الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السابع:
أمثلة للحيل الجائزة
علمت مما تقدم ضوابط الحيل المحظورة وهي ما ناقض مصلحة شرعية أو هدم أصلاً شرعياً، فإذا كانت الحيلة لا تهدم أصلاً ولا تناقض مصلحة من الشرع فهي غير داخلة في النهي، وربما حصل خلاف بين بعض الفقهاء في بعض مسائل من الحيل مما لم يتضح فيه دليل أنه من النوع المحظور أو النوع المباح فاختلفت آراؤهم وتباينت أنظارهم لذلك.
فالضابط العام في الحيل الجائز ما كان المقصود بها إحياء حق أو دفع ظلم أو فعل واجب أوترك محرم، أو إحقاق حق، أو إبطال باطل، ونحو ذلك مما يحقق مقاصد الشارع. وإليك مسائل مختارة من الحيل الجائزة ومن أدلتها وشواهدها من الكتاب والسنة:
أولا: الكتاب:
1-
قلت: في الآية الكريمة دليل على تحريم الفرار من الزحف على غير المتحرف أو المتحيز، وأنه من كبائر الذنوب كما جاء في الحديث، قال العلماء: هذا إذا لم يكن العدو أكثر من الضعف، لقوله تعالى:{الآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ} 2، أما إذا كانوا أكثر فالثبات مستحب والفرار جائز فليست الآية باقية على عمومها، قال الشافعي رحمه الله:" إذا غزا المسلمون فلقوا ضعفهم من العدو حرم عليهم أن يولوا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة، وإن كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحب لهم أن يولوا ولا يستوجبون السخط عندي من الله لو ولوا عنهم على غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة "3.
ووجه دلالة الآية على الحيلة أن كلا من التحرف والتحيز حيلة ظاهرها الهزيمة والفرار وباطنها والمقصود منها التمكن من الكفار على أبلغ وجه، وذلك إما بالكر بعد الفر، وإما بتقوية الانحياز إلى الفئة الأخرى حتى يكون النصر أرجى.
1 الآية من 15-16 من سورة الأنفال.
2 الآية 66 من سورة الأنفال.
3 الأم جـ 4 ص 92.
وهذه حيلة جائزة مشروعة، بل واجبة إذا رؤي منها أنها تدفع الهزيمة وتحقق النصر على الأعداء ولما يترتب عليها من إعلاء كلمة الله، وتقوية المسلمين، وإذلال المشركين.
وهذه الحيلة من باب المعاريض في الفعل، كما أن قوله صلى الله عليه وسلم لطلائع المشركين وقد سألوا عن المسلمين: ممن أنتم، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:" نحن من ماء " فتدافع القوم وقالوا: أحياء اليمن كثير، من باب المعاريض في القول، وكلاهما جائز، بل واجبان إذا ترتب عليهما دفع ظلم عن الإسلام والمسلمين، وحد الحيلة منطبق عليها تمام الانطباق، فإنها إظهار فعل لغير مقصود أو إظهار قوله لغير مقصوده، بحيث يتوهم الناظر أو السامع غير ما يقصده الفاعل أو القائل.
ثم إن ضروب الحيل والخداع في الحرب معروفة قديما ولا تكاد تنحصر، والآية وإن اقتصرت على التحرف والتحيز لفظا
لكنها تتسع لغيرهما معنى بطريق القياس والدلالة، ويؤيد ذلك ما ورد في السنة عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" الحرب خدعة "1.
2-
أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى دين الله سرا وعلانية، بالحكمة والموعظة الحسنة، فما كان من كفار قريش- وقد توارثوا ما كان عليه آباؤهم من الأباطيل جيلا بعد جيل- إلا أن يتفننوا في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإيذاء من آمنوا به، بكل وسيلة حتى أنهم ما كانوا يسمحون لهم بإقامة شعائر الله علانية، وأخيرا دبروا مكيدة لقتله صلى الله عليه وسلم، فأطلعه الله عليها، وأمره أن يهاجر إلى المدينة هو ومن آمن معه، حتى يستطيعوا إقامة شعائر الله، ودعوة الناس إلى دينه، من غير أن ينالهم من الظلم والاضطهاد ما كان يفعله معهم كفار قريش بمكة ففعل صلى الله عليه وسلم ما أمره الله به، ومن هذا العهد كانت الهجرة من مكة إلى المدينة فريضة على كل مسلم ليكون آمنا على نفسه، حرا في إقامة شعائر دينه، وليكون ظهيرا للنبي صلى الله عليه وسلم على الكفار، وليتلقى أحكام الدين عند نزولها، فكان من أصحاب رسول
1 صحيح البخاري جـ4 ص 66، صحيح مسلم جـ5 ص 143.
2 الآيات: 97،98، 99 من سورة النساء.
الله صلى الله عليه وسلم من يتسلل خفية إلى المدينة لئلا يناله اضطهاد، ومنهم من يكتم إيمانه، ويخفي إسلامه، ليتمكن من الهجرة بدون أن يمسوا بعذاب، ومنهم قوي شجاع يظهر إيمانه وهجرته ولا يبالي بما يناله من الأذى وأليم العقاب، وهؤلاء جميعا لهم من الله فضل كبير وثواب عظيم.
وبقي بمكة لم يهاجر فريقان، فريق كان أهله وماله ووطنه وقرابته أحب إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فأخلد إلى المقام بمكة بين المشركين، وقعد عن الهجرة لنصرة المسلمين، وعاش بين المشركين يكثر سوادهم، ولا يستطيع أن يقوم بما يطلبه الدين منه على وجهه، وفريق كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولكنه ضعيف مستضعف، لا يقدرون على الأذى الذي ينالهم من المشركين، ولا يستطيعون إلى الهجرة حيلة، ولا يهتدون سبيلا، فأنزل الله في هذين الفريقين {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} (النساء: من الآية97) .
يتوعد الفريق الأول بجهنم وبئس المصير، ويعذر الفريق الثاني، وأنه لا لوم عليه ولا تقصير.
والمعنى: (إن الذين توفاهم الملائكة) أي تقبض أرواحهم عند حضور آجالهم (ظالمي أنفسهم) بالمقام مع الكفار، والإخلال بشعائر الدين، وترك الهجرة إلى المسلمين، وتكثير سواد المشركين عليهم يوم بدر، على ما روى البخاري عن ابن عباس: أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله تعالى الآية..
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أنه كان قوم بمكة قد أسلموا، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يهاجروا وخافوا، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية (قالوا فيم كنتم) قالت لهم الملائكة عند قبض أرواحهم موبخين لهم على ما كان منهم: فيم كنتم، أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم، يعنون بذلك أنهم لم يكونوا على شيء منه، وإلا لهاجروا لنصرته، وإقامة شعائره، وتلقي أحكامه، ولم يقيموا بين المشركين يكثرون سوادهم على المؤمنين، ويظاهرونهم عليهم (قالوا) أي الظالمون أنفسهم للملائكة معتذرين عما كان منهم (كنا مستضعفين في الأرض) أي لم نكن على شيء من ديننا لاستضعاف الكفار لنا بمالهم من الحمل والطول، فكانوا يرغموننا على ما فعلنا.
فرد الملائكة هذا العذر عليهم و {قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} (النساء: من الآية97) أي كان لكم مندوحة عما فعلتموه مكرهين، بمفارقة أرضهم إلى أرض أخرى، تستطيعون فيها
إقامة دينكم، ونصرة إخوانكم، كما فعل غيركم، ولكنكم اثاقلتم إلى الأرض، ورضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (النساء: من الآية97" ثم استثنى الله سبحانه من هذا الوعيد أصحاب الأعذار الحقيقية فقال: {إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} (النساء: من الآية98) المراهقين أو الصغار وتكليفهم عبارة عن تكليف أوليائهم بإخراجهم من أرض الكفر إلى أرض الإسلام {لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} (النساء: من الآية98) ضاقت بهم الحيل كلها، فلم يستطيعوا سلوك واحدة منها، وعميت عليهم الطرق جميعها، فلم يهتدوا إلى طريق منها، والجملة حال من المستضعفين، والاستثناء منقطع {فَأُولَئِكَ عَسَى الله أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} (النساء: من الآية99) في تركهم الهجرة، إذ لم يتركوها اختيارا ولا إيثاراً منهم لدار الكفر على دار الإسلام، ولكن للعجز الذي هم فيه، ومع ذلك كله فقد نزلهم منزلة المذنبين حيث عبر بكلمة (عسى) التي لا تفيد الجزم بمدخولها وضعا، وبالعفو المشعر بوجود الذنب، حتى لكأنه لا يجوز لأحد من الناس على أي حال، وفي أي عذر، أن يتخلف عن الهجرة، ولا أن يقعد عنها، ولا يخفى ما في هذا التعبير من قطع طماعية الذين يقعدون عنها، ويعتذرون بغير العذر عن تركها {وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} أي شأنه ذلك لأصحاب الأعذار الصحيحة ولمن تاب بعد ظلمه.
الشاهد من الآيات:
دلت الآيات على الوعيد الشديد، والعذاب الأليم، لمن ترك الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قبل فتح مكة وهو قادر عليها، بوسيلة ظاهرة أو خفية، يؤخذ هذا من الآية الأولى صراحة، ومن الآية الثانية دلالة، لأنه قيد المستضعفين الذين عذرهم بالقعود عن الهجرة بأنهم {لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا} (النساء: من الآية98 (وهو شرط في حصول العفو والمغفرة لهم، وإلا لتناولهم الوعيد في الآية قبلها، كما هو ظاهر.
والوعيد على ترك الشيء بالعذاب الشديد فرع عن وجوبه، وتحتم فعله، ومن هنا يثبت أن سلوك الطرق الخفيف إذا تعذرت الطرق الظاهرة أو تعسرت إلى الهجرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة محتومة، وفريضة مكتوبة، وهي حيلة مقصودها نصرة الله ورسوله، وإقامة شعائر دينه، على أتم وجه وأكمله، وتلقى أحكامه، ووسيلتها مشروعة، ومن أمثلتها الفرار من المشركين خفية، أو التظاهر بالكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان حتى يكون حرا في الانتقال من مكان إلى مكان، أو أن يريهم أنه يريد بذهابه إلى المدينة كشف أسرار المؤمنين، والتجسس عليهم، أو أن يوهمهم أنه يريد مقصدا قريبا فإذا أذنوا له لاذ بالفرار إلى المدينة، وما إلى ذلك، وهذه الوسائل واجبة إذا توقفت الهجرة عليها.
وبالتأمل في هذه الحيلة التي دلت الآية على وجوبها - بالطريق السابق - نرى أنه ليس فيها إبطال حق لله أو للعبد، وإنما هي مكيدة ومخادعة لأعداء الله، ويترتب عليها من الفوائد الدينية والدنيوية ما لا يحصى، ويقاس عليها كل حيلة في معناها كالهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لمثال هذا المقصد، والهجرة من أرض المعاصي والبدع إذا لم تنجح فيهم الموعظة الحسنة إلى أرض تقام فيها السنة، وتحترم فيها شعائر الإسلام.
3-
قلت: في هذه الآية دلالة واضحة على التحيل لدفع الأذى عن النفس ولو أدى ذلك إلى التلفظ بالكفر، فقد عذب عمار بن ياسر أشد تعذيب حتى أن المشركين ليضعون على صدره الحجر الكبير الذي يلتظى من شدة الحرارة في الرمضاء المحرقة فيجتمع عليه ثقل الحجر وحرارته من أعلى، وشدة حرارة البطحاء من تحته، كل ذلك منزوع الثياب، وبالغوا في تعذيبه ذات يوم حتى يذكر محمد بشر وآلهتهم بخير، فنطق بما أرادوا مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان، ولما أطلقوه ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعاً، وشكا وشرح ما وقع فيه وما وقع له، فقال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: كيف تجد قلبك، قال: مطمئنا بالإيمان، فقال:" إن عادوا فعد "، وفي ذلك نزلت هاتان الآيتان2.
فالنطق بكلمة الكفر على الوجه المتقدم حيلة على دفع الأذى عن النفس، ظاهرها الكفر، وباطنها الإيمان وقصد دفع الضرر.
ولقد أفادتنا الشريعة الغراء من خلال نصوصها المتعددة أن عقود المكره وأقواله ملغاة مهدرة لا تترتب عليها آثارها الشرعية، ولا تنفذ هذه التصرفات لانعدام الرضا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " عقود المكره وأقواله مثل بيعه وقرضه ورهنه ونكاحه وطلاقه ورجعته ويمينه ونذره وشهادته وحكمه وإقراره وردته وغير ذلك من أقواله كلها منه ملغاة مهدرة، وأكثر ذلك مجمع عليه، وقد دل على بعضه القرآن في مثل قوله تعالى: {إِلا مَنْ أُكْرِهَ} ، وقوله سبحانه {إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} (آل عمران: من الآية28) والحديث المأثور: " عفي لأمتي الخطأ
1 الآية من 106-107 من سورة النحل.
2 زاد المسير جـ 4 ص495.
والنسيان وما استكرهوا عليه "، وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " أي إكراه إلى ما في ذلك من آثار الصحابة "1.
ثانياً: السنة:
1-
عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود عليه الصلاة والسلام، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا - يرحمك الله - هو ابنها، فقضى به للصغرى، قال: أبو هريرة: " والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، ما كنا نقول إلا المدية "2.
قلت: أصح الأقوال عندي ما قاله القرطبي رحمه الله قال: " والذي ينبغي أن يقال أن داود عليه السلام إنما قضى للكبرى لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها، ولم يذكر في الحديث تعيينه، إذ لم تدع حاجة إليه، فيمكن أن يقال إن الولد الباقي كان في يد الكبرى، وعجزت الصغرى عن إقامة البينة فقضى به للكبرى إبقاء لما كان على ما كان "3.
والشاهد من الحديث لما نحن بصدده أن نبي الله سليمان عليه السلام استخرج الحق في هذه الحادثة بحيلة لطيفة أظهرت ما في نفس الأمر، حيث دعا بالسكين ليشقه بينهما ظاهراً، ولم يعزم على ذلك في الباطن، وإنما أراد كشف الحقيقة، فتوصل إلى مراده وتيقن أن الولد للصغرى لجزعها عليه، وعظيم شفقتها، ولم يلتفت إلى قولها أنه ابن للكبرى، لأنه علم أنها آثرت حياته، لأنه ابنها رحمة به وشفقة عليه، ولم تأبه الكبرى به ولم تتأثر من كلامه، قال القرطبي رحمه الله:" وفي الحديث من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة وممارسة أحوال الخلق، وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية، وتوسمات نورانية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء "4.
2-
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أحدث في صلاته فلينصرف، فإن كان في صلاة جماعة فليأخذ بأنفه ولينصرف "5.
1 إقامة الدليل ص 147-148.
2 -
صحيح البخاري جـ 4 ص 170، صحيح مسلم جـ 5 ص133.
3 تفسير القرطبي جـ 11ص 313.
4 تفسير القرطبي جـ 11 ص 314.
5 سنن ابن ماجه جـ 1 ص 386 قال في مجمع الزوائد: ((إسناده صحيح ورجاله ثقات)) .
قلت: هذا الحديث يدل على أن خروج الريح من الدبر في الصلاة مفسد لها، وأن المصلي إذا خرج منه ريح يجب عليه قطع الصلاة فورا، ويحرم عليه الاستمرار فيها، لكونه على غير طهارة، ولا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ.
ولما كان خروج الريح أمراً يستحى منه، ويعرض صاحبه لغمز الناس وقالتهم، لاسيما إذا حصل منه أثناء صلاة الجماعة، لذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مخلص حسن وحيلة لطيفة، وهو أن ينصرف من الصلاة واضعاً يده على أنفه ليوهم الناس أن به رعافا ومن أجله خرج من الصلاة، وذلك حتى لا يأخذه الخجل ويسول له الشيطان المضي في صلاته استحياء من الناس فيأثم مع بطلان صلاته.
ولا يدخل هذا في باب الكذب أو الرياء، وإنما هو من باب الأدب في ستر العورة، وإخفاء القبيح، والتورية عنه بأحسن المعاريض الفعلية وألطفها، وحفظ عرضه من الناس والسلامة من قالتهم.
3-
عن سويد بن حنظلة قال: " خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي فَخُلِّي عنه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: أنت أبرهم وأصدقهم، صدقت: المسلم أخو المسلم "1.
4-
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ كبير يعرف، ونبي الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل "2.
هذان الحديثان من المعاريض القولية، فالتعريض كلام له وجهان ظاهر وباطن، والذي حصل من سويد بن حنظلة وأبي بكر رضي الله عنهما من هذا القبيل، وهو نوع من الحيل التي يترتب عليها صون الدماء وعزة الإسلام وبيان ذلك:
أن قول سويد: " هو أخي " له وجهان، ظاهر وهو أخوة النسب وهي التي فهمها السامع، ومن أجلها ترك وائل بن حجر رضي الله عنه، ووجه باطن هو أخوة الإسلام وهي التي خفيت على السامع وقصدها القائل وحلف عليها، ومن هنا حصل البر في يمينه.
فإن قلت: أليس حديث حنظلة هذا مخالفاً لما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة مرفوعاً: " يمينك على ما يصدقك به صاحبك " وفي رواية: " اليمن على نية المستحلف " وهنا
1 سنن أبي داود جـ3 ص 224.
2 صحيح البخاري جـ5 ص 69.
في حديث حنظلة روعي في اليمين نية الحالف، فالجواب: أن حديث أبي هريرة محمول على المستحلف المظلوم، وحديث حنظلة محمول على المستحلف الظالم، وقد جاء عن إبراهيم النخعي ما يؤيد هذا التوفيق، وإليه ذهب أبوحنيفة وأحمد وجمهور العلماء، وتقدمت الإشارة إلى هذا سابقا.
وكذلك قول أبي بكر رضي الله عنه " هذا الرجل يهديني السبيل " ظاهره طريق السفر وهو الذي يتبادر إلى ذهن السامع ولا يذهب ذهنه إلى غيره، وباطنه الطريق الحق وهو دين الإسلام.
فاستخدم رضي الله عنه التورية القولية حتى لا يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل ما كان من هذا القبيل مما فيه نصرة الإسلام، وعون أهل الحق فهو من الحيل الجائزة بل الواجبة أحيانا، وهو من محاسن هذه الشريعة الغراء.
5-
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات، ثنتان منهن في ذات الله عز وجل قوله: {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} ، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} ، وقال: بينما هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن هذا رجل معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة، فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني، فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأُخِذَ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك فدعت الله، ثم تناولها الثانية فأخِذَ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، فدعا بعض حجبته فقال: إنك لم تأتني بإنسان إنما أتيتني بشيطان، فأخدمها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي، فأومأ بيده مهيم؟ قالت: رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره، وأخدم هاجر، قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء "1.
وهذا الحديث فيه إشكال بسيط، وذلك أن العقل يقطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقاً به ليعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويزه الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه.
والجواب عن ذلك: أن المراد بالكذب في الحديث المعاريض التي ظاهرها الكذب
1 صحيح البخاري جـ7 ص 6، صحيح مسلم جـ 7 ص 98.
وباطنها الصدق، وأطلق عليها لفظ الكذب لكونها على خلاف المتبادر من اللفظ عند السامع لكنه إذا تأملها لم تكن كذباً، وإنما عبر النبي صلى الله عليه وسلم عما صدر عنه بالكذبات ولم يعبر بالمعاريض ليؤكد المدح بما يشبه الذم كقول القائل:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
…
بهن فلول من قراع الكتائب
كأنه قال: لم يصدر عن إبراهيم كذب قط وإن كذب فهو هذه المعاريض الثلاثة التي جادل بها دين الله.
وأما توجيه التعريض في الكذبات الثلاث فبيانه ما يلي:
الأولى: أشار الله إليها في كتابه الكريم بقوله: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} 1، وهذه الآية سيقت في معرض توبيخ إبراهيم عليه السلام لقومه على ما يعبدون من الآلهة الباطلة، ولها معنيان ظاهر وباطن، فأما الظاهر فهو غير مراد وهو الذي فهمه قومه، وهو أنه عليه السلام نظر نظرة في النجوم ليتعرف من أنباء الغيب ما قدر له في المستقبل من خير أو شر، بناء على معتقداتهم الفاسدة أنه يستدل بها على ذلك فكانت نتيجة ظاهر ما رآه أن قال: إني سقيم، أي قرب أن يلحق بي مرض شديد يمنعني من الخروج معكم لذلك لا أستطيع مغادرة مكاني، وباطنه أنه نظر في النجوم نظرة متدبر ومعتبر على ما هو اللائق بمقام أنبياء الله وغيرهِم من صالحي المؤمنين، فقال: إني سقيم القلب من شرككم بالله واتخاذكم الأصنام أرباباً من دون الله، والباعث له على هذا التعريض حتى ينصرفوا عنه فيخلوا بآلهتهم فيحطمها، وقد تم له ما أراد، قال تعالى:{فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} 2.
فكان ذلك حيلة على هدم الطواغيت وإعلاء كلمة الله.
الثانية: أنهم لما دلهم على الله بالبراهين ولم يستمعوا له وأعرضوا عزم على الكيد لأصنامهم فقال: {وَتَالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} 3، وهذا القول {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُم
1 الآية 88 من سورة الصافات.
2 الآية من 90-96 من سورة الصافات.
3 الآية من 57-63 من سورة الأنبياء.
غزوة تبوك فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، وعدواً كثيراً فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم " الحديث1.
ومن أمثلته أيضاً ما فعله نعيم بن مسعود من إلقاء العداوة والبغضاء بين مشركي العرب وبين اليهود في غزوة الخندق وكان ذلك من أسباب الظفر والنصر، ثم أرسل الله على المشركين ريحاً فرقت ما بقي من أمرهم2.
ومن أمثلته أيضاً ما حصل من محمد بن مسلمة من تلطفه لعدو الله كعب بن الأشرف اليهودي وقتله على غرة وكفى الله المؤمنين شره3.
ومن ذلك أيضاً قتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي قتله عبد الله بن عتيك رضي الله عنه بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم 4.
هذه نماذج وشواهد من دلالة الآيات القرآنية والسنة النبوية على الحيل التي لا تناقض مقاصد الشارع وأنها جائزة، بل تصل إلى درجة الوجوب إذا كان متعلقها واجباً.
ومن الحيل الفقهية، والمخارج الشرعية التي ذكرها الفقهاء في كتبهم ما ذكره ابن القيم رحمه الله في كتابيه "إعلام الموقعين" و"إغاثة اللهفان"، فقد ذكر في إعلام الموقعين مائة وسبعة عشر مثالا للحيل الجائزة، وذكر في إغاثة اللهفان ثمانين مثالا للحيل الجائزة، ولا داعي لتكرارها هنا بجملتها، وإنما أحيل القارئ إليها لتمعنها وتدبرها، وإنما كان قصدي هنا الإشارة إلى أن باب الحيل باب واسع، منه الجائز ومنه غير الجائز، وقد مضت الضوابط والأدلة والشواهد على كلا النوعين، وهذا الذي كتبته مختصر من العلم نافع، لا يستغني عنه طالب العلم، ولا يسع القاضي جهله، به تتبين مقاصد الشارع وأسرارها، وبه يعلم الفرق بين ما اشتبه على الناس من مسائل الحيل.
كما أود الإشارة أيضاً إلى كتابين عظيمين أيضاً في هذا الباب أحدهما "إقامة الدليل في إبطال التحليل" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
والآخر "الأذكياء" لابن الجوزي رحمه الله حيث أفردها بأبواب خاصة، وأكتفي بذكرهما عن غيرهما.
1 صحيح البخاري جـ 6 ص 4، صحيح مسلم جـ 8 ص 112.
2 زاد المعاد جـ2 ص 291-292.
3 انظر تفاصيل القصة في فتح الباري جـ 6 ص 98، وكتب السير والمغازي.
4 انظر تفاصيل القصة في فتح الباري جـ7 ص 242، وكتب السير المغازي.
كما أثر عن السلف من الحيل التي لا تناقض مقاصد الشارع مالا يحصى، وهي في بابها تحتاج إلى مؤلف خاص بها فلتراجع في مظانها من الكتب التي أشرت إليها آنفاً.
هذا ما أحببت بيانه وتوضيحه لأولي الألباب، الذين يمسكون بالكتاب، من أهل العلم والطلاب، والله أسأل أن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرفع به ذكري، ويحط به وزري، وعلى الله التكلان، وهو المستعان، وبه الاعتصام من كل شيطان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.