارى. فزعموا أنه: إِله أو ابن الله: {تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلوًّا كَبِيرًا} . ولهذا القول الشنيع، حَكَمَ القرآنُ عليهم بالكفر، وردَّ عليهم بما يبطل عقيدتهم بقوله:

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} .

أي: قل لأُولئك الكفار يا محمد: مَن يقدر أن يمنعَ الله من شيء أَراده .. ومِنْ ذلك أَن يُهلك المسيح ابن مريم وأُمَّهُ ومن في الأرض جميعًا؟ .. لا أَحد يستطيع ذلك

وهم يقرّون به.

وإذا كان المسيح لا يستطيع أَن يدفع عن نفسه ولا عن أمه - شيئًا؟. فكيف يكون إِلها، وهو لا يستطيع دفع الهلاك عن نفسه؟

ص: 1039

ومن صفات الإله أنه لا يعجز عن شيء. وإذن، فالمسيح ابن مريم - وأمه - مخلوقان كسائر مخلوقات الله، التي ينفذ فيها حكم الله، ولا يُرَدُّ عنها قضاؤه.

{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} :

ولله - وحده - ملك جميع الموجودات، والتصرف المطلق فيها، إحياء وإماتة، وإيجادا وإعداما. فلا شريك له في ذلك.

وهذا دليل آخَر، على نَفْيِ الأُلوهية عن عيسى؛ لأنه لو كان إلها - كما يزعمون - لكان له شيءٌ في ملك السموات والأرض وما بينهما - وقد ثبت في كتبهم أنه يردُّ الأُمور كلها إلى الله ملكا وتصرفا.

{يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} :

أي: يبدع ما يشاؤُه عن المخلوفات - على أي صورة - وفقًا لحكمته - جل وعلا -.

{وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} :

وهو القادر على كل شيءٍ من الخَلقِ وغيره. ومن ذلك: أنه خلق عيسى من غير أب كما خلق آدم من غير أب وأم.

وفي هذه الآية، بيان لبعض أحكام الملك والأُلوهية، على وجه يزيح ما اعتراهم من الشبه في أمر المسيح عليه السلام لولادته من غير أب.

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)} .

ص: 1040

18 -

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ

} الآية.

سبب النزول:

أَخرج ابن جرير، والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسم نعمانُ بنُ آصا، وبحرُ بن عمر، وشاسُ بن عدي فكلموه، فكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الله، وحذَّرهم نقمتَهُ، فقالوا: ما تُخوّفُنَا يا محمَّد؟ نحن أبناءُ الله وأحباؤُه!! فأنزل الله فيهم الآية".

وكلمة "الله" ترددت في أسفار العهد القديم: "سفر الخررج: 4: 22 يقول الرب: إسرائيل ابني البكر"، والمزامير 89: 26، 27:"يدعوني أبي: أنت إِلهي، وصخر حياتي". وشر أرمياء 31: 9 "لأني صِرتُ لإسرائيل أبًا، وافرايم هي بكرى" كما تردد في العهد الجديد: إنجيل متى 5: 9 "طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم: أبناءُ الله يدعون" وفي رسالة بولس إِلى أهل رومية 8: 14 "لأن كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم: أَبناءُ الله" واليهود يطلقون على أَنفسهم الآن (شعب الله المختار)، يعنون بذلك أنهم أحباؤُه، المختصون به دون سائر البشر.

ومعنى الآية: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى} هذه المقالة النابية: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} فلنا من الفضل والتكريم ما ليس لغيرنا. فهو يعاملنا معاملة الأب لأبنائه: يعطف علينا، ويرحمنا ولا يعذبنا. فرد الله عليهم هذا الزعم الباطل بقوله:

{قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} :

أي: قل لهم يا محمد: إن كنتم كما زعمتم: أبناء الله وأحباءه، فلأي شيء يعذبكم بذنوبكم. وأنتم مقرون بأنكم ستعذبون على ما ارتكبتم من خطايا، كما حكى القرآن عنكم:

ص: 1041

{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا معدودةً} (1): وهذا يتنافى مع دعواكم القرب من الله، ومحبته لكم؟! وإذن، فلا مزية ولا فضل لكم على سائر البشر. ولستم بأبناء الله ولا بأحبائه.

{بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} :

أَي ما أنتم إلا بشر كسائر البشر من خَلق الله، من غير مزية لكم عليهم.

{يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} :

والله عز وجل يغفر لمن يشاءُ من عباده: الذين فرط منهم بعض الخطايا: وهم المؤمنون باللهِ تعالى وبرسله.

{وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاَءُ} :

وهم الكفرة الذين كفروا بالله وبرسله وأَنتم، متهم فكيف تزعمون محبته لكم، وعدم تعذيبكم على ذنوبكم؟!

{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} :

وله - وحده - ملك السمو ات والأرض وما بينهما: خلقًا، وملكًا، وتصرفًا.

{وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} .

ومصير البشر جميعًا ومرجعهم، إليه تعالى وحده، فيجازي الذين أساءُوا بما عملوا، ويجازي الذين أَحسنوا بالحسنى.

وليس له سبحانه وتعالى من خلقه بنون ولا بنات وليس لأحد عنده من فضل أو مزية على غيره إِلا بالإيمان والعمل الصالح. فآمنوا باللهِ وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم واتركوا تلك الدعاوي الباطلة، لتكونوا من المفلحين.

(1) البقرة، عن الآية:80.

ص: 1042

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)} .

المفردات:

{فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} : أَي بعده مدة خلت من الرسل.

التفسير

19 -

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ

} الآية.

كرر الله تعالى الخطاب بطريق الالتفات؛ بعد ما أعرض عن خطابهم فذكرهم بأُسلوب الغيبة. وهو يحكي أَكاذيبهم. وإنما التفت إِليهم: تلطفًا في دعوتهم، لعلهم يهدون.

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} :

قد أتاكم رسولنا محمَّد صلى الله عليه وسم وهو الذي بَشَّرَتْكُم به كُتُبُكُم، وأخبركم به أنبياؤُكم.

{يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} :

جاءكم بعد مدة خلت من الرسل: يبين لكم ما اندثر من الأحكام، ويبلغكم ما احتاج إِليه العصر من شرع جديد، ويصحح ما حدث في كتبكم من تحريف.

روى البخاري عن أبي هريرة: أنه صلى الله عليه وسلم، قال:"أَنا أوْلَى الناس بعيسَى ابنِ مريمَ؛ لأنه ليسَ بيني وبينَهُ نَبِيٌّ (1) ".

(1) فقد ولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم سنة 571 ميلادية فبينه وبين عيسى عليه السلام ستة قرون إلا قليلًا.

ص: 1043

{أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} :

أرسلناه إليكم لئلا تقولوا: ما جاءَنا بشير يُبَشرنا بحُسْن العاقبة للمؤمنين، ولا نذير يندرنا بسوءِ المصير للضالين.

{فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} :

فقد جاءَكم البشير والنذير، يبين لكم: أن الخلاص والنجاة والسعادة، منوطة بالإِيمان بما جاءَ به، وبالعمل الصالح الذي يدعوكم إليه.

والتعبير بقوله: (مِن بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ): حيث جاء بمِنْ، لاستغراق النفي لكل الأَفراد. ونكَّر لفظ:"بَشير ونَذِير" لتأكيد الاستغراق في النفي.

{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} :

والله سبحانه وتعالى هو القادر على كل شيءٍ. فهو - لذلك - يَقْدِر على ثواب من أَطاعه، وعقاب من عصاه.

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)} .

المفردات:

(مُلُوكًا): أَحرارا، عندكم ما تمكون به أموركم، بعد أن كنتم مملوكين للفراعنة.

(الْمُقَدَّسَةَ): المعظمة، حيث جعلت مسكن الأنبياء.

(تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ): ترجعوا على أعقابكم: بعدم امتثال ما أُمرتم به.

ص: 1044

التفسير

20 -

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ

} الآية.

هذا كلام مستأنف، لبيان ما فعله بنو إسرائل، بعد أن أَخذ الله الميثاق منهم، وتفصيل لكيفية نقضهم له.

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} :

والمعنى: واذكر لهم - أَيها الرسولُ - ما حدث من أسلافهم، وقت أن قال موسى عليه السلام لقومه ناصحًا، ومستميلا لهم بإضافتهم إليه:

{يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} :

تذكَّروا إِنعام الله عليكم واشكروه على هذا الإِنعام.

{إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} :

لأنه جعل فيكم أنبياء كثيرين؛ يبلغونكم الخير، ويرشدونكم إلى سواءِ السبيل.

ولم يبعث في أَمة من الأمم من الأنبياء، مثل ما بعث في بني إسرائيل.

{وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} :

وجعلكم أحرارًا تملكون أمور أنفسكم وأموالكم، بعد أَن كنتم عبيدًا مستذلين لفرعون وجنده.

{وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} :

وأعطاكم من النعم ما لم يعطِ غيركم من العالمين. إذْ أنجاكم من عدوكم، وشق البحر لكم، وأغرق فرعون وجنوده فيه، وأظلَّكم بالغمام، وأَنزل عليكم الْمَنَّ والسَّلوى، وغير ذلك.

21 -

{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ

} الآية.

دعاهم موسى مستميلا إِياهم - أَيضا - بإضافتهم إِلى نفسه، طالبًا منهم، أن يدخلوا الأرض المقدسة، التي وَعَدَهُمُ الله سُكْنَاها - بعد خروجهم من مصر - فقال لهم:

{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} :

ص: 1045

أَي: ادخلوا الأرض المقدسة التي قدَّر الله لكم دخولها لتنشروا التوحيد بين أهلها، ثم عقب ذلك بقوله:

{وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} :

ولا تنكصوا على أعقابكم، بمخالفة ما أمركم به، فترجعوا خاسرين في دنياكم وأُخراكم.

{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)} .

المفردات:

(جَبَّارِينَ): جمع جبار، وهو العاتي الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما يريده منهم.

التفسير

22 -

{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} :

أي: قال بنو إسرائيل: هلعًا وجُبْنًا يا موسى إن فيها قوما شديدي البطش لا نستطيع مقاومتهم، ولا قدرة لنا على قتالهم وهم الكنعانيون ومن جاورهم - فَلن نَدْخُلَها حتى يخرجوا منها بِأنفسهم .. فإِن خرجوا منها، فإنا ندخلها دون حرب وقتال، وهذا مطلب عجيب؛ إذ كيف

ص: 1046

يخرج أهل البلد الأقوياءُ الجبارون من بلدهم طواعيةً؛ ليدخلها هؤُلاء الجبناءُ فاتحين! (1).

23 -

{قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا

} الآية.

قال لهم رجلان من الذين يخافون الله، ويخشون مخالفة أمره، وعصيان رسوله: قد أَنعم الله عليهما بنعمة التوفيق والسداد وفي وصفهم بذلك، تعريضٌ بأن مَن عداهما من القوم، لا يخافون الله، بل يخافون العدو، ويَجْبنُون عن لقائه.

{ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ} :

باب المدينة، وباغِتوهُم بالقتال، ولا تَدَعوا لهم فرصةً للتفكير والاستعداد لكم.

{فَإذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكُمْ غَالِبُونَ} :

فإذا فعلتم ذلك، كان الله معكم بعونه ونصرته، وانتصرتم عليهم وغلبتموهم وتَمَّ لكم ما أردتم، فإن المباغتة تصيب العدو بالشلل.

{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} :

وعلى الله - وحده - فتوكلوا عند الهجوم عليهم، ولا تخشَوْا عدوكم بعد أن تتخذوا الأسباب وتعدوا العدة - إن كنتم مؤْمنين بالله حق الإيمان، مصدقين بوعده، واثقين بنصره.

وفي الأمر بالتوكل على الله - بعد اتخاذ الأسباب - دليل على أنها لا تؤَثر وحدها، دون إِذنه سبحانه وتعالى ومعونته، كما أَنه دليل أَيضا، على أن التوكل - بغير اتخاذ الأسباب لا يليق بالمؤْمنين. وهو حينئذ، يكون تواكلا لا توكُّلًا. والتواكل مدعاة للهزيمة. ولكنَّ بني إسرائيل، لم يقنعهم هذا القول، بل أصروا على موقفهم، ولم يبالوا بنصح الناصحين لهم. وقالوا لنبيهم موسى ما حكاه القرآن عنهم بقوله:

(1) راجع القصة بتمامها في سفر العدد - إصحاح 13، 14، 15 (لتطلع على جبنهم وهلعهم وما صاحب ذلك من الأساطير).

ص: 1047

{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)} .

المفردات:

(فَافْرُقْ): فافصل.

(الْفَاسِقِينَ): الخارجين عن الطاعة.

(يَتِيهُونَ في الْأَرْضِ): يتحيرون ولا يهدون.

(فَلَا تَأْسَ): فلا تحزن.

التفسير

24 -

{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا

} الآية.

أَي إنا - يا موسى - لن ندخلها أبدا ما دام هؤُلاء - الجبارون مسيطرين عليها؛ لأَنه لا طاقة لنا بلقائهم. وذلك لجبنهم المغروس في نفوسهم، وضَعْفِ إِيمانهم.

{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} :

فإن كنت مصمما على دخولها، فاذهب أنت وربك لقتالهم وإخراجهم منها. وكأنهم يصورون الله بأنه إِله موسى وحده، وليس إِلهًا للجميع - أما نحن فإنا ها هنا قاعدون منتظرون. فما أقبحَ تَصَوُّوَهم في شأن الله تعالى، وَزَعمَهُم أنه جسد ينزل إِلى الأرض ويقاتل من أجلهم!!

ص: 1048

والظاهر أَنهم قالوا ذلك: استهانةً بالله وبموسى عليه السلام.

ولما وجد موسى عليه السلام منهم هذا العنادَ والإِصرارَ على المخالفة، والجبن عند لقاءِ الأعداءِ، التجأَ إِلى ربه، متضرعًا يشكو إليه فسوق قومه وجبنهم. وهذا ما حكاه الله بقوله:

25 -

{قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي

} الآية.

اتجه موسى إلى مولاه سبحانه وتعالى وناداه أَي قال: يا رب؛ لا سلطان لي على أَحد إلا على نفسي وأَخي هارون فأنا وهو في طاعتك، ولا أَحد من هؤُلاءِ الجبناء أستطيع أن أَحمله على الطاعة والاستجابة إلى ما دعوت إِليه.

{فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} :

فاقض بيننا وبين هؤُلاء القوم الخارجين عن طاعتك. بأَن تحكم لنا بما نستحقه، وعليهم بما يستحقونه.

26 -

{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ

} الآية.

أجاب الله سبحانه وتعالى، دعاءَ نبيه موسى عليه السلام.

فقضى بتحريم هذه الأرض المقدسة على هؤُلاءِ الفاسقين، أَربعين سنة، يتيهون متحيرين في البيداء؛ لا يهتدون، ولا يعرفون لهم قرارا، جزاءَ جبنهم وضعفهم عن لقاءِ الأعداء، واستهانتهم بأَوامر الله.

{فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} :

فلا تحزنْ يا موسى، على هؤُلاء الجبناءِ، إِذْ عوقبوا بهذه العقوبة، فإِنهم فاسقون متمردون، مستحقون لها.

ولقد كان بنو إسرائيل - في هذا الوقت - في سيناء.

ص: 1049

ثم إِن اليهود لما دخلوا فلسطين - بعد هذه العقوبة - مكثوا فيها مدة محدودة، ثم أشركوا باللهِ. فقضى الله عليهم بالتشريد في أنحاء الأرض. وضرب عليهم الذلة والمسكنة، وغضب عليهم غضبا شديدا.

وفي هذا تذكير لبني إسرائيل المعاصرين للنبي - صلى الله عليه رسلم - بما كان عليه أسلافهم من قبائح، ليتركوها، حتى لا يتعرضوا لعقاب الله وانتقامه، كما حلَّ بأسلافهم بسبب عصيانهم وجبنهم.

وفي هذه القصة: تسليةٌ للرسول صلى الله عليه وسلم فكأنه تعالى يقول له: فهؤُلاء هم اليهود .. وهذه هي أَعمالهم مع أنبيائهم .. وهذا هو جبنهم وخورُهم .. فاصْبرْ على ما أصابك منهم، وتعزَّ بما أَصاب موسى عليه السلام والعاقبة لك، ولأتباعك المؤمنين.

ص: 1050

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)} .

المفردات:

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ): واقرأ على اليهود والنصارى. أَو على أُمتك يا محمَّد.

(نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ): خَبَرَهما.

(قُرْبَانًا): القربان؛ ما يُتقرَّب به إِلى الله من ذبيحة أَو صدقة أَو نحوهما.

(بَسَطْتَ): مَدَدْت.

(تبُوَءَ): ترجع.

(بِإِثْميِ وَإثْمِكَ): بذنبي وذنبك.

التفسير

27 -

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ

} الآية.

قِصَّةُ ولدَي آدم، جاءت في أَثناء الحديث عن اليهود؛ لتذكيرهم - وخاصة أنهم أَهل بغي - ولتذكير غيرهم من الأُمم، بأن من قتل نفسًا - بغير نفس أو إفساد - فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها - بصلاح أَو إصلاح - فكأنما أَحيا الناس جميعًا، لعلهم يثوبون إِلى الرشاد، ويكفون عن الفساد.

ص: 1051

وقد بدأها القرآن الكريم، بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم. فقال:

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} :

والمعنى: واتل يا محمَّد على اليهود - أو على أُمتك - خبر ابنيْ آدم تلاوة مقترنةً بالحق والصدق، حين قَدَّم كل منهما إلى الله قربانًا، ولم يكونا على درجة واحدة من الإِخلاص فيما تقربا به، فتقبَّل اللهُ قربان المخلص، ولم يتقبل قربان غيره. فامتلأَ قلبه غيظًا وحسدًا وحقدًا على أخيه التَّقِي الذي قُبِل قربانُه، مع أَنه لا ذنب للتقي في رفض الله قربان الشقي لأن المذنب هو الشقي بعدم إخلاصه لله تعالى.

{قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} :

قال الشقي لأَخيه التقي: لأَقتلنك. يريد بذلك أَن يتخلص منه، حتى لا يراه بعدما تقبل الله قربانه. فإن غريزة الفساد، لا تطيق الصلاح.

فأَجابه أَخوه الصالح بقوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} يريد بذلك أَنه لا ذنب له في عدم قبول قربانه، وأَن الذنب آت من قبله هو؛ لأنه لما لم يتق الله، لم يقبل الله قربانه، فإِنه تعالى، لا يتقبل إِلا من أَهل التقوى. فلو اتقاه قبل منه قربانه

فلا وجه لتحميله تبعة رفض قربانه وإقسامه على قتله.

وكما ذكرنا؛ طبيعة الشقي تسوغ له أَلَّا يرى إِلا الأَشقياء. كما أَن طبيعة التقي، تحبب إِليه أَلا يوجد إِلا الأَتقياء. فقال لأَخيه:

28 -

{لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} :

يقول الأخ الصالح الذي تُقبِّل قربائه لأخيه الذي لم يتقبلْ منه، وتورط في الإِقسام على قتله: تالله لئن مَددتَ إلى يدك لتقتلني، ما أَنا بباسط يدي إليك لأَقتلك، لأَنِّي أَخاف عقوبة الله رب العالمين إِن أنا قتلتك!!

يريد بمَا قاله: أَن يوقظ ضمير أَخيه، ليخاف عقاب الله تعالى، فيعدل عما أَقسم عليه، من قتله بدافع الحقد الذي لا مبرر له.

ص: 1052

29 -

{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} :

إِني أريد باستسلامي لك، وعدم قتلك - ابتداءً أو دفاعًا - أَن ترجع بإِثم قتلك لي، وإِثمك الذي لأجله لم يتقبَّلْ قربانك، إِذا أَصررت على قتلي ولم تخف رب العالمين، فتكون بذلك من أصحاب النار اللازمين لها، وهذا عقاب الظالمين المعتدين.

يريد بذلك، أن يوقظ ضميره، وأَن يعلم المصير الذي ينتظر القاتلين. وأنه لا ينبغي لأخ أن يقاتل أخاه، ولكن له أَن يدافع عن نفسه دون قتل أخيه إِذا استطاع إِلى ذلك سبيلا.

والإِسلام يقرر ردَّ العدوان بمثله. ويمنع قتال المسلم لأخيه المسم، ما لم يكن مضطرا للدفاع عن نفسه ولم يجد له نجاة إلا بقتل من اعتدى عليه. قال تعالى:

"

فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ

" (1).

قال الجصاص: فالصحيح من المذهب - أي مذهب المالكية - أنه يلزم الرجل دفع الفساد عن نفسه وغيره، وإِن أَدى ذلك إِلى القتل.

وقال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ

} الآية.

إن المعنى: لئن بسطت إِليَّ يدك - على سبيل الظلم والابتداء - لتقتلني، ما أَنا بباسط يدي إليك، على وجه الظلم والابتداء.

وعلى هذا التفسير، تكون الآية داعية إِلى الاستسلام للقاتل، حتى تكون منسوخةً بنصوص الدفاع عن النفس، كما ذهب إِليه بعضهم. بل الغرض منها: أَنه لن يكون بادئا بالقتل، حتى لا يكون ظالما؛ لأنه يخاف الله رب العالمين.

قال الآلوسي: ولعل مراده بالذات، إِنما هو عدم ملابسته للإِثم، لا ملابسة أَخيه للإِثم، إِذ إرادة الإِثم من آخر، غير جائزة.

(1) الحجرات، من الآية: 9

ص: 1053

والصحيح الذي عليه الجمهور: أن هذه القصة لولدين لآدم عليه السلام من صلبه - وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر النص - وليست لرجلين من بني إسرائيل كما قال الحسن البصري؛ لأن بني إِسرائيل كانوا يَعْرِفون كيف يُدْفَنُ الموتى. ولم يكونوا بحاجة إلى أَن يتعرفوا ذلك بالاقتداء بالغراب.

وخلاصة ما قيل في قصتهما: أَن حواءَ أُم البشرية، كانت تلد - في كل بطن - ذكرا وأُنثى، وكان آدم عليه السلام يزوج ذكر بطن لأُنثى بطن الآخر. بالعكس.

ويجعل الافتراق بالبطون، بمنزلة الافتراق بالنسب، للضرورة. وكانت التوأم لا تخل - في شريعته - لتوءَمها.

وحدث أن حواءَ ولدت ولدا أسمته قابيل، وكانت توءَمُهُ أنثى جميلةً. ثم ولدت ذكرا آخر أسمته هابيل، وكانت توءمه أنثى غير جميلة. فلما بلغوا مبلغ الزواج، أراد آدم أن يجري عليهم شريعته، بأَن يزوج قابيل لتوءَم هابيل، ويزوج هابيل لتوءَم قابيل. فرفض قابيل ذلك، وقال أنا أَحق بتوأمي من هابيل. ولم يكترث بزجر أَبيه إياه، فدعاهما آدم إلى أَن يُقَرِّبَا قرْبَانًا إِلى الله، وذكر لهما أَن من قُبل قربانُه فهو صاحب الحق في التزوج بالأُخت الجميلة، وإِنما قال ذلك، لعلمه أن الله تعالى، لن يقبل من قابيل، لأن زواجه من توءَمه ليس مما شرعه الله لهم.

وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ماشية، فقدم كلاهما قربانًا مما عنده فقبل الله قربان هابيل دون قابيل. وتأكد بذلك حقه في الزواج من توءم قابيل. فحقد قابيل على هابيل، وحلف ليقتلنه.

وكان من أمره وأَمر أَخيه ما قص الله تعالى.

وهذه خلاصة ما ذكرته كتب التفسير، وإن لم نجد لها سندا في كتب السنة.

ص: 1054

{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)} .

المفردات:

(فَطَوَّعَتْ): فسهَّلت ويسرت.

{يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ} : أَي يحفر في الأَرض.

{سَوْءَةَ أَخِيهِ} : السوءَة في الأصل؛ العورة. والمراد بها هنا: جسد أخيه الذي قتله.

(يَاوَيْلَتَا): كلمة جزع وتحسُّر، والويلة والويل بمعنى الهلكة. كأنه ينادى هلاكه ليَحُل به لينقذه مما حل به من الدواهي.

(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ): أَي يسبب ذلك.

(بالْبَيِّنَاتِ): بالحجج الواضحات.

(الَمسْرِفُونَ): المجاوزون الحد في الطغيان.

ص: 1055

التفسير

30 -

{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} :

أي فسهلت لقابيل نفسه أن يقتُلَ أخاه الصالح، الذي لا ذنب له في عدم قبول قربانه، فقتله، بعد أن بذل له من النصح والإرشاد، والترغيب والترهيب. فما أورثه ذلك إلا الإِصرار على الغَي والانهماك في الفساد، فأصبح - بجريمته النكراء التي لا مبرر لها - من الخاسرين، الذين خسروا أنفسهم فأفسدوا فطرتها. وخسروا أَقرب الناس إليهم وأعونهم على بأساء الحياة. وخسروا حسن السمعة في الدنيا. وخسروا النجاة من العقاب في الآخرة. وبذلك خسر الدنيا والآخرة: وذلك هو الخسران المبين.

31 -

{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ

} الآية.

لم يكن الدفن معروفًا للبشرية، قبل هذه الحادثة الأولى، التي راح ضحيتها - لأول مرة - إنسان كان مملوءًا حيوية ونشاطا، فأصبح جثة هامدة يتسرب إليها العفن، ويسرع إليها النتن، ويؤْذي ريحها الأنوف، ويضيق النفوس. والجاني - أَمام جريمته وآثارها - حيران لا يدري كيف يتصرف.

{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} :

وحينئذ: أَرسل الله غرابا. وجعله يحفر أَمامه في الأَرض - بمنقاره ورجليه - حفرة ثم أَلقى فيها غرابا آخر ميتا وواراه بالتراب. فعرف قابيل بذلك كيف يواري سوءَة أَخيه.

{قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} :

أي فنادى - متّحسرا جزعا -: يا ويلتا اعجزت عن أن أكون مثل هذا الغراب، فأُواري جثة أَخي. كما وارى الغراب جثة أَخيه!!

{فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} :

على قتله، بعد ما رأَى وعاش في آثار جريمته.

32 -

{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا

} الآية.

أَي من أجل فظاعة القتل ظلما، وسوء آثاره في الدنيا والآخرة، قضينا على بني إِسرائيل في كتابهم: أَنَّ من قتل نفسا بغير قصاص في نفس، أَو بغير فساد في الأَرض

ص: 1056

يوجب إهدار الدم كالشرك، فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن الواحد صورة للجماعة، فالجرأة على قتله، استهانة بحق المجتمع كله. وجرأة عليه كله. ومن أحيا نفسا ليس عليها قصاص ولا حدّ - بأَن حال دون قتلها ظلما بالنصيحة أو القوة، أَو أنقذها من التهلكة بنحو غرق أو حرق - فكأَنما أحيا الناس جميعًا.

وفائدة هذا التشبيه: الترهيب والردع من قتل نفس واحدة، بتصويره بصورة قتل جميع الناس، والترغيب والتحضيض إحيائها، بتصويره بصورة إحياء جميع الناس.

وتخصيص بني إِسرائيل بالذكر - مع أن الأَمر كذلك بالنسبة إلي غيرهم - لأَن الحسد كان منشأ هذه الجريمة، وهو غالب عليهم، ولأنهم كانوا يستهينون بجريمة القتل، حتى لم يتورعوا عنها في أَنبيائهم، فنبههم الله - في كتابهم - إِلى فظاعة هذه الجريمة حتى يحذروها.

ولقد اهتدى علماءُ القانون، إِلى ما قرره القرآن الكريم، من أَن العدوان على الفرد يعتبر عدوانا على المجتمع.

ولذا، لو تنازل المجني عليه - أَو ورثته عن حقوقهم قِبلَ الجاني - فمن حق النائب العام الذي يمثل المجتمع، عدم التنازل، حفاظًا على حق المجتمع، وصونا لحرُماته.

{وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} :

ولقد جاءَتْهُم رسل الله - واحدا بعد آخر - بالآيات الواضحات؛ الناطقة بتقرير ما كتبناه عليهم، ثم إِن كثيرا منهم - بعد ما كتبناه عليهم وأَكدناه بإِرسال الرسل - لمسرفون في قتل الناس غير مبالين به.

فمن قرأَ تاريخهم، هاله ما ارتكبوه: من المذابح والتحريق والتمثيل بالبشر .. وكتبهم ناطقة بذلك مما يندى له الجبين. ولا يزالون - حتى اليوم - علَى عنتهم في الإِسراف في سفك الدماءِ.

وهذه أرض فلسطين - وما جاورها من البلاد العربية - تشهد أفظع المذابح والإبادة للعرب بأيدي الإِسرائيليين الدنسة.

ص: 1057

{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)} .

المفردات:

(يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ): المحارب؛ من يحمل السلاح على الناس في البر أو البحر أو الجو، دون إثارة منهم له. والمغتال كالمحارب. ويشمل القراصنة في البر والبحر والجو، كقطاع الطرق

{وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} : أي تمردا على ما شرعه الله من الأمن والطمأنينة للإنسانية كلها.

{أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} : المقصود بالأرض؛ الأرض التي يكتسبون فيها نفوذا حراما. ينفَوْن منها إلى حيث لا نفوذ لهم، ولو سجنا. شَلًّا للجريمة.

التفسير

33 -

{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا

} الآية.

الربط:

لمَّا بين الله - قبل هذه الآية - أن قتل النفس الواحدة له خطورتُه عند الله تعالى، وأنه يعتبر - عنده - كقتل الناس جميعًا، أتبع ذلك هذه الآية الكريمة، التي تضمنت من التشريع، ما يردَع المعتديَ الأثيم، ويكفه عن ترويع الناس والإِفساد فيما بينهم.

فقال تعالى:

ص: 1058

{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} :

والآية نزلت في قطاع الطريق. كما قاله كثير من المفسرين والفقهاءِ، وأصحاب الرأي

نقل ذلك الطبرسي وغيره.

والمقصود من محاربتهم اللهَ ورسولَهُ، قطعُهُم الطريقَ على الناس، وإفسادُهم في الأرض وترويع الآمنين.

وجعْل عملهم هذا حربًا لله ورسوله؛ إِنما هو لتمردهم على ما شرعه الله سبحانه وتعالى، من وجوب الكف عن إيذاء الناس، وتوفير أسباب الأمن والسلام لهم.

المعنى: أَفادت الآية، أَن الذين يَسْعَوْن في الأرض فسادًا، بقطعهم الطريق على الناس، يسلبونهم أموالهم أو أعراضهم، أو يقتلونهم، أو يقطون أطرافهم - يعاقبون بتقتيلهم أو تصليبهم (1)، أو قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو نفيهم من الأرض.

وبيان ذلك في مسائل:

1 -

أن وصف المحارب لله ولرسوله، يطلق على من حمل السلاح على الناس في مدينة أو قرية، أَو في طريق أَو صحراءَ، وكابرهم عن أنفسهم وأَموالهم، دون إثارة منهم له، أو ثأَر أَو عداوة.

2 -

أن المغتال كالحارب. وهو أَن يحتال في قتل إنسان، ليأخذ ماله، وإن لم يشهر السلاح. بأَن دخل عليه بيته، أو صحبه في سفر فأَطعمه سُمًّا فِقتله، فَيُقتَل حدًّا لا قَوَدًا أي يقتل قصاصًا.

3 -

اختلف العلماءُ في حكم المحارب. فمنهم من قال: يعاقب بقدر ما فعل. من أَخاف السبيل وأَخذ المال - قُطِعَت يدُه ورجلهُ من خلاف. وإن أَخذ المال وقَتَل، قُطِعَت يدُهُ ورجلُهُ، ثم صُلِبَ وقُتِلَ. فإِذا قَتَلَ ولم يَأخذِ المالَ، قُتِلَ. وإِن لم يَأخُذِ المالَ ولم يَقْتُل، نُفِيَ. وبهذا قال النخعي، وعطاء وغيرها.

(1) مادة التفعيل لما فيه من الزيادة على القصاص، من أنه لا يسقط بالعفو، لكونه حق الشرع، والمراد من التصليب: التصليب مع القتل.

ص: 1059

وقال أبو يوسف: إذا أخَذَ المالَ وقَتَلَ، صُلِبَ وقُتِلَ على الخشبة.

قال الليث: بالحربة: مصلوبًا.

وقال أبو حنيفة: إذا قَتَلَ قُتِلَ. وإِذا أَخَذَ المالَ ولم يَقتُل، قُطِعَتْ يَدُهُ ورجلُه من خلاف. وإذا أخَذَ المالَ وقَتَلَ: فالسلطان مخيرٌ فيه: إن شاء قَطَع يدَهَ ورجلَه، وإن شاء لم يَقْطَع وقَتَله وَصَلَبَه.

وقال الشافعي: إذا أخذ المالَ، قُطِعتْ يده اليُمنَى، وحسِمت (1)، ثم قُطِعَتْ رجْلُهُ اليسرى وحُسِمَت. وخُلِّيَ سبيلُه، لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة.

وإِذا قَتَلَ قُتِلَ، وإذا أخذَ المالَ وقَتَلَ، قُتِلَ وصُلِبَ.

وروى عنه أنه قال: يُصَلَّبُ ثلاثَةَ أيام، وأَنه يكره أن يُقْتَلَ مصلُوبًا، بل يصلبُ بعد القتل، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الْمُثْلَة

وبمثل قوله قال أحمد.

وقال أَبو ثور: الإِمام مخير على ظاهر الآية. وكذا قال مالك وابن عباس، وسعيد ابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي كلهم قال:

الإِمام مخير في الحكم على المحاربين؛ يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى، من القتل والصلب، أَو القطع، أو النفي. أَخذًا بظاهر الآية.

وروى عن ابن عباس، أنه قال: إن كان في القرآن "أَوْ" فصاحبه بالخيار. وهذا هو الأظهر، وهو ما نرجحه.

4 -

النفي من الأرض؛ اختلف في معناه:

فعن الشافعي: أنهم يُخْرَجون من بلد إلى بلد، ويطْلبون لتقام عليهم الحدود. وبه قال الليث بن سعد، والزهري.

وقال مالك: ينْفى من البلد الذي أَحدث فيه الحرابة إلى غيره، ويحبس فيه كالزاني.

(1) الحسم: الكي لمنع سيلان الدم.

ص: 1060

وقال الكوفييون: نفيهم؛ سجنهم

فيُنْفَى من سعة الدنيا إلى ضيقها.

حكى مكحول عن عمر قال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة. ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيَهُم.

قال القرطبي: والظاهر أَن الأرض في الآية هي أرض النازلة - أي مكان الجريمة - ثم قال:

ينبغي للإمام - إِذا كان هذا المحارب مخوف الجانب: يظن أَن يعود إلى حرابة، أَو إفساد - أَن يسجنه في البلد الذي يغرب إِليه. وإن كان غير مخوف الجانب، سرِّح.

قال ابن عطية: وهذا صريح مذهب مالك؛ أَن يغرب ويسجن حيث يغرب. وهذا على الأغلب في أنه مخوف. ورجحه الطبري؛ لأن نفيه من أَرض النازلة هو نص الآية، وسجنه بعد، بحسب الخوف منه.

فإن تاب وفهمت توبته، سرِّح.

5 -

لا يراعي في المال الذي يأخذه المحارب نصاب، كما يراعي في السارق.

وقيل: يراعى أن يكون ربع دينار. وهو نصاب القطع.

قال ابن العربي: قال الشافعي، وأَصحاب الرأي: لا يقطع من قطاع الطريق، إِلا مَنْ أَخذ قدر ما تقْطع فيه يدُ السارق.

وقال مالك: يُحْكم عليه بحكم المحارب. وهو الصحيح؛ لأن الله تعالى - وقّت على لسان نبيه القطع في السرقة، في ربع دينار. ولم يوقت في الحرابة شيئًا، بل ذكر جزاءَ المحارب، فاقتضى ذلك توفية الجزاء - على المحاربة - عن حقه.

ثم إن هذا قياس أصل على أَصل. وهو مختلفٌ فيه. وقياس أدنى على أعلى. وذلك عكس القياس وكيف يقاس المحارب على السارق، وهو يطلب خطف المال، فإن شعر به فرّ، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه، أو صِيح عليه وحارب عليه، فهو محارب: يُحْكم عليه بحكم الحارث.

قال القاضي ابن العربي: كنت في أيام حكمي بين الناس: إذا جاءَني أَحد بسارق - وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم، وأَصحابه يأخذون مال

ص: 1061

الرجل - حكمت فيهم بحكم المحاربين .. فافهموا هذا من أَصل الدين، وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين. إ هـ.

نقول: وهذا ما يسميه علماءُ القانون: "سرقة بالإِكراه".

وفي المسألة أحكام عظيمة، وتفاصيل نفيسة ينبغي لأَهل القضاءِ أن يعرفوها ليطبقوها على الذين يعيثون في الليل والنهار فسادا.

فليتعرفها هؤلاء القضاة من مظانها في كتب التفسير المطولة. المعنية بأحكام القرآن، وفي كتب الفقه.

ولينفذوها في أولئك المحاربين لله ورسوله، قطعًا لدابرهم.

ثم ختم الله الآية بقوله:

{ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} :

أَي: ذلك الذي مرّ من جزاء المحاربين، خزيٌ وذل وفضيحة لهم في الدنيا .. ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

وإنما بولغ في جزاء قطاع الطريق؛ لأنهم يَسُدُّون سبيل الكسب والتجارة على الناس، ويُلْزِمُونهم البيوت، ويقطعون الأرزاق عن عباد الله، ويروِّعونهم في مآمنهم، فلذا، شُرِعَ لهم أشدُّ العقاب، قطعًا لدابرهم.

34 -

{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :

أفادت هذه الآية: أن توبةَ المحاربين - بعد القدرة عليهم - لا تنفعهم، بل لا بد من أن تقام عليهم الحدود التي وجبت في الآية السابقة.

أما إِن تابوا قبل القدرة عليهم وإمساكهم، فإن حق الله يسقط عنهم، بقوله تعالى:

{فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :

أَما حقوق الآدميين من قصاص وغيره، فلا تَسْقُطُ بالتوبة، فإن شاءُوا عَفَوْا، وإِن شاءُوا استوفَوْا منهم حقوقهم، قصاصا عادلًا.

ص: 1062

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37)} .

المفردات:

{وَابْتَغُوا} : واطلبوا.

{الْوَسِيلَةَ} : هي ما يتوسل به، ويتقرب إلى الله من فعل الطاعات، وترك المعاصي.

التفسير

35 -

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ

} الآية.

لما ذُكِرَ جزاءُ المحاربين لله ورسوله، وعِظَمُ جنايتهم، وفُتِحَ لهم بابُ المتاب والغفران، عقب ذلك بأَمر المؤْمنين - عامة - بتقوى الله، والجهاد في سبيله. تأمينا للإنسانية، وإسعادا لحياتها. ويدخل في أمر المؤمنين بتقوى الله المحاربون لله ورسوله. فعليهم أَن يتقوا الله ويجاهدوا أَنفسهم في سبيل رضاه.

والمعنى: يأَيها الذين آمنوا، اجعلوا أَنفسكم في وقاية من عذاب الله. واطلبوا إليه الوسيلة التي تتوسلون بها إِلى ثوابه والوقاية من عذابه، وهي فعل الطاعات وترك المعاصي.

ويدخل في الطاعات: التوبة من الذنوب، والاستغفار، والجهاد في سبيل الله: ودفع الفساد. كما يدخل في المعاصي: قطع الطريق والإِفساد في الأَرض اللذان تقدم الحديث عنهما، في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

} (1).

(1) المائدة، من الآية: 33

ص: 1063

أما التقوى، فهي اتقاء المحارم.

وأَما ابتغاء الوسيلة إِلى الله، فليس بالاستعانة بالصالحين .. فقد قال فيه الشيخ الآلوسي ما نصه: واستدَلَّ بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد، والقسم بهم بأَن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا .. ومنهم من يقول للغائب أَوالميت من عباد الله الصالحين، يا فلان، ادع الله تعالى أَن يرزقني كذا وكذا، ويزعمون أَن ذلك من باب ابتغاء الوسيلة: ويروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذَا أعْيَتْكم الأمورُ فَعلَيْكُم بِأَهلِ القُبُورِ" أو"فَاسْتَعِينوا بِأَهْلِ القبور".

وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل.

وتحقيق الكلام في هذا المقام: أَن الاستعانة بمخلوق وجعلَهُ وسيلةً - بمعنى طلب الدعاء منه - لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه التوسل حيا، ولا يتوقف على أَفضليته عن الطالب، بل قد يطلب الفاضل من المفضول.

فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر - لما استأذنه في العمرة: "لا تنسنا يا أُخَي من دعائك" وأَمره أَن يطلب من أويس القرني رحمه الله أَن يستغفر له، وأمر أمته صلى الله عليه وسلم بطلب الوسيلة له" (1) وبأَن يصلوا عليه.

وأَما إذا كان المطلوب منه التوسل ميتا أَو غائبا، فلا يستريب أَي عالم في أَنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أَحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم.

ثم يستطرد الآلوسي رحمه الله فيقول:

"نعم؛ السلام على أهل القبور مشروع، ومخاطبتهم جائزة.

فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يُعلِّم أَصحابَه إذا زاروا القبور أَن يقولوا: "السلام عَلَيْكم أَهل الديارِ مِنَ المؤمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَهُ بكمُ لَاحِقون. يَرْحَمُ الله المْستقْدِمِينَ مِنْكم - وَالمسْتأخِرِينَ. نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيةَ. اللهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُم، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهم، واغْفرْ لَنَا وَلَهُم".

(1) بأن يقولوا: اللهم أعطه الوسيلة، وهي منزلة كريمة في الجنة، فعند مسلم وغيره أنها:"منزلة في الجنة لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا، فاسألوا لي الوسيلة".

ص: 1064

ولم يرد عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم وهم أَحرص الخلق على كل خير - أنه طلب من ميت شيئًا.

بل صح عن ابن عمر رضي الله عنهما، أَنه كان يقول: إذا دخل الحجرة النبوية: "السلام عليك يا رسول الله. السلام عليك يا أَبا بكر. السلام عليك يَا أَبَتِ" ثم ينصرف ولا يزيد على ذلك، ولا يطلب من سيد العالمين صلى الله عليه وسلم أَو من ضَجِيعَيْهِ المُكَرَّميْن رضي الله عنهما شيئًا.

ثم قال رحمه الله: نَعَمْ، الدعاء في هاتيك الحضرة المكرمة، والروضة المعظمة، أَمر مشروع. فقد كانت الصحابة تدعو هناك: مستقبلين القبلة، ولم يرد عنهم استقبال القبر الشريف عند الدعاء.

ثم قال - بعد كلام طويل في هذا الموضوع وغيره - مستدلا على أن التوسل لا يكون إلا بالأحياءِ ما نصه:

"ففي صحيح البخاري، عن أنس: أَن عمر رضي الله عنه كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس رضي الله عنه فقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بِنَبِيِّكَ - صلى الله تعالى عليه وسلم - فَتَسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسقنا فَيُسْقوْن".

فإِنه لو كان التوسل به عليه الصلاة والسلام بعد انتقاله من هذه الدار - جائزا، لما عدلوا إلى غيره، بل كانوا يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا فاسقنا.

وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس، إِلى التوسل بعمه العباس، وهم يجدون أَدنى مساغ لذلك.

فعُدُولهم هذا - مع أنهم السابقون الأَولون، وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبحقوق الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام. وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع وهم في وقت ضرورة ومخمصة - أي مجاعة - يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق - دليلٌ واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره".

وقد أَطال الآلوسي في هذا الموضوع وما اتصل به، فكتب خمس صفحات تقريبا .. فأرجع إِليه إن شئت (1).

ص: 1065

{وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} :

أي: وجاهِدوا أَعداءكم وأنفسكم، بما أمكنكم في سبيل مرضاة الله، لعلكم تفوزون بالأمن من الأعداء، والحفاظ على الإِسلام وبلاد المسلمين. وحسن ثواب الآخرة.

36 -

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} :

هَذا كلام مستانف، مسوق لبيان أن الذين أمرنا الله بجهادهم. هم الكافرون المعذبون بكفرهم يوم القيامة.

والمعنى: إن الذين كفروا، لو أن لهم ما في الأرض - جميعًا - من أموالها، وزروعها، وكنوزها، ونفائسها، ومنافعها، ومثله معه - ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة الذي استحقوه بكفرهم، ما تقبله الله منهم، لعظم جريمتهم. ولهم عذاب شديد الإيلام، ولو أنهم فطنوا - في الدنيا - لافتدوا أنفسهم من هذا العذاب بشيء سهل يسير هو الإيمان والعمل الصالح. قبل أن يفاجئهم الموت، ويشهدوا يومًا فيه:{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (1).

37 -

{يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} :

وأفادت هذه الآية السابقة: أَن الكفار لو أرادوا الافتداءَ من النار كيلا يدخلوها، فلا يقبل منهم.

وأفادت هذه الآية: أنهم - بعد دخولها - لا يستطيعون الخروج منها بحال.

والإرادة في الآية: بمعنى التمني. كما قال الجبائي. أي يتمنى الكافرون الخروج من النار - بعد أن اصطلوا بسعيرها - وما هم بخارجين منها. بك يبقون فيها. ولهم عذاب دائم لا ينتهي أبدا.

وهذه الآية خاصة بالكافرين، كما يفيده نصها.

أما المسلمون المذنبون، الذين أُدخلوا النار بسبب معاصيهم، فيخرجون منها ويدخلون الجنة.

(1) الشعراء، الآيتان: 88، 89

ص: 1066

فقد أخرج مسلم، وابن المنذر، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ".

وأخرج ابن جرير، عن عكرمة: أن نافع بن الأزرق، قال لابن عباس رضي الله عنهما:"تزْعمُ أن قومًا يخرجون من النار؟ وقد قال الله تعالى: (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنهَا) فقال ابن عباس رضي الله عنهما: "وَيْحَكَ، اقرأ ما فوقها، يعني: اقرأ أولَ الآية - هذه في الكفار".

{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)}

المفردات:

{نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} : أي عقابًا من الله، ينكل به السارق. أي يردع عن معاودة السرقة، وَيُحَذر به هو وغيره من فعلها.

قال صاحب القاموس: النَّكال: ما نكفت به غيرك كائنًا ما كان.

وقال أَيضًا: ونكَّل به تنكيلا: صنع به صنيعًا يُحَذِّر غيره.

(وَاللهُ عَزِيزٌ): أي غالب، فلا يفوته المعتدون.

(حكِيمٌ): في شرع هذا الحد؛ لما فيه من الردع.

ص: 1067

التفسير

38 -

{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (1) جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ

} الآية.

هذا شروع في بيان حكم السارق، بعد بيان حكم قاطع الطريق. وما بينهما يتصل بحكم قاطع الطريق - كما مر بيانه في الربط. كما أنه يتصل بحكم السرقة، ويعرف ذلك بأدنى تأمل.

وقد بين الله في هذه الآية: أن السارق، عقابه قطع يده؛ ذَكَرا كان أَو أنثى. نكالا من الله للسارق وغيره.

والنكال: ما نكلت به غيرك، أَي ما حذرته به.

ولا شك أن قطع يد السارق، فيه تحذير للسارق نفسه من العودة إلى السرقة، وتحذير لغيره من أن يفعل مثل ما فعل، حتى لا يجْزى مثل جزائه.

وقد شدد الله في عقوبة السرقة على هذا النحو، لما تسببه من الانزعاج والأمراض النفسية، والحرمان من أَموال رتَّب صاحبها عليها مصالحه وأَغراضه.

فإذا قُطِعت يدُ السارق، كف عن العودة إلى هذه الجريمة غالبًا، وسلِم الناس من آثارها، وارتدع بها من يفكر في السرقة، والتمس - كلاهما - سبيلا إلى الرزق الحلال.

(1) قال الخليل بن أحمد، والفراء: كل شيء من خلق الإنسان إذا أضيف إلى اثنين جمع، تقول هشمت رؤسهما، وأُشبعت بطونهما، و {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} ولهذا قال:{فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ولم يقل يداهما. وهذا هو الأفصح. حتى لا تكرر التثنية مرتين وهي ثقيلة. ويعتمد على الإضافة في بيان المعنى المراد وهو التثنية. ولو قيل: فاقطعوا يدهما لصح، ولكن الأول أفصح. والمراد: فاقطعوا يدا من الذكر وأخرى من الأنثى. فهاتان هما اليدان المطلوب قطعهما: على معنى أن الذكر تقطع يده إذا سرق، والأنثى تقطع يدها إذا سرقت. وستجد بيان ذلك في الشرح.

ص: 1068

والسارق: هو الذي يأخذ مال غيره خفية من حرز مثله ولا شبهة له فيه، دون طعن بسلاح أو تهديد به، فإِن طعن بصلاح، أو هدد به - وهو ما يعرف الآن بالسطو المسلح - فحكمه حكم قاطع الطريق، الذي يسعى في الأَرض فسادا. وقد مر بيانه في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

} (1).

ولا يعاقب السارق هذا العقاب، إلا إذا كان بالغًا عاقلا، غير مالك للمسروق منه، ولا ولاية له عليه .. فلا تقطع يد صبي ولا مجنون، ولا سيد أَخذ مال عبده؛ لأن العبد وماله لسيده. ولا يدُ عبد سرق مال سيده بإجماع الصحابة.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في غلام لعبد الله بن عمرو الحضرمي سرق مرآة لامرأته ثمنها ستون درهمًا:"غلامكم، سرق متاعكم" ولم تقطع يده.

ولا يقطع الوالدان بسرقة مال ولدهما لقوله صلى الله عليه وسلم: "أنتَ ومالُكَ لأبِيكَ"(2)، ويقطع هو في سرقة مال أبويه؛ لأنه لا شبهة له فيه. كذا قيل.

والراجح: أَنه لا يقطع؛ لأن الابن ينبسط في مال أبيه كالعادة.

وإِذا كان العبد لا يقطع في سرقة مال سيده، فالابن أولى.

وإذا استكمل هذه الشروط، فلا تقطع يده، إلا إِذا سرق ما قيمته ربع دينار. لقوله صلى الله عليه وسلم:"تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ في رُبعْ دِينَارٍ فَصَاعِدًا"(3).

وبهذا أَخذ عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي، والشافعي، والليث وغيرهم.

ومن العلماء من قال: تقطع يده في عشرة دراهم، ومنهم من قال: في خمسة دراهم.

ومنهم من قال: تقطع في القليل والكثير.

والقول الأول: أصح؛ لاستناده إِلى الحديث الصحيح، الذي ذكرناه.

وأَما ما رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ: يَسرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ".

(1) المائدة، من الآية: 33

(2)

رواه ابن ماجه والطبراني.

(3)

رواه الشيخان عن عائشة.

ص: 1069

فإن الغرض منه: التحذير بالقليل - فضلا عن الكثير - كما جاءَ في معرض الترغيب بالقليل في بناء المساجد في قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَنَى لِله مَسْجدًا وَلَوْ مثْلَ مَفْحَصِ قَطاةٍ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجنةِ".

فإِن المساجد لا تكون كمفحص القطاة، وهو المكان الذي تفرخ فيه من الأرض.

ومنهم من أوَّل هذا الحديث بأنه: إِذا سرق القليل، اجترأَ على سرقة الكثير الذي تقطع فيه اليد، وهو ربع دينار فأكثر!!

ولا يقطع إلا إذا أخذ المسروق من حرز مثله. وهو ما أُعِدَّ - عادة لحفظ أموال الناس.

وهو في كل شيءٍ بحسبه.

قال ابن المنذر: ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم .. وإِنما ذلك كالإجماع من أَهل العلم. أهـ.

فالبيت حرز للفراش والثياب والمتاع الذي فيه.

والقبر والمسجد حرز لما فيهما.

والخزانة في مكاتب الناس - أو الحكومة - حرز لما فيها.

وظهور الدواب حرز لما تحمل.

وأفنية الحوانيت حرز لما فيها

وهكذا

وإذا اشترك جماعة في السرقة، قطعت يد كل منهم، إن بلغت حصته مما سرقوا ربع دينار.

ولا يقطع إذا سرق مال نفسه من غاصبه أو مستأجره أو نحو ذلك. كسرقته مالا يشترك فيه مع غيره، أو سرق مالًا له فيه شبهة، كسرقة من يستحق النفقة ممن يجب أن يُنفِق عليه، كالأب من ولده وبالعكس.

ص: 1070

وفي سرقة الزوجة من زوجها ما يقابل النفقة رأْيان:

ومن قال بالقطع فيها: فرَّق بينها وبين نفقة الأقارب، بأن نفقة الأقارب لأجل إحياء النفس .. وأما نفقة الزوجة فهي معاوضة كالإجارة.

ومن نفى القطع استدل بسماح الرسول صلى الله عليه وسم لهند زوجة أبي سفيان أن تأخذ من ماله - أي مال زوجها - ما يكفيها وولدها بالمعروف. وذلك حين شَكَتْ له شُحَّ أبي سفيان. كما ورد في الصحيحين.

ولا يقطع من سرق لجوع شديد أصابه. وقد ثبت أن عمر رضي الله عنه، رَفع حَدَّ السرقة عام المجاعة.

وعلى الحاكم أن يتثبت بعناية من واقعة السرقة وظروفها ودواعيها، وأن يعدل عن القطع عند وجود شبهة، لقوله صلى الله عليه وسلم:"ادْرَءُوا الحدُودَ عَنِ المسْلِمِينَ مَا استَطَعْتُمْ، فَإنْ وَجَدْتُم للمُسْلِم مَخْرَجًا فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنْ الْإمَامَ لَأنْ يُخْطِيء في العَفْوِ خَير مِنْ أنْ يخطيء في العُقُوبَةِ"(1).

وتقطع يد السارق اليمنى من الكوع عند المفصل، الذي بين الساعد والكف.

فإن سرق ثانيا، قطعت رجله اليسرى. فإن سرق ثالثا، قطعت يده اليسرى، فإن سرق رابعا، قطعت رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك عُزِّر بما يراه الحاكم رَادعًا مانعًا.

وتثبت السرقة بالبينة، وبالإقرار.

ثم ختم الله الآية بقوله:

(وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ):

أي: والله غالب، فلا يفوته المعتدون، حكيم في شرع هذا الحد، للقضاء على هذه الجريمة النكراء. تأمينا لحياة الناس.

(1) رواه ابن أبي شيبة، والترمذي، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن عن عائشة.

ص: 1071

39 -

{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :

أي فمن تاب من سرقته - من بعد أن ظلم بها من سرق منه، وأصلح أمره - فإن الله يقبل توبته؛ لأن الله عظيم الغفران والرحمة.

وإصلاح أَمره يكون: بالتقصّي عن التَّبِعَات، وردِّ ما سرقه إن أمكن، أَو باستسماح صاحب المال .. فإن لم يعرف صاحبه، أنفقه في سبيل الله.

وقيل: المراد بالإصلاح أن يستقيم على التوبة.

ولكن لا يسقط حد السرقة بالتوبة، إن كان قد رفع أمر السارق إلى القضاء. فإن كانت توبته قبل أن يرفع أمره إِلى القضاء، فلا قطع، كما قال به عطاء: وجماعة من الفقهاء. استنادا إلى قوله تعالى: "إلَاّ الذينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عليْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"(1) فإنه وإن نزل في قطاع الطريق، فحكمه عام في جميع الحدود، عند هؤُلاء العلماء.

وقد بسط العلماءُ القول في أحكام السرقة، والاختلاس، والغصب، وغير ذلك.

فليرجع إليها من أراد، في موسوعات كتب التفسير والفقه.

40 -

{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} :

هذه الآية، مسوقة لتقرير حق الله تعالى في أَن يشرع ما تقدم من عقاب قاطع الطريق، والسارق، والعفو عن التائب منهما.

والخطاب لكل من يصلح له.

والمعنى: أَلم تعلم أَن الله تعالى، له السلطان الكامل على السموات والأرض وما فيهما.

ومن كان كذلك، فإِن له كامل الحق، في أَن يعذب من شاءَ من المعتدين، ويغفر لمن شاءَ من التائبين، والله على كل شيءٍ قدير: عظيمُ القدرة، فلا يمنعه عن تشريعه الحكيم مانع، ولا يدفعه عن جزائه لهم في الدنيا والآخرة دافع.

(1) المائدة، آية:34.

ص: 1072

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)} .

المفردات:

(يُسَارِعُونَ في الْكفْرِ): يجدُّون فيه.

(وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا): أي من اليهود.

(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ): يسيئون تأْويله.

(فِتْنَتَهُ): إخلاله لسوء اختياره.

(خِزْي): هَوَانٌ ومذلة.

التفسير

41 -

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ

) الآية.

سبب نزول هذه الآية: على ما رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أُتِيَ بيهوديٍّ ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءَ يهود. فقال: ما تجدون في التوراة على مَنْ زنى؟، قالوا: نسوّد وجوههما

ص: 1073

ونحملهما. ونُخالف بين وجوههما. ويطاف بهما. قال فأَتُوا بالتوراة إن كنتم صادقين.

فجاءُوا بها فقرءُوها، حتى إذا مرُّوا بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأَ ما بين يديه وما وراءَها. فقال له عبد الله بن سلام - وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُرْة فليرفع يديه، فرفعهما فإِذا تحتهما آية الرجم: فأَمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَرُجِمَا.

وروى أحمد عن البراءِ بن عازب قال: مُرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي جيء إليه بيهودى محمم (1) مجلود. فدعاهم. فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم. فقال: أنشدك (2) بالذي أَنزل التوراة على موسى: أهكذا تجدون الزاني قى كتابكم؟ فقال: لا والله. ولولا أَنك نشدتني لم أخْبرك. نجد حد الزاني في كتابنا الرجم

ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أَخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالَوْا حتى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع. فاجتمعنا على: التحميم والجلد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهمَّ إِني أولُ مَنْ أَحيا أمْرك، إذْ أَماتوه. قال: فأمر به فرجم"(3). فأنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ

} الآية.

فخوطب صلى الله عليه وسلم، بعنوان الرسالة، للتشريف، والإيذان بأن عدم الحزن من مقتضيات الرسالة

ويشير بقوله تعالى:

(يُسَارِعُونَ في الْكُفْرِ):

إلى أنهمِ مستقرون في الكفر لا يبرحونه.

والمراد: نَهْيُ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، عن التأثر بذلك، أَو المبالاة بهم، وتسليته عما حدث منهم، على أبلغ وجه.

أَي لا تحزن، ولا تبال بتهافتهم في الكفر والإسراع فيه.

(1) مطلي وجهه بالسواد.

(2)

أي أسألك باللهِ.

(3)

لأنهم احتكموا إليه بالتوراة. والتوراة صريحة في الرجم، كما أظهرته المناقشة معهم.

ص: 1074

{مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} :

هذا بيان للمسارعين في الكفر، وأَنهم فريقان: منافقون، ويهود.

فالمنافقون: هم الذين تفوَّهوا بكلمة الإيمان، من غير أن تلتفت إليها قلوبهم، ولم يتأثر بها باطنهم

والفريق الثاني: هم اليهود

والفريقان:

{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} :

هذا الوصف يعود إِلى الفريقين، أو إِلى اليهود خاصة. أي الذين يسارعون في الكفر هم سماعون للكذب، أي كثيرو السماع للكذب من أحبارهم ورؤسائهم، الذين يلقون إليهم أكاذيب اخترعوها، وأباطيل افْتَروْها.

{سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} :

أَي: كما أنهم سماعون للكذب من أَحبارهم ورؤَسائهم، فهم - أيضًا - سماعون منك لأجل قرم آخرين هم رؤَساؤُهم. فقد بعث بهم الرؤَساءُ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليعرفوا ما عنده من حكم الزاني المحصن. وقالوا لهم: اذهبوا إِلى محمَّد. فإن أفتاكم بعقوبة غير الرجم، قبلناها، وكانت حجتنا عند الله. وقلنا هي: فتيا نبي من أنبيائك. وإِن أفتى بالرجم، فلا تتبعوه ولا تستمعوا لكلامه.

{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} :

صفة أخرى (لِقَوْمٍ) أي أنهم يميلون بالتوراة، وَيُؤَؤلُونَ الكلامَ الواردَ فيها على غير تأويله.

{يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} :

أي يقُولُون لاتباعهم السماعين لهم - عند إلقائهم إليهم الأقاويل الباطلة -:

{إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} : أَي إِن أفتاكم محمَّد بما تريدون - وهو الجلد - فخذوه، واعملوا بموجبه.

ص: 1075

(وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ):

بل أُوتيتم غيره وهو الرجم، (فَاحْذَروا) قبوله، وإياكم أن تعملوا به.

ولا شك أن هذا ضلال منهم. ولذلك جاءَ بعدها قوله تعالى:

(وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا):

أي: من يُرد الله به الضلالة والبعد عن طريق الحق، فلن تستطيع دفْعه عن ذلك، لأنَّك لا تملك له من الله شيئًا في دفع الفتنة عنه.

(أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ):

أَي هؤُلاء المذكورون - من المنافقين واليهود - هم الذين لم يرد الله أَن يطهر قلوبهم من الكفر والضلالة؛ لأنهم منهمكون فيهما، مُصِرُّون عليهما، معْرضون عن طريق الهداية والرشاد.

(لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ):

أَي لهؤُلاءَ - وأولئك - في الدنيا خزي؛ بكَشْفِ حال المنافقين، وهَتْكِ أسرارهم، وبَيَانِ كذب اليهود، وإذلالِهم بضرب الجزية عليهم.

(وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ): بدخولهم النار، والخلود فيها.

{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)} .

المفردات:

(أكَّالُونَ): كثيرو الأَكل.

(لِلسُّحْتِ): السحت؛ الحرام. كالربا ونحره.

(بِالْقِسْطِ): بالعدل.

ص: 1076

التفسير

42 -

(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ

) الآية.

كرر تَسمُّعَهم للكذب والباطل، تأكيدًا لاتصافهم بهذه الرذيلة الشنيعة، وتمهيدا لما بعده، من وصمهم برذيلة أُخرى، وهي أكلهم أموالَ الناس بالباطل .. كأَكلهم الربا، وأخذهم الرشوة؛ لِيُحِلُّوا لأنفسهم ما حرم الله عليها.

وعبر عن المال الحرام بالسحت؛ لأنه يسحت البركة في المال، ويذهب به.

(فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ):

أي فإِن جاءَكَ اليهود - متحاكمين إليك بعد ما سمعت من تفاصيل أَحوالهم - فأنت بالخيار بين أن تحكم بينهم، لأنهم اتخذوك حكمًا، أَو تعرضَ عنهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق.

ومثل هؤُلاء: لا يُهْتم بهم، ولا يُلتفتُ إِليهم.

ومن هذه الآية، استدل العلماءُ: على أن الإِمام مخير في الحكم بين أهل الذمة، أو الإِعراض عنهم.

(وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا):

أي. وإن اخترتَ عدم الحكم بينهم، وأعرضت عن ذلك، فلن يقدروا على الإضرار بك؛ لأن الله عاصمُكَ من الناس.

(وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ):

أي وإن اخترت الحكم بينهم، فالواجب أن يكون الحكم بينهم بالعدل، كما أراك الله، قال تعالى:(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)(1).

{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} :

أَي: يرضى عن العادلين فيما ولَّاهم من أحكام، ويحفظهم من كل ما يضرهم.

(1) المائدة، من الآية: 49

ص: 1077

{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)} .

التفسير

43 -

{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ

} الآية.

هذا تعجيب من تحكيمهم من لا يؤْمنون به ولا بكتابه، مع أن الْحُكْم منصوص عليه في كتابهم الذي يدعون الإيمان به وهو التوراة. إذ كانت - مع تحريفها - مشتملة على حكم تلك المسألة، التي جاءُوا يتحاكمون فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي: حكم الزاني المحصن.

(ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ):

أي يعرضون من بعد حكمك الموافق لما في كتابهم.

(وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ):

أَي وما أولَئكَ المتصِفُون - بما ذكر - بالمؤْمنين بما في كتابهم؛ لإعراضهم عنه وعن حكمك الموافق له.

وفي الآية دليل على أن التولِّي عن حكم الله، يخرج صاحبه من الإيمان.

ص: 1078

{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)} .

المفردات:

(وَالرَّبَّانِيُّونَ): جمع رباني؛ وهو المنسوب إلى الرب. والمراد: الزهّاد والعُبّاد.

(وَالْأَحْبَارُ): جمع حبر؛ وهو؛ العالم، أَو رؤَساءُ العلماء عند اليهود.

(اسْتُحْفِظُوا): كلفوا من الله بالمحافظة عليه.

(شُهَدَآءَ): أي رقباءَ يحمونه من التغيير والتبديل.

التفسير

44 -

(إنَّاَ أنزَلْناَ التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ .... ) الآية.

هذا كلام مستأنف، سيق لبيان علوِّ شأن التوراة، وأَنها كانت مرعية فيما بين أَنبياء بني إسرائيل، وعُبَّادهم وعلمائهم.

(فيهَا هُدًى وَنُورٌ):

أَي فيها هداية للناس إلى سبيل الله، ونور يكشف لهم أحكام الله سبحانه وتعالى حلالًا كانت أو حرامًا.

(يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا):

أَي يحكم بها أنبياءُ بني إِسرائيل، من موسى إلى عيسى ابن مريم عليهم السلام، وهم الذين انقادوا وخضعوا لأوامر الله الواردة فيها: بإجراء أَحكامها على اليهود.

ص: 1079

(وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ):

أي ويحكم بها الزهاد، والعلماءُ من اليهود، الذين التزموا طريقة النبيين، وجانبوا كتب اليهود المحرفة. وحكم هؤُلَاء وأُولئك بالتوراة، بسبب التزامهم المحافظة على كتاب الله المنزل إليهم. وكانوا - جميعًا - رقباءَ على كتاب الله - التوراة - يحمونه من محاولات التغيير والتبديل، بأي وجه من الوجوه.

(فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ):

هذا خطاب لرؤَساء اليهود، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

والمعنى: إذا كان شأن التوراة - مع النبيين والأحبار السابقين - كما ذكر، فلا تخافوا، يا علماءَ اليهود، أحدا من الناس، كائنا من كان. وعليكم أن تُطَبقوها كما أنزل الله، وخافُون، فلا تُخِلُّوا بمراعاتها.

(وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا):

أي: لا تستبدلوا بآياتي المنزلة فيها ثمنا قليلًا. وذلك بتغييرها وتبديلها، في مقابل رشوة تأُخذونها، أو جاهٍ تحرصون عليه، أو أي حظٍّ من حظوظ الدنيا وزُخرُفِها.

(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ):

هذه الآية وما يأتي من قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وقوله تعالى:(فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) نزلت كلها في الكفار، وعلى هذا رأْي أَكثر المفسرين.

فأما المسلم، فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة.

وقيل في الآية إضمار، تقديره: ومن لم يحكم بما أنزل الله رادًّا للقرآن، وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر، قاله ابن عباس، ومجاهد

فالآية عامة على هذا.

وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، معتقدا ذلك، مستحلا له.

وأَما مَن فعل ذلك وهو معتقد أنه مرتكب محرما، فهو من فُسَّاق المسلمين وعُصَاتِهِم (1).

(1) القرطبي: 6/ 190 باختصار.

ص: 1080

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)} .

المفردات:

(قِصَاصٌ): القصاص؛ عقاب الجاني بمثا ما جنى.

(تَصَدَّق): أَي عفا عن الجاني.

(كَفَّارَةٌ لَّهُ): مَحْوٌ لذنوبه وآثامه.

التفسير

45 -

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ

} الآية.

في هذا توبيخ وتقريع لليهود: لأَن عندهم في نص التوراة: أن النفس بالنفس. وهم يخالفون حكم ذلك. عمدا وعنادا. ويفرقون بين الخاصة والعامة في القصاص. كما خالفوا حكم التوراة في رجم الزاني المحصن. على ما أَشارت إِليه الآية السابقة.

والمعنى: وفرضنا على اليهود في التوراة؛ أَن النفس القاتلة. تُقْتَلُ بالنفس المقتولة. وأَن العين تُفقَأ بالعين. وأَن الأَنفَ يُجْدَع بالأَنف. وأَن الأُذنَ تُقطع بالأُذن. وأَن السنَّ تُقْلَعُ بالسن. والجروح ذاتَ قصاص (1) وذلك إِذا كانت المساواة ممكنة.

(1) ورد مثل هذه الأحكام في سفر الخروج، الإصحاح 21: 23 - 25 وفي سفر اللاويين: إلخ صحاح: 24: 17/ 20.

ص: 1081

فإِذا تعذرت المساواة كما إذا فقأَ أَعمى عينَ مبصر، أو كان فيها خطر على حياة المقتص منه - كما إِذا فقأ أعورُ عينَ مبصر - ففي ذلك دية الجراح.

وفي ذلك تفصيل: محله كتب الفقه.

(فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ):

أَي فمن عفا عن القصاص من الجاني بقبول الدية - أو مع التنازل عنها - فعفوه كفارة لذنوبه، ومَحْوٌ لسيئاته.

وعبر عن العفو بالتصدق؛ للترغيب فيه، وإظهار جزيل ثوابه.

والقصاص المذكور في الآية، إنما يكون حال العدوان العمد.

أَما الخطأ - أَو شِبْهه - ففيه الدية.

وهذا الحكم المذكور في التوراة، جاءَت به الشريعة الإِسلامية.

ففي حديث أَنس بن مالك عند البخاري ومسلم وأحمد واللفظ له: أن الرُّبَيّع: عمةُ أنس، كَسَرت ثنيةَ جارية. فطلبوا إلى القوم العفو، فَأَبَوْا

فأَتَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: القصاص. فقال أخوها أنس بن النضر: يا رسول اللهِ تكسر ثنية فلانة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كتاب الله؛ القصاص. قال: فقال: لا، والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنية فلانة. قال: فرضِيَ القوم، فعفَوْا وتركوا القصاص. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ مِنْ عِبَادِ الله مَن لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأبَرَّهُ".

(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ):

لأنهم لم يراعوا المساواة - فيما أَمر الله به - في القصاص.

ص: 1082

{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)} .

المفردات:

(وَقَفيْنَا): أَتبعنا.

(مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ): لما تقدَّمه.

التفسير

46 -

(وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ

) الآية.

شروع في بيان أحكام الإِنجيل؛ إِثر بيان أَحكام التوراة.

المعنى: وأَرسلنا عيسى ابن مريم إلى بني إسرائيل؛ بعد أَنبيائهم الذين أَشارت إليهم الآية السابقة.

(مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ):

أَي مؤَيدا للأحكام السابقة التي وردت في التوراة.

(وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ):

أَي وأَعطيناه الإِنجيل.

(فِيهِ هُدًى وَنُورٌ):

أَي فيه هُدًى إلى الحق، ونور يستضاءُ به في إزالة الشبهات، وحل المشكلات.

ص: 1083

(وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ):

أَي: ومؤَيدا لها غير مخالف لما فيها إلا في القليل. كما قال تعالى - على لسان المسيح عليه السلام لبني إِسرائيل: "

وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ

" (1).

وتكرار (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْرَاةِ): لتأكيد توافق الكتابين الكريمين: التوراة والإِنجيل، لأَن مصدرهما واحد

هو الله عز وجل

(وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ):

أَي وجعلنا الإِنجيل الذي أَنزله الله على عيسى هدى يُهتدى به، وزاجرا عن ارتكاب المحارم والمآثم لمن اتقى الله، وخاف عقابه.

أَما تكرار (هُدًى): فهي في الأُولى جزءٌ من اثنين: الهدى، والنور.

وفي الثانية تُتَمِّمُ - مع الموعظة - فضيلة التقوى؛ لبيان ميزة الهدى في الحالتين.

47 -

(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ

) الآية.

أَمر من الله للمسيحيين، بأَنْ ينفذوا الأحكام الواردة في الإنجيل، الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام.

وهذا الأمر ممتد إِلى البعثة المحمدية؛ لأن البشارة وردت بمحمد صلى الله عليه وسلم، في الإنجيل.

فهم مأمورون بأَن يعملوا بما فيه. ومن جملة ما فيه: دلائلُ رسالته صلى الله عليه وسلم، ووجوبُ اتباعه فيما يجيءُ به.

(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ):

أَي ومن لم يحكم بما أَنزل الله في الإِنجيل، ولم يتبع ما ورد فيه من البشارة بمحمد، والإِيمان برسالته، فأَولئك هم المتمرِّدون الخارجون عن حكمه.

وقد تقدم الكلام على ذلك عند الآية (44).

وفي هذا ما يدل على خروجهم على الإِنجيل، وأنهم به كافرون.

(1) آل عمران، من الآية: 50

ص: 1084

{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)} .

المفردات:

(مُهَيّمِنًا عَلَيْهِ): مسيطرا.

(شِرْعَةً): شريعة.

(وَمِنْهَاجًا): طريقا واضحا في تطبيق هذه الشريعة.

(لِيَبْلُوَكُمْ): ليختبركم.

(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ): أي فليسبق كل منكم الآخر إلى فعل الخيرات.

التفسير

48 -

(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ

) الآية.

بعد أَن تكلم الله - سبحانه - عن التوراة وما فيها من هدى ونور، وعن الإِنجيل وتصديقه للتوراة، وما احتواه من الهدى والنور والموعظة - كل ذلك قبل أن يلحقهما التغير والتبديل - ذَكَر بعد ذلك، القرآن المنزل على محمَّد صلى الله عليه وسلم فبين أَنه - حق لا سبيل إِلى تحريفه: "لَا يَأَتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ

" (1) فقال:

(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكَتَابَ بِالْحَقِّ

) الآية.

(1) فصلت، من الآية: 42

ص: 1085

والمعنى: وأنزلنا إليك يا محمَّد، القرآن: قائما بالحق، الذي لا ريب فيه، مصدقا لما تقدمه من الكتب السماوية، التي نزلت على الأنبياء قبله. فلا يختلف عنها - ولا تختلف عنه - فيما جاءَ من أصول العقائد والشرائع.

(وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ):

أي مسيطرا ورقيبا على سائر الكتب السماوية التي تقدمته قبل تحريفها. وَمُنَبِّهًا إلى ما وقع فيها من تحريف. ومقتضى الهيمنة أَنَّ صاحبها هو - لا سواه - المصدر التشريعي للإِنسانية.

(فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ):

أَي فاحكم بين أهل الكتاب بالحق، الذي أَنزله الله إليك في كتابه الكريم. فإِنه المرجع السماوي الصحيح، المحفوظ من التحريف. وكل ما لا يوافقه في التوراة والإِنجيل دخيل، يحرم العمل به وتصديقه. ويَكفر مَن يعتقده تنزيلا من عند الله تعالى.

(وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ):

أَي لا تعدل عما جاءَك من الحق، متبعا أَهواءَهم الزائفة الناشئة عن التحريف والتبديل.

(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً):

أَي لكل أمة منكم - يا بني آدم - جعلنا شريعة تناسب أَحوالها وأَزمانها.

(وَمِنْهَاجًا): أَي طريقا واضحًا تسير عليه في تنفيذ أَحكام شريعتهم.

فالقرآن الكريم. شريعة زمانه. إِلى يوم القيامة.

قال ابن كثير: هذا إِخبار عن الأُمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأَحلام المتفقة في التوحيد، كما ثبت في صحيح البخاري، عن أَبي هريرة رضي الله عنه أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أَنَا أَوْلى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَالْأَنْبِياءُ إِخْوةٌ لِعَلَّاتٍ. أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُم وَاحِدٌ".

ص: 1086

أي: في التوحيد الذي أرسل به كما رسول أرسله. وضمنه كل كتاب أَنزله، قال تعالى:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ"(1).

(وَلَوْ شَاَءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً):

أي جماعة متفقة على شريعة واحدة في جميع الأزمنة. من غير اختلاف بينكم في شيءٍ من الأحكام الدينية.

(وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ):

أي ولكن أَنزل إليكم شرائع، مناهج مختلفة؛ ليعاملكم معاملة من يختبركم فيما آتاكم من الشرائع. ومدى امتثالكم لأحكامها. هل تعملون بها مذعنين لها. معتقدين أَن في اختلافها نفعًا لكم في معاشكم ومعادكم؟ وهل تستجيبون لدعوة خاتَمِ أَنبيائه: الذي جاءَكم بالشريعة، التي خُتِمَتْ بها الشرائع، لتكون شريعة الناس كافة إِلى أَن يرث الله الأرض ومن عليها؟

(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ):

أَي فليسبق كل منكم غيره إلى فعل الخيرات. وهي تتجلى - في أسمى معانيها - في شريعة الإِسلام التي جاء بها القرآن.

(إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا):

أي إلى الله - لا إِلى غيره - مصيركم ومعادكم أَيها الناس.

(فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ):

أَي فيخبركم بما كنتم فيه تختلفون في الدنيا، من أمور الدين، ويجازيكم ويفصل بين المحق منكم والمبطل، والعامل والمفرط.

(1) الأنبياء، الآية:25.

ص: 1087

{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)} .

التفسير

49 -

{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ

} الآية

روى ابن جرير. وابن أَبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن هذه الآية نزلت في كعب بن أسد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس وغيرهم. فقد قالوا فيما بينهم: اذهبوا إلى محمَّد: لعلنا نفتنه عن دينه، فأَتَوه، فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أننا أَحبار يهود وأشرافهم وسادتهم. وإنا - إن اتبعناك - اتبعنا يهود. ولم يخالفونا. وإِنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤْمن لك ونصدقك

فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَنزل الله الآية.

(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ

):

جملة (وَأَنِ احْكُمْ

) معطوفة على لفظ الكتاب، في قوله: (وَأنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكتَابَ بِالْحَقِّ

).

والمعنى: وأَنزلنا إِليك الكتاب - وأمرناك بالحكم بينهما بما أَنزل الله إِليك في كتابه - أَي القرآن الكريم.

(وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ): التي يسيرون عليها، ويتبعون طريقها. فإِنها أَهواء زائفة باطلة.

(وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ):

أَي واحذرهم مخافة أَن يصرفوك عن شيءٍ مما أَنزل الله إِليك، ولو كان أَقلَّ قليل.

ص: 1088

أَو احذر فتنتهم لك، وَصَرْفَهُم لك عن بعض المُنزَلِ إليك.

وإِعادة (مَاَ أَنزَلَ اللهُ إلَيْكَ): لتأْكيد التحذير: بتهويل الخطب إِذا تمكنوا من صرفه عن ذلك.

(فَإِن تَوَلَّوْا): أَي أَعرضوا عن قبول الحكم المنزل، وأَرادوا غيره، مما يتفق مع أهوائهم.

(فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ): أَلَا وهو ذنب التولِّي والإعراض عن حكم الله، والرغبةِ في خلافه.

وفي قوله: (بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ): إشارة إلى أَن ذنوبهم كثيرة. وأن التولي والإعراض بعضها.

(وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ):

أي لخارجون عن طاعة الله، منحرفون عن حكمه، متمردون في الكفر.

{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} .

التفسير

50 -

(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ

) الآية.

هذا إنكار وتعجيب من حالهم، وتوبيخ لهم.

أي: أيتولَّون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية؟!

والمراد بالجاهلية: متابعة الهوى والمداهنة في الأحكام؛ لأن الجاهل لا يُصدِر حُكمَه عن كتاب، ولا يرجع إلى وحي. أو المراد: أهل الجاهلية ممن كانوا قبل الإِسلام، يخضعون للهوى في أحكامهم. أي أَيطلبون حكم من كانوا في عصر الجهل والضلال.

ص: 1089

(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ):

أَي ومن أحسن من الله قضاءً لقوم يؤْمنون باللهِ، ويجزمون بأن حكمه هو أَحسن الأحكام وأعدلها للإنسانية كلها.

وفي هذا إنكار لأن يكون أحدٌ، حكمهُ أحسنَ من حكم الله، أو مساويا له؛ لقصور العقول البشرية.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)} .

المفردات:

(أوْلِيَاَء): أحبابا، أو أصدقاءَ، أو نصراءَ.

(في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ): شكٌّ ونفاق.

(أَنْ تُصِيبَنَا): أن تدركنا وتستأصلنا. من أصاب الشيءَ: أدركه واستأصله.

(دَائِرَةٌ): الدائرة؛ الهزيمة، أَو الداهية. يقال: دارت عليهم الدوائر. أي: نزلت بهم الدواهي.

ص: 1090

(نَادِمِينَ): نَدِم على ما فعل؛ أَسِف وتَحسَّر.

(حَبِطَتْ): بطلت أَعمالهم، ولم تقبل.

(خَاسِرِينَ): أَي لم ينالوا ثمرة أَعمالهم؛ لبطلانها وعدم قبولها.

التفسير

51 -

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ

) الآية.

روى ابن جرير: أَن هذه الآية - وما بعدها - نزلت في عبد الله بن أُبيّ. حينما تشبَّث بمحالفة اليهود. وقال: إِني رجل أَخاف الدوائر، لا أَبرأ من موالاة مواليَّ.

والآية خطاب من الله تعالى لجميع المؤْمنين، يحذرهم فيه من مصافاة اليهود والنصارى، مصافاة الأَحباب، ومعاشرتهم معاشرة الأَصدقاءِ والنصراءِ.

(لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ):

أَي لا يتخذْ أَحد منكم أَحدا منهم وليًّا يعتمد عليه. ويستنصر به. ويتودد إليه ويخالطه مخالطة الأَصفياءِ.

وجاءَ الوصف بالإِيمان؛ ليسارع المؤمنون إلى الابتعاد عما نُهوا عنه؛ لأن الوصف به - في مقابل ذكر الفريقين الآخرين بوصف اليهود والنصارى - من أقوى الزواجر عن مودتهما ومحبتهما.

(بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ):

أَي بعض كل فريق كل من هذين الفريقين، نصراءُ بعض أخر، ثم إِن الفريقين - جميعًا مجمعون على كل مخالفتكم وعداوتكم، فكيف تكون بينكم وبينهم موالاة؟

وفي الإِتيان بهذه الجملة، تأكيد لوجوب الابتعاد عن مودتهم، وتعليل للنهي عن موالاتهم، كما يتأَيد النهي بآيات أخرى منها قوله تعالى: "لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ

" (1).

(1) آل عمران، من الآية: 28

ص: 1091

وليس المراد من الآية الكريمة: أَن يكون بعض اليهود أَولياءَ لبعض النصارى؛ لانتفاءِ الموالاة بين الفريقين أَصلا، قال تعالى: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ

" (1) إِلا في عداوتهم للمسلمين، فهم فيها أَولياء بعضهم للبعض. ولهذا أَكد القرآن على نبذ الولاية لهم؛ وتأكيد الولاية للإِسلام بقوله:

(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ):

أَي ومن يتوددْ إِلى اليهود والنصارى، ويستنصر بهم، فإِنه من جملتهم، وليس من جماعة المؤْمنين؛ لأنه قد خالف الله ورسوله مثل ما خالفوا هم، ووجبت معاداته كما وجبت معادتهم، واستحق عذاب النار كما استحقوه، لأَنه أَضعف الإِسلام بهذه الولاية، قال تعالى:"وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ"(2).

وقد استفيد من الحكم: أَن من يتودد إِلى اليهود والنصارى يكون منهم، من قوله تعالى:(بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ): لأَن انحصار الموالاة - بين اليهود والنصارى في عداوتهم للإِسلام - يترتب عليه: أَن يكون من يواليهم منهم، لا من المؤْمنين.

(إنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ):

أَي إِن الله لا يوفق إِلى قبول الحق، أُولئك الذين ظلموا أَنفسهم باختيار الضلالة على الهدى، وظلموا غيرهم بإِيذائهم ومضاررتهم، وتدبير الكَيد لهم: فلا يهدى إِلى الإِيمان من ظلم نفسه من المسلمين بموالاة غير المؤْمنين، واتباع غير طريق المسلمين.

وفي ختام الآية بهذا: زجر شديد للمؤْمنين عن موالاة اليهود والنصارى؛ وأَنه ظالم للإسلام، لا يهدي الله صاحبه.

52 -

(فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ

) الآية،

خطاب للرسول عليه السلام ولكل من تتوفر له وسائل الإِبصار أَو العلم بأَحوالهم.

خطاب، بيَّن فيه حال الذين يوالون اليهود والنصارى، وأَشار فيه إِلى سبب هذه

(1) البقرة، من الآية: 113

(2)

هود، الآية: 113

ص: 1092

الموالاة منهم، وأنه هو ما استقر في قلوبهم من النفاق والحقد على محمَّد صلى الله عليه وسلم والشكِّ في صدقه، فلا إِيمان يملأُ قلوبهم، ولا يقين - برسالته - تعمر به نفوسهم. ولذا، تراهم مسارعين إِلى تحقِيق مودتهم لليهود والنصارى ومعاونتهم في حرص شديد، وعناية فائقة. كما أَفاده التعبير بقوله:(يُسَارِعُونَ فِيهِم) دون التعبير بلفظ: يُسارِعُونَ إِليْهِم: إِذ معناه؛ أَنهم مستقرون في مودتهم.

وإِذا كانوا مستقرين في موالاتهم: فالمسارعة فيا بينهم - إِنما تكون في الانتقال من مرتبة من مراتب الموالاة، إِلى مرتبة أُخرى أكثر أو أكبر.

(يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ):

أَي يقولون - معتذرين عن تلك الموالاة - بأَننا إِنما نفعل ذلك؛ خوفا من أن يدور الدهر علينا: إِما بقحط أو جدب، فلا يعطوننا طعامًا ولا مالا. وإما بانقلاب الأمر

فتصبح - بتلك الوسيلة الحمقاء - الدولة للكفار، والغلبة لليهود والنصارى على المسلمين، فيدور الأمر كما كان قبل ذلك، فلا يتم لمحمد صلى الله عليه وسلم شأْن، ولا يدوم له نصر. فرد الله على هؤُلاءِ المنافقين فيما اعتذروا به بقوله تعالى:

(فَعَسَى اللهُ أَن يَأتِيَ بِالْفَتْحِ):

وهو وعد من الله تعالى لرسوله وللمؤْمنين بأَن يحقق لهم الغلبةَ على أَعدائهم والقضاءَ عليهم.

والمراد بالفتح الذي يأْتي به الله تعالى: نصرُه سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم على من خالفه، وإِعزازُ الإِسلام، وإِظهارُ المسلمين على أَعدائهم، أَو هو فتح مكة، أو فتح قرى اليهود كخيبر، وفدك، أَو فتح بلاد المشركين للمسلمين - وكل ذلك قد كان.

(أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ):

أَي أَو أَن يأْتي الله بأَمر من عنده، وهو القضاءُ على اليهود، وقطع دابرهم، واستئصال شأْفتهم، بقارعة تصيبهم.

أَو هو الخصْب والسعة للمسلمين، بعد الذي كانوا فيه من ضيق العيش وشدة الحياة.

ص: 1093

أو هو الجزية التي تفرض على اليهود والنصارى، كدليل على استسلامهم وخضوعهم لنظام الإسلام - وقد خافهم من قبل مرضى القلوب من المنافقين، ونافقوا الرسول من أجلهم.

أو هو إظهار أمر المنافقين، والإِخبار بأسمائهم والأَمر بقتلهم.

والحق: أن كل ذلك قد حققه الله للذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأَيقنوا بصدق رسالته.

وكلمة (فَعَسَى): من الله تعالى، وعدٌ واجب التحقق. لكن لا بإِيجاب أَحواله عليه تعالى، بل جريا على سنن العظماء الأكرمين؛ لأَن الكريم إذا أَطمع في خيرٍ، فَعَلَه، فما بالكم بأعظم العظماء، وأَكرم الأَكرمين!!

(فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ):

أَي: فيصبح هؤُلاء المنافقون - بعد أَن جاء فتح الله ونصره لرسوله - على ما حدثوا به أنفسهم وكتموه في صدورهم، من الكفر والشك في أَمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، آسفين متحسرين بعد أَن تبين لهم أَنهم كانوا - فيما فعلوه - مخطئين.

وترتيب الندم على ما أَسرُّوه من الكفر - دون ما أَظهروه من الموالاة - لأَن ما أبطنوه، كان السببَ الذي حملهم على إِظهار الموالاة وأَغراهم بها، فكان الندم على ما أَبطنوه، طريق أَسفهم على ما أَظهروه.

53 -

(وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ .... ) الآية.

أَي: ويقول الذين آمنوا - مخاطبين اليهود على سبيل التقريع والتوبيخ - بعد ما هزموا ودارت الدائرة عليهم مشيرين إلى المنافقين بهذا الاستفهام: استهزاءً بهم وإِنكارا لصنيعهم واستبعادا له.

(أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ):

أَهؤُلاءِ هم الذين حلفوا لكم باللهِ: مغلظين الأَيمان، مجتهدين فيها؛ إنهم ليكونون معكم بالعون والنصر على محمَّد إذا قاتلتموه؟

ص: 1094

(حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ):

أَي بطُلت أَعمال هؤُلاء، وفسدت وذهبت سدى، فكانت عاقبة أَمرهم: خُسْرا في الدنيا، إِذ لم تقم للكافرِين دولة فينتفعوا بثمار مساعدتهم، وأَجر موالاتهم. وخُسْرا في الآخرة؛ أَي حُرِموا ثوابَ الإِيمان بالله، والإِخلاصَ في طاعته.

وفيه عن التقريع لليهود، والاستهزاءِ بالمنافقين ما لا يخفى.

ونظير هذا قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ"(1).

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)} .

المفردات:

(يَرْتَدَّ): يرجع عما هو عليه.

(أَذِلَّةٍ): جمع ذليل؛ لين. رحيم. متواضع لا بمعنى مهين. أَي: رحماءَ متواضعين.

(أَعِزَّةٍ): أَقوياء أَشداء.

(لَوْمَةَ): المرة من اللوم. ولامه كدَّره بالكلام؛ لإتيانه ما لا ينبغي.

(1) سورة الحشر، الآيتان: 11، 12

ص: 1095

54 -

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ

} الآية.

لما نهى القرآن الكريم عن موالاة اليهود والنصارى - فيما تقدم من آياته - وبيَّن أَن مَن يتولَّهم، فإنه يكون منهم - وذلك يقتضي الارتداد - وأوضح عاقبة الموالين من المنافقين، جاءَت هذه الآية: تبين حال المرتدين مطلقا.

(يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ):

يأيها الذين آمنوا، مَن يرجع منكم عن دين الإِسلام إِلى الكفر، وإِنكَار ما جاءَ به الإِسلام من تكاليفَ:

(فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ): بأُناس آخرين.

(يُحِبُّهُمْ): يَرضى عنهم، إِذْ هداهم إلي خَيْرَيِ الدنيا والآخرة.

(وَيُحِبُّونَهُ): ويحرصون على طاعته، وينصرون دينه ويبتعدون عن معاصيه.

(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ):

أي: هؤُلاءِ الأَقوام يكونون متواضعين للمؤْمنين، متذللين لهم: متعاطفين معهم، حافِّين عليهم، رحماءُ فيما بينهم: أَشداءُ على الكفار - أَقوياء في جهادهم. قال تعالى: "

أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ

" (1).

(يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ):

أَي يجاهد هؤُلاءِ القوم - بإِخلاص نية وصدق عزيمة - في سبيل نصرة الحق. وإِعزاز الإِسلام وأَهله، حتى تكون كلمة الله هي العليا. ولا يخافون أَية ملامة من أَي لائم؛ لقوة تَدَيُّنِهم، ورسوخ يقينهم؛ لأَنهم لا يوالون أَحدًا إِلا الله بخلاف المنافقين فإِنهم كانوا يوالون اليهود حرصًا على أَنفسهم. ومخافة أَن تدور الدائرة على النبي وأَصحابه ومن ثَمَّ، لا ينتصر بهم، ولا يصلحون للدفاع عن الدعوة.

(1) الفتح، من الآية: 29

ص: 1096

(ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤتيهِ مَن يَشَاَءُ):

أي ما تقدم من الأوصاف العظيمة، والفضائل الجليلة، من محبة الله لهم، ومحبتهم لله تعالى، وحنوهم على المؤْمنين. والشدةِ على الكفار، والجهاد في سبيل الله - دون خشيةِ أَحد - إنما هو لطفُ الله وإحسانهُ: يتفضل - وحده - بمنحه من يشاءُ من عباده. وذلك بتوفيقه للعمل على تحصيله، والحرص على التحلِّي به.

(وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ):

كامِلُ القدرة، كثير الإِفضال، كامل العلم، محيط بكل شيء. فلا يعجزه أَن يأتيَ بمن يُحِبُّهُمْ ويحبونه، ولا يفوته العلم بمن هو أَهلٌ لذلك الفضل.

وقد تحدثت الآية عمن يرتدون قبل أَن تقع ردتهم، فكان ذلك إخبارا عن مغيبات، وكان معجزة للرسول، وإعجازا للقرآن.

وقد ارتد من العرب في أَواخر عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق:

1 -

بنو مدلج: تحت رياسة الأسود العنسي؛ تنبَّأَ باليمن، ثم قتله فيروز الديلمي، في الليلة التي قُبض الرسولُ صلى الله عليه وسلم من غدها.

2 -

بنو حنيفة: أَصحاب مسيلمة الكذاب، الذي تنبأَ فحاربه أَبو بكر رضي الله عنه وقتله الوحشي؛ قاتل حمزة، وكان يقول: قتلت في جاهليتي خيرَ الناس، وقتلت في إسلامي شرَّ الناس.

3 -

بنو أَسد: قوم طلحة بن خويلد، الذي ادعى النبوة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدا رضي الله عنه لقتاله، فهرب بعد القتال إلى الشام ثم أَسلم، وحَسُنَ إِسلامه.

وفي خلافة أبي بكر الصديق ارتدت بعض القبائل العربية. وبعضها امتنع عن دفع الزكاة واعتبرها جرما.

فرأى أَبو بكر رضي الله عنه قتال المرتدين والممتنعين عن دفع الزكاة، وشرح الله صدور المسلمين لهذا، وجهز الجيوش، واستطاع القضاء على هذه الفتنة، وضَمّ المسلمين بعد أَن كَادوا يتفرقون.

ص: 1097

{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)} .

المفردات:

(حِزْبَ اللهِ): الحزب في اللغة؛ القوم الذين يجتمعون لأمر حَزَبَهم. وحِزْبُ الرجل: أصحابُه الذين يكونون معه على رأيه. وأظهرُ ما قاله المفسرون في بيان معناه: أنهم الذين يطيعون الله فيما أمَرَ ونَهَى، فينصرهم الله.

التفسير

55 -

{إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} :

بعد أن نهى القرآن الكريم المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياءَ؛ لأن بعضهم أولياءُ بعض، فلا يتصور أَن يخلصوا في مودة المؤْمنين، وبيّن أَن من يصافيهم يكون منهم، وأَن مودتهم تؤَدي إلى الارتداد. ثم بيّن حكمَ المرتدين مطلقا

بعد ذلك، جاءَت هذه الآية، تبين أَن الوليَّ حقا الجدير بأن يستنصر به هو الله تعالى وحده. وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤْمنون. فإن الاستعانة بهم، استعانةٌ بالله تعالى.

جاءت الآية بذلك - تحريضًا للمؤْمنين على الاستنصار بالله ورسوله والمؤْمنين، وتحذيرا من موالاة مَنْ تَجُرُّهُ مصافاته لغير المسلمين، إلى الردة عن دين الله.

ص: 1098

(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا):

أي: إنما وليكم الجدير بالولاء، هو الله وحده، وكذلك رسوله والمؤْمنون.

(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ):

أي الذين يحافظون على أداء الصلاة في أَوقاتها، وإِعطاءِ الزكاة لمستحقيها، وهم خاشعون خاضعون، منقادون لله في كل ما أمر به، ونهى عنه، فيؤَدون الصلاة تامة، مستوفية الأركان والشروط: في إِخلاص نية وصدق عزيمة. ويعطون الزكاة لأصحابها، من أفضل أموالهم، دون أن يُشْبِعوها مَنًّا ولا أذًى.

وإنما قال: (وَلِيُّكُم) بالإفراد ولم يقل أولياؤكم - مع أَنهم في الآية جمع: الله، ورسوله، والذين آمنوا - لبيان أن الولاية حقًّا - وفي الأصل - لله تعالى وحده، والاستعانة بالرسول صلى الله عليه وسلم، وبالمؤْمنين الصادقين، بطريق تبعيتها للاستعانة باللهِ تعالى.

والآية عامة في حق جميع المؤمنين.

فكل من كان مؤْمنا، فهو نصير لجميع المؤمنين.

ونظيره قوله تعالى: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ

" (1).

وعلى هذا فقوله: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ): وصف لجميع المؤْمنين.

والمراد تمييزهم من المنافقين، لأنهم كانوا يدّعون الإيمان، ولا يداومون على الصلاة والزكاة، قال تعالى: "

وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ" (2).

وخص الصلاة والزكاة - دون سائر العبادات - لأهميتهما من بين العبادات؛ لأَن الصلاة حق الله على عباده، والزكاة حق الفقراء على الأغنياء.

(1) التوبة، من الآية: 71

(2)

التوبة، من الآية: 54

ص: 1099

56 -

{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} :

أَي وكل مسلم يوالي الله بالطاعة، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، ويتخذ منه نصيرا ومعينا.

وكذلك كل مسلم يتخذ الرسول إِمامًا يَهتدِي بهديه، ويسترشد بإِرشاده، ويستنصر به وبالمؤْمنين ويصافيهم، ويخلص الحب لهم - فإِن هؤلاءَ المسلمين، هم الغالبون على أعدائهم؛ لأنهم حزب الله: الذين يطيعون أَمره، ويجتنبون نهيه: فكان لهم النصر على أعدائهم.

وذكر (الله) باسمه الظاهر - دون الضمير، فلم يقل: فإِنهم هم الغالبون كما يقتضيه الظاهر - تشريفًا لِمَنْ وَالى اللهَ ورسولَه، ولإِثبات الغلبة لأَولياءَ الله بالدليل. إذ معناه: ومن يوالِ هؤُلاء - بالطاعة والمصافاة والاستنصار - فإِنهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58)} .

المفردات:

(هُزُوًا): هَزَأ بفلان؛ سَخِر منه، واستخف به. واتخذه هزوا أَي: جعله موضع سخرية منه.

ص: 1100

التفسير

57 -

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ

) الآية.

خطاب من الله - تعالى - لجميع المؤْمنين: يحذرهم فيه من موالاة من ليسوا على الحق مطلقا: سواءٌ من كان منهم صاحب دين غَيَّره وصرفه عن الصواب. تبعًا لهواه كأَهل الكتاب، ومَن لم يكن منهم له دين .. كالمشركين، فيقول عز وجل:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ

) الآية.

أَي: لا تجعلوا - أيها المؤمنون - أولئك الذين تلاعبوا بدينكم من أَهل الكتاب والكفار واستهزءُوا به، وسخروا منه: بإِظهار الإِسلام بأَلسنتهم مع الإِصرار على الكفر بقلوبهم أولياءَ أبدا.

وصدَّر أهل الكتاب في الذكر، لزيادة التشنيع عليهم، لأنهم أَعرف بالتديُّن السليم ممن سواهم، ممن كفروا ولا دين لهم. إذ مقتضى وصفهم بأنهم أهل كتاب أنزله الله عليهم أن يبتعدوا عن التلاعب بالدين الذي جاءَ به القرآن المصدق لكتابهم. فضلا عن أَن البشارة بالإِسلام، واردة عندهم.

(وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ):

أي: وخافوا - أيها المؤْمنون - عقاب الله، وحصّنوا أَنفسكم من الوقوع فيه. بالابتعاد عن المعاصي واجتناب المحرمات، إن كنتم مؤْمنين بالله حقا. فإِن الإِيمان الصادق، يقي صاحبَه من عذاب الله، ومن الجنوح إلى الولاء المحرم الآثم.

ويدخل في هذا التوقِّي، النهي عن موالاة الكفار الآخرين من باب أولى.

ص: 1101

58 -

(وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ):

بعد أَن بينت الآية السابقة، استهزاءَهم بالدين مطلقا، جاءَت هذه الآية: تتحدث عن استهزائهم ببعض ما شرعه الله في هذا الدين من أحكام - واختارت الصلاة لأنها أكثر أركان الإِسلام مظهرا - إِظهارًا لغاية شقاوتهم، وفظاعة جرمهم.

(وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا):

أَي: وإِذا أَذَّن المؤذِّن منكم - أيها المؤْمنون - لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة، ليقبلوا على أدائها. استهزءُوا بهذه العبادة التي تشمل الأذان والصلاة جميعًا.

وكانت لهم في الاستهزاء والسخرية، أَساليبُ متنوعة.

منها كما رُوِىَ - أنهم كانوا حين يقوم المسلمون للصلاة يقولون: صَلُّوا

لا صلَّوا

قاموا

لا قاموا.

ومنها: أنهم كانوا يقولون: يا محمد، لقد ابتدعتَ شيئًا لم يُسْمَعْ به فيما مضى.

فإن كنت نبيًّا، فقد خالفت - فيما أحدثت - جميع الأنبياءِ .. فمن أَين لك صياحٌ كصياح العير؟!

(ذَلِكَ بِأنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ):

أي ذلك الذي تقدم - من الاستهزاء بصلاة المؤمنين والأذان لها - إنما وقع بسبب أنهم سفهاء لا يعقلون؛ لأن السفه يؤَدي إلى الجهل بمحاسن الحق، والاستهزاء به. ولو كان عندهم أدنى إدراك، أو أقل تعقل، لَمَا أَقدموا على هذه السفاهات، ولما ارتكبوا تلك الحماقات، ولَعَلِموا أن الصلاة - كما قال بعض الحكماء - أَشرف الحركات. فهي خضوع لله، ومَنجاةٌ، فضلا عن ربطها الوثيق للجماعات الإِسلامية، وإِشعار المسلمين بولائهم لله ورسوله وعامتهم.

هذا إلى جانب ما في الصلاة، من تقوية روحية وبدنية، وتنظيمات عسكرية.

وليس فيها شيء مما يدعو إِلى السخرية.

ص: 1102

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)} .

المفردات:

(تَنقِمُونَ): تعيبون علينا وتنكرون منا.

(الطَّاغوتَ): رأس الضلال. وقيل: الشيطان، أو كل معبود من دون الله.

(مَثُوبَةً): المثوبة والثواب؛ الجزاءُ على الأعمال خيرها، وشرها. وكثر استعماله في الخير.

التفسير

59 -

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ

) الآية.

بعد أن نهى الله المؤمنين عن موالاة الذين استهزءُوا بدين الإِسلام، وتلاعبوا به، جاءَت هذه الآية تقول لهم: ما الذي تعيبونه على الإِسلام وأَهله، وتكرهونه منه: مما يسوغ لكم اتخاذه هزوًا ولعبا؟، إِنكم - في واقع الأمر - لا تجدون شيئًا يعاب به.

رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه أَن نفرا من اليهود أَتَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤْمن به من الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فقال أُومن بالله، وما أُنزِل علينا، وما أنْزِل على إِبراهيم وإِسماعيل، وإِسحاق ويعقوب والأسباط. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته. وقالوا: والله، مما نعلم أَهلَ دينٍ أقلَّ حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينًا شرًّا من دينكم - فأنزل الله تعالى هذه الآية وما بعدها.

ص: 1103

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ):

أَمرٌ من الله تعالى لرسوله: أَن يقول لأَهل الكتاب، الذين استهزءُوا بالدين وكفروا به، خطابًا لهم على سبيل التعجيب:

(هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا):

أي: ما تنكرون منا وتعيبون علينا، إلا إِيماننَا بالله وبما أُنزل إِلينا من القرآن المجيد، وإِيماننَا بما أُنزِل من قبل إِنزال القرآن الكريم: من التوراة والإِنجيل المنزلين عليكم، وسائر الكتب السماوية وكذلك إِيماننا بأَنكم قوم فاسقون متمردون على الحق، خارجون عن الطريق المستقيم للصالح الإِنساني، مكذبون بنبوة محمَّد الذي بشرت به كتبكم وجاءَ لخلاصكم.

وكان هذا القول على سبيل التعجيب، لأن هذه الأُمور التي أَنكروها. ليست بما يعاب وينكر، بل يجب أن تكون مما يُعلَم ويُحفظ، لأن الإيمان بالله، هو الأَصْل الذي عليه تُبنى جميع الطاعات .. والإِيمان بجميع الأنبياءِ، هو الحق والصدق الذي أمر الله به. وقد اتبعناه. والتزام الصالح الإِنساني، الذي لا يضل عنه إِلا فاسق فاجر.

وأَما ما عليه هؤُلاء المستهزءُون: من التمرد والخروج عن الإِيمان، والكفر ببعض الرسل والإِيمان ببعض، فباطلٌ. وليس من الحق في شيءٍ. وهو الجدير بأَن يُعَاب وينكر. لأن كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي جاء مصدقا لمن تقدمه من الرسل - كفرٌّ منهم برسلهم وبمكارم الأخلاق.

وخاطبهم بقوله: (يَاَ أهْلَ الْكِتَابِ) توبيخًا لهم وتقريعًا، إذ مقتضى هذا الوصف أَن يؤْمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاءَ به، وأَلَّا يستهزءوا به ويسخروا من الدين الذي ارتضاه الله تعالى - شريعة للناس جميعًا. محققة للصراط المستقيم، والسعادة البشرية.

60 -

(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ

) الآية.

بعد أن أَمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، أَن يبين لأهل الكتاب: أَن الأَساس الذي بنوا عليه إِنكارهم للدين الذي جاءَ به، كان يقتضي إيمانَهم به وكفرهم بما هم عليه

ص: 1104

من الضلال، جاءَت هذه الآية الكريمة، تأْمره عليه الصلاة والسلام: أَن يبيِّن لهؤُلاء اليهود: أَن الجدير بالإِنكار حقا: ما هم عليه من الضلال الذي ألحقوه بشريعتهم.

(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ):

أَي قل يا محمد: ألا أُخبركم - أيها اليهود - بمن هم شرٌّ وأَسوأُ حالًا في العقوبة الثابتة المقررة لهم عند الله تعالى - وأَشدُّ نكالا يوم القيامة من المسلمين - في زعمكم الباطل أيها اليهود - هم أولئك الذين طَرَدَهُمُ الله من رحمته، وأَبْعَدَهم عن رضوانه، وحلّ عليهم سُخْطه، هم:

(مَن لعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغوتَ):

أَي: وجعل منهم من يشبه القردة في التقليد الأعمى، والخنازير في الانغماس في كل ما هو قذر

وكذلك جعل منهم الذين عبدوا الكهنة ورؤَساءَ الضلال: الذين قادوهم إلى الكفر بما أنزل الله تعالى - من الهدى لإِخراج الناس من الظلمات إلى النور.

(أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ):

أي: هؤُلاء الموغلون في الاتصاف بتلك القبائح والخبائث، التي أَوقعتهم في سوءِ المصير

هم في شر المكانة، وأَحط المقام؛ في الدنيا والآخرة، وأَكثر انحرافا وبعْدًا عن الطريق المستقيم.

وقد مهد بالاستفهام الذي خاطبهم به - لِمَا اراد إلقاءَه إِليهم - لشدِّ انتباههم، وإيقاظ أذهانهم، لبيان أَن للمخبر به شأْنًا خطيرًا؛ يستحق أَن يتلقاه السامع؛ بالحفظ والتدبر والرعاية.

وليس في الدين الإِسلامي - ولا في أَهله - أَدنى شيءٍ من شر أو ضر، بل كله خير محض في نفسه. وأَتباعه خيّرون ما تمسكوا باتباعه .. وإِنما اعتبرت الشرية في قوله تعالى:(بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ) من باب المجاراة لهؤلاء المبطلين فيما اعتقدوه - لا فيما هو الواقع - لإِلزامهم بأَن ما هم عليه من الفساد، شرٌّ من كل محتمل .. ولو في زعمكم أيها اليهود الأشرار. على فرض أن في الإِسلام وأهله شرًّا كما تزعمون؟!.

ص: 1105

{وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)} .

المفردات:

(الإِثمِ): الذنب وكل المعاصي، ويطلق على الكذب.

(وَالْعُدْوَانِ): مجاوزة الحد في الظلم.

(السُّحْتَ): الحرام.

(لَوْلَا): هلَّا. وهي هنا: للتحضيض.

(الرَّبَّانِيُّونَ): العلماءُ العارفون باللهِ، ويكونون في اليهود وغيرهم.

(الأحْبَارُ): علماء اليهود، وقيل: هما في اليهود، لأن الحديث لا زال متصلًا ببيان شأْنهم.

التفسير

61 -

{وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ. . .} الآية.

لا زال الحديث متصلًا في بيان جرائم اليهود منهم عامة، والمنافقين منهم خاصة.

فقد جاءَت هذه الآيات الثلاث، تحكي في الآية الأُولى منها: بعض طرقهم في المكر والخداع.

ص: 1106

كما تبين الآية الثانية: تسابقَ الكثيرين منهم إِلى ارتكاب المحرمات، وانخفاضهم إلى الحضيض الخُلُقي.

وتنفي الآية الثالثة على علمائهم، عدمَ إرشاد عامتهم إِلى الصواب. مبينة أن الساكت على الشر هو وفاعلُه سواء في استحقاق العذاب.

أسباب النزول:

كان جماعة من اليهود يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُظهرون له الإيمان؛ نفاقًا؛ لخداعه والمكر به، فإذا خرجوا من لدنه عليه السلام خرجوا بالكفر كما دخلوا، دون أَن يتأثروا بما سمعوه من هَدي الرسول وإِرشاده. فأنزل الله هذه الآية، لإظهار نفاقهم.

والمعنى: وإِذا جاءكم - أَيها الرسول ومن معك من المؤْمنين - هؤُلاءِ اليهود، أظهروا لكم الإيمان بألسنتهم؛ نفاقًا لخداعكم. والحال أنهم خرجوا - من مجلسكم - وهم أشد تمسكًا بالكفر الذي ملأ قلوبهم حال دخولهم عليكم: متصفين به، لم يتأثروا بما سمعوه من نصح الرسول، وهدْيه وإِرشاده.

{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ} :

أَي والله أَعلم بما كتموه من الكفر، وبما أضمروه من الحرص الشديد على عداوة المسلمين وبغضهم، والجد في المكر بهم، وتدبير الكيد لهم، وإِلحاق أَبلغ الضرر بهم.

وفيه من الوعيد الشديد لهم - بأشد أَنواع العقاب - ما لا يخفى. وفي هذا الموقف النفاقي، قال تعالى:{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (1).

62 -

{وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ. . .} الآية.

هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل من تتوافر له وسائل الإبصار أَو العلم بأحوالهم، بيّن الله تعالى فيه، حال كثير من هؤُلاء اليهود المنافقين. وهبوطهم الإنساني.

(1) سورة آل عمران، آية: 72

ص: 1107

أَي وترى يا محمد، كثيرا من هؤُلاءِ اليهود مسارعين إِلى ارتكاب الإِثم - أَي الكذب أو ارتكاب جميع المعاصي والمحرمات، وبخاصة نوعين من أَشد المحرمات قبحًا. هما:

العدوان

وأكْل السحت.

أما العدوان: فهو مجاوزة الحد في الظلم. ومصدره الأنانية الكافرة.

وأما السحت: فهو أكل الحرام. وأَظهرهُ الربا وأَخذ الرشوة. ومصدره الأثرة الفاجرة.

وخُصَّا بالذكر - بعد دخولهما في جميع المعاصي - للمبالغة في إِظهار قبحهما. وخطورتهما على المجتمع البشري.

{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} :

أي: إِن استمرارهم على ارتكاب تلك المعاصي زاد أَعمالهم قبحًا، وزادهم أَهلية للذم والتوبيخ. قال تعالى:(وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ): ولم يقل وتراهم؛ لأَن قليلًا منهم كانت فيهم إنسانية فيستحيون، فيتركون المعاصي.

وأَكثر ما يستعمل لفظ المسارعة، في الخير. قال تعالى: {نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ

} (1) وقال تعالى: {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ

} (2) فاستعماله هنا، يدل على أَنهم كانوا يرتكبون المعاصي - وكأَنهم على حق فيما يفعلون. كما أَفاد التعبير بلفظ (في)، دون (إلى) أَنهم كانوا حريصين أشد الحرص على إِتيان المحرمات.

إذ المعنى: أَنهم مستقرون في المعاصي، منغمسون فيها.

وكذلك أَفاد التعبير بلفظ (يُسَارِعُونَ) أَنهم كانوا يتسابقون: مسرعين إِلى الكفر وارتكاب هذه الآثام.

63 -

{لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ. . .} الآية.

بعد أَن بينت الآية السابقة: أَن كثيرا من اليهود، كانوا يتسابقون إِلى ارتكاب المعاصي والآثام. جاءَت هذه الآية: تنعي على علمائهم، عدا النهي عن ارتكاب المعاصي والآثام.

(1) المؤمنون، من الآية: 56

(2)

المؤمنون، من الآية: 61

ص: 1108

{لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} :

أي: هلَّا قام أولئك العلماءُ بالنهي عن التسابق إلى ارتكاب المعاصي والانغماس في الشهوات؟!

والمراد من هذا الأسلوب، تحريض العلماءِ على القيام بهذا النهي، وتوبيخهم على تركه، وتعطيل وظيفة العلم.

وهذا يتضمن - بالنسبة لعلمائهم المقصرين - نعيًا على تقصيرهم في النهي والإِبلاع.

{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} :

أَي: إن استمرار العلماءِ على ترك النهي عن المنكر، أقبح ما صنعوه، وأجدره بالذم واللوم والإنكار.

ويحتمل أن العموم في (كَانُوا) فيعم اليهود جميعًا.

فعلى الأول المراد أَن الله سبحانه، أنكر على علماء أهل الكتاب، واستبعد منهم - عدمَ قيامهم بنَهْيِ المتسابقين إلى ارتكاب المعاصي والمحرمات.

وقد دل ذلك على أَن تارك النهي عن المنكر - ومرتكبه - في الذم سواءٌ.

بل إِن الذم على ترك النهي عن المعاصي، أَشد وأقوى؛ لأن الله تعالى، قال في ذم من يأتون المعاصي:{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} . وقال في ذم العلماءِ الذين لا ينهون عن المنكر: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} .

والصنع أقوى من العمل؛ لأن الصنع عملُ الإِنسان، بعد التدرب عليه، والتروي في إتقانه، والتحري في إجادته، حتى يصير مستقرا في النفس، راسخا فيها.

وأيضًا كان الذم على ترك النهي عن المنكر أَشدَّ؛ لأن العالم يقوم بالنهي عن المنكر حِسْبة ابتغاء رضوان الله. فكان تركه أَقبحَ من إِتيان المعصية، لميل النفس إِلى فعلها، تحقيقا للَّذة الفانية، ولا كذلك الساكت على المعاصي، التارك لإنكارها. فكان - لذلك - جديرا بأبلغ الذم وأشد التوبيخ.

عن ابن عباس رضي الله عنه هذه أشد آية في القرآن، أي: على تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ص: 1109

وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوفَ عندي من هذه الآية، أي بالنسبة لمن يتركون النهي عن المنكر.

وروى الترمذي في صحيحه بسنده عنه صلى الله عليه وسلم: "إنَّ النَّاسَ إذا رَأَوُا الظالِمَ وَلَم يَأخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أوْشَكَ أن يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِن عِندِهِ".

قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (1).

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64).

المفردات:

{يَدُ اللَّهِ} : اليد في كلام العرب تكون؛ للجارحة، وللنعمة، وللقوة، وللقدرة، وللصلة، وللتأييد، وللنصرة.

{مَغْلُولَةٌ} : الغُل؛ قيد من الجلد، أَو الحديد يوضع في اليد أو العنق. ومرادهم بذلك: أنها مقبوضة بخيلة بالعطاء.

{مَبْسُوطَتَانِ} : البسط؛ المد بالعطاءِ. والمراد منه هنا؛ الجود والإعطاءُ.

{أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ} : أَوقد النار؛ أَشعلها. والمراد هنا، آثاروا الفتن، ودبروا المكائد التي تؤدي إلى وقوع الحرب بين الناس.

(1) المائدة الآيتان: 78، 79

ص: 1110

التفسير

64 -

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ. . .} الآية.

لا زال الحديثُ متصلًا في بيان جرائم اليهود، وما استوجبوه من الإهانة والذل في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

فقد جاءت هذه الآية، تتحدث عن نوع آخر من أَشنع جرائمهم.

قال ابن عباس وعكرمة والضحاك: "إن اللهَ وسَّعَ عَلَى اليَهُودِ في الدُّنْيَا، حَتى كَانُوا أكْثَرَ الناسِ مَالًا. فَلَمَّا عَصَوُا اللهَ، وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَكذَّبُوه، ضَيَّقَ اللهُ عَلَيْهِمْ في زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم، فقال فنحاص بن عازوراء ومن معه - من يهود - يد اللهِ مغلولةٌ. فأنزل الله هذه الآية:

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} :

مغلولة أي: مقبوضة بالعطاءِ. كناية عن البخل والإمساك.

أَي: إِن الله بخيلٌ علينا بما عنده من المال والعطاء والرزق. أَو المراد بهذا: أَنه فقير، لا يجد ما يعطيه لنا، ليتفق مع ما حكاه القرآن عنهم في قوله تعالى: {

إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ

} (1) وقد عاقب الله هؤُلاء اليهود بعقاب من جنس عملهم، جزاءً وفاقا حين قال عنهم:

{غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} :

والمراد إلصاقهم بالبخل والنكد، والمسكنة والعجز، والطرد من رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة. والبعدِ عن رضوانه. بسبب قولهم:{يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} .

وكما يراد منه الدعاء عليهم بالبخل والعجز، يجوز أَن يكون المراد به الدعاء عليهم: أن تُقَيَّدَ أَيديهم في الدنيا حقيقة. بأخذهم أَسارى، ويوم القيامة يسحبون في النار على وجوههم بأغلالهم.

(1) آل عمران، من الآية: 181

ص: 1111

وقد حقق الله قضاءه فيهم. فكانوا أبخل الناس في الدنيا. وأحرصهم على المال. وباءوا في الآخرة بالخلود في النار.

{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} :

أي: ليس الأمر كما يزعم هؤلاء اليهود. بل هو سبحانه. في غاية ما يكون من الجود والغنى .. نِعَمُهُ الظاهرة والباطنة منتشرة بين الناس جميعًا: تغمرهم بفيضها، وتمتد عليهم في الدنيا والآخرة بظلالها. لا تغيض ولا تنفد.

وقد أشير بتثنية اليد إلى تقرير غاية جوده وغناه. فإن أَقصى ما تصل إِليه همة الجواد السخى، أَن يُعطىَ ما يعطيه، بكلتا يديه.

وفي قوله تعالى: {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} تأكيد لكمال جوده وغناه ، وتقرير لهما

إِذ معناه أَنه تعالى يرزق كما يريد: إن شاءَ وسّع والعطاءِ، وإِن شاءَ ضيقه. فعطاؤه تابع لمشيئته المبنية على الحكم التي شاءَ الله أن يقوم عليها نظام الدنيا والآخرة.

وليس ضيق العيش لنقص في خزائنه. ولا لإِمساك الخيرِ والبخل به عن عباده. وإنما هو لحكمة يعلمها ولا نعلمها. قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} (1) وقال تعالَى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (2).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَمِينُ اللهِ ملأى لَا يَغِيضُهَا سَخَاءُ اللَّيل والنهارِ. أَرَأَيْتمْ مَا أَنفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأرْضَ!! فَإِنَّه لمْ يَغِضْ مَا في يَمِينِهِ - قال - وَعَرْشُهُ عَلىَ الماءِ، وبيده الأخرى القبض. . . يَرْفع وَيخفضُ"(3).

{وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} :

المراد بالكثير: علماءُ اليهود ورؤَساؤهم. وهم طغاة كافرون. ولكنهم يزدادون شدة في الكفر، وغلوًّا في الإِنكار والطغيان، كلما سمعوا آية أَنزلها الله إِليك.

(1) الشورى ، الآية: 27

(2)

آل عمران، الآية: 26

(3)

أخرجه الإِمام مسلم.

ص: 1112

أو المراد بالزيادة أَنهم يضمون - إِلى كفرهم وطغيانهم القديمين - كفرا جديدا، وطغيانا جديدا؛ لأَنهم كلما سمعوا آية أَنزلها الله إِليك، كفروا بها .. قال تعالى:{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} (1).

{وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} :

أَي: أوقعنا بين طوائف اليهود، الخضومةَ الشديدة بقوة ، ومكَنَّا في قلوبهم ، بُغْضَ بعضهم بعضا. بسبب جرائمهم. فلا تتوافقُ قلوبهم ، ولا تتطابق أَقوالهم أَبدا إِلى يوم القيامة.

ولقد كانوا كذلك طوال تاريخهم. منذ أَن أَرسل الله إِليهم الرسل، ودأَبوا على قتل الأنبياء بغير حق، إِلى أَن أَرسل الله خاتَمَ الأَنبياء محمدا صلى الله عليه وسلم، بالنور والهدى فكذبوه، واستمروا على اقتراف جرائمهم، وازدادوا فيها. قال تعالى: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى

} (2).

إِذ يستفاد من هذه الجملة الكريمة. دفع ما عساه يخطر بالبال، من أَثر شدتهم في الكفر وغلوهم في الطغيان، من أَنهم قد يجتمعون على أَمر يؤدي إِلى الإِضرار بالمسلمين، - فدفع هذا الخاطر - ببيان أَنهم لا يجتمعون على كلمة أَبدا.

ثم بين سبحانه، أَن دأبهم على إِشعال نار الحروب والفتن بين الناس، وتدبير المكر السيىءِ لا يعود عليهم إلا بالخيبة والهزيمة، بقوله تعالى:

{كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} :

أي: كلما همُّوا بحرب الرسول ودبروا لإيذائه وركبوا كل صعب وسهْلٍ في سبيل ذلك ردّهم الله وقهرهم بإِلحاق الهزيمة بهم.

أَو أَوقع الله بينهم نزاعا فَرَّقهم ، فكف الله به عنه شرهم.

أَو كلما حاربوا أَحدا أَو جماعة غُلِبُوا وهزِمُوا!!

وقد كان أَمرهم كذلك على مدى التاريخ.

(1) التوبة، الآيتان: 124، 125

(2)

الحشر، من الآية: 14

ص: 1113

{وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} :

ولقد كان شأنهم أنهم يجتهدون في تدبير الكيد، وإثارة الفتن، وهتك المحارم، قصدا إِلى نشر الفساد في الأرض. والله لا يرضى عن كل من يعيثون في الأرض فسادا: فلا يرضى عن عبث اليهود وجرائمهم. فلا يجازيهم إلا شرًّا.

ومنذ القدم واليهود كلما جمعوا جموعهم، وأعدوا عُدتهم لإيذاءِ الناس، أو إشعال نار الفتنة على عباد الله شتَّت الله شملهم، وخيّب رجاءَهم، ودمّر كيدهم.

والتاريخ أكبر شاهد على صدق ذلك، وإلا كانوا أهلكوا العالم.

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)} .

المفردات:

{أقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} : نفَّذوا ما فيهما من الأَحكام التي شرعها الله لخير الإِنسانية، والتزموا بالمحافظة على أدائها.

{لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} : المراد لوسَّع الله عليهم أرزاقهم.

{مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ} : الاقتصاد في اللغة؛ الاعتدال من غير غُلُوّ ولا تقصير؛ أَي من اليهود طائفة معتدلة، وهم الذين آمنوا إيمانا حقيقيا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

{وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} : كثير من اليهود ظَلُّوا على الكفر وأفرطوا في العداوة والبغضاء فبئس ما عملوا.

ص: 1114

التفسير

65 -

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} :

أي: ولو أن أصحاب الكتاب - مع ما اقترفوه من أنواع الجنايات قولا وفعلا - آمنوا بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وبما جاء به، وحفظوا أنفسهم من عقاب الله بترك الكفر، وسائر المنكرات التي حكاها القرآن عنهم، وأقبلوا على طاعة الله تعالى بصدق وإخلاص، ولم يأتوا بالإِيمان نفاقًا لغَرضٍ من أغراض الدنيا - لو آمنوا على هذا النحو- لرفع الله عنهم عقابَ ما ارتكبوه من الجرائم، وإن بلغت غاية القبح ومنتهى الكثرة والشناعة. ولأكرَمَهُم بإدخالهم جناتِ النعيم دخولا مؤَكدا، على كثرة ما سبق من معاصيهم.

إذ الإِسلام يزيل آثار كل ما سبقه من الذنوب والآثام وإن كثرت وجاوزت كل الحدود.

وتلك هي السعادة العظمى في الدار الآخرة.

وذِكْرُهم بأنهم أَصحاب كتاب ، لزيادة التشنيع عليهم. إذ مقتضى ذلك: أَن يؤْمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم هذا الرسول الذي عَرَفوه بوصفه في كتبهم.

66 -

{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ. .} الآية.

ولَمَّا بينت الآية السابقة: أَنهم لو آمنوا لفازوا بسعادة الآخرة، جاءت هذه الآية تبين أَنهم لو وفوا بعهود الله، وأذاعوا صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم وأقاموا ما لا يتعارض مع القرآن من أَحكام التوراة والإنجيل ، وآمنوا بسائر الكتب المنزلة إليهم من عند الله - لفازوا بسعادة الدنيا، وغمرتهم جنَّاتُها وعمتهم طيباتُها.

والمعنى: ولو أَن أَصحاب الكتاب عملوا بما في التوراة والإِنجيل من الوفاءِ بعهود الله وأَقروا باشتمالهما على صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم ودلائل بعثته، والتزموا بأحكامهما وحدودهما الصحيحة المتفقة مع القرآن المجيد، ولم يحرفوا الكلم عن مواضعه، والتزموا كذلك

ص: 1115

بالقرآن الكريم المصدق لكتبهم، المنزل إليهم - لأنه منزل إِلى الناس جميعًا - وليس كما يزعمون من أَنه لم يُنْزَل إلى بني إسرائيل، وآمنوا أَيضا بسائر الكتب المنزلة على بني إسرائيل.

{لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} :

أي: لو أقام أهلُ الكتاب التوراةَ والإِنجيل، وسائرَ ما أنزلَ الله إليهم، على النحو الذي تقدم، لوسَّع الله عليهم أرزاقهم، ولأفاض عليهم من بركات السماءِ والأرض، ولفازوا بسعادة الدنيا وغمرتهم طيباتها، وجاءَهم الخير من كل مكان ، فوق فوزهم بتحقيق وعد الله لهم بسعادة الآخرة.

ثم بيّن سبحانه، أن أهل الكتاب لم يكونوا جميعا مُصِرِّين على الكفر وعدم الإيمان، بل منهم طائفة آمنت، وكثير منهم ظل على إساءَته وعناده بقوله:

{مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} :

أي: من أَهل الكتاب طائفة معتدلة: لم تغل ولم تقصر، وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاءَ به، وبسائر الكتب التي أنزلها الله على رسله، فكانوا بذلك على النهج السليم، والطريق المستقيم دون إِفراط أَو تفريط.

وكما كان من أهل الكتاب أَمة وسط: استقامت على منهج الحق. والْهُدَى، كان كثير منهم ما أَسوأَ عَمَلَهُم! إِذ أَفرطوا في عنادهم وعداوتهم، وظلوا على كفرهم، وأكثروا من فعل السيئات، ولَجّوا في طغيانهم يعمهون، وأَعرضوا عن الإِيمان ، مع ما يحققه لأهله من السعادة في الدنيا والآخرة.

ص: 1116

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)} .

المفردات:

{يَعْصِمُكَ} : يحفظك وينجيك.

التفسير

67 -

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. .} الآية.

خاطب اللهُ نبيَّه محمدا صلى الله عليه وسلم، بعنوان الرسالة في هذه السورة الكريمة مرتين:

دعاه في الأُولى منهما ، إِلى عدم الحزن على مسارعة الكفار في إنكار رسالته. وذكر له أمثلة عديدة، مما فُطِروا عليه من مكابرة وعناد، وإمعان في الضلال. سواء أَكانوا من أَهل الكتاب أَم المنافقين أَم المشركين.

ودعاه بها في هذه الآية مناديا إِياه بهذا النداءِ الكريم، إلى تبليغ جميع ما أنزله الله عليه من آياته البينات، ولم يُعيِّن مَنْ يبلغهم؛ لبيان عموم رسالته، للبشر أَجمعين.

وإِضافة لفظ الرب إِلى الضمير العائد على الرسول؛ تكريمٌ له وإشعارٌ بأَن رسالته صادقة، واجبة الأَداءِ، وإِيذانٌ له بأَن ربَّه سيحفظه ويرعاه.

{وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} :

وإِن لم تُبلِّغ الرسالة - بأَن كتمتها أَو بعضها أَو أَخَّرْتَه أَو بدَّلْتَه - فما تكون قد بلغت، وتكون غيرَ أَهل لحمل الأَمانة.

ص: 1117

وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه، أن يقصّر في حق الله تعالى، فقد أَدبه ربُّه فأحسن تأديبه، وهذّبه فأحسن تهذيبه قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ

} (1).

والمراد هنا: بيان أنه صلى الله عليه وسلم، أدى رسالته كاملة، فلا مجال لزيادة فيها أو نقصان.

جاءَ في الصحيحين: أن سائلا سأل الإِمام عليًّا رضي الله عنه: هل عندكم شيءٌ من الوحي إلا ما كان في كتاب الله؟ فقال: "لَا وَالَّذِى فَلَقَ الْحَبَّةَ، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَاّ فَهْمًا يُعْطِيه اللهُ رَجُلًا في الْقرْآنِ وَمَا في هَذِهِ الصَّحِيفَة"(2).

وروى البخاري والترمذي: "مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّدًا كتَمَ شَيْئًا مِمَّا أنْزِلَ عَلَيْهِ، فَقَدْ كَذَبَ".

وروى الشيخان أَن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: [لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا من الْوَحْيِ، لكتم هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ

} (3) لما فيها من عتاب شديد للنبى صلى الله عليه وسلم].

وكما أَن هذه الآيةْ تُبَيِّن أَن الرسول لم يكتم شيئًا من الوحي عن أحد من الناس، فإِن قوله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (4) يدل على أَن الله تَكفَّل بحفظ كتابه الكريم؛ الذي أمر الرسول بتبليغه فبلغه.

قال الزهرى - فيما رواه البخاري - "مِنَ اللهِ الرِّسَالَةُ. وَعَلَى الرَّسُولِ البَلَاغُ. وَعَلَيْنَا التسْلِيمُ. وَقدْ شَهدَت أمتُه لَه بتَبْليغ الرِّسالَةِ في حجة الوداع" وقد أَدى هذه الشهادة أَربعون أَلفا حضروا معه حجة الوداع.

(1) الأنعام، من الآية: 124

(2)

ما في الصحيفة هو: دية القتل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر. وهو تشريع عام جاءت به السنة الشريفة.

(3)

الأحزاب، من الآية: 37

(4)

الحجر ، الآية: 9

ص: 1118

{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} :

إن القرآن الكريم، فضح أكاذيب المنافقين، وسفّه أحلام المشركين، وأظهر انحراف اليهود والنصارى عن الصراط القويم، مما حمل الجميع على مقاومة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إعلان الحرب عليه، أو محاولة اغتياله. وهو لا يبالى بما يلقاه في سبيل الله، ولكن الله سبحانه، زاده اطمئنانا بأنه سيمكّنه من أداءِ رسالته كاملة، وأنه سيحفظه ويرعاه، حتى يلقى الله.

رَوَى الترمذي والحاكم والبيهقي وغيرهم: أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم، حَرَسٌ يحرسونه فلما نزل قوله تعالى:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أخرج رأْسه من القُبّه، فقال لحرَّاسه:"يَأيها النّاسُ انصرِفُوا فَقَدْ عَصَمنِي اللهُ".

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} :

أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلِّغ رسالته، وطمأنه بأَن الله سيحفظه ويرعاه، فلا عليه بعد هذا من أعدائه الكفار، وإن الهدى هدى الله. والله لا يهدي من ظلموا أَنفسهم بالتزامهم الإِمعان في الكفر، واللجاج في العناد، والإِصرار على الإِلحاد.

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)} .

المفردات:

{حَتَّى تُقِيمُوا} : حتى تؤدوا أَداءً كاملا على أحسن وجه.

{طُغْيَانًا} : الطغيان؛ تجاوز الحد في الضلال.

{فَلَا تَأْسَ} : فلا تحزن.

ص: 1119

التفسير

68 -

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ. . .} الآية.

أمر الله رسوله أن يخبر اليهود والنصارى، بأنهم ليسوا على شيءٍ من العقيدة الصحيحة حتى - أَي إلى أن - يلتزموا بما أنزل الله في كتبه من التوراة والإنجيل وبما ورد فيهما من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم. وحتى يؤمنوا بالقرآن الكريم الذي جاءَ مصدقا لما بين يديه من الكتاب، ومهيمنا عليه.

وحتى يلتزموا الإِيمان بجميع الرسل، وعدم التفريق بينهم. والله تعالى يقول:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} (1).

ومن المعروف: أن اليهود والنصارى حرَّفوا التوراة والإنجيل، ولم يعملوا بما بقى بين أيديهم منها، فارتكبوا المنكرات، واتبعوا الشهوات.

والآية - وإن كانت واردة في أهل الكتاب - فإِن فيها تحذيرا عامًّا لكل من لا يقيم حدود الله.

{وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} :

كان الأَولى باليهود والنصارى؛ أَن يؤْمنوا بما أَنزله الله إِليك؛ لأَن الحق فيه واضح بيَّن، مؤَيَّدٌ بالإِعجاز؛ ولأَن البشارة بك واردة في كتبهم. ولكنهم أَمعنوا في الضلال والإِضلال، وجاوزوا الحدَّ في الكفر والعناد. وبدلا من أَن يزدادوا إِيمانا بما أَنزله الله إليك، ازدادوا إِمْعانا في الضلال والجحود، ولَجَاجا في الكفر والعناد، إِلا قليلًا منهم استجابوا للحق، فآمنوا بما أَنزله الله عليك من الآيات البينات. وبقى الكثيرون على ضلالهم القديم.

(1) النساء، الآيتان: 150، 151

ص: 1120

{فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} :

فلا تحزن على من تَمكَّن الكفرُ فيهم، وصَيْرُورته وصفا لازما لهم. وحسبك الله ومن اتبعك من المؤْمنين.

ولم يقل: فلا تأس عليهم. بل ذكر لفظ {الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} : لإِبراز علَّة ضلالهم، وأَنهم لهذا غير جديرين بالحزن عليهم.

وفي هذا ما يدل على عظمة الحنان النبوى بالبشرية كلها، لخوفه عليها من الكفر والانحراف.

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)}

المفردات:

{الصَّابِئُونَ} : المائلون من عقيدة إِلى عقيدة، والمراد؛ أَتباع بعض الرسالات السماوية السابقة.

التفسير

69 -

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى. . .} الآية

إِن أَتباع الديانات السماوية:

من المؤْمنين برسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم.

ومن اليهود المتمسكين برسالة موسى عليه السلام، قبل المسيحية ممن لم يحرفوا كتب أَنبيائهم.

ص: 1121

ومن الصابِئين الذين تمسكوا بملة إِبراهيم عليه السلام قبل نسخها.

ومن المسيحيين الذين تمسكوا بالمسيحية ولم يحرفوها قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم هؤُلاءِ جميعًا إِذا آمنوا باللهِ تعالى. إيمانا صحيحا غير ملتبس بالشرك واستمسكوا بهذا الإِيمان، واتبعوا أنبياءَهم وما جاء على أَلسنتهم من التبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به عند مبعثه، وآمنوا بالبعث والنشور، وبالجنة والنار وما فيهما من جزاءٍ، وعملوا الأَعمال الصالحة التي يقتضيها الإِيمان باللهِ واليوم الآخر، طبقا لما ورد في الكتب المنزلة السليمة من التصحيف والتحريف - إن هؤُلاءِ جميعًا - يظفرون بالثواب الجزيل على ما قدموه من إِيمان وعمل صالح، ولا خوف عليهم من عقاب، ولا يعتريهم حزن من سوءِ الجزاءِ. فلا يخافون بَخْسًا ولا رهقا، ولا يحزنهم الفزع الأَكبر (1).

ورفَعَ: {الصَّابِئُونَ} إِبرازا: لأنهم - أيضا - ناجون، شأنهم شأن المؤْمنين والنصارى واليهود، ودفعا لما يسبق إِلى الأَذهان من أَنهم عبدة أَوثان.

{لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)}

المفردات:

{مِيثَاقَ} : الميثاق، العهد القوي.

{فِتْنَةٌ} : الفتنة؛ الاختبار بالنار. ومعناها - هنا - العذاب.

(1) راجع تفسير الآية: 62 من سورة البقرة.

ص: 1122

التفسير

70 -

{لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا. . .} الآية.

أَكد الله سبحانه - قصة أَخذ العهد الوثيق على بني إسرائيل بعبادته وحده، وأَداءِ جميع أَوامره، واجتناب جميع نواهيه، وأن ينفذوا هذا بقوة، قال تعالى:

{

خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1).

وقد أشار القرآن الكريم - عدة مرات - إِلى هذا الميثاق ونقضهم له (2).

وقد وردت إشارة كاملة إلى هذا الميثاق في "سفر تثنية الاشتراع" وهو أَحد أَسفار التوراة الباقية بأَيديهم (3)، وكلها مع ما أَشار إليه القرآن الكريم.

ولم يكتف الله سبحانه وتعالى بأَخذ الميثاق عليهم بل أَرسل إليهم رسلا عديدين يذَكِّرونهم به، ويَدْعونهم إليه ويُنْذِرونهم بالعقاب الأَليم، الذي ينتظرهم إذا هم عادوا إِلى نقضه ، بحيث لم يبق لهم عذْرٌ في مخالفته بعد أَن أَخذه الله عليهم، ونَبَّهتهم الرسل العديدون إليه.

{كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} :

ولكنهم لم يكتفوا بنقض الميثاق، بل كانوا يجابهون رسلهم بالتكذيب والجحود، إِذا دعَوْهم إِلى ما يخالف أَهواءَهم وشهواتهم، ولم يقتصروا على التكذيب، بل قتلوا بعض هؤُلاءِ الأنبياءِ.

والتقدير: كلما جاءَهم رسول بما يخالف أَهواءَهم، استكبروا ولجُّوا في العناد، فكذبوا فريقا من الأَنبياء، وقتلوا فريقا منهم. كما قال تعالى لهم: {

أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} (4).

(1) سورة الأعراف، من الآية: 171

(2)

راجع تفسير الآيات: 83 - 87 من سورة البقرة. والآيتين: 12، 13 من سورة المائدة.

(3)

الإصحاح: 29 - 33

(4)

سورة البقرة، من الآية: 87

ص: 1123

والتعبير بالفعل المضارع {يَقْتُلُونَ} : لاستحضار فظاعته في الذهن، ولأن آثاره تمتد من الماضي السحيق إلى المستقبل البعيد.

71 -

{وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا. . .} الآية.

أي: وظن اليهود أَلا يكون عليهم - في قتلهم أَنبياءَهم وتكذيبهم لهم - عذاب، فعموا وصموا عن الحق، فلم يتبصروا في آياته الكونية ولم يسمعوا آياته التنزيلية ، وظلوا سادرين في غيهم.

{ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} :

أَي: ثم قبل الله توبتهم لما رجعوا إِليه. ثم رجعوا إلى ما كانوا فيه من غي، فَعَمى كثير منهم وصَمُّوا مرة أُخرى، وأوغلوا في الفساد.

{وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} : فيعاقبهم بما صنعوا من الآثام والمعاصي.

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72)} .

التفسير

72 -

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. . .} الآية.

بعد أَن تحدث الله عن اليهود، ونَقْضِهم الميثاق، وتكذيبهم وقتلهم الأنبياء، ذَكَر مَن انحرف من النصارى عن التوحيد، وادعى أن الله هو المسيح ابن مريم.

ص: 1124

والمعنى: لقد كفر الذين زعموا من النصارى أن الله هو المسيح ابن مريم. مع أنه بشر والبشر لا يصح أن يكون إِلها.

ونسبة المسيح إلى مريم، للإِيذان بأنه ليس له حظ من الأُلوهية.

{وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} :

قالوا هذا - على الرغم من أن المسيح عليه السلام، قال لهم: اعبدوا الله ربي وربكم .. وقدم ربوبية الله تعالى إليه على ربوبيته عز وجل إليهم، للدلالة على أَنه بشر مثلهم. ولهذا عطفهم عليه.

ونحن نوقِن - بل نؤمن - بأن الأناجيل الباقية، قد تطرَّق إليها التحريف والتغيير والتبديل، وزخرت بالمتناقضات، ولكنها بقيت فيها - مع هذا - بقية ناطقة بالتوحيد تؤَيد ما قررته هذه الآية والآيات الأخرى الكثيرة الكريمة:

فمما في الأناجيل، ما قاله المسيح عليه السلام "وهذه هي الحياة الأبدية: أَن يعرفوك أنت الإِله الحقيقي وحدك. ويسوع: المسيح الذي أرسلته" (1).

وقوله: "وأنا إِنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله"(2).

وقوله: "للرب إلهك نسجد وإياه وحده نعبد"(3).

وقوله: "ليس لأعمل لمشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني"(4).

والأمثلة عديدة لا يتسع لها المجال.

{إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} :

دعاهم المسيح عليه السلام إلى أن يعبدوا الله وحده؛ لأَنه ربه وربهم ، كما تقدم.

وفي هذا الجزء من الآية، أنذرهم بأَن الله قضى - ولا رادّ لقضائه - أن الله حرّم دخول الجنة على من أشرك في عبادته أحدا من خلقه، وأَن مقرّ المشركين - جميعًا - في نار جهنم.

(1) يوحنا: 17 - 30

(2)

يوحنا: 8 - 40

(3)

متى: 4 - 10

(4)

يوحنا: 6 - 38

ص: 1125

والجملة مؤَكدة. ويعززها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} (1).

{وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} :

تعقيب من كلام الله سبحانه جاءَ تأييدًا لدعوة عيسى عليه السلام ببيان أن من ظلموا أنفسهم فقابلوا نِعمَه سبحانه وتعالى المتوالية عليهم بالكفر، لا ينقذهم أَحد من عقابه ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، فإنهم سيلقَوْن الله جميعًا يوم {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} (2).

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)}

التفسير

73 -

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. . .} الآية.

نصت الآية على كُفْر مَن قال: إن الله ثالث ثلاثة.

والتثليث: هو العقيدة السائدة بين الطوائف المسيحية، حيث يطلقون على الله - سبحانه - لقب الأب، ويشركون معه الابن وهو عيسى عليه السلام وروح القدس.

أما الرد على دعواهم أن المسيح ابن الله؛ لأنه ورد وصفة بهذا أربعا وأربعين مرة في العهد الجديد - وهو يضم الأناجيل الأربعة والرسائل الملحقة بها - فهو أن هذا اللقب فيه، لم ينحصر في المسيح عليه السلام، ولم يقتصر عليه، بل أطلق:

(1) النساء، الآية: 48

(2)

البقرة، من الآية: 123

ص: 1126

على آدم عليه السلام.

وعلى إسرائيل حيث أطلق عليه لفظ (ابن الله البكر).

وعلى داود عليه السلام.

كما أطلق فيه على الملائكة وعلى المؤمنين جميعًا.

فلم يكن مقصورًا على المسيح عليه السلام.

ومع هذا، فقد ورد أيضًا في العهد الجديد وصف المسيح - بما يقرب من ضعفي هذا العدد - بأنه ابن الإِنسان ثمانية وسبعين مرة (1).

وطبيعي أن هذين الوصفين، يهدمان البنوة بمعنى الألوهية.

وإذا انهدمت البنوة فقد انهدمت تبعًا لها الأبوة.

أَما روح القدس: فهو جبريل عليه السلام، وهو من الملائكة المقربين - وهو بهذا من خَلْق الله - وكلامهم فيه مضطرب مختل.

وأَما كلمة التثليث: فقد اعترف كبار علماء اللاهوت - في قاموس الكتاب المقدس - أنها: "لم ترد في الكتاب القدس. ويُظنُّ أن أولَ من صاغها واخترعها واستعملها، هو ترتليان، في القرن الثاني للميلاد. وقد خالفه كثيرون. ولكن مجمع نيقية أقر التثليث سنة 325 ميلادية.

ثم استقر التثليث - بعد ذلك - عند الكنيسة السيحية، على يد أوغسطنيوس في القرن الخامس" (2).

ومن هنا يتضح أَن التثليث نبت بعد المسيح عليه السلام، بأكثر من ثلاثة قرون وربع القرن، وأنه دخيل على المسيحية الحقة الموحدة.

وبهذا استحق القائلون به الحكم عليهم بالكفر الصريح.

وقال كبار الباحثين: إن التثليث تسرَّبَ إلى المسيحية من العقائد الوثنية الهندية القديمة.

{وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} :

والحق أنه لا يمكن - عقلا - أن يكون الإله إلَاّ واحدا.

(1) راجع قاموس الكتاب المقدس: 108، 109

(2)

قاموس الكتاب المقدس 232، 233

ص: 1127

أَما تعدد الآلهة، فهو وصم لها بالقصور؛ لأن قدرة كل منهم تكون - حينئذ - مقيدة بقدرة الآخرين، والإِله لا يكون محدود القدرة والسلطان.

ولو فرض اتفاق الآلهة على ما يخلقون، فإِن كان كلُّ واحد منهم قادرا على ما يقدر عليه الآخر، فما فائدة التعدد؟

وإِن كان كل منهم عاجزا، فلا يصلحون - جميعًا - للألوهية.

وإِن كان البعض قادرا والبعض عاجزا، فالقادر هو الإِله وحده.

وقوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} :

معناه: أَنه لا يمكن أن يكون الإِله سوى إِله واحد. كما ذكرنا في الأَدلة السابقة.

{وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} :

هذا تهديد للقائلين بالتثليث، وإنذار لهم بأَن عليهم أَن يستجيبوا للوحي السماوي الصادق: الذي يؤَيده العقلُ السليم، والنظرُ الدقيق. وهو التوحيد. فإِن لم يرجعوا إِليه، فإِن الله سبحانه، سيأخذهم بعذاب مؤْلم، جزاء كفرهم القبيح.

وجواب الشرط مؤَكد بلام القسم ونون التوكيد وتنكير العذاب، ووصفه بالإِيلام، لإِيراد شدته وهَوْلِه. ووعد القرآن الكريم بقوله:{لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ} ، ولم يقل ليمسنهم، بأَن هذا الوعد بسبب كفرهم.

74 -

{أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ. . .} الآية.

هذه دعوة من الله لهم إِلى التوبة من جريمة الكفر - مع بشاعتها - رحمة بهم لإِنقاذهم من العذاب الأَليم.

{وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :

تعقيب لتأكيد مغفرة الله ورحمته لمن يلتمسها ويحققها فإِنه سبحانه يقبل توبة التائبين، ويغفر للمستنيبين النادمين، ويرحم المذنبين المستغفِرين، فهو سبحانه عظيم الغفران واسع الرحمات.

ص: 1128

{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)}

المفردات:

{صِدِّيقَةٌ} : دائمة الصدق في النية والقول والعمل.

{أَنَّى يُؤْفَكُونَ} : كيف يصرفهم الضلال عن الحق الواضح.

التفسير

75 -

{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. . .} الآية.

في الآيات السابقة حكمَ الله يسبحانه وتعالى، بكفر من قالوا: إِن الله هو المسيح ابن مريم، وبكفر من قالوا: إِن الله ثالث ثلاثة.

وهنا، تقرر الآية الكريمة: أَنه رسول من البشر، كسائر من سبقه من الرسل.

فليس إلها، ولا ابنا للإِله.

ونسبته إلى مريم، للإِيذان بأنه وُلِدَ من غير أب ، فإِن الولد ينسب إلى أبيه لا إلى أمه؛ وللدلالة على بشريته وبشريتها؛ لأَن التوالد من صفات البشر.

وأَما معجزاته فهي كمعجزات الأَنبياءِ السابقين: أَجراها الله على أَيديهم، لتأييدهم

وليست من صنعهم.

وكل نبي له معجزة تناسب أمته

فإِذا كان عيسى قد أَحيا الموتى بإِذن الله، فقد أَلقى موسى العصا، فانقلبت من جماد إلى حية تسعى بإذن الله.

ص: 1129

وهذا أبلغ من إحياءِ الموتى، لأن الحياة، هنا أجريت على جماد لم تسبق له حياة حيوانية، بخلاف إِحياء ميت سبقت له الحياة.

على أن إِحياة عيسى للموتى، كان بقدر المعجزة، فم يتجاوزها إِلى إِحياءِ كل ميت، كشأن الإِله القادر. فكيف يكون إِلها؟!

والأناجيل الباقية بين أيدينا، تؤَيد ما ذكره القرآن الكريم.

فقد جاءَ فيها: أَن المسيح عليه السلام قال مخاطبا ربه سبحانه: "أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته"(1).

ففي هذا النص، يعترف السيد المسيح، بأن الله هو الإِله وحده، وأنه رسول من عنده. وهذا ينقض دعواهم أنه إِله.

{وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} .

ومريم عليها السلام أم المسيح، صِدِّيقة من البشر.

والصِّدِّيق: هو الذي يلتزم الصدق، ويؤَيد فعلُهُ قولَهُ ونِيَّتَهُ، وشأنه أَن يلتزم الحقَّ دائِما.

وهي من سلالة طاهرة، ونشأَت في بيئة طيبة، في كفالة نبي الله زكريا عليه السلام، وشبَّت على طاعة الله تعالى: {

وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (2).

{كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} :

أَي: أَنهما كسائر البشر يأكلان الطعام، لحفظ حياتهما، ولو حُرمَا الطعام، لهلكا كسائر الكائنات الحية.

ومَنْ هذا شأنه، لا يكون إِلها، وإِن كان من المصطفَيْنَ الأخيار.

(1) إنجيل يوحنا: 17 - 3

(2)

التحريم، من الآية: 12

ص: 1130

وقد جاءَ في كتابهم: أنه كان يطلب الطعام من أتباعه. كما في إنجيل لوقا (1): "أعندكم ها هنا طعام؟ فناولوه جزءًا من سمك، وشيئا من شهد عسل. فأخذ وأكل قُدَّامهم".

وأكْلُ الطعام: يستدعي الحاجة إِليه للانتفاع به.

والإِله غني عما سواه.

{انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} :

هذا خطاب لكل مستعد للنظر والتدبر.

أَي: تأمل واعجبْ من شأن هؤْلاءِ الكفار الذين بيَّن الله لهم آياته الواضحات، المؤَيدة بالدليل العقلي والبرهان الحسن، ليؤْمنوا به وحده، ولينصرفوا عما هم فيه من ضلال مبين!!

ثم تدبَّرْ واعجَبْ من شأنهم، حين تبيَّن لهم الحقُّ فانصرفوا عنه، وانقادوا لأَهوائهم وشهواتهم، فآثروا الضلال عام الهدى، والكفر على الإِيمان.

76 -

{قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا. . .} الآية.

انصرف المسيحيون إلى عبادة المسيح دون الله سبحانه فأشركوا، كما عبد المشركون:

البشر والملائكة والأَصنام

فكفروا.

فَأمَرَ الله رسوله أن يخاطبهم متعجبا منكرا:

كيف تعبدون من لا يملك لكم ضرا فيضركم إذا انصرفتم عنه، ولا يملك لكم نفعا فينفعكم إِذا اقبلتم على عبادته؟. بل لا يملك لنفسه - هو- ضَرًّا ولا نفعا.

على أن أساس العبادة، الرغبة في تحصيل نفع أو دفع ضر، والضر والنفع من الله وحده.

{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ

} (2).

{وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} :

أي: كيف تعبدون من لا يسمع نجواكم، ولا يعلم أموركم الخفية، ونياتكم الباطنة، وتتركون عبادة الله المحيط علمه بالأمور والشئون، وإِن بالغتم في كتمانها وإِخفائها، فيجازيكم على أعمالكم ونياتكم أَبلغ الجزاءِ؛ لأنه - سبحانه - يعلم السر وأخفى؟!

(1) 24 - 41 - 43

(2)

الأعراف، من الآية: 188

ص: 1131

قال عَزَّ مِنْ قائل: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ

} (1).

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)}

المفردات:

{لَا تَغْلُوا} : لا تبالغوا مبالغة شديدة.

{أَهْوَاءَ} : شهوات.

{سَوَاءِ السَّبِيلِ} : وسطه المستوى القويم.

التفسير

77 -

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ. . .} الآية.

بيَّن الله - فيما سبق - انحراف كل من اليهود والنصارى عن دينهم القويم. ثم دعاهم إِلى التوبة والاستغفار، ونبذ ما انحرفوا إليه من الشرك، ودعاهم إِلى اتباع شريعة الإِسلام التي جاءَت البشارة بها في كتبهم، وعلى أَلسنة أنبيائهم.

ثم بيَّن لهم هنا، سبب الانحراف، وهو الخروج عن حد القصد، والمبالغة في تقديس بعض أنبيائهم، مبالغة أَخرجتهم عن نطاق البشر، ورفعتهم إِلى الأُلوهية. وأمر الله رسوله أَن يقول لهم: يَأهل الكتاب، لا ينبغي لكم أن تبالغوا في عقيدتكم، مبالغة

(1) البقرة، من الآية: 284

ص: 1132

تُجاوز الحد، وتُخرج عن القصد، تاركين الحق، ومخالفين الصواب .. وبهذا تخرجون عن نطاق التوحيد، إِلى الإِيغال في الشرك والضلال.

{وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} :

أي: ولا ينبغي لكم أن تنقادوا لشهوات الأحبار والرهبان، الذين قد ضلوا من قبل، فشرعوا من الدين ما لم يَأذَن به الله، فأضلوا كثيرا ممن اتبعوهم - دون رَوِيَّةٍ أَو تفكير - ثم لمَّا جاءهم الإِسلام: يردّهم إلى الحق والصواب، ويدعوهم إلى جادة الطريق القويم، الذي لا عوج فيه ولا التواءَ ولا مغالاة - ضلوا عن الطريق السوِي، وهو طريق القرآن، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين، وعلى كل من أَتبع غير طريق الحق.

روَى أَحمد والنسائي وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ في الدَّين، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم بِالْغُلُوِّ في الدِّين".

78 -

{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. . .} الآية.

بعد أن نهى الله عن الغلو في العقيدة غلوًّا ينحرف به المرء عن الصواب.

جاءَت هذه الآية دالةً على استحقاق اليهود اللعن والطرد من رحمة الله، على لسان داود وعيسى بن مريم، بسبب عصيانهم واعتدائهم المستمرَّيْن.

واقتصرت الآية على ذكر هذين النبيَّيْن، مع أَنهم لعنوا من غير هذين، لأَن داود عليه السلام قادهم إلى النصر، ومهَّد لهم الملك ، وعيسى عليه السلام آخر أنبيائهم. وقد لقِى منهم أشدَّ أَنواع الإِيذاءِ. وقد حاولوا قتْلَه فنجّاه اللهُ من كيدهم الأثيم. ولذا سماهم - عيسى - أولادَ الأفاعي (1).

{ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} :

أي: استحقوا الطرد من رحمة الله، بسبب دعاءِ أَنبيائهم عليهم ، لتمردهم وعصيانهم وغلوهم، وبسبب استمرارهم في البغي والعدوان، حتى كذبوا بعض أَنبيائهم: وقتلوا بعضهم، وبالغوا في إِيذاءِ الآخرين.

(1) إنجيل متى: 12 - 34، 23 - 33

ص: 1133

والتعبير بقوله: {يَعْتَدُونَ} للدلالة على تجدد البَغي والعدوان فيهم، وهو المشاهد فيهم حتى الآن.

79 -

{كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ. . .} الآية.

أي: ومما استحقوا به اللعنة: أَن المنكر فشا فيهم، حتى أَصبح مألوفا بينهم معروفا فيهم، لا يلقى مقاومة ولا زَجْرا ولا إنكارا، فلا ينهى بعضهم بعضا عنه.

روى الإِمام أَحمد والترمذي وأَبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "لمَّا وَقَعَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ في المَعَاصِى، نهتْهُمْ علماؤُهم فلم ينتَهوا. فجالسوهم في مجالِسِهم أوْ في أَسْواقِهِمْ - وَواكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُم. فَضرَبَ الله قلوب بَعضهِم بِبَعض، وَلَعَنَهم عَلَى لِسانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْن مَرْيَمَ. ذَلِكَ بمَا عصوا وَكَانُوا يَعْتَدونَ. وَكانَ صلى الله عليه وسلم متَّكِئا فَجَلَسَ فَقالَ: لا، وَالذِي نَفْسِى بيَدِهِ، حَتى تأَطِروهُمْ على الحق أَطرا"(1)، أي تعطفوهم عليه.

وفي رواية لأَبي داود وابن ماجه والترمذي: "واللهِ لَتَأمرُن بالمعروفِ وَلتنهَوُنَّ عن المنكر، وَلَتَأخُذُنَّ على يَدِ الظالِم، وَلَتَأطِرنَّه على الحق أطْرًا. أَو لَيَضرِبَن الله قلُوبَ بعضكم بِبَعضٍ، ثَم يَلْعَنُكم كَما لَعَنَهُمْ".

ومن هذا يتضح: أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مفروض، في جميع الرسالات السماوية.

{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} :

أي ما أَقبح فعلهم وسكوتهم على المنكر!

وقد عقب الله بهذا على الوصف السابق، لإظهار مدى قبح وشناعة ما كانوا يصنعون والتعبير بقوله:{يَفْعَلُونَ} للدلالة على استحضار الصورة القبيحة لما كانوا يفعلون، وللدلالة على استمرارهم في ذلك.

(1) أي: تحملوهم على الحق حملا.

ص: 1134

{تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)}

المفردات:

{يَتَوَلَّوْنَ} : يوالون ويناصرون.

{سَخِطَ} : غضب غضبا شديدا.

{أَوْلِيَاءَ} : نصراء.

{فَاسِقُونَ} : خارجون عن شعائر الدين.

التفسير

80 -

{تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .} الآية.

أَي: من جرائمهم التي نراها: أَن كثيرا منهم - وهم أَهل كتاب ورسالة سماوية - يناصرون الكافرين، ويؤَيدونهم، ويتوددون إِليهم.

والمقصود بالكفار هنا: المشركون، وقد أَعلن كعب بن الأَشرف - وهو من زعمائهم - أن المشركين {أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} .

وقيل: المراد بالذين كفروا - هنا - المنافقون وكان زعيم المنافقين بالمدينة: عبد الله ابن أبي، يوالي اليهود ويوالونه. فلما غدروا بالمسلمين وغزاهم الرسول صلى الله عليه وسلم واستسلموا له، جاءَ عبد الله بن أبيّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد أَحْسِن في مواليّ: أربعمائة حاسر - أي بدون دروع - وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر

ص: 1135

والأسود: تحصدهم في غداة واحدة؟! إني والله، امرؤ أَخشى الدوائر. فقال صلى الله عليه وسلم: هُمْ لَكَ، عَلَى أَن يَخْرُجُوا مِنَ المدِينَةِ وَلَا يُجَاوِرُوني بِهَا.

والواقعَ أَن اليهود بالمدينة، كانوا يوالون مشركي قريش ومنافقي المدينة. وكانوا على صلات وثيقة بالروم. فهم يوالون كل مناهض للإِسلام.

{لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} :

أَكّد اللهُ ذَمَّه لليهود، بأنهم اختاروا لأنفسهم أسوأَ ما يختاره إِنسان لنفسه، حيث قدموا من الأَعمال التي يتوقعون أَن تنفعهم في الآخرة، ما يستدعي غضب الله وسخطه عليهم، بأَن حاربوا الإِسلام - وهو دين التوحيد الذي بشرت به توراتهم - وناصروا المشركين والمنافقين، الذين يتجهون إلى غير الله بالعبادة والتوحيد.

{وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} :

أَي: وسيكون جزاؤُهم على هذا في الآخرة الخلود في النار، ومقاساة عذابها الأليم.

81 -

{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ. . .} الآية.

أَي: لو كان هؤُلاءِ اليهود، يؤْمنون باللهِ ورسوله محمَّد صلى الله عليه وسلم وكتابه الكريم، أَو بالله ورسوله موسى عليه السلام الذي يدِّعون اتباعه وبما أنزل عليه من التوراة - لو كان لديهم هذا الإِيمان - ما اتخذوا المنافقين ولا المشركين نصراءَ، وهم يعرفون أنهم عبدة أَصنام.

ويجوز أَن يكون المراد: لو أَن المشركِين والمنافقين آمنوا بالله ورسوله، وما أنزل الله عليه، ما اتخذوا اليهود أَصدقاءَ ونصراءَ.

{وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} :

ولكن كثرتهم انحرفت بهم عن الحق، وجنحت إِلى الضلال ، فوالت الكفار، وأعانتهم على المؤْمنين؛ لأَن خروجهم عن الدين القويم، أَلَّف بين هؤُلاء الكافرين.

وإذا كانت الكثرة قد انحرفت عن الصواب، فعلى القلة أَن تقاومها ما استطاعت إِلى ذلك سبيلا. وإلا فالجميع في الحكم سواء.

وهكذا كل كثرة على صواب، إِلى يوم القيامة.

ص: 1136