الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمِائَة الثَّانِيَة
7 -
أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ ابْن عبد الله بن الْعَبَّاس
دخل إفريقية فِي أَيَّام بني أُميَّة وَهُوَ إِذْ ذَاك سوقة فِرَارًا مِنْهُم وملكها فِي خِلَافَته بعد أَخِيه أبي الْعَبَّاس السفاح وخلع فِيهَا وقتا ثمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ وولاها الْأَغْلَب بن سَالم التَّمِيمِي جد الأغالبة المتداولين ملكهَا إِلَى أَن غلبهم عَلَيْهَا عبيد الله الشيعي فأنقرضوا بِهِ
وَكَانَ يُقَال لأبي جَعْفَر فِي صغره مِقْلَاص لقب بذلك تَشْبِيها بالمقلاص من الْإِبِل وَهِي النَّاقة الَّتِي تسمن فِي الصَّيف وتهزل فِي الشتَاء وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو جَعْفَر حكى ذَلِك أَبُو الْوَلِيد الوقشي قَالَ وَهُوَ مقلوب الْعَادة وَلَيْسَ فِي خلفاء بني الْعَبَّاس أعلم من أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَعبد الله الْمَأْمُون ثمَّ بعدهمَا الرشيد والواثق وَمن متأخريهم المسترشد بن المستظهر وأشعرهم أَبُو الْعَبَّاس الراضي بن المقتدر
وَأَبُو جَعْفَر مَعْدُود فِي الكملة من الْمُلُوك وَكَانَ يفرط فِي دَعْوَاهُ الِاطِّلَاع ويقرط بتقريظ نَفسه الأسماع فَمن قَوْله فِي بعض خطبه الْمُلُوك أَرْبَعَة مُعَاوِيَة وَكَفاهُ زياده وَعبد الْملك وَكَفاهُ حجاجه وَهِشَام وَكَفاهُ موَالِيه وَأَنا وَلَا كافى لي وَلما عزم على الفتك بِأبي مُسلم صَاحب دولتهم والقائم بدعوتهم وَقد حذر من عَاقِبَة ذَلِك كتب إِلَيْهِ عِيسَى بن مُوسَى بن على ابْن عبد الله بن الْعَبَّاس مُشِيرا عَلَيْهِ بالأناة وَكَانَ قد شاوره فِيهِ
(إِذا كنت ذَا رَأْي فَكُن ذَا تدثر
…
فَإِن فَسَاد الرَّأْي أَن يتعجلا)
فَقَالَ الْمَنْصُور يجِيبه
(إِذا كنت ذَا رَأْي فَكُن ذَا عَزِيمَة
…
فَإِن فَسَاد الرَّأْي أَن يترددا)
(وَلَا تهمل الْأَعْدَاء يَوْمًا بقدرة
…
وبادرهم أَن يملكُوا مثلهَا غَدا)
وَينظر إِلَى هَذَا قَول عبد الله بن المعتز
(وَإِن فرْصَة أمكنت فِي العدا
…
فَلَا تبد فعلك إِلَّا بهَا)
(فَإِن لم تلج بَابهَا مسرعا
…
أَتَاك عَدوك من بَابهَا)
(وَإِيَّاك من نَدم بعْدهَا
…
وتأميل أُخْرَى وَأَنِّي بهَا)
وَقَالَ الْمَنْصُور
(تقسمني أَمْرَانِ لم أفتتحهما
…
بحزم وَلم تعرك قواى الْكَرَاكِر)
(وَمَا ساور الأحشاء مثل دفينة
…
من الْهم ردتها عَلَيْك المصادر)
(وَقد علمت أَبنَاء عدنان أنني
…
لَدَى مَا عرا مقدامة متجاسر)
وَقَالَ أَيْضا يُخَاطب مُحَمَّدًا وَإِبْرَاهِيم ابْني عبد الله بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب رضى الله عَنْهُم حِين خرجا عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَة
(بنى عمنَا لَا نصر عنْدكُمْ لنا
…
وَلَكِنَّكُمْ فِينَا سيوف قواطع)
(فلولا دفاعي عَنْكُم إِذْ عجزتم
…
وَبِاللَّهِ أحمى عَنْكُم وأدافع)
(لكنتم ذنابى آل مَرْوَان مِثْلَمَا
…
عهدناكم وَالله معط ومانع)
8 -
عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان
الدَّاخِل إِلَى الأندلس وَيُقَال لَهُ صقر قُرَيْش سَمَّاهُ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور بذلك وكنيته أَبُو الْمطرف وَهُوَ الْأَشْهر فِي كنيته وَقيل أَبُو زيد وَقيل أَبُو سُلَيْمَان
هرب فِي أول دولة بنى الْعَبَّاس إِلَى الْمغرب وَتردد بنواحي إفريقية وَأقَام دهر فِي أَخْوَاله نفزة من قبائل البربر وَكَانَت أمه مِنْهُم رَاح ثمَّ لحق بالأندلس فِي غرَّة شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَهزمَ أميرها يُوسُف ابْن عبد الرَّحْمَن الفِهري فِي يَوْم الْخَمِيس لتسْع خلون من ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة وأستوسقت لَهُ الْخلَافَة ليَوْم آخر يَوْم الْجُمُعَة يَوْم الْأَضْحَى وَهُوَ ابْن سِتّ وَعشْرين سنة
ودعا لنَفسِهِ عِنْد استغلاظ أمره وأستيلائه على دَار الْإِمَارَة قرطبة وَيُقَال إِنَّه أَقَامَ أشهراً دون السّنة يَدْعُو لأبي جَعْفَر الْمَنْصُور متقيلا فِي ذَلِك يُوسُف
الفِهري الْوَالِي قبله إِلَى أَن أفرد نَفسه بِالدُّعَاءِ وَيُقَال إِن عبد الْملك بن عمر ابْن مَرْوَان بن الحكم أَشَارَ عَلَيْهِ بذلك عِنْد خلوصه إِلَيْهِ فَقبله إِلَّا أَنه لم يعد أسم الْإِمَارَة وسلك الْأُمَرَاء من وَلَده سنته فِي ذَلِك إِلَى أَبى عهد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد النَّاصِر لدين الله فَهُوَ الَّذِي تسمى بالخلافة بعد سِنِين من سُلْطَانه ودعى بأمير الْمُؤمنِينَ لما أستفحل أمره وأستبان لَهُ ضعف ولد الْعَبَّاس وأنتثار سلطانهم بالمشرق وَذَلِكَ فِي آخر خلَافَة المقتدر بِاللَّه جَعْفَر بن أَحْمد المعتضد مِنْهُم ذكر ذَلِك أَبُو مَرْوَان حَيَّان بن خلف بن حَيَّان صَاحب تَارِيخ الأندلس
وَمن شعر عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة يتشوق معاهده بِالشَّام أنْشدهُ الْحميدِي فِي تَارِيخه
(أَيهَا الرَّاكِب الميمم أرضي
…
أقرّ من بَعْضِي السَّلَام لبَعض)
(إِن جسمي كَمَا علمت بِأَرْض
…
وفؤادي ومالكيه بِأَرْض)
(قدر الْبَين بَيْننَا فأفترقنا
…
وطوى الْبَين عَن جفوني غمضي)
(قد قضى الله بالفراق علينا
…
فَعَسَى بإجتماعنا سَوف يقْضى)
وَقَالَ أَيْضا فِي حَيْوَة بن ملامس الْحَضْرَمِيّ من جند حمص النازلين إشبيلية وَكَانَت لَهُ مِنْهُ منزلَة لَطِيفَة فِي أول ملكه
(فَلَا خير فِي الدنياا وَلَا فِي نعيمها
…
إِذا غَابَ عَنْهَا حَيْوَة بن ملامس)
(أَخُو السَّيْف قارى الضَّيْف حقايراهما
…
عَلَيْهِ ونافى الضيم عَن كل بائس)
وَحكى عِيسَى بن أَحْمد الرَّازِيّ أَن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة أول نُزُوله منية الرصافة بقرطبة وأتخاذه لَهَا نظر إِلَى نَخْلَة مُفْردَة فهاجت شجنه وتذكر بلد الْمشرق فَقَالَ بديهاً
(تبدت لنا وسط الرصافة نَخْلَة
…
تناءت بِأَرْض الغرب عَن بلد النّخل)
(فَقلت شبيهي فِي التغرب والنوى
…
وَطول التنائي عَن بني وَعَن أَهلِي)
(نشأت بِأَرْض أَنْت فِيهَا غَرِيبَة
…
فمثلك فِي الإقصاء والمنتأى مثلي)
(سقتك غوادي المزن من صوبها الَّذِي
…
يسح ويستمري السماكين بالوبل)
وَقَالَ أَيْضا فِيهَا
(يَا نخل أَنْت غَرِيبَة مثلي
…
فِي الغرب نائية عَن الأَصْل)
(فأبكى وَهل تبْكي مكبسة
…
عجماء لم تطبع على خبل)
(لَو أَنَّهَا تبكى إِذا لبكت
…
مَاء الْفُرَات ومنبت النّخل)
(لَكِنَّهَا ذهلت وأذهلني
…
بغضي بني الْعَبَّاس عَن أَهلِي)
وَقد قيل إِن الأبيات الْأَرْبَعَة الأول لعبد الْملك بن بشر بن عبد الْملك بن بشر بن مَرْوَان بن الحكم قَالَهَا عِنْد دُخُوله الأندلس فِرَارًا من بني الْعَبَّاس فِي صدر أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَقيل فِي الأبيات الْأَخِيرَة إِنَّهَا لعبد الْملك
ابْن عمر بن مَرْوَان بن الحكم وَقد اجتاز فِي قَصده قرطبة حَضْرَة الْأَمِير عبد الرحمن بن مُعَاوِيَة على مَا حكى الْحَافِظ بِمَدِينَة إشبيلية فَرَأى فِي مَوضِع مِنْهَا يعرف ب النخيل إِلَى الْيَوْم نَخْلَة مُفْردَة فلحقته رقة عِنْد النّظر إِلَيْهَا وَقَالَ بديهاً الأبيات الْمَذْكُورَة
وَمِمَّا يرد هَذَا القَوْل ويقوى نسبتها أَعنِي الأبيات الْأَخِيرَة لعبد الرَّحْمَن ابْن مُعَاوِيَة مَا حكى الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم خلف بن عبد الْملك بن بشكوال فِي تَارِيخه وقرأته على القَاضِي أبي الْخطاب أَحْمد بن مُحَمَّد بن وَاجِب الْقَيْسِي بِمَدِينَة بلنسية عَنهُ قِرَاءَة عَلَيْهِ بِحَضْرَة قرطبة قَالَ قَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُوسَى بن فتح يعرف بِابْن الْغُرَاب دخلت يَوْمًا على أبي عُثْمَان بن الْقَزاز وَهُوَ يعلق فَقلت لَهُ رَأَيْت السَّاعَة فِي تَوَجُّهِي إِلَيْك القَاضِي والوزراء والحكام والعدول قد نهضوا بِجَمْعِهِمْ إِلَى حِيَازَة الْجنَّة الْمَعْرُوفَة ب ربنالش وَهبهَا هِشَام للمظفر بن أبي عَامر قَالَ فَقَالَ لي ابْن الْقَزاز إِن هشاماً لضعيف هَذِه الْجنَّة الْمَذْكُورَة
هِيَ أول أصل أتخذه عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَكَانَ فِيهَا نَخْلَة أدركتها بسنى وَمِنْهَا توالدت كل نَخْلَة بالأندلس قَالَ وَفِي ذَلِك يَقُول عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَقد تنزه إليهاا فَرَأى تِلْكَ النَّخْلَة فحن يَا نخل أَنْت غَرِيبَة مثلي وَذكر الأبيات إِلَى آخرهَا
وَحكى أَبُو عمر أَحْمد بن مُحَمَّد بن فرج صَاحب كتاب الحدائق الْمُؤلف للْحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه من أشعار الأندلسيين قَالَ بَلغنِي أَن بعض الْوُفُود من قُرَيْش كتب إِلَى الإِمَام عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة رحمه الله يستعظم حَقه عَلَيْهِ بالرحم ويستقل حَظه مِنْهُ بالمسطمع فَوَقع فِي ظهر كِتَابه
(شتان من قَامَ ذَا أمتعاض
…
منتضى الشفرتين نصلا)
(فجاب قفراً وشق بحرا
…
مساميا لجة ومحلا)
(فشادمجدا وبز ملكا
…
ومنبراً للخطاب فصلا)
(وجند الْجند حِين أودى
…
ومصر الْمصر حِين أخلى)
(ثمَّ دَعَا أَهله جَمِيعًا
…
حَيْثُ أنتأوا أَن هَلُمَّ أَهلا)
(فجَاء هَذَا طريد جوع
…
شريد سيف أياد قتلا)
(فنال أمنا ونال شبعاً
…
وَحَازَ مَالا وَضم شملا)
(ألم يكن حق ذَا على ذَا
…
أعظم من منعم وَمولى)
وَبَعض هَذَا الشّعْر عَن ابْن حَيَّان وأوله عِنْده
(شتان من قَامَ ذَا امتعاض
…
فشال مَا قل وأضمحلا)
(وَمن غَدا مُصْلِتًا لعزم
…
مُجَردا للعداة نصلا)
فجاب قفراً الْبَيْت
وَبعده
(فبز ملكا وشاد عزا
…
)
إِلَّا أَن ابْن حَيَّان ذكر عَن مُعَاوِيَة بن هِشَام الشبينسي أَن جلساء عبد الرَّحْمَن القادمين عَلَيْهِ من فل أَهله بِالشَّام حدثوه يَوْمًا مَا كَانَ من
الْغمر بن يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان ابْن عَمه أَيَّام محنتهم وَكَلَامه للْعَبَّاس الساطى بهم وَنسب ذَلِك إِلَى عبد الله بن عَليّ وَفِي الأوراق للصولى أَن السفاح عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ تولى قتل الْغمر وَقد فَخر فِي مَجْلِسه بمناقب قومه وَكثر الْقَوْم فِي وصف ذَلِك وعجوا بِهِ فَكَأَن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن أحتقر ذَلِك فِي جنب مَا كَانَ مِنْهُ هُوَ فِي الذّهاب بِنَفسِهِ لأقتطاع قِطْعَة من مملكة الْإِسْلَام عَن عدوه وَقَامَ من مَجْلِسه فصاغ هَذِه الأبيات بديهة
قَالَ ابْن الْفرج وَأَتَاهُ فِي بعض غَزَوَاته آتٍ مِمَّن كَانَ يعرف كلفه بالصيد فَأخْبرهُ عَن غرانيق وَاقعَة فِي جَانب من مُضْطَرب الْعَسْكَر وحركه إِلَى اصطيادها فَقَالَ
(دَعْنِي وصيد وَقع الغرانق
…
فَإِن همي فِي أصطياد المارق)
(فِي نفق إِن كَانَ أَو فِي حالق
…
إِذا التظت لوافح الضوائق)
(كَانَ لفاعي ظلّ بند خافق
…
غنيت عَن روض وَقصر شَاهِق)
(بالقفر والإيطان بالسرادق
…
فَقل لمن نَام على النمارق)
(إِن الْعلَا شدت بهم طَارق
…
فأركب إِلَيْهَا ثبج المضائق)
(أَولا فَأَنت أرذل الْخَلَائق
…
9 -
ابْنه هِشَام بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة
ولى الْخلَافَة بالأندلس بعد أَبِيه يَوْم الْأَحَد غرَّة جُمَادَى الأولى من سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَكَانَت وَفَاة أَبِيه وَهُوَ بماردة يَوْم الثُّلَاثَاء لست بَقينَ من ربيع الآخر وبقرطبة ولد لَهُ هِشَام هَذَا لأَرْبَع خلون من شَوَّال سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَيعرف ب الرِّضَا لعدله وفضله ويكنى أَبَا الْوَلِيد وأستوزره أَبوهُ عبد الرَّحْمَن وأخاه كبيره سُلَيْمَان الْمَوْلُود بِالشَّام تنويهاً بحالهما وَأَخذهمَا بالركوب إِلَى الْقصر ومشاهدة مجَالِس مشورته وَكَانَا يركبان متداولين ومتناوبين لَا يَجْتَمِعَانِ فَإِذا كَانَ يَوْم هِشَام تأهب حاضرو الْمجْلس من كبار أهل المملكة [] والإفاضة فِي الحَدِيث إِلَى إنشاد شعر أَو ضرب مثل أَو ذكر يَوْم من أَيَّام الْعَرَب أَو ذكر حَرْب أَو أجتلاب حِيلَة أَو حِكَايَة تَدْبِير أَو إحماد سيرة وَإِذا كَانَ يَوْم سُلَيْمَان خلا من ذَلِك كُله وانبسط الْحَاضِرُونَ فِي غث الْأَحَادِيث وَأخذُوا فِي الدعابة
ويروى أَن رجلا يعرف بالهوارى دخل على هِشَام فِي حَيَاة أَبِيه عبد الرَّحْمَن ابْن مُعَاوِيَة وَهُوَ مرشح للخلافة فَقَالَ لَهُ إِن فلَانا مَاتَ عَن ضَيْعَة تعود بِكَذَا وَكَذَا من الْغلَّة وَأَنَّهَا تبَاع فِي دين أَو عَن وَصِيَّة وَهِي ناعمة مثمرة وطيبة الأَرْض مخصبة وحضه على اشترائها فَقَالَ لَهُ أَنا أُرِيد أمرا إِن بلغته
غنيت عَنْهَا وَإِن قطع بِي دونه خسرتها ولأصطناع رجل أحب إِلَيّ من أكتساب ضَيْعَة فَقَالَ لَهُ الهوارى فأصطنعني بهَا تَجِد أكْرم مصطنع فَأمر بأبتياعها فَأَشَارَ بعض من حضر إِلَى أَن الأستعداد بِالْمَالِ أعون على دَرك الآمال فَأَطْرَقَ عَنهُ ثمَّ قَالَ
(الْبَذْل لَا الْجمع فطْرَة الْكَرم
…
فَلَا ترد بِي مالم ترد شيمي)
(مَا أَنا من ضَيْعَة وَإِن نعمت
…
حسبي أصطناع الْأَحْرَار بِالنعَم)
(ملك الورى والعباد قاطبة
…
لاملك بعض الضّيَاع من هممي)
(تفيض كفى فِي السّلم بَحر ندى
…
وَفِي سِجَال الحروب بَحر دم)
(تزل عَن راحتي البدور وَمَا
…
تمسك غير الحسام والقلم)
لم أجد لهَذَا الْملك الأمجد مَعَ نشدان ضَالَّة كَلَامه غير هَذَا المنشد وَإِن كَانَ قَلِيلا فَكفى دَلِيلا على سرف الحباء وَشرف الحوباء حَتَّى كَأَن أعشى هَمدَان سمع بِطُولِهِ فأعتمده بقوله
(رَأَيْتُك أمس خير بني لؤَي
…
وَأَنت الْيَوْم خير مِنْك أمس)
(وَأَنت غَدا تزيد الْخَيْر ضعفا
…
كَذَاك تزيد سادة عبد شمس)
10 -
ابْنه الحكم بن هِشَام الْمَعْرُوف بالربضى أَبُو العاصى
ولي بعد أَبِيه يَوْم الْجُمُعَة لأَرْبَع عشرَة خلت من صفر سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة وَكَانَ شجاعاً باسلاً أديباً مفتناً خَطِيبًا مفوهاً وشاعراً مجوداً تحذر صولاته وتستندر أبياته
وَهُوَ الَّذِي أوقع بِأَهْل الربض فنسب إِلَيْهِ وَأمر بهدمه وتعطيله وصير ذَلِك وَصِيَّة فِيمَن خَلفه وعهداً على بنيه مَا كَانَ لَهُم سُلْطَان بالأندلس فَلم يعمر وَلَا أختطت فِيهِ دَار إِلَى آخر دولتهم ثمَّ بعْدهَا إِلَى أَن ملك الرّوم قرطبة يَوْم الْأَحَد الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَأقَام على ذَلِك نَحوا من أَرْبَعمِائَة سنة وَثَلَاثِينَ سنة وَلَا أعلمهُ إِلَّا كَذَلِك إِلَى الْيَوْم
وَكَانَت وقْعَة الربض الشنعاء يَوْم الْأَرْبَعَاء النحسة لثلاث عشرَة خلت من شهر رَمَضَان سنة أثنتين وَمِائَتَيْنِ فِي آخر خلَافَة الحكم وَيَوْم الْخَمِيس بعده أَمر بهدم الربض القبلي الَّذِي مِنْهُ نشأت الْفِتْنَة فأعيد بطحاء مزرعة بعد أَن قتل من أَهله مقتلة عَظِيمَة وَأسر خلقا جماً صلب مِنْهُم نَحْو ثلثمِائة صفوا من إزاء بَاب القنطرة إِلَى آخر المصادة مَعَ ضفة النَّهر لم ير فِيمَا سلف ممثلون أَكثر مِنْهُم عددا وَلَا أهول منْظرًا وَتَمَادَى الْقَتْل والنهب لمنازلهم والتتبع لمستخفيهم ثَلَاثَة أَيَّام لم تقل لمن عثر عَلَيْهِ مِنْهُم عَثْرَة وَجَرت عَلَيْهِم خلالها محن لَا تضبطها الصّفة وكف الحكم عَن الْحرم ووصى بِهن فأجمل فِي ذَلِك مَا شَاءَ
وَلما انْقَضتْ الْأَيَّام الثَّلَاثَة أَمر بِرَفْع الْقَتْل وتأمين الفل على أَن يخرجُوا من حَضرته قرطبة فَسَارُوا عَن أوطانهم كل بِحَسب مَا أمكنه وأستمروا ظاعنين على الصعب والذلول فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لعشر بَقينَ من شهر رَمَضَان المؤرخ مُتَفَرّقين فِي قصى الكور وأطراف الثغور وَلحق جمهورهم بطليطلة لمُخَالفَة أَهلهَا الحكم ولجأ آخَرُونَ إِلَى سواحل بِلَاد البربر وأصعدت مِنْهُم طَائِفَة عَظِيمَة نَحْو الْخَمْسَة عشر ألفا فِي الْبَحْر نَحْو الْمشرق حَتَّى أنتهوا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَذَلِكَ فِي أول ولَايَة عبد الله الْمَأْمُون بن الرشيد فعازهم أَهلهَا وذهبوا إِلَى إذلالهم فَأَبَوا الضيم وثاروا بهم فغلبوهم وبذلوا السَّيْف فيهم وَقتلُوا كثيرا مِنْهُم وسطوا بهم سطوة مُنكرَة وملكوا الْإسْكَنْدَريَّة مديدة إِلَى أَن ورد عبد الله بن طَاهِر أَمِيرا على مصر من قبل الْمَأْمُون فَصَالحهُمْ على التخلى عَنْهَا على مَال بذله لَهُم وَخَيرهمْ فِي النُّزُول بِحَيْثُ شَاءُوا من جزائر الْبَحْر فأختاروا جَزِيرَة إقريطش من الْبَحْر الرومى وَكَانَت يَوْمئِذٍ خَالِيَة من الرّوم فأحتملوا إِلَيْهَا بفتنتهم ونزلوها فأعتمروها وجاءهم النَّاس من كل مَكَان فأوطنوها مَعَهم
وَحكى ابْن حَيَّان عَن أبي بكر بن الْقُوطِيَّة وَغَيره أَن الحكم غرب فِي بأساء حربه هَذِه عِنْدَمَا حمى وطيسها وأعضل خطبهَا بنادرة من نَوَادِر الصَّبْر والتوطين على الْمَوْت مَا سمع لأحد من الْمُلُوك مثلهَا وَذَلِكَ أَنه فِي مقَامه بالسطح وَعند بَصَره بأشتداد الْحَرْب وجثوم الكرب وسماعه قعقعة السِّلَاح وأنتماء الْأَبْطَال دَعَا بقارورة غَالِيَة لتدني مِنْهُ فتوانى بهَا عَنهُ
خادمه الْمُسَمّى يزنت ظنا مِنْهُ أَنه لهج فِي مَنْطِقه فصاح بِهِ وزجره وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فَكَأَن الْخَادِم شكّ فِي طلبته واتهم سَمعه فتوقف عَن المضى لأَمره فصاح بِهِ الحكم أَنطلق يَا ابْن اللخناء فَعجل فَجَاءَهُ بالقارورة فأفرغها على رَأسه ولحيته وَلم يملك الْخَادِم نَفسه أَن قَالَ لَهُ وأية سَاعَة طيب هَذِه يَا مولَايَ فتستعمله وَقد ترى مَا نَحن فِيهِ فَقَالَ لَهُ أسكت لَا أم لَك من أَيْن يعرف قَاتل الحكم رَأسه من رَأس غَيره إِذا هُوَ مذه إِن لم يفرق الطّيب بَينهمَا ثمَّ أستلأم للحرب وَأمر بتفريق السِّلَاح وَالْخَيْل على أجناده وأنهضهم لقِتَال من جاش بِهِ بعد أَن كتبهمْ كتائب قَود عَلَيْهَا كبارًا من قواده وَأهل بَيته فأنهزمت الْعَامَّة بعد قتال شَدِيد وَلم تكن لأحد مِنْهُم كرة وَكَانُوا كالدبا كَثْرَة
قَالَ وَلم ينل الحكم بعد وقيعة الربض حلاوة الْعَيْش وأمتحن بعلة صعبة طاولته أَرْبَعَة أَعْوَام قلت غربه وأطالت ضناه وأحتجب فِيهَا آخر مدَّته وأستناب وَلَده عبد الرَّحْمَن فِي تَدْبِير ملكه فَمَاتَ على تَوْبَة من ذنُوبه وَنَدم على
مَا اقْتَرَف مِنْهَا بَين صَلَاتي الظّهْر وَالْعصر من يَوْم الْخَمِيس لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ
وَمن شعره فِي ذَلِك يعْذر نَفسه بالدفاع عَن ملكه والحماية لسلطانه وَهُوَ من أحسن شعر قيل فِي مَعْنَاهُ
(رأبت صدوع الأَرْض بِالسَّيْفِ راقعاً
…
وقدماً لأمت الشّعب مذ كنت يافعاً)
(فسائل ثغوري هَل بهَا الْيَوْم ثغرة
…
أبادرها مستنضى السَّيْف دارعا)
(وشافه على الأَرْض الفضاء جماجماً
…
كأقحاف شريان الهبيد لوامعا)
(تنبئك أَنِّي لم أكن فِي قراعهم
…
بوان وقدماً كنت بِالسَّيْفِ قارعا)
(وَإِنِّي إِذا حادوا حذاراً عَن الردى
…
فلست أَخا حيد عَن الْمَوْت جازعا)
(حميت ذماري فاتهكت ذمارهم
…
وَمن لَا يحامى ظلّ خزيان ضارعا)
(وَلما تسقينا سِجَال حروبنا
…
سقيتهم سجلاً من الْمَوْت ناقعا)
(وَهل زِدْت أَن وفيتهم صَاع قرضهم
…
فلاقوا منايا قدرت ومصارعا)
(فهاك بلادي إِنَّنِي قد تركتهَا
…
مهاداً وَلم أترك عَلَيْهَا منازعا)
قَالَ عُثْمَان بن الْمثنى النَّحْوِيّ الْمُؤَدب قدم بعد الْوَقْعَة علينا عَبَّاس بن نَاصح قرطبة أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم فأستنشدني شعر الْأَمِير الحكم فِي الهيج فَأَنْشَدته إِيَّاه فَلَمَّا بلغت إِلَى قَوْله
(وَهل زِدْت أَن وفيتهم صَاع قرضهم
…
فلاقوا منايا قدرت ومصارعا)
قَالَ عَبَّاس لَو أَن الحكم يخْشَى للخصومة بَينه وَبَين أهل الربض لقام بِعُذْرِهِ فيهم هَذَا الْبَيْت وَفِي رِوَايَة إِذا كَانَت الْخُصُومَة بَينه وَبَين أهل الربض أجبرته فَإِن هَذَا الْبَيْت ليحاجج عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة
وَله أَيْضا فِي ذَلِك
(غناء صليل الْبيض أشهى إِلَى الْأذن
…
من اللّحن فِي الأوتار وَاللَّهْو والردن)
(إِذا أختلفت زرق الأسنة والقنا
…
أرتك نجوماً يطلعن من الطعْن)
(بهَا يهتدى السارى وتنكشف الدجى
…
وتستشعر الدُّنْيَا لباساً من الْأَمْن)
(شققت غمار الْمَوْت تخطي مهجتي
…
سِهَام ردى قبلي أَصَابَت ذَوي الْجُبْن)
(إذاا لفحت ريح الظهائر لم يكن
…
لفاعى فِيهَا غير فَيْء القنا اللدن)
(وَإِن لم يجد حصناً سوى الفر مقدم
…
فَمَالِي غير السَّيْف وَالرمْح من حصن)
(قذفت بهم من فَوق بهماء فاتروت
…
لَهُ الأَرْض وأستولى على السهل والحزن)
(فَسَار يرْوى كل صديان حائم
…
وسح كَمَا سحت عزال من المزن)
(وَإِن عَن للتيار من سيلانه
…
ذرى شَاهِق أضحى كمنتفش العهن)
(هنأت بِهِ حرباتقشع بحرها
…
بِحمْل هناء لَيْسَ يصلح للبدن)
وَله فِي النسيب
(ظلّ من فرط حبه مَمْلُوكا
…
وَلَقَد كَانَ قبلذاك مليكا)
(إِن بَكَى أَو شكا الْهوى زيد ظلما
…
وبعاداً يدنى حَماما وشيكا)
(تركته جآذر الْقصر صبا
…
مستهاماً على الصَّعِيد تريكا)
(يَجْعَل الخد وَاضِعا فَوق ترب
…
للَّذي يَجْعَل الْحَرِير أريكا)
(هَكَذَا يحسن التذلل فِي الْحبّ
…
إِذا كَانَ فِي الْهوى مَمْلُوكا)
وَله فِي خمس جوَار من حظاياه كن مصطحبات فتغاضبن عَلَيْهِ وقتا فِي طَرِيق الْغيرَة وهجرته
(قضب من البان ماست فَوق كُثْبَان
…
ولين عني وَقد أزمعن هجراني)
(ناشدتهن بحقي فأعتزمن على الْعِصْيَان
…
حَتَّى حلا مِنْهُنَّ عصياني)
(ملكتني ملك من ذلت عَزَائِمه
…
للحب ذل أَسِير موثق عان)
(من لي بمغتصبات الرّوح من بدني
…
يغصبنني فِي الْهوى عذي وسلطاني)
11 -
إِدْرِيس بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن ابْن عَليّ بن أبي طَالب
ولد لعبد الله بن حسن وَكَانَ شيخ بني هَاشم فِي وقته إِدْرِيس الْأَكْبَر وَأمه هِنْد بنت أبي عُبَيْدَة المطلبية وَإِدْرِيس الْأَصْغَر هَذَا أمه عَاتِكَة بنت عبد الْملك بن الْحَارِث المخزومية وأخواه مِنْهَا عِيسَى وَسليمَان حكى ذَلِك أَبُو عَليّ حُسَيْن بن أبي سعيد عبد الرَّحْمَن بن عبيد القيرواني الْمَعْرُوف بالوكيل فِي كِتَابه المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب وأختصرته مِنْهُ وَذكر أَن إِسْحَاق
ابْن عِيسَى كَانَ على الْمَدِينَة فَلَمَّا مَاتَ الْمهْدي وَولى مُوسَى الهادى شخص وافداً عَلَيْهِ وأستخلف على الْمَدِينَة عمر بن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب فَخرج عَلَيْهِ بهَا الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْحسن بن الْحسن الْعلوِي وأستخفى الْعمريّ حَتَّى خرج الْحُسَيْن إِلَى مَكَّة فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة
وَكَانَ قد حج فِي تِلْكَ السّنة رجال من بني الْعَبَّاس مِنْهُم مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن عَليّ وَالْعَبَّاس بن مُحَمَّد ومُوسَى بن عِيسَى وعَلى الْمَوْسِم سُلَيْمَان بن أبي جَعْفَر فَكتب الْهَادِي إِلَى مُحَمَّد بن سُلَيْمَان يوليه الْحَرْب فَالْتَقوا بفخ وخلعوا عبيد الله ابْن قثم بِمَكَّة للْقِيَام بأمرها وَكَانَت الْوَقْعَة يَوْم السبت يَوْم التَّرويَة فَقتل الْحُسَيْن الْقَائِم وَسليمَان بن عبد الله وأنهزم النَّاس فنودى فيهم بالأمان وَلم يتبع هارب وحزت الرؤوس فَكَانَت مائَة ونيفاً
وَكَانَ فِيمَن هرب يحيى وَإِدْرِيس ابْنا عبد الله بن حسن فَأَما إِدْرِيس فلحق بالمغرب ولجأ إِلَى أَهله فأعظموه وَلم يزل عِنْدهم إِلَى أَن أحتيل عَلَيْهِ وَخلف ابْنه إِدْرِيس بن إِدْرِيس فملكوا تِلْكَ النَّاحِيَة وأنقطعت عَنْهُم الْبعُوث
وَأما يحيى فَصَارَ إِلَى جبل الديلم فَأَقَامَ عِنْد صَاحبه إِلَى أَن شخص إِلَيْهِ الْفضل بن يحيى بن خَالِد فِي أَيَّام الرشيد فَأَمنهُ وَحمله إِلَيْهِ
وَقد قيل إِن إِدْرِيس هرب إِلَى الْمغرب فِي أَيَّام أبي جَعْفَر الْمَنْصُور عِنْد قتل أَخَوَيْهِ مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم القائمين عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَة وَأَن أَبَا جَعْفَر بعث إِلَيْهِ من سمه وَالصَّحِيح أَن ذَلِك كَانَ فِي خلَافَة الهادى بالعراق وَبعد عشرَة أشهر وَأَيَّام مِنْهَا وَفِي آخر خلَافَة عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بالأندلس وَقبل وَفَاته بعامين وَأشهر وَأَن إِدْرِيس وَقع إِلَى مصر وعَلى بريدها وَاضح مولى صَالح بن الْمَنْصُور
وَكَانَ رَافِضِيًّا فَحَمله على الْبَرِيد إِلَى أَرض الْمغرب حَتَّى انْتهى إِلَى مَدِينَة وليلى من أَرض طنجة فأستجاب لَهُ من بهَا وبأعراضها من البربر فَلَمَّا ولى الرشيد علم بذلك فَضرب عنق وَاضح وصلبه ودس إِلَى إِدْرِيس من أنس بِهِ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَكتب لَهُ كتابا إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عَامله على إفريقية فاحتال حَتَّى سمه
وأختلف فِيمَن سم إِدْرِيس وَمَا سم فِيهِ فَقيل الشماخ المشماسي مولى الْمهْدي سمه فِي سنُون سَقَطت مِنْهُ أَسْنَانه لما أستعمله وَمَات من وقته وَسَيَأْتِي خَبره بعد إِن شَاءَ الله وَقيل بل سُلَيْمَان بن جرير الرقى كَانَ سَبَب سمه وَكَانَ إِدْرِيس بِهِ واثقاً فَأتى من قبله وهرب مَعَ الرُّسُل الَّذين أَتَوا فِي ذَلِك وَطلب ففات
وَيُقَال إِن سُلَيْمَان هَذَا وَكَانَ يَقُول بإمامة زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن نَاظر إِدْرِيس يَوْمًا فِي شَيْء فخالفه ثمَّ دخل الْحمام فَلَمَّا خرج بعث إِلَيْهِ سُلَيْمَان بِسَمَكَةٍ مشوية أنكر نَفسه عِنْد أكله مِنْهَا فَشَكا بَطْنه وَقَالَ أدركوا
سُلَيْمَان فَأدْرك وَقيل لَهُ أجب فأمتنع فَضرب على وَجهه بِسيف وَضرب أُخْرَى على يَده فأنقطعت أُصْبُعه وأفلت وَقيل سم فِي طيب تطيب بِهِ وَولده وَأهل بَيته يَقُولُونَ إِنَّمَا سم فِي بطيخة وهم وَإِن أختلفوا فِي الشَّيْء الَّذِي سم بِهِ فهم مجمعون على أَنه مَاتَ مسموما وَمن شعره
(أَلَيْسَ أَبونَا هَاشم شدّ أزره
…
وَأوصى بنيه بالطعان وبالضرب)
(فلسنا نمل الْحَرْب حَتَّى تملنا
…
وَلَا نتشكى مَا يهول من النكب)
12 -
ابْنه إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد الله أَبُو دَاوُود
قَالَ أَبُو الْحسن على بن مُحَمَّد النَّوْفَلِي توفّي إِدْرِيس بن عبد الله وَجَارِيَة من جواريه حُبْلَى أسمها كنزة فَقَامَ رَاشد مَوْلَاهُ وَيُقَال إِنَّه مولى أَخِيه عِيسَى بن عبد الله وَهُوَ الَّذِي خرج بِهِ حَتَّى أقدمه الْمغرب بِأَمْر البربر إِلَى أَن ولدت الْجَارِيَة غُلَاما فَسَماهُ باسم أَبِيه إِدْرِيس وَقَامَ بأَمْره حَتَّى بلغ الْغُلَام وأدبه وَكَانَ مولده فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسبعين وَمِائَة
وَتُوفِّي رَاشد سنة سِتّ وَثَمَانِينَ فَقَامَ يَأْمر الْغُلَام أَبُو خَالِد يزِيد بن إلْيَاس وَأخذ بيعَة البربر لَهُ يَوْم الْجُمُعَة فِي شهر ربيع الآخر سنة سبع وَثَمَانِينَ وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة وَأسسَ مَدِينَة الْقرَوِيين سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخرج إِلَى
نَفِيس فِي الْمحرم سنة سبع وَتِسْعين ثمَّ غزا نفزة وتلمسان وَتُوفِّي سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة سم فِي حَبَّة عِنَب فَلم يزل مَفْتُوح الْفَم سَائل اللعاب حَتَّى مَاتَ
وَعَن غير النَّوْفَلِي أَن زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب هُوَ الَّذِي أحتال عَلَيْهِ حَتَّى أغتاله
وَعَامة من فِي الْمغرب من الحسنيين من ولد إِدْرِيس هَذَا وَمِنْهُم بَنو حمود الْخُلَفَاء فِي قرطبة بعد الأربعمائة
وَذكر أَبُو بكر الرَّازِيّ أَن إِدْرِيس بن عبد الله دخل الْمغرب سنة اثْنَتَيْنِ
وَسبعين فِي شهر رَمَضَان هَارِبا بِنَفسِهِ من أبي جَعْفَر فَنزل موضعا يُقَال لَهُ وليلى بوادي الزَّيْتُون فأجتمعت إِلَيْهِ قبائل من البربر فقدموه على أنفسهم وبنوا مَدِينَة فاس وَكَانَت أجمة شعراء وَلما احتفرت أساساتها ألفى فِي بَعْضهَا فأس فسميت بِمَدِينَة فاس وسكنها البربر فَلم تطل أَيَّامه وَهلك سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة وَترك جَارِيَة حَامِلا مِنْهُ فَولدت بعده ابْنا سمى بِإِدْرِيس ابْن إِدْرِيس ملك بعد أَبِيه مَدِينَة فاس وطالت مدَّته وَتُوفِّي فِي شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ ومولده فِي شهر ربيع الآخر سنه خمس وَسبعين
كَذَا قَالَ الرَّازِيّ وَقد تقدم التَّنْبِيه على غلط الْقَائِل بِدُخُول إِدْرِيس الْمغرب فِي خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور
وَمن شعر إِدْرِيس بن إِدْرِيس يُخَاطب البهلول بن عبد الْوَاحِد المدغرى ذَاهِبًا إِلَى مُرَاجعَة طَاعَته ومحذراً مكر إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَهُوَ الَّذِي كَانَ أفْسدهُ عَلَيْهِ حَتَّى قَاتله البهلول
(كَأَنَّك لم تسمع بمكر ابْن أغلب
…
وَمَا قد رمى بالكيد كل بِلَاد)
(وَمن دون مَا منتك نَفسك خَالِيا
…
ومناك إِبْرَاهِيم خرط قتاد)
وَكتب إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب يَدعُوهُ إِلَى طَاعَته أَو الْكَفّ عَن ناحيته ويذكره قرَابَته من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَفِي أَسْفَل كِتَابه
(أذكر إِبْرَاهِيم حق مُحَمَّد
…
وعترته وَالْحق خير مقول)
(وأدعوه لِلْأَمْرِ الَّذِي فِيهِ رشده
…
وَمَا هُوَ لَوْلَا رَأْيه بجهول)
(فَإِن آثر الدُّنْيَا فَإِن أَمَامه
…
زلازل يَوْم للعقاب طَوِيل)
وَله يتشوق أهل بَيته
(لَو مَال صبري بصبر النَّاس كلهم
…
لضل فِي روعتي أَو ضل فِي جزعي)
(وَمَا أريع إِلَى يأس ليسليني
…
إِلَّا يأس إِلَى طمع)
(وَكَيف يصبر مطوى هضائمه
…
على وساوس هم غير مُنْقَطع)
(إِذا الهموم توافت بعد هجعته
…
كرت عَلَيْهِ بكأس مرّة الجرع)
(بَان الْأَحِبَّة وأستبدلت بعدهمْ
…
هما مُقيما وشملاً غير مُجْتَمع)
(كأنني حِين يجرى الْهم ذكرهم
…
على ضميري مخبول من الْفَزع)
(تأوى همومي إِذا حركت ذكرهم
…
إِلَى جوانح جسم دَائِم الولع)
13 -
عبد الْملك بن عمر بن مَرْوَان بن الحكم أَبُو مَرْوَان وَقيل أَبُو الْوَلِيد
قعيد جمَاعَة آل مَرْوَان فِي وقته وفارسهم وشهابهم قدم من مصر على عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة فِي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة أول ولَايَته بالأندلس وَهُوَ فِي عشرَة رجال من بنيه فرسَان فولاه إشبيلية وَولى ابْنه عبد الله مورور وأغنى فِي حَرْب يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفِهري عِنْد نكثه وفراره من قرطبة حَتَّى قتل
وَقيل كَانَ والياً على ماردة وَابْنه على لقنت وَلما زحف أهل حمص إِلَى عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة يطلبونه بثأر أبي الصَّباح الْيحصبِي وَكَانَ قد طاح على يَدَيْهِ أبلى عبد الْملك هَذَا بلَاء حسنا وَقتل وَلَده أُميَّة صبرا لما أنحاز إِلَيْهِ مُنْهَزِمًا قدمه فَضرب عُنُقه فهابه الْجند وشدوا مَعَه وَمَعَ سَائِر بنيه فَكَانَت
الدبرة على أهل حمص وَمن مَعَهم وَفتح الله على يَدَيْهِ فتحا لاكفاء لَهُ وأجلت الْحَرْب عَنهُ جريحاً فأحظاه عبد الرَّحْمَن وَقيل بل قتل ابْنه الْمَذْكُور فِي حَرْب يُوسُف الفِهري حِين أنهزم وَقتل من أَصْحَابه نَحْو عشرَة آلَاف وَلم تقم لَهُ بعد قَائِمَة فأحظاه عبد الرَّحْمَن وَقدمه وأستوزر بنيه عبد الله وَإِبْرَاهِيم وَحكما وَزوج ابْنَته كنزة من ابْنه هِشَام ولى عَهده فَقَالَ عبد الْملك فِي ذَلِك من قصيدة طَوِيلَة
(فيا زَمنا أودى بأهلى ومعشري
…
لقد صرت فِي أحشائنا لاذعاً جمرا)
(ويزداد دهر السوء غشا وظلمة
…
كَأَن على شمس الضُّحَى دُوننَا سترا)
(إِلَى أَن بدا من آل مَرْوَان مقمر
…
أَضَاء لنا من بعد ظلمته الدهرا)
(هجان أصيل الرأى ندب مهذب
…
أَقَامَ لنا ملكا وَشد لنا أزرا)
(وَأنْبت آمالاً وَأثبت نعْمَة
…
وَجِئْنَا فألفينا الْكَرَامَة والبرا)
(أنال وأغنى منعماً متفضلاً
…
وأصفى لنا مأمول أبنائه صهرا)
(فَنحْن حواليه النُّجُوم تجمعت
…
إِلَى الْبَدْر حَتَّى صرن من حوله حجرا)
وَمِنْهَا يذكر زفاف ابْنَته كنزة هَذِه
(لعمري لقد أهديت بَيْضَاء حرَّة
…
إِلَى خير من أغْلى بأثمانها المهرا)
(لَهَا حسب يَأْبَى على كل مقرف
…
ويرضى لَهَا تِلْكَ الخضارمة الزهرا)
(وَآل أبي العَاصِي هم نظراؤها
…
فَأكْرم بشمس أنكحت قمراً بَدْرًا)
14 -
عبد الْملك بن بشر بن عبد الْملك بن بشر ابْن مَرْوَان بن الحكم
كَانَ أَبوهُ بشر من أُمَرَاء الأموية فَقتله أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور مَعَ يزِيد بن عمر ابْن هُبَيْرَة الْفَزارِيّ آخر عُمَّال بني أُميَّة على الْعرَاق وَنَجَا ابْنه عبد الْملك هَذَا فِي فل الْقَوْم إِلَى الْمغرب فقصد الأندلس ودخلها فِي صدر أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن ابْن مُعَاوِيَة مَعَ ابْن عَمه جزى بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان أخي عمر بن عبد الْعَزِيز وَسكن جواره بقرطبة وَيعرف بالبشرى وَهُوَ الْقَائِل فِي مقتل أَبِيه
(لست أنسى مصرعاً من وَالِد
…
سيد ضخم وَعم مفتقد)
(غادرته الْخَيل فِي معترك
…
بَين عَم وَأب زاك وجد)
(تسهك الرّيح عَلَيْهِ بالضحى
…
وتعفيه أعاصير الْأَبَد)
(لم يرد الْمَوْت عَنهُ إِذْ سما
…
نَحوه كَثْرَة مَال وَعدد)
(أموي حكمي عرفت
…
سُورَة الْمجد لَهُ عليا معد)
(عَاشَ فِي ملك عَزِيزًا دونه
…
حجب الْملك وأبواب الرصد)
(فأنتحته بالمنايا فثوى
…
لعوافي الطير مسلوب الْجَسَد)
وَله
يَا معشرا شغف الطَّعَام قُلُوبهم
…
فهم طماح نَحْو كل دُخان)
(يهدى لواءهم وَيحمل بندهم
…
فِي كل معترك أَبُو سَعْدَان)
(يمشى كمشي اللَّيْث رَاح عَشِيَّة
…
من غابه وأمامه شبلان)
(لَو يعرض الخطى دون وَلِيمَة
…
مَشْرُوعَة فِي صَدره لطعان)
(لمضى بصادق نِيَّة وبصيرة
…
فِيهَا وقلب مشيع شيحان)
(حَتَّى يغيب فِي الثَّرِيد ذراعه
…
ويجوسها بأشاجع وبنان)
وَله
(وبنفسي من عِنْدهَا الْيَوْم قلبِي
…
علق فِي حبالها معمود)
(كلما قلت قد تناهيت عَنْهَا
…
عادني من غرامها مَا يعود)
(فبقلبي من لاعج الْحبّ مِنْهَا
…
كل يَوْم سقم وحزن جَدِيد)
15 -
حبيب بن عبد الْملك بن عمر بن الْوَلِيد بن عبد الْملك ابْن مَرْوَان أَبُو سُلَيْمَان
كَانَ بالأندلس فِي سُلْطَان عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَكَانَت لَهُ مِنْهُ خَاصَّة لم تكن لأحد من أهل بَيته وولاه طليطلة وأعمالها وَهُوَ الْقَائِل يخاطبه مغرياً بِأبي الصَّباح عَلَيْهِ
(يَا ابْن الخلائف إِنِّي نَاصح لكم
…
فِي قتل ذِي إحن يرتاد للنقم)
(لَا يفلتنك فَيَأْتِينَا ببائقة
…
وأشدد يَديك بِهِ تَبرأ من السقم)
(جلله عضباً من الْهِنْدِيّ ذَا شطب
…
إِن الصرامة فِيهِ فعلة الْكَرم)
ذكر ذَلِك ابْن حَيَّان وَقيل إِن هَذَا الشّعْر لعبد الْملك بن عمر بن مَرْوَان ابْن الحكم
وَتُوفِّي حبيب هَذَا فِي أَيَّامه فَشهد جنَازَته وَمَعَهُ سِتَّة من وَلَده فَلَمَّا صلى عَلَيْهِ قعد وَهُوَ يواري فألتفت عبد الرَّحْمَن فَرَأى وَلَده هشاماً قَاعِدا نَاحيَة قد فِي قعوده فَقَالَ مَا هَذَا يَا أَبَا الْوَلِيد أيدفن عمك وَخير أهل بَيْتك وَأَنت قَاعد قُم وأشدد نطاق الْحزن عَلَيْك فَلَنْ ترى فِي قَوْمك مثل أبي سُلَيْمَان فَقَامَ
وَكَانَ حبيب من الَّذين يشاورهم فِي رَأْيه وإدارته عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة ويدنى مجَالِسهمْ مِنْهُ ويضمه إِلَى خاصته من نقباء دولته وَسَائِر أَصْحَابه ومواليه
نرْجِع إِلَى ذكر الْأُمَرَاء من غير الهاشمية والأموية على التَّرْتِيب كَمَا شرطنا فِي صدر الْكتاب
16 -
الحسام بن ضرار بن سلامان الْكَلْبِيّ أَبُو الخطار بالراء
ولي إِمَارَة الأندلس فِي سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة من قبل حَنْظَلَة بن صَفْوَان بن نَوْفَل الْكَلْبِيّ وَالِي إفريقية لهشام بن عبد الْملك ثمَّ للوليد بن يزِيد بن عبد الْملك وَكَانَ قد ولى بإفريقية ولايات فِي إمرة بشر بن صَفْوَان الْكَلْبِيّ أخي حَنْظَلَة وَيُقَال إِن أهل الأندلس الشاميين والبلديين كتبُوا إِلَى حَنْظَلَة بن صَفْوَان وَالِي إفريقية وَالْمغْرب يسألونه أَن يبْعَث إِلَيْهِم عِنْد أختلافهم والياً يَجْتَمعُونَ عَلَيْهِ فَبعث أَبَا الخطار هَذَا فَأقبل إِلَيْهِم حَتَّى قدم عَلَيْهِم فأطاعه أَهلهَا وأجتمعوا عَلَيْهِ ودانت لَهُ الأندلس جَمْعَاء إِلَى ولَايَة مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان آخر خلفاء بني أُميَّة
وَلم يقدم فِي ولَايَته الأندلس شَيْئا على تَفْرِيق جَمِيع الْعَرَب الشاميين الغالبين على الْبَلَد عَن دَار الْإِمَارَة قرطبة إِذْ كَانَت لَا تحملهم وأنزلهم مَعَ الْعَرَب البلديين على شبه مَنَازِلهمْ فِي كور شامهم وَتوسع لَهُم فِي الْبِلَاد
فَأنْزل فِي كورتي أكشونبة وباجة جند مصر مَعَ البلدين الأول وَأنزل باقيهم فِي كورة تدمير
وَأنزل فِي كورتي لبلة وإشبيلية جند حمص مَعَ البلديين الأول أَيْضا
وَأنزل فِي كورة شذوتة والجزيرة جند فلسطين
وَأنزل فِي كورة ربة جند الْأُرْدُن
وَأنزل فِي كورة إلبيرة جند دمشق
وَأنزل فِي كورة جيان جند فنسرين
وَجعل لَهُم ثلث أَمْوَال أهل الذِّمَّة من الْعَجم طعمة
وَبَقِي الْعَرَب البلديون من الْجند الأول على مَا بِأَيْدِيهِم من أَمْوَالهم لم يعرض لَهُم فِي شَيْء مِنْهَا فَلَمَّا رَأَوْا بلادا شبه بِلَادهمْ خصباً وتوسعة سكنوا وأغتبطوا وتمولوا
وطالعتا مُوسَى بن نصير وبلج بن بشر هما اللَّتَان تعرفان بالأندلس بالجندين
ثمَّ لم يلبث أَبُو الخطار مَعَ مَكَانَهُ من السداد أَن تعصب لليمانية وفضلهم على المضرية فآل بِهِ الْأَمر إِلَى الْخلْع والفرار إِلَى جِهَة باجة فِي غرب الأندلس فِي قصَص طَوِيلَة وَذَلِكَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة بعد أَربع سِنِين وَتِسْعَة أشهر من ولَايَته وَقيل كَانَت ولَايَته سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمن شعره
(أفأتم بني مَرْوَان قيسا دماءنا
…
وَفِي الله إِن لم تنصفوا حكم عدل)
ويروي أفاءت بَنو مَرْوَان وَالْأول أولى
(كأنكم لم تشهدوا مرج راهط
…
وَلم تعلمُوا من كَانَ ثمَّ لَهُ الْفضل)
(وقيناكم حر القنا بنحورنا
…
وَلَيْسَ لكم خيل سوانا وَلَا رجل)
(فَلَمَّا بَلغْتُمْ نيل مَا قد أردتم
…
وطاب لكم منا المشارب وَالْأكل)
(تعاميتم عَنَّا بِعَين جلية
…
وَأَنْتُم كَذَا مَا قد علمنَا لَهَا فعل)
(فَلَا تأمنوا إِن دارت الْحَرْب دورة
…
وزلت عَن الْمرقاة بالقدم النَّعْل)
(فينتقض الْحَبل الَّذِي قد فتلتم
…
أَلا رُبمَا يلوى فينتقض الْحَبل)
قَالَ أَبُو الخطار هَذَا الشّعْر لِأَن هِشَام بن عبد الْملك ولى عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن ابْن أخي أبي الْأَعْوَر السلمى صَاحب خيل مُعَاوِيَة بصفين إفريقية وَصرف بشر بن حَنْظَلَة الْكَلْبِيّ فَوجدت لذَلِك اليمانية وَيُقَال إِنَّه قدم القيروان وَلم يكن عَلَيْهَا إِذْ ذَاك سور فألفى بشر بن صَفْوَان قد تهَيَّأ
لشهود الْجُمُعَة وَلبس ثِيَابه فَقيل لَهُ هَذَا الْأَمِير قد قدم فَقَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه هَكَذَا تقوم السَّاعَة فَمَا حَملته رِجْلَاهُ وَدخل عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن فَجمع بِالنَّاسِ
وَقيل إِنَّه لما تتَابع وُلَاة إفريقية والأندلس من قيس قَالَ أَبُو الخطار هَذَا الشّعْر يعرض فِيهِ بِيَوْم مرج راهط وَمَا كَانَ من بلَاء كلب فِيهِ مَعَ مَرْوَان ابْن الحكم وَقيام القيسية مَعَ الضَّحَّاك بن قيس الفِهري أَمِير عبد الله بن الزبير فَلَمَّا بلغ الشّعْر هِشَام بن عبد الْملك سَأَلَ عَن قَائِله فَأعْلم أَنه رجل من كلب وَكَانَ هِشَام قد ولى إفريقية حَنْظَلَة بن صَفْوَان الْكَلْبِيّ أَخا بشر الْمَذْكُور فَكتب إِلَيْهِ يَأْمُرهُ أَن يُولى أَبَا الخطار الأندلس وَهُوَ الرَّابِع عشر من ولاتها ثمَّ ولى بعده ثوابة بن سَلامَة الجذامى ثمَّ يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفِهري وَكَانَ خلعه بِعَبْد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَأنْشد الْحميدِي فِي تَارِيخه الشّعْر وَقَالَ فِيهِ أفادت بَنو مَرْوَان وَقَالَ إِن لم تعدلوا وَقَالَ وقيناكم حد القنا بسيوفنا وَقَالَ فِي الْبَيْت الرَّابِع وَمَا بعده
(فَلَمَّا رَأَيْتُمْ وَاقد الْحَرْب قد خبا
…
وطاب لكم فِيهَا المشارب وَالْأكل)
(تغافلتم عَنَّا كَأَن لم نَكُنْ لكم
…
صديقا وَأَنْتُم مَا علمت لَهَا فعل)
(فَلَا تعجلوا إِن دارت الْحَرْب دورة
…
وزلت عَن المهواة بالقدم النَّعْل
وَلم ينشد الْبَيْت الْأَخير
وَقَالَ أَبُو الخطار أَيْضا يُخَاطب الصميل بن حَاتِم الْكلابِي رَئِيس المضرية وَرَأس المتعصبين مَعهَا على اليمانية فِي ولَايَة يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفِهري
(إِن ابْن بكر كفاني كل معضلة
…
وَحط عَن غاربي مَا كَانَ يُؤْذِينِي)
(إِذا أتخذت صديقا أَو هَمَمْت بِهِ
…
فأعمد لذِي حسب إِن شِئْت أَو دين)
(مَا يقدر الله فِي مَالِي وَفِي وَلَدي
…
لَا بُد يدركني لَو كنت بالصين)
وَأنْشد لَهُ الْحميدِي
(فليت ابْن حواس يخبر أنني
…
سعيت بِهِ سعى امْرِئ غير غافل)
(قتلت بِهِ تسعين تحسب أَنهم
…
جُذُوع نخيل صرعت بالمسايل)
(وَلَو كَانَت الْمَوْتَى تبَاع أشتريته
…
بكفي وَمَا أستثنيت مِنْهَا أناملي)
وَحكى أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن أبي سعيد عبد الرَّحْمَن بن عبيد القيرواني الْمَعْرُوف بالوكيل فِي الْكتاب المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب من تأليفه أَن عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن لما قدم القيروان أَخذ عُمَّال بشر بن صَفْوَان وَأَصْحَابه فحبسهم وأغرمهم وتحامل عَلَيْهِم وَكَانَ فيهم أَبُو الخطار فَصنعَ هَذِه الأبيات وَبعث بهَا إِلَى الأبرش الْكَلْبِيّ فَدخل بهَا على هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان فأنشدها فَغَضب هِشَام وَكَانَ ذَلِك سَبَب عزل عُبَيْدَة عَن إفريقية قَالَ أَبُو عَليّ وَهَذَا الشّعْر مَشْهُور بالمشرق كشهرته بالمغرب ذكره صَاحب كتاب الْخِصَال وَجَاء بِهِ بعض المؤلفين فِي أختياره وأتى بِهِ أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي وَقَالَ لما أنْشدهُ سعيد بن الْوَلِيد الأبرش الْكَلْبِيّ هِشَام بن عبد الْملك غضب وَشتم عُبَيْدَة وَقَالَ قبح الله ابْن النَّصْرَانِيَّة وعزله
17 -
الصميل بن حَاتِم بن شمر بن ذِي الجوشن الْكلابِي الضبابِي أَبُو جوشن
كَانَ جده شمر من أَشْرَاف عرب الْكُوفَة وَهُوَ أحد قتلة الْحُسَيْن بن عَليّ رضي الله عنهما وَالَّذِي قدم بِرَأْسِهِ على يزِيد بن مُعَاوِيَة وَقتل الْمُخْتَار بعد ذَلِك حِين قَامَ ثائراً بقتلة الْحُسَيْن جمَاعَة مِنْهُم فهرب شمر بولده وَعِيَاله وَلحق بِالشَّام فَأَقَامَ بهَا فِي عز ومنعة
وَقد قيل إِن الْمُخْتَار قتل شمراً وفر وَلَده إِلَى أَن خرج كُلْثُوم بن عِيَاض الْقشيرِي غازياً إِلَى الْمغرب فَكَانَ الصميل مِمَّن ضرب عَلَيْهِ الْبَعْث فِي أَشْرَاف أهل الشَّام وَدخل الأندلس فِي طَاعَة بلج بن بشر فل أَصْحَاب كُلْثُوم
وَكَانَ شجاعاً نجداً جواداً كَرِيمًا وَهُوَ الَّذِي قَامَ بِأَمْر المضرية فِي الأندلس عِنْدَمَا أظهر أَبُو الخطار الحسام بن ضرار الْكَلْبِيّ العصبية لليمانية إِلَّا أَنه كَانَ رجلا أُمِّيا لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب وَكَانَت لَهُ فِي قلب الدول وتدبير الحروب أَخْبَار مَشْهُورَة
وَحكى أَبُو بكر بن الْقُوطِيَّة فِي تَارِيخه أَنه مر بمعلم يَتْلُو {وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس} فَوقف يتفهم وَكَانَ أُمِّيا لَا يقْرَأ ونادى الْمعلم يَا هَناه كَذَا نزلت هَذِه الْآيَة قَالَ نعم قَالَ فَأرى وَالله أَن سيشركنا فِي هَذَا الْأَمر العبيد والأراذل والسفلة
وَغلب على أَمر يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفِهري فِي ولَايَته وَكَانَ مَعَه فِي حربه لعبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بعد أَن ولاه مَدِينَة سرفسطة ثمَّ طليطلة وَهُوَ الْقَائِل عِنْدَمَا أغار الطائيون على دَاره بشقندة يَوْم المصارة عِنْد أنهزام الفِهري وأستخلاف عبد الرَّحْمَن
(أَلا إِن مَالِي عِنْد طي وَدِيعَة
…
وَلَا بُد يَوْمًا أَن ترد الودائع)
(سلوا يمناً عَن فعل رُمْحِي ومنصلي
…
فَإِن سكتوا أثنت على الوقائع)
أنشدهما أَبُو بكر الرَّازِيّ فِي تَارِيخه
وَتُوفِّي الصميل فِي سجن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة سنة أثنتين وَأَرْبَعين وَمِائَة
18 -
الْأَغْلَب بن سَالم بن عقال بن خفاجة التَّمِيمِي أَبُو جَعْفَر
كَانَ مِمَّن سعى فِي الْقيام بدعوة بني الْعَبَّاس مَعَ أبي مُسلم وَحَارب مَعَه عبد الله بن عَليّ وَكَانَ مَعَ أبي جَعْفَر الْمَنْصُور فِي حِصَار ابْن هُبَيْرَة
وَفِي قتل أبي مُسلم وَيُقَال إِنَّه الَّذِي ضربه فأطار يَده ثمَّ تولى حز رَأسه وَوَجهه أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور مَعَ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث بن عقبَة الْخُزَاعِيّ إِلَى قتال البربر وَهُوَ أول قدومه إِلَى إفريقية وَكَانَ عَامل مصر وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة فَخرج فِي أَرْبَعِينَ ألفا عَلَيْهِم مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ قائدا من تَحت يَد ابْن الْأَشْعَث مِنْهُم ثَلَاثُونَ ألفا من خُرَاسَان وَعشرَة آلَاف من الشَّام وَقيل أَلفَانِ فَقَط من الشَّام وَقَالَ الْمَنْصُور إِن حدث بِهِ حدث كَانَ الْأَغْلَب أَمِيرهمْ بعده فولى طبنة إِلَى أَن خرج ابْن الْأَشْعَث من القيروان فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَكَانَ قد بنى سور القيروان فَبعث أَبُو جَعْفَر إِلَى الْأَغْلَب عَهده بِولَايَة القيروان فأستقامت لَهُ الْأُمُور ثمَّ أضطربت بعقب ذَلِك لخُرُوج أبي قُرَّة الْبَرْبَرِي عَلَيْهِ وأشتغاله بحربه وَخرج الْحسن
ابْن حَرْب الْكِنْدِيّ عَلَيْهِ وخاطب القواد مضرياً فلحق بِهِ مِنْهُم جمَاعَة وَهُوَ بتونس فَأقبل إِلَى القيروان فَدَخلَهَا وَبلغ الْخَبَر الْأَغْلَب فَأقبل فِي عدَّة يسيرَة مِمَّن أطاعه وَكتب إِلَى الْحسن
(أَلا من مبلغ عني مقَالا
…
يسير بِهِ إِلَى الْحسن بن حَرْب)
(فَإِن الْبَغي أبعده وبال
…
عَلَيْك وقربه لَك شَرّ قرب)
(فَإِن لم تدعني لتنال سلما
…
وعفوي فأدن من طعني وضربي)
فقصد الْحسن الْأَغْلَب فأقتتلوا قتالا شَدِيدا أنهزم الْحسن عَنهُ وكر رَاجعا إِلَى تونس وَدخل الْأَغْلَب القيروان ثمَّ زحف الْحسن إِلَيْهِ ثَانِيَة وَخرج الْأَغْلَب من بَاب أَصْرَم فتواقف الْفَرِيقَانِ فبرز الْأَغْلَب وَقَالَ
(أغدو إِلَى الله بِأَمْر يرضاه
…
لَا خير فِي)
(إِن يهوني الْمَوْت فَإِنِّي أهواه
…
كل مرئ يلقى يَوْمًا)
ثمَّ شدّ على الميمنة فِي أَصْحَابه فكشفها وأنصرف إِلَى موقفه وَهُوَ يَقُول
(أضْرب فِي الْقَوْم ومثلي يضْرب
…
فَإِن يكن حَربًا فَإِنِّي الْأَغْلَب)
(لَا أجزع الْيَوْم وَلَا أكذب
…
)
ثمَّ شدّ على الميسرة فَفعل مثل فعله فِي الميمنة وأنصرف وَهُوَ يَقُول
(لم يبْق إِلَّا الْقلب أَو أَمُوت
…
إِن تحم لي الْحَرْب فقد حميت)
(وَإِن توليت فَمَا بقيت)
ثمَّ حمل على الْقلب فَلم يثن حَده حَتَّى قتل بِسَهْم رمى بِهِ وَذَلِكَ فِي شعْبَان سنة خمس وَمِائَة
وَبلغ الْمَنْصُور مَوته فَقَالَ إِن سَيفي بالمغرب قد أنقطع فَإِن دفع الله عَن الْمغرب برِيح دولتنا وَإِلَّا فَلَا مغرب وَقَالَ الحكم بن ثَابت السَّعْدِيّ من ولد سَلامَة بن جندل يرثى الْأَغْلَب
(لقد أفسد الْمَوْت الْحَيَاة بأغلب
…
غَدَاة غَدا للْمَوْت فِي الْحَرْب معلما)
(تبدت لَهُ أم المنايا فأقصدت
…
فَتى حِين يلقى الْمَوْت فِي الْحَرْب صمما)
(أَخا غزوات مَا تزَال جياده
…
تصبح عَنهُ غَارة حَيْثُ يمما)
(أَتَتْهُ المنايا فِي القنا فاختر مِنْهُ
…
وغادرنه فِي ملتقى الْخَيل مُسلما)
(كَأَن على أثوابه من دمائه
…
عبيطاً وبالخدين والنحر عِنْدَمَا)
(فَبَاتَ شَهِيدا نَالَ أكْرم ميتَة
…
وَلم يبغ عمرا أَن يطول ويسقما)
19 -
الْحسن بن حَرْب الْكِنْدِيّ
كَانَ بتونس فَقَامَ على الْأَغْلَب بن سَالم حَسْبَمَا تقدم خَبره وَخَالفهُ وَسَار إِلَى القيروان فَلم يَدْفَعهُ أحد عَنْهَا حَتَّى دَخلهَا وَبلغ أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور تنازعهما فَكتب إِلَى الْحسن بن حَرْب يحضه على الطَّاعَة وَكَانَ من كبار القواد وأبطال الفرسان بإفريقية وَهُوَ الْقَائِل يُجيب الْأَغْلَب عَن أبياته الْمَذْكُورَة قبل
(أَلا قولا لأغلب غير سر
…
مغلغلة عَن الْحسن بن حَرْب)
(بِأَن الْمَوْت بَيْنكُم وبيني
…
وكأس الْمَوْت أكره كل شرب)
(رويدكم فيومكم ويومي
…
وَإِن بعدا مصيرهما لقرب)
ثمَّ تقالا بعد ذَلِك فَقتل الْأَغْلَب وَصَاح صائح مَاتَ الْأَمِير وَكَانَ سَالم بن سوَادَة التَّمِيمِي فِي الميمنة وَهُوَ ابْن عَم االأغلب فَقَالَ لَا أنظر إِلَى الدُّنْيَا بعد الْيَوْم وَوَقع فِي عَسْكَر الْحسن الصياح مَاتَ الْأَمِير فَظن أَن الْحسن هُوَ الْمَقْتُول فَوَلوا منهزمين وركبهم سَالم بن سوَادَة والمخارق بن غفار الطَّائِي بِالسَّيْفِ فَقتل من أَصْحَاب الْحسن مقتلة عَظِيمَة وأتبع هُوَ فَقتل بتونس وَيُقَال إِنَّه أَتَوا بِهِ مقتولا إِلَى القيروان فصلبه الْمخَارِق يَوْم السبت آخر يَوْم من شعْبَان سنة خمسين وَمِائَة
20 -
يزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب بن أبي صفرَة الْأَزْدِيّ الْعَتكِي أَبُو خَالِد
ولي إفريقية فِي خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور فأصلحها ورتب أَمر القيروان
وجدد أَمر الْمَسْجِد الْجَامِع وَكَانَ غَايَة فِي الْجُود ممدحاً كثير الشّبَه بجده الْمُهلب فِي حروبه ودهائه وَكَرمه وسخائه خَاصّا يأبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَكَانَ لاي يحجب عَنهُ وَولي ولايات كَثِيرَة قبل قدومه إِلَى الْمغرب مِنْهَا أرمينية والسند ومصر وأذربيجان وَغير ذَلِك
وَقدم إفريقية من مصر وَكَانَ والياً عَلَيْهَا فِي ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة إِلَى سنة أثنتين وَخمسين وَحكى عَنهُ أَنه قَالَ لما ولاني أَبُو جَعْفَر دخلت عَلَيْهِ فَقَالَ لي يَا أَبَا خَالِد بَادر النّيل قبل خُرُوج الرَّايَات الصفر وَأَصْحَاب الدَّوَابّ البتر
ثمَّ استقدمه بعد أَن قتل عمر بن حَفْص المهلبي فولاه إفريقية وَالْمغْرب وشيعه إِلَى فلسطين فحسده الْأُمَرَاء والرؤساء وَكَانَ الْمَنْصُور يَقُول مَا أَخْطَأت فِي شَيْء من تدبيري إِلَّا فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء تشييع يزِيد بن حَاتِم أَرَأَيْت لَو نكث أَكَانَ يحسن بِي أَن أرجع أَو كَانَ يحسن بِي أَن ألقِي الْجَيْش بنفسي وَيَوْم الراوندية وُقُوفِي على بَاب الذَّهَب أَرَأَيْت لَو أَن رجلا رماني بِسَهْم أَلَيْسَ دمى كَانَ يذهب ضيَاعًا وقتلى أَبَا مُسلم وَأَنا فِي الْخرق وَمَعَهُ أهل خُرَاسَان ثَلَاثُونَ ألفا يعبدونه من دون الله
وَفِي يزِيد هَذَا يَقُول ربيعَة بن ثَابت الرقى من بني أَسد وَقد وَفد عَلَيْهِ أبياته السائرة فِي النَّاس إِلَى الْيَوْم
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى
…
يزِيد سليم والأغر بن حَاتِم)
(يزِيد سليم سَالم المَال والفتى
…
أَخُو الأزد للأموال غير مسالم)
(فهم الْفَتى الْأَزْدِيّ إِتْلَاف مَا لَهُ
…
وهم الْفَتى الْقَيْسِي جمع الدَّرَاهِم)
(فَلَا يحْسب التمتام أَنِّي هجوته
…
ولكنني فضلت أهل المكارم)
يُرِيد بالتمتام وَهُوَ المتردد فِي التَّاء يزِيد بن أسيد السلمى سَمَّاهُ الْمبرد وَهِي من قصيدة حَسَنَة يَقُول فِيهَا
(أَبَا خَالِد أَنْت المنوه باسمه
…
إِذا نزلت بِالنَّاسِ إِحْدَى العظائم)
(كفيت بني الْعَبَّاس كل عَظِيمَة
…
وَكنت عَن الْإِسْلَام خير مُزَاحم)
وَيُقَال إِن ربيعَة لما مدحه بِهَذِهِ القصيدة استبطأ بره وصلته فَقَالَ
أَرَانِي وَلَا كفران لله رَاجعا لَا بخفى حنين من يزِيد بن حَاتِم
فَبلغ ذَلِك يزِيد فَدَعَا بِهِ وَقَالَ أنزعوا خفيه فَنَزَعَا وَهُوَ خَائِف من عُقُوبَته على ذكره خَفِي حنين فملأهما لَهُ دَرَاهِم ودنانير وَكَانَا كبيرين كأخفاف الْجند ثمَّ وَصله بعد ذَلِك بصلات جزيلة وَهَذِه الْقِصَّة شَبيهَة بِقصَّة أبي الْعَتَاهِيَة مَعَ عمر بن الْعَلَاء حِين أمتدحه بقصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا
(إِنِّي أمنت من الزَّمَان وريبه
…
لما علقت من الْأَمِير حِبَالًا)
(لَو يَسْتَطِيع النَّاس من إجلاله
…
لحذوا لَهُ حر الخدود نعالا)
(مَا كَانَ هَذَا الْجُود حَتَّى كنت يَا
…
عمر وَلَو يَوْمًا تَزُول لزالا)
(إِن المطايا تشتكيك لِأَنَّهَا
…
قطعت إِلَيْك سباسباً ورمالا)
(فَإِذا وردن بِنَا وردن مخفة
…
وَإِذا صدرن بِنَا صدرن ثقالا)
فَتَأَخر عَنهُ بره قَلِيلا فَكتب إِلَيْهِ يستبطئه
(أَصَابَت علينا جودك الْعين يَا عمر
…
وَعز لما نبغي التمائم والنشر)
(سنرقيك بالأشعار حَتَّى تملها
…
فَإِن لم تفق مِنْهَا رقيناك بالسور)
وَقَالَ أَيْضا
(يَا ابْن الْعَلَاء وَيَا ابْن القرم مرداس
…
إِنِّي لأطريك فِي صحبي وجلاسي)
(أثني عَلَيْك ولي حَال تكذبني
…
فِيمَا أَقُول فأستحيي من النَّاس)
(حَتَّى إِذا قيل مَا أَعْطَاك من صفد
…
طأطأت من سوء حَالي عِنْدهَا رَأْسِي)
فَأمر حَاجِبه أَن يدْفع إِلَيْهِ المَال وَقَالَ لَا تدخله على فَإِنِّي أستحي مِنْهُ وروى أَنه وَصله عَلَيْهَا بسبعين ألف دِرْهَم فحسدته الشُّعَرَاء وَقَالُوا لنا بِبَاب
الْأَمِير أَعْوَام نخدم الآمال مَا وصلنا إِلَى بعض هَذَا فأتصل ذَلِك بِهِ فَأمر بإحضارهم وَقَالَ قد بَلغنِي الَّذِي قُلْتُمْ وَإِن أحدكُم يأتى فيمدحني بالقصيدة يشبب فِيهَا فَلَا يصل إِلَى الْمَدْح حَتَّى تذْهب لَذَّة حلاوته ورائق طلاوته وَإِن أَبَا الْعَتَاهِيَة أَتَى فشبب بِأَبْيَات يسيرَة ثمَّ قَالَ إِن المطايا تشتكيك وَأنْشد الأبيات
وَمن شعر يزِيد بن حَاتِم
(مَا يألف الدِّرْهَم الْمَضْرُوب خرقتنا
…
إِلَّا لماماً قَلِيلا ثمَّ ينْطَلق)
(يمر مرا عَلَيْهَا وَهِي تلفظه
…
إِنِّي امْرُؤ لم يحالف خرقتي الْوَرق)
وَتُوفِّي فِي شهر رَمَضَان سنة سبعين وَمِائَة
21 -
الْفضل بن روح بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب
ولاه الرشيد إفريقية فَقدم على القيروان فِي الْمحرم سنة سبع وَسبعين وَمِائَة وَيُقَال إِنَّه لم يل إفريقية أجمل مِنْهُ وَمن أبي الْعَبَّاس عبد الله بن إِبْرَاهِيم ابْن الْأَغْلَب
وأستعمل على تونس الْمُغيرَة بن بشر بن روح ابْن أَخِيه وَكَانَت تونس نظيرة القيروان حَتَّى إِن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور كَانَ يَقُول مَا فعلت إِحْدَى القيروانين يعْنى تونس
وَكَانَ الْمُغيرَة غراً لَا تجربة لَهُ بالأمور وَلَا معرفَة بتصاريفها فأستخف بالجند وَسَار فيهم بِمَا أنكروه فَكَتَبُوا إِلَى الْفضل بذلك فَلم يعزله عَنْهُم فقدموا فِي قصَّة طَوِيلَة عبد الله بن الْجَارُود الْعَبْدي وأخرجوا الْمُغيرَة
وَكتب ابْن الْجَارُود إِلَى الْفضل إِلَى الْأَمِير الْفضل بن روح من عبد الله ابْن الْجَارُود أما بعد فَإنَّا لم نخرج الْمُغيرَة إِخْرَاج خلاف عَن الطَّاعَة وَلَكِن لأحداث فِيهَا فَسَاد الدولة فول علينا من نرضاه وَإِلَّا نَظرنَا لأنفسنا وواسنا بالأسلاف كَمَا كَانَت الْوُلَاة تصنع بِنَا قبلك وَإِلَّا فَلَا طَاعَة لَك علينا وَكتب فِي أَسْفَل الْكتاب
(أَلا من مبلغ الْفضل بن روح
…
وَصدق القَوْل زين للرِّجَال)
(بأنك حِين وليت ابْن بشر
…
علينا غير مَحْمُود الفعال)
(فول سواهُ أَو كن رهن حَرْب
…
تغص بهَا على المَاء الزلَال)
(وَإِن لم تُعْطِنَا الأسلاف طَوْعًا
…
أجبْت لَهَا بكره بالعوالي)
فَأجَاب الْفضل عَن ذَلِك يرميهم بِالْخِلَافِ ويوئسهم من الأسلاف وَكتب فِي آخر كِتَابه
(أَتَانِي عَنْك مَا ستنال مِنْهُ
…
وبالاً إِن عصيت على العقال)
(فَإِن ترجع تنَلْ سلما وَأمنا
…
وَإِن تجمح فلست بمستقال)
(وَإِن لمن أطَاع عَلَيْك فضلا
…
كفضل يَد الْيَمين على الشمَال)
(وَلست بمدرك الأسلاف حَتَّى
…
تناولهن قسراً بالعوالي)
ثمَّ بعث عبد الله بن يزِيد المهلبي والياً وَضم إِلَيْهِ كثيرا من أَصْحَابه فَأخْرج ابْن الْجَارُود جمَاعَة يختبرون مَا قدمُوا لَهُ ونهاهم عَن الْحَرْب فلقوهم بسبخة تونس فَقتل عبد الله فِي خبر يطول ذكره وَأسر القواد الَّذين مَعَه وَأدّى ذَلِك إِلَى محاربة الْفضل بالقيروان فغلب عَلَيْهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَسبعين
وَمِائَة وسير فِي أهل بَيته ثمَّ أسترجع من طَرِيقه وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى قابس فحبس مَعَ رجلَيْنِ من أَصْحَابه ثمَّ دخل عَلَيْهِ الْجند فَقَتَلُوهُ فِي محبسه وَمن شعر الْفضل
(ومارست هَذَا الدَّهْر خمسين حجَّة
…
وَنصفا أَرْجَى قَابلا بعد قَابل)
(فَلَا أَنا فِي الدُّنْيَا بلغت جسيمها
…
وَلَا فِي الَّذِي أَهْوى كدحت بطائل)
(وَقد أشرعت فِينَا المنايا أكفها
…
وأيقنت أَنِّي رهن موت معاجل)
22 -
سعيد بن يزِيد بن حَاتِم المهلبي
لما عظم على الْفضل بن روح أَمر ابْن الْجَارُود وَخُرُوجه عَلَيْهِ بتونس وزحفه إِلَيْهِ جمع أهل بَيته وَقَالَ مَا ترَوْنَ فِي هَذَا الْأَمر الَّذِي لَا يخصني دونكم فكثرت الآراء فَقَالَ ابْن عَمه سعيد أطعنى الْيَوْم وأعصني فِيمَا يسْتَأْنف سد أَبْوَاب الْمَدِينَة كلهَا إِلَّا بَابا وَاحِدًا وندخل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْحصار سنة فوَاللَّه لكَأَنِّي أنظر إِن لم تفعل ذَلِك قد دخل عَلَيْك من آمنها عنْدك وَقَالَ فِي ذَلِك يُخَاطب الْفضل
(أرى الْحَرْب قد مدت إِلَيْنَا بساقها
…
وقلبك يقظان شَبيه بنائم)
(فَخذ لنهود الْحَرْب أهبة يَوْمهَا
…
وشمر لَهَا الأذيال قبل التنادم)
(فَإِن كنت تحمى الغرب فأشدد لَهَا القوى
…
تنَلْ ظفراً أَو تلق موت الأكارم)
(فَلَيْسَ يُرِيد الْقَوْم إِلَّا نفوسنا
…
أَو النَّفْي عَنْهَا يَا ابْن روح بن حَاتِم)
وَقَالَ أَيْضا
(أَلا قل لفضل إِنَّنِي لَك نَاصح
…
فَلَا تسمعن مِمَّا يُشِير ابْن وَاقد)
(فَإنَّك إِن تسمع لأقواله تعد
…
إِلَى أَسد فِي كبة الْخَيل لَا بُد)
(ستذكر قولي حِين لَيْسَ بِنَافِع
…
إِذا شقَّتْ الأرماح نحر القلائد)
فخالفه الْفضل فَكَانَ مَا تقدم من أمره
23 -
أَخُوهُ عبد الله بن يزِيد بن حَاتِم
كَانَ مَعَ ابْن عَمه الْفضل بن روح بن حَاتِم فِي حروبه بإفريقية ثمَّ قرف عِنْده بممالأة عدوه الْخَارِج عَلَيْهِ ابْن الْجَارُود الْمَعْرُوف بعبدوية فنغل صدر الْفضل عَلَيْهِ حَتَّى كتب إِلَيْهِ
(أرى ألسن الحساد فِيك كَأَنَّهَا
…
سِهَام تهاوى من قسي نصال)
(يَقُولُونَ قد كاتبت عبدوي فِي الَّتِي
…
إِذا نالها أولتك شَرّ وبال)
(وَقَالُوا وعدت الْقَوْم عِنْد لقائهم
…
رُجُوعا عَن الهيجا بِغَيْر قتال)
(وَلَيْسَ الَّذِي مناك عبدوي كَائِنا
…
فَدَعْهُ وَلَا تركن لقَوْل ضلال)
(أَلا إِنَّنِي لم أمس فِيك مُصدقا
…
لأقوالهم والصدق خير مقَال)
فَلَمَّا وَردت الأبيات على عبد الله علم أَنه أَتَّهِمهُ فَأَجَابَهُ بقوله
(لعمرك لَوْلَا مَا أتهمت لما أَتَت
…
قوارض أبداهن شَرّ مقَال)
(أَظن ابْن روح أنني كنت قَاطعا
…
يمينى الَّتِي أسطو بهَا بشمالي)
(وهبني تناولت الَّتِي كنت خفتها
…
فَكيف أعتذاري فِيك بعد فعالي)
(فَلَا تحسبني مُسلما إِن لقيتهم
…
لأسيافهم ظَهْري بِغَيْر قتال (
فَقَالَ الْفضل عِنْد قِرَاءَة جَوَابه لَو كَانَ حسادنا يتركون الْبَغي على حَال لتركوه على مثل حَالنَا هَذِه ثمَّ أخرجه إِلَى قتال عبدويه بن الْجَارُود فَهَزَمَهُ عبد الله بن يزِيد ثمَّ عاوده الحدب فَهَزَمَهُ عبدويه وأنصرف عبد الله إِلَى
القيروان مفلولاً فَكَانَ مَعَ ابْن عَمه الْفضل إِلَى أَن تكلب عَلَيْهِ ابْن الْجَارُود ثمَّ قَتله بعد أَن أسترجعه من طَرِيقه وَأطلق عبد الله بن يزِيد وَأمره وأخاه الْمُهلب بن يزِيد وَنصر بن حبيب وجماعتهم بالتجهز وَالْخُرُوج من إفريقية فَخَرجُوا إِلَى الْمشرق
24 -
سُلَيْمَان بن حميد الغافقي أَبُو دَاوُود
فَارس الْعَرَب قاطبة بالمغرب فِي عصره وَأحسن النَّاس لِسَانا وأبلغهم إِلَى معرفَة بأيام الْعَرَب وأخبارها وَرِوَايَة لوقائعها وَأَشْعَارهَا مَعَ دعابة كَانَت فِيهِ وعبث لَا يَدعه حملت عَنهُ فِي ذَلِك نَوَادِر مستطرفة وحكايات مستملحة
وخافه عبد الرَّحْمَن بن حبيب بن أبي عُبَيْدَة بن عقبَة بن نَافِع الفِهري فسجنه وأخاه مُحَمَّدًا وَلم يكن بِدُونِهِ وَكَانَ مُحَمَّد وَهُوَ أكبر من سُلَيْمَان والياً على الأربس فثار على عبد الرَّحْمَن بن حبيب وسرحهما إلْيَاس بن حبيب حِين قتل أَخَاهُ عبد الرَّحْمَن وَولي إفريقية بعده وأستعان بهما فِي ذَلِك وعاش
سُلَيْمَان يزِيد بن حَاتِم المهلبي فقصدوا قسطيلية وَهُوَ الْقَائِل فِي يَوْم أبي زرجونة
(وَمَا إِن صُدِدْنَا عَنْهُم خوف بأسهم
…
وحاشا لنا أَن نتقي بَأْس بربرا)
(وَإِنَّا إِذا مَا الْحَرْب أَسعر نارها
…
لنلقى المنايا دارعين وحسرا)
(ونغدو بصبر حِين تشتجر القنا
…
فلست ترى منا على الْمَوْت أصبرا)
(وَلَكِن أردنَا ذل قوم تطاولوا
…
علينا وأبدوا نخوة وتكبرا)
25 -
عبد الله بن الْجَارُود الْعَبْدي وَيُقَال لَهُ عبدويه
لما غلب على القيروان وَأخرج الْفضل بن روح ثمَّ رده وأرداه بعد صيته وأستغلظ أمره وزحف إِلَيْهِ مَالك بن الْمُنْذر الْكَلْبِيّ من مَيْلَة فِي جند حمص ثائرين بِالْفَضْلِ فصرع مَالك بِسَهْم فِي تقاتلهما وَنَجَا ابْن الْجَارُود ثمَّ زحف إِلَيْهِ الْعَلَاء بن سعيد المهلبي من الزاب وَلم تكن لِابْنِ الْجَارُود بِهِ طَاقَة فصادفه قد خرج من القيروان ليلقى خَليفَة هرثمة بن أعين وَقد قدمه بَين يَدَيْهِ وَذَلِكَ مستهل صفر سنة تسع وَسبعين وَمِائَة وَكَانَ الرشيد لما بلغه خبر ابْن الْجَارُود قد وَجه إِلَيْهِ من تلطف بِهِ حَتَّى أقدمه عَلَيْهِ وَكَانَت أَيَّامه سَبْعَة أشهر وَقدم هرثمة بن أعين والياً على إفريقية
وَمن شعره عِنْد فتكه بِمُحَمد بن الْفَارِسِي وَكَانَ من أَصْحَابه ثمَّ خرج عَلَيْهِ فِي أهل خُرَاسَان وَمن أطاعه وتناهضا للحرب فمكر ابْن الْجَارُود بِهِ وَدعَاهُ إِلَى الْكَلَام وَأمر شجاعاً من فرسانه إِذا رَآهُ مَعَه أَن يفتك بِهِ فتم ذَلِك وأنهزم أَصْحَابه وَقَالَ ابْن الْجَارُود فِي ذَلِك
(لقد رامني ابْن الْفَارِسِي بكيده
…
فَوَافَقَ أمضى مِنْهُ عزماً وأكيدا)
(عَشِيَّة أَدْعُوهُ ليسمع منطقي
…
فأعجزه إصدار مَا كَانَ أوردا)
(فداريته حَتَّى اطْمَأَن جنانه
…
وَكنت امْرأ مثلي أغار وأنجدا)
(أَشرت إِلَى ذِي نجدة فأنكفا لَهُ
…
بأسمر خطى إِذا مَال أقصدا)
(فَمَا زَالَ قاب الْقوس إِلَّا وعامل
…
من الرمْح دَامَ بَين خضنيه قد بدا)
(فَقل للعلاء قد أَصَابَت مُحَمَّدًا
…
منية يَوْم فَارْتَقِبْ مثلهَا غَدا)
وَهُوَ الْقَائِل أَيْضا فِي مصرع مَالك بن الْمُنْذر يُخَاطب الْعَلَاء بن سعيد عِنْدَمَا زحف إِلَيْهِ
(أَفِي كل يَوْم ثَائِر قتلته
…
بِفضل وَمَا يَنْفَكّ للفضل ثَائِر)
(قضيت لنَفْسي النّذر فِي قتل مَالك
…
وَإِنِّي لَهَا قتل الْعَلَاء لناذر)
(فَمَا للعلاء خيرة فِي لقائنا
…
وَلَيْسَ لَهُ فِي النَّاس إِن فر عاذر)
26 -
مَالك بن الْمُنْذر الْكَلْبِيّ أَبُو عبد الله
كَانَ والياً على مَيْلَة فَدَعَاهُ جند حمص وَغَيرهم من الْعَرَب فأمروه لطلب ثأر الْفضل بن روح وأجتمع إِلَيْهِ النَّاس وألتقى هُوَ وَابْن الْجَارُود فأنهزم أَصْحَاب مَالك فترجل عَن فرسه وَشد فِي نفر من أَصْحَابه وَهُوَ يَقُول
(يَا موت إِنِّي مَالك بن الْمُنْذر
…
أهتك حَشْو الْبيض والسنور)
(أقتل من صابر أَو لم يصبر
…
كأنني أفعل مَا لم يقدر)
فَخرج إِلَيْهِ بن الْجَارُود وَهُوَ يَقُول
(إِلَى فادن مَالك بن مُنْذر
…
أَنا الَّذِي قتلت رب الْمِنْبَر)
(جرعته كأس الْحمام الْأَحْمَر
…
فأصبر ستلقاه وَإِن لم يصبر)
فَقتل مَالك بِسَهْم وأنهزم أَصْحَابه
27 -
الْعَلَاء بن سعيد بن مَرْوَان المهلبي
كَانَ والياً على الزاب فَأقبل مِنْهَا لمحاربة ابْن الْجَارُود وَلما وصل إِلَى الأربس اجْتمع مَعَ أهل الشَّام وَبلغ ذَلِك ابْن الْجَارُود فَقَالَ أَفِي كل يَوْم ثَائِر قد قتلته الأبيات الرائية الْمُتَقَدّمَة وَكتب إِلَيْهِ كتابا مَعَه فجاوبه الْعَلَاء عَنهُ وَقَالَ يخاطبه
(لعمرك يَا عبدوي مَا كنت تَارِكًا
…
دم الْفضل أَو يكسوني الترب ثَائِر)
(نذرت دمي فَأنْظر إِذا مَا لقيتني
…
على من بكأسيها تَدور الدَّوَائِر)
(ستعلم إِن أنشبت فِيك مخالبي
…
إِلَى أَي قرن أسلمتك المقادر)
ثمَّ أقبل الْعَلَاء فصادف ابْن الْجَارُود قد خرج إِلَى يحيى بن مُوسَى خَليفَة هرثمة بن أعين فَكَانَ الْعَلَاء يدعى أَنه الَّذِي أخرج ابْن الْجَارُود من إفريقية
28 -
إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مزين الأودي
أصل سلفه من أكشونبة وَصَارَت بهَا لعقبه رئاسة بعد افْتِرَاق الْجَمَاعَة بقرطبة إِلَى أَن غلب على آخِرهم المعتضد عباد بن مُحَمَّد صَاحب إشبيلية
وَسكن إِبْرَاهِيم هَذَا وَهُوَ وَالِد يحيى بن إِبْرَاهِيم بن مزين الْفَقِيه صَاحب تَفْسِير الْمُوَطَّأ قرطبة وَكَانَ يتعاقب مَعَ الْحجاب وَجلة الوزراء والقواد فِي أَيَّام الحكم بن هِشَام ثمَّ ولاه إِمَارَة طليطلة أعواماً مُتَّصِلَة وَكَانَ قد وَليهَا قبله جده إِبْرَاهِيم بن مزين الْكَاتِب وَابْن الفرضي يَجْعَل بني مزين موالى رَملَة بنت عُثْمَان بن عَفَّان رضي الله عنه وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد هُوَ الْقَائِل
(يأبي أَنْت من غزال مليح
…
لَيْسَ فِيهِ لمن تَأمل لَوْلَا)
(رَوْضَة الْحسن فِيك تزهى وَلَكِن
…
كل حول يبْقى ربيعك حولا)
29 -
مُحَمَّد بن مقَاتل بن حَكِيم العكى
ولاه الرشيد إفريقية بعد هرثمة بن أعين وَكَانَ فِيمَا يُقَال رَضِيع
الرشيد وَكَانَ جَعْفَر بن يحيى شَدِيد الْعِنَايَة بِهِ فَقدم القيروان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة فِي رَمَضَان وَكَانَ أَبوهُ مقَاتل بن حَكِيم من كبار القائمين بالدعوة العباسية وَحضر مَعَ قَحْطَبَةَ بن شبيب حروب المروانية ثمَّ قَتله عبد الله بن عَليّ لما خلع وَادّعى الْأَمر
وَلم يلبث مُحَمَّد بن مقَاتل أَن أَضْطَرِب أمره وأختلف عَلَيْهِ جنده وَخرج عَلَيْهِ بتونس تَمام بن تَمِيم التَّمِيمِي وَكَانَ عَامله عَلَيْهَا وَهُوَ جد أبي الْعَرَب مُحَمَّد بن أَحْمد بن تَمِيم بن تَمام صَاحب طَبَقَات إفريقية فزحف إِلَى القيروان فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ فَخرج إِلَيْهِ ابْن العكي فأنهزم وَدخل تَمام القيروان فِي آخر رَمَضَان الْمَذْكُور فَأَمنهُ على دَمه وَمَاله على أَن يخرج عَنْهُم
وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب والياً على الزاب فَنَهَضَ مِنْهَا فِي نصْرَة مُحَمَّد بن مقَاتل وَعلم تَمام أَنه لَا طَاقَة لَهُ بِهِ فتخلى عَن القيروان وَرجع إِلَى تونس
وَدخل إِبْرَاهِيم القيروان فَبَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ صعد الْمِنْبَر فَخَطب النَّاس وأعلمهم أَن أَمِيرهمْ مُحَمَّد بن مقَاتل وَكتب إِلَيْهِ فَأقبل رَاجعا
وَأَرَادَ تَمام أَن يُحَرِّش بَينهمَا فَكتب إِلَى مُحَمَّد بن مقَاتل كتابا فِي آخِره
(وَمَا كَانَ إِبْرَاهِيم من فضل طَاعَة
…
يرد عَلَيْك الثغر لَكِن لتقتلا)
(فَلَو كنت ذَا علم وعقل بكيده
…
لما كنت مِنْهُ يَا ابْن عك لتقبلا)
(فمهما تشأ يمنعك مِنْهُ ابْن غَالب
…
وَمهما يَشَأْ فِيك ابْن أغلب يفعلا)
فجاوبه العكي بنقيض ذَلِك وَكتب فِي أَسْفَل كِتَابه
(وَإِنِّي لأرجو إِن لقِيت ابْن أغلب
…
غَدا فِي المنايا أَن تفل وتقتلا)
(تلاقى فَتى يستصحب الْمَوْت فِي الوغى
…
ويحمى بصدر الرمْح عزا مؤثلاً)
(كَأَنَّك قد صافحت فِي بطن كَفه
…
من الْبيض مَحْمُود المهزة مقصلا)
وَأَقْبل تَمام ثَانِيَة فِي عَسْكَر ضخم فَخرج إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم وَابْن العكى وَرَاءه فأنهزم تَمام عِنْد التقائهما وَعَاد ابْن العكى إِلَى القيروان وَاتبعهُ إِبْرَاهِيم إِلَى تونس فَطلب مِنْهُ الْأمان فَأَمنهُ ورحل بِهِ إِلَى القيروان وبعقب هَذَا ورد كتاب الرشيد بعزل ابْن العكى وتولية إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب
30 -
الخصيب مولى ابْن العكى
قدمه مُحَمَّد بن مقَاتل مَوْلَاهُ لِحَرْب مخلد بن مرّة الْخَارِج عَلَيْهِ قبل تَمام بن تَمِيم وَأمره على الْجَيْش الناهد صحبته فَصبح الْقَوْم آمن مَا كَانُوا
وهم خَمْسمِائَة من أهل خُرَاسَان وَالشَّام وَكَانَ الَّذِي هاج ذَلِك فلاح بن عبد الرَّحْمَن الكلَاعِي فَقتل مخلد بن مرّة أَمِيرهمْ وعدة مِمَّن كَانَ مَعَه وأنهزم أَصْحَابه إِلَى تونس وَمر الخصيب بمنزل فلاح فأحرقه وَأخذ امْرَأَته فأنطلق بهَا وَقَالَ فِي ذَلِك
(لَو كنت حرا يَا فلاح صبرت لي
…
وحميت عرسك والفتى يحمى)
(لَكِن هربت من القراع وَأسْلمت
…
كَفاك حرمتهَا على الرغم)
(مَا النَّجْم أبعد مِنْك لَو طالبته
…
لتناله بيديك من سلمى)
31 -
تَمام بن تَمِيم الدَّارمِيّ التَّمِيمِي أَبُو الجهم الْقَائِم على ابْن العكي الْمَذْكُور آنِفا
وَهُوَ ابْن عَم إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب قد تقدم من خَبره وشعره مَا أغْنى عَن إِعَادَته هُنَا وَفِي الْكتاب المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب تأليف أبي على الْحسن بن أبي سعيد القيرواني أَن تَمامًا هَذَا لما سمع بحركة إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إِلَيْهِ من الزاب فِي محاربته وَنصر ابْن العكي كتب إِلَيْهِ كتابا يستدعيه ويستعطفه وَكتب فِي أَسْفَله
(أقدم إِبْرَاهِيم علما بفضله
…
وَحقّ لَهُ فِي الْأَمر أَن يتقدما)
(وَقلت لَهُ فأحكم فحكمك جَائِز
…
علينا فقد أَصبَحت فِينَا مقدما)
(ورد فِي بِلَاد الزاب مَا شِئْت قَادِرًا
…
وَإِن شِئْت ملك الغرب خُذْهُ مُسلما)
فجاوبه ابْن الْأَغْلَب بِخِلَاف ذَلِك وَكتب إِلَيْهِ فِي أَسْفَل كِتَابه
(دَعَوْت إِلَى مَا لَو رضيت بِمثلِهِ
…
لما كنت يَا تَمام فِيهِ مقدما)
(سأجعل حكمي فِيك ضَرْبَة صارم
…
إِذا مَا علا مِنْك المفارق صمما)
(ستعلم لَو قد صافحتك رماحنا
…
بكف المنايا أَيّنَا كَانَ أظلما)
فَذكر عَن فلاح الكلَاعِي أَنه قَالَ كنت عِنْد تَمام يَوْم قَرَأَ كتاب إِبْرَاهِيم فَذهب لَونه ثمَّ أرتعد حَتَّى سقط الْكتاب من يَده وَكَانَ صَارِمًا شجاعاً ممدحاً وَفِيه يَقُول الْفضل بن النَّهْشَلِي يمدحه من قصيدة
(أضحت ومنزلها مصر ومنزلنا
…
بالقيروان وَيَا تشواق مغترب)
(أَخا بني نهشل دعها فقد نزحت
…
وأمدح قريع معد وَاحِد الْعَرَب)
(تَمام كَبْش بني عدنان قاطبة
…
الدارمى الْكَرِيم الْبَيْت وَالنّسب)
(الْفَارِس البطل الحامي حَقِيقَته
…
والناعش الرائش الفراج للكرب)
(تأوى إِلَيْهِ نزار حِين يدهمها
…
ريب الزَّمَان وتخشى سطوة النوب)
(أعطف بَنو دارم فِي الْمجد رايتها
…
بني المجاشع يَوْم الْفَخر والحسب)
قَالَ أَبُو الْعَرَب وَذكر ولَايَة جده تَمام هَذَا إفريقية بعد مُحَمَّد بن مقَاتل العكي تَمام بن تَمِيم هَذَا هُوَ جدنا هُوَ ابْن القادم من الْمشرق قَالَ وَتُوفِّي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة بِبَغْدَاد
وَفِي الْكتاب المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب أَن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب لما صَار الْأَمر إِلَيْهِ بعث بِهِ وبجماعة مَعَه من وُجُوه الْجند الَّذين كَانَ شَأْنهمْ الْوُثُوب
على الْأُمَرَاء إِلَى الرشيد فَأَما تَمام فَإِنَّهُ حبس إِلَى أَن مَاتَ فِي حَبسه
وَحكى أَن الرشيد وعد أَخَاهُ سَلمَة بن تَمِيم إِطْلَاقه وَبلغ ذَلِك إِبْرَاهِيم ابْن الْأَغْلَب فَكتب إِلَى عمته وَهِي بِبَغْدَاد فِي سمه فأشتهى تَمام حوتاً فَسَمتْهُ لَهُ فَمَاتَ من أكله بعد أَن ذهب بَصَره فِي المطبق قبل مَوته بِشَهْر وَعلم الرشيد بذلك فترحم عَلَيْهِ وتوجع لَهُ وَأحسن إِلَى سَلمَة أَخِيه وَصَرفه إِلَى إفريقية
32 -
إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب بن سَالم بن عقال أَبُو إِسْحَق
ولاه الرشيد إفريقية بعد مُحَمَّد بن مقَاتل العكى فأستقل بملكها وأورث سلطنها بنيه نيفاً على مائَة سنة وَكَانَ فَقِيها عَالما أديباً شَاعِرًا خَطِيبًا ذَا رأى وبأس وحزم وَمَعْرِفَة بِالْحَرْبِ ومكائدها جرىء الْجنان طَوِيل اللِّسَان حسن السِّيرَة لم يل إفريقية أحد قبله من الْأُمَرَاء أعدل فِي سيرة وَلَا أحسن لسياسة وَلَا أرْفق برعية وَلَا أضبط لأمر مِنْهُ
وَكَانَ فِي أول حَالَته كثير الطّلب للْعلم والأختلاف إِلَى اللَّيْث بن سعد الْفَقِيه وَاللَّيْث وهب لَهُ جلاجل أم ابْنه زِيَادَة الله فَخرج بهَا حَتَّى وصل الزاب وعَلى إفريقية يَوْمئِذٍ الْفضل بن روح بن حَاتِم فلقى من تعصبه وَسُوء مجاورته عَظِيما وَأقَام أَخُوهُ عبد الله بن الْأَغْلَب بِمصْر وَكَانَ ذَا نعْمَة عَظِيمَة فَلَمَّا توفّي أرتحل بنوه إِلَى إفريقية
وَولى الزاب من قبل هَارُون الرشيد وَابْن العكى على إفريقية وَقد تقدم ذكر نصرته لِابْنِ العكى إِلَى أَن صرف بإبراهيم سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة
وَتوجه إِلَى الْمشرق فَلَمَّا بلغ طرابلس دلّس لَهُ كَاتبه دَاوُود القيرواني على لِسَان الرشيد كتابا بِإِقْرَارِهِ على إفريقية وأنصرافه إِلَى عمله فتمشى ذَلِك زَمَانا وَبلغ الرشيد فَغَاظَهُ وأسجل لإِبْرَاهِيم بِولَايَة إفريقية ثَانِيَة فأشتد عِنْد ذَلِك سُلْطَانه وَعظم دون الْمُلُوك الَّذين تقدموه شَأْنه وَخرج ابْن العكى من إفريقية وأعمالها وعَلى هَذِه الْحَال لم يكاف إِبْرَاهِيم على حسن مَا أسلفه فِي جَانِبه إِلَّا بأقبح الْأَفْعَال
وَمن فَضَائِل إِبْرَاهِيم المأثورة وجلائل أنبائه المسطورة أَنه عَفا عَن دَاوُود كَاتب ابْن العكى وَأسْقط التثريب عَلَيْهِ وَقبل متابه فَأَمنهُ وأستعمله وَقد ذكرت ذَلِك فِي تأليفي المترجم ب إعتاب الْكتاب وَهُوَ الْقَائِل وَقد خلف أَهله بِمصْر فِي قَصده الزاب
(مَا سرت ميلًا وَلَا جَاوَزت مرحلة
…
إِلَّا وذكرك يثنى دائباً عنقِي)
(وَلَا ذكرتك إِلَّا بت مرتفقاً
…
أرعى النُّجُوم كَأَن الْمَوْت معتنقى)
الْبَيْت الأول نَظِير قَول يزِيد بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان فِي زوجه
(إِذا سرت ميلًا أَو تغنت حمامة
…
دعتني دواعي الشوق من أم خَالِد)
وَكَانَ مُحَمَّد بن سِيرِين يَقُول هُوَ أشوق بَيت قالته الْعَرَب
وَقَالَ إِبْرَاهِيم وَهُوَ بالزاب فِي قتل ابْن الْجَارُود للفضل بن روح بن حَاتِم وَقد بلغه أَن نصر بن حبيب المهلبي أَشَارَ برد الْفضل من طَرِيقه لِأَنَّهُ خَافَ
أَن يحدث حَدثا فيقتله ابْن الْجَارُود بِسَبَبِهِ
(يَا نصر قد أَصبَحت ألأم من مضى
…
مِنْكُم وألام حَاضر مَعْلُوم)
(لما أَشرت برد فضل بَعْدَمَا
…
قطع الْبِلَاد على أقب رسوم)
(لم ترض بالخذلان حَتَّى كدته
…
لَا زلت مخذولا بِغَيْر حميم)
(مَا كنت حِين غَدَوْت تنشر لحية
…
فِيهَا لقَوْمك غدرة بكريم)
(لَو كَانَ ناداني أجبْت دعاءه
…
بِالْخَيْلِ أقحمها بِسَعْد تَمِيم)
(خيل بهَا أهْدى المنايا للعدى
…
وَبهَا أفرج كربَة المكظوم)
وَقَالَ أَيْضا فِي دُخُوله القيروان قَائِما بنصرة ابْن العكى وهرب تَمام بن تَمِيم أَمَامه
(لَو كنت لاقيت تَمامًا لصال بِهِ
…
ضرب يفرق بَين الرّوح والجسد)
(لكنه حِين شام الْمَوْت يقدمني
…
ولي فِرَارًا وخلى لي عَن الْبَلَد)
(إِن يستقم نعف عَمَّا كَانَ قدمه
…
وَإِن يعد بعْدهَا فِي غدرة نعد)
ثمَّ نزل عَن الْمِنْبَر وَكتب إِلَى مُحَمَّد بن مقَاتل يستعيده إِلَى عمله وَقَالَ فِي ذَلِك
(أتشكر عَنَّا مَا صنعت بربها
…
وردى عَلَيْهَا الثغر أم هِيَ تكفر)
(نفيت لَهَا التَّمام بِالسَّيْفِ عنْوَة
…
وَلم يغنه فِي الله مَا يتمضر)
(فَأقبل إِلَيّ مَا كنت خلفت كَارِهًا
…
فقد ذاد سَيفي عَنْك مَا كنت تحذر)
وَقَالَ أَيْضا فِي ذَلِك
(ألم ترني رددت طريد عك
…
وَقد نزحت بِهِ أَيدي الركاب)
(أخذت الثغر فِي سبعين منا
…
وَقد أوفى على شرف الذّهاب)
(هزمت لَهُم بِعدَّتِهِمْ ألوفاً
…
كَأَن رعيلهم قزع السَّحَاب)
قَالَ إِبْرَاهِيم هَذَا لِأَنَّهُ قصد لنصرة ابْن العكى فِي سبعين فَارِسًا من أهل بَيته وخاصته إقداماً ونجدة فَقَالَ بعض شعراء إفريقية فِي ذَلِك
(مَا مر يَوْم لإِبْرَاهِيم نعلمهُ
…
إِلَّا وشيمته للجود والباس)
وَلما حَارب تَمامًا وَابْن العكى بالقيروان حمل على الميمنة وَهُوَ يَقُول
(أطعنهم وَلَا أرى لي كفوا
…
حَتَّى أنال مَا أُرِيد عفوا)
(أَو أحسون كأس المنايا حسوا
…
)
ثمَّ رَجَعَ إِلَى الميسرة بعد أَن كسر الميمنة وَهُوَ يَقُول
(قد علمت سعد وأبناه مُضر
…
أَنِّي منعت عزها أَن يعتصر)
(وأنني فخارها لمن فَخر
…
)
ففضها ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْقلب فَشد عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُول
(يَا قلب قد أَبْصرت صاحبيكا
…
مَا لقيا مني فَخذ إليكا)
(ضربا يمور وقعه عليكا
…
كَيفَ ترى دفعي بجانبيكا)
وَحمل أَصْحَابه فَكَانَت الْهَزِيمَة على تَمام
وَله حِين وَجه بِمن كَانَ يخَاف أَمرهم من وُجُوه الْجند إِلَى الرشيد
(مَا سَار كيدي إِلَى قوم وَإِن كَثُرُوا
…
إِلَّا رمى شِعْبهمْ بالحزم فأنصدعا)
(وَلَا أَقُول إِذا مَا الْأَمر نازلني
…
يَا ليته كَانَ مصروفاً وَقد وَقعا)
(حَتَّى أجليه قهرا بمعتزم
…
كَمَا يجلى الدجى بدر إِذا طلعا)
(قوما قتلت وقوماً قد نفيتهم
…
ساموا الْخلاف بِأَرْض الغرب والبدعا)
(كلا جزيتهم صدعاً بصدعهم
…
وكل ذِي عمل يجزى بِمَا صنعا)
وَله أَيْضا وَهُوَ من جيد شعره
(ألم ترني أوديت بالكيد راشداً
…
وأتى بِأُخْرَى لِابْنِ إِدْرِيس راصد)
(تنَاوله عزمي على بِأَيّ دَاره
…
بمختومة فِي طيهن المكائد)
(وَقد كَانَ يَرْجُو أَن يفوت مكائدي
…
كَمَا كَانَ يخشاني على الْبعد رَاشد)
(ثَلَاثُونَ ألفا سقتهن لقَتله
…
لأصلح بالغرب الَّذِي هُوَ فَاسد)
(فأضحى لدينا رَاشد ينتبذنه
…
بَنَات المنايا والحسان الخرائد)
(فتاه أَخُو عك بمهلك رَاشد
…
وَقد كنت فِيهِ ساهراً وَهُوَ رَاقِد)
رَاشد هَذَا هُوَ مولى عِيسَى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عَليّ بن أبي طَالب وَكَانَ عَاقِلا شجاعاً أيداً خرج بِإِدْرِيس بن عبد الله أخى مَوْلَاهُ عِنْد انهزامه فِي وقْعَة فخ وَقد تقدم ذكرهَا وأنغمس بِهِ فِي حَاج أهل مصر وَغير زيه وَألبسهُ مدرعة وعمامة غَلِيظَة وصيره كالغلام يَخْدمه وَإِن أمره وَنَهَاهُ أسْرع فِي ذَلِك وتخلص إِلَى إفريقية فِي خبر طَوِيل فَترك دُخُولهَا ثمَّ سَار بِهِ فِي بِلَاد البربر حَتَّى أنْتَهى إِلَى فاس وطنجة فأظهر إِدْرِيس هُنَالك أمره وَأخْبر بنسبه ودعا للبربر إِلَيْهِ فَأَجَابُوهُ وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة فِي السّنة الَّتِي توفّي فِيهَا عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَولى ابْنه هِشَام الرِّضَا وَفِي السّنة الثَّانِيَة من خلَافَة هَارُون الرشيد أَقَامَ بَين أظهر البربر ملكا مُطَاعًا وَبلغ الرشيد خَبره فشق عَلَيْهِ وشكا ذَلِك إِلَى يحيى بن خَالِد فَدس إِلَيْهِ من
سمه فِي غَالِيَة وَقيل فِي ذرور أستن بِهِ وَقيل فِي دلاعة قطعهَا بسكين نصفهَا مَسْمُوم وَالثَّانِي غير مَسْمُوم وَقيل فِي بطيخة وهرب هُوَ وَصَاحب لَهُ فَيُقَال إِن راشداً اتبعهما وَقد بعدا فأدركهما وَهُوَ وَحده على فرسه فَشد عَلَيْهِمَا بِسَيْفِهِ فَضرب أَحدهمَا وَفَاتَ الآخر وأنصرف رَاشد وَهلك إِدْرِيس
وَيُقَال إِن الَّذِي دس الرشيد إِلَيْهِ ليسمه هُوَ الشماخ اليمامي وَكتب لَهُ إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب فوصل إِلَى إِدْرِيس وعرفه أَنه متطبب وَأَنه من أَوْلِيَائِهِمْ فأطمأن إِلَيْهِ وَأنس بِهِ وشكا إِلَيْهِ عِلّة فِي أَسْنَانه فَأعْطَاهُ سنوناً مسموماً وَأمره أَن يستن بِهِ عِنْد طُلُوع الْفجْر وهرب تَحت اللَّيْل فَلَمَّا طلع الْفجْر أستن إِدْرِيس بذلك السنون فَقتله وَطلب الشماخ فَلم يقدر عَلَيْهِ وَقدم
على إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب فَأخْبرهُ فَكتب إِبْرَاهِيم إِلَى الرشيد بذلك فولى الشماخ بريد مصر وَأَجَازَهُ وَقد تقدم عِنْد ذكره أَن الَّذِي سمه سُلَيْمَان بن جرير فِي سَمَكَة مشوية وَقَالَ فِي ذَلِك أَشْجَع السلمى من شعراء الرشيد
(أتظن يَا إِدْرِيس أَنَّك مفلت
…
كيد الْخَلِيفَة أَو يقيك حذار)
(إِن السيوف إِذا انتضاها عزمه
…
طَالَتْ وتقصر دونهَا الْأَعْمَار)
(هَيْهَات إِلَّا أَن تكون ببلدة
…
لَا يَهْتَدِي فِيهَا إِلَيْك نَهَار)
وَكَانَت مُدَّة سُلْطَان إِدْرِيس بالمغرب إِلَى أَن مَاتَ بوليلى سنة خمس وَقيل سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة ثَلَاثَة أَعْوَام وَسِتَّة أشهر
وَكَانَ قد خرج إِلَى سبتة فِي شَيبَان سنة ثَلَاث وَسبعين وَإِلَى تازا فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَسبعين وَترك حملا من إِحْدَى جواريه فَقَامَ رَاشد بِأَمْر البربر حَتَّى ولدت غلاماا فَسَماهُ باسم أَبِيه إِدْرِيس وكفله إِلَى أَن بلغ الْغُلَام
وَعلا أَمر رَاشد وأستفحل وهم بغزو إفريقية لما كَانَ فِيهِ من الْقُوَّة وَكَثْرَة الْجنُود فكاده إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب من الزاب مَوضِع ولَايَته ودس إِلَى أَصْحَابه وبذل لَهُم الْأَمْوَال إِلَى أَن أغتالوه وبعثوا بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ فَبعث بِهِ إِلَى ابْن مقَاتل العكى وَأخْبرهُ بكيده إِيَّاه وتدبيره فِي قَتله فَبعث بِهِ العكى إِلَى هَارُون الرشيد وَنسب ذَلِك إِلَى نَفسه دون إِبْرَاهِيم فَكتب صَاحب بريد الْمغرب إِلَى هَارُون بصنيع إِبْرَاهِيم فِي رَاشد فعلى إِثْر ذَلِك ولي الرشيد إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إفريقية وَصرف عَنْهَا العكى
وَقد قيل إِن الرشيد إِنَّمَا دس إِلَى إِدْرِيس من أغتاله وخاطب إِبْرَاهِيم بِهِ وَهُوَ عَامل لَهُ على إفريقية وَالْأول أصح وَتُوفِّي إِبْرَاهِيم
فِي شَوَّال لثمان لَيَال بَقينَ مِنْهُ سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة وَهُوَ ابْن سِتّ وَخمسين سنة فَكَانَت ولَايَته اثنتى عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام
33 -
يحيى بن الْفضل بن النُّعْمَان التَّمِيمِي أَبُو الْعَبَّاس
كَانَ صَاحب بريد الْمغرب أَيَّام ابْن العكى وَهُوَ الْقَائِل لتَمام بن تَمِيم حِين بلغه إقبال إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إِلَيْهِ
(أتمام لَا تقعد فَإِنِّي نَاصح
…
وَخذ مهلة إِن كنت لَا بُد هَارِبا)
(وَإِلَّا فعذ من سخطه بأمانه
…
فلست بلاق لِابْنِ أغلب غَالِبا)
(وَلَا تُحِسُّونَ كأساً فَلَيْسَ بِنَافِع
…
تحسيك مَا فِيهَا إِذا كنت شارباً)
34 -
خريش بن عبد الرَّحْمَن بن خريش الْكِنْدِيّ
ثار بتونس وَكَانَ صهر الْحسن بن حَرْب الْكِنْدِيّ الْمُخَالف على الْأَغْلَب ابْن سَالم وَلم يكن من الْجند وَلكنه من أَبنَاء الْعَرَب الَّذين كَانُوا بإفريقية
قبل المسودة فَخلع المسودة وَأَتَاهُ الْعَرَب والبربر من كل نَاحيَة فَلَمَّا كثر جمعه كتب إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب
من خريش الْقَائِم بِالْعَدْلِ إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب
أما بعد فَإِنِّي أَقمت عَن الْخُرُوج قبل يومي هَذَا لِأَنِّي كنت أنْتَظر أَن تفنيكم الْحَرْب فلعمري لقد أرانا الله فِيكُم مَا قوى بِهِ أهل دَعْوَة الْحق عَلَيْكُم فَلَمَّا وليت أَنْت وَعلمت أَنهم مقسومون بَين خوف مِنْك ورجاء لَك عرفت قلَّة طمعهم فِيك وَلَو كَانَ أحد مِمَّن ولي هَذَا الثغر مِمَّن لَا نرى طَاعَته يسْتَحق أَن نرضى بولايته لَكُنْت أَنْت ذَلِك وَقد كَانَ عَليّ بن أبي طَالب رَحْمَة الله عَلَيْهِ يَقُول إِذا ولى عَنْكُم عَدوكُمْ من أهل الْملَّة فَلَا تتبعوهم وَلست أطلبك إِن خرجت عَن الثغر فَلَا ترد أَن تصلى بحربي وَليكن رَأْيك طلب سلمى وَالسَّلَام
وَكتب فِي آخر كِتَابه
(قل جهرة لأبي إِسْحَاق تنصحه
…
هَذَا فراقكم للغرب قد حانا)
(فَلَا يعود إِلَيْهِ مِنْكُم أحد
…
حَتَّى يعود من الإجداث مَوتَانا)
(فأرجع عَن الغرب أَو ألق السوَاد بِهِ
…
لَا تخترمك المنايا حِين تلقانا)
(وسوف تعلم أَن الْمَوْت يسمع لي
…
إِذا ألتقت بنواحي الفحص خيلانا)
فَلَمَّا قَرَأَ إِبْرَاهِيم كِتَابه كتب إِلَيْهِ
من إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إِلَى خريش رَأس الضلال
سَلام على من أتبع الْهدى أما بعد
(فَإِن مثلك مثل الْبَعُوضَة الَّتِي قَالَت للنخلة إِذْ سَقَطت عَلَيْهَا أستمسكي فَإِنِّي أُرِيد الطيران فَقَالَت النَّخْلَة مَا شَعرت بسقوطك فيكربني طيرانك فَأَما انتظارك فِي الْحَرْب فنَاء فَلَو لم يبْق فِي الْمغرب من أهل الطَّاعَة غَيْرِي مَا وصلت أَنْت فِي من مَعَك بخلافكم إِلَيْهِ ولرجوت أَن أظفر بكم بطاعتي وَنَصره دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ فَكيف وَعِنْدِي من شيعته وَأَبْنَاء أنصاره من يعلم الله أَنِّي أرجوه أَن ينْتَقم مِنْك على يَدي وَأما مَا ذكرت عَن عَليّ ابْن أبي طَالب رضوَان الله عَلَيْهِ فَذَاك أَمر غَابَ عَنْك وَإِن كَانَ كَمَا ذكرت فلست مِنْهُم لِأَن أهل الْملَّة خلافهم خلاف هدى فِي نقمة على جور وخلافكم خلاف فرقة دين وشق غصا الْمُسلمين ونقمتهم مَا هُوَ لله رضَا وستعلم أَنْت وَأَصْحَابك إِن لقيناكم غَدا أَنا سنتبعكم وَإِن صَبَرْتُمْ أَنا سنفنيكم
وَأما ذكرك الفحص فَإِن تركتك حَتَّى تصير إِلَيْهِ فَأَنا فِي مثل جِلْدك وَكتب إِلَيْهِ
(بلغ خريشا بِأَنِّي سَوف أصيحه
…
كأساً سيقرع مِنْهَا سنّ حيرانا)
(تهدى الطعان لَهُ سمر مثقفة
…
تفرى أسنتها فِي الْحَرْب أعدانا)
(من كل أَزْرَق يغتال النُّفُوس بِهِ
…
يضحى بِهِ من دم الأجواف ملآنا)
(وسوف تعلم هَل ألقِي السوَاد إِذا
…
أرست إِلَيْك المنايا حِين تلقانا)
(إِنِّي سأهدي إِلَيْك الْمَوْت فِي عطب
…
فأشرب منيته من كف عمرانا)
ثمَّ بعث إِلَى عمرَان بن مجَالد يحضه على قِتَاله ولقائه قبل خُرُوجه من تونس وأوصاه بِمَا يعْمل فَلَقِيَهُ عمرَان بسبخة تونس فأنكشف خريش وَأَصْحَابه وَقتل وَدخل عمرَان تونس يتتبعهم ويقتلهم حَتَّى أفناهم وَكَانَ خُرُوجه سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة
35 -
عمرَان بن مجَالد بن يزِيد الربعِي
ثار على إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَكَانَ قبل ذَلِك فِي طَاعَته ومناصحته وَحضر مَعَه قتال تَمام بن تَمِيم وَخرج نَائِبا عَنهُ لقِتَال خريش بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور آنِفا وَلما قوى أمره أَتَى بعسكره حَتَّى نزل بَين القيروان وَبَين قصر إِبْرَاهِيم
وَصَارَت القيروان فِي يَده وَبعث إِلَى أَسد بن الْفُرَات ليخرج مَعَه فَأبى أَسد وتمارض فَبعث إِلَيْهِ إِمَّا أَن تخرج وَإِلَّا بعثت من يجر برجلك فَقَالَ أَسد وَالله لَئِن أخرجتني لأنادين فِي النَّاس الْقَاتِل والمقتول فِي النَّار فَتَركه عِنْد ذَلِك
وَخَنْدَق إِبْرَاهِيم حول مدينته ودامت الْحَرْب بَينهمَا سنة ثمَّ ضعف عمرَان فهرب إِلَى نَاحيَة الزاب وَسَأَلَ الْأمان هُوَ وَعَمْرو بن مُعَاوِيَة وعامر ابْن المعمر من إِبْرَاهِيم فأجابهم إِلَى ذَلِك
وَبَقِي عمرَان بالزاب إِلَى وَفَاة إِبْرَاهِيم ومصير الْأَمر إِلَى ابْنه أبي الْعَبَّاس عبد الله فَكتب إِلَيْهِ عمرَان يسْأَله تَجْدِيد الْأمان فَأَمنهُ وَأَسْكَنَهُ الْقصر مَعَه وَكَانَ يَغْدُو عَلَيْهِ وَيروح إِلَى أَن سعى بِهِ وَقيل لعبد الله هَذَا ثار على أَبِيك وحاله حَاله فَبعث إِلَيْهِ فِي الظهيرة فَلم يشك فِي الشَّرّ وَكَانَ عبد الله قد قَالَ لمولى لَهُ إِذا ورد على وَهُوَ مشتغل بِالنّظرِ فَلَا يشْعر إِلَّا وَقد رميت بِرَأْسِهِ فَكَانَ ذَلِك على مَا حَده وَكَانَ يحيى بن سَلام الْفَقِيه صَاحب التَّفْسِير قد سفر بَينهمَا فِي الْأمان على مَاله وَنَفسه وَولده فَلَمَّا قَتله وجد لذَلِك وَقَالَ لَا أسكن بَلَدا أَخْفَر فِيهِ الْعَهْد على يَدي فَخرج إِلَى مصر ثمَّ مضى إِلَى مَكَّة فحج وَرجع فَلم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى أعتل وَمَات وَدفن بِمصْر سنة مِائَتَيْنِ وَمن شعر عمرَان فِي حَرْب إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب مَعَ تَمام بن تَمِيم وَقد برز من الصَّفّ
(يَا رسل الْمَوْت أَنا عمرَان
…
أَنا الَّذِي أَنْتُم لَهُ أعوان)
(تصعق من خيفتي الفرسان
…
يضْحك عَن أيامنا الزَّمَان)
(نَحن ضربنا النَّاس حَتَّى دانوا
…
نقْتل أهل النكث حَيْثُ كَانُوا)
فَخرج إِلَيْهِ رجل من أَصْحَاب تَمام وَهُوَ يَقُول
(أرجع على ظلعك يَا عمرَان
…
قد جَاءَك الْمَوْت لَهُ تهتان)
(يسقيكه من راحتي سِنَان
…
وَالظَّن يجلو شكه العيان)
فَشد عَلَيْهِ عمرَان فطعنه فِي ثندؤته فَبَدَا عَامل الرمْح من خَلفه
36 -
عَامر بن المعمر بن سِنَان التَّيْمِيّ تيم الربَاب
كَانَ على شرطة إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب ثمَّ ثار عَلَيْهِ مَعَ عمرَان بن مجَالد وَعَمْرو بن مُعَاوِيَة والرئاسة مِنْهُم فِي تِلْكَ الثورة لعمران إِلَى أَن أستأمنوا جَمِيعًا إِلَى إِبْرَاهِيم فَأَمنَهُمْ وَكَانَ عَامر على قسطيلية والياً وَهُوَ الْقَائِل فِيمَا وَقع بَين مُحَمَّد بن مقَاتل وَتَمام بن تَمِيم من الْحَرْب وَقيام إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب بنصرته
(إِذا كربَة شدت خناق مُحَمَّد
…
فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا ابْن أغلب فارج)
(أَتَاهُ بِتمَام على بأسه بِهِ
…
يُقَاد وَقد ضَاقَتْ عَلَيْهِ المخارج)
(وَقد كَانَ بالإسراف ألقِي سوَاده
…
وَلم تختلجه فِي الْخلاف الخوالج)
(فعاجله بالكيد حَتَّى استفاده
…
وأدركه من بعد مَا قيل خَارج)
(وَلَو أَنه يستودع الشَّمْس نَفسه
…
إِذا ولجت مِنْهُ عَلَيْهِ الولائج)
وَله فِي خُرُوج خريش بن عبد الرَّحْمَن بتونس
(لَوْلَا دفاعك يَا ابْن أغلب أَصبَحت
…
أَرض الْغُرُوب رهينة لفساد)
(ولعمنا ذَاك الْخلاف بفتنة
…
تعدو كتائبها بِغَيْر سَواد)
(قَالُوا غَدَاة لقائهم لَا ننثنى
…
حَتَّى نحل الْخلد من بَغْدَاد)
(فمنوا بأشوس مَا تزَال جياده
…
تَشْكُو الْوَحْي من غَارة وطراد)
(فخرت بِهِ سعد فَأصْبح بَيتهَا
…
فَوق الفراقد ثَابت الْأَوْتَاد)
وَمن ولد عَامر هَذَا حَمْزَة بن أَحْمد بن عَامر بن المعمر كَانَ أديبا ظريفاً
وَأما أَبوهُ المعمر بن سِنَان فَقدم مَعَ يزِيد بن حَاتِم المهلبي فِي ولَايَته إفريقية وَكَانَ زميله فِي طَرِيقه إِذا ركب فِي عماربته لأنسه بِهِ وأستماعه من حَدِيثه وَكَانَ أعلم النَّاس بأيام الْعَرَب وأخبارها ووقائعها وَأَشْعَارهَا وَعنهُ أَخذ أهل إفريقية حَرْب غطفان وَغَيرهَا من وقائع الْعَرَب
37 -
حَمْزَة بن السبال الْمَعْرُوف بالحرون
أحد رُؤَسَاء القواد وشجعان الأجناد وَكَانَ لَهُ من إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب آثر مَكَان وألطف مَحل لقدم صحبته إِيَّاه وتصرفه مَعَه حَيْثُ تصرفت حَاله فَكَانَ لَا يدانيه عِنْده أَخ وَلَا ولد وَلَا أحد من عشيرته وَكَانَ والياً على طبنة
وَوَجهه إِلَى الرشيد فِي القواد المتوثبين على الْوُلَاة بالقيروان وَلَده ولد إِبْرَاهِيم يتولون لَهُم إِلَى قيادة إِلَى عمالة حَتَّى أنفرضت دولة بني الْأَغْلَب وَمن شعره فِي إِيقَاعه بالمذكورين فِيهِ
(سَائل بأبرانس عَنَّا ووقعتنا
…
لما صببنا القنا نَحْو ابْن مرداس)
(ولي وخلى سعيداً رهن نَافِذَة
…
من طعن أروع للأرواح خلاس)
(فَإِن يتوبوا فقد ذاقوا وقائعنا
…
وَإِن يعودوا نعد أُخْرَى من الراس)
وَله فِي حَرْب خريش الْخَارِج على ابْن الْأَغْلَب
(إِن غَابَ إِبْرَاهِيم عَنَّا أَو حضر
…
فإنني أنصره فِيمَن نصر)
(وَالله لَا أرجع إِلَّا بظفر
…
لَيْسَ يَمُوت الْمَرْء إِلَّا بِقدر)
(وكل من خَالَفنَا فقد كفر
…
)
فَجعل مَا يشد على نَاحيَة إِلَّا هدها وبرز فَارس من عَسْكَر تَمام بن تَمِيم فِي خِلَافه وَهُوَ يَقُول
(إِن ظَفرت كفي بإبراهيم
…
هددت رَأس الْعِزّ من تَمِيم)
فَلَمَّا سَمعه إِبْرَاهِيم نَادَى حَمْزَة يَا حَمْزَة أخرج إِلَى هَذَا الْكَلْب فَخرج إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُول
(أَحْلف بالركن وبالحطيم
…
مَا فِيكُم كفو لإِبْرَاهِيم)
(ليصبحن الْيَوْم كالصريم
…
)
ثمَّ شدّ عَلَيْهِ فَقتله
38 -
إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الشيعي
من أَبنَاء أهل خُرَاسَان ووجوه أَصْحَاب إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَكَانَ أقرب النَّاس إِلَيْهِ فِي الداعية أهل خُرَاسَان ثمَّ أهل الشَّام ثمَّ أهل الْبَلَد وأنفذه رَسُولا إِلَى الرشيد وَبعث صحبته برسل بهْلُول بن عبد الْوَاحِد المدغري فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي الْيَوْم الثَّالِث من قدومهم بَغْدَاد وأستأذن الشيعي هَذَا فِي الْكَلَام بعد أَن قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رَسُول سَيْفك دولتك إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب فَأذن لَهُ على إِثْر هَذَا فَخَطب وَكَانَ
بليغاً مدْركا وَهُوَ الْقَائِل فِي مجْلِس ابْن الْأَغْلَب بالقيروان وبدار الْإِمَارَة مِنْهَا عِنْد قدومه لمحاربة تَمام بن تَمِيم بعد محاورة حَسَنَة
(لَوْلَا ابْن الْأَغْلَب أضحى الغرب لَيْسَ بِهِ
…
عدل وَلَا لبنى الْعَبَّاس سُلْطَان)
(عَم الْخلاف قُلُوب الْقَوْم فأبتدعوا
…
إِلَّا خَصَائِص أدتها خُرَاسَان)
(جلا ابْن أغلب عَنَّا كل مظْلمَة
…
فِيمَا الْمُطِيع بسكر الْخَوْف حيران)
(كَادَت شياطين تَمام تردن بِنَا
…
بَحر الضَّلَالَة والتمام شَيْطَان)
39 -
عَمْرو بن مُعَاوِيَة الْقَيْسِي
هُوَ من ولد عُمَيْر بن الْحباب السلمى أحد فرسَان قيس وساداتها الْأَرْبَعَة فِي الْإِسْلَام وهم عبد الله بن حَازِم والجحاف بن حَكِيم وَعُمَيْر بن الْحباب الْمَذْكُور وَزفر بن الْحَرْث وَكَانَ عَمْرو بن مُعَاوِيَة يتَوَلَّى نَاحيَة القصرين من إفريقية وَخرج على إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب مَعَ عمرَان بن مجَالد وَكَانَ وزيره الْغَالِب عَلَيْهِ فِي أُمُوره ثمَّ خرج ثَانِيَة على وَلَده زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم وَكَانَ قد ولاه القصرين وَمَا إِلَيْهِمَا فتغلب على تِلْكَ النَّاحِيَة وَأظْهر الْخلاف فَلَمَّا ظفر بِهِ زِيَادَة الله قَتله وولديه الْحباب وسكتان ودعا أهل بَيته فَشرب مَعَهم ورؤوسهم بَين يَدَيْهِ فَغَضب لَهُم مَنْصُور بن نصر الْجُشَمِي الْمَعْرُوف بالطنبذي وَكَانَ عَاملا على طرابلس وَتَابعه الْجند فأضطربت إفريقية
على زِيَادَة الله وَحصر فِي قصره وَلم يبْق فِي يَده إِلَّا السَّاحِل وَقَابِس إِلَى أَن قتل مَنْصُور وأستأنس إِلَى زِيَادَة الله وصفت لَهُ إفريقية وأستقامت بعد حروب طَوِيلَة وخطوب جليلة
وَمن شعر عَمْرو بن مُعَاوِيَة مَا حكى أَن بعض أَصْحَاب تَمام بن تَمِيم يَوْم التقى هُوَ وَإِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عِنْد خُرُوج تَمام على ابْن العكى برز من الصَّفّ وَهُوَ يَقُول
(الْيَوْم نسقيكم سوى المدام
…
بالبيض يهوى حَدهَا بالهام)
(حَتَّى تخلوا الغرب للتمام
…
)
وبرز إِلَيْهِ عَمْرو وَهُوَ يَقُول
(من مبلغ قولي إِلَى التَّمام
…
حلفا بِرَبّ الْحل وَالْحرَام)
(إِنَّك مَحْمُول على الصمصام
…
وَقد تلاقت حلق الحزام)
ثمَّ شدّ عَلَيْهِ فأرداه عَن فرسه
40 -
بهْلُول بن عبد الْوَاحِد المدغري
كَانَ رَئِيسا فِي قومه وَهُوَ قَامَ بِأَمْر إِدْرِيس بن إِدْرِيس الْحسنى صَاحب الْمغرب ثمَّ تغير عَلَيْهِ وفارقه وَرجع إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عِنْد ظُهُوره على إفريقية وَذَلِكَ بتلطف إِبْرَاهِيم فِي إِفْسَاد مَا بَينه وَبَين إِدْرِيس فجرت بَينهمَا مكاتبات كَانَ فِي بَعْضهَا مِمَّا كتبه البهلول إِلَى إِبْرَاهِيم
(لَئِن كنت تَدعُونِي إِلَى الْحق ناصحاً
…
لتكشف عَن قلبِي ضمير خلاف)
(لقدماً أَتَانَا عَنْك أَنَّك نَاصح
…
لمن قَالَ بِالصُّلْحِ الْخلَافَة كَاف)
(وَأَنَّك مَحْمُود النقائب عِنْدهم
…
تزين مَا تَأتي لَهُم بعفاف)
(فَعجل على رد رَأْيِي فإنني
…
أرد الْهوى للحق حِين يوافي)
فجاوبه إِبْرَاهِيم بقوله
(عرضت على البهلول مَا إِن أَصَابَهُ
…
تعوض مِنْهُ طَاعَة بِخِلَاف)
(ليركب نهج الْحق وَالْحق وَاضح
…
ونهج الْعَمى وعر المسالك عاف)
(فَلَا تتركن رشد الْهدى لضلالة
…
كمستبدل رنق الشَّرَاب بطاف)
(وَبَايع لهارون الإِمَام بِطَاعَة
…
تَجدهُ على الْإِسْلَام خير مكاف)