المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ مؤثرات أخرى - الرأي العام في المجتمع الإسلامي

[إبراهيم زيد الكيلاني]

الفصل: ‌ مؤثرات أخرى

فالعالم العاقل حتى يكون قدوة حسنه بعلمه ونزاهته وزهده وجرأته وصدقه وإخلاصه جدير به أن يؤثر بالجماهير ويقودها، ولقد حفل تاريخنا الإسلامي بالأمثلة العديدة لهذه القيادة التي قاد بها العلماء الرأي العام لمواجهة بدع المعتزلة في خلق القرآن وتأثير الفلسفة اليونانية في الفكر الإسلامي وضرب هذا الاتجاه الفلسفي ضربة قاصمة بعلمه وصبره وجهاده وثقة الناس به العالم أحمد بن حنبل- رضي الله عنه والشيخ العز بن عبد السلام- رضي الله عنه قاد الرأي العام في المجتمع الإسلامي لمواجهة الحاكم الذي تعاون مع الصليبين ضد المسلمين، ولمواجهة الانحراف في المجتمع والفساد الذي كان وراءه بعض الأفراد.

والإمام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- وتلميذه ابن القيم قاد الرأي العام وأذكى شعلته لمواجهة التتار من جهة. ولمحاربة البدع والأفكار الدخيلة في المجتمع من جهة أخرى، وكان جهاده في ميدان الفكر كجهاده في ميدان المعركة يعطي الصورة الكريمة للعالم المسلم القادر على قيادة الجماهير بعلمه وموقفه، بقلمه وجهاده، حتى لا ينفصل العلم عن الموقف، ولأن الناس لا ينظرون إلى العلماء بألقابهم ووظائفهِم ورتبهم فحسب، وإنما ينظرون إليهم بسيرتهم وحسن اقتدائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم جهاداً ودعوة.

ص: 247

(3)

‌ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

والعلماء في المجتمع الإسلامي هم المسؤولون بالدرجة الأولى عن القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وللقيام بهذه الفريضة آثارها الكبيرة في إيجاد الرأي العام الصالح في المجتمع الإسلامي، ولهذا كانت الآيات الكثيرة في القرآن الكريم مبينة هذه الفريضة داعية الأمة إلى القيام بها. ومنها:

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . (آل عمران: 104) .

ومن صفات المؤمنين الصالحين أنهم: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

{يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ} . (التوبة: 71) .

ص: 247

-وهناك‌

‌ مؤثرات أخرى

في تكوين الرأي العام، عمل الإسلام على توجيهها وربطها بقواعده ومبادئه وهي:

(أ) البيت:

وقد أشار القرآن الكريم إلى الذرية الصالحة التي تتبع الوالدين على

ص: 247

طريق الإيمان {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم} . (الطور: 21)، وأشار إلى خطر انفصال الولد عن أبيه والأسرة عن بعضها إذا انحلت عرى الإيمان فقال:{لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ} . (المجادلة: 22) .

وفي الحديث الشريف: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه 1 "وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ".

(ب) المدرسة:

وهى بيوت العلم التي حرص الإسلام على أدائها لرسالتها مهتدية بقواعد الإسلام ومبادئه في المنهج، والكتاب، والعلم، وحذر أشد التحذير من انحرافها عن الكتاب والسنة، ووجه لأن تكون العلوم المختلفة خادمة العقيدة والإيمان بالله ووحدانيته، حتى لا يتناقض ما يقرأه الطالب في درس التربية الإسلامية عما يقرأه في المباحث الأخرى، ولتكون الثقافة الواحدة التي يتربى عليها أفراد المجتمع في المدارس ثقافة واحدة، توحد الفكر ولا تمزقه، وتساعد على إيجاد رأي عام واحد صالح يخدم أهداف الإسلام ويرعى مبادئه.

لقد أثمرت الثقافة الإسلامية الواحدة التي تلقتها الأمة في المسجد والمدرسة وحدة في الاتجاه العام والرأي العام جعل أبناءها في العصور السالفة على اختلاف تخصصاتهم العلمية في الحديث، والتفسير، والفقه واللغة، والفلك والكيمياء والفيزياء والطب والهندسة أبناء ثقافة واحدة، تسلك طريقهم، وتوحد خطاهم في المجتمع، وتصنع وحدتهم وتقيم أواصر التعاون فيما بينهم. وحين وقع الانفصال بين الجامع والجامعة، وبين المدرسة والمسجد، وبين مصادر التوجيه، والدين، وأخذت تتسرب للأمة الثقافات المتعددة نتيجة الغزو الفكري الأجنبي، وسيطرة المستشرقين وتلاميذهم على معظم الجامعات في البلاد الإسلامية

وانتقل هذا التأثير المنحرف إلى المناهج والكتب المدرسية في مراحل الدراسة الابتدائية والإعدادية والثانوية في بلاد المسلمين، حين حصل هذا وقع الانفصال بين ثقافة الأمة وشخصيتها الحضارية المستمدة من دينها وتاريخها وأصولها. وأصبح الرأي العام يتأثر تأثراً كبيراً بقيم جديدة وثقافات غريبة أوجدتها مراكز التوجيه المنحرفة. وأصبحت مهمة العلماء صعبة شاقة، ورسالتهم كبيرة ضخمة لإيجاد التغيير في المجتمع، والعودة إلى قيادة الأمة والرأي العام فيها من جديد.

1 متفق عليه.

ص: 248

بالإضافة إلى المؤثرات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى التي شغلت الناس بالمادة عن الله وعبادته.

4-

من مبادئ الإسلام أن يرجع المسلم إلى العلماء المشهود لهم بالصدق والنزاهة للتعرف على أحكام الله، ومتابعتهم قال تعالى:{فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} .

{وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} . (النساء:83) .

5-

من مبادئ الإسلام أن الذي يصيب مسلما بسوء يصيب المجتمع كله، ومن هنا حرم الإسلام الإشاعات الباطلة ونزلت الآيات في حديث الإفك تربية للأمة وتطويراً للرأي العام فيها وصيانة له من الانحراف والجرأة على الباطل بدون بينة 1.

6-

من مبادئ الإسلام فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والآيات كثيرة تدل على وجوبها.

وسائل الإعلام والتوجيه المختلفة:

لوسائل الإعلام من إذاعة وتلفزيون وصحافة أثرها في إيجاد الرأي العام، فالرأي العام هو أساس الإعلام

فهدف الإعلام الأول إيجاد الرأي العام أو توجيهه نحو قضية ما أو وجهة نظر مطلوبة وتأثير الإعلام في الرأي العام راجع إلى اتصاله المباشر بالجماهير على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم الثقافية.

ورجل الإعلام الناجح هو الذي يعرف نفسية الجماهير ورغباتهم ويحاول توجيهها لمصالح فكرته ومؤسسته.

ودخول وسائل الإعلام كل بيت بغير استئذان، وعرضها للفكرة بوسائل الإقناع المختلفة في أوقات النهار المختلفة يجعل لها التأثير البالغ على عقول الجماهير وإيجاد الرأي. العام في الأمة.

ومن هنا كانت خطورة أجهزة الإعلام وأهميتها البالغة إيجاباً أو سلباً، ومن هنا كان على العلماء في البلاد الإسلامية واجب كبير في توجيه هذه الأجهزة "السيطرة عليها حتى تكون معبرة عن عقيدة الأمة وحضارتها، داعية إليها بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا يقتضي أن تكون لهذه الأجهزة رسالة وفلسفة واضحة تلتقي مع رسالة أجهزة التوجيه

1 نزلت (18) آية في سورة النور في هذا الموضوع.

ص: 249