الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
(الراسِخُونَ في العِلْمِ): الثابتون فيه.
التفسير
162 -
(لَكِنِ الرَّاسِخُونَ (1) في الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
…
):
بعد أَن حكى الله مخازيَ اليهود في عقائدهم وأَعمالهم، وذكرَ ما أَعد لهم من العذاب العظيم، استثنى طائفة منهم عرفوا الحق فآمنوا به، وأَثنى عليهم بما هم أهله، ووعدهم بالثواب العظيم. وهم طائفة الراسخين في العلم.
سبب النزول:
أَخرج البيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس رضي الله عنهما: أَن هذه الآية نزلت فيمن آمَنَ مِنْ أَحبار أَهل الكتاب، إِيمانا صادقًا: كعبد الله بن سلام، وأَسد بن عبيد، وثعلبة بن سَعْيَةَ وأُسَيْد بن سَعْية وغيرهم. وهذا هو المشهور عن كثير من المفسرين، كما ذكره محمَّد بن إسحاق.
المعنى: لقد كفر عامة اليهود بما أُنزل إليك لجهلهم وعنادهم، لكِنِ الثابتون في العلم منهم، والصادقون في الإيمان بكتابهم، كعبد الله بن سلام - وغيره من علمائِهم، يؤْمنونِ بما أُنزِل إليك من القرآن، وبما أُنزِل مِن قبلك من الكتب التي جاءَ بها الأنبياءُ والمرسلون وليسوا متعصبين لدينهم بالباطل، كسائر بني قومهم.
(وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ (2) وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ):
(1)(لكن) حرف استدراك مهمل، و (الراسخون) مبتدأ، خبره جملة:(أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما) وما بينهما صفات للراسخين في العلم من جهة المعنى، ولكنها عطفت عليها تنزيلا للاختلاف في العنوان منزلة الاختلاف في الذات.
(2)
(والمقيمين الصلاة): المقيمين وصف في المعنى لكلمة (الراسخون): وظاهر السياق أن يقال فيه: (والمقيمون) كسائر الصفات التي قبله وبعده، حيث جاءت كلها مرفوعة بالواو؛ لعطفها على موصوفها المرفوع وهو (الراسخون) ولكنه عدل عن رفعه بالعطف إلى قطعه ونصبه لإرادة المدح، كما قاله علماء النحو البصريون، وعلى رأسهم سيبويه. =
هذه بقية أَوصاف المؤْمنين من علماء أَهل الكتاب. وُصِفُوا - أَولاً - بكونهم راسخين في علم الكتاب، ثابتين فيه: لا يعترضهم شك، ولا تُزَلْزِلُهُم شبهة، ولا يصرفهم عن الحق جهل أَو عناد.
ووصفوا - ثانيا - بأَنهم يؤْمنون بما أُنزل إليك من القرآن، وما أُنزِل إِلى المرسلين قبلك من سائر الكتب، فإن رسوخهم في العلم، يدعوهم إلى ذلك، وإلى ما يليه من الصفات المحمودة بخلاف بني قومهم الذين كانوا كريشة في جو الضلال: تقلِّبهم الشكوك والأَوهام كيف مَرت بهم.
ثم وصفوا؛ بأَنهم يقيمون الصلاة، ويؤَدونها حق أَدائها في أَوقاتها، بسبب عمق إيمانهم.
ثم وصفوا؛ بأَنهم يعطون الزكاة لمستحقيها؛ لرقة قلوبهم، وصفاءِ نفوسهم.
ثم وصفوا بأَنهم يؤْمنون بالله الذي هو مبديء الكائنات ومعيدها، ويؤْمنون باليوم الآخر. الذي يُبعثون فيه، ويعادون للحساب والجزاءِ.
وبهذا، حققوا الإِيمان بطرفيه، الإِيمان بالمبدإِ، والإِيمان بالميعاد.
وفي وصفهم بالإِيمان بالله واليوم الآخر، تعريض بأَن مَن عداهم من أهل الكتاب، ليسوا مؤمنين بهما حقيقة، لأَنهم مزجوا الإِيمان بالله بالتجسيد، وادّعَوْا أَن النار لن تمسَّهم إِلا أَياما معدودة.
وبعض فرقهم ينكرون البعث بعد الموت، وهم فرقة الصدوقيين.
{أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} :
أَي: أُولئك العلماء الراسخون في العلم من أَهل الكتاب، الذين حفزهم رسوخهم في العلم على الإيمان بما أُنزل إِليك، وما أُنزل إِلى سائر المرسلين، وحفزهم أَيضا على إِقامة
= وهذا الأسلوب ليس بغريب علي القرآن الكريم، فقد قال تعالى:(والموفون بعهدم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا) الآية (177) من سورة البقرة.
فإيثار نصب (المقيمين) لإبراز اجتهادهم في إقامة الصلاة، واعتنائهم بها؛ ليتنبه القاريء والسامع إلى فضلهم وفضل إقامة الصلاة. ولهذا يصح الوقف قبلها وبعدها.
الصلاة، وإِيتاءِ الزكاة، والإِيمان بالله، واليوم الآخر - هؤلاءِ العلماءُ - سنؤتيهم في الآخرة أَجرا عظيما، بخلاف من عداهم ممن أَصروا على الكفر، واستحقوا أَن يُعِدَّ الله لهم عذابا عظيما.
المفردات:
(الأَسْبَاطِ): جمع سبط وهو الحفيد. والمراد بهم: حفدة يعقوب عليه السلام أَو أَبناؤه الاثنا عشر وذراريهم. فإِنهم حفدة إبراهيم وإسحق.
وقيل: الأَسباط - في ولد إِسحاق: كالقبائل في العرب: ولد إِسماعيل.
وقد بعث منهم عدة رسل. فالمراد أَوحينا إِلى الأَنبياءِ منهم، إِذ ليسوا جميعًا أَنبياءَ.
(زَبُورًا): أَي مكتوبا. وهو الكتاب المنزل على داود عليه السلام. ويسمى: المزامير، في العهد القديم.
(حُجَّةٌ): معذرة يعتذر بها.
التفسير
163 -
{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
…
) الآية.
أَجاب الله - سبحانه - عن جهالة من جهالات اليهود، حين طلبوا من محمَّد صلى الله عليه وسلم أَن ينزِّل عليهم كتابا من السماءِ، جملة واحدة، كما أُنزِل على موسى بقوله تعالى:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} :
أَي إِنا أَنزلنا إِليك - يا محمَّد - من المعجزات، ما يكفي لإِثبات نبوتك وصدق رسالتك والإِيمان بك، إِنزالًا مشابها لإنزالنا على السابقين من رسلنا في التحقق والثبوت، وفي أَن كل رسول جاءَ بالمعجزة المناسبة لزمانه وقومه. فلم تتحد معجزات السابقين من المرسلين في نوعها، ولا في كيفية إِنزالها. فمن المبالغة في التعنت والإِبعاد في الضلال، أَن يطلبَ غلاةُ اليهود منك ما طلبوا - مع إِقرارهم بنبوة هؤلاء الأَنبياءِ المذكورين وغيرهم - مع اختلاف معجزة كل منهم: في نوعها، وكيفية إِنزالها. ولم يكن ذلك قادحا في نبوتهم، ولا مانعا لليهود من الاعتراف بهم، فكذلك لا يقدح في نبوتك إِنزال القرآن عليك منجما.
ولكن لا غرابة أَن يسأَلوا محمدا ذلك، فقد سأل أَسلافهم موسى أَكثر من ذلك، وهو أَن يُرِيَهُم الله جهرة.
وبديء بذكر نوح عليه السلام لأَنه الأَب الثاني لبني البشر - إِذ قام عمرانُ الأَرض بعد الطوفان على ذريته، وما حمله معه في السفينة، وَلِيُذَكِّرَ محمدا صلى الله عليه وسلم بقوة احتماله، وعظم صبره. فقد صبر على أَذى قومه أَلف سنة إِلا خمسين عاما. فهو خير أُسوة له صلى الله عليه وسلم في الصبر على الأذى، ولينذر بالهلاك الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم كما أَهلك قومَ نوح من قبل، بسبب رفضهم دعوته، فقد أهلك الله - بدعائه - كل من كان على ظهر الأَرض من الكافرين.
ثم جاءَ ذكر النبيين من بعد نوح جملة، ليعم كل نبيٍّ أُوحِيَ إِليه.
خصَّ هؤلاء النبيين بالذكر بعد التعميم؛ لشهرتهم، وللتنويه بفضلهم، وعلوَّ قدرهم، وزيادة في تقريع اليهود؛ إِذ كانوا من أَتباع هؤلاءِ الأَنبياء.
وأَول في ذكر بخصوصه إِبراهيم عليه السلام فقد كان لقبه: (أَبو الأَنبياء).
قال الزبير بن بكار: "كل في ذكر في القرآن فهو من ولد إِبراهيم، غير إدريس ونوح وهود ولوط وصالح".
والثاني: إسماعيل بن إبراهيم. والثالث: إسحاق بن إِبراهيم.
والرابع: يعقوب ابن إِسحاق.
كما خص جماعة سماهم القرآن الكريم - الأَسباط: وهم أَولاد يعقوب، على ما هو المشهور عند العلماء.
ثم إِن العلماءَ لم يجمعوا على نبوة أَحد من هؤلاء الأَسباط إلا على نبوة يوسف عليه السلام ورسالته.
وذكر سادسًا: عيسى بن مريم، وسابعا: أَيوب. وثامنا: يونس. وتاسعا: هارون.
وعاشرا: سليمان. وحادي عشر: داود. وسمى كتابه: زبورا.
وأُسند الإِتيان إِلى ضمير ذاته العلية، وخص في:{وَآتَيْنَا} : إِشعارًا بعظمته وعظمة ما فيه، لأَن كل ما فيه تسبيح وتقديس، وحكم ومواعظ.
وكما تفيد الآية: الردَّ صراحة على منكري نبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم، ترد أَيضا - على الذين يطعنونها بشبهات وأَباطيل. وقد كان ذلك كثيرا زمن حياته صلى الله عليه وسلم وما زال كذلك كثيرًا إِلى اليوم، حتى جرف ذلك التيار بعض ضعاف العقيدة، ممن ينتسبون إلى الإِسلام بالاسم فقط.
164 -
{وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ
…
} الآية.
أَي: وأَرسلنا رسلا قد سميناهم لك في القرآن، وعرفناك أَخبارهم، ومَن بعثوا إليهم من الأُمم، وذكرنا لك ما وقع بينهم وبين أَقوامهم، من قبل نزول هذه الآيات مثل: صالح، وهود، ولوط وغيرهم من المرسلين.
{وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} :
أَي وأَرسلنا كذلك رسلاً كثيرين لم نذكر لك قصصهم في القرآن، وَلَم نوحِ إليك بهم في غير القرآن، ولم يقدح في نبوتهم عدم إِنزالِ كتاب من السماء جملة واحدة، أَو كتاب موجه إِلى زعماءِ أَقوامهم يشهد بصدقهم فيما بلغوه إِلى أُممهم، كما طلب المتعنتون ذلك منا يا محمَّد.
{وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} :
أَي وكلم الله موسى - بدون وساطة الروح الأَمين جبريل - تكريما له عليه السلام.
والتكلم - بغير واسطة - أَعلى مراتب الوحى. خص به موسى من بين سائر الأَنبياء غير محمَّد صلى الله وعليه وسلم، ولم يكن تخصيصه بذلك قادحا في نبوَّتهم، فكيف يتوهم أَن يكون نزول التوراة عليه جملة واحدة قادحا في نبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم بسبب نزول القرآن عليه مفصلا ومفرقا حسب الوقائع، مع أَنه أُنزل مفرقا لحكم اقتضت ذلك. أَظهرها التدرج بالمرسل إليهم، وعدم الإِثقال عليهم حتى لا يملوا!
والعرب تسمى الكلام الذي يصل من متكلم إلى إِنسان ما، مباشرة، أَو بواسطة مبلِّغ، أَو بأَي طريق تسميه: كلاما، إِذا لم يؤكد بالمصدر، فإِذا أُكد بالمصدر، لم يكن المراد إِلا حقيقة الكلام المباشر، بدون واسطة مبلغ أَو غيره. كما في الآية الكريمة، لأَن قوله تعالى:(تَكْلِيمًا) مصدر مؤكد لقوله تعالى: (وَكَلَّمَ).
ومما تجدر الإِشارة إِليه: أَن الله سبحانه وتعالى كلَّم محمَّد صلى الله عليه وسلم بدون وساطة جبريل ليله الإِسراءِ والمعراج (1)، كما فضَّله على سواه: بأَن أَعطاه مثل ما أَعطى سائر الأَنبياء
(1) كما ورد في أحاديث الإسراء والمعراج في كتب الصحاح.
165 -
{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
…
} الآية.
المقصود من هذه الآية: بيان مهمة الرسل الذين ذكرهم الله لرسوله في القرآن، والذين لم يذكرهم له.
والمعنى: وأَرسلنا هؤُلاءِ الرسل الذين ذكرناهم لك - يا محمَّد - في القرآن، والذين لم نذكرهم لك؛ لبشارة المؤْمنين بالثواب، وتخويف من كذَّب وكفر بالعقاب.
{لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} :
أَي: لكي تنقطع المعذرة، ولا يقول الناس: {
…
مَا جَآءَناَ مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ
…
} (1).
وما أَرسلتَ إِلينا رسولًا ينبهنا ويعلمنا من شرائعك ما لم نكن نعلم؛ لقصور قدرتنا عن إِدراك الصالح وعجزنا عن فهم الخير، فلذلك زلت أَقدامنا، ووقعنا في الضلال البعيد
…
يوضح هذا المعنى قوله تعالى:. وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} (2). وقوله تعالى:
{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (3).
وقد أَنعم الله على الإِنسان بنعمة العقل، وأَبدع الكون ونظمه حتى صار - بعجائبه ودقة نظامه - شاهدا للعاقل على وجوده وتفرده وقدرته، دون حاجة إِلى صياغة المقدمات، وترتيب النتائج.
ومع ذلك، فقد اقتضت رحمته بعباده أَن يرسل الرسل، ضمانا لهداية الله الناس؛ لأَن العقل قد يعجز عن إِدراك حقائق الاُمور ونتائجها.
والرسل عليهم الصلاة والسلام - إِنما جاءُوا لينبهوا إلى النظر في عجائب الكون وما فيه من دلائل ويُبَيِّنُوها، وهم الذين يبلغون رسالات ربهم إلى الناس، ويبينون لهم أَحكامه، وشرائعه.
(1) المائدة، من الآية: 19
(2)
طه، الآية: 134
(3)
الإسراء، من الآية: 15
وفي قوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
…
) الآية، جواب أَيضًا عن شبهة اليهود المتقدم بيانها.
وخلاصة هذا الجواب: أَن المقصود من إِرسال الرسل وإِنزال الكتب، هو الإعذار والإِنذار، وهذا المقصود متحقق، سواءٌ أَنَزَل الكتابُ دفعة واحدة، أَم نزَل منجمًا ومفرقًا، على حسب الوقائع، فكان اقتراح اليهود أَن ينزل الله عليهم الكتاب جملة واحدة، اقتراحًا غير سديد.
(وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حكِيمًا):
أَي: (وَكاَنَ الله) - ولم يزل - (عَزِيزًا) لا يغالَب، ولا يُغْلب فيما يريد، ومِن تمام عزته؛ أَلا يجيب المتعنت ولا ينزل على إِرادته.
(حَكِيمًا): أَي بالغ الحكمة في كل ما يدبر من شئون الكون.
ومن ذلك تدبير أَمر النبوة، وتخصيص كل نبي بنوع من الوحي والإِعجاز، على النحو الذي اقتضت حكمته، مراعاةً للزمان والمكان الذي بعِث فيه كلُّ رسول، كما يشير ختم الآية بهذين الوصفين إلى قدرته - سبحانه - على ثواب من آمن، وعقاب من خالف.
166 -
(لَكِنِ (1) اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
…
) الآية.
أي: أَنه لما تعنّت أَهل الكتاب، وطلبوا أَن ينزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة واحدة وردَّ الله على تعنُّتهم بقوله:(إنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْك) الآية. وتمادوْا في التعنت، وقالوا: نحن لا نشهد لك بذلك. قال سبحانه: (لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ) بحقيّة ما أَنزل إِليك من القرآن المعجز الناطق بنبوتك. فكون القرآن على أَعلى درجة من فصاحة اللفظ، وسمو المعنى، وقوة التشريع، وصلاحيته لإِسعاد البشر في كل زمان ومكان، بحيث عجز الأَولون والآخرون عن معارضته، أَو الإِتيان بمثله - كونه بهذا الوضع البديع - معجزة باهرة. وإِظهارُ المعجزة شهادة بينة بصدق من جاءَ بها.
(1)(لكن): للاستدراك، والمستدرك عليه مقدر فهم من الكلام السابق، إذ أن (لكن) لا يبدأ بها الكلام.
(أنزَلَهُ بِعِلْمِهِ):
أَي: إنّ هذا القرآن الذي أنزله الله تعالى إِليك يا محمَّد أَنزله بعلم تام بالمنزَّل والمنزَّل إِليهم والمنزَّل عليه. فجاءَ في غاية الحسن ونهاية الجودة والكمال، وأَعلى درجات الفصاحة والبلاغة، كما جاءَ مشتملا على ما فيه سعادة الناس في الدنيا والآخرة، ثم هو - بعد ذلك - برهان ساطع ودليل قاطع، على صحة رسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم.
(وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا):
أَي: والملائكة الكرام يشهدون بنبوتك، وكفى بالله شهيدا على صدقك، حيث أَيَّدَكَ بالمعجزات الباهرة، والبراهين الساطعة؛ المغنية عن شهادة هؤلاءِ المعاندين، وقد عُرفت شهادة الملائكة بشهادة الله، فإِن من شهد الله له، شهدت له ملائكته.
فكأنه قيل: يا محمَّد، إِنْ كَذَّبك هؤُلاء اليهود، فلا تُبالِ بهم، فإِن إِله العالمين يصدقك في ذلك، وملائكته يصدقونك كذلك. ومَن صدّقه رب العالمين، والملائكة كلهم أَجمعون، لم يَلْتَفِتْ إلى تكذيبِ مَن هم أَخسُّ الناس، وهم اليهود؛ أَهل الخيانة والغدر.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (169)).
المفردات:
(صَدُّوا): صد عن الأَمر، أَعرض عنه. وصدّه عن الأَمر: صرفه عنه ومنعه منه.
(سَبِيلِ اللهِ): السبيل؛ الطريق، يذكر ويؤَنث قال تعالى: " {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} . (1)
(1) يوسف، من الآية:108.
وقال تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} (1).
والمراد بـ (سَبِيلِ اللهِ): دين الله الذي ارتضاه لعباده.
(ضَلُّوا): الضلال ضد الرشاد. والمراد: بعدوا عن طريق الحق المستقيم.
التفسير
167 -
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ
…
} الآية.
بعد أَن بين القرآن الكريم - في الآيات السابقة - تعنت اليهود فيما سأَلوا، والرد على هذا التعنت، جاءَت هذه الآيات تصف من كفروا ومنعوا غيرهم من اتباع الهدى، بالإِيغال في الضلال، والبعد عن سبيل الله، فقال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ} :
أَي: إِن الذين كفروا بالله، وأَنكروا نبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم، وكذَّبوا بالقرآن ومنعوا الناس من الدخول في الإِسلام، واتباع طريق الهدى والفلاح بإِلقاءِ الشبهات في قلوبهم؛ كقول اليهود مثلا: لو كان محمَّد رسولًا حقًّا، لأَتى بكتابه دَفعة واحدة من السماءِ، كما نزلت التوراة على موسى.
(قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا):
أَي: قد بلغوا في البعد عن الطريق المستقيم، أَقصى النهايات إِذ لا ضلال أَشد وأَقبحُ من ضلال مَن فَهِم أَنه على الحق، وأَضلَّ غيره عن الصراط المستقيم.
ومن كفر فقد بَعُدَ عن الحق، ومن أَضل غيره فقد زاد بعدُه، وكلما استمر على الِإضلال وإِغواء المهتدين، وإِثارة الشبهات حول دينهم - فقد أَوغل في البعد عن الطريق السويّ.
والمراد بالذين كفروا: اليهود أَو ما هو أَعمّ.
وقد جمعت الآية - في التعريف بهم - بين الوصف بالكفر، والصد عن سبيل الله تعالى وكل منهما - بانفراده - يستلزم اتصافهم بالضلال؛ للِإشارة إِلى عظم جرمهم وعمق ضلالهم.
(1) الأعراف، من الآية:146.
ولما وصف سبحانه وتعالى كيفية ضلالهم، ذكر بعده وعيدهم وما أَعدّه لهم في الآخرة من الخلود في النار فقال:
168 -
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا
…
) الآية.
المراد بهم: هو المراد بالذين كفروا وصدوا، المذكورين في الآية السابقة.
ومعنى ظلموا: أَي ظلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنكار نبوته، وتكذيب الكتاب الذي أَنزله الله عليه، وكتمانِ ذكر بعثته في التوراة، وظلموا الناس بإلقاءِ الشبهات في قلوبهم، وظلموا أَنفسهم باتباع الهوى، وترك هداية الإِسلام، وغير ذلك من جرائمهم التي لا تُحْصَى.
وغاير بين الوصفين، إِذ قال أَولا: كفروا وصدوا. وقال ثانيا: كفروا وظلموا.
إِشارةً إلى بشاعة جرمهم، وليبنيَ عليه وعيدَهم الشديد، وهو حرمانهم من غفران ذنوبهم، ومن الهداية إِلى طريق النجاة. فقال تعالى:
{لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا} :
أَي: لم يكن عن تدبير الله الحكيم العلم: أَن يغفر الذنوب لمن اختاروا الضلالة على الهدى، وماتوا وهم كافرون، إِذ لا غفران للكافرين.
ولم يكن أَيضا من الحكمة في التدبير: أَن يهدى الله تعالى إِلى الصراط المستقيم قوما أصروا على الكفر، وابتعدوا عن الحق عنادا. فلا يستمعون نداءَ الخير والفلاح إِذا أَصمُّوا دونه آذانهم، وأَغلقوا قلوبهم، فهم لا يفقهون.
169 -
(إلَاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
…
) الآية.
الاستثناءُ من ختام الآية السابقة (وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَريِقًا).
وبما أَن الهداية لا تكون إِلا إِلى طريق الخير والسلامة، فاستعمالها - مع طريق جهنم - إنما هو من باب التهكم بهم، والاستهزاءِ بسوءِ اختيارهم الذي أوصلهم إلى مثل هذا المصير.
والخلود: هو المكث الطويل.
والأَبد: مدة الزمان الذي لا يتجزأ، ولا غاية له. وتأَكيد الخلود بالأَبدية، يدل على دوام العذاب بلا نهاية.
والمعنى: أَن أَجسامهم تبقى في جهنم لا تبلى، ولا تذهب حساسيتها؛ ليذوقو االعذاب دواما.
(وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا):
أَي: وكان إِيصال العذاب إِليهم شيئًا فشيئا، ودوام تعذيبم في جهنم - أَمرا يسيرا على الله.
وختم الآية بذلك، لبيان أَنه سبحانه وتعالى غالبٌ على أَمره. لا يعجزه شيءٌ.
التفسير
170 -
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ
…
) الآية.
بعد أَن أَجاب سبحانه عن شبهات اليهود وردّ أَباطيلهم بأَبلغ رد، وبين فساد طريقتهم.
وبعد تأَكيد نبوته صلى الله عليه وسلم،بشهادته عز وجل، وشهادة ملائكته.
وبعد بيان حال الكافرين وخطئهم الفاضح، وما أعد لهم من سوء المصير.
بعد ذلك جاءَت هذه الآية الكريمة: تخاطب الناس - جميعًا - بالدعوة إلى دين محمَّد صلى الله عليه وسلم.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ):
نداءُ الناس جميعًا - لإِخبارهم بأَن الرسول قد جاءَهم بالحق من ربهم - دليل على عموم رسالته، وتكرار للشهادة التي أَكدها فيما سبق، وتقرير لها. إِذ كونُ المرسل:(رَبّكُم)
أَي الذي يقوم بتربيتكم، ورعاية مصالحكم، هو الذي يبلغ بكم غاية الكمال المرجو لكم، وكون المرسل به - بالْحقِّ - أَي الثابت الذي لا يعتريه شك، وهو الدين الذي يدعو إلى عبادة الله، والإِعراض عن غيره. وكون حامل الرسالة الرسول المعهود لكم، المعروف بالصدق وكرم الخلق، وعظم الشأْن - كل ذلك - يؤكد فضلَ الرسالة وكمالَها، كما أنه تمهيد للأَمر بالإِيمان به. ولهذا يقول الله عز وجل:
(فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ):
أَي: وإِذا كان قد جاءَكم هذا الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم بالحق من ربكم، فآمنوا به يكنْ ذلك الإِيمان خيرا لأَنفسكم، مما أَنتم فيه. أي أَحْمَدُ عاقبة من الكفر والضلال، فإن آثار الإِيمان تعود عليكم بالنفع، لا على الرسول ولا على ربكم.
(وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ):
أَي: وإِن تكفروا بي وبالرسول الذي أَرسلتُه إِليكم، فالضرر لاحِقٌ بكم، فإِن الله غِنيّ عن إيمانكم وعن طاعتكم؛ لأَنه مالك السموات وما فيها من أَفلاك وكواكب ونجوم ومدارات، والأَرضِ وما على ظهرها وما في باطنها
…
فضرر الكفر كلّه يقع على الكافرين، والله لا يرضى لعباده الكفر.
(وَكَانَ اللهُ علَيمًا حَكيِمًا):
فتصرف في ملكه الواسع، حسب علمه القديم المحيط بكل شيءٍ، وحكمته البالغة التامة.
وحسب علمه المحيط، وحكمته البالغة، التي لا تخطيء: أَرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إِلى الناس كافة؛ بشيرا ونذيرا. فاتَّبِعوه وآمِنوا به، وقِفوا عند ما شرع لكم، تكونوا من الفائزين.
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا (171)).
المفردات:
(لَا تَغْلُوا): الغلو؛ مجاوزة الحد. وغُلُوُّ النصارى في دينهم: إِفراطهم في تعظيم عيسى، حتى جعلوه إِلها أَو ابنًا الله. وغُلُوُّ اليهود: مبالغتهم في الطعن في عيسى حتى اتهموه وأُمه بما لا يليق.
(الْمَسِيحُ): أَصل المسيح. الممسوح، وسمى به عيسى.
(كَلِمَتُهُ): المراد بها؛ عيسى عليه السلام وأُطلقت الكلمة عليه؛ لَأنه جاءَ بكلمة: كُنْ .. بدون أَب.
(رُوحٌ مَّنْهُ): رحمة منه؛ لأَنه رحمة من الله لمن آمن به.
التفسير
171 -
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ .... ) الآية.
بعد أَن تحدثت الآيات السابقة عن تعنت اليهيود فيما سأَلوا، وعن الرد على هذا التعنت.
وبعد أَن ذكرت طرفا من جرائمهم - وهذا لا ريب غلو ومجاوزة للحد، جاءَ نَهْي القرآن بعد ذلك، في هذه الآية - للنصارى، عن الغلو في الدين فقال:
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ):
وأَهل الكتاب: لفظة تعم اليهود والنصارى، ولكن سياق النص هنا، يخصصها بالنصارى أَما اليهود، فقد سبق الحديث عن غلوهم في شأْن عيسى، إِذ بالغوا في الطعن فيه، وغلوهم في دينهم، إِذ قالوا لموسى:" {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً} (1) وقولهم: "
…
عُزَيْرٌ ابْنُ اللَهِ
…
" (2) وغير ذلك من جرائمهم التي لا تُحْصَى.
وغُلوّ النصارى في دينهم: أَنهم أَفرطوا في تقديس عيسى عليه السلام حتى أَخرجوه من مرتبة البشرية، واتخذوه إِلها من دون الله، وجعلوه ابنًا لله.
وفي نداءِ الله إِياهم بأَهل الكتاب: غايةُ التوبيخِ والتقريع لهم، إذ مقتضى أَنهم أَهل كتاب أَن يتدبروا كتابهم المنزلَ على رسولهم، ويتأَملوا ما فيه. وهو - بلا ريب - ليس فيه شيء مما يدَّعون ويفترون ولكن العصبية الحمقاء تعمى عقولهم.
(وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَاّ الْحَقَّ):
أَي: ولا تفتروا على الله كذبا لا أَساس له، ولا دليل يعتمد عليه وهو قول النصارى: "
…
الْمَسِيحُ ابنُ اللهِ
…
" (3) وهذا القول يناقض الدليل الواضح، والحق الثابت؛ إِذ الإِلَه لا يلد، ولا يولد، فإِن ذلك أَمارةُ الحدوث، وعلامةُ الاحتياج.
والتعبير بلفظ (عَلَى): إِشارة إِلى أَن ما قالوه، افتراءٌ على الله، وجرم شنيع في حقه تعالى.
ولمَّا نهاهم عن الغلو والافتراءِ على الله، بيَّن لهم ما هو الحق بقوله تعالى:
(إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ):
أَي: ما عيسى ابن مريم إِلا رسولٌ، وليس إلها من دون الله، ولا ابنًا لله، كما تدّعُون.
وفي قصْر عيسى على الرسالة - كما فهم من أُسلوب الآية - زجرُ شديد لهؤُلاءِ الذين يقولون على الله غير الحق، وإِشعارٌ بأَنهم قوم مفترون.
وفي ذكر اسمه: عيسى. وفي نسبته إِلى أُمه: مريم - إِشارةٌ إِلى أَنه إِنسان ككل الناس ولدته أنثى، كما أَن في هذه النسبة أَيضا، تكذيبًا لمن نسبوه إلى يوسف النجار.
(1) البقرة، من الآية: 55
(2)
التوبة، من الآية: 30
(3)
التوبة، من الآية: 30
(وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ):
أَي: وعيسى كلمةُ الله، أَي إِنه تَكوَّن في بطن أُمه، وَوُجِدَ بسبب كلمة الله وأَمره:(كُنْ) كما قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)} . (1) من غير سبب مادي من وجود زوج، كما جرت به سنة الله في توالد بني آدم.
(وَرُوحٌ منْهُ):
أَي: إِن عيسى تَكوَّن في بطن أُمه، ونشأ فيها بنفخ الله تعالى - الروح فيه.
وكما أَن عيسى من روح الله، فإن آدم وسائر ذريته من روح الله تعالى - التي خلقها وأَودعها في كل كائن حي، كما قال تعالى:"فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ"(2).
وحديث: "إِن أَحدَكُم يجمعُ خَلْقهُ في بَطنِ أُمهِ أَربعينَ يَوما نُطفةً، ثمَّ يكونُ عَلقةً مِثْل ذلك، ثم يَكُون مضغةً مِثْل ذلك، ثُم يَبعثُ اللهُ إِليهِ مَلَكًا، ويُؤْمر بأَربعِ كلماتٍ يُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَملَه ورِزقَه وأَجلَه وشقيٌّ أَو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجلَ منكم لَيَعملُ بعملِ أَهلِ الجنَّةِ حتى لا يكونَ بينَهُ وبينهَا إِلا ذِراعٌ فَيسبِقَ عليهِ الكِتَابُ فَيعْمَلَ بعملِ أَهلِ النارِ فيدخلَ النارَ، وإِنَّ الرجلَ لَيعمَلُ بعملِ أَهلِ النارِ حتى ما يكونَ بينَه وبينَها إِلا ذِراعٌ فَيسبِقَ عليهِ الكِتابُ فَيعملَ بِعَملِ أَهلِ الجَنَّةِ فيدخلَ الجَنةَ"(3).
ولما لم يتكون عيسى عليه السلام من نطفة أَب وإِنما تكون من نفخة بإِذن الله - وصف بأَنه: روح.
ومعنى (مِنْهُ): أَي من الله. أَي كائنة من الله، تشريفًا وتفضيلا له، وهذا وجه من وجوهٍ وردت في بيان معنى الروح، ومنها: أَن معنى الروح؛ الرحمة والنعمة من الله على عباده، أَي أَن عيسى عليه السلام لما كان رحمة من الله لقومه، ونعمة عظيمة
(1) آل عمران، الآية: 59
(2)
الحجر، الآية 29
(3)
الفتح الكبير: 1 - 287 للبخاري ومسلم ولأبي داود وللترمذي وللنسائي ولابن ماجه عن ابن مسعود.
منه عليهم، من حيث إِنه كان يرشدهم إِلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، سمى روحا منه سبحانه وتعالى وكانت منه تشريفا وتعظيما له عليه السلام.
والمعنى: أَن عيسى روح عظيمة، وهبة جليلة، مبتدأَة من الله.
و (مِنْ): ابتدائية على كل معنى، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لروح. أَي وروح عظيمة مبتدأة من جهته تعالى، وليست (مِنْ) تبعيضيةكما تَزْعُم النصارى، ليصلوا إِلى باطل من أَباطيلهم، وهو أَن عيسى جزءٌ من الله.
(فَأمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ولَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ):
أَي: وِإذا كان هذا شأْن المسيح وحاله: ليس إلها ولا ابنا لله، فآمنوا باللهِ - وحده - ربًّا لا شريك له في العبادة، ولا في الملك والسلطان، وليس معه ثان ولا ثالث، وليس بوالد ولا ولد، وآمنوا بالرسل جميعًا. وفي جملتهم: عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
ولا تكفروا بأَحدٍ منهم، ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة، الله واحد منهم.
والتعبير بقوله: (وَلَا تَقُولُوا) دون ولا تؤْمنوا بثلاثة: لبيان أَن مجرد النطق بذلك منكر وقبيح، فضلا عن أَن يكون اعتقادا وإيمانا، وفيه إِشارة إِلى أَن ما ذهبوا إِليه لا ظلا له من الحقيقة وإنما هو مجرد قول بالَأفواه.
(انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ):
أَي: انتهوا عن الشرك والتثليث يكن الانتهاءُ عن ذلك خيرا لكم؛ لأَنكم - به - تخرجون من العقيدة الناشئة عن الضلال والأَوهام، إِلى العقيدة المبنية على الحجة والبرهان، فتفوزون من الله بالرضوان.
(إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ):
أَي: إِن العقيدة الصحيحة التي جمعت الخير كله، هي عقيدة التوحيد التي عبر القرآن عنها بقوله:(إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) أَي إنما الله واحد بالذات، منزّه عن التعدد بأَي وجه من الوجوه، متفِّرد في ألوهيته، وليس كما ادّعاه النصارى من أَن عيسى وأَمه
مريم إِلهان مع الله. وليس كما زعموه أَيضا من تركُّبه من أَقانيم ثلاثة (1) - الأَب والابن والروح القدس - وأَن كلا منهما له صفات الأُلوهية، وأَنها اتحدت وصارت إِلها واحدا؛ لأَن العقل - كما يحيل تعدد الآ لهة - يحيل كذلك تركبها واتحادها.
وفي هذا النص الكريم، من تأْكيد أَمر التوحيد ما لا يخفى.
وبعد أَن أَكد التوحيد، نزه نفسه عن اتخاذ الولد بقوله:
(سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ):
أَي: تنزه الله تعالى - تنزيهًا عظيما: لا حدود له، عن أَن يكون له ولد؛ لأَن اتخاذ الولد دليل الضعف، وأَمارةُ الحدوث، وصفةُ العاجز المحتاج إِلى من يعينه في حياته، ويَخْلفُهُ بعد مماته، واللهّ عز وجل تنزه عن ذلك، فقول النصارى: إِن عيسى ولد الله ليس شركا فقط، بل هو وصف لله - العلى القادر، المعبود الحق - بالعجز والضعف والحدوث.
ثم ذكر - تأْكيدًا لتنزيهه عن اتخاذ الولد - ما يدل على كمال قدرته، وتمام غناه فقال تعالى:
{لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ} :
أَي: لله سبحانه كل ما في السمَوَات من أَكوانٍ علوية: ما عرفناه منها وما لم نعرفه، وكذلك أَجرام السمَوَات، وله كل ما في الأَرض من أَجزائها، وما على ظهرها، وما في بطنها: خلقا وملكا وتدبيرا.
(1) عقيدة التثليث - في الأَصل - عقيدة وثنية، سبقت المسيحية بآلاف السنين، فقد ظهرت - عند البابليين - في صورة إله السما، وإله الأرض، وإله البحر، ثم في صورة إله الشمس، وإله القمر، وإله التشريع.
وظهرت عند الهنود في صورة الإله براهما، والإله شنو، والإله شيقا. وهو إله واحد في ثلاثة أقانيم. ثم ظهرت هذه الفكرة عند بطليموس الأول بالإسكندرية.
راجع تاريخ الفلسفة للدكتور مدكور ص 6، 12، 65.
كما ظهرت في المسيحية بعد المسيح عليه السلام بثلاثة قرون (انظر كتاب قصص الأنبياء لفضيلة الشيخ عبد الوهاب النجار، صفحة 480، 483 طبعة أولي).
وقد ورد في قاموس الكتاب المقدس ما نصه: "كلمة التثليث لم ترد في الكتاب المقدس، ويظن أن أول من صاغها واخترعها واستعملها: ترتليان، في القرن الثاني للميلاد
…
وكم نادى أريوس أن الأب وحده هو الأزلي، بينما الابن والروح القدس مخلوقان متميزان عن سائر الخليقة.
ومن كان مالكا لكل السمَوَات والأَرض ولكل ما فيهما، كان مالكا لعيسى ولمريم بل أَولى. إِذ هناك في الكون من هو أَعظم منهما، فكيف يعقل مع هذا توهم كون عيسى ولدا لله ومريم زوجة له؟!!
والمتأَمل يرى أَنه سبحانه، في كل موضع نزه فيه نفسه عن الولد - ذكر كونَهُ ملكا ومالكا لما في السمَوات والأَرض ليكون دليلًا عليه، إِذ المعنى: تَنَزَّه اللهُ عن أَن يكون له ولد؛ لأَن له ما في السموات وما في الأَرض.
(وَكَفَى بِالله وَكِيلًا):
أَي: إِن اللهَ سبحانه، كاف - وحده - في تدبير المخلوقات، وفي حفظ هذا الكون، فلا يحتاج إِلى ولد يعينه، ولا إِلى إِله آخر يدبر أَمر الكون معه.
(لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) ..
المفردات:
(لَن يَسْتَنكِفَ): لن يأْنف ولن يستكبر، وأَصله من النَّكْف. وهو تنحية الدمع عن الخد بالإصبع.
(الْمُقَربُونَ): الذين قربهم الله تعالى ورفع منازلهم على غيرهم.
(وَيَسْتَكْبِرْ): أَصل الاستكبار؛ طلب الكبر والترفع عن الناس من غير استحقاق.
التفسير
172 -
(لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ .... ) الآية.
بعد أَن أَثبتت الآية الكريمة السابقة - الدليل الواضح - تنزيه الله تعالى، عما أَلصقوه به - جاءَت هذه الآية، استئنافا مقررا لهذا التنزيه، ومؤكدا له. إذ نفت أَن يأنَفَ عيسى عليه السلام الذي رفعوه إِلى الأُلوهية - من أَن يكون عبدا لله.
(لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ):
أَي: لن يأْنَف مَن وصفتموه بالأُلوهية، وأَنه ابن الله، من أَن يكون عبدًا لِله، ولن يترفع عن ذلك؛ لأَنه شرف عظيم يفخر به المخلصون.
(ولَاَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ):
أَي: ولا الملائكة المقربون عند الله، ومنهم الروح الأَمين: جبريل عليه السلام، لا يأْنفون من أَن يكونوا عبيدا لله، ولا يترفعون عن ذلك، لأَنهم مفطورون على الطاعة.
(لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(1).
والمقصود بهذا الاستطراد: تقوية الردّ على النصارى وتأْكيده، حيث زعموا أَن عيسى إِله مع الله، فلن يكون عبدا لله.
ولما كان منشأُ ذلك عندهم أَنه خُلق من غير أَب، بيَّن الله لهم أَن الملائكة خُلِقوا من غير أَب ولا أُم، ولهم عند الله تلك المكانة العالية، وأَنهم أَكمل حالًا في العلم بالمغيبات، وفي القدرة على حمل ما لا يستطيعه البشر، وهم - مع ذلك - لا يأْنفون من وصفهم بالعبودية، بل يعتزون بأَنهم عباد الله
…
فكيف يأْنف عيسى من ذنك؟!
والعبودية لله أَعلى مراتب الشرف، وأَعظم درجات الكمال.
وإِن كانت الشبهة التي عليها يعولون في إِثبات أَن المسيح ابن الله، هي أَنه كان يخبر عن المغيبات، وكان يأْتي بخوارق العادات، فتلك شبهة واهية؛ لَأنه لم يكن - في ذلك - بدْعًا من الرسل، فقد أجرى الله على يد غيره من الَأنبياءِ كثيرا من خوارق العادات.
والمعنى: لا أَحد يأْنف من ذلك.
(1) التحريم، من الآية:6.
(وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا):
أَي: ومن يأْنف من عبادة الله ويترفع عنها، ظنا منه أَن العار يلحقه بسبب هذه العبادة، فمَردُّهُم - وسائر الخلق - إِلى الله، حيث يلقى كل جزاءَه، ومن يستكبرْ على الخضوع له تعالى - لتوهمه أَن طاعة الله دون مقامه - فسيحشر الله العابدين والمعبودين إليه - جميعًا - يوم القيامة، حيث لا يملكون لأَنفسهم نفعا ولا ضَرًّا. والاستكبار دون الاستنكاف.
والاستكبار: طلب الكبر.
وهذا وعيد شديد، للذين يقولون على الله غير الحق.
ولما ذَكَر سبحانه: أَنه سيحشرهم إِليه جميعًا، ذكر أَولًا: ثواب المؤمنين، ثم ذكر آخرًا: عقاب المستنكفين. وقد بين ثواب المؤمنين بقوله:
173 -
({فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
…
)
الآية.
أَي: فأَما الذين حققوا في نفوسهم هذين الوصفين العظيمين: الإِيمان والعمل الصالح، فيجزيهم الله على ذلك جزاءً وافيًا ثابتا - لا شك فيه - ثبوت الأَجر للعامل، تحقيقا لوعد الله الذي لا يتخلف كما بيَّن أَن هناك زيادة يَمُنُّ الله بها عليهم من فضله.
والتعبير بلفظ الماضي (آمَنُوا وَعَمِلُوا): إِشارة إِلى أَنه لا بد من تحقق هذين الوصفين، كي ينال الموصوف بهما ما ذُكِرَ من جزاء.
وذِكْرُ الجزاءَ بلفظي المضارع (يُوَفَيِّهِمْ
…
وَيَزِيدُهُمْ): دون استعمال السين أَو سوف؛ فسيوفيهم، أَو فسوت يوفيهم - مثلا - لاستحضار صورة قريبة تستضىءُ بها أَنفسهم وتدعو العامة والخاصة إِلى الاقتداء بهم.
ثم ذكَرَ ما أَعده الله عقابا للمستنكفين والمستكبرين فقال:
(وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجدُونَ لَهُم من دُونِ اللهِ وَلِيَّا وَلَا نَصِيرًا):
وهذا حال الكافرين الذين ذكروا في مقابلة المؤْمنين.
وقد وصفهم الله بوصفين: الاستنكاف والاستكبار: بيانًا لسبب هذا الوعيد واستحقاقهم لعذاب شديد الأَلم، وأَنهم لا يجدون أَحدا غير الله يلجأُون إِليه، ولا نصيرا يعينهم على الخلاص مما هم فيه من العذاب الشديد سواه، سبحانه وتعالى.
وقدم ثواب المؤمنين على عقاب المستنكفين، لأَنهم إِذا رأَوا - أَولا - ثواب المطيعين ثم رأَوا - بعده - عقاب أَنفسهم كان ذلك أَعظم في تَحسّرهم.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ في رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)).
المفردات:
(بُرهَانٌ): البرهان؛ الحجة والمراد به هنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، لأَن مهمته إِقامة البرهان على إِحقاق الحق، وإِبطال الباطل. وقيل: المراد به؛ المعجزات، أَو القرآن.
(نُورًا): المراد به؛ القرآن الكريم؛ لأَنه ينير الطريق للسالكين.
(وَاعْتَصَمُوا بِهِ): عصموا بالإِيمان به أَنفسهم من المعاصي وحفظوها.
(في رَحْمَةٍ مِّنْهُ): المراد بالرحمة هنا؛ الجنة.
التفسير
174 -
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ
…
) الآية.
بعد أَن بين الله سبحانه، انحراف المنافقين والكافرين، واليهود والنصارى، وأَقام الحجة عليهم، وأَبطل شبهاتهم عمم الخطاب، ودعا الناس - جميعًا - إِلى الِإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واتّباع طريق الحق والهدى فقال:
(يَأَ يُّهَا النَّاسُ):
هذا نداءٌ من الله للناس - جميعًا - منذ نزول الآية إِلى يوم القيامة. وبَدْءُ الكلام به، يشعر بعظمة ما سيلقى على المخاطبين كي تتفتح له قلوبهم، وتعيَهُ عقولهم، ويتوجه إِليه اهتمامهم.
(قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ):
الظاهر من السياق، أَن المراد بالبرهان: الرسول، أَي قد أَتاكم رسول هو محمَّد صلى الله عليه وسلم مِن عند ربكم، أَي مربيكم، وهو الله الذي أنشأَكم وربَّاكم، وأَوصلكم غاية الكمال المراد لكم.
وسمِّيَ الرسول برهانًا، لأَن وظيفته، إِقامة الحجة، وإِظهار البرهان على تحقيق الحق وإِبطال الباطل.
وفي تسميته برهانا، وتنكير لفظة (بُرْهَان) وبيان أَنه أَتاهم من لدن مُربِّيهم ومتولي شئونهم إِشعارا بأَنه أَعظم برهان.
(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا):
أَي: وأَنزلنا - من أَعلى المنازل لهدايتكم ولنفعكم - القرآن المجيد؛ أَعظم الكتب التي أَنزلناها لهداية البشر، وإِخراجهم من الظلمات إِلى النور.
وسمَّاه: نورًا مبينا، إِذ هو كالنور؛ يضيء الطريق ويظهر الحق، ويهدي إِلى سبيل الخير والرشاد.
وقيل المراد بالبرهان: القرآن، عبر عنه تارةً بالبرهان؛ لأَنه حجة على صحة نبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم الذي جاءَ به لإِحقاق الحق وإِبطال الباطل، وتارة أَخرى بالنور المبين؛ لأَنه ينير طريق الهداية أَمام الناس أَجمعين.
وقد تحدثت هذه الآية الكريمة، عن نعمتين عظيمتين، تفضل الله بهما على عباده:
النعمة الأُولى: تَفضُّلُه سبحانه وتعالى بإِرسال محمَّد صلى الله عليه وسلم أَعظم نِعم الله على الناس.
والثانية: تفضلُه سبحانه، بإِنزال القرآن هدًى للمتقين.
والناس - بالنسبة لهاتين النعمتين الجليلتين - فريقان: فريق المؤمنيين. وقد بين سبحانه حالهم العظيم ومآلهم الحسن بقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ
…
) الآية.
ولم يتناول بالذكر هنا حال الكافرين - وهم الفريق الثاني: تهوينا لشأْنهم، إِذ قد أَغلقوا قلوبهم، فلم تعمر بالإِيمان، وأَغمضوا أَعينهم فلم تر النور المبين.
175 -
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ
…
) الآية.
أَي: فأَما الذين صدقوا باللهِ، في ذاته وصفاته وأَفعاله، وبما أَنزله من شرائع.
(وَاعْتَصَمُوا بِهِ):
أَي: وعَصَموا بطاعته أَنفُسَهم، من التردى في هاوية الضلال، وطلبوا منه أَن يُثَبِّتَهم على الِإيمان، ويصونَهم من نزعات الشيطان.
(فَسَيُدْخِلُهُم في رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ):
أَي: فسيدخلهم الله في أَنواع رحمات كثيرة، لمن يرحمهم الله بها في الدنيا بتمكينهم في الأرض، وإِظهار شأُنهم على أَعدائهم، وفي الآخرة بالجنة.
(وَفَضْلِ): والفضل؛ هو ما يتفضل به سبحانه عليهم من علو القدر في الدنيا، وفي الجنة من النعيم الزائد عما جُوزوا به؛ مما لا عين رأَت ولا أُذن سمعت.
(وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مًّسْتَقِيمًا):
أَي: ويهديهم ربهم طريقا مستقيما، هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ..
قال ابن كثير: "وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة. فهي - في الدنيا - على منهاج استقامته وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات. وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إِلى روضات الجنات".
المفردات:
(يَسْتَفْتُونَكَ): الاستفتاءُ؛ طلب الفُتْيا، والفُتْيا والفتوى: اسم من أفتى العالِم إِذا بين الحكم.
(الْكَلَالَةِ): الذي لا ولد له ولا والد. وقيل الكلَالة: مصدر من تكلله النسب أَي تطرفه. كأَنه أَخذ طرفيه من جهة الوالد والولد: فليس له منهما أَحد، فسمى بالمصدر. ومن هنا أُطلقت على الميت الذي لم يترك والدا ولا ولدا "مِنْ كَلَّ" إِذا ضعف. وهذا قول علي وابن مسعود. وقال سعيد بن جبير: هي الوارث الذي ليس ولدًا ولا والدا، لأَن هؤلاءِ الوارثين يتكللون الميت من جوانبه، وليس في عمود نسبه. كالإِكليل يحيط بالرأْس، ووسَطُ الرأْس خال منه.
التفسير
176 -
(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ .... ) الآية.
الربط:
تتصل هذه الآية بالآية التي قبلها، فإِن بها بيانَ ما يتعلق ببعض أَحكام الميراث، من الهداية إِلى صراط مستقيم.
ولم تُذكر هذه الآية عقب آيات المواريث المذكورة في أَوائل السورة، لأَنها لم تنزل معها في وقت واحد.
فقد روى الشيخان، عن البراءِ: أَنها آخر آية نزلت من الفرائض.
وخُتمت السورة بهذه الآية: كما بُدئت بذكر سائر الحقوق المالية؛ ليعلم المسلم: أَن القرآن الكريم يهتم ببيان حقوق الناس، كما يهتم بتوضيح حقوق الله.
روى الترمذي عن جابر بن عبد الله، يقول:"مرضتُ فأَتاني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعودني قد فوجدني قد أَغمى عَليّ، فأَتى ومعه أَبو بكر وعمر، وهما ماشيان، فتوضأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فصب عليّ من وضوئه، "فأَفَقْتُ. فقلت: يا رسولَ الله، كيف أَقضي في مالي؟ أَو كيف أَصنع في مالي؟ فلم يجبني شيئًا - وكان له تسع أَخوات - حتى نزلت آية المواريث (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ):
قال جابر: فِيَّ نزلت".
قال أَبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
(يَسْتَفْتُونَكَ):
أَي: يطلب الصحابة منك، أَن تبين لهم الحكم في ميراث الميت الذي لم يترك ولدا ولا والدا.
أَو أَن المستفتي جابر وحده - كما جاءَ في سبب النزول - ونسب إِليهم؛ لَأن الحكم يعمهم جميعًا - ومن بعدهم - إِلى يوم القيامة. وحذف المستفتى فيه وهو ميراث الكلالة، كما بين لدلالة فتوى الله عليه في قوله:
(قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ):
أَي: قل لهم يا محمَّد: الله يبين لكم حكم ميراث الكلَالة، فيما أَنزله علىّ جوابا عن استفتائكم على النحو التالي:
(إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ):
أَي: إِن مات شخص، ولا ولد له ولا والد، وله أُخت شقيقة، أَو لَأب - عند عدم الشقيقة - فلها نصف ما ترك.
وأَما الإِخوة لأُم، فقد سبق بيان ميراثهم، في قوله تعالى:(وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ في الثُّلُثِ)(1).
(وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ):
وهو أَي: والأَخ إِذ لم يكن لها ولد - ذكر أَو أُنثى - ويأْخذ الباقي إِن لم يكن لها ولد ذكر.
(فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ):
أَي: فإِن كانتا أَي الأُختان اثنتين فلهما الثلثان مما ترك أَخوهما المتوفى، فإِن زادت الأَخوات عن اثنتين، فلهن الثلثان أَيضا مما ترك الأَخ المتوفى أَو الأُخت، بدليل القصة التي نزلت فيها الآية، فقد كان لجابر بن عبد الله رضي الله عنه تسعُ أَخواتٍ في رواية الترمذي، وقياسا على ميراث البنات.
(وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ):
أي: وإِن كان الورثة إِخوة - رجالا ونساءً - فللذكر منهم مثل نصيب الأُنثيين.
(يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا):
أَي: يوضح الله لكم شرائع دينكم، ويفصلها، كراهة أَن تضلوا عن الطريق السوي. فتمنعوا مستحقا، وتعطوا غير مستحق.
والآية صريحة في أَن من تعدَّى حدودَ الله في أَحكامِ الميراث، فقد ضل طريق الحق، وأَخطأَ سبيل الرشاد.
(وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ):
أَي: والله الذي بَيَّن تلك الفرائض لعباده، وشرعها لهم، قد أَحاط بكل شىءٍ علمًا، فعلمهِ تام بما يُصِلح المجتمعَ الإِسلامي، من الشرائع والأَحكام.
روى الشيخان عن البراءِ: أَنها آخر آية نزلت في الفرائض (2).
(1) النساء، من الآية: 12
(2)
صحيح البخاري. كتاب التفسير. سورة النساء.