المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌إعطاء الحروف حقها - الخطابة عند العرب

[محمد الخضر حسين]

الفصل: ‌إعطاء الحروف حقها

‌إعطاء الحروف حقَّها

ومما يُقِيمُ الخطبة ويكسوها رَوْنَقًا، أن يلفِظ الخطيبُ بالحروف مُتَمَكِّنَةً من مخارجها، وقد كان العرب يحتفلون بهذا الوجه من الحُسْن، فيأسفُ الخطيب على سقوط شيءٍ من أسنانه، وإنما يأسف لأنه يَفُوتُه النطقُ ببعض الحروف على وجهها الصحيح. سقطت ثنايا عبد الملك بن مروان فَشَدَّها بالذهب وقال:"لولا المنابرُ ما باليتُ متى سَقَطَتْ".

وكانوا يفضِّلون الخطيب الذي يمكِّن الحروف من مخارجها على الخطيب الذي يضع الحرف بمخرج غيرِ مكين. خطب الجُمَحِيُّ، وكان منزوعَ إحدى الثَّنِيَّتَيْنِ، فكان عندما ينطق يُخالط نطقَه شيءٌ يُشبِه الصَّفِير، وخَطَب عَقِبَهُ زيدُ بنُ عليِّ بنِ الحسين، فأجاد الخطيبان إلا أنَّ زيد بن عليٍّ فَضَل الجُمَحِيَّ بتمكين الحروف وحسن مخارج الكلام، فقال عبد الله بن معاوية يذكر ذلك:

صَحَّتْ مخَارجُهَا وتَمَّ حروفُها

فلهُ بذاك مَزِيَّةٌ لا تُنْكَرُ

ولِهُجْنَةِ الحروف غيرِ المتمكِّنة، ونُبُوِّها عن السمع، كان بعض الخطباء الذين يُبْلَوْنَ بنحو اللُّثْغَةِ يَتجنَّبون في كلامهم الحرفَ الذي يَتعذَّرُ

ص: 189

عليهم أن يلفِظوا به على وَجْهٍ سليم، ومثل هذا واصل الغَزَّال، فقد كان ألثغَ قبيحَ اللُّثغَة في النُّطْقِ بالراء، فكان يتحامَى أن ينطِق بكلمةٍ تحتوي على الراء، على كثرة تردد الرَّاء في الكلام، ولقوَّة عارِضَتِه، وغَزَارة مادَّته من اللغة استطاع أن يلقيَ الخُطَبَ الطِّوَال دون أن يأتيَ على لفظٍ يشتملُ على هذا الحرف، وقد مَدَحَه بهذا الصنيع بعضُ الشعراء فقال:

عليمٌ بإبدالِ الحروفِ وقَامِعٌ

لكلِّ خطيبٍ يغلبُ الحقَّ بَاطِلُهْ

ومما يؤخذ به الخطيب أن ينطقَ بالألفاظ في عَجَلٍ حتى يَصِلَ الحرفَ أو اللفظَ بأخيه قبل أن يستقرَّ الحرفُ أو اللفظُ الأول في موضعِه، والأدب الجميل أن يمكِّن الحروف تمكينًا، ويفصِّلَ الكلمات تفصيلاً، وكذلك كان كلامُ أفصحِ الخليقة صلوات الله عليه، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:"ما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسْرُدُ سَرْدَكم هذا، ولكنَّه كان يتكلَّم بكلامٍ بَيِّنٍ فَصْلٍ يحفظُه مَنْ جلس إليه".

ص: 190