المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القسم الأول: عرض لآراء المسلمين حول منهجية توثيق السنة بالاعتماد على نقد السند والمتن معا - الرد على مزاعم المستشرقين جولد تسهير ويوسف شاخت ومن أيدهما من المستغربين

[عبد الله الخطيب]

الفصل: ‌القسم الأول: عرض لآراء المسلمين حول منهجية توثيق السنة بالاعتماد على نقد السند والمتن معا

‌القسم الأول: عرض لآراء المسلمين حول منهجية توثيق السنة بالاعتماد على نقد السند والمتن معا

تمهيد: آراء المسلمين في توثيق السنة وأهمية الإسناد

ينقسم علم الحديث النبوي الشريف إلى قسمين رئيسين هما (1) علم الحديث رواية وعلم الحديث دراية، أما علم الحديث رواية فهو:«العلم الذي يقوم على ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقية نقلا دقيقا محررا» (2)، وأما علم الحديث دراية أو علم مصطلح الحديث فهو كما يقول ابن جماعة:«معرفة القواعد التي يعرف بها أحوال السند والمتن» (3) ، وهو كذلك علم يعرف منه حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها، وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات

(1) تعني كلمة الحديث الجديد ضد القديم، وتعني القصة، وحدث الشيء حدوثا: وقع، وجد. ولمزيد من المعلومات انظر: إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، (بيروت: دار العلم للملايين، 1399?/1979م) ، ط2، ج:1، ص: 278 -279، وإبراهيم مصطفى وعبد السلام هارون وآخرون: المعجم الوسيط، (القاهرة: مجمع اللغة العربية، لا ت.) ، ج: 1، ص: 160، ومحمد الصباغ، الحديث النبوي، مصطلحه، بلاغته، كتبه، (بيروت: 1982م/1402?) ، ص: 139- 140.

Th. W. Juynboll، art." HADITH “، EI، vol. iii ، p.; J. Robson، art. “ HADITH “، EI ، vol. iii، p..

(2)

السيوطي، تدريب الراوي شرح تقريب النواوي، تحقيق عزت عطية وموسى محمد علي، (القاهرة: دار الكتب الحديثة، 1980م) ، ج: 1، ص: 40، وقارن بمحمد عجاج الخطيب، أصول الحديث، علومه ومصطلحه، (بيروت: دار الفكر، 1419?/1998م) ، ط1، ص:6.

(3)

عصام البشير، أصول منهج النقد عند أهل الحديث، (بيروت: 1912م/1412?) ، ط2، ص: 68، وقارن بالسيوطي، تدريب الراوي شرح تقريب النواوي، ص:40.

ص: 3

وما يتعلق بها (1) .

وأما السنة اصطلاحا: فهي تعني عند المحدثين: «كل ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقية أو خُلُقية، أو سيرة» (2) ، ويضاف إلى تعريف السنة والحديث بعض ما أضيف للصحابي وللتابعي (3) .

وقد أدى علم المصطلح وظيفة الحفاظ على السنة النبوية من خلال قواعد دقيقة لنقد السند والمتن مما أدى لمعرفة أنواع الحديث والتمييز بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع. والوظيفة الأخرى التي أداها علم المصطلح هو تقسيم الحديث إلى مقبول ومردود؛ ولهذا يعتقد المسلمون أن ما عندهم من أحاديث مقبولة هي فعلا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين؛ لأنها نقلت إلينا بواسطة رواة ثقات يعتمد عليهم.

وتعتمد صحة الحديث على صحة الإسناد والمتن معا. والسند لغة هو: ما ارتفع من الأرض

(4)، أما السند اصطلاحا فهو: سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وحتى تدوين الحديث في كتب الحديث

(1) السيوطي، تدريب الراوي شرح تقريب النواوي، ج: 1، ص:40.

(2)

محمد عجاج الخطيب، أصول الحديث، ص:14.

(3)

لمزيد من المعلومات عن تعريف الحديث انظر: نور الدين العتر، منهج النقد في علوم الحديث، (دمشق: 1412/1992) ، ط3، ص: 26- 27 وقارن بمحمد الصباغ، الحديث النبوي، ص: 140، 146 – 148، ومحمد عجاج الخطيب، أصول الحديث، ص:15.

p. i John Burton، Hadith studies، (Manchester) ،

(4)

محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، (بيروت: دار مكتبة الحياة، لا ت.) ، ج: 1، ص: 381-382.

ص: 4

المعتمدة، أو هو الإخبار عن طريق المتن (1) وإنما سمي السند بالسند، كما قال ابن جماعة؛ لأن الحفاظ يعتمدون في صحة الحديث أو ضعفه عليه (2) . فالإسناد هو قسم أساسي من الحديث، ولذا يقال: إن علم الإسناد هو نصف علوم الحديث، فالإسناد هو المسبار الذي يحاكم كل ما يقال، والحديث الذي لا سند له كبيت لا سقف له أو لا أساس له. (3)

لقد اهتم العلماء المسلمون بالإسناد وبينوا أهميته من خلال عبارات مشهورة فقد قال محمد بن سيرين: «إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم» (4)، وقال سفيان الثوري:«الإسناد هو سلاح المؤمن. فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟» (5)، وقال عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (6) ، ولهذا فعندما كان يسأل أهل البدع عمن أخذوا الحديث كانوا يسكتون لئلا يفتضحوا.

(1) السيوطي، تدريب الراوي شرح تقريب النواوي، ج: 1، ص: 43، وانظر: John Burton، Hadith studies، p.i..

(2)

السيوطي، تدريب الراوي شرح تقريب النواوي، ج: 1، ص: 43، وانظر:. p.،art. HADITH: EIvol. iiiTh. W. Juynboll

(3)

عصام البشير، أصول منهج النقد عند أهل الحديث، ص:61.

(4)

مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1374?/1955م) ، ط1، ج:1، ص: 14، وقارن بـ

J. Robson، '' The Isn?d in Muslim Traditions''، Glag University Ori. ،Soci. Trans.P. ، () .

(5)

محمد بهاء الدين، المستشرقون والحديث النبوي، (عمان: دار النفائس، 1420هـ/1999م) ، ط1، ص: 15 – 16، نقلا عن ابن أبي حاتم، المجروحين، ج:1، ص: 19، والخطيب البغدادي، شرف أصحاب الحديث، ص:42.

(6)

مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، ج: 1 ص:15.

ص: 5

ولما للإسناد من أهمية بين العلماء المسلمين فقد تعدى استخدامه لكل العلوم كعلم الأدب العربي، والتاريخ والطب وغيرها من علوم. (1) وكان من ثمرة اهتمام المسلمين بالإسناد نشأة علم سمي بعلم الجرح والتعديل (2)، وكما يقول المستشرق سبرنجر Sprenger: إن المسلمين درسوا تراجم ما يقرب من نصف مليون راوٍ (3) ، وكل ذلك من أجل الحديث النبوي الشريف.

بدأ المسلمون بالاهتمام الزائد بالسؤال عن الإسناد بعد فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، ففي ذلك الزمان نشطت حركة الوضع. واتخذ المحدثون اجراءات وقائية لمنع الكذابين من ترويج كذبهم، وللحفاظ على السنة فاستخدموا ضدهم سلاح الإسناد، يقول الإمام الثوري: عندما اخترع الكذابون أسانيد كاذبة استخدمنا ضدهم تاريخ الرواة (4) .

ويقول محمد بن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة -أي الحرب بين علي ومعاوية رضي الله عنهما (5) قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا

(1) عبد الفتاح أبو غدة، الإسناد من الدين، (بيروت: 1992م/1412?) ، ص: 35 – 36.

(2)

انظر: إبراهيم بن الصديق، علم علل الحديث من خلال كتاب الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام لأبي الحسن بن القطان الفاسي، (المغرب: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1415/1995) ، ط1، ج:1، ص: 36-37. وانظر كذلك

J. Robson، art.”Al-Djarh wa al-Ta’dil”، EI، vol.ii، p..

(3)

عبد الفتاح أبو غدة، الإسناد من الدين، ص:32.

(4)

عصام البشير، أصول منهج النقد عند أهل الحديث، ص:80.

(5)

يرى بعض المستشرقين أن تاريخ الفتنة بدأ عام 126 هـ/ 743 م وذلك عندما قتل الخليفة الأموي الوليد بن يزيد، ولذلك فالبدء باستخدام الإسناد عندهم يرجع لعام 120 هـ. ولمزيد من المعلومات انظر Azami، Studies، p. 213 – 218

ص: 6

أنهم اختلفوا في تأويلها وفهمها. ومثال ذلك الأحاديث التي تمنع المرأة البكر من الزواج بغير إذن وليها (1) ، هذه الأحاديث قد قبلت في المذهب الحنفي إلا أن الأحناف أولوها بأنها مصروفة إلى المرأة التي لم تبلغ، أما المذهب الشافعي فقد قبل هذه الأحاديث وعمم مضمونها ليشمل المرأة البكر البالغ وغير البالغ.

4-

اعتمد نشوء المذاهب العقدية في القرون الثلاثة الأولى للإسلام على تفسيرات عديدة لنصوص القرآن والسنة.

5-

إن علم مختلف الحديث خير شاهد على اعتناء العلماء بنقد المتون، فهذا العلم يعنى بالأحاديث النبوية الشريفة التي ظاهرها التعارض (2) . وقد اهتم العلماء مبكرا بهذا العلم بدءا من مؤلَّف الإمام محمد بن إدريس الشافعي: اختلاف الحديث (3) ، وغيره من المؤلفات ككتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، وكتاب مشكل الآثار للطحاوي. أضف إلى ذلك فقد ذكر العلماء وجوها عديدة للترجيح بين مختلف الحديث بعضها راجعة للسند وأخرى راجعة للمتن، ذكر منها الحافظ العراقي والسيوطي والآمدي مائة وجه وعشرة أوجه (4) . كل هذا يدل على عناية فائقة من علمائنا بنقد المتن حتى قال ابن خزيمة (311 هـ) :«ليس ثم حديثان متعارضان من كل وجه، ومن وجد شيئا من ذلك فليأتني لأؤلف له بينهما» (5) .

(1) انظر هذه الأحاديث ومعانيها في الشوكاني، نيل الأوطار، ج: 5، ص: 120 – 123

(2)

عبد المجيد السوسوة، منهج التوفيق والترجيح، (عمان: دار النفائس، 1998م) ، ص:54.

(3)

انظر الزركلي، الأعلام، ج:6، ص:26.

(4)

عبد المجيد السوسوة، منهج التوفيق والترجيح، ص: 331، 429 – 457.

(5)

المرجع السابق نفسه، ص: 71 – 72.

ص: 7

الدين عتر (1) ، وهمام سعيد (2) ، ومحمد عجاج الخطيب (3) ، ومحمد أبو شهبة (4) ، هؤلاء كلهم رفضوا آراء المستشرقين ومن تابعهم من المستغربين، تلك الآراء التي تزعم بأن نقد الحديث ومعرفة درجة صحته كانت تعتمد فقط على نقد السند دون المتن، والمشكلة كما يزعم هؤلاء أن نقد السند كان نقدا شكليا، وكان ينقصه منهجية النقد العامة لأي حديث نقد المتن الذي لم يكن له وجود عند العلماء المسلمين (5) .

أما آراء علماء السنة من المحدثين حول هذا الموضوع فهي أنه كان هناك تكامل وشمول في المنهج النقدي لدى المحدثين بحيث شمل السند والمتن معا، والأدلة من علم المصطلح كثيرة على هذه القضية بحيث نستطيع القول بأن زعم المستشرقين بأن العلماء اعتنوا بنقد السند دون المتن هو على شهرته أشد مزاعمهم ضعفا وأوضحها سقوطا (6) ، وإن علماء الحديث والفقه قد نقدوا المتن بما فيه الكفاية، ولكن المستشرقين ومن أيدهم يريدون لهذا النقد أن يتجاوز حدود الشرع مما يؤدي إلى رفض الأحاديث التي لم تجد قبولا لدى عقولهم المتحجرة.

(1) انظر كتابه منهج النقد في علوم الحديث.

(2)

انظر كتابه الفكر المنهجي عند المحدثين.

(3)

انظر كتابه أصول الحديث.

(4)

انظر كتابه دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين. وقد كتب العلماء والباحثون المعاصرون مؤلفات عديدة تتكلم على نقد المتن، ومن أهمها: 1- نقد المتن بين صناعة المحدثين ومطاعن المستشرقين لنجم عبد الرحمن خلف، 2- مقاييس نقد متون السنة لمسفر الدميني، 3- جهود المحدثين في نقد المتن لمحمد طاهر الجوابي، 4- منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي لصلاح الدين الإدلبي.

(5)

انظر جولدتسيهر، دراسات محمدية، ترجمة الصديق بشير نصر، في فصول من كتاب دراسات محمدية من مجلة كلية الدعوة الإسلامية، العدد10، طرابلس الغرب، 1993م، ص: 508 – 509.

(6)

نور الدين عتر، السنة المطهرة والتحديات، ص: 67 - 68.

ص: 8