الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل يوجد المجتهد المطلق
؟
أنزل الله سبحانه دينه ليسع الناس جميعاً. وليسع الأرض جميعاً، وليسع الزمان جميعاً من لدن محمد صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة.
وهذه السعة في الزمان والمكان والخلق على تعدد المشكلات واختلاف النيات وكثرة الاحتمالات لا يسعها عقل مهما أوتي من قدر في الحفظ والذكاء. والدين الذي أنزله سبحانه وتعالى ليس شأناً واحداً من شئون الناس، وإنما هو شئونهم جميعاً: حياتهم وموتهم، وعبادتهم ومعاملاتهم، وأخلاقهم. فما من شأن من شئونهم إلا وهو في إطار الدين وجوباً أو إباحة أو ندباً أو تحريماً أو كراهة، فقلوب الناس يجب صياغتها وفق عقائد هذا الدين وموازينه، وأخلاق الناس يجب تقويمها وفق أخلاق هذا الدين ومثالياته، ومعاملات الناس -على تعدد هذه المعاملات- قد وضع لها أصول وقواعد وضوابط لتحقيق العدل والسعادة، وتحت كل باب من هذه الأبواب فروع كثيرة جداً، وهذه الفروع تكثر بكثرة المشكلات وتتجدد بتجددها.
فلو جئت إلى باب العقائد ومسائل الإيمان -مثلاً- لعلمت
أنك تستطيع أن تلم بعقائد الإسلام وعلومه في الغيب في وقت يسير، ولكن إذا أردت تصحيح عقائد الناس وفقاً للعقيدة الإسلامية لوجدت أنك أمام بحر متلاطم من المشكلات والحوادث والباطل الذي يحتاج إلى ردود وتفنيد، ولو وجدت أيضاً أنك أمام شبهات حول الدين تكاد لا تدع فرعية من فرعيات هذه الدين إلا وشوهت صورتها وطمست معالمها، وكل هذا يحتاج إلى رد وإبطال. وهكذا فالحركة بهذا الدين تحتاج إلى جهد جهيد وجهاد طويل لا يقف عند حد، وكذلك الشأن في جميع أبواب علوم الإسلام التي تنظم حياة الناس جميعاً. ولما كانت هذه العلوم جميعها لا يستوعبها عقل، ولا يحيط بها فكر كان القيام بالدين جهاداً وعملاً ودعوة وقضاء وسياسة أمر متعذر لا يمكن أن نرى المجتهد المطلق الذي يعلم كل شيء ويفتي في كل شيء ويحكم على كل شيء، لأنه إن كان يوجد عالم على هذا النحو فليس إلا الله وحده العليم بكل شيء سبحانه وتعالى. وأما البشر فمهما أوتوا من سعة العلم، وسعة الأقوال وحدة الذكاء فلن يستطيعوا أن يحيطوا من الدين إلا بجوانب منه تضيق وتتسع بما ينعم الله سبحانه وتعالى على من يشاء منهم.
ولذلك لا يجوز بتاتاً أن نتصور المجتهد المطلق في أي