المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثانيالعنف في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنهوموقف الصحابة رضي الله عنهم منه - موقف الصحابة من أحداث العنف في عهد الخلفاء الراشدين

[حصة بنت عبد الكريم]

الفصل: ‌الفصل الثانيالعنف في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنهوموقف الصحابة رضي الله عنهم منه

‌الفصل الثاني

العنف في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وموقف الصحابة رضي الله عنهم منه

تميز عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه والذي استمر ما يقارب أحد عشر عامًا بالتوسع في الفتوحات وزيادة رقعة الدولة الإسلامية، كما تميز عهده بالحزم والعدل والشدة مع أهل الباطل والضلال حتى كانت خلافته سدًا منيعًا أمام الفتن، بل إن عمر نفسه رضي الله عنه كان بابًا مغلقًا لا يقدر أصحاب الفتن على الدخول منه إلى المسلمين في حياته ولا تقدر الفتن أن تطل برأسها في عهده (1) .

(1) انظر: أفضل الخطاب في سيرة ابن الخطاب أمير المؤمنين، شخصيته وأصله، ص 620.

ص: 19

فقد ورد في صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتنة فقلت: أنا أحفظه كما قال! قال: هات، لله أبوك إنك لجريء. قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» قال عمر: ليس هذا ما أريد. إنما أريد الفتن التي تموج كموج البحر قلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: فيكسر الباب أو يفتح؟ قلت: لا بل يكسر!! قال: ذاك أحرى ألا يغلق أبدًا حتى قيام الساعة. قال أبو وائل الراوي عن حذيفة:هل كان عمر رضي الله عنه يعلم من الباب؟ قال حذيفة: نعم. كما كان يعلم أن دون غد الليلة! إني حدثته ليس بالأغاليط. قال أبو وائل: فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سل حذيفة من الباب؟ فقال مسروق لحذيفة: من الباب؟ قال حذيفة: هو عمر (1) .

(1) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر 8 / 123 رقمه (796) .

ص: 20

فالباب المنيع الذي يمنع الفتن كما يؤكد هذا الحديث هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنها تكسر كسرًا بعد استشهاده رضي الله عنه. وكان عمر يعلم من إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سيلقى الله شهيدًا، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:«صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جبل أُحد، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف الجبل بهم، فضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله، وقال له: اثبت أُحد: فإنما عليك نبي، وصديق وشهيدان» (1) .

وإذا نظرنا إلى قصة استشهاد عمر رضي الله عنه التي وردت مفصلة في صحيح البخاري نتبين أنها كانت بداية لدخول الفتن إلى أمة الإسلام. يقول عمر بن ميمون: إن عمر بن الخطاب حينما كبَّر للصلاة جاءه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فطعنه طعنة في كتفه وأخرى في خاصرته، فقال عمر: قتلني أو أكلني الكلب، وتناول عمر رضي الله عنه يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه للصلاة بالناس، وبعد الصلاة سأل عمر رضي الله عنه ابن عباس رضي الله عنهما عن الذي قتله فقيل: غلام المغيرة. فقال عمر رضي الله عنه: "الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدَّعي الإسلام (2) .

(1) صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب فضل أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم، 4 / 237رقمه (3675) .

(2)

انظر: الحديث مفصلًا في صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة، باب قصة البيعة، 4 / 245 رقمه (3700) .

ص: 21

ولقد كان للصحابة - رضوان الله عليهم - موقف واحد وهو التألم مما حدث خوفًا على وحدة الإسلام، وخشية من تنامي الصراعات ودخول المنافقين والمناوئين للإسلام للنيل منه في هذه المرحلة العصيبة من تكوين الأمة الإسلامية. ولهذا كان موقف الصحابة واحدًا وهو الاستنكار والسعي إلى المحافظة على وحدة الأمة، وتوحيد الآراء حتى لا تغتال أمة الإسلام من مناوئيها.

ومن أقوال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كان إسلام عمر فتحًا وكانت هجرته نصرًا، وكانت إمارته رحمة (1) .

(1) المعجم الكبير، 9 / 178.

ص: 22

ويصف علي بن أبي طالب رضي الله عنه الأيام الأخيرة في حياة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد طعن أبي لؤلؤة المجوسي له فيقول مثنيًا له ومستنكرًا بألم ما حدث له مما يرويه ابن عباس رضي الله عنهما قال: إني لواقف في قومٍ فدعوا الله لعمر بن الخطاب - وقد وضع على سريرِه - إذا رجُلٌ من خلفي قد وضع مرفقهُ على منكبي يقول: رحمك الله، إن كنت لأرجو أَن يجعلك الله مع صاحبيك، لأَني كثيرًا ماكنتُ أَسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" كنتُ وأبو بكر وعمرُ، وفعلتُ وأبو بكر وعمرُ، وانطلقتُ وأبو بكرٍ وعمر فإن كنتُ لأرجو أن يجعلَكَ الله معهما. فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب ". (1) .

ومما قاله أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قبل مقتل عمر: إن مات عمر رق الإسلام، ما أحب أن لي ما تطلع عليه الشمس أو تغرب وأن أبقى بعد عمر، فقيل له: لم؟ قال: سترون ما أقول إن بقيتم، وأما هو فإن ولي وال بعد فأخذهم بما كان عمر يأخذهم به لم يطع له الناس بذلك ولم يحملوه، وإن ضعف عنهم قتلوه (2) .

(1) البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب فضل أَبي بكر بعدَ النبي صلى الله عليه وسلم، 4 / 238 رقمه (3482) .

(2)

الطبقات الكبرى، 3 / 284، انظر: العشرة المبشرون بالجنة، 44.

ص: 23

وأما سعيد بن زيد بن نفيل رضي الله عنه فقد روي أنه بكى عند موت عمر فقيل له: ما يُبكيك؟ فقال: على الإسلام، إن موت عمر ثَلَم الإسلام ثلمة لا ترتق إلى يوم القيامة (1) .

ومن مواقف الصحابة أيضًا ما قاله أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه بعد مقتل عمر: والله ما من أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم في موت عمر نقص في دينهم وفي دنياهم (2) .

وكذلك ما روي عن حذيفة بن اليمان أنه قال: إنما كان مثل الإسلام أيام عمر مثل مقبل لم يزل في إقبال، فلما قتل أدبر فلم يزل في إدبار (3) .

(1) الطبقات الكبرى، 3 / 372، أنساب الأشراف الشيخان، ص 387.

(2)

الطبقات الكبرى، 3 / 374.

(3)

المرجع السابق، 3 / 374، إسناده صحيح.

ص: 24