الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث الاحتجاج بها:
المطلب الأول: معنى حجية السنة ودليل ذلك:
معنى حجية السنة: "أنها دليل على حكم الله، يفيدنا العلم أو الظن به، ويظهره ويكشفه لنا. فإذا علمنا أو ظننا الحكم بواسطته: وجب علينا امتثاله والعمل به. فلذلك قالوا: معنى حجية السنة: وجوب العمل بمقتضاها. فالمعنى الحقيقي للحجية، هو: الإظهار والكشف والدلالة؛ ويلزم هذا وجوب العمل بالمدلول: حيث إنه حكم الله "(1) . فكل ما يأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما هو بأمر الله له؛ حيث إنه لا ينطق عن الهوى، بل هو مبلغ لما أوحاه الله إليه، سواءً كان ذلك الموحى إليه قرآناً أو سنة. قال تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3، 4] . وكما جاء في حديث الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، ألا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، لا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، ألا لا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الأَهْلِيِّ ولا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ ألا وَلا لُقَطَةٌ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إِلا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُمْ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُمْ فَلَهُمْ أَنْ يُعْقِبُوهُمْ بِمِثْلِ
(1) انظر حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص 243. وسيأتي مزيد لمسألة وجوب العمل بالسنة، في المبحث الثاني من الفصل الثالث.
قِرَاهُمْ" (1) . وروى أبو داود عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: نَزَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ وَمَعَهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَكَانَ صَاحِبُ خَيْبَرَ رَجُلا مَارِدًا مُنْكَرًا فَأَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَلَكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا حُمُرَنَا، وَتَأْكُلُوا ثَمَرَنَا، وَتَضْرِبُوا نِسَاءَنَا؟ فَغَضِبَ يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: "يَا بْنَ عَوْفٍ، ارْكَبْ فَرَسَكَ ثُمَّ نَادِ: أَلا إِنَّ الْجَنَّةَ لا تَحِلُّ إِلا لِمُؤْمِنٍ وَأَن اجْتَمِعُوا لِلصَّلاةِ. قَالَ فَاجْتَمَعُوا" ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: "أَيَحْسَ بُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ، ألا وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ وَعَظْتُ وَأَمَرْتُ وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْيَاءَ إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَإِنَّ اللَّهَ عز وجل لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا بِإِذْنٍ ولا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ ولا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ إِذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ" (2) .
فهذا الحديث يبين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوحي إليه القرآن الكريم، وأوتي مثله معه وهو السنة النبوية، فهي وحي مثل القرآن الكريم؛ حيث إنها من الله عز وجل، وأنه يجب العمل بهما.
(1) رواه الإمام أحمد في مسنده، 28/410-411، برقم 17174، ورواه أبو داود في سننه، 5/10-12، كتاب السنة، بَاب فِي لُزُومِ السُّنَّةِ، الحديث رقم 4604، وروى الجزء الأول منه الترمذي، 4/144، في كتاب العلم، بَاب مَا نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ حَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، الحديث رقم 2800، وابن ماجه، 1/6، كتاب المقدمة، بَاب تَعْظِيمِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالتَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ عَارَضَهُ، الحديث رقم 12، والدارمي، 1/144، كتاب المقدمة، بَاب السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ.
وهو صحيح، انظر: صحيح سنن أبي داود (3/117-118) ح4604، وصحيح سنن ابن ماجه برقم12.
(2)
رواه أبو داود في سننه، 3/436، كتاب الخراج والإمارة والفيء، بَاب فِي تَعْشِيرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اخْتَلَفُوا بِالتِّجَارَاتِ، الحديث رقم 3050، وإسناده ضعيف، انظر ضعيف سنن أبي داود/245 برقم 3050، والمشكاة (1/58) برقم 164 ج3.
وقد عنون الخطيب البغدادي في كتابه "الكفاية" بقوله: "باب ما جاء في التسوية بين كتاب الله تعالى وحكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب العمل ولزوم التكليف"(1) .
"وصحة الاستدلال بحديث يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على عقيدة دينية أو حكم شرعي، يتوقف على أمرين:
الأول: ثبوت أن السنة - من حيث صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم حجة وأصل من أصول التشريع" (2) . وهذه المسألة لم يخالف فيها أحد من العلماء في الجملة؛ بحيث ينكرها كلها فلا يحتج بشيء منها (3) .
"الثاني: ثبوت أن هذا الحديث قد صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق من طرق الرواية المعتمدة"(4) .
وإذا ثبتت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن اتباعها واجب على كل مسلم؛ وبهذا جاء القرآن الكريم، يأمرنا باتباع كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث يقول سبحانه وتعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7] .
(1) ص 23. ثم ذكر تحته حديث المقدام المذكور آنفاً من طرق مختلفة.
(2)
حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص 245.
(3)
انظر: حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص 248.
(4)
حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص 245.