المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الْمِائَة الثَّالِثَة 41 - عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام الرِّضَا - الحلة السيراء - جـ ١

[ابن الأبار]

الفصل: ‌ ‌الْمِائَة الثَّالِثَة 41 - عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام الرِّضَا

‌الْمِائَة الثَّالِثَة

41 -

عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام الرِّضَا بن عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان أَبُو الْمطرف

وَهُوَ عبد الرَّحْمَن الْأَوْسَط وَالرَّابِع من خلفاء بني أُميَّة بالأندلس بُويِعَ لَهُ يَوْم وَفَاة أَبِيه الحكم الْمَعْرُوف بالربضى يَوْم الْخَمِيس لثلاث وَقيل لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ

وَكَانَت خِلَافَته إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام وَكَانَ فصيحاً مفوهاً شَاعِرًا مَعَ سَعَة الْعلم والحلم وَقلة الْقبُول للبغى والسعايات وَهُوَ الَّذِي أستكمل فخامة الْملك بالأندلس وكسا الْخلَافَة أبهة الْجَلالَة وَظهر فِي أَيَّامه

ص: 113

الوزراء والقواد وَأهل الكور وشيد الْقُصُور وجلب الْمِيَاه من الْجَبَل وَبنى الرصيف على الْوَادي وَهُوَ الْقَائِل متشوقاً ومفتخراً

(فقدت الْهوى مذ فقدي الحبيبا

فَمَا أقطع اللَّيْل إِلَّا نحيباً)

(وَإِمَّا بَدَت لي شمس النَّهَار

طالعة ذَكرتني طروباً)

ص: 114

(فيا طول شوقي إِلَى وَجههَا

وَيَا كبداً أورثتها ندوباً)

(وَيَا أحسن الْخلق فِي مقلتي

وأوفرهم فِي فُؤَادِي نَصِيبا)

(لَئِن حَال دُونك بعد المزار

من بعد أَن كنت مني قَرِيبا)

(لقد أورث الشوق جسمي الضنى

وأضرم فِي الْقلب مني لهيبا)

(عداني عَنْك مَزَار العدا

وقودي إِلَيْهِم لهاماً لهيبا)

(كأين تخطيت من سبسب

وجاوزت بعد دروب دروبا)

(أُلَاقِي بوجهي حر الهجير

إِذا كَاد مِنْهُ الْحَصَى أَن يذوبا)

(وأدرع النَّقْع حَتَّى لبست

من بعد نَضرة وَجْهي شحوبا)

(أُرِيد بِذَاكَ ثَوَاب الْإِلَه

وَمن غَيره أبتغيه مثيبا)

(أَنا ابْن الهشامين من غَالب

أشب حروباً وأطفي حروبا)

(بِي أدارك الله دين الْهدى

فأحييته وأصطلمت الصليبا)

(سموت إِلَى الشّرك فِي جحفل

مَلَأت الحزون بِهِ والسهوبا)

وَذكر سكن بن إِبْرَاهِيم الْكَاتِب وَغَيره أَنه أَمر

ص: 115

لجارية من حظاياه بِعقد جَوْهَر كَانَت قِيمَته عشرَة أُلَّاف دِينَار فَجعل بعض من حَضَره من وزرائه وخاصته يعظم ذَلِك عَلَيْهِ وَيَقُول إِن هَذَا من الأعلاق المضنون بهَا المدخرة للنائبة فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن وَيحك إِن لابس العقد أنفس خطراً وَأَرْفَع قدرا وَأكْرم جوهراً وَلَئِن راق من هَذِه الْحَصْبَاء منظرها ولطف إفرندها لقد برأَ الله من خلقه البشري جوهراً تعشى مِنْهُ الْأَبْصَار وتتيه الْأَلْبَاب وَهل على الأَرْض من شرِيف جوهرها وسنى زبرجها ومستلذ نعيمها وفاتن بهجتها أقرّ لعين أَو أجمع لزين من وَجه أكمل الله حسنه وَألقى عَلَيْهِ الْجمال بهجته ثمَّ دَعَا بِعَبْد الله بن الاشمر شاعره وجليسه فَذكر لَهُ مَا كَانَ بَينه وَبَين وزيره فِي شَأْن العقد وَقَالَ هَل يحضرك

ص: 116

شَيْء فِي تَأْكِيد مَا أحتججنا بِهِ قَالَ نعم وأطرق بريهة ثمَّ أنشأ يَقُول

(أتقرن حَصْبَاء اليواقيت والشذر

إِلَى من تَعَالَى عَن سنا الشَّمْس والبدر)

(إِلَى من برت قدماً يَد الله خلقه

وَلم يَك شَيْئا غَيره أحد يبرى)

(فَأكْرم بِهِ من صِيغَة الله جوهراً

تضاءل عَنهُ جَوْهَر الْبر وَالْبَحْر)

(لَهُ خلق الرَّحْمَن مَا فِي سمائه

وَمَا فَوق أرضيه وَمكن فِي الْأَمر)

فأعجب الْأَمِير عبد الرَّحْمَن ببديهته وتحرك طبعه لِلْقَوْلِ وَأَنْشَأَ يَقُول مناغياً على رويه

(قريضك يَا ابْن الشمر عفى على الشّعْر

وأشرق بالإيضاح فِي الْوَهم والفكر)

(إِذا جال فِي سمع يُؤدى بسحره

إِلَى الْقلب إبداعاً يجل عَن السحر)

(وَهل برأَ الرَّحْمَن فِي كل مَا برا

أقرّ لعين من منعمة بكر)

(ترى الْورْد فَوق الياسمين بخدها

كَمَا فَوق الرَّوْض الْمنور بالزهر)

(فَلَو أنني ملكت قلبِي وناظري

نظمتهما مِنْهَا على الْجيد والنحر)

فَقَالَ لَهُ ابْن الشمر يَا ابْن الخلائف شعرك وَالله أَجود من شعري

ص: 117

وثناؤك عَلَيْهِ أفضل من صلتي وَمَا منحتك لي إِلَّا تطولاً مِنْك بِغَيْر إستحقاق مني فأضعف جائزته وَأكْثر الثَّنَاء عَلَيْهِ

وَله أَيْضا فِي النسيب

(قتلتني بهواكا

وَمَا أحب سواكا)

(من لي بِسحر جفون

تدبره عيناكا)

(وَحُمرَة فِي بَيَاض

تُكْسَى بِهِ وجنتاكا)

(أعطف على قَلِيلا

وأحيني برضاكا)

(فقد قنعت وحسبي

بِأَن أرى من رآكا)

وَحكى ابْن فرج صَاحب كتاب الحدائق أَنه فرق فِي يَوْم فصد لَهُ بَدْرًا على من حَضَره وَعبيد الله بن قرلمان أحد خواصه ومواليه غَائِب فِي باديته فابتدر فَوجدَ أمرا قد نفذ فَكتب إِلَيْهِ بِأَبْيَات مِنْهَا

(يَا ملكا حل ذرى الْمجد

وَعم بالإنعام والرفد)

(طُوبَى لمن أسمعته دَعْوَة

فِي يَوْمك المأنوس بالفصد)

(فظل ذَاك الْيَوْم من قصفه

مستوطناً فِي جنَّة الْخلد)

(وَقد عداني أَن أرى حَاضرا

جد مَتى يحظى الورى يكد)

(فأمنن بتنويلي جدا لم يزل

يعي أهل الْقرب والبعد)

ص: 118

فَوَقع فِي أَسْفَل كِتَابه من آثر التضجع فليرض بحطه من النّوم فجاوبه ابْن قرلمان بِأَبْيَات أَولهَا

(لَا نمت إِن كنت يَا مولَايَ محروماً

)

فَأمر لَهُ بالصلة ورد فِي جَوَابه

(لَا غرو أَن كنت مَمْنُوعًا ومحروماً

إِذْ غبت عَنَّا وَكَانَ الْعرف مقسوماً)

(فَلَنْ ينَال امْرُؤ من حَظه أملاً

حَتَّى يشد على الإجهاد حيزوماً)

(فهاك من سيبنا مَا كنت تَأمله

إِذْ حمت فَوق رَجَاء الْورْد تحويماً)

42 -

ابْنه الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم أَبُو عبد الله

بُويِعَ لَهُ فِي صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي توفّي فِيهَا أَبوهُ وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس غرَّة شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ أَيمن الْخُلَفَاء بالأندلس ملكا وأسراهم نفسا وَأكْرمهمْ تثبتاً وأناة وَكَانَ السعى عِنْده سَاقِطا يجمع إِلَى هَذِه الْخلال الشَّرِيفَة البلاغة وَالْأَدب وَتُوفِّي يَوْم الْخَمِيس منسلخ صفر وَقيل لليلة بقيت مِنْهُ سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن خمس وَسِتِّينَ سنة فَكَانَت خِلَافَته أَرْبعا وَثَلَاثِينَ سنة وَأحد عشر شهرا وَهُوَ الْقَائِل فِي مُنْصَرفه من بعض غَزَوَاته

(قفلت فأغمدت السيوف عَن الْحَرْب

وَمَا أغمدت عني السيوف من الْحبّ)

(صدرت وَبِي للبعد مَا بِي فزادني

إِلَى الشوق أشواقاً رجائي فِي الْقرب)

(أحل شدادي فِي السرادق نازلاً

وللشوق عقد لَيْسَ ينْحل عَن قلبِي)

(أقرطبة هَل لي إِلَيْك وفادة

تقر بعيني أَو تمهد من جَنْبي)

ص: 119

(سقى الْقصر غيث بالرصافة مثله

وجادت عزاليه كجودي فِي الجدب)

(عداني عَدو عَن حبيب فزرته

بِجَيْش تضيق الأَرْض عَن عرضه الرحب)

(إِذا أسود من ليل الدروع تبلجت

أسنته فِيهِ عَن الأنجم الشهب)

(على أنني حصن لجيشي إِذا الْتَقَوْا

وعزمي بهم أدنى السيوف إِلَى الضَّرْب)

وَله

(ذكر الصبوح فظل مصطبحا

يسْتَعْمل الإبريق والقدحا)

(مَا زَالَ حَيا وَهُوَ يشْربهَا

حَتَّى أَمَانَته الكؤوس ضحى)

43 -

ابْنه الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد

ولي بعد أَخِيه أبي الحكم الْمُنْذر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن فِي صفر سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي سنة ثَلَاثمِائَة وَهُوَ ابْن أثنتين وَسبعين سنة فَكَانَت خِلَافَته خمْسا وَعشْرين سنة وَكَانَ أديباً شَاعِرًا بليغاً بَصيرًا باللغة والغريب وَأَيَّام الْعَرَب وَفِي أَيَّامه أضطرمت نَار الْفِتْنَة بالأندلس فتنغص عَلَيْهِ ملكه

وَمن مَشْهُور شعره مَا وَقع بِهِ إِلَى الوزراء فِي قصَّة مُوسَى بن حدير وَعِيسَى ابْن أَحْمد بن أبي عَبده إِذا أَرَادَ كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يكون مَجْلِسه فَوق الآخر

ص: 120

فسخا لما كَانَ قد رتبه وَالِده الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن من رفع الموَالِي الشاميين على البلديين

(موَالِي قُرَيْش من قُرَيْش فقدموا

موَالِي قُرَيْش لَا موَالِي معتب)

(إِذا كَانَ مَوْلَانَا يساوم عندنَا

سواهُ فمولانا كآخر أَجْنَبِي)

(حول اسْم مغيث إِلَى معتب إغماضاً وأنقياداً للقافية

وَله فِي النسيب

(يَا كبد المشتاق مَا أوجعك

وَيَا أَسِير الْحبّ مَا أخضعك)

(وَيَا رَسُول الْعين من لحظها

بِالرَّدِّ والتليغ مَا أسرعك)

(تذْهب بالسر وَتَأْتِي بِهِ

فِي مجْلِس يخفى على من مَعَك)

(كم حَاجَة أنجزت موعدها

تبَارك الرَّحْمَن مَا أطوعك)

وَله فِي ذَلِك

(ويحى على شادن كحيل

فِي مثله يخلع العذار)

(كَأَنَّمَا وجنتاه ورد

خالطه النُّور والبهار)

قضيب بَان إِذا تثنى

يُدِير طرفا بِهِ أحورار)

(وقف عَلَيْهِ صفاء ودى

مَا أختلف اللَّيْل وَالنَّهَار)

ص: 121

وَله فِي الزّهْد

(يَا من يراوغه الْأَجَل

حتام يُلْهِيك الأمل)

(حتام لَا تخشى الردى

وَكَأَنَّهُ بك قد نزل)

(أغفلت عَن طلب النجَاة

وَلَا نجاة لمن غفل)

(هَيْهَات يشغلك الرَّجَاء

وَلَا يَدُوم لَك الشّغل)

وَله فِي مثله

(أرى الدُّنْيَا تصير إِلَى فنَاء

وَمَا فِيهَا لشَيْء من بَقَاء)

(فبادر بالإنابة غير لاو

على شَيْء يصير إِلَى فنَاء)

(كَأَنَّك قد حملت على سَرِير

وَصَارَ جَدِيد حسنك للبلاء)

(فنفسك فابكها أَو نح عَلَيْهَا

فربتما رحمت على الْبكاء)

وَكَانَ بِفضل أدبه رُبمَا أسترسل فَقَالَ بِحَسب ذَلِك أَو تمثل ثمَّ لَا يَدعه كرم الْأَوَائِل وَشرف الشَّمَائِل حَتَّى يدنى من أقصاه ويبدي لمن أَعتب رِضَاهُ قَالَ فِي النَّضر بن سَلمَة الْكلابِي

(أَنْت يَا نضر آبده

لست ترجى لفائده)

(إِنَّمَا أَنْت عدَّة

لكنيف ومائده)

ص: 122

وعَلى ذَلِك استقضاه مرَّتَيْنِ ثمَّ استوزره وأستقضى أَيْضا أَخَاهُ مُحَمَّد بن سَلمَة تقيلا للأخلاق الْحكمِيَّة وجرياعلى الأعراق العبشمية

وقرأت فِي تَارِيخ الْحميدِي أَن الْوَزير سُلَيْمَان بن وانسوس وَكَانَ من رُؤَسَاء البربر دخل عَلَيْهِ يَوْمًا وَكَانَ عَظِيم اللِّحْيَة فَلَمَّا رَآهُ مُقبلا جعل الْأَمِير عبد الله ينشد

(هلوفة كَأَنَّهَا جوالق

نكراء لَا بَارك فِيهَا الْخَالِق)

(للقمل فِي حافاتها نفائق

فِيهَا لباغي المتكا مرافق)

(وَفِي احتدام الصَّيف ظلّ رائق

إِن الَّذِي يحملهَا لمائق)

ثمَّ قَالَ لَهُ أَجْلِس يَا بربرى فَجَلَسَ وَقد غضب فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير إِنَّمَا كَانَ النَّاس يرغبون فِي هَذِه الْمنزلَة ليدفعوا عَن أنفسهم الضيم وَأما إِذْ صَارَت جالبة للذل فغنينا عَنْكُم فَإِن حلتم بَيْننَا وَبَينهَا فلنا دور تسعنا لَا تقدرون على أَن تحولوا بَيْننَا وَبَينهَا ثمَّ وضع يَدَيْهِ فِي الأَرْض وَقَامَ من غير أَن يسلم

ص: 123

ونهض إِلَى منزله فَغَضب الْأَمِير وَأمر بعزله وَرفع دسته الَّذِي كَانَ يجلس عَلَيْهِ وَبَقِي كَذَلِك مُدَّة

ثمَّ إِن الْأَمِير عبد الله وجد فَقده لغنائه وأمانته ونصيحته وَفضل رَأْيه فَقَالَ للوزراء لقد وجدت لفقد سُلَيْمَان تَأْثِيرا وَإِن أردْت أسترجاعه ابْتِدَاء منا كَانَ ذَلِك غَضَاضَة علينا ولوددت أَن يبتدئنا بالرغبة فَقَالَ لَهُ الْوَزير مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن غَانِم إِن أَذِنت لي فِي الْمسير إِلَيْهِ استنهضته إِلَى هَذَا فَأذن لَهُ فَنَهَضَ ابْن غَانِم إِلَى دَار ابْن وانسوس فَأَسْتَأْذِن وَكَانَت رُتْبَة الوزارة بالأندلس أَيَّام بنى أُميَّة أَلا يقوم الْوَزير إِلَّا لوزير مثله فَإِنَّهُ كَانَ يتلقاه وينزله مَعَه على مرتبته وَلَا يَحْجُبهُ أَولا لَحْظَة فَأَبْطَأَ الْإِذْن على ابْن غَانِم حينا ثمَّ أذن لَهُ فَدخل عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ قَاعِدا فَلم يتزحزح لَهُ وَلَا قَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ابْن غَانِم مَا هَذَا الْكبر عهدي بك وَأَنت وَزِير السُّلْطَان وَفِي أبهة رِضَاهُ تتلقاني على قدم وتتزحزح لي عَن صدر مجلسك وَأَنت الْآن فِي موجدته بضد ذَلِك فَقَالَ لَهُ نعم لِأَنِّي كنت حِينَئِذٍ عبدا مثلك وَأَنا الْيَوْم حر فيئس ابْن غَانِم مِنْهُ وَخرج وَلم يكلمهُ وَرجع إِلَى الْأَمِير فَأخْبرهُ فابتدأ الْأَمِير بِالْإِرْسَال إِلَيْهِ ورده إِلَى أفضل مَا كَانَ عَلَيْهِ

44 -

يَعْقُوب ابْن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام

ويكنى أَبَا قصى كَانَ أديباً شَاعِرًا مطبوعاً كلفاً بالعلوم جواداً لَا يَلِيق

ص: 124

شَيْئا وَهُوَ الْقَائِل فِي ابْن أَخِيه أبي أُميَّة العَاصِي ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن من قصيدة

(تنادى ماجداً من عبد شمس

زكى الْفَرْع مفضال الْيَدَيْنِ)

(سما للمكرمات فقد حواها

بهندى وخطار رديني)

(وغيثاً حِين يسْكب لَا الثريا

بِهِ جَادَتْ وَلَا نوءالبطين)

مَا أحسن قَول أبي مَرْوَان بن حَيَّان وَذكر ثَنَاء مُعَاوِيَة بن هِشَام الشبينسى على أبي قصي هَذَا أَقُول وَصفه بالطبع فِي الشّعْر ثمَّ لم ينشد لَهُ مَا يصدق وَصفه بل أنْشد لَهُ ثَلَاثَة أَبْيَات من قصيدة مدح بهَا ابْن أَخِيه العَاصِي ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن لَيست بطائل وَله مِمَّا قَرَأت فِي كتاب الحدائق لِابْنِ فرج

(يَا ابْن الخلائف من بني فهر

الزهر)

(يَا أكْرم الْأَمْلَاك كلهم

مُضْطَر)

(إِن الصّيام قد أنقضى وَمضى

يندى يَديك الْبشر)

ص: 125

45 -

أَخُوهُ بشر ابْن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن

ذكر أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كتاب جمهرة الْأَنْسَاب أَنه كَانَ شَاعِرًا وَأنْشد لَهُ أَبُو عمر بن فرج صَاحب كتاب الحدائق

(عجابك لي عَن الدُّنْيَا حجاب

وَيَوْم لَا أَرَاك بِهِ عَذَاب)

(وَقد كَانَت تضيق الأَرْض عِنْدِي

إِذا واراك ستر أَو نقاب)

(فَكيف أعيش إِذْ واراك عني

قُصُور دونهَا بَاب فباب)

وليعقوب وَبشر هذَيْن إخْوَة جلة مِنْهُم هِشَام وَكَانَ من أهل الْعلم وَالْفضل وَالْبَصَر بِالْعَرَبِيَّةِ وَأكْثر من الرِّوَايَة عَن يحيى بن يحيى وَكَانَ أَبوهُ الْأَمِير عبد الرَّحْمَن الحكم قد نَصبه فِي خِلَافَته للصَّلَاة على جنائز أهل قصره وأكابر رِجَاله كَمَا نصب عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة ابْنه هشاماً وَمِنْهُم أبان وَعُثْمَان على أختلاف فِيهِ وهما ابْنا عبد الرَّحْمَن بن الحكم وَكَانَا أديبين شاعرين وَسَيَأْتِي ذكرهمَا فِي آخر التَّأْلِيف إِن شَاءَ الله تَعَالَى

ص: 126

46 -

الْقَاسِم ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الحكم أَبُو مُحَمَّد

كَانَ من الأدباء الشُّعَرَاء إِلَّا أَنه مقل وَكَانَ أحد الْجَبَابِرَة الموصوفين شَدِيد البأوتياهاً وَقبض عَلَيْهِ أَخُوهُ الْأَمِير عبد الله فَمَاتَ فِي حَبسه مسموماً وَمن شعره وبديهته السائرة فِي النَّاس وَقد دخل دَار أَخِيه عُثْمَان بن مُحَمَّد فأستسقى مَاء فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ غُلَامه لَعَلَّه لم يقبلهَا وَأَنْشَأَ يَقُول

(المَاء فِي دَار عُثْمَان لَهُ ثمن

وَالْخَبَر فِيهَا لَهُ شان من الشان)

(فأسلح على كل عُثْمَان مَرَرْت بِهِ

إِلَّا الْخَلِيفَة عُثْمَان بن عَفَّان)

كَذَا قَالَ ابْن حياان وَهُوَ غلط لأخفاء بِهِ وَإِنَّمَا البيتان من قِطْعَة لعبد الْملك بن عبد الرَّحِيم الْحَارِثِيّ أنشدهما أَبُو عمر بن عبد الْبر النمري فِي كتاب بهجة الْمجَالِس من تأليفه وَهِي

(يَا أُخْت كِنْدَة جافي شرب عُثْمَان

وأزمعي لبنى أود بهجران)

(يَا أُخْت كِنْدَة سيري سير ساخطة

كي تنتوى منتوى غَضَبي وغضبان)

(المَاء فِي دَار عُثْمَان لَهُ ثمن

وَالْخبْز فِيهِ لَهُ شَأْن من الشان)

(عُثْمَان يعلم أَن الْحَمد ذُو ثمن

لكنه يَشْتَهِي حمدا بمجان)

(وَالنَّاس أَكيس من أَن يحْمَدُوا رجلا

حَتَّى يرَوا عِنْده آثَار إِحْسَان)

(أغسل يَديك بأشنان وأنقهما

غسل الْجَنَابَة من مَعْرُوف عُثْمَان)

(واسلح على كل عُثْمَان مَرَرْت بِهِ

إِلَّا الْخَلِيفَة عُثْمَان بن عَفَّان)

ص: 127

وَأنْشد لَهُ الْحميدِي وَقَالَ فِيهِ الْقَاسِم غلط مِنْهُ

(سكنت من قلبِي الْهوى مَا أمكنا

وَلَقَد أرَاهُ للصبابة معدناً)

(هَذَا هِلَال قد بدا ومدامة

تجرى براحته وعيش قد هُنَا)

وَله أَبْيَات كتب بهَا إِلَى مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْعُتْبِي الأديب لم يجد رصفها فَرَأَيْت حذفهَا

47 -

الْمطرف ابْن الْأَمِير مُحَمَّد أَبُو الْقَاسِم

(شَقِيق الْقَاسِم الْمَذْكُور آنِفا برع فِي الشّعْر وَهُوَ ابْن عشْرين سنة وَتُوفِّي معتبطاً فِي حَيَاة أَبِيه وَهُوَ ابْن أَربع وَعشْرين وَكَانَ آدب ولد الْأَمِير مُحَمَّد وأشعرهم ذكر ذَلِك ابْن حَيَّان وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كتاب جمهرة الْأَنْسَاب من تأليفه وَذكر الْمطرف هَذَا كَانَ شَاعِرًا مفلقاً عَالما بِالْغنَاءِ وَكَانَ لَهُ عقب قد أنقرض

وَأنْشد لَهُ صَاحب الحدائق يرثى أَخَاهُ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد

(أَخ كَانَ إِن لم يمرع النَّاس أَصبَحت

مواهبه للنَّاس وَهِي مرابع)

(كثير عَلَيْك الْحزن من كل جَانب

كَمَا كثرت من راحتيك الصَّنَائِع)

(عَلَيْك سَلام الله إِن الندى لَهُ

زَوَال وَإِن السَّعْي بعْدك ضائع)

وَله فِيهِ

(يَا عَابِد الرَّحْمَن مَا

أوضح فِينَا سبلك)

ص: 128

(أيقظت شعري أبدا

فَالْقَوْل لي وَالْفِعْل لَك)

(مَا الثكل وَالْحَسْرَة

)

(يَا موت أعجلت فَتى

فِي الروع قدماً أعجلك)

وَله أَيْضا

(أشهى من الكاس حَامِل الكاس

أرعاه مَا طَاف حول جلاسي)

(يثقل من أَجله الجليس وَلَو

كَانَ من النّسك آمن النَّاس)

وَكتب إِلَى أَخِيه الْمُنْذر بن مُحَمَّد وَكَانَ مائلا إِلَيْهِ

(هَل أتكى مشرفاً على نهري

أرمي بطرفي إِلَيْهِ من قصري)

(عِنْد أَخ لَو دهته حَادِثَة

أَعْطيته مَا أحب من عمري)

(نشرب نحلية فضيلتها

أتحفت الْخمر ذلة الْخمر)

فوعده الْكَوْن عِنْده فَكتب إِلَيْهِ يستنجزه

(ولوع النَّفس بالوعد الوفى

وإنجاز الْمقَال على الْوَلِيّ)

(فَإِن أرضاك أَن نغدو ضحاء

وَإِلَّا كَانَ ذَاك مَعَ العشى)

(نَكُون ثَلَاثَة أَنْت المبدى

وَنحن إِلَيْك ثمَّ أَبُو عَليّ)

ص: 129

وَله فِي الشيب

(إِن شيباً وصبوة لمحال

قد أَنى أَن يكون عَنْهَا زَوَال)

(ركب الشيب لمتي خلل الشّعْر

لوقت حَالَتْ بِهِ الأحواال)

(فدع النَّفس عَن مزاح وَلَهو

تِلْكَ حَال مَضَت وَجَاءَت حَال)

ولمحمد بن عبد الْعَزِيز الْعُتْبِي فِيهِ يفضل شعره على أشعار إخْوَته وأقربائه

(يُغني مسامعنا لَدَيْهِ حواليا

بلآلئ من لَفظه وَزَبَرْجَد)

(وَالشعر يسْجد نَحْو قبْلَة شعره

ولغير قبْلَة شعره لم يسْجد)

48 -

إِبْرَاهِيم ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن أخوهما

أنْشد لَهُ ابْن فرج فِي كتاب الحدائق

(دنوك مني فِي منزلي

هُوَ الْملك يسره الله لي)

(فيكنفنا جَانب وَاحِد

ويجمعنا الشّرْب من منهل)

(وَإِن حَال دُونك بَابا حَدِيد

وَقصر مشيد من الجندل)

هَؤُلَاءِ المروانيون فِي هَذِه الْمِائَة

وَمن الحسنيين فِيهَا

ص: 130

49 -

الْقَاسِم بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد الله ابْن حسن بن حسن بن عَليّ

ولي الْبَصْرَة وطنجة وَمَا يليهما لِأَخِيهِ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الْقَائِم بعد أَبِيه سُلْطَان الْمغرب وَكَانَ إِدْرِيس قد ولد مُحَمَّدًا هَذَا وَالقَاسِم وَأحمد وَعبد الله وَعِيسَى وَإِدْرِيس وجعفراً وَيحيى وَحَمْزَة وَعبيد الله وَدَاوُد وَبِه كَانَ يكنى وَعمر وَبَنَات

وَلما توفّي إِدْرِيس مسموماً فِي حَبَّة عِنَب سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ كَمَا تقدم ذكره أجتمعت البربر على مُحَمَّد فَبَايع لَهُ إخْوَته جَمِيعًا وأتخذ مَدِينَة فاس قراراً وَفرق بِلَاد الغرب عَلَيْهِم فنكث أَخُوهُ عِيسَى

ص: 131

ابْن إِدْرِيس وَخرج عَلَيْهِ فَكتب مُحَمَّد إِلَى الْقَاسِم يَأْمُرهُ بمحاربته إِذا كَانَ يحاديه فِي ولَايَته فَأبى الْقَاسِم وَكتب إِلَيْهِ معتذراً من توقفه عَمَّا أمره بِهِ

(سأترك للراغب الغرب نهباً

وَإِن كنت فِي الغرب قيلا وندبا)

(وأسمو إِلَى الشرق فِي همة

يعز بهَا رتباً من أحبا)

(وأترك عِيسَى على رَأْيه

يعالج فِي الغرب هما وكرباً)

ص: 132

(وَلَو كَانَ قلبِي عَن قلبه

لَكُنْت لَهُ فِي الْقَرَابَة قلبا)

(وَإِن أحدث الدَّهْر من ريبه

شقاقاً علينا وأحدث حَربًا)

(فَإِنِّي أرى الْبعد سترا لنا

يجدد شوقاً لدينا وحباً)

(وَلم نجن قطعا لأرحامنا

نلاقي بِهِ آخر الدَّهْر عتباً)

(وَتبقى الْعَدَاوَة فِي عقبنا

وَأكْرم بِهِ حِين نعقب عقباً)

(وأوفق من ذَاك جوب الفلاة

وَقطع المخارم نقباً فنقباً)

فَكتب مُحَمَّد إِلَى أَخِيه عمر وَكَانَ على صنهاجة وغمارة يَأْمُرهُ بمحاربة عِيسَى فَأَجَابَهُ وسارع وَخرج يُرِيد عِيسَى بعسكره فَلَمَّا قرب من أحوز فاس كتب إِلَى مُحَمَّد يستمده فَبعث إِلَيْهِ من كَانَ مَعَه وَنفذ فِي أَصْحَابه قبل لحاق المدد فأوقع بِعِيسَى ونفاه عَن عمله وأستولى عَلَيْهِ فَأمره مُحَمَّد بِالْإِقَامَةِ فِيهِ ثمَّ أمره بمحاربة الْقَاسِم فحاربه وتغلب على مَا كَانَ بِيَدِهِ فتخلى الْقَاسِم عَن ذَلِك لمُحَمد وَعمر وتزهد وَبنى مَسْجِدا على سَاحل الْبَحْر بأصيلا وَلَزِمَه

فَلَمَّا عاين البربر ذَلِك نهضوا إِلَيْهِ وَهُوَ بمرابطه فصرفوه إِلَى عمله وَرجع إِلَيْهِ كل من صدر إِلَى أَخَوَيْهِ مُحَمَّد وَعمر

وَقَالَ الرَّازِيّ وَذكر أَوْلَاد إِدْرِيس بن إِدْرِيس فَأَما مُحَمَّد بن إِدْرِيس فولى مَدِينَة فاس بعد أَبِيه وَقسم عمل أَبِيه على إخْوَته وأخرجهم عمالاً ثمَّ أخلد إِلَى اللَّهْو وأشتهر بالشرب وَالْخلْوَة بِالنسَاء فخلعه إخْوَته وَملك كل وَاحِد مِنْهُم مَا تَحت يَده ثمَّ لم يلبث مُحَمَّد أَن هلك وَلم يعقب فولى أَمر فاس

ص: 133

بعده الْقَاسِم أَخُوهُ وملكها ملك سيادة وَتجمع النَّاس إِلَيْهِ من كل نَاحيَة وَلحق المنفيون عَن ربض قرطبة بهَا وتمدنت وَكثر أَهلهَا

ص: 134

وَمن رجال المروانية

50 -

عبد الْكَرِيم بن عبد الْوَاحِد بن مغيث الْحَاجِب أَبُو حَفْص

أستحجبه الحكم الربضى وَكَانَ أَبوهُ عبد الْوَاحِد حاجباً لهشام الرِّضَا وَالِد الحكم وَعَن ابْن حَيَّان أَن هشاماً ولى عبد الْكَرِيم هَذَا كورة جيان وَأَنه أغزاه ألبة والقلاع وأغزى أَيْضا أَخَاهُ عبد الْملك وولاه سرقسطة

ص: 135

وَكَانَ عبد الْكَرِيم بليغاً مفوهاً شَاعِرًا وَولى الْكتاب للْحكم إِثْر مُحَمَّد بن أُميَّة وقاد الصوائف وَجَرت على يَدَيْهِ فتوح جسام وعَلى يَدَيْهِ أستأمن أهل الربض وَله رسائل عَن الحكم فِي الهيج ذكر ذَلِك عِيسَى بن أَحْمد الرَّازِيّ قَالَ وَأخرجه الحكم إِلَى عمروس وَكَانَ قد خلع بسرقسطة فأستماله وَقدم بِهِ قرطبة فوصله الحكم وخلع عَلَيْهِ وسجل لَهُ على سرقسطة وتطيلة ووشقه وَصَرفه إِلَى الثغر فَمَاتَ هُنَاكَ وَأنْشد ابْن حَيَّان لعبد الْكَرِيم هَذَا فِي رثاء الحكم بن هِشَام وتهنئة وَلَده الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم بالخلافة

(كَانَ الزَّمَان مرزأ بخليفة

أودى فكاد نهارنا أَن يظلما)

(حَتَّى إِذا قعد الإِمَام لبيعة

كالغيث شح بوبله ثمَّ أنهمى)

(لله أَيَّة بيعَة مَا أعظما

وَأجل فخراً فِي الْأَنَام وأفخما)

أَعْطَتْ قُرَيْش بيعَة مرضية

لإمامها الْملك الْكَرِيم المنتمي)

(وبدا كَمثل الْبَدْر ينصدع الدجى

عَنهُ ويكشف نوره مَا أبهما)

(لله أَنْت أَبُو الْمطرف فِي الوغى

ولخائف ولمعتف قد أعدما)

ص: 136

51 -

هَاشم بن عبد الْعَزِيز الْوَزير أَبُو خَالِد

هُوَ أَخُو القَاضِي أسلم بن عبد الْعَزِيز وكبيره وَوَلَاء سلفهما لعُثْمَان بن عَفَّان رضي الله عنه وَكَانَ هَاشم خَاصّا بالأمير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن يؤثره بالوزارة ويرشحه مَعَ بنيه ومفردا للقيادة والإمارة وولاه كورة جبان فعلى يَده بنيت أبدة وَأكْثر معاقلها المنيعة وَهُوَ أحد رجالات الموَالِي المروانية بالأندلس

أجتمعت فِيهِ خِصَال لم تَجْتَمِع فِي سواهُ من أهل زَمَانه إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْبَأْس والجود والفروسية وَالْكِتَابَة وَالْبَيَان والبلاغة وقرض الْأَشْعَار البديعة إِلَى مَاله من الْقَدِيم وَالْبَيْت والسابقة فَلَو لم يعنه سلفه لنهضت بِهِ أدواته هَذِه الرفيعة

ونكبه الْمُنْذر بن مُحَمَّد لأشهر من خِلَافَته بعد أَن ولاه الحجابة وَأظْهر عَنهُ الرِّضَا وَذَلِكَ لِأَشْيَاء حقدها عَلَيْهِ فِي خلَافَة أَبِيه مُحَمَّد إِذْ كَانَ يُخرجهُ مَعَه قائداً للجيش وَبعد ذَلِك

ص: 137

وَحكى عِيسَى بن أَحْمد بن مُحَمَّد الرَّازِيّ فِي كتاب الْحجاب للخلفاء بالأندلس من تأليفه أَن الْمُنْذر بن مُحَمَّد أستخلف يَوْم الْأَحَد لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ بعد وَفَاة أَبِيه بِأَرْبَع لَيَال إِذْ كَانَ غازياً بِنَاحِيَة رية فأغذ السّير وَدخل الْقصر يَوْم الْأَحَد وَصلى على أَبِيه وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس لليلة بقيت من صفر وَدفن وبويع للمنذر بَقِيَّة الْأَحَد وَيَوْم الأثنين بعده وأستحجب هَاشم بن عبد الْعَزِيز إِلَى أَن قَتله

قَالَ وَلما قدم الْمُنْذر نزل فِي السَّطْح وَقعد لِلْبيعَةِ فِي ثِيَاب سَفَره وَرُبمَا اتكأ على فرَاشه لما كَانَ أَخذه من النصب وألم السّفر لطيه المراحل فَلَمَّا دخل النَّاس قَامَ هَاشم وَبِيَدِهِ كتاب الْبيعَة فأفتتح قِرَاءَته فَلَمَّا بلغ إِلَى ذكر الإِمَام مُحَمَّد خنقته الْعبْرَة فَلم يبن كَلَامه ثمَّ أستدرك أمره وَرجع من أول الْكتاب حَتَّى إِذا انْتهى إِلَى الْموضع الَّذِي انْتهى إِلَيْهِ أَولا أَخذه أَيْضا الْحصْر فلحظه الْمُنْذر لَحْظَة مُنكرَة وَرَآهَا مِنْهُ هَاشم فَمضى فِي قِرَاءَة الْكتاب حَتَّى أكمله فَلم يشك كل من رأى تِلْكَ اللحظة أَنه قَاتله قَالَ وَلما وضع نعش الإِمَام مُحَمَّد على قَبره ألْقى هَاشم رِدَاءَهُ وقلنسوته وَدخل الْقَبْر وَبكى بكاء شَدِيدا ثمَّ قَالَ متمثلا وَهُوَ يقبر

(أعزى يَا مُحَمَّد عَنْك نَفسِي

معَاذ الله والمنن الجسام)

(فَهَلا مَاتَ قوم لم يموتوا

ودوفع عَنْك لي كاس الْحمام)

فَكَانَ ذَلِك مِمَّا أوقد عَلَيْهِ موجدة الْمُنْذر والبيتان لأبي نواس الْحسن ابْن هَانِئ يقولهما فِي مُحَمَّد الْأمين حِين قتل

قَالَ الرَّازِيّ وَذكر أَن مُحَمَّد بن جهود وَعبد الْملك بن أُميَّة كَانَا يرفعان عَلَيْهِ ويغريان بِهِ وَأَنه خرج توقيع بِخَط يَد الإِمَام الْمُنْذر فِيهِ وهم فتنفس هَاشم

ص: 138

فَرفع عَنهُ قَالَ وَحدث من كَانَ حَاضرا عِنْد هَاشم يعْنى يَوْم الْقَبْض عَلَيْهِ إِذْ أقبل صَاحب الرسائل مستحثاً لَهُ فَخرج هَاشم وَمَعَهُ عمر ابْنه فَقبض مِنْهُ كتبا كَانَت بِيَدِهِ وَكَانَ فِي رحبة دَاره قوم من أهل لبلة قد أَتَوا لشكر ابْن أَخِيه وَكَانَ عاملهم فَلَمَّا خرج هَاشم انْدَفَعُوا مستهلين بالشكر فأنتهرهم الْفَتى الَّذِي أَتَى فِيهِ وَخرج عَلَيْهِم وَأَغْلظ لَهُم وَقَالَ لَهُم يَا كذبة قَالَ فَرَأَيْت هاشماً قد أَرْبَد وَجهه غير أَنه لم يقارضه بِكَلِمَة وَمضى

وَكَانَ تَحْتَهُ فرس رائع أشقر فَلَمَّا أَتَى عِنْد بَاب الْجنان كبا الْفرس بهاشم فأستقل بِهِ ووقف وَقد امتقع لَونه سَاعَة ثمَّ تقدم وَدخل قَالَ فَلم ينفض أهل موكبه حَتَّى خرج رَاجِلا مكبلا فوَاللَّه مَا رَأَيْت يَوْمًا أَكثر باكياً من ذَلِك الْيَوْم وَلَو قلت إِنَّه لم تخل دَار بقرطبة من بكاء على هَاشم يَوْم حبس لما أبعدت ولصدقت فَإِنَّهُ كَانَ رَحْمَة مبسوطة للعامة والخاصة

قَالَ وَأمر الْمُنْذر بِحَبْس أكَابِر أَوْلَاده غير فَإِنَّهُ كَانَ عينا

ص: 139

للمنذر عَلَيْهِ يخاطبه بأسراره وَجَمِيع أخباره وَلم يزل عبد الْملك بن أُميَّة يغرى بِهِ وَيرْفَع عَلَيْهِ ويستعين بالسيدة أُخْت الْمُنْذر فِي مُطَالبَته حَتَّى كَانَ من ضربه وَهدم دَاره وإخراجه مِنْهَا وَقَتله مَا كَانَ

قَالَ وَأخرج هَاشم صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي قتل فِيهَا لَيْلَة الْأَحَد لأَرْبَع بَقينَ من شَوَّال سنة ثَلَاث وَسبعين غطيت جثته وَرَأسه بِثَوْب وَبعث بِهِ إِلَى أَهله وَكَانَ موالده فِي أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم وَمن شعره وَكتب بِهِ من محبسه إِلَى جَارِيَته عاج

(وَإِنِّي عداني أَن أزورك مطبق

وَبَاب منيع بالحديد مضبب)

(فَإِن تعجبي يَا عاج مِمَّا أصابني

فَفِي ريب هَذَا الدَّهْر مَا يتعجب)

(وَفِي النَّفس أشيا أَبيت بغمها

كَأَنِّي على جمر الغضى أتقلب)

(تركت رشاد الْأَمر إِذْ كنت قَادِرًا

عَلَيْهِ فلاقيت الَّذِي كنت أرهب)

ص: 140

(وَكم قَائِل قَالَ أَنْج وَيحك سالما

فَفِي الأَرْض عَنْهُم مستراد وَمذهب)

(فَقلت لَهُ إِن الْفِرَار مذلة

وَنَفْسِي على الأسواء أحلى وَأطيب)

(سأرضى بِحكم الله فِيمَا ينوبني

وَمَا من قَضَاء الله للمرء مهرب)

(فَمن يَك مَسْرُورا بحالي فَإِنَّهُ

سينهل فِي كاسي وشيكاً وَيشْرب)

وَله وَكتب بِهِ إِلَى وليد بن غَانِم الْوَزير فِي أسره أثْنَاء مُخَاطبَة

(فكم غُصَّة بالدمع نهنهت خوف أَن

يسر بِمَا أبديه شنآن كاشح)

(تحاملت عَنهُ ثمَّ نادمت فِي الدجى

نُجُوم الثريا والدموع سوافح)

وَله مِمَّا قَالَه بديهاً وَوَقع بذلك على ظهر رقْعَة لأحد أبنائه خاطبه فِيهَا بِشعر ضَعِيف

(لَا تقل إِن عزمت إِلَّا قريضا

رائقا لَفظه ثقيفا رصينا)

ص: 141

أَو دع الشّعْر فَهُوَ خير من الغث إِذا لم تَجِد مقَالا سميناً وَمَا أحسن قَول عبد الْجَبَّار بن حمديس الصقلى فِي هَذَا الْمَعْنى

(حرر لمعناك لفظا كي تزان بِهِ

وَقل من الشّعْر سحرًا أَو فَلَا تقل)

(فالكحل لَا يفتن الْأَبْصَار منظره

حَتَّى يصير حَشْو الْأَعْين النجل)

ولهاشم فِي إلبيرة يذم وُرُوده عَلَيْهَا وَهِي مَكَان أوليته

(إِذا نَحن رحنا عَنْك ياشر بَلْدَة

فَلَا سقيت رباك صوب الرواعد)

(وَلَا زَالَ سَوط من عَذَاب منزل

على قَائِم من ساكنيك وقاعد)

فَأَجَابَهُ فَتى من أَهلهَا المتأدبين يعرف بِابْن وجيه

(لقد حرم التَّوْفِيق من ذمّ بَلْدَة

يروح بهَا فِي نعْمَة وفوائد)

(وَمن يتَمَنَّى سَوط خزى منزل

على قَائِم من ساكنيها وقاعد)

(فَإِن كُنْتُم لم تحمدوا مَا أختبرتم

فَكل لكل لائم غير حَامِد)

52 -

ابْنه عمر بن هَاشم

سجنه الْأَمِير الْمُنْذر بن مُحَمَّد مَعَ إخْوَته لما نكب أباهم ثمَّ أَمر بصلبهم فِي الْغُزَاة الَّتِي توفّي فِيهَا وَولى أَخُوهُ الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد فَعجل الْكتاب بإطلاقهم ثمَّ قدم وَولى عمر هَذَا كورة جيان وأخاه أَحْمد بن هَاشم الوزارة والقيادة وَمن شعر عمر

(يَا خَلِيلًا فَضله باد

على كل خَلِيل)

(والمجيد الشّعْر فِي كل

بسيط وطويل)

ص: 142

(بضروب الضَّرْب والإيقاع

وَالْقَوْل الْأَصِيل)

(لَا تلمني واصفحن عَن

م ي وَسَهل لي سبيلي)

(فِي خلاصي

الْعذر الْجَمِيل)

53 -

تَمام بن عَامر الثَّقَفِيّ الْوَزير أَبُو غَالب

هُوَ تَمام بن عَامر بن أَحْمد بن غَالب بن تَمام بن عَلْقَمَة مولى عبد الرَّحْمَن ابْن أم الحكم الثَّقَفِيّ وَأم الحكم بنت أبي سُفْيَان بن حَرْب أُخْت مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان عرف بهَا ابْنه لشرفها

وَدخل تَمام بن عَلْقَمَة أَبُو غَالب الأندلس فِي طالعة بلج وَهُوَ أحد النُّقَبَاء القائمين بدولة عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَولى لَهُ الحجابة والقيادة وَهُوَ افْتتح طليطلة عنْوَة مَعَ بدر مولى عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة ثمَّ ولى وشقة وطرطوشة وطرسونة وَعمر طَويلا وَتُوفِّي فِي آخر دولة الحكم الربضي

وَقد ولد تَمام بن عَامر هَذَا سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَكَانَ غَالب بن تَمام

ص: 143

والياً على طليطلة وَقَتله سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وصلبه وَمثل بِهِ فِي أنتزائه على أَخِيه هِشَام بن عبد الرَّحْمَن الْأَمِير بعد أَبِيهِمَا

لى تَمام بن عَامر خطة الوزارة للأمير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وولديه الْأَمِير بن الْمُنْذر وَعبد الله فأنتظمت وزارته لثَلَاثَة من الْخُلَفَاء وَعمر عمرا طَويلا زَائِدا على عمر جده الْأَكْبَر وَكَانَت وَفَاته فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَقد بلغ سِتا وَتِسْعين سنة وَله الأرجوزة الْمَشْهُورَة فِي ذكر افْتِتَاح الأندلس وَتَسْمِيَة ولاتها وَالْخُلَفَاء فِيهَا وَوصف حروبها من وَقت ذخول طَارق بن زِيَاد مفتتحها إِلَى آخر أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم

وَكَانَ عَالما أديباً ذكر ذَلِك ابْن حَيَّان وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ ولد عَامر ابْن أَحْمد تَمامًا ولى الوزارة وَالْخَيْل والقيادة وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ يَعْنِي وَمِائَتَيْنِ ومولده سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَمن شعره

(يكلفنى العذال صبرا على الَّتِي

أبي الصَّبْر عَنْهَا أَن يحل محلهَا)

(إِذا مَا قرعت النَّفس يَوْمًا فَأَبْصَرت

سَبِيل الْهدى عَاد الْهوى فأضلها)

(وَكم من عَزِيز النَّفس لم يلق ذلة

أقاد الْهوى من نَفسه فأذلها)

(عجبت لمعذول على حب نَفسه

يكلفه عذاله أَن يملها)

ص: 144

54 -

مَنْصُور بن مُحَمَّد بن أبي البهلول

دخل الأندلس جده أَبُو البهلول وأسمه مَنْصُور بن صَدَقَة فِي أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة فأستعمله وَكَانَ يكنيه لسنه وفضله ثمَّ تصرف ابْنه مُحَمَّد للأمير الحكم فِي بعض أشغاله وحجب مَنْصُور هَذَا مسلمة بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم فِي الكور المجندة دهراً ثمَّ ولى الْعرض للأميرين مُحَمَّد وَابْنه الْمُنْذر بن مُحَمَّد ذكره الرَّازِيّ قَالَ وَكَانَ فِيهِ تصرف وَرِوَايَة غزيرة وَشعر حسن يمدح بِهِ الْخُلَفَاء وَأنْشد لَهُ

(كَمَا أَن خير الْعَالمين مُحَمَّد

براحته عين من الْجُود تنبع)

وَله

(بِمُحَمد حمد الزَّمَان كَمَا

بفعاله قد أحسن الذّكر)

ص: 145

(أَيَّامه بيض مهذبة

لَوْلَا مكارمه انْقَضى الدَّهْر)

وَله

(كم إِلَى كم أَتَسَلَّى

لَيْسَ لي صَبر أجل لَا)

(بِأبي أَنْت وَأمي

وَترى قَتْلَى حلا)

(حاش لله بِأَن أسلو

عَن الْحبّ وكلا)

55 -

عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْغمر بن أبي عَبدة الْوَزير أَبُو عُثْمَان

تصرف للأمير عبد الله بن مُحَمَّد فِي الكور وحجابة الْأَوْلَاد وَالْمَدينَة وَالْخَيْل والقيادة ثمَّ فِي الْكِتَابَة الْخَاصَّة والوزارة وَكَانَ مَعَ أفتنانه فِي الْأَدَب وأتصافه بالبلاغة ذَا بَأْس وغناء فِي الحروب وَكَانَت لَهُ فتوح جمة ومقاوم

ص: 146

مَحْمُود وَتُوفِّي خاملا بتحامل بدر الوصيف عَلَيْهِ بعد أَن أَسْتَأْذن لِلْحَجِّ فَأدى فَرْضه وكر إِلَى قرطبة فَلَزِمَ دَاره وَسَيَأْتِي ذكر هَذَا مَعَ نسبه مُسْتَوْفِي عِنْد ذكر ابنيه جهور الْوَزير وَمُحَمّد وَفِيه يَقُول الْعُتْبِي الشَّاعِر وَقد أعتل وَهُوَ يَلِي الْكِتَابَة

(لأينع العي مذ أَصبَحت مرتدياً

ثوب السقام وجفت زهرَة الْكَلم)

(وأستوحش الطرس من أنس البديع إِذا

نشبت فِيهِ وطالت عجمة الْقَلَم)

(وَمن شعر عُبَيْدَة الله

(صدود لَيْسَ يبلغهُ عِقَاب

وعتب لَيْسَ يثنيه عتاب)

(وإبعاد بِلَا ذَنْب طَوِيل

وإعراض وهجر وأجتناب)

(فَلَا سهر يطيب وَلَا رقاد

وَلَا طعم يسوغ وَلَا شراب)

(فجسمي ناحل والجفن مني

قريح والفؤاد لَهُ اضْطِرَاب)

(وَمَوْت عَاجل أحلى وأشهى

إِلَى من أَن يطاولني الْعَذَاب)

56 -

سوار بن حمدون الْقَيْسِي الْمحَاربي

من محَارب بن خصفة بن قيس عيلان ثار بِنَاحِيَة البراجلة من كورة إلبيرة فِي سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَهِي السّنة الثَّانِيَة من ولَايَة الْأَمِير عبد الله

ص: 147

ابْن مُحَمَّد وأنضوت إِلَيْهِ بيوتات الْعَرَب من إلبيرة وجيان ورية وَغَيرهَا عِنْد مَا تميزت الْأَحْزَاب بالعصبية وشبوا نَار الْفِتْنَة وَكَانَ مُبْتَدأ رئاسة سوار هَذَا أَنه كَانَ صاحباً ليحيى بن صقالة أول الخارجين بالبراجلة بِهَذِهِ الدعْوَة عَن أستبصار شَدِيد وحمية فصب على المولدين والعجم مِنْهُ وَمن أَصْحَابه أعظم آفَة إِلَى أَن أَصَابُوا مِنْهُ غرَّة فثاروا بِهِ بَغْتَة وقتلوه فرأس أَصْحَابه بعده سواراً هَذَا فأشتد بِهِ أَمرهم وَقَامَ طَالبا بثأر صَاحبه وَكَانَ شجاعا محرباً فَكثر أَتْبَاعه وأشتدت شوكته وأعتز الْعَرَب بمكانه فلفف جموعها وَحمى ذمارها وسعى لإدراك ثارها وَقصد حصناً أجتمع فِيهِ من المولدين والنصاري نَحْو من سِتَّة أُلَّاف رجل فنازلهم بالعرب حَتَّى قهرهم وَأخرج نابلاً رئيسهم الْمُقِيم

ص: 148

فِيهِ عَنهُ وَملكه وَكَانَ نابل قد أنتزعه من يحيى بن صقالة فأسترده سوار إِلَى ملكه

ثمَّ افْتتح حصون المسالمة وَالنَّصَارَى حصناً حصناً وَقتل من ظفر بِهِ وغنم أَمْوَالهم ولقيه جعد بن عبد الغافر عَامل الْأَمِير عبد الله فَهَزَمَهُ سوار وَقتل من أَصْحَابه نَحْو من سَبْعَة أُلَّاف وَأسر جَعدًا فَمن عَلَيْهِ وَأطْلقهُ وأبلغه وأمنه

وَغلظ أمره فأستبق حِينَئِذٍ إِلَى حصن غرناطة بِالْقربِ من مَدِينَة إلبيرة وَصعد إِلَيْهِ فتبوأه دَارا أجتمعت إِلَيْهِ فِيهِ عرب كورة إلبيرة وكاتبته عرب النواحي إِلَى حُدُود قلعة رَبَاح وَغَيرهَا وَكَانَت دَار الداخلين إِلَى الأندلس من بكر ابْن وَائِل فصاروا إلبا مَعَه على المولدين وبجح سوار بماتهيأ لَهُ على أعدائه وعلت همته وأملته الْعَرَب وَعلا فِي النَّاس ذكره وَقَالَ الْأَشْعَار الجزلة وَأكْثر الفخار بِنَفسِهِ وَقَومه ذكر ذَلِك ابْن حَيَّان وَحكى أَنه أوقع بأصحاب ابْن حفصون ثَانِيَة وَيُقَال إِن قتلاهم كَانُوا فِيهَا اثنى عشر ألفا وتعرف

ص: 149

ب وقيعة الْمَدِينَة قَالَ وَقد ذكرهَا سعيد بن جودي السَّعْدِيّ صَاحب سوار والوالي رئاسة الْعَرَب بعده فِي شعر لَهُ مِنْهُ

(وَلما رأونا رَاجِعين إِلَيْهِم

توَلّوا سرَاعًا خوف وَقع المناصل)

(فسرنا إِلَيْهِم والرماح تنوشهم

كوقع الصَّيَاصِي تَحت رهج القساطل)

(فَلم يبْق مِنْهُم غير عان مصفد

يُقَاد أَسِيرًا موثقًا فِي السلَاسِل)

(وَآخر مِنْهُم هارب قد تضايقت

بِهِ الأَرْض يهفو من جوى وبلابل)

وَمِنْه

(لقد سل سوار عَلَيْكُم مهنداً

يجذ بِهِ الهامات جذ المفاصل)

(بِهِ قتل الله الَّذين تحزبوا

علينا وَكَانُوا أهل إفْك وباطل)

(سما لبنى الْحَمْرَاء إِذْ حَان حينهم

بِجمع كَمثل الطود أرعن رافل)

(أدرتم رحى حَرْب فدارت عَلَيْكُم

لحتف قد أفناكم بِهِ الله عَاجل)

(لَقِيتُم لنا ملمومة مستجيرة

تجيد ضراب الْهَام تَحت العوامل)

(بهَا من بني عدنان فتيَان غَارة

وَمن آل قحطان كَمثل الأجادل)

(يقودهم لَيْث هزبر ضبارم

محش حروب ماجد غير خامل)

ص: 150

(أرومته من خير قيس سما بِهِ

إِلَى الْمجد قدماً والعلا كل فَاضل)

(لَهُ سُورَة قيسية عَرَبِيَّة

بهَا ذاد عَن دين الْهدى كل جَاهِل)

وَهِي طَوِيلَة وَقَالَ فِي ذَلِك

(فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة ثمَّ غودروا

كَمثل حصيد فَوق ظهر صَعِيد)

وَقَالَ أَيْضا قصيدة أُخْرَى ذكر فِيهَا أسر جعد بن عبد الغافر يُخَاطب المولدين

(لم تزالوا تَبْغُونَهَا عوجا حَتَّى

وردتم للْمَوْت شَرّ وُرُود)

(فاصطلوا حرهَا وحر سيوف

تتلظى عَلَيْكُم كالوقود)

(قد قتلناكم بِيَحْيَى وَمَا إِن

كَانَ الحكم الْإِلَه بالمردود)

(هجتم يَا بني العبيد ليوثاً

لم يَكُونُوا عَن ثارهم بقعود)

ص: 151

(جَاءَكُم ماجد يَقُود إِلَيْكُم

فتية ذادة كَمثل الْأسود)

(يطْلب الثار ثار قوم كرام

آزروا بالعهود بعد العهود)

(فأستباح الْحَمْرَاء لم يبْق مِنْهُم

غير عان فِي قده مصفود)

(قد قتلنَا مِنْكُم ألوفا وَمَا يعدل

قتل الْكَرِيم قتل العبيد)

(فلئن كَانَ قَتله غدرة مَا

كَانَ بالنكس لَا وَلَا الرعديد)

يُرِيد يحيى بن صقالة أَمِير الْعَرَب الْقَائِم على المولدين وَقَالَ يحيى بن أخي

ص: 152

يحيى بن صقالة من قصيدة طَوِيلَة يمدح فيهاسوارا وَيذكر وقيعة إلبيرة ويناقض العبلى شَاعِر المولدين وَقيل إِنَّهَا لسَعِيد بن جودي

(لسوار على الْأَعْدَاء سيف

أباد ذوى الغواية فأضمحلوا)

(سقاهم كأس حتف بعد حتف

بهَا نهل العبيد مَعًا وعلوا)

(قتلت بِوَاحِد سوار ألفا

وألفهم بواحدنا يقل)

(وَأكْثر قتلنَا لَهُم حَلَال

بِمَا أرتكبوه ظلما وأستحلوا)

(فأوردنا رقابهم سيوفاً

تشب النَّار مِنْهَا إِذْ تسل)

(ورثنا الْعِزّ عَن آبَاء صدق

وإرثكم بني العبدان ذل)

وَأول شعر العبلي

(قد أنقصفت قناتهم وذلوا

وضعضع ركن عزهم الْأَذَل)

ص: 153

(فَمَا طلت دِمَاؤُهُمْ لديهم

وهاهم عندنَا فِي البير طل)

وَمن شعر سوار قَوْله من قصيدة طَوِيلَة

(صرم الغواني يَا هنيد مودتي

إِذْ شَاب مفرق لمتي وقذالي)

(وصددن عني يَا هنيد وطالما

علقت حبال وصالهن حبالي)

وَقتل فِي صدر سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فَكَانَ أمده فِي رئاسته نَحْو الْعَام

57 -

سعيد بن جودي السَّعْدِيّ أَبُو عُثْمَان

هُوَ سعيد بن سُلَيْمَان بن جودي بن أَسْبَاط بن إِدْرِيس السَّعْدِيّ هُوَ من هوَازن من جند قنسرين

ص: 154

ولى جده جودي بن أَسْبَاط الشرطة للأمير الحكم الربضى وَولى أَيْضا قَضَاء بَلَده إلبيرة وَقع ذكر ذَلِك فِي الْمقنع من تأليف ابْن بطال فِي الْأَحْكَام وَلما قتل سوار بن حمدون ذلت الْعَرَب بمقتله وكل حَدهَا بِمَا نزل فِيهِ وَكَانَ قد أُصِيب على يَدي بعض أَصْحَاب ابْن حفصون فَيُقَال إِن جثته مزقها ثكالى نسَاء المولدين قطعا وَأكله كثير مِنْهُنَّ حنقاً عَلَيْهِ لما نالهن بِهِ الْمرة بعد الْمرة من الثكل فِي بعولتهن وأهليهن فَنصبت الْعَرَب لإمارتها بعده سعيد بن سُلَيْمَان بن جودي صَاحبه وعلقت آمالها بِهِ فَلم يسد مَكَانَهُ وَلَا بلغ مداه فِي السياسة على أَنه كَانَ شجاعاً بطلا وفارساً محرباً قد تصرف مَعَ فروسيته فِي فنون الْعلم وَتحقّق بضروب الْأَدَب فاغتدى أديبا تحريرا وشاعراً محسناً تعد لَهُ عشر خِصَال تفرد بهَا فِي زَمَانه لَا يدْفع عَنْهَا الْجُود والشجاعة والفروسية وَالْجمال وَالشعر والخطابة والشدة والطعن وَالضَّرْب والرماية وهابه ابْن حفصون هَيْبَة لم يَهَبهَا أحدا مِمَّن مارسه إِذا لم يلقه قطّ إِلَّا علاهُ وهزمه

وَلَقَد دَعَاهُ فِي بعض أيمامهم إِلَى المبارزة فَلم يجبهُ ابْن حفصون إِلَيْهَا وحاد عَنهُ وواجهه يَوْمًا فَألْقى عَلَيْهِ ذراعه وأجتذبه إِلَى الأَرْض فَمَا نجاه مِنْهُ إِلَّا أَصْحَابه

ص: 155

الَّذين انقضوا على سعيد فتنقذوا عمر من يَده وَله زرقة بعيدَة المدى إِلَى بعض القناطر المعتلية مَشْهُورَة النِّسْبَة إِلَيْهِ لم يقدر أحد بعده مِمَّن يتعاطى الشدَّة يبلغ إِلَيْهَا ذكر ذَلِك أَبُو مَرْوَان بن حَيَّان فِي تَارِيخه

وَقَالَ فِي مَوضِع آخر كَانَ مَعَ رئاسته وشجاعته شَاعِرًا مفلقا وخطيباً مصقعاً فصيح اللِّسَان ربيط الْجنان جميل الشارة حسن الْإِشَارَة ثَبت الْأَصَالَة وَاسع الْأَدَب والمعرفة يضْرب فِي صَنْعَة الشّعْر بسهمة وافرة ويتصرف من سبله بِكُل منيعة وَحكى أَن الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد أسجل لَهُ على كورة البيرة لما ظَهرت الْعَرَب على حاضرتها فاتصل قِيَامه بِأَمْر الْعَرَب إِلَى أَن قتل غيلَة بأيدي بعض أَصْحَابه فِي ذِي الْقعدَة من سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ

قَالَ وَزَعَمُوا أَن من أقوى الْأَسْبَاب فِي قَتله أبياتاً من الشّعْر قَالَهَا فِي غمص الْأَئِمَّة من بني مَرْوَان مِنْهَا قَالَ لعبد الله

(يَا بني مَرْوَان جدوا فِي الْهَرَب

نجم الثائر من وَادي الْقصب)

(يَا بني مَرْوَان خلوا ملكنا

إِنَّمَا الْملك لأبناء الْعَرَب)

ورثاه الْأَسدي شَاعِر الْعَرَب فِي ذَلِك الأوان وَقَالَ فِيهِ مقدم بن معافى يرثيه

(من ذَا الَّذِي يطعم أَو يكسو

وَقد حوى حلف الندى رمس)

(لَا اخضرت الأَرْض وَلَا أَوْرَق الْعود

وَلَا أشرقت الشَّمْس)

ص: 156

(بعد ابْن جودى الَّذِي لن ترى

أكْرم مِنْهُ الْجِنّ وَالْإِنْس)

(دموع عَيْني فِي سَبِيل الأسى

على سعيد أبدا حبس)

وَقَامَ بِأَمْر الْعَرَب بعده مُحَمَّد بن أضحى بن عبد اللَّطِيف الْهَمدَانِي صَاحب حصن الْحمة إِلَى أَن استنزله النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد ولسعيد بن جودى شعر كثير وَقد ذكرنَا مِنْهُ جملَة وَسمع يَوْمًا منشداً ينشد قَول أبي قيس بن الأسلت

(قد حصت الْبَيْضَة رَأْسِي فَمَا

أطْعم نوماً غير تهجاع)

(أسعى على جلّ بني مَالك

كل امري فِي شَأْنه ساع)

فَقَالَ مُعَارضا لَهُ على البديهة

(الدرْع قد صَارَت شعارى فَمَا

أبسط حاشاها لتهجاع)

(وَالسيف إِن قصره صانع

طوله يَوْم الوغى باعى)

(وَمَا كميتى لي بمستقصر

إِذا دَعَاني للقا دَاع)

(هَذَا الَّذِي أسعى لَهُ جاهداً

كل امْرِئ فِي شَأْنه ساع)

وَله فِي جَارِيَة سَمعهَا بقرطبة تغني للأمير عبد الله بن مُحَمَّد وَذَلِكَ فِي إِمَارَة أَبِيه الْأَمِير مُحَمَّد فهام بهَا وَاشْترى جَارِيَة سَمَّاهَا باسمها جيجان فَلم يَسلهُ ذَلِك عَنْهَا وهام بهَا دهراً

(سَمْعِي أبي أَن يكون الرّوح فِي بدني

فاعتاض قلبِي مِنْهُ لوعة الْحزن)

(أَعْطَيْت جيجان روحي عَن تذكرها

هَذَا وَلم أرها يَوْمًا وَلم ترني)

ص: 157

(كأنني وَاسْمهَا والدمع منسكب

من مقلتي رَاهِب صلى إِلَى وثن)

وَله فِي جَارِيَة حملت إِلَيْهِ من قرطبة فَلَمَّا خلا بهَا أَعرَضت عَنهُ ورمت بطرفها إِلَى الأَرْض خجلا فَقَالَ

(أمائلة الألحاظ عني إِلَى الأَرْض

أَهَذا الَّذِي تبدين وَيحك من بغضي)

(فَإِن كَانَ بغضاً لست وَالله أَهله

ووجهي بِذَاكَ اللحظ أولى من الأَرْض)

وَله أَيْضا يهزل ويتغزل

(لَا شَيْء أَمْلَح من سَاق على عنق

وَمن مناقلة كأساً على طبق)

(وَمن مُوَاصلَة من بعد معتبة

وَمن مراسلة الأحباب بالحدق)

(جريت جرى جموح فِي الصِّبَا طلقاً

وَمَا خرجت لصرف الدَّهْر عَن طَلِّقِي)

(وَلَا انثنيت لداعي الْمَوْت يَوْم وغى

كَمَا انثنيت وحبل الْحبّ فِي عنقِي)

ومقاصده فِي غزله المشوب بشجاعته تشبه مَقَاصِد أَبى دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ وَكَانَت لَهُ أَيْضا رئاسة وثورة

ولسعيد أَيْضا فِي جَارِيَة جميلَة عرضت لَهُ صباحاً فِي غلالة حَمْرَاء وَهُوَ خَارج إِلَى مَجْلِسه لتأْخذ عَلَيْهِ الطَّرِيق وَهِي تتثنى فِي حركتها فَقَالَ

(قضيب من الريحان فِي ورق حمر

)

ثمَّ أعيته الْإِجَازَة طول نَهَاره وَقد شغل بهَا فكره حَتَّى دخل عَلَيْهِ حَاجِبه فَاسْتَأْذن لعبيديس الشَّاعِر الْكَاتِب وَكَانَ ينتابه هُوَ وَغَيره فساعة دخل عَلَيْهِ ناداه سعيد

(قضيب من الريحان فِي ورق حمر

)

ص: 158

فَأَجَابَهُ من قبل أَن يجلس

(وعهدي بالريحان فِي ورق خضر

)

فسر واجزل صلته

وَله يرثى

(أمستنصراً بِالصبرِ قد دفن الصَّبْر

مَعَ الْحسن المأمول إِذْ ضمه الْقَبْر)

(فياعجبا للقبر مِنْهُ يضمه

وَقد كَانَ سهل الأَرْض يخشاه والوعر)

(وَمَا مَاتَ ذَاك الْمَاجِد القرم وَحده

بل الْجُود والإقدام والباس واالصبر)

(وَإِن يكن الشَّيْطَان زين حيرة

لقاتله فِي الْكفْر بل دونه الْكفْر)

(فشمس الضُّحَى ترجو لفقدان نوره

وَبدر الدجى يبكيه والأنجم الزهر)

وَله حِين أسره عمر بن حفصون رَأس الْفِتْنَة بالأندلس ومضرم نارها وركن العصبية للعجم والمولدين وَذَلِكَ قبل إِمَارَة سعيد ورئاسته للْعَرَب

(خليلي صبرا رَاحَة الْحر فِي الصَّبْر

وَلَا شَيْء مثل الصَّبْر فِي الكرب للْحرّ)

(فكم من أَسِير كَانَ فِي الْقد موثقًا

فَأَطْلقهُ الرَّحْمَن من حلق الْأسر)

(لَئِن كنت مأخوذاً أَسِيرًا وكنتما

فَلَيْسَ على حَرْب وَلَكِن على غدر)

(وَلَو كنت أخْشَى بعض مَا قد أصابني

حمتني أَطْرَاف الردينية السمر)

(فقد علم الفتيان أَنِّي كميها

وفارسها الْمِقْدَام فِي سَاعَة الذعر)

ص: 159

وَمن هَذِه القصدة

(بهمك ألْقى خالقي يَوْم موقفي

وكربك أقضى لي من الْقَتْل والأسر)

(وَإِن لم يكن قبر فَأحْسن موطئاً

من الْقَبْر للفتيان حوصلة النسْر)

58 -

سُلَيْمَان بن وانسوس الْوَزير أَبُو أَيُّوب

هُوَ سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن أصبغ بن عبد الله وانسوس المكناسي مولى سُلَيْمَان ابْن عبد الْملك أَصله من البرابر وَله فيهم بَيت شرف بالأندلس وَكَانَ جده أصبغ رَئِيسا بماردة مُطَاعًا ثار فِيهَا على الْأَمِير الحكم بن هِشَام فملكها لنَفسِهِ واتصل خِلَافه فِيهَا سِنِين وَجَرت لَهُ خطوب كبار فِي حَالي الْمعْصِيَة وَالطَّاعَة

وتمهد ابْن ابْنه هَذَا مهاد الطَّاعَة من بعد نزوات سلفه وعلق حبال الْخدمَة فتصرف للسُّلْطَان فِي أَعمال كَثِيرَة إِلَى أَن ارْتقى الذرْوَة من خطة الوزارة للأمير عبد الله وَصَارَت لَهُ حظوة وَكَانَ أديباً مفتناً وشاعراً مطبوعاً حسن الْبَيَان بليغاً حصيفاً داهياً وَكَانَ فِي لحيته كوسجاً وَمن شعره يغرى

ص: 160

الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد بجهور بن عبد الْملك البختي وَكَانَ قد صرف عَن عمله بكورة البيرة لتظلم الرّعية

(جَاءَ الْحمار حمَار المرج محتشيا

مِمَّا أَفَادَ من الْأَمْوَال والطرف)

(خلى لبيرة قد أودت ماسكنها

بقبح سيرته والعنف والسرف)

(فاحمل على العير حملا يسْتَقلّ بِهِ

واترك لَهُ سَببا للتبن والعلف)

فَلَمَّا قَرَأَ الْأَمِير عبد الله أبياته أَمر بإدخاله إِلَيْهِ فَضَحِك مِنْهُ وَقَالَ لَهُ يَا سُلَيْمَان لَو زدتنا فِي الأبيات لزدنا الْحمار فِي الْغرم وَأمر بإغرامه ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَقد تقدم لِسُلَيْمَان هَذَا خبر مَعَ الْأَمِير عبد الله يدل على شرف ذَاته وعلو همته

59 -

عَامر بن عَامر بن كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عبيد الجذامى أَبُو مَرْوَان

ولي أَبُو عَامر طليطلة ثمَّ صرفه عَنْهَا عبد الرَّحْمَن بن الحكم بأَخيه عبد الله بن كُلَيْب وَكَانَ أحد وُجُوه أَصْحَاب السُّلْطَان واختص بِصُحْبَة هَاشم ابْن عبد الْعَزِيز وَكَانَت فِيهِ مَعَ أدبه وبلاغته حِدة ومعارضة للنَّاس وتحكك بالشعراء فَلم يسلم مِنْهُم وَهُوَ الْقَائِل فِي الِاعْتِذَار

(عظم الخطاء فَهَل تقيل

يَا سَيِّدي أَو مَا تَقول)

(أَنْت الْعَزِيز بهفوتي

وَأَنا بهَا العَبْد الذَّلِيل)

(وَالله لَو أَنِّي اسْتَطَعْت

لما بَدَت مني فضول)

(وَلما رأى مني الصّديق

سوى قوام لَا يمِيل)

ص: 161

(ولسان صدق لايزول

من الصَّوَاب ولاا يحول)

(فَأَبت على الكاس إللا

أَن يداخلني الذهول)

60 -

عبد الرَّحْمَن بن وليد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الحميد ابْن غَانِم

كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ مُحَمَّد وأبوهما وليد فِي بَيت أدب رائع وَكِتَابَة وجلالة وَولى وليد للأمير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن خطتي الوزارة وَالْمَدينَة وقاد جَيش الصائفة الَّذِي قدم عَلَيْهِ ابْنه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَكَانَ عدده عَظِيما وَولى أَيْضا مُحَمَّد ابْن وليد خطة الْمَدِينَة وَسَيَأْتِي ذكرهمَا وَعبد الرَّحْمَن هُوَ الْقَائِل وَسمع عبيد الله بن يحيى بن يحيى صَاحب مَالك وَقد سُئِلَ عَن النعامة فَفَسَّرَهَا بطير المَاء

(ذهب الزَّمَان بصفوة الْعلمَاء

وَبقيت فِي ظلم وَفِي عمياء)

(وأتى طغام رقع من بعدهمْ

لَا فرق بَينهم وَبَين الشَّاء)

(فَإِذا سَأَلت عَن النعام أسدهم

علما يفسره بطير المَاء)

ص: 162

وهولاء شعراء بنى الْأَغْلَب مُلُوك إفريقية فِي هَذِه الْمِائَة وَفِي آخرهَا انقرض ملكهم حَسْبَمَا يذكر بعد

61 -

زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب أَبُو مُحَمَّد

ولى بعد أَخِيه أبي الْعَبَّاس عبد الله الْجَمِيل سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إِذا قدم عَلَيْهِ أحد من الْأَعْرَاب وَالْعُلَمَاء بِالْعَرَبِيَّةِ وَالشعرَاء أصحبهم ابْنه زِيَادَة الله هَذَا وَأمرهمْ بملازمته فَكَانَ أفضل أهل بَيته وأفصحهم لِسَانا وَأَكْثَرهم بَيَانا وَكَانَ يعرب كَلَامه وَلَا يلحن دون تشادق وَلَا تقعر ويصوغ الشّعْر الْجيد وَلَا يعلم أحد قبله سمى زِيَادَة الله وَلَا هبة الله قبل ولد إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي

وَولد زِيَادَة الله قبل هبة الله هَذَا بِنَحْوِ من ثَلَاثِينَ سنة

وَهُوَ الَّذِي بنى جَامع القيروان بالصخر والآجر والرخام بعد أَن هَدمه وَبنى الْمِحْرَاب كُله بالرخام من أَسْفَله إِلَى أَعْلَاهُ وَهُوَ منقوش بِكِتَاب وَغَيره كتاب ويستدير بِهِ سوار حسان بَعْضهَا مجزعة بأسود ناصعة الْبيَاض شَدِيدَة السوَاد ويقابل الْمِحْرَاب عمودان أَحْمَرَانِ فيهمَا توشيه بحمرة صَافِيَة

ص: 163

دون حمرَة سائرهما يَقُول كل من رآهما من أهل الْمشرق وَالْمغْرب أَنه لم ير مثلهمَا وَقد بذل فيهمَا صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة وزنهما ذَهَبا فَلم يجبهُ النَّاظر لِلْإِسْلَامِ فِي ذَلِك

وَأول من بنى هَذَا الْجَامِع الْأَشْرَف عقبَة بن نَافِع الفِهري وَهُوَ الَّذِي اختط مَدِينَة القيروان فِي سنة ثَلَاث وَخمسين من الْهِجْرَة

فَلَمَّا ولى حسان بن النُّعْمَان الغساني إفريقية هَدمه حاشى الْمِحْرَاب وبناه بالطوب فَلَمَّا ولى يزِيد بن حَاتِم إفريقية سنة خمس وَخمسين وَمِائَة هَدمه وبناه فَلَمَّا ولى زِيَادَة الله هَذَا هَدمه وبناه مَعَ الْمِحْرَاب كَمَا وصف وَتمّ بُنْيَانه سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ

وَبعد ذَلِك بعام أَو نَحوه توفّي فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين

ولأبى إِبْرَاهِيم أَحْمد بن مُحَمَّد وَالِد إِبْرَاهِيم بن أَحْمد السفاك زِيَادَة فِي هَذَا الْجَامِع كملت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَهِي عَلَيْهَا إِلَى الْيَوْم

ص: 164

وَمن شعره زِيَادَة الله على أَنه كَانَ يصنعه ويكتمه مَا يرْوى أَن الْمَأْمُون كتب إِلَيْهِ أَن يَدْعُو على منابره لعبد الله بن طَاهِر بن الْحُسَيْن فَأَنف من ذَلِك وَأمر بِإِدْخَال الرَّسُول عَلَيْهِ بعد أَن تملأ من الشَّرَاب وَحل شعره ونار عَظِيمَة بَين يَدَيْهِ فِي كوانين وَقد احْمَرَّتْ عَيناهُ فهال الرَّسُول ذَلِك المنظر ثمَّ قَالَ قد علم أَمِير الْمُؤمنِينَ طَاعَتي لَهُ وَطَاعَة آبَائِي لِآبَائِهِ وَتقدم سلفى فِي دعوتهم ثمَّ يَأْمُرنِي الْآن بِالدُّعَاءِ لعبد خُزَاعَة هَذَا وَالله أَمر لَا يكون أبدا ثمَّ مد يَده إِلَى كيس إِلَى جَانِبه فِيهِ ألف دِينَار فَدفعهُ إِلَى الرَّسُول ليوصله إِلَى الْمَأْمُون وَكَانَت الدَّنَانِير مَضْرُوبَة باسم إِدْرِيس الْحسنى ليعلمه مَا هُوَ عَلَيْهِ من فتْنَة الْمغرب ومناضلة العلويين وَكتب جَوَاب الْكتاب وَهُوَ سَكرَان فِي آخِره أَبْيَات مِنْهَا

(أَنا النَّار فِي أحجارها مستكنة

فَإِن كنت مِمَّن يقْدَح الزند فاقدح)

(أَنا اللَّيْث يحمى غيله بزئيره

فَإِن كنت كَلْبا حَان موتك فانبح)

(أَنا الْبَحْر فِي أمواجه وعبابه

فَإِن كنت مِمَّن يسبح الْبَحْر فاسبح)

فَلَمَّا صَحا بعث فِي طلب الرَّسُول ففاته وَكتب كتابا آخر يتلطف فِيهِ فوصل الْكتاب الأول وَالثَّانِي فأعرضوا عَن ذكر الأول وجاوبوه عَن الثَّانِي بِمَا أحب وَصدر الْبَيْت الأول من هَذِه الأبيات وَقع فِي ماا تمثل بِهِ الْمَأْمُون

ص: 165

إِذْ قتل لَيْلًا بالمطبق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن إِبْرَاهِيم الإِمَام بن مُحَمَّد ابْن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بِابْن عَائِشَة وَأَصْحَابه فَقَالَ حِين فرغ من ذَلِك

(أَنا النَّار فِي أحجارها مستكنة

مَتى مَا يهجها قَادِح تتضرم)

حَكَاهُ المَسْعُودِيّ

وَكَانَ زِيَادَة الله يَدْعُو لِلْمَأْمُونِ وَابْن شكْلَة وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي بِبَغْدَاد قد ادّعى الْخلَافَة بعد قتل الْأمين إِلَى أَن قدم الْمَأْمُون بَغْدَاد فكاتبه وشكر لَهُ فعله

وَله يُخَاطب أمه جلاجل جَارِيَة اللَّيْث بن سعد وَقد استفحل أَمر الْجند فِي خلافهم عَلَيْهِ وستولوا على إفريقية كلهَا إِثْر وقْعَة على أَصْحَابه شَدِيدَة خَافَ مِنْهَا على ملكه وأيقن بِانْقِطَاع مدَّته وَبلغ ذَلِك مِنْهُ كل مبلغ فَدخلت عَلَيْهِ أمه تصبره وتسهل الْأَمر عَلَيْهِ ففكر سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه وَأنْشد أبياتاً مِنْهَا

(أمنت سبيبة كل قرم باسل

وَمن العبيد جماجماً أبطالاً)

(فَإِذا ذكرت مصايباً بسبيبة

فابكى جلاجل واندبي إعوالا)

ص: 166

(ياويح نَفسِي حِين أركب غادياً

بالقيروان تخالني مختالاً)

(فِي فتية مثل النُّجُوم طوالع

ويخالني بَين النُّجُوم هلالا)

(فاليوم أركب فِي الزعاع وَلَا أرى

إِلَّا العبيد ومعشراً أنذالا)

وَله فِي النسيب

(بِاللَّه لَا تقطعن بالهجر أنفاسي

فَأَنت تملك إنطاقي وإخراسي)

(صدود طرفك عَن طرفِي إِذا التقيا

مجرعى كأس إرغام وإتعاس)

(لَو لم أبحك حمى قلبِي ترود بِهِ

لم تستبح مهجتي يَا أَمْلَح النَّاس)

وَله أَيْضا فِي تفاحة

(ولابسه ثوب اصفرار بِلَا جسم

تنم بِأَنْفَاسِ الحبيب لمشتم)

(تجمع معشوق لَدَيْهَا وعاشق

فذو نظر يرنو إِلَيْهَا وَذُو شم)

(سأفنيك أَو أفنى عَلَيْك تذكراً

لمن أَنْت عطر مِنْهُ فِي الرشف واللثم)

(فقد هجت فِي قلبِي لظى لتذكري

وعنوانه فِي مقلتي دمعة تهمي)

(كَأَنِّي أدنى حِين أدنيك من بِهِ

أثرت اشتياقي فِي عنَاق وَفِي ضم)

ص: 167

62 -

الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب أَبُو عقال ويلقب بخزر

ولى إفريقية بعد إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب ثَلَاثَة من أبنائه لصلبه أَوَّلهمْ أَبُو الْعَبَّاس عبد الله ولى بِعَهْد أَبِيه وَكَانَ عِنْد وَفَاته بطرابلس فَقَامَ أَخُوهُ زِيَادَة الله بِالْأَمر فِي مغيبه وَأخذ لَهُ الْبيعَة على نَفسه وعَلى أهل بَيته وَسَائِر النَّاس فَكَانَ يتحامل عَلَيْهِ فِي ولَايَته ويتنقصه وَهُوَ يظْهر التجمل وَالِاحْتِمَال وعوجل فَلم تطل مدَّته وَلم يُوصف بأدب فنذكره وثانيهم أَبُو مُحَمَّد زِيَادَة الله الْمُتَقَدّم الذّكر وَهُوَ كَانَ أطولهم ولَايَة وأمتنهم بعد أَبِيهِم أدباً وثالثهم أَبُو عقال الْأَغْلَب هَذَا ولى بعد أَخِيه زِيَادَة الله وَهُوَ كَانَ أقصرهم ولَايَة أَقَامَ سنتَيْن وَتِسْعَة أشهر وأياماً غير أَن الْمُلُوك مِنْهُم من عقبه دون أَخَوَيْهِ وكل من ولى بعده من آل الْأَغْلَب إِلَى أَن انقرض ملكهم وَزَالَ سلطانهم من وَلَده وآثاره صَالِحَة أَمن الْجند وَأحسن إِلَيْهِم فَلم يكن فِي أَيَّامه على قصرهَا وتقلصها حروب وَغير مِمَّا أحدث الْعمَّال كثيرا وَقبض أَيْديهم عَن أَمْوَال الرّعية وَقطع النَّبِيذ من القيروان فحمدت سيرته وَظَهَرت فضيلته وانتشر عدله وَكَانَ لَهُ حَظّ من الْأَدَب يصوغ بِهِ مقطعات من الشّعْر فَمِنْهَا قَوْله

ص: 168

(لَهُ مقلة تكفيه حمل سلاحه

محاربة ألحاظها من تسالمه)

(سقى صبه من خمرها فَبَدَا بهَا

كَمَا تفعل الصَّهْبَاء مَا هُوَ كاتمه)

(وَقد سكرت أجفانه فَكَأَنَّمَا

تسقيه من صهبائها وتنادمه)

63 -

ابْنه مُحَمَّد بن الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب أَبُو الْعَبَّاس

ولى بعد أَبِيه أبي عقال فِي آخر شهر ربيع الآخر سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي يَوْم الِاثْنَيْنِ لليلتين خلتا من الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن سِتّ وَثَلَاثِينَ سنة فَكَانَت ولَايَته خمس عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر واثني عشر يَوْمًا

وَكَانَ كوسجاً كَانَ وَجهه وَجه خصي لَيْسَ فِيهِ إِلَّا شَعرَات بسيرة عقيماً لَا يُولد لَهُ مَوْصُوفا بحلم وجود وحاربه أَخُوهُ أَحْمد فظفر بِهِ وَأخرجه إِلَى الْمشرق وَكَانَت فِي أَيَّامه حروب كَثِيرَة نصر فِيهَا وَأما أَخُوهُ الثَّانِي وَيُسمى أَيْضا مُحَمَّدًا ويكنى أَبَا عبد الله فَكَانَ والياً على طرابلس من قبله وَمَات بهَا فِي أَيَّامه سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَمن وَلَده أُمَرَاء بني الْأَغْلَب الْوُلَاة بعد أبي الْعَبَّاس هَذَا

ص: 169

وَأَبُو الْعَبَّاس هُوَ الْقَائِل يفخر فِي مَا نسبه إِلَيْهِ بعض خاصته وَقيل إِنَّه لعبد الرَّحْمَن بن أبي مسلمة قَالَه على لِسَانه عِنْد ظفره بِخَارِج عَلَيْهِ

(أَلَيْسَ أَبى وجدي أوطآني

وجد أَبى وعماي الرقابا)

(ورثت الْملك وَالسُّلْطَان عَنْهُم

فصرت أعز من وطئ الترابا)

(وقدمني الخلائف واصطفوني

فَمن مثلي قَدِيما وانتسابا)

(أَنا الْملك الَّذِي أسمو بنفسي

فأبلغ بالسمو بهَا السحابا)

(إِذا نقبت عَن كرمي ومجدي

وجدتني المصاصة واللبابا)

(أَنا الْملك الَّذِي أيدت ملكي

بسيفي إِذْ كشفت بِهِ الضبابا)

(فَأمْضى إِن سردت الجفن عَنهُ

فأغتصب النُّفُوس بِهِ اغتصابا)

(لقد فتح الْمُهَيْمِن لي بسيفي

وإقدامي إِذا مَا الْجمع هابا)

(أتمت بِهِ ابْن حَمْزَة حِين دبت

عقارب غدره وسعى فخابا)

ص: 170

(أسلت بِهِ دم الْأَوْدَاج مِنْهُ

فَصَارَ لشيب لحيته خضابا)

(أظل عشيرتي بجناح عزى

وأمنحها الْكَرَامَة والثوابا)

(وأصطنع الرِّجَال وأصطفيهم

وأغفر للمسيء إِذا أنابا)

(وأسمو بالخميس إِلَى الأعادي

فأكسر بالعقاب لَهَا العقابا)

(أَنا ابْن الْحَرْب ربتني وليداً

إِلَى أَن صرت ممتلئاً شبَابًا)

) لعمر أَبِيك مَا أَن عبت قومِي

وَمَا أخْشَى بقومي أَن أعابا)

(بنيت لَهُم مَكَارِم باقيات

إِذا مَا صَارَت الدُّنْيَا خرابا)

64 -

إِبْرَاهِيم بن أبي إِبْرَاهِيم أَحْمد بن أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي عقال الْأَغْلَب

وَهُوَ خزر الْمَذْكُور قبل ابْن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب أَبُو إِسْحَاق

ولي بعد أَخِيه أَبى عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الَّذِي يعرف بأبى الغرانيق لِكَثْرَة ولوعه بتصيدها وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا قد عقد لِابْنِهِ أَبى عقال الْأَغْلَب ولَايَة عَهده واستحلف إِبْرَاهِيم هَذَا خمسين يَمِينا بِجَامِع مَدِينَة القيروان أَلا ينازعه وَذَلِكَ بِمحضر مشيخه الْأَغْلَب وقضاه القيروان وفقهائها فَلَمَّا هلك أَبُو الغرانيق

ص: 171

لست مضين من جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ خلع ابْنه أهل القيروان وَقدمُوا إِبْرَاهِيم بن أَحْمد فِي قصَّة طَوِيلَة فَابْتَلَاهُمْ الله بظلمه وامتحنهم بإسرافه حَتَّى سموهُ الْفَاسِق وَكَانَ أول أمره قد أحسن السِّيرَة فيهم نَحوا من سبع سِنِين ثمَّ ارْتكب من الْعدوان وَسَفك الدِّمَاء مالم يرتكبه أحد قبله وَأخذ فِي قتل أَصْحَابه وَكتابه وحجابه حَتَّى إِنَّه قتل ابْنه أَبَا عقال وَبنَاته وَالْأَخْبَار عَنهُ فِي ذَلِك فظيعة شنيعة وَكَانَ كثير المَال شَدِيد الْحَسَد على اتصافه بالحزم والعزم والضبط للأمور وَلم يكن يُوصف بِعلم بارع وَلَا أدب وَكَانَ رُبمَا صنع من الشّعْر شَيْئا ضَعِيفا فَمن ذَلِك قَوْله

(نَحن النُّجُوم بَنو النُّجُوم وجدنَا

قمر السَّمَاء أَبُو النُّجُوم تَمِيم)

(وَالشَّمْس جدتنا فَمن ذَا مثلنَا

متواصلان كَرِيمَة وكريم)

وَحذف هَذَا النّظم الغث أولى من إثْبَاته وليته بعقاب أهل بَيته عُوقِبَ على أبياته وَلم يل إفريقية قبله أطول عمرا مِنْهُ فِي سلطانها ملك تسعا وَعشْرين سنة إِلَّا خَمْسَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا ليطول بِهِ الِابْتِلَاء وَالله يفعل مَا يَشَاء

(وَحكى أَبُو عبيد البكرى فِي كتاب الممالك والمسالك من تأليفه أَن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد هُوَ الَّذِي بنى مَدِينَة رقادة وتخذها وطنا وانتقل إِلَيْهَا من مَدِينَة الْقصر الْقَدِيم وَبنى بهَا قصوراً عَجِيبَة وجامعاً وَلم تزل بعد ذَلِك دَار ملك لبنى الْأَغْلَب إِلَى أَن هرب عَنْهَا زِيَادَة الله أَمَام أَبى عبد الله الشيعي وسكنها عبيد الله الْمهْدي إِلَى أَن انْتقل إِلَى المهدية فَدَخلَهَا الوهن وانتفل عَنْهَا ساكنوها وَلم تزل تخرب شَيْئا بعد شَيْء إِلَى أَن ولى معد بن إِسْمَاعِيل فخرب مَا بَقِي مِنْهُ وَعفى آثارها وَلم يبْق مِنْهَا غير بساتينها

قَالَ وَلَيْسَ بإفريقية أعدل هَوَاء وَلَا أرق نسيماً وَلَا أطيب تربة من مَدِينَة رقادة وَذكروا أَن أحد بنى الْأَغْلَب ارق وشرد عَنهُ النّوم أَيَّامًا فعالجه

ص: 172

إِسْحَاق يَعْنِي طبيبهم وَهُوَ الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ إطريفل إِسْحَاق فَلم ينم فَأمره بِالْخرُوجِ وَالْمَشْي فَلَمَّا وصل إِلَى مَوضِع رقاده نَام فسميت رقاده من يَوْمئِذٍ واتخذت دَارا ومسكناً وَمَوْضِع فُرْجَة للْملك قَالَ وَلما بناها إِبْرَاهِيم ابْن أَحْمد منع بيع النَّبِيذ بِمَدِينَة القيروان وأباحه بِمَدِينَة رقادة فَقَالَ بعض ظرفاء أهل القيروان

(يَا سيد النَّاس وَابْن سيدهم

وَمن إِلَيْهِ الرّقاب منقاده)

(مَا حرم الشّرْب فِي مدينتنا

وَهُوَ حَلَال بِأَرْض رقاده)

وَمَعَ بعد إِبْرَاهِيم فِي الملكة عَن الإسجاح فقد كَانَ لَا يخل بِنَصِيبِهِ من السماح حكى أَبُو إِسْحَاق الرَّقِيق أَن بكر بن حَمَّاد التاهرتي كَانَ ينتجع هَذَا الطاغية ويمدحه فغدا يَوْمًا بمديح لَهُ على بَلَاغ الْخَادِم فَقَالَ لَهُ الْأَمِير عَنَّا مَشْغُول فِي هَذَا الْيَوْم قَالَ فالطف بِي فِي إِيصَال رقْعَة إِلَيْهِ قَالَ إِنَّه مصطبح فِي الْجنان مَعَ الْجَوَارِي وَلَا يصل إِلَيْهِ أحد فَكتب بكر فِي رقْعَة واحتال بَلَاغ فِي توصيلها مساعدة لَهُ وفيهَا أَبْيَات مِنْهَا

ص: 173

(خُلِقْنَ الغواني للرِّجَال بلية

فهن موالينا وَنحن عبيدها)

(إِذا مَا أردن الْورْد فِي غير حِينه

أتتنا بِهِ فِي كل حِين خدودها)

وَكتب تَحت الأبيات

(فَإِن تكن الْوَسَائِل أعوزتني

فَإِن وسائلي ورد الخدود)

فَلَمَّا قَرَأَهَا أنشدها الْجَوَارِي فأظهرن لَهُ سُرُورًا بهَا وشفعن إِلَيْهِ إِلَى أَن خرج بصرة مختومة فِيهَا مائَة دِينَار وَوصل مِنْهُ إِلَى بكر مَال عَظِيم

65 -

ابْنه عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد أَبُو الْعَبَّاس

ولى بعد أَبِيه إِبْرَاهِيم وَكَانَ شجاعاً بطلاً ذَا بصر بالحروب وَالتَّدْبِير عَاقِلا أديباً عَالما لَهُ نظر فِي الجدل وعناية باللغة والآداب وَكَانَ فِي أَيَّام أَبِيه على خوف شَدِيد مِنْهُ لسوء أخلاقه وقبح أَفعاله وجرأته على قتل من قرب مِنْهُ أَو بعد وَكَانَ يظْهر من طَاعَته والتذلل لَهُ أمرا عَظِيما وَكَانَ أَبوهُ يوجهه إِلَى محاربة كثير مِمَّن يُخَالف عَلَيْهِ ويفضله على سَائِر وَلَده ثمَّ ولاه عَهده وصير إِلَيْهِ خَاتمه ووزارته وَكتب بذلك كتابا تَارِيخه يَوْم الْجُمُعَة لثمان بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ

وَفِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا هلك أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن أَحْمد وَمن ذَلِك الْوَقْت رمى

ص: 174

بالنجوم فَكَانَت تتناثر كالمطر يَمِينا وَشمَالًا وَكَانَت تؤرخ بِسنة النُّجُوم

وَملك عبد الله سنة وَاحِدَة واثنين وَخمسين يَوْمًا وَكَانَت أَيَّامه على قصر مدَّته أَيَّام عدل وَصَلَاح وَحسن سيرة إِلَى أَن قتل لَيْلَة الْأَرْبَعَاء آخر شعْبَان سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ تولى قَتله ثَلَاثَة من خدمه الصقالبة وَهُوَ نَائِم وَأتوا بِرَأْسِهِ ابْنه بِزِيَادَة الله بن عبد الله آخر مُلُوك الأغالبة وَهُوَ مَحْبُوس من قبل أَبِيه وَكَانَ قد صانعهم على ذَلِك فَقَتلهُمْ وصلبهم وَمن شعر عبد الله فِي دَوَاء شربه بصقلية

(شربت الدَّوَاء على غربَة

بَعيدا من الْأَهْل والمنزل)

(وَكنت إِذا مَا شربت الدَّوَاء

تطيبت بالمسك والمندل)

(فقد صَار شربي بحار الدِّمَاء

ونقع الْعَجَاجَة والقسطل)

66 -

ابْنه زِيَادَة الله بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد أَبُو مُضر

خَاتِمَة مُلُوك الأغالبة عَلَيْهِ انقرض ملكهم وَزَالَ سلطانهم بعبيد الله الْمهْدي أول مُلُوك الشِّيعَة

وَلما هزم أَبُو عبد الله الشيعي دَاعِيَة عبيد الله عَسْكَر زِيَادَة الله هَذَا يَوْم السبت لست بَقينَ من جمادي الْآخِرَة سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ

ص: 175

وَدخلت مَدِينَة الأربس بِالسَّيْفِ وَبلغ الْخَبَر زِيَادَة الله عِنْد صَلَاة الْعَصْر يَوْم الْأَحَد بعده فر على وَجهه وَأسلم الْبِلَاد وَلحق بإطرابلس ميمماً ديار مصر وَذَلِكَ فِي خلَافَة المقتدر بن جَعْفَر بن المعتضد فَكَانَت ولَايَته سِتّ سِنِين إِلَّا شَهْرَيْن وأياماً أتلف جلها فِي اللَّذَّات والبطالة حَتَّى انتقضت دولته وظفر بِهِ عدوه

وَكَانَ فراره من مدينه رقاده الَّتِي بناها جده إِبْرَاهِيم بن أَحْمد وأجرى إِلَيْهَا الْمِيَاه واغترس فِيهَا صنوف الثِّمَار الطّيبَة والرياحين وَبنى على الْقُصُور الَّتِي أحدث فِيهَا سوراً وَأحد هَذِه الْقُصُور يُسمى بَغْدَاد وَآخر مِنْهَا يُسمى الْمُخْتَار فَصَارَت أكبر من القيروان وَبَينهمَا سِتَّة أَمْيَال

فَلَمَّا ولى زِيَادَة الله هَذَا انْتقل إِلَيْهَا وحفر بهَا حفيراً بناه صهريجاً طوله خَمْسمِائَة ذِرَاع وَعرضه أَرْبَعمِائَة ذِرَاع وأجرى إِلَيْهَا ساقية وَسَماهُ الْبَحْر وَبنى فِيهِ قصراً وَسَماهُ الْعَرُوس على أَربع طَبَقَات أنْفق فِيهِ سوى خسر الْيَهُود والعجم مِائَتي ألف دِينَار واثنين وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار

وَكَانَ عبيد الله يَقُول رَأَيْت ثَلَاثَة أَشْيَاء بإفريقية لم أر مثلهَا بالمشرق مِنْهَا هَذَا الْقصر فَبِهَذَا وَأَمْثَاله كَانَ اشْتِغَاله حَتَّى حَالَتْ لأوّل وهلة حَاله ليصدق مَا قَالَه أَبُو الْفَتْح البستي

(إِذا غَدا ملك باللهو مشتغلاً

فاحكم على ملكه بِالْوَيْلِ وَالْحَرب)

وَحكى أَبُو إِسْحَاق الرَّقِيق أَنه سَأَلَ مؤنساً المغنى هَل يعلم صَوتا من أصواته لم يسمعهُ مِنْهُ فَقَالَ وَالله يَا مولَايَ مَا علمت غير بَيت وَقد أنسيت أَوله قَالَ هاته فغناه

ص: 176

فقد صرت بعد الْبَين أقنع بالهجر

ثمَّ وَجه فِي صَاحب الْبَرِيد عبد الله بن الصَّائِغ وَكَانَ شَاعِرًا مجيداً فَعرفهُ مَا جرى وَقَالَ لَهُ بحياتي إِلَّا زِدْت عَلَيْهِ شَيْئا فَقَالَ ابْن الصَّائِغ

(ولى كبد لَوْلَا الأسى لتصدعت

وقلب أَبى أَن يستريح إِلَى الصَّبْر)

(وَقد كنت أخْشَى هجر هم قبل بَينهم

فقد صرت بعد الْبَين أقنع بالهجر)

فأعجبه ذَلِك وَوَقع مِنْهُ أحسن موقع وغنى بِهِ مؤنس فطرب وَأمر لَهُ بخلع نفيسة وكيس فِيهِ ألف دِينَار وَفرس بسرج ولجام محليين وَهَذَا قد كَانَ يحسن مِنْهُ لَوْلَا أنهماكه فِي ملذاته الَّذِي كَانَ فِيهِ هَلَاكه

وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُحَمَّد الصولى فِي كتاب الْأَخْبَار المنثورة من تأليفه حَدثنِي أَبُو الْحسن على بن جَعْفَر الْكَاتِب حَدثنِي أبي قَالَ كَانَ لزِيَادَة الله ابْن عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد وَهُوَ زِيَادَة الله الْأَصْغَر وَكَانَ أَمِيرا بإفريقية غُلَام فَحل صبي يدعى خطابا وَهُوَ الَّذِي اسْمه فِي السكَك فسخط عَلَيْهِ وَقَيده بِقَيْد من ذهب فَدخل يَوْمًا من الْأَيَّام صَاحبه على الْبَرِيد وَهُوَ عبد الله بن الصَّائِغ فَلَمَّا رأى الْغُلَام مُقَيّدا تَأَخّر قَلِيلا وَعمل بَيْتَيْنِ وَكتب بهما إِلَى زِيَادَة الله وهما

(يأيها الْملك الميمون طَائِره

رفقا فَإِن يَد المعشوق فَوق يدك)

(كم ذَا التجلد والأحشاء راجفة

أعيذ قَلْبك أَن يَسْطُو على كبدك)

ص: 177

فَأطلق الْغُلَام ورضى عَنهُ وَوصل عبد الله الصَّائِغ بالقيد الذَّهَب

وَمن شعر زِيَادَة الله مَا حكى الصولى أَيْضا فِي كتاب الوزراء من تأليفه أَن الْعَبَّاس بن الْحسن لما استوزره المكتفى أَبُو مُحَمَّد على بن أَحْمد المعتضد أَرَادَ أَن يرِيه أَنه فَوق الْوَزير قبله الْقَاسِم بن عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب فِي التَّدْبِير فاستأذنه فِي مُخَاطبَة بن الْأَغْلَب هَذَا فَفعل فَوجه ابْن الْأَغْلَب إِلَيْهِ برَسُول مَعَه هَدَايَا عَظِيمَة وَمِائَتَا خَادِم وخيل وبز كثير وَطيب وَمن اللبوذ المغربية ألف ومائتان وَعشرَة آلَاف دِرْهَم فِي كل دِرْهَم عشرَة دَرَاهِم وَألف دِينَار فِي كل دِينَار عشرَة دَنَانِير وَكتب على الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم فِي وَجه

(يَا سائراً نَحْو الْخَلِيفَة قل لَهُ

أَن قد كَفاك الله أَمرك كُله)

(زِيَادَة الله بن عبد الله سيف

الله من دون الْخَلِيفَة سَله)

وَفِي الْوَجْه الآخر

(مَا ينبرى لَك بالشقاق مُنَافِق

إِلَّا استباح حريمه وأحله)

(من لَا يرى لَك طَاعَة فَالله قد

أعماه عَن طرق الْهدى وأضله)

ص: 178

67 -

مُحَمَّد بن زِيَادَة الله بن مُحَمَّد بن الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم ابْن الْأَغْلَب أَبُو الْعَبَّاس

ولى لِابْنِ عَمه إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد طرابلس فَكَانَ يشق عَلَيْهِ حسن سيرته وَيكرهُ ذَلِك وَكَانَ عَالما أديبا شَاعِرًا خَطِيبًا مَعَ عشرَة لإخوانه ولين

ص: 179

جَانب لأخذانه لَا ينادم إِلَّا أهل الْأَدَب وَكَانَ أَبوهُ زِيَادَة الله قد ولى إفريقية بعد أَخِيه أَبى إِبْرَاهِيم احْمَد بن مُحَمَّد وَكَانَ مَحْمُود السِّيرَة ذَا رأى ونجدة

يرْوى عَن سُلَيْمَان بن عمرَان القَاضِي أَنه قَالَ ماولى لبني الْأَغْلَب أَعقل من زِيَادَة الله الْأَصْغَر سَمَّاهُ الْأَصْغَر لِأَنَّهُ سمى باسم عَم أَبِيه زِيَادَة الله ابْن إِبْرَاهِيم الْمُتَقَدّم ذكره وبعدهما ولى زِيَادَة الله بن عبد الله ثالثهم وَهُوَ آخر ولاتهم

وَلم يزل إِبْرَاهِيم بن أَحْمد يحقد على مُحَمَّد هَذَا مَا يُؤثر عَنهُ من جميل إِلَى أَن قَتله وَكَانَ الَّذِي هاجه لذَلِك وَبَعثه عَلَيْهِ مَعَ قدم حسده لَهُ أَنه وَجه رَسُولا إِلَى بَغْدَاد فَكتب إِلَيْهِ يُخبرهُ أَن بعض من سَار إِلَى بَغْدَاد من أهل تونس شكوا إِلَى المعتضد صنع إِبْرَاهِيم فَقَالَ المعتضد عجبا من إِبْرَاهِيم مَا يبلغنَا عَنهُ إِلَّا سوء الثَّنَاء عَلَيْهِ وعامله على طرابلس يبلغنَا عَنهُ خلاف ذَلِك من رفق بِمن ولى عَلَيْهِ وإحسان فَمضى إِبْرَاهِيم قَاصِدا إِلَى طرابلس فَقتله وصلبه بغياً وحسداً وَقتل أَوْلَاده وعاث فِي أصاغرهم عيثه الْمَشْهُور حَتَّى إِنَّه شقّ جَوف بعض نِسَائِهِ عَن جَنِينهَا جرْأَة على الله تَعَالَى وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ

وقرأت فِي تَارِيخ أَبى إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم الْمَعْرُوف بالرقيق أَن المعتضد كتب إِلَى إِبْرَاهِيم من الْعرَاق إِن لم تتْرك أخلاقك فِي سفك الدِّمَاء فَأسلم الْبِلَاد إِلَى ابْن عمك مُحَمَّد بن زِيَادَة الله صَاحب طرابلس فَخرج إِبْرَاهِيم إِلَى طرابلس فِي خُفْيَة وَأظْهر أَنه يُرِيد الْخُرُوج إِلَى مصر حِيلَة مِنْهُ إِلَى أَن ظفر بِهِ فَقتله وصلبه وَكَانَ بَين خُرُوجه ورجوعه خَمْسَة عشر يَوْمًا

قَالَ وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا أديباً ظريفاً ألف كتاب رَاحَة الْقلب وَكتاب الزهر وتاريخ بني الْأَغْلَب

ص: 180

وَمن شعره مَا أنْشدهُ لَهُ أَبُو عَليّ حُسَيْن بن أبي سعيد القيرواني صَاحب الْكتاب المعرب عَن الْمغرب

(وَمِمَّا شجا قلبِي بتوزر أنني

تناءيت عَن دَار الْأَحِبَّة وَالْقصر)

(غَرِيبا فليت الله لم يخلق النَّوَى

وَلم يجر بَين بَيْننَا آخر الدَّهْر)

وَمن بنى عمهم عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْأَغْلَب بن سَالم أَبُو الْعَبَّاس وَيعرف هُوَ وَأَبوهُ مُحَمَّد وَعَمه الْأَغْلَب بن عبد الله ببني عبد الله وجده عبد الله الَّذين يعْرفُونَ بِهِ هُوَ أَخُو أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب

وَكَانَ عَمه الْأَغْلَب مِمَّن أنهض لِحَرْب مَنْصُور بن نصر الطنبذى أَيَّام زِيَادَة الله ابْن إِبْرَاهِيم فجند لَهُ جنده وَانْهَزَمَ

وَولى مُحَمَّد بن عبد الله لزِيَادَة الله الْمَذْكُور صقلية سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَفتح بهَا فتوحات وَقد كَانَ زِيَادَة الله أغزاه إِلَيْهَا سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ قبل فتحهَا على يَد أَسد بن الْفُرَات بِنَحْوِ من ثَمَانِي سِنِين فسبى مِنْهَا شَيْئا كثيرا وَانْصَرف

ثمَّ وَليهَا ابْنه عبد الله بن مُحَمَّد هَذَا لأبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب الْمَعْرُوف بأبى الغرانيق سنة تسع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ قد ولى قبل ذَلِك بِحِين أطرابلس ثمَّ وَليهَا مرّة أُخْرَى بعد ولَايَة صقيلة وَولى أَيْضا إِمَارَة القيروان وَكَانَ أديباً شَاعِرًا طَالبا للْحَدِيث وَالْفِقْه وَهُوَ الْقَائِل لما أَتَاهُ كتاب عَزله عَن طرابلس يُخَاطب أَبَا هَارُون مُوسَى بن مَرْزُوق صَاحب بريدها وَكَانَ لَهُ صديقا

(قد أَتَى فِي الْكتاب مَا قد علمنَا

من تناء ورحلة وفراق)

(وعددنا الْأَيَّام فَهِيَ ثَمَان

بعد خمس سريعة الإفتراق)

ص: 181

(فَعَلَيْك السَّلَام إِن فراقي

قد دنا والفراق مر المذاق)

وَمن بني أخي الْأَغْلَب بن سَالم

68 -

يَعْقُوب بن المضاء بن سوَادَة بن سُفْيَان ابْن سَالم بن عقال التَّمِيمِي

كَانَ أَبوهُ من أُمَرَاء بني عَمه الأغالبة وَرغب يَعْقُوب عَن السُّلْطَان وولايته وَانْصَرف إِلَى النّسك وَنزع السوَاد وَأعْرض عَن الدُّنْيَا وَمَال إِلَى الْآخِرَة وَله بنُون يتسبون إِلَيْهِ فَيُقَال لَهُم اليعقوبية وَهُوَ الَّذِي توجه إِلَى الْعَبَّاس مُحَمَّد ابْن الْأَغْلَب الكوسج مَعَ ابْن عَمه خفاجة بن سُفْيَان بن سوَادَة فأصلحا بَينه وَبَين أَخِيه أَحْمد الْقَائِم عَلَيْهِ وأشارا بتأمينه وَقد تفاقم الْخطب بَينهمَا فَقبل ذَلِك مُحَمَّد فِي حَدِيث طَوِيل وَوصل إِلَيْهِ وعاتبه ثمَّ أمره بالتوجه إِلَى الْمشرق فَسَار إِلَى الْعرَاق وَبهَا مَاتَ وَيَعْقُوب هُوَ الْقَائِل

(فَإِن تَكُ لمتى كُسِيت بَيَاضًا

وَبدل لي المشيب من الشَّبَاب)

(فقد عمرت ذَا فرع أثيث

كَأَن سوَاده حنك الْغُرَاب)

(فَلَا تعجل رويدك عَن قريب

كَأَنَّك بالمشيب وبالخضاب)

69 -

أَحْمد بن سُفْيَان بن سوَادَة بن سُفْيَان ابْن سَالم بن عقال

وعقال هُوَ ابْن خفاجة بن عبد الله بن عباد بن محرث بن سعد بن حزَام

ص: 182

ابْن سعد بن مَالك بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَسَالم بن عقال هُوَ جد الأغالبة وَهُوَ جد هَؤُلَاءِ

ولى أَحْمد هَذَا الزاب ثمَّ ولى طرابلس وأعمالها سِنِين كَثِيرَة وَله بهَا أَخْبَار وآثار ووقائع مَشْهُورَة وَكَانَ من الْجنُود بمَكَان رفيع وَهُوَ أَيْضا مِمَّن قَامَ بنصرة أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْأَغْلَب على أَخِيه أَحْمد مَعَ أَخِيه خفاجة بن سُفْيَان وَابْن عَمهمَا يَعْقُوب بن المضاء حَتَّى ظفر بِهِ أَبُو الْعَبَّاس وانحفظ سُلْطَانه وَكَذَلِكَ قَامَ أَبوهُ سُفْيَان بن سوَادَة بِأَمْر زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب فِي حروبه وَكَانَ سَبَب ثبات ملكه وَفِي أَحْمد بن سُفْيَان هَذَا يَقُول بكر بن حَمَّاد التاهرتي من قصيدة لَهُ

(وقائلة زار الْمُلُوك فَلم يفد

فياليته زار ابْن سُفْيَان أحمدا)

(فَتى يسْخط المَال الَّذِي هُوَ ربه

ويرضى العوالي والحسام المهندا)

وَكَانَ خفاجة بن سُفْيَان أَخُو أَحْمد هَذَا من رجالات بنى عَمه الأغالبة وَهُوَ أكبر سنامنه وَأجل حَالا وَولى صقلية فَأَقَامَ بهَا مُدَّة وَنصر على الرّوم فَلهُ فيهم فتوحات شهيرة

وَمن شعره أَحْمد

(قربوا الأبلق إِنِّي

أعرف الْخَيل العتاقا)

(وَعَلَيْهَا أصرع الْأَبْطَال

طَعنا واعتناقا)

(أخبط الْأَرْوَاح والأنفس

بِالرُّمْحِ صَدَاقا)

(وأروى من نجيع الْهَام

أسيافا رقاقا)

(تنقع الْأَعْدَاء فِي النَّقْع

حميما وغساقا)

(فَإِذا مَا دارت السّلم

بِمَا نبغي وفَاقا)

ص: 183

(وأزحنا كل مَا كَانَ

شقاقاً ونفاقا)

(اصطبحناها سلافاً

وشربناها اغتباقا)

(وأدرنا الكاس بِالرَّاحِ

على الشّرْب دهاقا)

وَله أَيْضا من قصيدة أُخْرَى

(إِنَّمَا الأبلق حصنى

ثمَّ رمحى وحسامي)

(فِيهِ عز لعشيري

وَبِه عَنْهُم أحامي)

(وَبِه أشفي من الْأَعْدَاء صَدْرِي بانتقام)

(أَنا من سر نزار

وَابْن سَادَات كرام)

(أَنا من سعد تَمِيم

لست من سعد حذام)

(أَنا من قد جال ذكرى

وَجرى بَين الْأَنَام)

(باحتمالي كل ثقل

فِي الملمات الْعِظَام)

(وسدادى كل ثغر

ثمَّ حزمي وقيامي)

(أنجبتني السَّادة الصَّيْد

همام لهمام)

(سَالم قد كَانَ جدى

ثمَّ سُفْيَان المحامي)

(أركب الهول بكراتي

على الْجَيْش اللهام)

(أخطف الْأَرْوَاح كالصقر

لأرواح الْحمام)

(تعرف الأنسر بأسى

فَهِيَ من فَوقِي حوام)

ص: 184

(ميزت فِي الْحَرْب راياتي

وأرماحي الدوامى)

(فَهِيَ حَولي عاكفات

وَهِي خَلْفي وأمامي)

(ترقب الطّعْم الَّذِي عوم

دتها يَوْم صدامي)

(أبدا تعرف مني

هَكَذَا فِي كل عَام)

(فَإِذا مَا آلت السّلم

وصرنا للمدام)

(أَبْصرت عَيْنَاك منا

أنجماً تَحت الظلام)

(يتلاقى ونبدى

بتحيات السَّلَام)

(وننيل الزائر الْمَعْرُوف

من قبل الْكَلَام)

وَمن رجال الأغالبة

70 -

مجبر بن إِبْرَاهِيم بن سُفْيَان

كَانَ من أهل الشّرف والثروة وولاه إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الأربس وَغَيرهَا وَكَانَ ينادمه لحذقه الْغناء ثمَّ أخرجه إِلَى صقلية وولاه الْعَسْكَر الَّذِي بمسيني وَأَرْض قلورية بعد وقْعَة ميلاص فَخرج فِي شينى يُرِيد قلورية فأسرته الرّوم وَحمل إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَمَاتَ بهَا وَهُوَ الْقَائِل فِي أسره من قصيدة طَوِيلَة بعث بهَا من محبسه عِنْد الرّوم وَرَوَاهَا فِي أَيَّام بنى الْأَغْلَب أَكثر النَّاس

ص: 185

(ألاليت شعري مَا الَّذِي فعل الدَّهْر

بإخواننا يَا قيروان ياقصر)

(وَنحن فَإنَّا طخطختنا رحى النَّوَى

فَلم يجْتَمع شَمل لنا لَا وَلَا وفر)

(رَأينَا وُجُوه الدَّهْر وَهِي عوابس

بأعين خطب فِي ملاحظها شزر)

وَآخر هَذِه القصيدة

(لَعَلَّ الَّذِي نجى من الْجب يوسفاً

وَفرج عَن أَيُّوب إِذْ مَسّه الضّر)

(وخلص إِبْرَاهِيم من نَار قومه

وَأَعْلَى عَصا مُوسَى فذل لَهُ السحر)

(يصبر أهل الْأسر فِي طول أسرهم

على معضلات الْأسر لَا سلم الْأسر)

71 -

أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْزَة بن السبال

بِالْبَاء بِوَاحِدَة وَاللَّام وَيعرف حَمْزَة بالحرون وَقد تقدم ذكره وَابْنه مُحَمَّد بن حَمْزَة هُوَ الَّذِي وَجهه زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم للقبض على مَنْصُور الطنبذي بقصره بالمحمدية فكاده وَقتل مُحَمَّد هَذَا فِي وقْعَة سبيبة أَيَّام خلاف مَنْصُور والجند على زِيَادَة الله

ص: 186

وَكَانَ أَحْمد بن مُحَمَّد حاجباً لإِبْرَاهِيم بن أَحْمد ومقدماً عِنْده قد فوض إِلَيْهِ أُمُوره وَولى ابْن عَمه القيروان وَهُوَ من بَيت رئاسة وقيادة مَعَ علم وَاسع وأدب بارع وَمن شعره

(لَيْسَ كل الَّذِي يدار علينا

من أُمُور يُوَافق المقدورا)

(قد قضى الله مَا لنا وعلينا

قبل أَن يبرم الْعَدو الأمورا)

72 -

الْحسن بن مَنْصُور بن نَافِع بن عبد الرَّحْمَن بن عَامر ابْن نَافِع بن محمية المسلى الْمذْحِجِي أَبُو عَليّ

من بَيت قيادة وإمارة وَكَانَ جد أَبِيه عبد الرَّحْمَن بن عَامر وَابْن عَمه عَامر ابْن إِسْمَاعِيل بن عَامر بن نَافِع مِمَّن قدم مَعَ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث الْخُزَاعِيّ من قواد العباسية وَخرج عَمه عَامر بن نَافِع على زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَسَيَأْتِي ذكره وعامر بن إِسْمَاعِيل هُوَ الَّذِي قتل مَرْوَان الْجَعْدِي وَكَانَ مقدما عِنْد أبي الْعَبَّاس السفاح وَمن بعده لأجل ذَلِك

وَكَانَ الْحسن بن مَنْصُور هَذَا يجمع إِلَى شرف آبَائِهِ وَأهل بَيته علما وَاسِعًا وأدباً كَامِلا وَأَقل مَا تصرف فِيهِ الشّعْر وَكَانَ بَصيرًا باللغة نَافِذا فِي النَّحْو عَالما بأيام الْعَرَب وأخبارها ووقائعها وَأَشْعَارهَا وَهُوَ الْقَائِل يرثى ابْن عَم لَهُ يكنى أَبَا الْفضل من قصيدة طَوِيلَة أَولهَا

(حل أَمر لم يغن فِيهِ احتيال

يقصر الْوَصْف دونه والمقال)

(كَانَ من قبله الْبكاء حَرَامًا

وَهُوَ من بعد للعيون حَلَال)

ص: 187

وَمِنْهَا

(يَا أَبَا الْفضل حَملتنِي المنايا

مِنْك مَالا تقوى عَلَيْهِ الْجمال)

(وَكَأَنِّي لما تضمنك اللَّحْد

يَمِين قد فارقتها الشمَال)

وَله

(يَا قاتلي ظلما ألم تخش مَا

جَاءَ بِهِ التَّنْزِيل والآي)

(وأيت بالوعد فَمَا ضركم

لَو صدق الميعاد والواى)

(نأيت عني فتبدلتني

كَذَا لعمري يفعل الناي)

(فَإِن يكن هجري من رَأْيكُمْ

فَلَيْسَ لي فِي هجركم رأى)

وَله يُخَاطب ابْن عَمه أَبَا الْعَرَب بن عَامر بن نَافِع

(يَا من سما للمكرمات فحازها

وغذا وَأصْبح للسماح مليكا)

(إِن الْإِلَه بمنه وبفضله

جمع المكارم والمفاخر فيكا)

(أشبهت آبَاء كراماً سادة

بيض الْوُجُوه معظمين ملوكاً)

(وَجه إِلَيْنَا بالمسبح إِنَّنِي

تفديك نَفسِي قد ضمنت الديكا)

ولهذه الأبيات قصَّة ذكرهَا صَاحب الْكتاب المعرب عَن أَبنَاء الْمغرب

ص: 188

73 -

عبد الله بن الصَّائِغ الْمَعْرُوف بِصَاحِب الْبَرِيد

أحد وُلَاة زِيَادَة الله بن عبد الله آخر مُلُوك بنى الْأَغْلَب وَأَصْحَابه المخصوصين بلطف الْمنزلَة عِنْده وَتغَير عَلَيْهِ آخرا فَقتله بطرابلس عِنْد انْتِقَاض دولته وهربه إِلَى مصر أَمَام الشيعي فِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَقد تقدم من خَبره وَمن شعره مَا أغْنى عَن إِعَادَته وَهُوَ االقائل أَيْضا

(رَأَيْت دجناً فَقلت الراح أشبه بِي

فَقُمْ بِنَا أَيهَا المخمور نصطبح)

(فَقَامَ يمسح وَجها كُله قمر

وَقمت ألثمه من شدَّة الْفَرح)

وَله

(طالعتني طوالع الشوق لما

أَن بدا الْبَدْر فِي مِثَال طلوعك)

(يَا غزالاً أقسى من الصخر قلباً

لَيْت قلبِي يبيت بَين ضلوعك)

(أَنا أرْضى أَن أقبل نعليك

على قبح مَا بدا من صنيعك)

وَله

(إِذا قلت زرني قَالَ قَالُوا وشنعوا

ترى هَكَذَا من كَانَ فِينَا يصدق)

(فيا كَبِدِي رقى على الكبد الَّتِي

أَقَامَت على عهد الْهوى وَهِي تحرق)

(كَأَنِّي إِذا مَا اللَّيْل أرْخى سدوله

بقلبي إِلَى بعض النُّجُوم مُعَلّق)

ص: 189

أول مُلُوك الشِّيعَة االناجمين فِي آخر هَذِه الْمِائَة

74 -

عبيد الله الملقب بالمهدي أَبُو مُحَمَّد

قَالَ الرَّازِيّ اخْتلف النَّاس فِي نسب عبيد الله فَقَالَ قوم هُوَ عبيد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْبَصْرِيّ من مَدِينَة سلمية وَزعم هُوَ أَنه عبيد الله ابْن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ وَأخْبرنَا الثِّقَة عَن أبي الْقَاسِم أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الرسى الحسني انه قَالَ بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَا عبيد الله منا وَلَا أَقُول هَذَا لما فعل فقد فعل من لَا يشك فِي نسبه أَكثر من فعله وأشنع

وَقَالَ أَبُو بكر بن الطّيب الباقلاني وَذكر عبيد الله وبنيه هم أدعياء إِذْ هم بَنو عبيد الله بن مَيْمُون القداح ادعوا إِلَى عَليّ بن أبي طَالب وَذكر لَهُم قصَّة طَوِيلَة

وَأهل مصر يصححون نسبهم

وَذكر ابْن أبي الطَّاهِر فِي أَخْبَار بَغْدَاد أَن اسْم الْخَارِج بالقيروان عبيد

ص: 190

الله بن عبد الله بن سَالم مولى مكرم بن سندان الْبَاهِلِيّ صَاحب شَرط زِيَاد الْمَنْسُوب إِلَيْهِ عَسْكَر مكرم فانتقل عبد الله بن سَالم إِلَى سلمية وَكَانَ وَكيلا للتجار وَقيل كَانَ يَبِيع الصفر ويتشيع فَلَمَّا خرج القرمطي بِالشَّام أضرّ بِهِ وطالبة فهرب إِلَى مصر ثمَّ إِلَى الْمغرب وَكَانَ يعرف بِابْن الْبَصْرِيّ

قَالَ الرَّازِيّ وَدخل مَعَه يَعْنِي القيروان ابْنه مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي الْقَاسِم وَاخْتلفُوا فِي اسْمه وَنسبه فطائفة قَالَت عبد الرَّحْمَن ابْنه وَطَائِفَة قَالَت مُحَمَّد ربيبه وَيُقَال إِن عبيد الله من بني حسن بن عَليّ وَأَن أَبَا الْقَاسِم الْقَائِم بعده من بني الْحُسَيْن بن عَليّ إسماعيلي تزوج عبيد الله أمه وَهِي رُومِية تسمى لعب

وَقيل فِي اسْم أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد كَمَا تقدم وَقيل حسن ويكنى أَبَا جَعْفَر خرج بِهِ عبيد الله من الشَّام يتَصَدَّى للسُّلْطَان ويخاطر فِي طلب الْملك قَاصِدا الْمغرب وَعبيد الله إِذْ ذَاك شَاب عِنْد كَمَاله وَخرج مَعَه خاصته وثقات رِجَاله وَلما انْتهى إِلَى مصر أمل أَن يقْصد الْيمن ثمَّ كره ذَلِك فَخرج من مصر فِي زِيّ التُّجَّار وخلص من يَد عاملها فِي قصَّة طَوِيلَة وانْتهى إِلَى سجلماسة فدان لَهُ الْمغرب وَاجْتمعت عَلَيْهِ البربر وزحف داعيته أَبُو عبد الله الشيعي بهم إِلَى زِيَادَة الله الأغلبي فَكسر جَيْشه فِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ حَسْبَمَا ذكر قبل فهرب زِيَادَة الله إِلَى مصر وبويع لِعبيد الله بر قادة يَوْم الْجُمُعَة لتسْع بَقينَ من شهر ربيع الآخر سنة سبع وَتِسْعين وَكَانَ وُصُوله إِلَيْهَا يَوْم الْخَمِيس قبله ودعى لَهُ بِالْإِمَامَةِ

وَفِي هَذِه السّنة انقرض ملك بني الْأَغْلَب بعد مائَة سنة واثنتي عشرَة سنة

ص: 191

وَملك بنى مدرار بسجلماسة بعد مائَة سنة وَسِتِّينَ سنة وَملك بني رستم بتاهرت عَن مائَة وَثَلَاثِينَ سنة

وَكَثُرت السعايات بِأبي عبد الله الشيعي وَهُوَ الَّذِي مهد لملك عبيد الله وَشد سُلْطَانه مجالداً ومجادلاً فَقتله وأخاه أَبَا الْعَبَّاس يَوْم الثُّلَاثَاء مستهل ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَتِسْعين وَأمر بدفنهما فِي بُسْتَان الْقصر

ثمَّ ابْتَدَأَ بِنَاء المهدية يَوْم السبت لخمس خلون من ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وثلثمائة وارتاد موَاضعهَا وَقصد التحصين بهَا على أهل بَيته لما كَانُوا يتحدثون بِهِ من ظُهُور أَبى يزِيد الْخَارِج عَلَيْهِم وعيثه فِي ملكهم فَكَانَ ذَلِك وَفِي بنائها يَقُول بعض شعراء إفريقية

(خطت بأرجاء المغارب دَار

دَانَتْ لَهَا الْأَمْصَار والأقطار)

(لانت بِبرد المَاء لما أيقنت

أَن الْقُلُوب على الْحُسَيْن حرار)

وَكَانَ انْتِقَال عبيد الله إِلَيْهَا فِي شَوَّال سنة ثَمَان وثلاثمائة بعد أَن ملك إفريقية وأعمال الْمغرب وطرابلس وبرقة وصقلية

وسير ولى عَهده أَبَا الْقَاسِم إِلَى مصر دفعتين الأولى فِي سنة إِحْدَى وثلاثمائة فَملك الْإسْكَنْدَريَّة والفيوم وجبى خراجهما وخراج بعض أَعمال الصَّعِيد وَعَاد إِلَى الْمغرب فِي سنة اثْنَتَيْنِ وثلاثمائة وَالثَّانيَِة سنة سِتّ وثلاثمائة فَملك الْإسْكَنْدَريَّة أَيْضا

وَلم يزل سُلْطَانه يتمهد وظهوره يتزيد إِلَى أَن توفّي منتصف شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة فَكَانَت ولَايَته مُنْذُ وصل إِلَى رقادة وبويع بهَا إِلَى يَوْم وَفَاته أَرْبعا وَعشْرين سنة وشهراً وَعشْرين يَوْمًا وَقيل كَانَت خِلَافَته من يَوْم ظُهُوره بسجلماسة فِي أول ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَتِسْعين

ص: 192

وَمِائَتَيْنِ وفيهَا سلم عَلَيْهِ بالخلافة إِلَى يَوْم وَفَاته بالمهدية خمْسا وَعشْرين سنة وَثَلَاثَة أشهر وَثَلَاثَة أَيَّام وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة مولده سلمية وَقيل بِبَغْدَاد سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ ومولد أبي الْقَاسِم ابْنه سنة تسع وَسبعين وَقيل سنة ثَمَانِينَ

وَكَانَ مَعَ نجدته وشهامته مفوها فصيحا عَالما أدبيا قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ لما تغلب عبيد الله الشبعي كتب إِلَى أهل الْمغرب يَدعُوهُم إِلَى الدُّخُول فِي طَاعَته والتدبر بإمامته وَكتب بِمثل ذَلِك إِلَى سعيد بن صَالح وَكَانَ والياً على نكور وَمَا إِلَيْهَا من أَعمال الْمغرب لبنى مَرْوَان وَكتب فِي أَسْفَل كِتَابه أبياتا كَثِيرَة مِنْهَا

ص: 193

(فَإِن تستقيموا أستقم لصلاحكم

وَإِن تعدلوا عني أرى قتلكم عدلا)

(وأعلو بسيفي قاهراً لسيوفكم

وأدخلها عفوا وأملؤها عدلا)

قَالَ فَأَجَابَهُ رجل من شعراء الأندلس من أهل طليطلة يعرف بالأخمش أمره سعيد بن صَالح بذلك

(كذبت وَبَيت الله لَا تحسن العدلا

وَلَا علم الرَّحْمَن من قَوْلك الفصلا)

(وَمَا أَنْت إِلَّا جَاهِل ومنافق

تمثل للجهال فِي السّنة المثلى)

(وهمتنا الْعليا لدين مُحَمَّد

وَقد جعل الرَّحْمَن همتك السُّفْلى)

وَكَانَ عبيد الله إِذا رأى ابْنه أَبَا الْقَاسِم وَنظر إِلَيْهِ فسربه يَقُول

(مبارك الطلعة ميمونها

يصلح للدنيا وللدين)

75 -

أَبُو عبد الله الشيعي دَاعِيَة عبيد الله الْمهْدي

كَانَ مَعَ قوده الجيوش وخوضه الحروب عَالما أديباً شَاعِرًا وَهُوَ الَّذِي حَارب جَيش زِيَادَة الله بن الْأَغْلَب وهزمه نَائِبا عَن عبيد الله وناصراً لمذهبه وداعياً إِلَى دَعوته وزحف إِلَى القيروان ونازلها ونها جُمْهُور أجناد إفريقية فَدَخلَهَا وَاسْتولى على رقادة دَار ملك الأغالبة حِينَئِذٍ وعَلى أَعمال إفريقية

ص: 194

وَقدم عبيد الله بعد ذَلِك من سجلماسة فبويع لَهُ وقوى أمره وَاشْتَدَّ سُلْطَانه وَلم يلبث أَن قَتله وأخاه أَبَا الْعَبَّاس وَكَانَ أكبر مِنْهُ كَمَا تقدم وصف ذَلِك تولى قَتلهمَا عرُوبَة الكتامي ثمَّ قتل عرُوبَة هَذَا منافقاً واستؤصل أهل بَيته فِي أَيَّام عبيد الله وَأَبُو عبد الله الشيعي هُوَ الْقَائِل بعد إِيقَاعه بِجَيْش بنى الْأَغْلَب

(من كَانَ مغتبطاً بلين حشية

فحشيتي وأريكتي سرجى)

(من كَانَ يُعجبهُ ويبهجه

نفر الدفوف وَرَنَّة الصنج)

(فَإنَّا الَّذِي لَا شَيْء يُعجبنِي

إِلَّا اقتحامي لجة الرهج)

(سل عَن خميسي إِذْ طلعت بِهِ

يَوْم الْخَمِيس ضحى على الْفَج)

الْبَيْت الأول من هَذِه الْقطعَة كَقَوْل امرىء الْقَيْس

(يَا رب غانيه صدمت حبالها

ومشيت متئداً على رُسُلِي)

وأبيات القصيدة كلهَا على خلاف ذَلِك وكقول الآخر وَيسْتَشْهد بِهِ العروضيون

ص: 195

(لمن الديار برامتين فعاقل

درست وَغير آيها الْقطر)

وَهِي من الضَّرْب الأمذ الْمُضمر من ضروب الْعرُوض الأول من أعاريض الْكَامِل وَعَكسه وَهُوَ من الشاذ

(ولنعم حَشْو الدرْع أَنْت إِذا

نهلت من العلق الرماح وعلت)

ص: 196

الْمِائَة الرَّابِعَة

76 -

عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد النَّاصِر لدين الله أَبُو الْمطرف

هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام بن عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان أعظم بني أُميَّة بالمغرب سُلْطَانا وأفخمهم فِي الْقَدِيم والْحَدِيث شانا وأطولهم فِي الْخلَافَة بل أطول مُلُوك الْإِسْلَام قبله مُدَّة وزماناً

ولى بقرطبة يَوْم الْخَمِيس مستهل شهر ربيع الأول سنة ثَلَاثمِائَة عِنْد وَفَاة جده الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد وَتُوفِّي فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لليلتين خلتا من شهر رَمَضَان سنة خمسين وثلاثمائة فَكَانَت خِلَافَته خمسين سنة وَسِتَّة أشهر وَثَلَاثَة أَيَّام لم يبلغهَا خَليفَة قبله وقارب أَن يلْحق فِيهَا شأوه الْقَادِر بِاللَّه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن إِسْحَاق بن المقتدر الْمُجْتَمع عَلَيْهِ بالمشرق فِي آخر هَذِه الْمِائَة الرَّابِعَة فَإِنَّهُ بلغ فِي الْخلَافَة ثَلَاثًا وَأَرْبَعين سنة وَقيل أقل ثمَّ ابْنه الْقَائِم بِاللَّه أَبُو جَعْفَر عبد الله بن أَحْمد الْقَادِر بلغ فِي ولَايَته أَرْبعا وَأَرْبَعين سنة وَثَمَانِية أشهر وأياماً وَمن هَؤُلَاءِ العباسيين الْمُتَأَخِّرين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النَّاصِر لدين الله بن المستضىء

ص: 197

بِاللَّه أَبى مُحَمَّد الْحسن بلغ فِي ولَايَته سبعا وَأَرْبَعين سنة وبويع لَهُ فِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة

وقرأت فِي كتاب أبي الْحُسَيْن بن أبي السرُور الروحي الإسكندري فِي أَخْبَار مُلُوك العبيدية أَن الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبَا تَمِيم سعد بن عَليّ بن الظَّاهِر بن الْحَاكِم بلغ فِي ولَايَته بِمصْر سِتِّينَ سنة وأشهراً فأربى على هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء

وَتسَمى النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بأمير الْمُؤمنِينَ بعد سِنِين من خِلَافَته لما ضعف سُلْطَان العباسية بالمشرق وغلبت عَلَيْهِم الأتراك وَادعت الشِّيعَة مَا شَاءَت بإفريقية وساعدتهم عَلَيْهِ قبائل الْبر بر وَأصْبح النَّاس فِي الْآفَاق فوضى وَكَانَ من قبله من آبَائِهِ يدعونَ بالأمراء

وَظهر لأوّل ولَايَته من يمن طَائِره وسعادة جده واتساع ملكه وَقُوَّة سُلْطَانه وإقبال دولته وخمود نَار الْفِتْنَة على اضطرامها بِكُل جِهَة

ص: 198

وانقياد العصاة لطاعته مَا تعجز عَن تصَوره الأوهام وتكل فِي تحبيره الأقلام وقيض لَهُ من ابْنه وَولى عَهده الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الْمَدْعُو بأمير الْمُؤمنِينَ بعده من زَان ملكه وَزَاد فِي أبهته وَقَامَ بأَمْره أحسن قيام فكمل جَلَاله وَجل كَمَاله

وَكَانَ النَّاصِر على عَلَاء جَانِبه واستيلاء هيبته يرتاح للشعر وينبسط إِلَى أَهله وَيُرَاجع من خاطبه بِهِ من خاصته

قَالَ أَبُو عمر أَحْمد بن مُحَمَّد بن فرج صَاحب كتاب الحدائق حَدثنِي أَبُو بكر إِسْمَاعِيل بن بدر أَنه خَاطب أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر لدين الله عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد رحمه الله فِي غزَاة كَانَ آلى أَلا يأنس فِيهَا بمنادمة أحد حَتَّى يفْتَتح معقلاً فَافْتتحَ معقلاً بعد آخر وَتَمَادَى على عزمه فِي العزوف عَن المنادمة فَذكر أَنه كتب إِلَيْهِ

(لقد حلت حميا الراح عِنْدِي

وَطَابَتْ بعد فتحك معقلين)

(وآذن كل هم بانفراج

وَأَن يقْضِي غَرِيم كل دين)

قَالَ فَلم يحركه مَا خاطبته بِهِ فعاودته بالمخاطبة فَقلت

(يَا ملكا رَأْيه ضِيَاء

فِي كل خطب ألم داج)

(من لي بِيَوْم بِهِ فرَاغ

لَيْسَ أَخُو حربه بناج)

ص: 199

(بِكُل بَيْضَاء من رَآهَا

يحسبها شعلة السراج)

(لَا تنس مَوْلَاك فِي وغاه

واذكره فِي حومة الْهياج)

فَذكر أَنه جاوبه بقوله

(كَيفَ وأنى لمن يناجى

من لوعة الْهم مَا أناجى)

(يطْمع أَن يستريح وقتا

أَو يقتل الراح بالمزاج)

(لَو حمل الصخر بعض شجوى

عَاد إِلَى رقة الزّجاج)

(كنت لما قد علمت الهول

إِذْ أَنا مِمَّا شَكَوْت نَاجٍ)

(فصرت للبين فِي علاج

طم وأربى على العلاج)

(الْورْد مِمَّا يهيج حزنى

وَيبْعَث السوسن اهتياجي)

(أرى ليَالِي بعد حسن

أقبح من أوجه سماج)

(لَا ترج مِمَّا أردْت شَيْئا

أَو يُؤذن الْهم بانفراج)

77 -

ابْنه الحكم بن عبد الرَّحْمَن الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو العَاصِي

ولى بعده الْخلَافَة وَهُوَ ابْن سبع وَأَرْبَعين سنة وَقيل ابْن ثَمَان وَأَرْبَعين سنة وشهرين ويومين وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس لثلاث خلون من رَمَضَان سنة خمسين وثلاثمائة وَتُوفِّي لليلتين خلتا من صفر سنة سِتّ وَسِتِّينَ فَكَانَت خِلَافَته خمس عشرَة سنة وَخَمْسَة أشهر وَثَلَاثَة أَيَّام استغرقت خلَافَة أَبِيه الطَّوِيلَة عمره حَتَّى كَانَ يَقُول لَهُ فِيمَا يحْكى عَنهُ لقد طولنا عَلَيْك يَا أَبَا العاصى

وَكَانَ حسن السِّيرَة فَاضلا عادلاً مشغوفاً بالعلوم حَرِيصًا على اقتناء دواوينها يبْعَث فِيهَا إِلَى الأقطار والبلدان ويبذل فِي أعلاقها ودفاترها أنفس

ص: 200

الْأَثْمَان ونفق ذَلِك لَدَيْهِ فَحملت من كل جِهَة إِلَيْهِ وَالْملك سوق مَا نفق فِيهَا جلب إِلَيْهَا حَتَّى غصت بهَا بيونه وَضَاقَتْ عَنْهَا خزائنه

قَالَ ابْن حَيَّان عِنْد ذكر الحكم كَانَ من أهل الدّين وَالْعلم رَاغِبًا فِي جمع الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة من الْفِقْه والْحَدِيث وفنون الْعلم باحثاً عَن الْأَنْسَاب حَرِيصًا على تأليف قبائل الْعَرَب وإلحاق من درس نسبه أَو جَهله بقبيلته الَّتِي هُوَ مِنْهَا مستجلباً للْعُلَمَاء ورواة الحَدِيث من جَمِيع الْآفَاق يُشَاهد مجَالِس الْعلمَاء وَيسمع مِنْهُم ويروى عَنْهُم

وَكَانَ أَخُوهُ عبد الله الْمَعْرُوف بِالْوَلَدِ على مثل هَذِه الْحَالة من الْمحبَّة فِي الْعلم وَالْعُلَمَاء وَالرِّوَايَة وَتُوفِّي فِي حَيَاة أَبِيه مقتولاً فتصيرت كتبه إِلَى أَخِيه الحكم

وَلم يسمع فِي الْإِسْلَام بخليفة بلغ مبلغ الحكم فِي اقتناء الْكتب والدواوين وإيثارها والتهمم بهَا أَفَاء على الْعلم ونوه بأَهْله وَرغب النَّاس فِي طلبه ووصلت عطاياه وَصلَاته إِلَى فُقَهَاء الْأَمْصَار النائية عَنهُ وَمِنْهُم أَبُو إِسْحَاق مُحَمَّد ابْن الْقَاسِم بن شعْبَان بِمصْر وَأَبُو عمر مُحَمَّد بن يُوسُف بن يَعْقُوب الكندى وَغَيرهمَا جرى ذكر هَذَا فِي كتب تواريخهم

وَبعث إِلَى أَبى الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ الْقرشِي المرواني ألف دِينَار عينا ذَهَبا وخاطبه يلْتَمس مِنْهُ نُسْخَة من كِتَابه الَّذِي أَلفه فِي الأغاني وَمَا لأحد مثله

ص: 201

وَوصل بذلك المَال رَحمَه إِذْ كَانَ قسيمه فِي المروانية وَمن ولد مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر الْخُلَفَاء الأمويين بالمشرق فَأرْسل إِلَيْهِ مِنْهُ نُسْخَة حَسَنَة منقحة قبل أَن يظْهر الْكتاب لأهل الْعرَاق أَو ينسخه أحد مِنْهُم

وَألف لَهُ أَيْضا أَنْسَاب قومه بني أُميَّة موشحة بمناقبهم وَأَسْمَاء رِجَالهمْ فَأحْسن فِيهِ جدا وخلد لَهُم مجداً وَأرْسل بِهِ إِلَى قرطبة وأنفذ مَعَه قصيدة حَسَنَة من شعره وَكَانَ محسناً يمدحه بهَا وَيذكر مجد قومه بني أُميَّة وفخرهم على سَائِر قُرَيْش فجدد لَهُ عَلَيْهِ الصِّلَة الجزيلة

وَكَانَ لَهُ وراقون بأقطار الْبِلَاد ينتخبون لَهُ غرائب التواليف وَرِجَال يوجههم إِلَى الْآفَاق عَنْهَا وَمن وراقيه بِبَغْدَاد مُحَمَّد بن طرخان وَمن أهل الْمشرق والأندلس جمَاعَة وَكَانَ مَعَ هَذَا كثير التهمم بكتبه والتصحيح لَهَا والمطالعة لفوائدها وقلما تَجِد لَهُ كتابا كَانَ فِي خزانته إِلَّا وَله فِيهِ قِرَاءَة وَنظر من أَي فن كَانَ من فنون الْعلم يَقْرَؤُهُ وَيكْتب فِيهِ بِخَطِّهِ إِمَّا فِي أَوله أَو آخِره أَو فِي تضاعيفه نسب الْمُؤلف ومولده ووفاته والتعريف بِهِ وَيذكر أَنْسَاب الروَاة لَهُ وَيَأْتِي من ذَلِك بِغَرَائِب لَا تكَاد تُوجد إِلَّا عِنْده لِكَثْرَة مطالعته وعنايته بِهَذَا الْفَنّ وَكَانَ موثوقاً بِهِ مَأْمُونا عَلَيْهِ صَار كل مَا كتبه حجَّة عِنْد شيونج الأندلسيين وأئمتهم ينقلونه من خطه ويحاضرون بِهِ

قلت وَقد اجْتمع لي من ذَلِك جُزْء مُفِيد مِمَّا وجد بِخَطِّهِ وَوجدت أَنه يشْتَمل على فَوَائِد جمة فِي أَنْوَاع شَتَّى

قَالَ وَكَانَ قد قيد كثيرا من أَنْسَاب أهل بَلَده وكلف أهل كور الأندلس أَن يلْحقُوا كل عَرَبِيّ أخمل ذكره قبل ولَايَته وَأَن يصحح

ص: 202

نسبهم أهل الْمعرفَة بذلك ويؤلف من الْكتب وَيرد كل ذِي نسب إِلَى نسبه وَفرج ذَلِك بِالْعلمِ فتم لَهُ من ذَلِك مَا أَرَادَ ونفع الله بكرم قَصده الْبِلَاد والعباد

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كتاب جمهرة الْأَنْسَاب من تأليفه وَذكر الحكم اتَّصَلت ولَايَته خَمْسَة عشر عَاما فِي هدوء وعلو وَكَانَ رَفِيقًا بالرعية محباً فِي الْعلم مَلأ الأندلس بِجَمِيعِ كتب الْعُلُوم وَأَخْبرنِي تليد الْفَتى وَكَانَ على خزانَة الْعُلُوم بقصر بني مَرْوَان بالأندلس أَن عدد الفهارس الَّتِي كَانَت فِيهَا تَسْمِيَة الْكتب أَربع وَأَرْبَعُونَ فهرسة فِي كل فهرسة خَمْسُونَ ورقة لَيْسَ فِيهَا إِلَّا ذكر أَسمَاء الدَّوَاوِين فَقَط

قَالَ وَلم يعقب إِلَّا هشاماً الْوَالِي بعده وَقد انقرض وَلَا عقب لَهُ وَلَا لِأَبِيهِ

وَذكر الْحميدِي فِي تَارِيخه أَن الحكم رام قطع الْخمر من الأندلس فَأمر بإراقتها وتشدد فِي ذَلِك وشاور فِي استئصال شَجَرَة الْعِنَب من جَمِيع أَعماله فَقيل إِنَّهُم يعملونها من التِّين وَغَيره فتوقف عَن ذَلِك

وَمن شعره

(عجبت وَقد ودعتها كَيفَ لم أمت

وَكَيف انْثَنَتْ عِنْد الْفِرَاق يَدي معي)

(فيا مقلتي العبري عَلَيْهَا اسكبي دَمًا

وَيَا كَبِدِي الحرى عَلَيْهَا تقطعي)

ص: 203

قَالَ ابْن حَيَّان وعَلى إطباق أهل وقته فِي نزارة جنى أدبه فقد أَنْشدني الْفَقِيه أَبُو عَليّ الْحسن بن أَيُّوب الْحداد لَهُ بَيْتِي شعر ارتجلهما يَوْم ودعته حظيته أم هِشَام لما خرج لغزوته الفذة الْمَعْرُوفَة بشنت اشتبين فَأَكْثَرت من التَّعَلُّق بِهِ والوله لفراقه وَكَانَ شَدِيد الكلف بهَا وَذكر الْبَيْتَيْنِ قلت وَقد قَرَأت فِي مَا يرْوى لمهيار الديلمى

(وَمن عجب أَنِّي أحن إِلَيْهِم

وأسأل شوقاً عَنْهُم وهم معي)

(وتبكى دَمًا عَيْني وهم فِي سوادها

ويشكو الْهوى قلبِي وهم بَين أضلعي)

(فيا مقلتي العبرى أفيضي عَلَيْهِم

وَيَا كَبِدِي الحرى عَلَيْهِم تقطعي)

فَلَا أَدْرِي أوافق الحكم فِي بَيته الْأَخير أم سَرقه وَغَيره كَمَا ترى

وَقَالَ أَبُو الطَّاهِر مُحَمَّد بن يُوسُف التَّمِيمِي الْمَعْرُوف بالاشتركوني صَاحب

ص: 204

المقامات اللزومية فِي مَا جمع من شعر أبي بكر بن عمار وَزِير بني عباد

وَمِمَّا ينْسب إِلَيْهِ وَذكر الْبَيْتَيْنِ

(وَمن عجبني أَنِّي أحن إِلَيْهِم

)

وَالَّذِي بعده لم يزدْ عَلَيْهِمَا

وقرأت فِي كتاب الحدائق لِابْنِ فرج قَوْله بعد إِيرَاده جملَة من أشعار الْخُلَفَاء االأموية وهم يجلون عَن الشّعْر أقدارهم كَمَا يرتفعون عَن أَن يرْوى عَنْهُم أَو يُؤْخَذ من أَقْوَالهم وَإِنَّمَا ينبسطون بِهِ فِي سرائرهم فَلَيْسَ يظْهر عَلَيْهِم مِنْهُ إِلَّا الشاذ الْقَلِيل وَلَعَلَّ مَا سقط عَنَّا أفضل مِمَّا سقط إِلَيْنَا فَأَما أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَطَالَ الله بَقَاءَهُ فَهُوَ فرق أَن يعلن بِهِ أَو ينشر اسْمه عَلَيْهِ وَلَعَلَّ لَهُ مِنْهُ مَا لَا نعرفه فَأَما الأدوات الَّتِي يُقَال بهَا بل الَّتِي يحْتَاج كل علم إِلَيْهَا فَهِيَ مَعَه بأزيد مِمَّا كَانَت لأحد قبله أَو تكون لأحد بعده

وَهَذَا الَّذِي قَالَ غير مُسلم لَهُ وَلَا مَقْبُول مِنْهُ بل إكثار الْمُلُوك من الشّعْر دَال على قُوَّة عارضتهم وسعة ذرعهم وحاكم بمعانة مادتهم وَتمكن تصرفهم وَلَوْلَا ذَلِك لما فضل ابْن المعتز أهل بَيته بالإبداع فِي أَنْوَاع القريض وَكَذَلِكَ تَمِيم بن الْمعز المتقيل أَثَره فِي الْإِكْثَار والإتيان بِمَا قيد وخلد من بَدَائِع الْأَشْعَار وَلَا أبلغ من الِاحْتِجَاج وأقطع للخصم المتناهى اللجاج مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ مَوْلَانَا من تحبير الغرائب وتسيير الْكَلم الغر أثْنَاء الْمَشَارِق والمغارب وهوالبرهان على رحب المجال وَتَحْصِيل أَسبَاب الْفضل وأشتات الْكَمَال لَا زَالَ سلطنه يبخع لَهُ بِالطَّاعَةِ ويدان وزمانه يشرق بمحاسنه الباهرة ويزدان

ص: 205

78 -

عبد الله بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر أَبُو مُحَمَّد

قَتله أَبوهُ عبد الرَّحْمَن لمنافسته أَخَاهُ الحكم ولى عَهده وَكَانَ من نجباء أَوْلَاد الْخُلَفَاء محبا فِي الْعلم وَالْعُلَمَاء سمع من جملَة مِنْهُم وَحدث فِي اللف عَنْهُم وَله تواليف تدل على علمه وفهمه وَتشهد بشرف ذَاته وَكَمَال أدواته مِنْهَا كتاب العليل والقتيل فِي أَخْبَار ولد الْعَبَّاس انْتهى بِهِ إِلَى خلَافَة الراضي ابْن المقتدر وَمِنْهَا المسكتة فِي فَضَائِل بقى بن مخلد قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم كَانَ فَقِيها شافعياً شَاعِرًا أخبارياً متنسكاً وَمن شعره

(أما فُؤَادِي فكاتم ألمه

لَو لم يبح ناظري بِمَا كتمه)

(مَا أوضح السقم فِي ملاحظ من

يهوى وَإِن كَانَ كَاتِما سقمه)

(ظللت أبكى وظل يعذلني

من لم يُقَاس الْهوى وَلَا علمه)

(إِلَيْك عَن عاشق بَكَى أسفا

حَبِيبه فِي الْهوى وَإِن ظلمه)

(ظلت جيوش الأسى تُقَاتِلهُ

مذ نذرت أعين الملاح دَمه)

وَحكى أَبُو عمر بن عفيف فِي تَارِيخه الَّذِي هذبه ابْن حَيَّان وانتخبه قَالَ وَكَانَ الْأَمِير الحكم بن النَّاصِر لدين الله ولى عهد الْمُسلمين وَأَخُوهُ عبد الله هَذَا يتباريان فِي طلب الْعلم ويتناغيان فِي جمعه ويتبادران إِلَى اصطناع أَهله واختصاص رِجَاله وإدناء مَنَازِلهمْ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم فَكَانَ ابْن عبد الْبر

ص: 206

يَعْنِي أَحْمد بن مُحَمَّد صَاحب التَّارِيخ مِمَّن تميز فِي حزب عبد الله واختص بِهِ حَتَّى لَا يكَاد يُفَارِقهُ فسعي إِلَى ب الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله بِابْنِهِ عبد الله هَذَا وَرفع عَلَيْهِ أَنه يُرِيد خلعة وَيَدْعُو إِلَى الْقيام مَعَه وَأَن جماعات من طَبَقَات النَّاس دخلُوا فِي ذَلِك مَعَه وَأَنَّهُمْ على أَن يثوروا بِهِ فِي يَوْم عبد قد اقْترب إِلَيْهِ فَأرْسل النَّاصِر فِي اللَّيْل بِمن قبض على وَلَده عبد الله وحبسه فَألْقى عِنْده فِي تِلْكَ اللَّيْلَة هَذَا الْفَقِيه أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْبر وفقيهاً آخر من أَصْحَابه يعرف بِصَاحِب الوردة وَهُوَ أَحْمد بن عبد الله بن الْعَطَّار كَانَا بائنين عِنْده فأخذا وحملا إِلَى الزهراء حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر بِأَسْفَل قرطبة فَأمر بسجنهما وَعرف الوزراء بِخَبَر وَلَده عبد الله وكشف لَهُم عَظِيم مَا أَرَادَ أَن يحدثه عَلَيْهِ وعَلى الْمُسلمين فِيهِ وتبرأ مِنْهُ وأعلمهم بمسارعته إِلَى الْقَبْض عَلَيْهِ ووجدان رسله هذَيْن الفقيهين النطفين بائتين عِنْده وَقَالَ لَهُم مَا أعجب إِلَّا من مَكَان ابْن الْعَطَّار عِنْده مَا الَّذِي أدخلهُ فِي هَذَا مَعَ غباوته وَقلة شَره وَأما ابْن عبد الْبر فَأَنا أعلم أَنه

ص: 207

الَّذِي زين لهَذَا الْعَاق ذَلِك ليَكُون قَاضِي الْجَمَاعَة ويأبى الله ذَلِك فهنأوه بالسلامة ودعوا الله لَهُ وعزم النَّاصِر على أَن يُعَاقب ابْن عبد الْبر يَوْم الْعِيد عيد الْأَضْحَى الَّذِي كَانَ التَّدْبِير عَلَيْهِ فِيهِ فَأصْبح ابْن عبد الْبر يَوْم الْعِيد نَفسه مَيتا فِي السجْن وَأسلم إِلَى أَهله فَدفن بمقبرة الربض وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة

79 -

عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر أَبُو الْأَصْبَغ

كَانَ أديباً شَاعِرًا ظَهرت مِنْهُ نجابة فِي صغره وَحكى أَن أول لوح كتبه عِنْد دُخُوله الْكتاب بعث بِهِ إِلَى أَخِيه الحكم الْمُسْتَنْصر وَكتب إِلَيْهِ من شعره

(هاك يَا مولَايَ خطا

مطه فِي اللَّوْح مطا)

(ابْن سبع فِي سنيه

لم يطق للوح ضبطا)

(دمت يَا مولَايَ حَتَّى

يُولد ابْن ابْنك سبطا)

80 -

مُحَمَّد بن عبد الْملك بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر

هُوَ وَالِد الخليفتين فِي الْفِتْنَة أَبى الْمطرف عبد الرَّحْمَن الملقب بالمرتضى

ص: 208

وأبى بكر هِشَام الملقب بالمعتد آخر خلفاء بني أُميَّة بالأندلس على رحيله انقرضوا فَلم يعد ملكهم إِلَى الْيَوْم ولى فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَان عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ أسن من أَخِيه المرتضى بأَرْبعَة أَعْوَام مولده فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَأقَام فِي خِلَافَته متردداً بالثغور ثَلَاثَة أَعْوَام إِلَّا شَهْرَيْن وَدخل قرطبة يَوْم منى ثامن ذِي الْحجَّة سنة عشْرين لم يبْق إِلَّا يَسِيرا حَتَّى قَامَت عَلَيْهِ فرقة من الْجند فَخلع وانقطعت الدعْوَة الأموية من يَوْمئِذٍ وَاسْتولى على قرطبة أَبُو الحزم جهور بن مُحَمَّد بن جهور الْوَزير ثمَّ ابْنه أَبُو الْوَلِيد مُحَمَّد بن جهور وَمن شعر مُحَمَّد بن عبد الْملك قَوْله يفتخر

(أَلسنا بنى مَرْوَان كَيفَ تبدلت

بِنَا الْحَال أَو دارت علينا الدَّوَائِر)

(إِذا ولد الْمَوْلُود منا تهللت

لَهُ الأَرْض واهتزت إِلَيْهِ المنائر)

وَقد أنْشد أَبُو مَنْصُور الثعالبي فِي الْيَتِيمَة من تأليفه هَذَا الشّعْر وَنسبه إِلَى الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَزعم أَن ذَلِك من قصيدة كتب بهَا إِلَى صَاحب مصر

ص: 209

يفتخر وَهَذَا من أغلاط أبي مَنْصُور وأوهامه الْفَاحِشَة حكى لبعد مَكَانَهُ مَا لم يُحَقّق وروى عَمَّن لَا علم لَهُ بِشَأْنِهِ مَا لم يضْبط وَمثل هَذَا النّظم الْفَائِق لم يكن ليغيب عَن ابْن فرج صَاحب كتاب الحدائق وَلم يكن ليغيب أَيْضا عَن أبي مَرْوَان بن حَيَّان جُهَيْنَة أَخْبَار المروانية ومؤرخ آثارها السُّلْطَانِيَّة فَكيف يَصح ذَلِك وَالْأول مِنْهُمَا كَمَا تقدم ينفى عَنهُ الشّعْر وَالْآخر يثبت لَهُ مِنْهُ النزر على أَن مُحَمَّدًا هَذَا الْمَنْسُوب إِلَيْهِ لَيْسَ فِي أدباء أهل بَيته بِمَشْهُور وعَلى كل حَال فَلَا معنى للفظ أَبى مَنْصُور

81 -

عبد الْعَزِيز بن الْمُنْذر بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر وَيعرف بِابْن القرشية

كَانَ من ذَوي الْقعدَة فِي بنى مَرْوَان وَأَبوهُ أَبُو الحكم الْمُنْذر هُوَ الَّذِي اشتهرت مَعْرفَته ب ابْن القرشية لِأَن أمه فَاطِمَة بنت الْأَمِير أَبى الحكم الْمُنْذر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن حظيت بِنِكَاح النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَولدت لَهُ ابْنه الْمُنْذر فَسَمتْهُ باسم أَبِيهَا فولد عبد الْعَزِيز هَذَا وَكَانَ لَهُ حَظّ وافر من الْأَدَب وَحسن الشّعْر ذكره أَبُو الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بحبيب العامري فِي كِتَابه البديع فِي فصل الرّبيع وَأنْشد لَهُ فِي البهار قَالَ وَهُوَ من التشبيهات العقم

ص: 210

(كَأَن الثرى ستر تمد خلاله

بأكؤس رَاح راحهن الكواعب)

(يسترن من فرط الْحيَاء معاصماً

بأكمامهن الْخضر عَمَّن يراقب)

وَأنْشد لأبي عمر يُوسُف بن هَارُون الرمادى من قصيدة أمأى فِيهَا يمدح ابْن القرشية هَذَا ويصف أزهار الرّبيع

(تَأمل بإثر الْغَيْم من زهرَة الثرى

حَيَاة عُيُون متن قبل التنعم)

(كَأَن الرّبيع الطلق أقبل مهدياً

بطلعة معشوق إِلَى عين مغرم)

(تعجبت من غوص الحيا فِي حَشا الثرى

فأفشى الَّذِي فِيهِ وَلم يتَكَلَّم)

(كَأَن الَّذِي يسقى الثرى صرف قهوة

تنم عَلَيْهِ بالضمير المكتم)

(أرى حسنا فِي صفحة قد تَغَيَّرت

كبشر بدا فِي الْوَجْه بعد التجهم)

(أَلا يَا سَمَاء الأَرْض أَعْطَيْت بهجة

تطالعنا مِنْهَا بِوَجْه مقسم)

ص: 211

(وَإِن قَالَت الأَرْض الْمُنعم روضها

لي الْفضل فِي فخرى عَلَيْك فسلمى)

(فخضرة مَا فِيهَا تفوقك خضرَة

ونوارها فِيهَا ثواقب أنجم)

(وَإِن جِئْتهَا بالشمس والبدر والحيا

مفاخرة جَاءَت بأسنى وَأكْرم)

(بِعَبْد الْعَزِيز ابْن الخلائف وَالَّذِي

جَمِيع الْمَعَالِي تنتمي حَيْثُ ينتمى)

82 -

مُحَمَّد بن الْأَمِير الْمُنْذر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الحكم بن هِشَام أَبُو عبد الله

كَانَ من أكمل رجال الْبَيْت الأموى خلقا وعقلاً وأدباً تَاما وحظاً من الشّعْر الْجيد وَكَانَت أُخْته لِأَبِيهِ فَاطِمَة عِنْد النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد فحظى بمصاهرته واعتبط فِي خلَافَة النَّاصِر فتوفى لِلنِّصْفِ من ذِي الْقعدَة سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة وَهُوَ الْقَائِل

(بنفسي وَأَهلي من بذلت لَهُ ودي

وملكته رقى على الْقرب والبعد)

(وأبغضت فِيهِ كل خذن مناجخ

وأبديت للعذال فِي عشقه صدى)

(وَلم أنصرف فِيهِ إِلَى قَول كاشح

وأصررت فِي حبيه إِصْرَار ذِي الحقد)

ص: 212

(سقاني بِعَيْنيهِ الْهوى وبكفه

سلافاً وحياني بهَا نَاقض الْعَهْد)

وَله

(طَال اشتياق إِلَى من كنت آلفه

فالعين بالدمع مَا تنفك تذرفه)

(اعتضت من قرب من أَهْوى زيارته

من كنت أكرهه جهدي وأقذفه)

(وَصَارَ من كنت أشناه وأبعده

مَكَان من كنت أهواه وألطفه)

(فَالنَّفْس فِي قلق وَالْعين فِي أرق

وَالْقلب فِي حرق مِمَّا يخلفه)

(من رام صرف محب عَن أحبته

فَإِن قلبِي مِمَّا لست أصرفه)

83 -

الحكم بن أَحْمد ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الحكم بن هِشَام

كَانَ من نبهاء قومه المروانيين بقرطبة وَكَانَ لَهُ طبع معِين فِي قرض الشّعْر وَهُوَ الْقَائِل فِي ابْن مَاتَ لَهُ أنْشدهُ ابْن حَيَّان

(عينى تجود بمسكوب ومهراق

فَالْحَمْد لله مَا للْمَوْت من بَاقٍ)

(وَكَيف أبقى بِلَا نور بِلَا بصر

أم كَيفَ ينْبت لحم زَالَ عَن سَاق)

(لَا يبعدنك بنى الله إِنَّك قد

لاقيت مَا كل من فِي ظهرهَا لَاق)

ص: 213

84 -

عمر بن أَحْمد ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن

أَخُو الحكم الْمَذْكُور كَانَ من أهل الْأَدَب وَالشعر وَهُوَ الْقَائِل يرثى أَبَاهُ وَتُوفِّي والناصر غَائِب فِي غزاته سنة خمس عشرَة وثلاثمائة

(لفقدك تنهل الْعُيُون وتدمع

وتنهد أَرْكَان الْمَعَالِي وتخشع)

(ويعول من قد كَانَ بالْأَمْس ضَاحِكا

لِغَفْلَتِه فِي ظلّ نعماك يرتع)

(أَلا أَيهَا الْقَبْر الَّذِي ضم جِسْمه

سقاك من الأنواء هتان ممرع)

(ولقى كَرِيمًا فِيك روحاً وَرَحْمَة

مليك إِذا مَا شَاءَ يعْطى وَيمْنَع)

(وَكَانَت لَهُ كف يفِيض نوالها

مدى الدَّهْر عَن تسكابها لَيْسَ تقلع)

(وَكَانَت لَهُ جفن تجافى عَن الْكرَى

وَنَفس تناجى الله وَالنَّاس هجع)

(وَصَوْم وتسبيح وَذكر وخشية

وَطول صَلَاة أجرهَا لَا يضيع)

(بكيتك إشفاقاً عَلَيْك وحسرة

لَعَلَّ البكا من شدَّة الوجد ينفع)

(فلست لشَيْء بعد فقدك فارحاً

وَلَا لمصاب بعد فقدك أجزع)

(عَلَيْك سَلام الله من ذِي مُصِيبَة

لَهُ مهجة نَحْو المنايا تطلع)

ص: 214

85 -

عبد الله بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز ابْن أُميَّة بن الحكم الربضى أَبُو بكر الملقب بِالْحجرِ

وَيُقَال لَهُ البطر شكّ بالعجمية وَمَعْنَاهُ الْحجر الْيَابِس

ص: 215

أمره هِشَام الْمُؤَيد فِي بعض الْأَوْقَات وسد بِهِ الثغر وفوض إِلَيْهِ أَمر طليطلة وقلده إِيَّاهَا مَعَ خطة الوزارة فاستقل بمقاومة غَالب أَيَّام فتلته حَتَّى دَعَاهُ إِلَى الْقيام بالخلافة

وَكَانَ على مُقَدّمَة الْمَنْصُور بن أبي عَامر فِي غزاته إِلَى جليقية بعد مُنْصَرفه من مقتل غَالب بالثغر فِي أول الْمحرم سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة وَمَعَهُ خيل طليطلة وطبقات الأجناد وَجَمِيع الرجل وفيهَا حصر سمورة وامتنعت عَلَيْهِ قصبتها وَعم بالتدمير كثيرا من نَوَاحِيهَا وَمِنْهَا جِهَة دمر فِيهَا نَحْو ألف قَرْيَة مَعْرُوفَة الْأَسْمَاء كَثِيرَة البيع والديارات وَوصل قرطبة وَمَعَهُ أَرْبَعَة آلَاف سبية وَقد حز قَرِيبا مِنْهَا من رُؤُوس الْكَفَرَة

ص: 216

وَكَانَ عبد الله هَذَا أحد رجالات المروانية عقلا وشهامة وأدباً وغزارة علم وإمتاع حَدِيث وَطيب مجالسة وَمن شعره قَالَ الْحميدِي فِي تَارِيخه أَنْشدني عَنهُ أَبُو عبد الله بن الْمعلم الطليطلي قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ

(اجْعَل لنا مِنْك حظاً أَيهَا الْقَمَر

فَإِنَّمَا حظنا من وَجهك النّظر)

(رآك نَاس فَقَالُوا إِن ذَا قمر

فَقلت كفوا فعندي مِنْهُمَا خبر)

(الْبَدْر لَيْلَة نصف الشَّهْر بهجته

حَتَّى الصَّباح وَهَذَا دهره قمر)

(وَالله مَا طلعت شمس وَلَا غربت

إِلَّا وَجَاءَت إِلَيْك الشَّمْس تعتذر)

وَأنْشد لَهُ ابْن أبي الْفَيَّاض فِي تَارِيخه

(وَمن لَا أُسَمِّيهِ مَخَافَة عتبَة

على أَن قلبِي مستهام بحبه)

(وَبَعض أُسَمِّهِ حاء وبا

حُرُوف طواها)

(عَلَيْهِ سَلام الله منى مردداً

سَلام محب جاد فِيهِ بِقَلْبِه)

وَله

(يَا ظَالِما ظن قَتْلَى فِي الْهوى حسنا

كن كَيفَ شِئْت فظنى فِيك قد حسنا)

(طويت حبك حَتَّى ظلّ ينشره

دمع جرى فغدا سرى بِهِ علنا)

(أفديك من سَاكن فِي الْقلب مَسْكَنه

وغائب لم تزل نَفسِي لَهُ وطنا)

(يَا قُرَّة الْعين قد عذبتها سهراً

ومنية النَّفس قد قطعتها شجنا)

ص: 217

(مَا بَال قَلْبك يشكو فرط قسوته

قلب قاسي عَلَيْك البث والحزنا)

(أما هَوَاك فَإِنِّي لست ساليه

وَمن يمت كمداً فِيهِ فَذَاك أَنا)

وَأنْشد لَهُ ابْن فرج فِي الحدائق

(سقيا لَهُم من ظاعنين حسبتهم

وسط الهوادج لؤلؤاً مكنونا)

(لَو كنت أنصفهم عَشِيَّة ودعوا

مَا عِشْت بعد نوى الْأَحِبَّة حبنا)

(أَغْصَان بَان فَوق كُثْبَان النقا

فَإِذا لحظنك خلتهن العينا)

(أجْرى الزَّمَان ببينهن مدامعاً

مَا كن من قبل الْهوى يجرينا)

وَله مَعَ رِسَالَة حِين ظفر بِهِ الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر فِي شَوَّال سنة خمس وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَكَانَ قد هرب أَمَامه إِلَى بلد الرّوم فسجنه بالمطبق بعد أَن طيف بِهِ على جمل وَهُوَ مُقَيّد

(فَرَرْت فَلم يغن الْفِرَار وَمن يكن

مَعَ الله لَا يعجزه فِي الأَرْض هارب)

(وَوَاللَّه مَا كَانَ الْفِرَار لحالة

سوى حذر الْمَوْت الَّذِي أَنا رَاهِب)

(وَلَو أنني ومقت للرشد لم يكن

وَلَكِن أَمر الله لَا بُد غَالب)

(وَقد قادني جراً إِلَيْك برمتي

كَمَا اجتر مَيتا فِي رحى الْحَرْب سالب)

ص: 218

(وَأجْمع كل النَّاس أَنَّك قاتلي

وربت ظن ربه فِيهِ كَاذِب)

(وَمَا هُوَ إِلَّا الانتقام فتشتفى

وتركك مِنْهُ وَاجِبا لَك وَاجِب)

(وَإِلَّا فعفو يرتضى الله فعله

ويجزيك مِنْهُ فَوق مَا أَنْت طَالب)

(وَلَا نفس إِلَّا دون نَفسك فَلْيَكُن

على قدرهَا قدر الَّذِي أَنْت واهب)

(فَمَا خَابَ من جدواك مذ كنت سَائل

وَلَا رد دون المبتغى عَنْك رَاغِب)

(وَقد منحت كَفاك مَا يعجز الورى

وعمت عُمُوم الْغَيْث مِنْك الْمَوَاهِب)

(وَإِن حم تَأْخِير لنَفْسي فَلْيَكُن

لمتلفها من حَاجِب الْملك حَاجِب)

(فَمَا زَالَ سباقاً إِلَى كل خصْلَة

يسير بهَا فِي الأَرْض ماش وراكب)

(فَلَا أَنْفك لي مولى ألوذ بعزة

فَيصْرف عني الْخطب والدهر عَاتب)

وَله أَيْضا يستشفع بالمظفر عبد الْملك إِلَى أَبِيه الْمَنْصُور

(أَلا أَيهَا الْحَاجِب المرتجى

وَأكْرم من كَانَ أَو من يكون)

(دعوتك دَعْوَة مستصرخ

أحاطت بِهِ واثخنته الْمنون)

(فَإِن لم تغثنى فَمن ذَا الَّذِي

يلوذ بِهِ الْخَائِف المستكين)

(جمعت التقى والعلى والذهى

فَمَال مذال وَعرض مصون)

(وتفريج غماء عَن حائن

يعود بك الْحَيّ وَهُوَ الدفين)

(فَقل لي لعا من عثار لَهُ

أناديك وَالْمَوْت لي مستبين)

(وَإِن جلّ ذَنبي فَأَنت الْجَلِيل

وَهل لَك فِيمَن عَلَيْهَا قرين)

وَمن خَبره أَنه أَقَامَ مسجوناً إِلَى أَن مَاتَ الْمَنْصُور وَولى ابْنه المظفر عبد الْملك حجابة هِشَام فَأَطْلقهُ واستحله لِأَبِيهِ وخلع عَلَيْهِ وولاه الوزارة وَخص

ص: 219

بِهِ فَلم تطل حَيَاته وَتُوفِّي غازياً مَعَ عبد الْملك غزاته الأولى سنة ثَلَاث وَتِسْعين بِمَدِينَة لاردة وقبره بمسجدها

وَكَانَ جلدا فِي محنته كثير الدُّعَاء والضراعة قد رزق من النَّاس رَحْمَة وَلما أسلمه برمند ملك الجلالقة مُضْطَرّا إِلَى ثِقَات الْمَنْصُور وطيف بِهِ كَانَ قدامه من يُنَادي هَذَا عبد الله بن عبد الْعَزِيز المفارق لجَماعَة الْمُسلمين النازع إِلَى عدوهم الْمظَاهر لَهُ عَلَيْهِم فَكَانَ هُوَ يرد عَلَيْهِ وَيَقُول كذبت بل نفس خَافت ففرت تبغى الْأَمْن من غير شرك وَلَا ردة وَلم يعرض الْمَنْصُور لمنازله وضياعه أطلقها لِبَنِيهِ مُدَّة اعتقاله

86 -

مَرْوَان بن عبد الرَّحْمَن بن مَرْوَان بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر أَبُو عبد الْملك

هُوَ الطليق وَقيل لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ سجن فِي أَيَّام الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ أطلق بعد ذَلِك فَسمى الطليق

وَكَانَ فِيمَا قيل يهوى جَارِيَة رباها أَبوهُ مَعَه وَذكرهَا لَهُ ثمَّ إِنَّه اسْتَأْثر بهَا

ص: 220

فاشتدت غيرَة مَرْوَان لذَلِك وانتضى سَيْفا وانتهز فرْصَة فِي بعض خلوات أَبِيه مَعهَا فَقتله وعثر على الْقِصَّة فسجن وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة وَمكث فِي السجْن سِتَّة عشرَة سنة وعاش بعد إِطْلَاقه سِتّ عشرَة سنة وَهَذَا من نَادِر الِاتِّفَاق وَمَات قَرِيبا من سنة أَرْبَعمِائَة

وَكَانَ أديباً شَاعِرًا مكثراً وَأكْثر شعره فِي السجْن وَإِنَّمَا ذكرته وَلَيْسَ من شرطى فِي الْإِتْيَان بالأمراء والمتأمرين وَمن قرب إِلَيْهِم دون من بعد من الْبَنِينَ لقَوْل أَبى مُحَمَّد بن حزم أَبُو عبد الْملك هَذَا فِي بني أُميَّة كَابْن المعتز فِي بني الْعَبَّاس ملاحة شعر وَحسن تَشْبِيه فَحَذفهُ من هَذَا الْمَجْمُوع هُوَ الْمُعْتَرض عَلَيْهِ حَقِيقَة لَا إثْبَاته واجتلاب محاسنه وَالْخَطَأ مَعَ الِاجْتِهَاد مَعْفُو عَنهُ ولعلى قد أتيت فِي مَا أثبت بِمَا هُوَ قريب مِنْهُ وَمن شعر الطليق فِي معتقله

(أَلا إِن دهراً هادماً كل مَا نَبْنِي

سيبلى كَمَا يبْلى ويفنى كَمَا يفنى)

(وَمَا الْفَوْز فِي الدُّنْيَا هُوَ الْفَوْز إِنَّمَا

يفور الْفَتى بِالرِّبْحِ فِيهَا مَعَ الْغبن)

(يجازى ببؤس عَن لذيذ نعيمها

ويجنى الردى مِمَّا غَدَتْ كَفه تجنى)

(وَلَا شكّ أَن الْحزن يجرى لغاية

وَلَكِن نفس الْمَرْء سَيِّئَة الظَّن)

وَله يصف السجْن

(فِي منزل كالليل أسود فَاحم

داجى النواحي مظلم الأثباج)

ص: 221

(يسود والزهراء تشرق حوله

كالحبر أودع فِي دَوَاة العاج)

وَله فِي النسيب

(أَقُول ودمعي يستهل ويسفح

وَقد هاج فِي الصَّدْر الغليل المبرح)

(دَعونِي من الصَّبْر الْجَمِيل فإنني

رَأَيْت جميل الصَّبْر فِي الْحبّ يقبح)

(لقد هيج الْأَضْحَى لنَفْسي جوى أسى

كريه المنايا مِنْهُ للنَّفس أروح)

(كَأَن بعيني حلق كل ذَبِيحَة

بِهِ وبصدري قَلبهَا حِين تذبح)

(فيا لَيْت شعري هَل لمولاي عطفه

يداوي بهَا مني فؤاد مجرح)

(يحن إِلَى الْبَدْر الَّذِي فَوق خَدّه

مَكَان سَواد الْبَدْر ورد مفتح)

(تقنع بدر التم عِنْد طلوعه

مَخَافَة أَن يسرى إِلَيْهِ فيفضح)

(فَقلت لَهُ يَا بدر أَسْفر فقد غَدا

عَلَيْهِ رَقِيب للعدا لَيْسَ يبرح)

(لعمري لذاك الْبَدْر أجمل منْظرًا

وَأحسن من بدر التَّمام وأملح)

وَله من قصيدة فريدة أَولهَا

(غُصْن يَهْتَز فِي دعص نقي

يجتنى مِنْهُ فُؤَادِي حرقا)

(باسم عَن عقد در خلته

سلبته لثتاه العنقا)

(سَالَ لَام الصدغ فِي صفحته

سيلان التبر وافى الورقا)

(فتناهى الْحسن فِيهِ إِنَّمَا

يحسن الْغُصْن إِذا مَا أورقا)

(رق مِنْهُ الخصر حَتَّى خلته

من نحول شفه قد عشقا)

(وَكَأن الردف قد تيمه

فغدا فِيهِ معنى قلقاً)

(ناحلا جاور مِنْهُ نَاعِمًا

كحبيبي ظلّ لي معتنقاً)

(عجبا إِذْ أشبهانا كَيفَ لم

يحدثا هجراً وَلم يفترقا)

ص: 222

وَمِنْهَا يصف الْخمر

(رب كأس قد كست جنح الدجى

ثوب نور من سناها أشرقا)

(بت أسقيها رشاً فِي طرفه

سنة تورث عَيْني أرقا)

(خفيت للعين حَتَّى خلتها

تتقى من لحظه مَا يتقى)

(أشرقت فِي ناصع من كَفه

كشعاع الشَّمْس لَاقَى الفلقا)

(وَكَأن الكأس فِي أنمله

صفرَة النرجس تعلو الورقا)

(أَصبَحت شمساً وفوه مغرباً

وَيَد الساقي المحيي مشرقا)

(فَإِذا مَا غربت فِي فَمه

تركت فِي الخد مِنْهُ شفقا)

وَمِنْهَا فِي أَوْصَاف شَتَّى

(وغمام هطل شؤبوبه

نادم الرَّوْض فغنى وَسَقَى)

(فَكَأَن الأَرْض مِنْهُ مطبق

وَكَأن النصب جَان أطبقا)

(خلع الْبَرْق على أرجائه

ثوب وشى مِنْهُ لما برقا)

(وَكَأن الْعَارِض الجون بِهِ

أدهم خلى عَلَيْهِ بلقا)

(وَكَأن الرّيح إِذْ هبت لَهُ

طيرت فِي الجو مِنْهُ عقعقا)

(فِي ليل ضل سارى نجمها

حائراً لَا يستبين الطرقا)

(أوقد الْبَرْق لَهَا مصباحه

فانثنى وَجه دجاها مشرقا)

(وشدا لرعد حنيناً فجرت

أكؤس المزن عَلَيْهِ عرقا)

(وغدت تجذبه الشَّمْس وَقد

ألحفته من سناها نمرقا)

(فَكَأَن الشَّمْس تحيى نَفسه

غرَّة المعشوق تحيى الشيقا)

ص: 223

(وَكَأن الْورْد يعلوه الندى

وجنة المحبوب تندى عرقا)

(يتَّفقَا عَن بهار فَاقِع

خلته بالورد يطوى ومقا)

(كالمحبين الوصولين غَدا

خجلاً هَذَا وَهَذَا فرقا)

(ورنت مِنْهُ إِلَى شمس الضُّحَى

حدق للنور تصى الحدفا)

(وَكَأن الْقطر لما جادها

صَار فِي الأوراق مِنْهَا زئبقا)

وَمِنْهَا فِي الْفَخر

(من فَتى مثلي لبأس وندى

ومقال وفعال وتقى)

(شرفي نَفسِي وحليى أدبي

وحسامي مقولي عِنْد اللقا)

(ولساني عِنْد من يُخبرهُ

أفعوان لَيْسَ يثنيه الرقى)

(ويمينى يمن عاف مُعسر

جمعت حمداً غَدا مفترقا)

(جدى النَّاصِر للدّين الَّذِي

فرقت كَفاهُ عَنهُ الفرقا)

(أشرف الْأَشْرَاف نفسا وَأَبا

حِين يعلوه وَأَعْلَى موتقى)

(أَنا فَخر العبشميين وبى

جد من فَخْرهمْ مَا أخلقا)

(أَنا أكسو مَا عفى من مجدهم

بحلى رونق شعري رونقا)

وَله أَيْضا يصف السَّحَاب أنْشدهُ لَهُ أَبُو الْحسن على بن مُحَمَّد بن أبي الْحسن الْقُرْطُبِيّ فِي كتاب الفرائد فِي التَّشْبِيه من الْأَشْعَار الأندلسية من تأليفه

(فَكَأَن الْغَمَام صب عميد

أَن بالرعد حرقة واشتكاء)

((وَكَأن البروق نَار جواه

والحيا دمعه يسيل بكاء)

ص: 224

وَله أَيْضا

(كَأَنَّمَا إِنْسَان أجفانها

للخمر من تحييرها مدمن)

(وَلَيْسَ إنْسَانا وَلكنه

هاروت فِي مقلتها يسكن)

وَله فِي طول اللَّيْل

(فَمَا بَال صبحي قد تقَارب خطوه

فَأَبْطَأَ حَتَّى لَيْسَ يُرْجَى قدومه)

(كَأَن نُجُوم اللَّيْل قيدها الدجى

وأوقفها فِي مَوضِع لَا تريمه)

وَله فِي الرسوم

(ربع تربصت النُّجُوم لأَهله

وَرَمَاهُمْ ريب الزَّمَان فقرطسا)

(فَكَأَنَّهُ مِمَّا تقادم عَهده

ربع امرىء الْقَيْس الْقَدِيم بعسعسا)

وَله فِي مثل ذَلِك

(فَبَقيت فِي العرصات وحدي بعدهمْ

حيران بَين معاهد مَا تعهد)

(فكأنهن ديار مي إِذْ خلت

وكأنني غيلَان فِيهَا ينشد)

وَله

(وَكَأن الْمِيَاه فِيهَا ثعابين

لجين تبعثت فِي السواقي)

(وَكَأن الْحَصْبَاء فِي رونق المَاء

سنا الدّرّ فِي بَيَاض التراقي)

ص: 225

وَمن أَبنَاء الأدارسة الحسنيين

87 -

إِبْرَاهِيم بن إِدْرِيس الْحسنى

كَذَا قَالَ فِيهِ ابْن حَيَّان وَقَالَ الْحميدِي إِبْرَاهِيم بن إِدْرِيس الْعلوِي الحسني المنبوز بالمؤبل كَانَ أديبا شَاعِرًا وَكَانَ فِي أَيَّام الْمَنْصُور أَبى عَامر مُحَمَّد ابْن أبي عَامر وعاش إِلَى أَيَّام الْفِتْنَة أَصله من الْمغرب وَسكن قرطبة إِلَى أَن سيره ابْن أبي عَامر عَن الأندلس فِيمَن سير من أهل بَيته بعد مقتل حسن بن قنون كَبِيرهمْ وَهُوَ الْقَائِل يُخَاطب المروانية بقرطبة لما رأى غَلَبَة ابْن أبي عَامر على هِشَام الْمُؤَيد واستبداده بِالْأَمر دونه

ص: 226

(فِيمَا أرى عجب لمن يتعجب

جلت مُصِيبَتنَا وضاق الْمَذْهَب)

(إِنِّي لأكذب مقلتي فِيمَا أرى

حَتَّى أَقُول غَلطت فِيمَا أَحسب)

(أَيكُون حَيا من أُميَّة وَاحِد

ويسوس هَذَا الْملك هَذَا الأحدب)

(تمشى عساكرهم حوالي هودج

أعواده فِيهِنَّ قرد أَشهب)

(ابنى أُميَّة أَيْن أقمار الدجى

مِنْكُم وَمَا لوجوهها تتغيب)

هَذَا مَا أورد ابْن حَيَّان فِي أَخْبَار الدولة العامرية من شعره

وَقَالَ الْحميدِي فِي كِتَابه رَأَيْت لَهُ قصيدة طَوِيلَة يمدح بهَا مؤيد الدولة هُذَيْل بن خلف بن رزين صَاحب القلاع ويهجو فِي درجها غَيره أَولهَا

(للبين فِي تَعْذِيب نَفسِي مَذْهَب

ولنائبات الدَّهْر عِنْدِي مطلب)

(أما دُيُون الحادثات فَإِنَّهَا

تَأتي لوقت صَادِق لَا تكذب)

(والبين مغرى كَيده بِأولى النهى

طبعا تطبع والطبيعة أغلب)

وَمِنْهَا

(أيقنت أَنِّي للرزايا مطعم

ودمى لوافدة المكاره مشرب)

(فَأَنا من الْآفَات عرض سَالم

وجوانح تكوى وعقل يذهب)

ص: 227

وَلم يذكر مِنْهَا سوى هَذِه الأبيات فَيُشبه أَن يكون فِيهَا مَا أنْشد ابْن حَيَّان وَيُشبه أَن يكون قِطْعَة فِي الْمَنْصُور على انْفِرَاد وَالظَّاهِر أَن الْحميدِي تَركهَا وَلم ير إِثْبَاتهَا

وَمن رجال المروانية فِي هَذِه الْمِائَة

88 -

أَحْمد بن مُحَمَّد بن أضحى الْهَمدَانِي

هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أضحى بن عبد اللَّطِيف بن خَالِد بن يزِيد بن الشمر من هَمدَان وخَالِد يُقَال لَهُ الْغَرِيب وسمى بذلك لِأَنَّهُ أول مَوْلُود من الْعَرَب الشاميين بكورة إلبيرة كَانَ أَبوهُ مُحَمَّد بن أضحى صَاحب حصن الْحمة من أَعمال إليبرة زمن الْفِتْنَة وَقَامَ بِأَمْر الْعَرَب بعد قتل سعيد بن جودى

ص: 228

وَتمسك بموالاة الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد إِلَى آخر مدَّته وأورث عقبه نباهة ورياسة انسحبت عَلَيْهِم دهراً

وثار مِنْهُم القَاضِي أَبُو الْحسن على بن عمر بن مُحَمَّد بن مشرف بن أَحْمد هَذَا بغرناطة فِي الْمِائَة السَّادِسَة وسأذكره هُنَالك إِن شَاءَ الله عز وجل

وَقدم أَحْمد بن مُحَمَّد مَعَ أَبِيه على النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد باخعين بِطَاعَتِهِ داخلين فِي جماعته وَكَانَ من أحسن النَّاس وَجها وأفصحهم لِسَانا وأشهمهم نفسا وأوسعهم أدباً فاجمل النَّاصِر لقاءهما وَأحسن قبولهما وَأَعْلَى منازلهما وأجزل عطاءهما وَقَامَ أَحْمد هَذَا يَوْمئِذٍ بَين يَدَيْهِ خَطِيبًا ثمَّ أنْشد فِي إِثْر خطبَته

(أيا ملكا ترمى بِهِ قضب الْهِنْد

إِذا لمعت فَوق المغافر والسرد)

(وَمن بأسه فِي منهل الْمَوْت وَارِد

إِذا أنفس الْأَبْطَال كفت عَن الْورْد)

(وَمن ألبس الله الْخلَافَة نعْمَة

بِهِ فَاتَت النعمى فَجلت عَن الْعد)

(تجلى على الدُّنْيَا فَجلى ظلامها

كَمَا انجلت الظلماء عَن قمر السعد)

(إِمَام هدى زيدت بِهِ الأَرْض بهجة

ملبسة نورا كموشية الْبرد)

(كفاني لَدَيْهِ أَن جعلت وسيلتي

ذماماً شامى الْهوى مخلص الود)

وَأنْشد لَهُ صَاحب الحدائق

(هوى كدر الواشون مِنْهُ الَّذِي صفا

ونموا بأفعى الْإِفْك عني مزخرفاً)

(وشوا وأصاخت أذن خلى فَمَا وفوا

بتبليغه مَا لم أَقَله وَلَا وفى)

(وهلا كَمَا أنصفته فِي محبتي

ثناهم على الأعقاب مِنْهُم فأنصفا)

(فَلَا كَانَ واش كَانَ دَاء ضَمِيره

هوانا فَلَمَّا أَن رأى هجرنا اشتفى)

(وَلَا يفزحوا أَن أوقدوا الهجر جاحماً

فعما قريب ينطفى أَو قد انطفى)

ص: 229

89 -

لب بن عبيد الله بن أُميَّة

الْمَعْرُوف بِابْن الشالية أَبُو عِيسَى

كَانَ أَبوهُ من كبار الثوار فِي أَيَّام الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد سَمَّاهُ ابْن حَيَّان فِي أَعْلَام الْمُخَالفين عَلَيْهِ وَجعله ثَانِيًا لديسم بن إِسْحَاق صَاحب تدمير وَبعده ذكر إِبْرَاهِيم بن حجاج صَاحب إشبيلية وَكَانَ ملك جبل شمنتان وَمَا يَليهَا من كورة جيان وامتد إِلَى حصن قسطلونة وَغَيره وَانْطَلَقت يَده فتبنك النِّعْمَة وَبنى المباني الفخمة وَأظْهر الإذعان وقتا بعد وقيعة جرت عَلَيْهِ وَالْتزم حمل قطيع من المَال فورق عَلَيْهِ عَمَّا فِي يَده فَلَمَّا روخى عَاد إِلَى غيه فنكث ووالى عميد الْمُخَالفين عمر بن حفصون وواصله بالصهر من أَسْفَل فزوج ابْنَته من جَعْفَر ولد ابْن حفصون ونقلها إِلَيْهَا بببشتر وَوصل يَده بِيَدِهِ فاعتز جَانِبه وَكَانَ عبيديس بن مَحْمُود الشَّاعِر الأديب كَاتبا لِعبيد الله ومتصرفاً فِي خدمته مكثراً من مديحة واصفاً لمغازيه ومبانيه وأحواله أَوْصَاف الشُّعَرَاء لأكابر الْمُلُوك يستحسن ذَلِك مِنْهُ ويجزل عطيته عَلَيْهِ فشعره فِي ذَلِك مَشْهُور وَمِنْه قَوْله فِي وصف قصره

(قصر الْأَمِير أَبى مَرْوَان منتسخ

من جنَّة الْخلد بالسراء معمور)

(فِيهِ مجَالِس قد شيدت على عمد

بنيانها مرمر بالتبر مطرور)

وَنَازع الْفَتْح بن مُوسَى بن ذِي النُّون عبيد الله حصنا أورثهما حَربًا فغلبه عَلَيْهِ عبيد الله وهزمه وَحَازَ الْحصن دونه وتيمن بِحُضُور ابْنه لب بن عبيد الله مَعَه فِي وَجهه هَذَا فَقَالَ عبيديس فِي ذَلِك شعرًا طَويلا مِنْهُ

ص: 230

(جَاءَ البشير بِمَا عَم السرُور بِهِ

عَن الْأَمِير أَبى مَرْوَان فِي السّفر)

(فَقلت حِين سألناه فَأخْبرنَا

بِاللَّه قل وَأعد ياطيب الْخَبَر)

(بيمن لب أَبى عِيسَى وغزوته

فَازَ الْأَمِير على الْأَعْدَاء بالظفر)

يَقُول فِيهِ

(قاد الجيوش إِلَى الْأَعْدَاء مدرعا

يصلى الوغى بالوغى فِي سنّ مثغر)

(من تَحْتَهُ فرس فِي كَفه قبس

يرْمى الشَّيَاطِين فِي الهيجاء بالشرر)

وَعجز الْبَيْت الثَّانِي من هَذِه الأبيات مَنْقُول من قَول أَبى نواس

(يَا ذَا الَّذِي عَن جنان ظلّ يخبرنا

بِاللَّه قل وَأعد يَا طيب الْخَبَر)

وَلما غزا النَّاصِر لدين الله عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد غزوته الأولى إِلَى جيان خرج إِلَيْهِ عبيد الله مقالصاً فِي طَاعَته إِيَّاه فَأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَأرْسل إِلَى معاقله من ضَبطهَا وَحمل عِيَاله إِلَى قرطبة فَصَارَ فِي الدِّيوَان بهَا فِي أَعلَى الملاحق وَصَرفه النَّاصِر فِي ضروب من خدمته سكن مِنْهُ فِيهَا إِلَى نصاحة وثقة فَصَرفهُ من أجل ذَلِك إِلَى معاقله بشمنتان والياً من قبله لالتياث أحسه من أَهلهَا وَلَا رعية أَجْهَل مِنْهُم فأصلحها عبيد الله وَأقَام بهَا إِلَى أَن صرفه ثَانِيَة عَنْهَا وَأَعَادَهُ إِلَى مصافه

وَكَانَ ابْنه لب بن عبيد الله أديباً شَاعِرًا حسن التَّصَرُّف وَهُوَ الْقَائِل

ص: 231

أنْشدهُ لَهُ أَبُو الْحسن بن أبي الْحُسَيْن الْقُرْطُبِيّ فِي كتاب الفرائد من تأليفه فِي التَّشْبِيه

(صابحتها وَالرَّوْض يسطع مسكه

فَكَأَنَّهُ بِاللَّيْلِ بَات مغلقا)

(والورد يَبْدُو فِي الغصون كَأَنَّمَا

أضحى يُقَارب من نِدَاء قرقفا)

وَله فِي الخيرى

(وكأنما الخيري إِن أبدى النرجس

أسراره عَن نشر مسك أذفرا)

(لص يرائي بِالنَّهَارِ زهادة

خوفًا وَيقطع ليله متشطرا)

وَله

(وراهقة عَنْهَا السيوف كَأَنَّهَا

عُيُون يروع اللَّيْث فِيهَا حسيرها)

(إِذا غشيتها الْبيض تعشى بنورها

كَأَن سناها من أذاها مجيرها)

(كَأَن فُؤَادِي فَوق رَأْسِي صلابة

فَكل حسام ينتحيها كسيرها)

يصف بَيْضَة حَدِيد وَمن هَذِه القصيدة فِي وصف ترس

(وممتثل قرص الغزالة فِي يَدي

هجمت بِهِ وَالْخَيْل تدمي نحورها)

(تقلب مِنْهُ الْكَفّ مغنطس القنا

فَلَا آلَة إِلَّا إِلَيْهِ مصيرها)

90 -

مُوسَى بن مُحَمَّد بن سعيد بن مُوسَى

مولى عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الْحَاجِب الْوَزير أَبُو الْأَصْبَغ

ص: 232

كَانَ مَعَ رئاسته وجلالته ونباهة سلفه واستعمالهم فِي الكور وسنيات الخطط من أهل الْعلم وَالْأَدب وَالشعر وَأول مَا تصرف فِيهِ للأمير عبد الله خطة الْقطع ثمَّ ولى خطة الْمَدِينَة وعزل عَنْهَا وأعيد إِلَيْهَا وَلما أفضت الْخلَافَة إِلَى النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد أقره على الْمَدِينَة واستوزره يَوْم استخلافه ثمَّ استحجبه عِنْد وَفَاة بدر فِي سنة تسع وثلاثمائة فاضطلع وَاكْتفى

وَكَانَ الْوَزير عبد الْملك بن جهور يَقُول مَا رَأَيْت مثل مُوسَى لم يجمعه أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ أحد إِلَّا كَانَ المستحوذ على الْمجْلس فِي الْجد والهزل

وَتُوفِّي لِلنِّصْفِ من صفر سنة عشْرين وثلاثمائة وَقيل فِي آخر سنة تسع عشرَة فَلم يستحجب النَّاصِر بعده أحدا وَكَانَ يَحْجُبهُ عِنْد قعوده لسلام الأجناد ولوفود الْأَطْرَاف ورسل الْأُمَم وَأَصْحَاب الْخَيل وَالْمَدينَة والشرطة الْعليا وَالْوُسْطَى على مرايتهم مَعَ سَائِر الْخدمَة وَمن شعره قَوْله يمدح عبد الرَّحْمَن النَّاصِر وَيذكر هيبته

ص: 233

(إِذا مَا فرجت خلل الستور

ولاح وَقد تمكن فِي السرير)

(ترى الْأَمْلَاك مائلة لَدَيْهِ

بأعناق إِلَى الغبراء صور)

(كَأَنَّهُمْ لهيبته قد أَوْفوا

من الْمَوْت الزعاف على شَفير)

وَله

(أَبْطَأت بِالْإِذْنِ على عبدكا

فعاذ بِالْمَعْرُوفِ من نجدكا)

(قد جدت لي بالوعد يَا سَيِّدي

وَلم تزل تصدق فِي وعدكا)

(إِن لم يكن من خدمتي شَافِع

فالخلف مَا يصلح من عندكا)

وَله

(مُعظم تحسر الألحاظ من رهب

عَنهُ وتلحظه الآمال من رغب)

(إِذا بدا تضحك الدُّنْيَا لطلعته

وتتقى الْجِنّ مِنْهُ سُورَة الْغَضَب)

(لما ارْتقى فِي سَمَاء الْجُود قاد بِهِ

إِلَى التبذل فِينَا جَوْهَر الْأَدَب)

وَله

(كَانَ العزاء ولي الْعَهْد بعد أَمِين

الله وَالْملك وقف بَين هذَيْن)

(فصرت لما نأت عني وُجُوههمَا

كالصقر أصبح مقصوص االجناحين)

(أستودع الله من نَفسِي فداؤهما

ومليا الْعُمر فِي الدُّنْيَا عزيزين)

(تأميل هذَيْن نقد ناجز وَأرى

تأميل غَيرهمَا كَالدّين بِالدّينِ)

(أعد مَا حُزْته من حسن رأيهما

ملكا أضاهى بِهِ ملك العراقين)

ص: 234

وَحكى ابْن حَيَّان أَن مُوسَى بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن حدير عَم الْحَاجِب مُوسَى هَذَا وَهُوَ الْمَعْرُوف بالزاهد كَانَ مِمَّن يكثر مجالسة الْأَمِير عبد الله ويصل مؤانسته وَكَانَ حَدثا ظريف الْمُشَاهدَة مليح الْعبارَة إخبارياً ممتعاً حفظَة لأخبار دولة موَالِيه بني أُميَّة مفتناً مفوهاً بليغاً يقْرض أبياتاً من الشّعْر حَسَنَة بديهة وروية قَالَ فَشهد مجْلِس مذاكرة الْأَمِير عبد الله يَوْمًا وَهُوَ حافل بِأَهْل الْأَدَب والمعرفة وَقد أفاضوا فِيمَا كَانُوا يفيضون فِيهِ من أَبْوَاب المذاكرة حَتَّى مر ذكر الشيب وذمه وَكَانَ الْأَمِير عبد الله شَدِيد التكره لَهُ فَقَالَ لجلسائه أَي شَيْء تروونه فِي ذمّ الشيب أبلغ فَلم يحضر أحدهم شَيْء إِلَّا مُوسَى بن مُحَمَّد هَذَا فَقَالَ أحسن مَا قيل فِيهِ عِنْدِي قَول الأول

(أَقُول لضيف الشيب إِذْ حل مفرقي

نصيبك منى جفوة وقطوب)

(حرَام علينا أَن تنالك عندنَا

كَرَامَة بر أَو يمسك طيب)

فاستحسنهما الْأَمِير وَقَالَ لَهُ اكتبهما يَا مُوسَى وزد فيهمَا إِن كَانَت فيهمَا عنْدك زِيَادَة فَقَالَ لَا وَالله يَا سَيِّدي مَا عِنْدِي فيهمَا مزِيد وتبطأ الوصيف بإحضار الدرج والدواة لمُوسَى بن مُحَمَّد ومُوسَى مطرق أَن يَتَأَتَّى لَهُ القَوْل فِي الزِّيَادَة الَّتِي استمطرها مِنْهُ الْأَمِير فَقَالَ قد جَاءَنِي يَا سَيِّدي بسعدك بعض الَّذِي أردته واندفع فوصل الْبَيْتَيْنِ بقوله

ص: 235

(فياشر ضيف حل بِي وحلوله

يُخْبِرنِي أَن الْمَمَات قريب)

(وَأَن جديدي كل يَوْم إِلَى بلَى

وَأَنِّي من ثوب الشَّبَاب سليب)

(فَمَا طيب عَيْش الْمَرْء إِلَّا شبابه

وَلَيْسَ إِذا مَا بَان عَنهُ يطيب)

(سأقريك يَا ضيف المشيب قرى القلى

فمالك عِنْدِي فِي سواهُ نصيب)

(وأبكى على مَا قد مضى من شبيبتي

بكاء محب قد جفاه حبيب)

(مضى مُسلما لهفي عَلَيْهِ مدى المدى

فَلَيْسَ إِلَى يَوْم التناد يؤوب)

فسر الْأَمِير عبد الله بِمَا أَتَى بِهِ وَأثْنى على قريحته

وَأنْشد لَهُ أَبُو عَامر السالمي فِي كتاب حلية اللِّسَان وبغية الْإِنْسَان فِي التشبيهات من تأليفه

(لَيْت شعري كَيفَ يفرى لحظه

من شغَاف الْقلب باللحظ الْأكل)

(طرفه سَاج وَفِيه مرض

كم صَحِيح قد رَمَاه فَقتل)

ص: 236

(من مجيري من رشاً ألحاظه

إِنَّمَا تذكرني وَقع الأسل)

وقرأت فِي تَارِيخ الْحميدِي أَن صُهَيْب بن منيع وَكَانَ قَاضِيا بإشبيلية كَانَ نقش خَاتمه

(يَا عليماً كل عيب

كن رَفِيقًا بصهيب)

وَأَنه كَانَ يشرب النَّبِيذ لَعَلَّه كَانَ يذهب مَذْهَب أهل الْعرَاق فَشرب مرّة عِنْد الْحَاجِب مُوسَى بن حدير وَكَانَ من عُظَمَاء الدولة الأموية فَلَمَّا غفل أَمر باختلاس خَاتمه وأحضر نقاشاً فنقش تَحت الْبَيْت الْمَذْكُور

(واستر الْعَيْب عَلَيْهِ

إِن فِيهِ كل عيب)

ورد الْخَاتم إِلَيْهِ وَختم القَاضِي بِهِ زَمَانا حَتَّى فطن لَهُ

91 -

أَحْمد بن عبد الْملك بن شَهِيد الْوَزير أَبُو عمر

هُوَ أَحْمد بن عبد الْملك بن عمر بن مُحَمَّد بن شَهِيد بن عِيسَى بن شَهِيد بن الوضاح الْأَشْجَعِيّ

ص: 237

وَقَالَ الرَّازِيّ إِن جدهم مولى مُعَاوِيَة بن مَرْوَان بن الحكم وَكَانَ الوضاح مَعَ الضَّحَّاك بن قيس يَوْم مرج راهط وشهيد بن عِيسَى هُوَ الدَّاخِل إِلَى الأندلس فِي أَيَّام عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَتصرف بنوه للخلفاء فِي الخطط السّنيَّة من الْإِمَارَة والحجابة والوزارة وَالْكِتَابَة إِلَى انْقِرَاض الدولة الأموية بالأندلس

وَتصرف أَحْمد هَذَا للناصر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد فِي ولَايَة الكور والوزارة وقود الصوائف وغزا البشكنس وَهُوَ أول من سمى ب ذِي الوزارتين وَكَانَ من أهل الْأَدَب البارع حكى الْحميدِي عَن أبي مُحَمَّد بن حزم بِسَنَد ذكره أَن أَحْمد بن عبد الْملك هَذَا زار عبد الْملك بن جهور الْوَزير وَكَانَا جَمِيعًا يخدمان النَّاصِر عبد الرَّحْمَن فوافقه محجوباً وَلم يُمكنهُ الِاجْتِمَاع بِهِ فَكتب إِلَيْهِ

(أَتَيْنَاك لَا عَن حَاجَة عرضت لنا

إِلَيْك وَلَا قلب إِلَيْك مشوق)

(ولكننا زرنا بِضعْف عقولنا

حمارا تولى برنا بعقوق)

فَأَجَابَهُ ابْن جهور بقوله

(حجبناك لما زرتنا غير تائق

بقلب عَدو فِي ثِيَاب صديق)

(وَمَا كَانَ بيطار الشآم بِموضع

يُبَاشر فِيهِ برنا بخليق)

وَذكرت بقول ابْن شَهِيد قَول عبد الْملك بن سعيد الْمرَادِي الخازن

(مَا حمدناك إِذْ وقفنا ببابك

للَّذي كَانَ من طَوِيل حجابك)

(بل ذممنا الزَّمَان فِيك وَقُلْنَا

أبعد الله كل دهر أَتَى بك)

ص: 238

وَلأبي عمر بن شَهِيد

(جريت مَعَ العشاق فِي حلبة الوجد

ففاتهم وَصلى وَمَا عرفُوا جهدي)

(وَمَا نهج العشاق فِي الْحبّ منهجا

وَلَا سلكوا إِلَّا السَّبِيل الَّتِي أهْدى)

(وَمَا اضمر العشاق فِي الوجد غَايَة

من الشوق إِلَّا وَهِي من بعض مَا أبدى)

(وَمَا ضعفوا عَن حمل ثقل

اضطلعت بِهِ وحدي)

(أَنا فاتح الْمِنْهَاج فِي سبل الْهوى

كَمَا عَابِد الرَّحْمَن فاتحه الْمجد)

(وخاتمه العشاق شرقاً ومغرباً

كَمَا عَابِد الرَّحْمَن خَاتِمَة الرشد)

92 -

ابْنه عبد الْملك بن أَحْمد الْوَزير أَبُو مَرْوَان

كَانَ على طليطلة لهشام بن الحكم الْمُؤَيد وَمِنْهَا خاطبه مهنئاً بمقتل غَالب الْقَائِد صَاحب مَدِينَة سَالم فِي خلَافَة وَمن شعره

ص: 239

(طلع الْبَدْر علينا

فحسبناه لبيبا)

(والتقينا فرأيناه

بَعيدا وقريبا)

وَله

(قصرت عَن شأوى فعاديتني

أقصر فَلَيْسَ الْجَهْل من شاني)

(إِن كَانَ قد أَغْنَاك مَا تحتوي

بخلا فَإِن الْجُود أغناني)

93 -

عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب

الْوَزير أَبُو وهب

هُوَ عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن عبد الرءوف بن عبد السَّلَام بن إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن عبد الله بن جَابر بن عمر بن أَيُّوب مولى مَرْوَان بن الحكم

ص: 240

وَكَانَ عبد الله بن جَابر قَاضِيا لعمر بن عبد الْعَزِيز بِالشَّام وَدخل الأندلس من عقبَة عبد السَّلَام بن إِبْرَاهِيم وأخواه أَبُو المفوز وَعقبَة فتناسلوا بهَا وخدموا الْخُلَفَاء وتصرفوا فِي الولايات

وَحكى أَبُو بكر الرَّازِيّ أَن عبد السَّلَام ولد اثنى عشر ولدا قَالَ وَكَانَ أَمينا للأمير عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بكورة إلبيرة ويكنى أَبَا الدلهاث

وَولى ابْنه عبد الرءوف طليطلة وَمَا والاها للأمير عبد الرَّحْمَن بن الحكم سَبْعَة أَعْوَام وَتصرف فِي كثير من الكور ثمَّ استوزره فِي أخريات أَيَّامه واستوزره أَيْضا الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَتُوفِّي وَهُوَ وَزِير

وَولى عبد الْوَهَّاب بن عبد الرءوف الكور المجندة وَغَيرهَا أَيَّام الْأُمَرَاء مُحَمَّد وابنيه الْمُنْذر وَعبد الله وَتُوفِّي بإشبيلية وَهُوَ عَامل عَلَيْهَا

وَولى مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب كورة جيان وَمَات بهَا

وَتصرف عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد هَذَا لأمير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد فِي الولايات والأمانات ثمَّ استوزره وَذكره أَبُو بكر الزبيدِيّ فِي كتاب طَبَقَات النَّحْوِيين من تأليفة وَقَالَ كَانَ بَصيرًا بِالْعَرَبِيَّةِ طالع كتاب سِيبَوَيْهٍ وَنظر فِيهِ وَكَانَ ذَا كبر عَظِيم وبأو مفرط وَيظْهر مَعَ ذَلِك زهداً

ص: 241

وَولى الوزارة فَكَانَ لَا يزَال يُورد على أَصْحَابه من الوزراء مسَائِل من عويص النَّحْو حَتَّى برموا بِهِ واسعفوه من ذَلِك وَهُوَ الْقَائِل وَكَانَ سناطاً

(لَيْسَ بِمن لَيست لَهُ لحية

بَأْس إِذا حصلته ليسَا)

(وَصَاحب اللِّحْيَة مستقبح

يشبه فِي طلعته التيسا)

(إِن هبت الرّيح تلاهت بِهِ

وماست الرّيح بِهِ ميسا)

وَله

(قتلت عَيْنَاك عَبدك

قبل أَن تقضي وَعدك)

(حلت عَن عهد محب

لم يزل يحفظ عَهْدك)

(مَا لأفعالك

لَا تشبه ندك)

وَله

(إِذا مَا بدا يعشى الْعُيُون بِسنة

منافيه تغني عَن الشَّمْس والبدر)

(وَوجه إِذا مَا الأنجم الزهر أَبْصرت

محياه ظنته من الأنجم الزهر)

وَله

(أحوذى فِي مجده أوحدي

لَيْسَ يحْكى سناؤه وسناه)

(من رَآهُ فقد رأى الْغَيْث وَاللَّيْث

جَمِيعًا فِي بأسه ونداه)

(يستميل الْعُيُون مِنْهُ رواء

ترتوى من حيائه وحياه)

ص: 242

(إِن بدا خلت أَنه قمر الأَرْض

وصنواه حوله كوكباه)

وَله

(ليهنى النَّاس فِي ملكه

أَن ابْنه التَّاسِع من بعده)

(يقوم فِي الْملك مقاماته

ويحتذى فِيهَا على قَصده)

(أُوتى حكما فَاتَ فِيهِ الورى

فكاد أَن ينْطق فِي مهده)

(حمل أعباء العلى فَاكْتفى

عفوا وَلم يبلغ إِلَى جهده)

وَدخل يَوْمًا على عبد الْملك بن جهور الْوَزير فأقعده إِلَى جنبه وَمَال إِلَيْهِ بحَديثه ثمَّ دخل الخروبي فأقعده فَوْقه فَخرج أَبُو وهب مغضباً وَكتب إِلَيْهِ

(بلوتك أَسْنَى الْعَالمين وأفضلا

وأهذب فِي التَّحْصِيل رَأيا وأكملا)

(فَقل لي مَا الْأَمر الَّذِي صَار مخملي

لديك فأضحى مسْقطًا لي مخملا)

ص: 243

(تقدم من أضحى تقدم لومه

لقد ضل هَذَا من فعالك مُشكلا)

(وَمَا كنت أرْضى يعلم الله أنني

أساويه فِي الفردوس دَارا ومنزلا)

(فَإِن كنت قد قصرت بِي عَن محلتي

صبرت وَمَا زَالَ التصبر أجملا)

(ورحت على الدَّهْر المليم ألومه

فقد هيض أَعْلَاهُ وغودر أسفلا)

(وَكنت جَدِيرًا فِي كمالك أَن ترى

لمثلي نَصِيبا من ودادك أجزلا)

فَأَجَابَهُ عبد الْملك بِأَبْيَات مِنْهَا

(غدرتك إِلَّا أَن فرط محبتي

وإخلاص ودي سهلاً لي التدللا)

(ظلمتك فِيمَا كَانَ مني مُجملا

على غير تَحْصِيل وعاتبت مُجملا)

(تقربت من قلبِي وَإِن كنت آخرا

وَأخر عَن قلبِي وَإِن كَانَ أَولا)

(وَمَا أَجْهَل الْقدر الَّذِي أَنْت أَهله

وَلَا شرفاً أضحى عَلَيْك مظللا)

(فَإِن عَن تَقْصِير بِغَيْر تعمد

فغط عَلَيْهِ منعماً متطولا)

94 -

أَخُوهُ غَالب بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب أَبُو عبد السَّلَام

ولى خطة الْعرض وَكتب للْحكم وَهُوَ ولي عهد فِي حَيَاة أَبِيه النَّاصِر ذكر ذَلِك الرَّازِيّ وَأنْشد لَهُ صَاحب الحدائق

ص: 244

(جفون هَمت مذغاب عَنْهَا حبيبها

وَنَفس بهَا للشوق نَار تذيبها)

(تيقنت إِذْ ودعتها أَن مهجتي

سيقضي عَلَيْهَا شوقها ونحيبها)

(شققت جيوبي يَوْم بَانَتْ وطالما

أَطَالَ عَذَابي مَا طوته جيوبها)

(وللحب حالات تمر خطوبها

إِذا قرنت بالبين تحلو خطوبها)

(معذبتي لَا تأسفي فلعلها

تعود ليالينا الْقصار وطيبها)

(أَلا لَيْت نَفسِي تَسْتَطِيع فداءها

وياليتها من كل خير نصِيبهَا)

(يعيبونها عمدا لأسلو ذكرهَا

وَمَا عَابَ إِلَّا نَفسه من يعيبها)

95 -

جهور بن عبيد الله بن أبي عَبدة

الْوَزير أَبُو الحزم

قَالَ أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى الرَّازِيّ فِي تأليفه فِي الْأَنْسَاب الْمُسَمّى ب الِاسْتِيعَاب الْوَزير جهور بن عبيد الله هُوَ جهور بن عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْغمر بن يحيى بن عبد الغافر بن حسان بن مَالك بن عبد الله بن جَابر

ص: 245

وَكَانَ عبد الله مَمْلُوكا لمروان الحكم أبلى يَوْم وقيعة مرج راهط بلَاء حسنا فَأعْتقهُ

والداخل من أجداد هَذَا الْوَزير حسان بن مَالك وَهُوَ أَبُو عَبدة وَكَانَ دُخُوله سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَة قبل دُخُول عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بِخمْس وَعشْرين سنة وَولد حسان بالمشرق أَوْلَادًا قتلوا إِلَّا عبد الغافر لصغره فَنَشَأَ مَعَ عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وتأدب مَعَه بالمشرق وَلما قدم بدر مولى عبد الرَّحْمَن بِخَبَرِهِ إِلَى موَالِيه الشاميين استراح بِهِ إِلَى أبي عَبدة فَوجه ابْنه عبد الغافر إِلَيْهِ

فَلَمَّا توطد عبد الرَّحْمَن استوزر أَبَا عَبدة واستقوده ثمَّ اسْتَعْملهُ على إشبيلية قائدا بهَا ومضيقا على أهل باجة وَغَيرهَا فَملك الغرب أجمع خَمْسَة أَعْوَام إِلَى أَن توفّي بإشبيلية وقبره بهَا

ص: 246

وَتصرف عبد الغافر فِي الوزارة للْإِمَام عبد الرَّحْمَن وَبرئ إِلَيْهِ بِخَاتمِهِ إِلَى أَن مَاتَ

قَالَ وَأما عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْغمر فَإِنَّهُ تصرف فِي الكور وحجابة الْأَوْلَاد وَالْمَدينَة وَالْخَيْل وَالْكِتَابَة والقيادة وَقد تقدم ذكر ذَلِك

قَالَ وَتصرف جهور بن عبيد الله فِي الكور والأمانات والقيادة وَالْمَدينَة والوزارة للناصر

وَقَالَ غَيره كَانَ عبيد الله وَالِد أبي الحزم هَذَا مَعَ تحَققه بالمعرفة وَالْأَدب والبلاغة ذَا بَأْس وشجاعة وغناء فِي الحروب وَله فتوح جمة ومقاوم حميدة وَاسْتَأْذَنَ الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد فِي آخر دولته لقَضَاء فَرِيضَة الْحَج فَأذن لَهُ وَحج ثمَّ انْصَرف إِلَى قرطبة فانقبض عَن السُّلْطَان وأخلد إِلَى الخمول وَأقَام على حَاله تِلْكَ فِي دَاره إِلَى أَن توفّي سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ آخر أَيَّام الْأَمِير عبد الله

وَتصرف ابْنه جهور بعده فِيمَا ذكره الرَّازِيّ وَكَانَ شَاعِرًا مكثراً فَمن شعره قَوْله من أَبْيَات فِي تَفْضِيل الْورْد وَكَأَنَّهُ يرد بهَا على ابْن الرُّومِي

ص: 247

(خضعت نواوير الرياض لحسنه

فتذللت تنقاد وَهِي شوارد)

(وَإِذا تبدى الْورْد فِي أغصانه

ذلت فذاميت وَهَذَا حَاسِد)

(وَإِذا أَتَى وَفد الرّبيع مبشراً

بِطُلُوع صفحته فَنعم الْوَافِد)

(لَيْسَ المبشر كالمبشر باسمه

خبر عَلَيْهِ من النُّبُوَّة شَاهد)

(وَإِذا تعرى الْورْد من أوراقه

بقيت عوارفه فهن خوالد)

وَله

(يَا عاتبا لي بالصدو

دألا ذكرت قَبِيح غدرك)

(أخليت من قلبِي مَكَانا

كَانَ معمورا بذكرك)

(وَأَنا أحبك لَو وثقت

وأستديم بَقَاء عمرك)

وَله

(يَا لائماً وَالظُّلم مِنْهُ

ظَاهر لي والفظاعه)

(كم قد ضرعت وَقد سَمِعت

فَمَا لويت إِلَى الضراعه)

(فلئن رجعت كَمَا علمت

لأقطعن فِيك الْجَمَاعَة)

(وَمَتى لججت على الْأَذَى

جازيت فعلك فِي صاعه)

وَله

(أَسَأْت لعمري إِذْ أَسَأْت بِي الظنا

وألزمتني ذَنبا شغلت بِهِ الذهنا)

(تجنيت فِي عذلي كأبى مذنب

رويدك إِن العذل قد يُوجب الشحنا)

(فَلَا تتجن الذَّنب من غير عِلّة

فَرب تجن يُورث الحقد والضغنا)

ص: 248

(وَإِنِّي امْرُؤ مَحْض الْمَوَدَّة مخلص

أصافي خليلي بِالَّذِي هُوَ بِي أَسْنَى)

(وَإِن زل يَوْمًا فِي ودادي أقلته

وقارضته فِي ذَاك بالصحبة الحسنا)

(وَهل لي فدتك النَّفس دُونك رَاحَة

وَأَنت شَقِيق النَّفس وَالْأَقْرَب الْأَدْنَى)

(فثق بِي وَلَا تعجل على فإنني

أدين بِمَا ترْضى وأعني بِمَا تَعْنِي)

(وَلَا ذَنْب لي فِيمَا علمت وَلم أكن

لأصغى إِلَى الواشين فِي قيلهم أذنا)

وَله

(انْظُر إِلَى محن الزَّمَان

تزدك فِي الدُّنْيَا اعْتِبَارا)

(واسمع لنعي الذاهبين

وَكن كواحدهم حذارا)

(واعمل بجد الْخَائِفِينَ

وَلَا تنم إِلَّا غرارا)

(وَاعْلَم بأنك لَاحق

من قد كرهت لَهُ جوارا)

(إِن اللَّيَالِي مَا فتئن

تكدر الْعَيْش المعارا)

(وتفرق الشمل الْجَمِيع

وتجلب الْأَمر الضرارا)

(فحوادث فِيهَا استلبن

أَخا دعون بِهِ فسارا)

(رزء إِلَى جنب اغتراب

أرثا فِي الْقلب نَارا)

(وفجيعة سلفت وَكَانَت

محنة لي واختبارا)

(بِأَخ شَقِيق مَا أُطِيق

على رزيته اصطبارا)

ص: 249

وَمِنْهَا

(اصبر فلست ترى على

أحد حماه الصَّبْر عارا)

(فالصبر أَنْفَع دخرة

لَو كنت آتيه اخْتِيَارا)

أنْشد أَبُو نصر الْفَتْح بن عبيد الله الإشبيلي فِي كتاب مطمح الْأَنْفس ومسرح التأنس فِي محَاسِن أهل الْمغرب والأندلس من تأليفه أَكثر هَذِه الأبيات وَالَّتِي قبلهَا ونسبها لأبي الحزم جهور بن مُحَمَّد بن جهور رَئِيس قرطبة الْمُتَأَخر غَلطا مِنْهُ ووهماً لاخفاء بِهِ وَإِنَّمَا هِيَ لجده جهور بن عبيد الله هَذَا الْمَذْكُور هُنَا ثمَّ أعقب غلطه بغلط آخر أفحش مِنْهُ فأورد ابياتاً لِابْنِ فرج فِيهِ يرثيه وأتى بعد ذَلِك برثاء ابْن زيدون فأفرط وخلط وَألْحق بِالْبَاطِلِ الْحق أما ابْن زيدون فرثاؤه لأبي الحزم الْأَخير صَحِيح غير معترض وَأما ابْن فرج فموته من مولده مقتربان عمرك الله كَيفَ يَلْتَقِيَانِ ولد جهور بن مُحَمَّد سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة فِي الْمحرم وَتُوفِّي ابْن فرج إِثْر وَفَاة الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه فِي صفر سنة سِتّ بعْدهَا وللفتح أَيْضا غلط ينضاف إِلَى مَا تقدم فِي نِسْبَة بَيْتَيْنِ لأبي الحزم هَذَا وأنشدهما الْحميدِي لجهور بن مُحَمَّد التجِيبِي أَبى مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الفلو وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ ذكر أَنه شَاهده بالمرية وكتبهما من شعره وهما

(قلت يَوْمًا لدار قوم تفانوا

أَيْن سكانك الْكِرَام علينا)

(فأجابت هُنَا أقامواقليلا

ثمَّ سَارُوا وَلست أعلم أَيّنَا)

ص: 250

وَلم يلق الْحميدِي أَبَا الحزم فِيمَا علمت وَإِن كَانَ عاصره وَلَعَلَّ الْفَتْح من كِتَابه اسْتَفَادَ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ واشتباه الْأَسْمَاء جر هَذَا الْخلَل وَعدم المبالاة بضبط الموالد والوفيات كثيرا مَا يُوجد الزلل وَسَيَأْتِي ذكر أَبى الحزم الأندلسي الْأَخير فِي الْمِائَة الْخَامِسَة مُسْتَوفى إِن شَاءَ الله عز وَجل

ص: 251

96 -

أَخُوهُ مُحَمَّد بن عبيد الله

هُوَ أسن من أَخِيه جهور وجهور أشهر مِنْهُ وَتصرف مُحَمَّد هَذَا فِي الكور والقيادة قَالَه الرَّازِيّ وَأنْشد لَهُ الْحميدِي يُخَاطب أَبَا عمر ابْن عبد ربه

(أعدهَا فِي تصابيها خداعا

فقد فضت خواتهما نزاعا)

(قُلُوب يستخف بهَا التصابي

إِذا أسكنتها طارت شعاعا)

فَأَجَابَهُ

(حقيق أَن يصاخ لَك استماعا

وَأَن يعْصى العذول وَأَن تطاعا)

(مَتى تكشف قناعك للتصابي

فقد ناديت من كشف القناعا)

(مَتى يمش الصّديق إِلَى فترا

مشيت إِلَيْهِ من كرم ذِرَاعا)

(فجدد عهد لهوك حِين يبْلى

وَلَا تذْهب بشاشته ضيَاعًا)

97 -

عبد الرَّحْمَن بن بدر بن أَحْمد

كَانَ بدر وصيفاً للأمير عبد الله فَأعْتقهُ وَصَرفه فِي الخطط الشَّرِيفَة

ص: 252

ثمَّ وُلَاة النَّاصِر الوزارة والحجابة والقيادة وَالْخَيْل وَالْبرد وَكَانَ ينْفَرد بالولايات فتكنب السجلات فِي دَاره ثمَّ يبعثها للطبع فتطبع وَتخرج إِلَيْهِ فيبعث فِي الْعمَّال وينفذون على يَدَيْهِ وَولى عبد الرَّحْمَن هَذَا الْكِتَابَة والوزارة وَالْعرض والخزانة للناصر وَصَرفه فِي عمَارَة كورة إشبيلية وَمن شعره

(لساني كَانَ من أَعدَاء قلبِي

إِذْ الزمه الذُّنُوب بِغَيْر ذَنْب)

(إِلَى من اشْتَكَى عدوي اعتذار

أَمر مذاقتي طعمي وشربي)

(وأسهر مقلتي وأسال دمعي

لفرط الوجد سكبا بعد سكب)

وَله

(يَا وردة وسط رَوْضَة سفرت

لَو رمتها باللحاظ لَا نتثرت)

(ودرة فِي الْجمال مفرغة

لَوْلَا حجاب يكنها بهرت)

(دع كَبِدِي فِي الضلوع آمِنَة

وَخذ جفوني فَإِنَّهَا نظرت)

ص: 253

98 -

إِسْمَاعِيل بن بدر بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو بكر

كَانَ مولى نعْمَة لبني أُميَّة وَولى إشبيلية للناصر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَكَانَ أثيراً لَدَيْهِ ومنادماً لَهُ وعاش إِلَى أول دوله ابْنه الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَقد حمل عَنهُ الحَدِيث لسماعه من بَقِي بن مخلد والخشنى وَمُحَمّد بن وضاح وطبقتهم فَاحْتَاجَ إِلَيْهِ النَّاس ذكره ابْن الفرضى فِي تَارِيخه وَذكر أَن صناعَة الشّعْر غلبت عَلَيْهِ وَهُوَ أحد المكثرين أنْشد لَهُ ابْن فرج فِي كتاب الحدائق من تأليفه

(وَذي لجب كالبحر عب عبابه

فَضَاقَ بِهِ رحب الفلا والتنائف)

(قريب الخطى نائى المدى مالئ الملا

بِجمع ترَاهُ وَاقعا غير وَاقِف)

(تركنَا بِهِ أَرض الْعَدو كَأَنَّهَا

مجاهل للمرتاد غير معارف)

(غَدَتْ بعد سحب الْبيض فِيهَا ذيولها

مجر ذيول الطامسات العواصف)

وَله فِي النَّاصِر

(لَو كَانَ يعبد دون الله من أحد

مَا كَانَ غَيْرك فِي الدُّنْيَا بمعبود)

(قد فَاتَ قدرك وصف الواصفين فَمَا

ذكراك إِلَّا بتحميد وتمجيد)

(لما ذكرتك يَوْمًا قلت من جذل

يَا نعْمَة الله فِي أَيَّامه زيدي)

ص: 254

وَله فِي بيعَة الْمُسْتَنْصر بعد وَفَاة أَبِيه النَّاصِر

(لَئِن غربت شمس لقد طلعت شمس

فَمَا فِي صَلَاح الأَرْض ريب وَلَا لبس)

(بمستنصر بِاللَّه دَان لملكه

وأيامه الميمونة الْجِنّ وَالْإِنْس)

(تولى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَصْبحُوا

وَمَا بَينهم نجوى بعدوى وَلَا هَمس)

(فَلَا سقيت أَرض بِغَيْر سحابه

بِلَالًا وَلَا سرت لساكنها نفس)

(وَإِن شدّ حلْس لَا يكون ثِيَابه

فلاا نهضت يَوْمًا بِمن شده عنس)

وَأنْشد لَهُ الْحميدِي عَن أبي مُحَمَّد بن حزم

(أُنَاجِي حسن رَأْيك بالأماني

وأشكو بالتوهم مَا شجاني)

(ولي ب عَسى وَلَو وَلَعَلَّ روح

ينفس عَن كئيب الْقلب عان)

(ومحض هوى بِظهْر الْغَيْب صَاف

ترى عَيْني بِهِ من لَا يراني)

(على ذَاك الزَّمَان وَإِن نقضي

سَلام لَا يبيد على الزَّمَان)

(كفاني يَا مدى أمْلى بعاد

تمنيت الْمَمَات لَهُ كفاني)

وَله يرثي ابْنه

(غرست قَضِيبًا زعزعته يَد الردى

فَخلوا دموع الْعين تبك على غرسي)

(وَهَذَا حمام الأيك يبكى هديله

فَمَا لهديلي لَا تذوب لَهُ نَفسِي)

وَله فِيهِ

(مَا حزن يَعْقُوب على يُوسُف

أَشد من حزني على أَحْمد)

(أَحْمد ملحود فَهَل نستوى

وَذَاكَ لم يقبر وَلم يلْحد)

(وَكَانَ يرجوه وَهل أرتجى

هَذَا وَقد غمضته بِالْيَدِ)

ص: 255

وَله فِي توت أهداه

(تفاءلت بالتوت التأتي لزورة

وَذَلِكَ قَالَ مَا علمت صَدُوق)

(فأهديته غضا حكى حذق المها

لَهُ منظر بالْحسنِ مِنْهُ يروق)

(وَبَعض حكى الْيَاقُوت مِنْهُ احمراره

وَمَا مجه للذائقين رحيق)

(فَذا سبج فِيمَا يرى لَا سوداده

وَذَا لَا حمرار اللَّوْن مِنْهُ عقبق)

99 -

عبيد الله بن أَحْمد بن يعلى بن وهب

ولاه النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد مَا كَانَ بيد أَبِيه أَحْمد بن يعلى قائده الْجَلِيل الْمِقْدَار الحميد الْآثَار من قيادة الْجوف بطليوس وأعمالها حِين نوه بِأَحْمَد الْمَذْكُور وولاه طليطلة وأعمالها من الثغر الْأَدْنَى وَرفع رزقه إِلَى أرزاق الوزراء مَعَ مقَامه على خطته فِي الشرطة الْعليا وسمى قَائِد الأعنة وَذَلِكَ فِي صفر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وثلاثمائة فأغنى عبيد الله فِي قتال الرّوم غناء أَبِيه وتوالت لَهُ فيهم فتوح وَكَانَ أديباً شَاعِرًا وَهُوَ الْقَائِل من قصيدة

(ترى الأَرْض فِينَا لَا يقر قَرَارهَا

إِذا لم يسسها من أُميَّة سائس)

(ذَوُو الهضبات الشم والأبحر الَّتِي

تفيض ملاء والملوك الأشاوس)

(هم ذَهَبُوا بالمكرمات وَلم يزل

لَهُم جبل الْعِزّ الْقَدِيم القوامس)

(وهم نزلُوا من خَنْدَق حَيْثُ تلتقى

رُؤُوس قصى فِي الذرى والمغاطس)

ص: 256

(وهم غمسوا فِي جَفْنَة الطّيب قبل أَن

يرى أحد من قَومهمْ وَهُوَ غامس)

(وهم أوقدوا حَرْب الْفجار حفيظة

فَقَامَتْ بهَا أعياصهم والعنابس)

(بهاليل من إِن يستضيف إِلَيْهِم

بِمَا شيدوا إِلَّا الْخِصَال النفائس)

(إِذا سوجلوا لم يَحْتَمِلهُمْ مساجل

وَإِن قويسوا لم يستطعهم مقابس)

(تطيف بهم ساحات مَكَّة فِي الْعلَا

وتكنفهم مِنْهَا البطاح الأمالس)

وَكَانَ أَخُوهُ يعلى بن أَحْمد أديباً أَيْضا وَسَيَأْتِي ذكره

100 -

جَعْفَر بن عُثْمَان المصحفي

الْحَاجِب الْوَزير أَبُو الْحسن

هُوَ جَعْفَر بن عُثْمَان بن نصر بن قوى بن عبد الله بن كسيلة من برابر بلنسية ينتمي إِلَى قيس بالمخالفة

وَذكر ابْن الفرضى فِي تَارِيخه أَبَاهُ عُثْمَان وَقَالَ فِي نسبه بعد نصر ابْن عبد الله بن حميد بن سَلمَة بن عباد بن يُونُس القيسى

وَكَانَ قد أدب الحكم وَذَلِكَ أزلف جعفراً عِنْده وَأَدْنَاهُ مِنْهُ فاستخدمه بِالْكِتَابَةِ فِي إمارته وَولى جَزِيرَة ميورقة فِي أَيَّام النَّاصِر ثمَّ تقلد الحكم

ص: 257

الْخلَافَة فاستوزره وأمضاه مَعَ ذَلِك على كِتَابَته الْخَاصَّة وَضم إِلَيْهِ بعد مُدَّة ولَايَة الشرطة وأخدمه ابْنه هشاماً

وَأقَام على ذَلِك إِلَى وَفَاة الحكم واستخلاف هِشَام ابْنه فحجبه يَوْم قعوده لِلْبيعَةِ وَذَلِكَ يَوْم الأثنين لخمس خلون من صفر سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَعَن يَمِينه ويساره الفتيان جؤذر وفائق ثمَّ أهل الخطط على مَنَازِلهمْ وَكَانَ الْقَائِد مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي عَامر وَهُوَ إِذْ ذَاك يتَوَلَّى الشرطة الْوُسْطَى وَالسِّكَّة والمواريث وَالْوكَالَة يشرف على عقد الشَّهَادَات فِي نسخ الْبيعَة بَين يَدَيْهِ بعد مَا كَانَ القَاضِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن السَّلِيم يَأْخُذهَا على طَبَقَات من شَهِدَهَا من الْأَعْمَام وَأَبْنَائِهِمْ والوزراء وضروب أهل الْخدمَة ورجالات قُرَيْش وأعلام قرطبة حكى ذَلِك عِيسَى بن أَحْمد الرَّازِيّ

قَالَ ثمَّ لما كَانَ يَوْم السبت لعشر خلون من صفر المؤرخ قلد هِشَام حجابته جَعْفَر بن عُثْمَان لقدم صحبته لِأَبِيهِ الْمُسْتَنْصر وَكَانَ الْمُسْتَنْصر قد شرفه لتأديب أَبِيه عُثْمَان بن نصر لَهُ وَصَرفه فِي الْأَعْمَال وَقدمه إِلَى الكور ثمَّ اسْتَكْتَبَهُ وَهُوَ ولى عهد وَذكر نَحوا مِمَّا تقدم من خَبره قَالَ ثمَّ قدم هِشَام الْمُؤَيد ابْن أَخِيه هِشَام بن مُحَمَّد بن عُثْمَان إِلَى خطة الْخَيل ثمَّ إِلَى الوزارة وَولى بنيه مُحَمَّدًا وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن وأخاه سعيداً وَابْن أَخِيه مُحَمَّدًا الشرطة الْعليا وَالْوُسْطَى فَلم ينْهض بعبء مَا قَلّدهُ وَخلف على الْمَدِينَة ابْنه مُحَمَّدًا

ص: 258

فأساء السِّيرَة وزكا على الْمحبَّة أَبُو عَامر مُحَمَّد بن أبي عَامر فَبسط الْمُؤَيد يَده وَقبض يَد جَعْفَر بن عُثْمَان فأداله وَابْن أَخِيه

وَقَالَ ابْن حَيَّان استطال عَلَيْهِ مُحَمَّد بن أبي عَامر بكفايته ودفاعه الْعَدو المتكالب لأوّل ولَايَة هِشَام ووفاة الحكم وَاسْتظْهر على ذَلِك بمصاهرة غَالب القائدة مولى النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد

وَقد كَانَ غَالب فِيمَا حكى الرَّازِيّ شَارك جَعْفَر بن عُثْمَان فِي الحجابة وصير فرَاشه فِي الصَّدْر وَعَن يَمِينه جعفروعن يسَاره أَبُو عَامر للوزارتين قَالَ ابْن حَيَّان فَأدى ذَلِك إِلَى الْقَبْض على جَعْفَر وعَلى وَلَده وأسبابه وعَلى أَخِيه هِشَام وَسَائِر أَقَاربه وطولبوا بالأموال وَكَانَ ابْن أبي عَامر يحمل جعفراً مَعَه فِي الْغَزَوَات تعنيتاً وانتقاماً مِنْهُ فَلَمَّا بَان عَجزه وَضعف أقرّ بالمطبق إِلَى أَن هلك فِيهِ سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثلاثمائة فَأسلم إِلَى أَهله فِي أقبح صُورَة وَقيل قتل خنقاً وَكَانَ مقدما فِي صناعَة الْكِتَابَة مفضلا على طبقته بالبلاغة وَله شعر كثير مدون يدل على تمكنه من الإجادة وتصرفه فِي أفانين الْبَيَان وَهُوَ الْقَائِل

(سَأَلت نُجُوم اللَّيْل هِيَ يَنْقَضِي الدجى

فخطت جَوَابا بِالثُّرَيَّا كخط لَا)

(وَكنت أرى أَنِّي بآخر لَيْلَة

فَأَطْرَقَ حَتَّى خلته عَاد أَولا)

(وَمَا عَن هوى سامرتها غير أنني

أنافسها المجرى إِلَى رتب الْعلَا)

ص: 259

وَله

(أما والهوى مَا كنت أعرف مَا الْهوى

وَلَا مَا دواعي الشوق حَتَّى تكلما)

(دَعَاني بِلَفْظ لَو دَعَا يذبلاً بِهِ

للباه مشتاقاً ووافاه مغرما)

وَله ويروى لغيره

(كَلَّمتنِي فَقلت در سقيط

فتأملت عقدهَا هَل تناثر)

(وازدهاها تَبَسم فأرتنا

عقد در من التبسم آخر)

وَله

(إِن فَاه أشربت الضلوع هوى

حَتَّى كَأَن جَمِيعهَا أذن)

(لَا تنكروا كلف الضلوع بِهِ

فَحَدِيثه لوجيبها سكن)

وقرأت فِي كتاب الفرائد فِي التَّشْبِيه لِابْنِ أبي الْحسن الْقُرْطُبِيّ مَنْسُوبا إِلَيْهِ

(بَادر فَإِن نَذِير الْغَيْث قد نذرا

مجدداً لسرور كَانَ قد دثرا)

(أرخت عزاليه واصطرت بعنصره

ريح الصِّبَا واستدرت دمعه فَجرى)

(أوفى فبرد من حر الْقُلُوب كَمَا

أوفى علينا حبيب طالما هجرا)

(فلاقه بكؤوس الراح مترعة

شكرا لَهُ فكريم الْقَوْم من شكرا)

ص: 260

وَله فِي سوسنة

(يَا رب سوسنة قد بت ألثمها

وَمَالهَا غير طعم الْمسك من ريق)

(مصفرة الْوسط مبيض جوانبها

كَأَنَّهَا عاشق فِي حجر معشوق)

وَله فِي الخيال

(لَئِن سلبوني شخصه ووصاله

لما قدرُوا أَن يسلبوني خياله)

(إِذا حجبت عني الْحَوَادِث وَجهه

أَقَامَ الْهوى لي حَيْثُ كنت مِثَاله)

وَله

(وَكم مهمه لَا يُوجد الركب مشرعاً

قطعت وبحر شامخ الموج أسفعا)

(خضم إِذا استعلت بِهِ الشَّمْس لَا يزل

يطاولها حَتَّى تمل فتخضعا)

(تغيب وتبدو فِيهِ حَتَّى كَأَنَّمَا

غَدا مغربا تجرى إِلَيْهِ ومطلعا)

(إِذا مَا ارتمت أمواجه خلت أَنَّهَا

ذرى الشم أمتنَا من الْبر نزعا)

(تقاذف فِي رحب الْجمال بسيطها

يرد وقود الرّيح حسرى وظلعا)

وَله فِي تفاحة

(لعمري لَئِن أهديت نَفسِي وَمَا حوت

فَأَنت بهَا منى أَحَق وأملك)

(ولكنني أهْدى الَّتِي لَا تردها

يَمِين وَلَا فِيهَا لذِي اللحظ مترك)

(تناولتها من غصنها وَكَأَنَّهَا

من الْحسن ذَاك الناجم المتفلك)

وَله فِي سفرجلة

(ومصفرة تختال فِي ثوب نرجس

وتعبق عَن مسك ذكى التنفس)

(لَهَا ريح مَحْبُوب وقسوة قلبه

ولون محب حلَّة السقم مكتس)

ص: 261

(فصفرتها من صفرتي مستعارة

وأنفاسها فِي الطّيب أنفاس مؤنسى)

(فَلَمَّا استتمت فِي الْقَضِيب شبابها

وحاكت لَهَا الأنواء أبراد سندس)

(مددت يَدي باللطف أبغى اقتطافها

لأجعلها ريحانتي وسط مجلسي)

(وَكَانَ لَهَا ثوب من الزغب أغبر

يرف على جسم من التبر أملس)

(فَلَمَّا تعرت فِي يَدي من لباسها

وَلم تبْق إِلَّا فِي غلالة نرجس)

(ذكرت بهَا من لَا أبوح بِذكرِهِ

فأذبلها فِي الْكَفّ حر تنفسي)

وَله وَقد أهديت إِلَيْهِ رامشنة ورد فِي زمن الْبرد فاستغربها وَكتب إِلَى مهديها

(لعمرك مَا فِي فطْرَة الرَّوْض قدرَة

يحِيل بهَا مجْرى الزَّمَان عَن الْقَصْد)

(وَلكنهَا أخلاقك الغر نبهت

بربعك فِي كانون نَائِمَة الْورْد)

ص: 262

وَله فِي الْخمر وَقد أنْشد ذَلِك أَبُو مَنْصُور الثعالبي فِي الْيَتِيمَة

(صفراء تطرق فِي الزّجاج فَإِن سرت

فِي الْجِسْم دبت مثل صل لادغ)

(خفيت على شرابها فَكَأَنَّمَا

يَجدونَ ريا فِي إِنَاء فارغ)

(عَبث الزَّمَان بجسمها فتسترت

عَن عينهَا فِي ثوب نور سابغ)

وَله

(كم لَيْلَة بت أطويها وأنشرها

وَلَا أرى فِي الَّذِي أقضى بهَا حرجاً)

(فِي فتية نجب صَارُوا بمعترك

يجرى النَّعيم على الصرعى بهَا خلجا)

(والجو ملتحف

والنجم مكحولة ألحاظه دعجا)

(لفوا دجى ليلهم فِي نور كاسهم

ونفسوا من خناق الزق فانبلجا)

وَله

(لعينيك فِي قلبِي على عُيُون

وَبَين ضلوعي للشجون فنون)

(لَئِن كَانَ جسمي مخلقاً فِي يَد الْهوى

فحبك غض فِي الْفُؤَاد مصون)

(نَصِيبي من الدُّنْيَا هَوَاك وَإنَّهُ

عَذَابي وَلَكِنِّي عَلَيْهِ ضنين)

وَله

(يَا ذَا الَّذِي لم يدع لي حبه رمقاً

هَذَا محبك يشكو البث والأرقا)

(لَو كنت تعلم مَا شوقي إِلَيْك إِذا

أيقنت أَن جَمِيع الشوق لي خلقا)

(لم يبصر الْحسن مجموعاً على أحد

من لَيْسَ يبصر ذَاك الخد والعنقا)

وَله فِي وَفَاة النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وبيعة ابْنه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الحكم ابْن عبد الرَّحْمَن

ص: 263

(أَلا إِن أَيَّام هفت بإمامها

لجائرة مشتطة باحتكامها)

(تَأمل فَهَل من طالع غير آفل

بِهن وَهل من قَاعد لقيامها)

(وعاين فَهَل من عائش برضاعها

من النَّاس إِلَّا ميت بفطامها)

(كَأَن نفوس النَّاس كَانَت بِنَفسِهِ

فَلَمَّا توارى أيقنت بحمامها)

(فطار بهَا يأس الأسى وتقاصرت

يَد الصَّبْر عَن إعوالها والتدامها)

وَمِنْهَا لَهُ

(إِمَام تَلَقَّتْهُ الْخلَافَة صبة

إِلَى نسم مَحْمُولَة عَن إمامها)

(فَصَارَت إِلَيْهِ فِي حُدُود تَمَامه

وَصَارَ إِلَيْهَا فِي حُدُود تَمامهَا)

(فَلم ينْتَقل بِالنَّاسِ يَوْم انتقالها

إِلَيْهِ سَبِيل عَن مَحل قوامها)

(أَتَوْهُ فَأَعْطوهُ المواثق عَن هوى

تمكن فِي أبشارها وعظامها)

(وناولهم كفا يطول الْهدى بهَا

رضَا الله فِي تقبيلها واستلامها)

(أناف على الدُّنْيَا بِعَين مُحِيطَة

وَقَالَ ادخُلُوا فِي أمنها وسلامها)

وَله

(يطالعنا فِي كل يَوْم بغرة

بَنو الدّين وَالدُّنْيَا مَعًا يأملونها)

(إِذا مَا تراءته الْعُيُون تواضعت

لإجلاله عَن أَن تقل شؤونها)

(عَلَيْهَا من الرَّحْمَن نور جلالة

يقصر بالألحاظ أَن تستبينها)

وَله مِمَّا قَالَه بديهاً بَين يَدي الحكم عِنْدَمَا بشر بِوِلَادَة ابْنه هِشَام

(اطلع الْبَدْر من حجابه

واطرد السَّيْف من قرَابه)

(وجاءنا وَارِث الْمَعَالِي

ليثبت الْملك فِي نصابه)

ص: 264

(بشرنا سيد البرايا

بِنِعْمَة الله فِي كِتَابه)

(لَو كنت أعْطى البشير عمري

لم أقض حَقًا لما أَتَى بِهِ)

وَله فِي نكبته

(تَأَمَّلت صرف الحادثات فَلم أزل

أَرَاهَا توافي عِنْد مقصدها الحرا)

(فَللَّه أَيَّام مَضَت لسبيلها

فَإِنِّي لَا أنسى لَهَا أبدا ذكرا)

(تجافت بهَا عَنَّا الْحَوَادِث بُرْهَة

وأبدت لنا مِنْهَا الطلاقة والبشرا)

(ليَالِي لم يدر الزَّمَان مَكَاننَا

وَلَا نظرت منا حوادثه شزرا)

(وماا هَذِه الْأَيَّام إِلَّا سحائب

على كل حَال تمطر الْخَيْر والشرا)

وَله

(أجارى الزَّمَان على حَاله

مجاراة نَفسِي لأنفاسها)

(إِذا نفس صاعد شفها

تَوَارَتْ بِهِ بَين جلاسها)

(وَإِن عكفت نكبة للزمان

عكفت بصدري على رَأسهَا)

وَله يستعطف الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر وَكتب إِلَيْهِ بهَا من محبسه

(هبني أَسَأْت فَأَيْنَ العفور وَالْكَرم

إِذْ قادني نَحْوك الإذعان والندم)

(يَا خير من مدت الْأَيْدِي إِلَيْهِ أما

ترثى لشيخ نعاه عنْدك الْقَلَم)

(بالغت فِي السخط فاصفح صفح مقتدر

إِن الْمُلُوك إِذا مَا استرحموا رحموا)

هَذِه الأبيات متنازعة ينسبها إِلَى المصحفي جمَاعَة وَقد وَجدتهَا منسوبة إِلَى أبي عمر بن دراج القسطلي وَذكر أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم الرَّقِيق فِي

ص: 265

تَارِيخه أَنَّهَا لكاتب إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن الْأَغْلَب وَكِلَاهُمَا أَسَاءَ الرَّد على من قالهاوتمثل بهَا أما إِبْرَاهِيم فَقَالَ لجهله وفظاظته وَقلة رَحمته إِن الْمُلُوك إِذا مَا استرحموا قتلوا وَبعث إِلَيْهِ من قَتله وقرأت فِي كتاب الافتخار لأبي بكر عَتيق بن خلف القيرواني أَن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد لما قَرَأَ رِسَالَة كَاتبه إِلَيْهِ من محبسه قَالَ يكْتب إِلَى هبني أَسَأْت وَهُوَ قد أَسَاءَ وَالله لَو كتب إِلَى بقول الأول

(وَنحن الكاتبون وَقد أسأنا

فهبنا للكرام الكاتبينا) لعفوت عَنهُ ثمَّ أَمر بِهِ فَجعل فِي تَابُوت وأحرق بالنَّار وَهُوَ حَيّ وَأما ابْن أبي عَامر فَأمر عبد الْملك بن إِدْرِيس أَن يجاوبه عَن هَذِه الأبيات فَقَالَ

ص: 266

(الْآن يَا جَاهِلا زلت بك الْقدَم

تبغى التكرم لما فاتك الْكَرم)

(أغريت بِي ملكا لَوْلَا تثبته

مَا جَازَ لي عِنْده نطق وَلَا كلم)

(فايأس من الْعَيْش إِذْ قد صرت فِي طبق

إِن الْمُلُوك إِذا مَا ستنقموا نقموا)

(نَفسِي إِذا سخطت لَيست براضية

وَلَو تشفع فِيك الْعَرَب والعجم)

وَيُقَال إِن الأبيات لِابْنِ أبي عَامر وكلتا الفعلتين من أَفعَال الْجَبَابِرَة الَّذين أطغتهم النِّعْمَة ونزعت من قُلُوبهم الرَّحْمَة

وللمصحفي لما يئس من الْمَنْصُور وصفحه

(لَا تأمنن من الزَّمَان تقلباً

إِن الزَّمَان بأَهْله يتقلب)

(وَلَقَد أَرَانِي والليوث تخافني

فأخافني من بعد ذَاك الثَّعْلَب)

(حسب الْكَرِيم مذلة ونقيصة

أَلا يزَال إِلَى لئيم يطْلب)

(وَإِذا أَتَت أعجوبة فاصبر لَهَا

فالدهر يَأْتِي بعد مَا هُوَ أعجب)

وَله

(لي مُدَّة لَا بُد أبلغهَا

فَإِذا انْقَضتْ أَيَّامهَا مت)

(لَو قابلتني الْأسد ضارية

وَالْمَوْت لم يقدر لما خفت)

(فَانْظُر إِلَى وَكن على حذر

فبمثل حالك أمس قد كنت)

ص: 267

101 -

مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي عَامر

الْحَاجِب الْمَنْصُور أَبُو عَامر

هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَامر بن أبي عَامر بن الْوَلِيد ابْن يزِيد بن عبد الْملك المعافرى أَمِير الأندلس فِي دولة الْمُؤَيد بِاللَّه هِشَام بن الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَالْغَالِب عَلَيْهِ أَصله من الجزيرة الخضراء ولسلفه بهَا قدر ونباهة وَقدم قرطبة شَابًّا فَطلب بهَا الْعلم وَالْأَدب وَسمع الحَدِيث وَكَانَ أَبوهُ أَبُو حَفْص عبد الله قد سمع الحَدِيث أَيْضا وَصَحب أَبَا مُحَمَّد الْبَاجِيّ الراوية فِي الْأَخْذ عَن الشُّيُوخ بقرطبة وَقد ذكرته فِي كتابي الموسوم ب التكملة لكتاب الصِّلَة لِابْنِ بشكوال

وَكَانَت للمنصور همة ترمى بِهِ المرامى وَيحدث نَفسه بِإِدْرَاك معالي الْأُمُور وَيزِيد فِي ذَلِك حَتَّى كَانَ يحدث من يخْتَص بِهِ بِمَا يَقع لَهُ من ذَلِك فتم لَهُ مُرَاده وَكَانَ أحد أَعَاجِيب الدُّنْيَا فِي ترقيه وَالظفر بتمنيه تصرف أول أمره فِي الْوكَالَة لصبح أم هِشَام وَالنَّظَر فِي أموالها وضياعها وَالْجد ينْهض بِهِ والأقدار تساعده إِلَى أَن توفّي الحكم وقلد هِشَام الْخلَافَة وَهُوَ صَغِير

وَلما انْتقض الْعَدو على إِثْر ذَلِك وَخيف الِاضْطِرَاب وَلم يكن عِنْد المصحفي

ص: 268

غناء وَلَا دفاع ضمن مُحَمَّد بن أبي عَامر لصبح أم هِشَام سُكُون الْحَال وَزَوَال الْخَوْف واستقرار الْملك لابنها على أَن يمد بالأموال وَيجْعَل إِلَيْهِ قَود الجيوش إِلَى مَا كَانَ بِيَدِهِ من الخطط السّنيَّة وَهُوَ بِقُوَّة نَفسه وسعادة جده يعد النَّصْر وَلَا يمترى فِي الظُّهُور ويستعجل الْأَسْبَاب الْمعينَة على الْفَتْح حَتَّى أسعف ولقى الْعَدو فَهَزَمَهُ ووالى غَزْو بِلَاد الرّوم عالي الْقدَم مَنْصُور الْعلم لَا يخْفق لَهُ مسعى وَلَا يؤوب دون مغنم كرة بعد أُخْرَى إِلَى أَن صَار صَاحب التَّدْبِير والمتغلب على جَمِيع الْأُمُور فدانت لَهُ أقطار الأندلس كلهَا وَأمنت بِهِ وَلم يضطرب عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْء أَيَّام حَيَاته لحسن سياسته وَعظم هيبته

وَكَانَ رُبمَا أنذر خاصته بِمَا يكون وَرَاءه من الْفِتَن حَتَّى ليكدر عَلَيْهِم مجَالِس أنسه بِمَا يلقى من ذَلِك إِلَيْهِم فَوَقع الْأَمر على مَا توقع وَجرى الْقدر بِمَا قدر على ذَلِك فَمَا زَالَ يبطش بأعدائه وَيسْقط من فَوْقه بقهره واستيلائه إِلَى أَن صَار الْخَلِيفَة حِينَئِذٍ هِشَام بن الحكم لَيْسَ لَهُ من الْأَمر غير الِاسْم خَاصَّة فَمَا ظَنك بِرِجَالِهِ ومواليه الَّذين مِنْهُم كَانَ يرهب وبهم كَانَ يتمرس هَذَا ونصرته على النَّصَارَى مُتَوَالِيَة وغزواته فِي كل صائفة مُتَّصِلَة أَزِيد من خمسين عدهَا ابْن حَيَّان فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الدولة العامرية وَجعله لمن شَاءَ خزله عَن تَارِيخه الْكَبِير أَو ضمه إِلَيْهِ حَتَّى أذعن لَهُ مُلُوك الرّوم وَرَغبُوا فِي مصاهرته تنَاول ذَلِك كُله بتأييد إلهي مُدَّة طَوِيلَة وأورثه بنيه وقتا قَصِيرا

فَأَما أَبُو مَرْوَان عبد الْملك المظفر مِنْهُم فَقَامَ بالدولة مقَام أَبِيه وأغنى فِي غَزْو

ص: 269

الْعَدو إِلَّا أَن مدَّته لم تطل وَبَلغت الأندلس فِي أَيَّامه نِهَايَة الْكَمَال وَكَانَ على أَهلهَا أسعد مَوْلُود حكى ابْن حَيَّان عَن زعيم المنجمين على عهد الحكم أَنه نظر فِي مولد عبد الْملك هَذَا وَهُوَ طِفْل فَأَشَارَ من بعد سعادته إِلَى أَمر كَبِير لم يدْرك هُوَ آخِره فَعجب من شَاهده من جودة إِصَابَته وَذَلِكَ أَنه قَالَ لم يُولد قطّ بالأندلس مَوْلُود أسعد مِنْهُ على أَبِيه وعَلى نَفسه وعَلى حَاشِيَته نعم وعَلى أهل الأندلس طراً وعَلى أرْضهَا طراً فضلا عَن ناسها وَإِنَّهَا لَا تزَال كَذَلِك حَال حَيَاته وَإِذا هلك فَمَا أَرَاهَا إِلَّا بالضد فَكَانَ كَذَلِك

وَأما أَبُو الْمطرف عبد الرَّحْمَن النَّاصِر أَخُو عبد الْملك فَإِنَّهُ ولى الحجابة بعده فَلم يقم إِلَّا يَسِيرا حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ الْمهْدي مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْجَبَّار بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر فَقتل وصلب وانبعثت الْفِتَن على الْأَثر فَمَا خمدت نارها إِلَّا فِي النَّادِر إِلَى وقتنا هَذَا وَهُوَ سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَقد استولى الرّوم فِيهِ على الأندلس بأسرها مَعَ الجزائر الشرقية المضافة إِلَيْهَا بَين صلح وعنوة

وشؤم عبد الرَّحْمَن النَّاصِر هُوَ الَّذِي جر افْتِرَاق الْجَمَاعَة وجرأ على خلعان الطَّاعَة وعَلى رجله كَانَ الْفساد الْعَام لما استشرف إِلَى الْخلَافَة واستقل خطة الحجابة وَلم يرض إِلَّا بِالْإِمَامَةِ فداخل هشاماً المضعوف وطالبه بِأَن يَجعله ولى عَهده ويلقى إِلَيْهِ بِجَمِيعِ أمره فاستفتى فِي ذَلِك فُقَهَاء قرطبة وعلماءها

ص: 270

حِينَئِذٍ فسوغوا لَهُ مَا طلب وَاحْتَجُّوا بقوله صلى الله عليه وسلم لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج رجل من قحطان يَسُوق النَّاس بعصاه وَكَانَ ابْن أبي عَامر معافريا قحطانيا فَقَالُوا عَسى أَن يكون الَّذِي وعد بِهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وجد فِي ذَلِك السعى الْخَبيث أَبُو الْعَبَّاس بن ذكْوَان القَاضِي وَأَبُو حَفْص ابْن برد الْكَاتِب حَتَّى قَالَ فيهمَا ابْن أبي يزِيد الْمصْرِيّ

ص: 271

(إِن ابْن ذكْوَان وَابْن برد

قد ناقضاً الدّين بعد عمد)

(وعاندا الْحق إِذْ أَقَامَا

حفيد شنجه ولى عهد)

وَلم يقم كَذَلِك إِلَّا أَرْبَعَة أشهر فِي مَا ذكر الْحميدِي وَغَيره واختل أمره وأسلمته الجيوش فَكَانَ من خَبره مَا تقدم ذكره

وَكَانَ مولد الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر سنة سبع وَعشْرين وثلاثمائة وفيهَا كَانَت الْهَزِيمَة الْعَظِيمَة بالخندق على عبد الرَّحْمَن النَّاصِر فاخذ الله بثأر

ص: 272

الْإِسْلَام على يَدي الْمَنْصُور وَكَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلاثمائة خرج غازياً وَقد وَقع فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فاقتحم جليقية من تِلْقَاء مَدِينَة طليطلة ومرضه يخف وقتا ويثقل أوقاتاً وقويت عَلَيْهِ الْعلَّة بِأَرْض قشتيلة فَاتخذ لَهُ سَرِير من خشب يحمل على أَعْنَاق الرِّجَال قطع بذلك أَرْبَعَة عشر يَوْمًا حَتَّى وصل إِلَى مَدِينَة سَالم فَوجه ابْنه عبد الْملك ليخبر هشاماً بِمَا ترك عَلَيْهِ أَبَاهُ وَتُوفِّي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ لثلاث بَقينَ من شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة قيل وَدفن بِمَدِينَة سَالم وقبره بهَا وَكَانَ عَلَيْهِ مَكْتُوبًا

(آثاره تنبيك عَن أخباره

حَتَّى كَأَنَّك بالعيان ترَاهُ)

(تالله لَا يَأْتِي الزَّمَان بِمثلِهِ

أبدا وَلَا يحمى الثغور سواهُ)

وعَلى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الهيبة والرهبة فقد كَانَ لَهُ حلم وَاحْتِمَال مَعَ محبَّة للْعلم وإيثار للأدب وإكرام لمن ينتسب إِلَيْهِمَا يحْكى أَن أَبَا مُحَمَّد الْبَاجِيّ الراوية دخل عَلَيْهِ وَقَالَ أصلحك الله يَا حَاجِب وحفظك ووفقك وَأحسن عونك فَرد عَلَيْهِ ابْن أبي عَامر أجمل رد وبجله ووقره وَأدنى مَكَانَهُ حَتَّى أقعده إِلَى جَانِبه وَقَالَ لَهُ كَيفَ أَنْت الْيَوْم وحالك فَقَالَ لَهُ بِخَير مَا كنت بِهِ ثمَّ قَالَ لَهُ الْبَاجِيّ أَي وَالِد كَانَ لَك رَحْمَة الله عَلَيْهِ كَانَ وَالله

ص: 273

مَا علمت من أهل الْخَيْر والعافية وَالصَّلَاح والعفة والحرص على الطّلب والمعرفة اخْتلف معي إِلَى مُحَمَّد بن عمر بن لبَابَة وَإِلَى أَحْمد بن خَالِد وَإِلَى مُحَمَّد بن فطيس اللبيرى وَغَيرهم وَكَانَ لي خير صديق وَصَاحب أنتفع بِهِ وَينْتَفع بِي وأقابل مَعَه كتبه وكتبي وَلم يكن فضولياً الْبَتَّةَ وَأما أَنْت فَلم تمتثله وأدخلت يدك فِي الدُّنْيَا فانغمست فِي لجها وَطلبت الفضول فَعلمت أَخْبَارًا كَثِيرَة وأوبقت نَفسك وَالله يَا مغرور وَعز على انتشابك فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَامر يَا فَقِيه هَكَذَا صَاحب الدُّنْيَا لَا بُد أَن يخلط خيرا بشر وَيَأْتِي مَعْرُوفا ومنكراً وَالله يَتُوب على من يَشَاء برحمته وَسَأَلَهُ الْبَاجِيّ إِثْر هَذَا رفع الغرامة عَن مَاله بإشبيلية فَأمر بإسقاطها وَوَصله ببدرة دَرَاهِم كَامِلَة ومنديل كسْوَة تشاكله فِيهَا خلعة تَامَّة وَمن شعره يفخر

(رميت بنفسي هول كل عَظِيمَة

وخاطرت وَالْحر الْكَرِيم مخاطر)

(وَمَا صَاحِبي إِلَّا جنان مشيع

وأسمر خطي وأبيض باتر)

(وَمن شيمي أبي على كل طَالب

أَجود بِمَال لَا تقيه المعاذر)

(وَإِنِّي لزجاء الجيوش إِلَى الوغى

أسود تلاقيها أسود خوادر)

(لسدت بنفسي أهل كل سيادة

وكاثرت حَتَّى لم أجد من أكاثر)

ص: 274

(وَمَا شدت بنياناً وَلَكِن زِيَادَة

على مَا بنى عبد المليك وعامر)

(رفعنَا الْمَعَالِي بالعوالي حَدِيثه

وأورثناها فِي الْقَدِيم معافر)

قَالَ ابْن حَيَّان هَذَا لِأَنَّهُ مُحَمَّد بن عبد الله وَنسبه كَمَا تقدم قَالَ وَعبد الْملك جده هَذَا هُوَ الدَّاخِل إِلَى الأندلس مَعَ طَارق بن زِيَاد مولى مُوسَى ابْن نصير فِي أول الداخلين من الْمغرب وَهُوَ فِي قومه وسيط

وَقَالَ الْحميدِي قَالَ لي أَبُو مُحَمَّد على بن أَحْمد يَعْنِي ابْن حزم الْفَقِيه كَانَ الْمَنْصُور أَبُو عَامر مُحَمَّد بن أبي عَامر معافري النّسَب من حمير وَأمه تميمية وَهِي بريهة بنت يحيى بن زَكَرِيَّاء التَّمِيمِي الْمَعْرُوف بِابْن برطال وَلذَلِك قَالَ فِيهِ احْمَد بن دراج هُوَ أَبُو عمر القسطلي من قصيدة لَهُ فِيهِ

(تلاقت عَلَيْهِ من تَمِيم ويعرب

شموس تلالا فِي الْعلَا وبدور)

(من الحميرين الَّذِي أكفهم

سحائب تهمى بالندى وبحور)

وللمنصور لما اشْتَدَّ سُلْطَانه وتوالى ظفره وَكتب بِهِ إِلَى صَاحب مصر يتوعده

(منع الْعين أَن تذوق المناما

حبها أَن ترى الصَّفَا والمقاما)

(لي دُيُون بالشرق عِنْد أنَاس

قد أحلُّوا بالمشعرين الحراما)

(إِن قضوها نالوا الْأَمَانِي وَإِلَّا

جعلُوا وَزنهَا رقاباً وهاما)

(عَن قريب ترى خُيُول هِشَام

يبلغ النّيل خطوها وَال)

وَله

(ألم ترني بِعْت الْإِقَامَة بالسرى

ولين الحشايا بالخيول الضوامر)

ص: 275

(تبدلت بعد الزَّعْفَرَان وطيبه

صدا الدرْع من مستحكمات المسامر)

(أروني فَتى يحمى حماى وموقفي

إِذا اشتجر الأقران بَين العساكر)

(أَنا الْحَاجِب الْمَنْصُور من آل عَامر

بسيفي أقد الْهَام تَحت المغافر)

(تلاد أَمِير الْمُؤمنِينَ وَعَبده

وناصحه الْمَشْهُود يَوْم المفاخر)

(فَلَا تحسبوا أَنِّي شغلت بغيركم

وَلَكِن عهِدت الله فِي قتل كَافِر)

وَأهْدى الْمَنْصُور إِلَى أَبى مَرْوَان عبد الْملك بن أَحْمد بن شَهِيد الْوَزير عقيلة من عقائل الرّوم يكنفها ثَلَاث جوَار وَقد سَأَلَهُ ذَلِك عِنْد صَدره من بعض غَزَوَاته وَكتب إِلَيْهِ مَعَهُنَّ يداعبه

(قد بعثنَا بهَا كشمس النَّهَار

فِي ثَلَاث من المها أبكار)

(فاجتهد واتئد فَإنَّك شيخ

خفى اللَّيْل عَن بَيَاض النَّهَار)

(صانك الله عَن كلالك فِيهَا

فَمن الْعَار كُله المسمار)

فافتضهن أجمع فِي ليلته وَكتب إِلَيْهِ

(قد فضضنا ختام ذَاك السوار

واصطبغنا من النجيع الجارى)

ص: 276

(ونعمنا فِي ظلّ أنعم ليل

ولهونا بالدر أَو بالدراري)

(وَقضى الشَّيْخ مَا قضى بحسام

ذِي مضاء عضب الظبي بتار)

(فاصطنعه فَلَيْسَ يجْزِيك كفرا

واتخذه سيفاعلى الْكفَّار)

قَالَ ابْن حَيَّان وَكَانَت حجابة الْمَنْصُور خمْسا وَعشْرين سنة وعمره خمْسا أَو سِتا وَسِتِّينَ سنة

102 -

عبد الله بن عَمْرو بن أبي عَامر أَبُو حَفْص

كَانَ أَبوهُ عَمْرو وَهُوَ الملقب ب عسكلاجة صَاحب المدينتين فِي أَيَّام هِشَام الْمُؤَيد بِتَقْدِيم ابْن عَمه الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر ثمَّ ولى بِلَاد الْمغرب بعد ذَلِك فَاشْتَدَّ سُلْطَانه هُنَالك واستنزل حسن بن الْقَاسِم العلوى الإدريسي وانفذه إِلَى الأندلس وَكَانَ صَارِمًا مهيباً جباراً قاسيا وَقَتله ابْن عَمه الْمَنْصُور بتنقصه إِيَّاه وغضه مِنْهُ وتسخيه عَلَيْهِ احتجانه الْأَمْوَال دونه

ص: 277

بعد أَن استقدمه من الْمغرب وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة

وَمن شعر أبي حَفْص هَذَا يذم المظفر عبد الْملك لما زوج حَبِيبَة بنت ابْن عَمه عبد الله بن يحيى بن عبيد الله بن أبي عَامر وَهِي بنت أُخْته بريهة من عبد الْملك بن قند مَوْلَاهُم

(عَرَبِيّ مزوج

عَبده بنت أُخْته)

(قبح الله فعل ذَا

ورماه بمقته)

وَقد قيل إنَّهُمَا لعبد الْملك بن يحيى أخي عبد الله بن يحيى الْمَذْكُور

103 -

زِيَاد بن أَفْلح مولى النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد

كَانَ من وزراء الدولة العامرية وكبار رجالها وَتُوفِّي فِي أَولهَا سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلاثمائة ذكر ذَلِك ابْن حَيَّان فِي تَارِيخه الْكَبِير وَذكر فِي الدولة العامرية أَنه كَانَ على الْمَدِينَة وَأَن جؤذراً الْفَتى الحكمى تحين ركُوب

ص: 278

زِيَاد هَذَا إِلَى دَاره بِطرف الْمَدِينَة حِين توصل إِلَى هِشَام الْمُؤَيد عَازِمًا على الفتك بِهِ عِنْد مداخلته الْجَمَاعَة الَّذين اجْتَمعُوا على خلعة بتدبير عبد الْملك ابْن القَاضِي مُنْذر بن سعيد صَاحب خطة الرَّد فبطش بجؤذر وَقبض عَلَيْهِ بمبادرة

ص: 279

أَحْمد بن مُحَمَّد بن عروس إِلَى تلافي الْأَمر قَالَ ووافى زِيَاد على إِثْر ذَلِك فوبخه ابْن عروس فَأخذ فِي الِاعْتِذَار وتعاونا على النَّازِلَة وَمَا سلم زِيَاد من التُّهْمَة وَحكى أَن عبد الْملك بن مُنْذر فِي هَذِه الْقِصَّة لما أفتى عَلَيْهِ بِآيَة الْحِرَابَة ورد إِلَى الْخَلِيفَة الْأَمر فِيمَا يخْتَار لَهُ من الْعقُوبَة أَشَارَ صَاحب الْمَدِينَة زِيَاد بن أَفْلح هَذَا بِأَن يصلب استبلاغاً فِي الْمثلَة يَبْغِي بذلك التَّقَرُّب إِلَى ابْن أبي عَامر وَنفى التُّهْمَة عَنهُ فَعمل بِرَأْيهِ وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَزِيَاد هُوَ الْقَائِل

(وأصبحت الدُّنْيَا بأوبتك الرِّضَا

لَدَى وصل صافع لقفا الصد)

(وَلم لَا ودهري كُله بك مونق

أرق إِذا مَا شِئْت من طرف برد)

104 -

فَرِحُونَ بن عبد الله يعرف بِابْن الوبلة

وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْوَاحِد ويشهر بفرحون كَانَ والياً على شنترين بغرب الأندلس فِي أَيَّام الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَو ابْنه هِشَام الْمُؤَيد بِاللَّه وَقدم عَلَيْهِ أَبُو عَمْرو يُوسُف بن هَارُون الرَّمَادِي منتجعاً فَأمر بإنزاله فقصر بِهِ متولى ذَلِك فَكتب إِلَيْهِ الرمادى

(أَيهَا الْعَارِض وَالْمهْدِي

لمستسقيه وَبلا)

(حِين لَا يهدى إِذا مَا أستسقى

الْعَارِض طلا)

ص: 280

(قائدا أفنت مغازيه

العدا سبيا وقتلا)

(إِن ضيفا قَاصِدا قلت لَهُ

أَهلا وسهلا)

(قد توسعت لَهُ فِيمَا

يسر الضَّيْف نزلا)

(مَا لَهُ فرش على الأَرْض

سوى وَجه مصلى)

(فَأَنا لَوْلَا اصطبار

رد مِنْهُ الوعر سهلا)

(لم تَجِد عَيْني لنوم

بمبيت السوء كحلا)

فوردت الأبيات على فَرِحُونَ وَهُوَ خَارج إِلَى الْغَزْو فَخَجِلَ من ذَلِك وَأمر لَهُ بِمَا طلب وَقرن ذَلِك بِجَارِيَة وَكتب إِلَيْهِ معتذراً من التَّقْصِير

(أَيهَا السَّيِّد أَهلا

بِالَّذِي أهديت أَهلا)

(مَا يناويك مناو

إِن وصلت القَوْل وصلا)

(شَاعِرًا ندبا نبيلاً

محسناً جدا وهزلا)

(مَا تولى الشّعْر إِلَّا

رد مِنْهُ الوعر سهلا)

(شعره سح ووبل

إِذْ يكون الشّعْر طلا)

(مُحكم غض بديع

لَا يكَاد الدَّهْر يبْلى)

(فَلهُ مَا قلت أَهلا

ثمَّ رحباً ثمَّ سهلا)

(أَيهَا السَّيِّد مهلا

بأخيك الْمَحْض مهلا)

(إِن شكواك إِلَيْنَا

ولدت فِي النَّفس خبلا)

(ونفت نومي فَلَمَّا

تكتحل عَيْنَايَ كحلا)

ص: 281

(مَا على عمد ولكنما

جهلنا الْأَمر جهلا)

(وظننا بالعكازى

إِنَّه أكْرم بذلا)

(فابسطن عُذْري وَإِن لم

أك للأعذار أَهلا)

(يَا أخي أَنْت وَمولى

وَقَلِيل لَك مولى)

(قد بعثنَا بفراش

فاهجرن وَجه الْمصلى)

(ووصلناه بغيداء

كبدر يتجلى)

(فتفضل بِقبُول

لَا عدمت الدَّهْر فضلا)

(وورا ذَلِك منى

سترى فضلا وفضلا)

وَله أَيْضا

(يَا رَسُولي أبلغ إِلَيْهَا شكاتي

واستنلها وَلَو بَقَاء حَياتِي)

(قل لَهَا قد قضى هَوَاك عَلَيْهِ

فَهُوَ ميت أَو مُؤذن بالممات)

(فالحظية ترى إِذا شِئْت مَيتا

كَانَ يحيا بأيسر اللحظات)

(واعجبي أَن تكون لَحْظَة عين

مِنْك تهدى الْحَيَاة للأموات)

105 -

على بن ودَاعَة بن عبد الْوَدُود السلمى أَبُو الْحسن

قَالَ فِيهِ الْحميدِي أَمِير كَانَ قَرِيبا من الأربعمائة وَقَالَ ابْن بسام وَذكر صاعداً اللّغَوِيّ انْتَهَت بِهِ الْحَال إِلَى أَن أغرم فاستغاث على بن ودَاعَة أحد الفرسان الْأَبْطَال ونبهاء الدولة كَانَ فِي ذَلِك الأوان قَالَ وَمن شعره فِيهِ

ص: 282

(أَبَا حسن ربيعَة من سليم

سِنَان زَان عالية الرماح)

(وَإِنِّي عَائِذ بك من هناة

تحش دعائمي تَحت القداح)

(فكر على ابْن عمك وانتشله

فَلَيْسَ حمى ابْن عمك بالمباح)

(فَإِن الْجَار عنْدك بَين جَنْبي

عِقَاب الدجن كاسرة الْجنَاح)

(نظنك طالعاً يَبْنِي سليم

عَلَيْهَا عِنْد مفتضح الصَّباح)

(إِذا ساورت قرنك فِي مكر

جعلت لَهُ ذراعك كالوشاح)

وَمن شعر ابْن أبي ودَاعَة

(زار الحبيب فمرحباً بالزائر

أَهلا ببدر فَوق غُصْن ناضر)

(قبلت من فرحى تُرَاب طَرِيقه

ومسحت أَسْفَل نَعله بمحاجري)

(وخشيت أَن ينْقد إخمص رجله

من رقة فبسطت أسود ناظري)

ص: 283

106 -

يعلى بن أَحْمد بن يعلى

كَانَ أَبوهُ من رُؤَسَاء الدولة الأموية وقوادها الجلة وَكَانَ يعلى هَذَا فِي دولة الْمَنْصُور أبي عَامر مُحَمَّد بن أبي عَامر وَمن شعره وَقد بعث إِلَيْهِ بورد مبكر

(بعثت من جنتي بورد

غض لَهُ منظر بديع)

(قَالَ أنَاس رَأَوْهُ عِنْدِي

أعجله عامنا المريع)

(قلت أَبُو عَامر الْمُعَلَّى

أَيَّامه كلهَا ربيع)

وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة وَله يرثى أَبَا عَليّ الْبَغْدَادِيّ من أَبْيَات

(أمات الْعلم موت أَبى على

منار الْعلم وَالْفضل الرضى)

(سأبكى بعده سرا وجهراً

كَمَا يبكى الولى على الولى)

(وَلَو لم أبكه حزنا ووجداً

إِذا مَا كنت بِالرجلِ الوفى)

(إِذا قلب خلا من حب ميت

فقلبي لَيْسَ عَنهُ بالخلى)

وَله

(إِنِّي هجرت الغانيات جَمِيعًا

ونزعت عَن كلفي بِهن نزوعاً)

(ورفضت لذاتي فصرت لناصح

بعد الإباية سَامِعًا ومطيعاً)

(وَنهى النَّهْي قلبِي فأقصر وارعوى

واعتاض بعد الْكِبْرِيَاء خشوعاً)

ص: 284

(وَرَأَيْت رشدي وَاضحا بعد الْعَمى

فنكصت عَن غي الضلال رُجُوعا)

(يَا حسرة ساعاتها مَا تَنْقَضِي

كَيفَ النجَاة وَقد أَسَأْت صنيعاً)

وَمن مُلُوك إفريقية ورجالهم فِي هَذِه الْمِائَة

107 -

مُحَمَّد الْقَائِم أَبُو الْقَاسِم بن الْمهْدي عبيد الله

قد تقدم الِاخْتِلَاف فِي نسب عبيد الله إِلَى الْحُسَيْن بن عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِ فَمن مُسلم مَا ادَّعَاهُ وَمن دَافع لَهُ فِيمَا حَكَاهُ وَهُوَ الْأَكْثَر وَهُوَ الْأَصَح وَالْأَظْهَر

وَاخْتلف أَيْضا فِي اسْم الْقَائِم هَذَا فَقيل عبد الرَّحْمَن وَقيل حسن وَقيل مُحَمَّد وَبِهَذَا الِاسْم كَانَ يذكر فِي الأمداح قَالَ عَليّ بن مُحَمَّد الْإِيَادِي التّونسِيّ

(أعجب بأسطول الإِمَام مُحَمَّد

وبحسنه وزمانه المستغرب)

(لبست بِهِ الأمواج أحسن منظر

يَبْدُو لعين النَّاظر المتعجب)

وَتقدم أَيْضا ذكر وُرُوده الْمغرب مَعَ أَبِيه وَمَا قيل فِي تبنيه وَهُوَ يَوْمئِذٍ

ص: 285

حدث ثمَّ بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد عبيد الله لِلنِّصْفِ من شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة وأخفى الْقَائِم مَوته سنة

وَكَانَ فِي حَيَاة أَبِيه على الْخلاف فِيهِ أظهر مِنْهُ على فِي خِلَافَته ومصير الْأَمر إِلَيْهِ غزا قبل ذَلِك الْإسْكَنْدَريَّة فِي عَسْكَر عَظِيم فملكها مغ الفيوم وَصَارَ فِي يَدَيْهِ أَكثر خراج مصر وضيق على أَهلهَا وحاربه مؤنس الْخَادِم بهَا وَكَانَ خُرُوجه من رقاده فِي سنة إِحْدَى وثلاثمائة وَلست بَقينَ من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاثمِائَة وَصله جَيش حباسة بن يُوسُف صَاحب الْمهْدي فِي مِائَتي مركب فَنزل فسطاط مصر والإسكندرية وَقَوي على مؤنس بِالرِّجَالِ وَالْأَمْوَال وشخص لحربه فَكَانَت بَينهمَا وقْعَة قتل فِيهَا خلق من الْفَرِيقَيْنِ ثمَّ انْصَرف حباسة وَمن مَعَه الْإسْكَنْدَريَّة رَاجِعين إِلَى الْمغرب بعد هزيمَة وَقعت على المغاربة

ص: 286

ثمَّ غزا فِي حَيَاة أَبِيه ثَانِيَة وَعند وُصُوله إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثمائة خرج عَامل المقتدر عَنْهَا وَدخل الجيزة من أَرض مصر فِي خلق عَظِيم

وَكتب الْقَائِم إِلَى مَكَّة وَإِلَى من حولهَا يَدعُوهُم إِلَى طَاعَته ويعدهم الْجَمِيل وَقَالَ نَحن أهل بَيت الرَّسُول وَمن أَحَق بِهَذَا الْأَمر منا وَضمن الْكتاب أبياتاً يَقُول فِيهَا

(أيا أهل شَرق الله زَالَت حلومكم

أم اصدعت من قلَّة الْفَهم وَالْأَدب)

(فويحاً لكم خالفتم الْحق وَالْهدى

وَمن حاد عَن أم الْهِدَايَة لم يصب)

(فيا معرضًا عني وَلَيْسَ بمنصفي

وَقد ظهر الْحق الْمُبين لمن رغب)

(ألم ترني بِعْت الرفاهة بالسرى

وَقمت بِأَمْر الله حَقًا وَقد وَجب)

فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم الْكتاب بعثوا بِهِ إِلَى المقتدر فَأرْسل إِلَى أبي بكر الصولي بعد قِرَاءَته الرسَالَة وَالشعر فَدفع إِلَيْهِ الشّعْر وَقَالَ لَهُ جاوبه عَنهُ فَكتب إِلَيْهِ

(عجبت وَمَا يَخْلُو الزَّمَان من الْعجب

لقَوْل امرىء قد جَاءَ بالمين وَالْكذب)

ص: 287

(وَجَاء بملحون من الشّعْر نَاقص

فسحقاً لَهُ من مُدع أفضل النّسَب)

(فَمن أَنْت يَا مهْدي السفاهة والخنا

فقد قُمْت بِالدّينِ الْخَبيث وبالريب)

فَلم يُجِيبُوهُ وَهِي قصيدة طَوِيلَة مِنْهَا فِي ذكر الْخُلَفَاء من بني الْعَبَّاس

(ومعتمد من بعده وموفق

يردد من إِرْث الْخلَافَة مَا ذهب)

(نوازلهم فِي كل فضل وسؤدد

وَإِن لم يكن فِي الْعد مِنْهُم لمن حسب)

أنشدهما أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن تَمِيم القيرواني الحصري فِي كتاب زهر الْآدَاب وثمر الْأَلْبَاب من تأليفه وَقد أجْرى ذكر الْمُوفق أَبى أَحْمد بن المتَوَكل ومدح ابْن المعتز لَهُ قَالَ ويلقب بالناصر وبالموفق كَانَت حَاله قد ترقت فِي أَيَّام الْمُعْتَمد إِلَى غَايَة لم يبلغهَا الْخَلِيفَة وَقد ذكره الصولي فِي قصيدته لصَاحب الْمغرب وَقد اقْتصّ خلفاء بني الْعَبَّاس من أَوَّلهمْ وَذكر الْبَيْتَيْنِ والموفق هَذَا هُوَ الَّذِي قتل صَاحب الزنج الْقَائِم بِالْبَصْرَةِ بعد مواقعات كَثِيرَة ومحاربات شَدِيدَة وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن الرُّومِي فِي قصيدته الطَّوِيلَة الجليلة

(أَبَا أَحْمد أبليت أمة أَحْمد

بلَاء سيرضاه ابْن عمك أَحْمد)

(حصرت عميد الزنج حَتَّى تخاذلت

قواه واودى زَاده المتزود)

(فظل وَلم تقتله يلفظ نَفسه

وظل وَلم تأسره وَهُوَ مُقَيّد)

(فَمَا رمته حَتَّى اسْتَقل بِرَأْسِهِ

مَكَان قناة الظّهْر أسمر أجرد)

ص: 288

وَكَانَ صَاحب الزنج يدعى الانتماء إِلَى بَيت على رضي الله عنه ومنحاه نحا العبيديون بعده وينال من بنى الْعَبَّاس نيل هَؤُلَاءِ مِنْهُم وَفِي ذَلِك يَقُول

(لهف نَفسِي على قُصُور بِبَغْدَاد

وَمَا قد حوته من كل عَاص)

(وخمور هُنَاكَ تشرب جَهرا

وَرِجَال على الْمعاصِي حراص)

(لست لِابْنِ الفواطم الغر إِن لم

أجل الْخَيل بَين تِلْكَ العراص)

وقرأت فِي كتاب أبي الْحسن على بن بَحر بن أبي السرُور الروحي الإسكندري أَن الْمهْدي عبيد الله سير ولى عَهده أَبَا الْقَاسِم ابْنه إِلَى مصر دفعتين الأولى فِي سنة إِحْدَى وثلاثمائة قَالَ وَعَاد فِي سنة اثْنَتَيْنِ وثلاثمائة وَالثَّانيَِة سنة سِتّ وثلاثمائة وَحكى انه ملك الْإسْكَنْدَريَّة فيهمَا

وَقَالَ غَيره فِي أَيَّام عبيد الله بَطل الْحَج وَأخذ الْحجر الْأسود أَخذه القرامطة وَأقَام عِنْدهم اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة إِلَّا شهرا وَقتل المقتدر بِبَغْدَاد وَأظْهر عبيد الله عِنْدَمَا بلغه الْخَبَر أَن دعاته قَتَلُوهُ بأَمْره وَجلسَ لذَلِك مَجْلِسا

وَحكى الصولى أَن الَّذِي قَتله رجل من أهل الْمغرب بربرى يُقَال لَهُ عليون الصنهاجي رَمَاه بِحَرْبَة وَهُوَ على فرسه يصلح بَين الْجند فِي ظَهره فَخرجت من صَدره وَوَقع مَيتا

وَكَانَ الْقَائِم فِي حَيَاة عبيد الله الْقَائِم بالأمور والدولة فَلَمَّا أفضت

ص: 289

الْخلَافَة إِلَيْهِ ظهر أَبُو اليزيد الْخَارِجِي مخلد بن كيداد عَلَيْهِ فعجز عَن مقاومته وَلم يسْتَقلّ بمدافعته فتغلب على الْبِلَاد فِي جموع البربر الملتفة عَلَيْهِ إِلَى أَن حصره فِي المهدية وَأَبُو يزِيد من بني يفرن وَيُقَال إِن الَّذِي قتل فِي فتنته أَرْبَعمِائَة ألف وللإنذار بِهِ والتحدث بِخُرُوجِهِ بنى المهدية عبيد الله وَجعلهَا دَار ملكه وقرار سُلْطَانه وَقَالَ بعد تحصينها وَعند انْتِقَاله إِلَيْهَا الْيَوْم أمنت على الفواطم يُرِيد حرمه

وَكَانَ قيام أبي يزِيد فِي آخر خلَافَة الْقَائِم سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَتُوفِّي الْقَائِم يَوْم الْأَحَد لثلاث عشرَة خلت من شَوَّال سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة

وَكَانَ الْقَائِم ولى ابْنه إِسْمَاعِيل عَهده وفوض إِلَيْهِ أمره وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَأدْخل عَلَيْهِ جمَاعَة من وُجُوه كتامة وَرُؤَسَائِهِمْ فَقَالَ هَذَا مولاكم وَولى عهدي والخليفة من بعدِي وَهُوَ صَاحب هَذَا الْفَاسِق وقاتله يَعْنِي أَبَا يزِيد

وَقَالَ ابْن حَيَّان فِي تَارِيخه المقتبس من أنباء أهل الأندلس وَفِي الْعشْر الْأَوَاخِر من ذِي الْحجَّة مِنْهَا يَعْنِي سنة أَربع وثلاثمائة قدم مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن كُلَيْب من القيروان فَحكى أَن أَبَا الْقَاسِم بن عبيد الله الشيعي صَاحب المهدية

ص: 290

هلك فِيهَا وَهُوَ مَحْصُور من قبل أَبى يزِيد مخلد بن كيداد اليفرنى ب النكارى الْمَعْرُوف بِصَاحِب الْحمار الْقَائِم عَلَيْهِ فِي جموع البرابرة وَأَن شيعته قدمت إِسْمَاعِيل وَلَده وَأَنه فَارس شُجَاع أَبى النَّفس أقدم على أبي يزِيد وجموعه ولاقاه بِمَدِينَة سوسة فَانْهَزَمَ أَبُو يزِيد قدامه إِلَى القيروان ثمَّ إِلَى سبيبه زَاد غير ابْن حَيَّان وَمَا زَالَ يتبعهُ إِلَى أَن ظفر بِهِ حَيا وقيذاً بالجراح فَمَاتَ مِنْهَا وَهُوَ فِي أسره فَأمر بِهِ فسلخ وطيف بِهِ

وَإِسْمَاعِيل الْمَنْصُور هَذَا أَبُو الطَّاهِر وَابْنه أَبُو تَمِيم معد بن إِسْمَاعِيل الْمعز لدين الله كَانَا خطيبين مفوهين وَلم أَقف لَهما على شعر أكتبه فِي هَذَا الْمَجْمُوع وَسَيَأْتِي ذكرهمَا بعد إِن شَاءَ الله وَكَانَت خلَافَة الْقَائِم اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَسَبْعَة أشهر وَتُوفِّي وَهُوَ ابْن خمس وَخمسين سنة ومولده بسلمية

108 -

تَمِيم بن معد بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن عبيد الله أَبُو عَليّ

شَاعِر أهل بَيت العبيديين غير مُنَازع وَلَا مدافع وَكَانَ فيهم كَابْن المعتز فِي بني الْعَبَّاس غزارة علم ومعانة أدب وَحسن تَشْبِيه وإبداع تخييل وَكَانَ يقتفي آثاره ويصوغ على مناحيه فِي شعره أشعاره ولاه أَبوهُ الْمعز لدين الله معد بن إِسْمَاعِيل الْمَنْصُور عَهده وَبِه كَانَ يكنى فَخلع بِرَأْي جَوْهَر الصّقليّ لِأَنَّهُ كَانَ عقيماً لَا يُولد لَهُ وَولى أَخُوهُ عبد الله فتوفى فِي حَيَاة أَبِيه ثمَّ ولى الْعَهْد أَخُوهُ أَبُو الْمَنْصُور نزار الْعَزِيز بِاللَّه وانتقلا من إفريقية إِلَى مصر بانتقال أَبِيهِمَا معد ابْن إِسْمَاعِيل فِي آخر سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وثلاثمائة

وَشعر تَمِيم مدون ومحاسنه كَثِيرَة وتصرفاته بديعة وَوَقع مِنْهُ فِي كتابي

ص: 291

الحصري زهر الْآدَاب وثمر الْأَلْبَاب وَنور الطّرف وَنور الظّرْف كل نَادِر غَرِيب

وَكَانَ تَمِيم لما اسْتَقر بِمصْر وَتُوفِّي أَبوهُ فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَولى أَخُوهُ نزار يمدحه ويداريه طلبا للسلامة مِنْهُ لِأَنَّهُ لم يكن يَأْمَن عاديته بِسَبَب انخلاعه عَن الْعَهْد وَكَذَلِكَ كَانَ ابْن المعتز يُدَارِي المعتضد والمكتفي ابْنه ويمدحهما ويمدح عَمه الْمُوفق رَغْبَة فِي التَّخَلُّص مِنْهُم لِأَنَّهُ كَانَ أَهلا للخلافة فعصمه الله بذلك من هَؤُلَاءِ وَقدر أَن طاح على يَدي المقتدر بعد أَن بُويِعَ لَهُ من اللَّيْلَة الَّتِي قبض عَلَيْهِ فِي صبيحتها ولقب بالراضي بِاللَّه وَقيل بالمنتصف بِاللَّه وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس لليلتين خلتا من شهر ربيع الآخر سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ

وَمن شعر تَمِيم فِي أَخِيه نزار

(يَا ابْن الوصى المرتضى يَا ابْن الإِمَام

الْمُجْتَبى يَا ابْن النَّبِي الْمُرْسل)

(مَا بَال مَالك لَيْسَ يرميه الندى

إِلَّا يُوَافق مِنْهُ مَوضِع مقتل)

(أَنْت المحصل فِي زمَان أَصبَحت

أملاكه كالقول غير مُحَصل)

(لَو لم تكن فِي جحفل لغدوت من

عَزمَات رَأْيك وَحدهَا فِي جحفل)

(عجبا لأبصار تراك وَلَو درت

مِقْدَار فضلك كن عَنْك بمعزل)

ص: 292

وَهِي قصيدة طَوِيلَة وَمِنْهَا فِي وصف فرس لَهُ يدعى السرُور

(نعم الْمعِين على الوغى فِي مأزق

لبست بِهِ الْأَبْطَال نقع القسطل)

(فرس أَشمّ الْمَنْكِبَيْنِ مُقَابل

يرْمى الجنادل من يَدَيْهِ بجندل)

(تنبيك عَن أنسابه أعضاؤه

حسنا وَعَن أخراه عتق الأول)

(وكأنما مبيض أَعلَى وَجهه

وجبينه ضوء الصَّباح الْمقبل)

(وَكَأن دفة سَرْجه ولجامه

شدا على ظهر السماك الأعزل)

(ويسابق الْبَرْق المثار بخطوه

وَيزِيد فِيهِ على الصِّبَا والشمأل)

(صافي الصهيل كَأَن فِي ترجيعه

غرد يُغني فِي الثقيل الأول)

(ذُو قونس مَالَتْ نواحي عرفه

مستشرف الْأَعْلَى رحيب الْأَسْفَل)

(وكأنما فلق الصَّباح بِوَجْهِهِ

مَاء بدا مترفقاً فِي جدول)

ص: 293

وَله يمدح أَخَاهُ

(أَلسنا بنى بنت النَّبِي الَّذِي بِهِ

تخلص من زيغ الْعَمى الثَّقَلَان)

(أَلَيْسَ أَبونَا خدنه ووصيه

وفارسه فِي كل يَوْم طعان)

(فكفوا بنى الْعَبَّاس عَنَّا جماحكم

فقد طالما خنتم بِكُل مَكَان)

(مَتى لم تَكُونُوا دُوننَا وتسابقوا

بصالحنا فِي كل يَوْم رهان)

(بِمن نصر الْإِسْلَام فِي يَوْم خَيْبَر

وَيَوْم حنين والقنا متدان)

(أَلَيْسَ على كَانَ كاشف غمها

وَمَا كَانَ للْعَبَّاس ثمَّ يدان)

(وَمن فرج الغماء عَن وَجه أَحْمد

بِمَكَّة لما ريع كل جنان)

(فَبَاتَ على ظهر الْفراش بديله

يَقِيه ردى الْأَعْدَاء غير جبان)

(وَكم مثلهَا من مفخر وفضيلة

حواها على وَهُوَ لَيْسَ بوان)

(وَإِن قُلْتُمْ إِنَّا جَمِيعًا لهاشم

فَمَا تستوى فِي الجثة العضدان)

(فَلم تدفعون الْحق وَالْحق وَاضح

دنا مِنْكُم مَا كَانَ لَيْسَ بدان)

(أُميَّة كَانَت قبلكُمْ فِي اغتصابها

أَحَق فبادت وارتدت بهوان)

ص: 294

(أَخَذْتُم بِغَصب إرثنا وصعدتم

مَنَابِر مَا كَانَت لكم بأماني)

(وجئتم بأسماء يروق استماعها

وألفاظ حسن مَا لَهُنَّ معَان)

(رشيد وَلم يرشد وهاد وَمَا هدى

لحق ومأمون بِغَيْر أَمَان)

(ومعتصم لم يعتصم بإلهه

ومقتدر لم يقتدر بِبَيَان)

(ومعتضد بالإفك خَابَ اعتضاده

ومنتصر بالبغي غير معَان)

(أصيخوا فقد قَامَ الْعَزِيز الَّذِي لَهُ

تذل خطوب الدَّهْر بعد حران)

(كَأَن رواق الْعِزّ من نور وَجهه

سَمَاء بدا فِي أفقها القمران)

(أغر كنصل السَّيْف يمْضِي اعتزامه

بِكُل رَقِيق الشفرتين يمَان)

(كَأَن المنايا والعطايا نوافل

يجود بهَا من منصل وبنان)

(حويت أَبَا الْمَنْصُور كل فَضِيلَة

وأمسكتها دون الورى بعنان)

(كَأَنَّك فِي سيماك إِذْ قُمْت خاطباً

وأعيننا طراً إِلَيْك روان)

(شَبيه نَبِي الله جدك أَحْمد

وَيُشبه فرع البانة الغصنان)

(وَكم علوى فاطمي مفضل

وَلَكنهُمْ مَا فيهم لَك ثَان)

(وَمن يدعى مِنْهُم مَكَانك فِي الْعلَا

فقد جَاءَ بالبهتان والهذيان)

(إِذا مَا كَفاك الله مَا أَنْت متق

شفاني مِمَّا اتَّقى وكفاني)

(وَإِنِّي لسهم من سهامك ماطر

على كل من عاداك سم سِنَان)

(أَرَاك بِعَين النصح فِي كل حَالَة

على كل مَا فِيهِ اعتقدت تراني)

ص: 295

(وَمن ذَا الَّذِي يرعاك رعياً توده

على كل غيث أَو بِكُل عيان)

(أَخ وَولى مُشفق وَابْن وَالِد

شفيق ومداح بِكُل لِسَان)

وَكَانَ الْعَزِيز يوالي إكرامه ويجزل عطاءه ويعامله بِمَا قَتله علما من صدق وده وإخلاصه فِي مدحه

ويحكى أَنه تنزه إِلَى بركَة الْحَبَش فَلَمَّا قرب من قُصُور أَخِيه تَمِيم سَأَلَ عَنهُ فأسرع إِلَيْهِ من عرفه فَخرج رَاجِلا حافياً حَتَّى لقِيه فَسلم عَلَيْهِ بالخلافة وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد وَجَبت على عَبدك الضِّيَافَة قَالَ نعم وَدخل إِلَى بستانه وَقد أَمر بجنيبة من الجنائب الَّتِي كَانَت بَين يَدَيْهِ وَأقسم على تَمِيم أَن يركبهَا ويسايره فَلَمَّا توَسط الْبُسْتَان نظر إِلَى ثَمَر يلوح الذَّهَب عَلَيْهِ فتعجب مِنْهُ واستطرفه ودنا من شَجَرَة فَأخذ مِنْهَا ليمونة وَاحِدَة فقرأها وَإِذا عَلَيْهَا مَكْتُوب بِالذَّهَب

(أَنا الليمون قد غذيت عروقي

بِبرد المَاء فِي حرز حريز)

(حسنت فَلَيْسَ يحسن أَن يحيى

بأمثالي سوى الْملك الْعَزِيز)

فَجَعلهَا فِي كمه وَقَالَ هَذِه ضيافتي عنْدك وَانْصَرف إِلَى قصره فَبعث إِلَى أبي جَعْفَر بن مهذب صَاحب بَيت المَال فَقَالَ لَهُ مَا عنْدك من الدَّنَانِير ضرب هَذِه السّنة وَكَانَ ذَلِك فِي أَولهَا فَقَالَ لَهُ مائَة ألف وَسِتُّونَ

ص: 296

ألفا فَأمره بحملها من سَاعَته إِلَى الْأَمِير تَمِيم مَعَ رَاشد العزيزي وَقَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول لَك اسْتَعِنْ بِهَذَا على مؤونتك فَقبل الأَرْض وَبعث إِلَيْهِ من الْغَد قصيدة حَسَنَة يمدحه فِيهَا ويشكره

وَكَانَت أَيَّام الْعَزِيز بِمصْر أعياداً رفاهية ودعة وتمهداً فَكَانَ تَمِيم إِذا جَاءَ اللَّيْل أَمر مِائَتي فَارس من عبيده بحراسة النَّاس الخارجين فِي أَيَّام النيروز والميلاد والمهرجان وَعِيد الشعانين وَغير ذَلِك من أَيَّام اللَّهْو الَّتِي كَانُوا ينحون فِيهَا على أَمْوَالهم رَغْبَة وَيخرجُونَ إِلَيّ بركَة الْحَبَش متنزهين فيضربون عَلَيْهَا الْمضَارب الجليلة والسرادقات والقباب وَمِنْهُم من يخرج بالقيان والمسمعات والمخدرات وخيل تَمِيم تحرسهم فِي كل لَيْلَة إِلَى أَن ينصرفوا ويركب تَمِيم فِي عشاري تتبعه أَرْبَعَة زوارق وَأكْثر مَمْلُوءَة فَاكِهَة وَطَعَامًا ومشروباً فَإِن كَانَت اللَّيَالِي مُقْمِرَة وَإِلَّا كَانَ مَعَه من الشمع مَا يعود بِهِ اللَّيْل نَهَارا فَإِذا مر على طَائِفَة وَاسْتحْسن من غنائهم صَوتا أَمرهم بإعادته وسألهم عَمَّا ينقصهم فيعطيهم وَرُبمَا رَغِبُوا إِلَيْهِ أَن يسمعهم من غنائه فيقف عَلَيْهِم وَيَأْمُر من يُغني لَهُم وينتقل عَنْهُم إِلَى غَيرهم فيفعل هَذَا عَامَّة ليله ثمَّ ينْصَرف إِلَى قصوره وبساتينه على هَذِه الْبركَة فَلَا يزَال على هَذِه الْحَال حَتَّى تنقضى هَذِه الْأَيَّام ويفترق النَّاس

ولتميم يفخر

ص: 297

(لَا تبطر السَّرَّاء لي خلقا وَلَا

أغدو على ضرائها متخشعاً)

(لي فِي الْمَشَارِق والمغارب جَوْلَة

يَغْدُو بهَا قلب الزَّمَان مصدعاً)

وَله

(لِيهن الْمَعَالِي أنني أَنا رَبهَا

وَأَنِّي إِذا مارمت صعباً تيسرا)

(غذتني مذ كنت النُّبُوَّة وَالْهدى

فحسبي أَن كَانَا هما لي عنصرا)

وَله

(وَإِنِّي لألقى كل خطب بمهجة

يهون عَلَيْهِ مِنْهُ مَا يتصعب)

(وأستصحب الْأَهْوَال فِي كل موطن

ويمزج لي السم الزعاف فأشرب)

(فَمَا الْحر إِلَّا من تدرع حزمه

وَلم يَك إِلَّا بالقنا يتنكب)

(خليلي مَا فِي أكؤس الراح راحتي

وَلَا فِي المثاني لذتي حِين تضرب)

(ولكنني للمدح أرتاح والعلا

وللجود والإعطاء أصبو وأطرب)

(وَمن بَين جَنْبَيْهِ كنفسي وهمتي

يُرْجَى لَهُ فَوق الْكَوَاكِب مركب)

وَله فِي التَّشْبِيه

(عللاني بهَا فقد أقبل اللَّيْل

كلون الصدود من بعد وصل)

ص: 298

(وانجلى الْغَيْم بعد مَا أضْحك الرَّوْض

بكاء السَّحَاب فِيهِ بوبل)

(عَن هِلَال كصولجان نضار

فِي سَمَاء كَأَنَّهَا جَام ذبل)

وَله

(رب صفراء عللتني بصفراء

وجنح الظلام مرخى الْإِزَار)

(وَكَأن الدجى غدائر شعر

وَكَأن النُّجُوم فِيهَا مداري)

وَله

(وانجلى الْغَيْم عَن هِلَال تبدى

فِي يَد الْأُفق مثل نصف سوار)

وَله

(كَأَن السَّحَاب الغر أصبحن أكؤسا

لنا وَكَأن الراح فِيهَا سنا الْبَرْق)

(إِلَى أَن رَأَيْت النَّجْم وَهُوَ مغرب

وَأَقْبل رايات الصَّباح من الشرق)

(كَأَن سَواد اللَّيْل وَالصُّبْح طالع

بقايا مجَال الْكحل فِي الْأَعْين الزرق)

وَله

(مَا ترى اللَّيْل كَيفَ رق دجاه

وبدا طيلسانه ينجاب)

ص: 299

(وَكَأن الصَّباح فِي الْأُفق باز

والدجى بَين مخلبيه غراب)

وَله

(أَلا سقنيها قهوة ذهبية

فقد ألبس الْآفَاق جنح الدجى دعجٌ)

(كَأَن الثريا والظلام يحفها

فصوص لجين قد أحَاط بهَا سبج)

(كَأَن نُجُوم اللَّيْل تَحت سوَاده

إِذا جن زنجى تَبَسم عَن فلج)

وَله

(كَأَن كؤوس الشّرْب وَهِي دوائر

قطائع مَاء جامد تحمل اللهب)

(فبتنا نسقى الشَّمْس وَاللَّيْل راكد

ونقرب من بدر السَّمَاء وَمَا قرب)

وَقد حجب الْغَيْم الْهلَال كَأَنَّهُ

ستارة شرب خلفهَا وَجه من نحب)

(كَأَن الثريا تَحت حلكة لَيْلهَا

مداهن بلور من الْأُفق تضطرب)

وَله

(خُذْهَا إِلَيْك ودع لومي مشعشعة

من كف أحوى أسيل الخد مذْهبه)

(وَانْظُر إِلَى اللَّيْل كالزنجي مُنْهَزِمًا

وَالصُّبْح فِي إثره يعدو بأشهبه)

(والبدر منتصف مَا بَين أنجمه

كَأَنَّهُ ملك فِي صدر موكبه)

وَله

(أوفى فأشرقت الْبِلَاد لنوره

حسنا وَأرْسل بالشفاء رَسُولا

ص: 300

(مَا كنت أَحسب أَن بَدْرًا قبلهَا

نقل الخطى كرما وَعَاد عليلاً)

(يَا عِلّة زار الحبيب من أجلهما

لله أَنْت لقد شفيت غليلا)

وَله وَهُوَ من مُخْتَار شعره فِي النسيب

(أأعذل قلبِي وَهُوَ لي غير عاذل

وأعصى غرامي وَهُوَ مَا بَين أضلعي)

(وَمن لي بصبر أستزيل بِهِ الجوى

وَلَا جلدي طوعى وَلَا كَبِدِي معي)

(نأوا والأسى عني بهم غير منتأ

وودعتهم وَالْقلب غير مُودع)

وَله

(يَا معطشي من وصال كنت وارده

هَل فِيك لي رَحْمَة إِن صحت واعطشى)

(أَنْت الْحَيَاة الَّتِي تحيا النُّفُوس بهَا

حَقًا فَإِن فقدتك النَّفس لم تعش)

توفّي تَمِيم فِي خلَافَة أَخِيه الْعَزِيز سنة أَربع وَسبعين وَتُوفِّي الْعَزِيز سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة

ص: 301

109 -

خَلِيل بن إِسْحَاق بن ورد أَبُو الْعَبَّاس

مولده بطرابلس وَهُوَ من أَبنَاء جندها وَكَانَ فِي أول أمره يطْلب الْعلم وَالْأَدب ويصحب الصُّوفِيَّة ويبيت فِي الْمَسَاجِد إِلَى أَن خَالف أهل طرابلس بَلَده سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ فَكَانَ هُوَ الْمُتَوَلِي لعذابهم وَأخذ أَمْوَالهم وَذَلِكَ فِي أول دولة عبيد الله الْمهْدي وَاتبع الْقَائِم أَبَا الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبيد الله الْمهْدي فِي مسيره إِلَى محاربة أهل مصر وَهُوَ إِذْ ذَاك ولى عهد فَلحقه بالإسكندرية وَكَانَ المتولى لجباية الْأَمْوَال وَالنَّظَر فِيهَا وَانْصَرف إِلَى المهدية فَقدم على خيل إفريقية وَكَانَ أَمر جندها إِلَيْهِ مَعَ النّظر فِي الْبَحْر

وَخرج إِلَى صقلية والياً على أَهلهَا فأهلكهم جوعا وقتلا وهرب كثير مِنْهُم إِلَى بلد الرّوم وَكَانَ يَقُول بعد وُصُوله إِلَى إفريقية مفتخراً المكثر يَقُول إِنِّي قتلت وأهلكت ألف ألف والمقلل يَقُول سِتّمائَة ألف وَكَانَ خُرُوجه إِلَيْهَا فِي أول دولة الْقَائِم سنة خمس وَعشْرين وثلاثمائة

وَقد كَانَ الْمهْدي عبيد الله سخط عَلَيْهِ فِي آخر دولته فخاف وَلما توفّي أَمنه الْقَائِم وَاسْتَعْملهُ فجار أَشد الْجور ونعوذ بِاللَّه من الْحور بعد الكور

(ثمَّ إِن الْقَائِم صرفه عَن صقلية واستقدمه مِنْهَا وَقدمه لِحَرْب أَبى يزِيد الْخَارِجِي وَأخرجه إِلَى مَدِينَة القيروان فِي ألف فَارس من وُجُوه العبيد فأساء معاملتهم حَتَّى أضغنهم ودبروا عَلَيْهِ وقصده أَبُو زيد فَدخل القيروان وحصره بداره إِلَى أَن أَخذه وَأَصْحَابه فاعتقلهم ثمَّ قَتلهمْ جَمِيعًا بِبَاب أَبى الرّبيع وَأمر بهم فصلبوا

ص: 302

وَمن شعره يمدح الْمهْدي ويناقض مَرْوَان بن أَبى حَفْصَة

(قف بالمنازل واسألن أطلالها

مَاذَا يَضرك إِن أردْت سؤالها)

(هَل أَنْت أول من بَكَى فِي دمنة

درست وغيرت الْحَوَادِث حَالهَا)

(يَا دَار زَيْنَب هَل تردين البكا

عَن مقلة سفحت عَلَيْك سجالها)

(بدلت بالإنس الخرائد كالدمى

وَحش الفلاة ظباءها ورئالها)

(وَلَقَد عهِدت لآل زَيْنَب حبرَة

فِيهَا وَدُنْيا أَقبلت إقبالها)

(بَيْضَاء ناعمة يجول وشاحها

وتهز دقة خصرها أكفالها)

(وَلها قوام كالقضيب وفوقه

جعد يُصَافح كَفه خلْخَالهَا)

(وَكَأن فِي فِيهَا بعيد رقادها

عسلاً أصَاب من السَّمَاء زلالها)

(وَلَقَد عصيت عواذلي فِي حبها

وَالنَّفس تعصى فِي الْهوى عذالها)

وَمِنْهَا

(صلى الْإِلَه على النَّبِي مُحَمَّد

وعَلى الإِمَام وزاده أَمْثَالهَا)

(إِن الإِمَام أَقَامَ سنة جده

للْمُسلمين كَمَا حذوت نعالها)

(أَحْيَا شرائعها وَقوم كتبهَا

وفروضها وحرامها وحلالها)

(وَهدى بِهِ الله الْبَريَّة بَعْدَمَا

طلب الغواة الظَّالِمُونَ ضلالها)

(إِن الْخلَافَة يَا ابْن بنت مُحَمَّد

حطت إِلَيْك عَن النَّبِي رِحَالهَا)

وَله وَقد اقتصد الْقَائِم

(قل للطبيب الَّذِي أوصى ليقصده

رفقا وَلَا زلت بالإسعاد ترتفق)

(كَيفَ اسْتَطَعْت ترى بِاللَّه طلعته

وَمن سنا نوره مَا يشرق الْأُفق)

(أم كَيفَ تخرج من كف تقبلهَا

دَمًا وَمِنْهَا بحار الْجُود تندفق)

ص: 303

(إِنِّي لأعجب من كف مسست بهَا

خير الورى كَيفَ لم ينْبت بهَا الْوَرق)

وَله عِنْد توديع الْقَائِم فِي خُرُوجه إِلَى القيروان وَكتب بهَا إِلَيْهِ

(وَمَا ودعت خير النَّاس طرا

وَلَا فارقته عَن طيب نفس)

(وَكَيف تطيب نَفسِي عَن حَياتِي

أفارقها وَعَن قمري وشمسي)

(وَلَكِنِّي طلبت رِضَاهُ جهدي

وعفو الله يَوْم حُلُول رمسى)

(فَعَاشَ مملكاً مَا لَاحَ شمس

على الثقلَيْن من جن وإنس)

وَبعد وُرُوده القيروان كَانَ من قَتله وصلبه مَا كَانَ وَمَا أفظع مصرع من احتقب الْإِثْم والعدوان

110 -

جَعْفَر بن فلاح الكتامي أَبُو الْفضل

هَذَا من رجال الدولة العبيدية وَلم يَقع إِلَى من خبْرَة مَا أذكرهُ هَاهُنَا سوي امتداح أبي الْقَاسِم بن هانىء إِيَّاه وحسبه بذلك نباهة وَكَفاهُ وَذكر ابْنه إِبْرَاهِيم مَعَه فِي مدحه وَفِي بعض النّسخ الَّتِي وقفت عَلَيْهَا من شعر ابْن هانىء

ص: 304

أَن الممدوح إِبْرَاهِيم بن جَعْفَر لَا أَبوهُ جَعْفَر وَوجدت مَنْسُوبا إِلَيْهِ

(وَيَوْم كَأَن الْغَيْم تَحت سمائه

حكى مقلتي سَحا وَلم يحكني ضنا)

(كَأَن الغوادي بالمثاني نضحنه

وألبسنه ثوبا من الْخَزّ أدكنا)

111 -

يحيى بن عَليّ بن حمدون الجذامي بن الأندلسي

وَله ولأبيه ولأخيه جَعْفَر بن عَليّ رئاسة مَعْرُوفَة ونباهة فِي أَيَّام العبيدية مَذْكُورَة وعَلى بن حمدون هُوَ الَّذِي بنى المسيلة من بِلَاد الزاب الْأَكْبَر وسكنها ابْنه جَعْفَر فَعظم شَأْنه

وَلأبي الْقَاسِم مُحَمَّد بن هانىء الأندلسي فِيهِ وَفِي أَخِيه يحيى مدائح شهيرة وَكَانَ لما خرج من الأندلس إِلَى بني على هَؤُلَاءِ وَقع وإليهم قصد إِلَى أَن أعلقوه بالمعز معد بن إِسْمَاعِيل فاستفرغ فِيهِ شعره وَقصر عَلَيْهِ مدحه

ص: 305

وهرب جَعْفَر إِلَى الأندلس بعد مقتل زيري بن مُنَاد الصنهاجي وَلحق بِهِ أَخُوهُ يحيى فأقاما مكرمين عِنْد الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه إِلَى أَن سعى بهما إِلَيْهِ فسخط عَلَيْهِمَا وَأمر بإزعاجهما وَمن مَعَهُمَا رجالة من مَنَازِلهمْ إِلَى المطبق بِمَدِينَة الزهراء والنداء عَلَيْهِم بِمَا كفرُوا من النِّعْمَة وَظهر من شهامة يحيى وتجلده فِي هَذِه المحنة مَا شهر فَكَانَ يُنَادي على نَفسه مُعَارضا للمنادى لَا بل جَزَاء من آثر بني مَرْوَان على ولد فَاطِمَة بنت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ونميت فِي الْوَقْت إِلَى معد بن إِسْمَاعِيل وَهُوَ فِي القيروان فأرضته وعطفته على آل على بن الأندلسي

ثمَّ إِن الحكم عَفا عَنْهُمَا بسعى عبد الْملك بن القَاضِي مُنْذر بن سعيد البلوطي صَاحب خطة الرَّد وتلطفه فِي الاستشفاع بِهِشَام بن الحكم فيهمَا وَهُوَ إِذْ ذَاك طِفْل فأطلقا من معتقلهما وتراجعت حَالهمَا

وحظى جَعْفَر فِي أَيَّام هِشَام عِنْد الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر بعد وَفَاة الحكم وَخص بِهِ ثمَّ قتل فِي طَرِيقه إِلَى قصر الْعقَاب حَسْبَمَا يذكر فِي آخر هَذَا الْمَجْمُوع بحول الله فرجم النَّاس فِيهِ الظنون وَأظْهر ابْن أبي عَامر الْحزن عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُتَّهم بِهِ

ص: 306

ودعا يحيى بن عَليّ أَخَاهُ وألهاه إِلَى أَن قَالَ لِابْنِ أبي عَامر أول لقية لقِيه غب قتل أَخِيه قد علمنَا من قَتله وَهَذَا جَزَاء مثله وَلَا مقَام بأرضك بعده فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَامر لَوْلَا أَن صدق ظَنك فِي أَخِيك لألحقتك بِهِ فَاخْرُج إِلَى لعنة الله غير مكلوء وَلَا مصاحب ووكل بِهِ من أزعجه فَخرج إِلَى العدوة وَسبق الْإِخْبَار عَنهُ حذرا من بلقين بن زيرى بن مُنَاد فَصَارَ إِلَى سجلماسة ثمَّ ركب الصَّحرَاء إِلَى مصر فَقبله الْعَزِيز بِاللَّه أَبُو الْمَنْصُور نزار وَهُوَ يَوْمئِذٍ الْخَلِيفَة بهَا وَأدْخلهُ فِي يَوْم زِينَة ثمَّ جعل يعْتَرف بالزلة وَيسْأل الصفح وَالْإِقَالَة فَقَالَ لَهُ نزار كلمتك بالزهراء قد أَتَت على ذَلِك كُله

وَعلم بلقين واسْمه يُوسُف ويكنى أَبَا الْفتُوح نُفُوذ يحيى إِلَى مصر فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْقِيَامَة وعثر على ابْن لَهُ عَامر تخلف عَنهُ بالمغرب فَقبض عَلَيْهِ

ص: 307

وَقَتله وَلم تطل بِهِ المسرة بعد قتل جَعْفَر حَتَّى فاجأته الْمنية فَهَلَك فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وثلاثمائة

وَمن شعر يحيى بن عَليّ وأنشده أَبُو عَامر السالمي فِي كتاب التشبيهات من تأليفه قَوْله يصف فرسا

(ومتمماً فِي خلقه لم يبخس

عارى الْأَدِيم من الملاحة مكتس)

(صلت إِلَيْهِ الْخَيل فَهُوَ إمامها

وَهُوَ الْمُقدم عِنْدهَا فِي الْأَنْفس)

(وَكَأن لون أديمه من سوسن

وَكَأن لون لجامه من نرجس)

تمّ بعون الله الْجُزْء الأول من كتاب الْحلَّة السيراء

ويليه الْجُزْء الثَّانِي وأوله تَرْجَمَة

سُلَيْمَان بن الحكم بن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر المستعن بِاللَّه أبي أَيُّوب

ص: 308