الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نماذج من مرويات السيرة النبوية من مجمع الزوائد للهيثمي
(1) .
أولاً: (من كتاب المغازي والسير) :
1-
وعن جُبير بن نُفير قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوماً، ومر بنا رجلٌ واستمعنا إليه، فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت، فأقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل أن يتمنى محضراً غيَّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف يكون فيه! والله لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وس
لم أقوامٌ كبهم الله على مناخرهم في جهنم؛ لم يجيبوه، ولم يصدقوه، ألا يحمد الله تعالى أحدكم ألا تعرفوا إلا ربكم، مصدِّقين بما جاء به نبيكم، فق
_________
د كُفيتم البلاء بغيركم، والله لقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبي من الأنبياء، في فترة وجاهلية، لم يروا أن ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى إن كان الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً، وقد فتح الله تعالى قُفلَ قلبه للإيمان، ليعلم أنه قد هلك من دخل النار فلا تقر عينه، وهو يعلم أن حميمه في النار وأنها التي قال الله تعالى:{رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} (الفرقان: 74) .
رواه الطبراني بأسانيد، في أحدها يحيى بن صالح، وثقه الذهبي، وقد تكلموا
_________
(1)
ليعلمَ أنني قد أضيف أحياناً إلى نص (مجمع الزوائد) من (الأصل المستخرج منه) زيادات يسيرة مما قد يقتضية المقام؛ لإكمال نقص، أو توضيح معنى، دون أن أشير إلى ذلك.
فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح (1) .
2-
وعن الحارث بن الحارث قال: قلت لأبي: ما هذه الجماعة؟ قال هؤلاء القوم الذين اجتمعوا على صابئ لهم، قال: فنزلنا، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى توحيد الله عز وجل والإيمان به، وهم يردون عليه ويؤذونه، حتى انتصف النهار، وانصدعَ الناس عنه، أقبلت امرأة قد بدا نحرها تحمل قدحاً ومنديلاً، فتناوله منها فشرب وتوضأ، ثم رفع رأسه، فقال:"يا بنية خَمِّري عليك نحرك، ولا تخافين على أبيك" قلنا: من هذه؟ قالوا: هذه زينب بنته. رواه الطبراني ورجاله ثقات (2) .
3-
وعن عبد الله بن مسعود قال: ما سمعنا مناشداً ينشد حقاً له أشدَ مناشدة من محمد صلى الله عليه وسلم يومَ بدر؛ يقول: "اللهم أنشدك ما وعدتني، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد"، ثم التفت كأن وجهه القمر، فقال:"كأنما أنظر إلى مصارع القوم عشية".
(1) مجمع الزوائد 6/17، والمعجم الكبير 2/253، وإسناده:(حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا نعيم بن حماد ح وحدثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا يحيى الحماني قالا ثنا ابن المبارك عن صفوان بن عمرو حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال:..) .
(2)
مجمع الزوائد 6/21، والمعجم الكبير 3/268، وإسناد الحديث: (حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، والحسين بن إسحاق التستري، قالا: ثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد الغفار بن إسماعيل بن عبيد الله، ثنا الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، ثنا الحارث بن الحارث الغامدي، قال:
…
) .
رواه الطبراني، ورجاله ثقات، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه (1) .
4-
وعن أنس والحسن قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى، يوم بدر، فقال:" إن الله عز وجل قد أمكنكم منهم " قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، قال ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس" قال: فقام عمر، فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: يا رسول الله ترى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء. قال: فذهب عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم، قال: فعفا عنهم، وقبِلَ منهم الفداء، قال، وأنزل الله عز وجل {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} الآية..) سورة الأنفال:68) رواه أحمد عن شيخه علي بن عاصم بن صهيب، وهو كثير الغلط والخطأ، لا يرجع إذا قيل له الصواب، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح (2) .
(1) مجمع الزوائد 6/82، المعجم الكبير 10/147، وإسناده:(حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصبهاني، وعبدان بن أحمد، وعلي بن بسطام الزعفراني، قالوا: ثنا سهل بن عثمان، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال:..)
(2)
مجمع الزوائد 6/87، ومسند الإمام أحمد 3/243، وإسناده:(حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا علي بن عاصم، عن حميد، عن أنس، وذكر رجلا، عن الحسن، قال:..) .
5-
وعن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب، وكنت قد أسلمْتُ، وأسلمَتْ أم الفضل، وأسلم العباس، وكان يكتم إسلامه مخافة قومه، وكان أبو لهب تخلف عن بدر، وبعث مكانه العاص بن هشام، وكان له عليه دين، فقال له: اكفني من هذا الغزو، وأترك لك ما عليك، ففعل. فلما جاء الخبر، وكبتَ الله أبا لهب، وكنت رجلاً ضعيفاً أنحتُ هذه الأقداح في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس أنحت أقداحي في الحجرة، وعندي أم الفضل، إذا الفاسق أبو لهب يجر رجليه، أراه قال: حتى جلس عند طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فقال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث، فقال أبو لهب: هلمَّ إلي يابن أخي، فجاء أبو سفيان حتى جلس عنده، فجاء الناس فقاموا عليهما، فقال: يابن أخي، كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء، والله ما هو إلا أن لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا، وايم الله ما لمتُ الناس، قال: ولِمَ؟ فقال: رأيت رجالاً بيضاً على خيل بُلق، لا والله ما تُليق (1) شيئاً، ولا يقوم لها شيء، قال: فرفعت طنب الحجرة، فقلت: تلك والله الملائكة، فرفع أبو لهب يده فلطم وجهي، وثاورته؛ فاحتملني فضرب بي الأرض حتى نزل علي، وقامت أم الفضل، فاحتجزت، وأخذت عموداً من عمد الحجرة، فضربته به، ففلقت في رأسه شجة منكرة، وقالت: أي عدو الله، استضعفتَه أنْ رأيت سيده غائباً عنه! فقام ذليلاً، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى ضربه الله بالعدسة (2) فقَتَلَتْه، فتركه ابناه يومين أو ثلاثة ما يدفنانه، حتى أنتن، فقال
(1) أي: ما تمسك.
(2)
بثرة تخرج في البدن كالطاعون، وقلما يسلم صاحبها. المعجم الوسيط 2/587.
رجل من قريش لابنيه: ألا تستحييان أن أباكما قد أنتن في بيته؟ فقالا: إنا نخشى هذه القرحة، وكانت قريش تتقي العدسة كما تتقي الطاعون، فقال رجل: انطلقا فأنا معكما، قال: فوالله ما غسَّلاه إلا قذفاً بالماء من بعيد، ثم احتملوه، فقذفوه في أعلى مكة إلى جدار، وقذفوا عليه الحجارة.
رواه الطبراني والبزار وفي إسناده حسين بن عبد الله بن عبيد الله وثقه أبو حاتم وغيره وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات (1) .
6-
وعن الزبير قال: اجتمعت على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة يوم أحد، فلم يبق أحدٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعني: بالمدينة - حتى كثرت القتلى، فصرخ صارخٌ: قد قتل محمد، فبكين نسوة، فقالت امرأة: لا تعجلن بالبكاء حتى أنظر، فخرجت تمشي ليس لها همٌّ سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسؤال عنه.
رواه البزار، وفيه عمرو بن صفوان، وهو مجهول (2) .
7-
وعن حسيل بن خارجة الأشجعي قال: قدمت المدينة في جَلَبٍ أبيعُه، فأتي بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:" أجعلُ لك عشرين صاعاً، من تمرٍ، على أن تدلَّ أصحابي على طريق خيبر"، ففعلتُ، فلما قدم رسول الله
(1) مجمع الزوائد 6/88- 89، والمعجم الكبير 1/308، وإسناده:(حدثنا موسى بن هارون، ثنا إسحاق بن راهويه، حدثنا وهب بن جرير، حدثني أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يقول: حدثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:..) ؛ وانظر المستدرك على الصحيحين، للحاكم 3/363، الحديث رقم:5403.
(2)
مجمع الزوائد 6/115، ومسند البزار 3/199، وإسناده:(حدثنا أحمد بن يحيى الكوفي، قال: نا إبراهيم بن علي، قال: نا عمرو بن صفوان، عن عروة بن الزبير، عن أبيه، قال:..) .
صلى الله عليه وسلم خيبر، وفتحها، جئت فأعطاني العشرين، ثم أسلمت.
رواه الطبراني وفيه عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف (1) .
8-
وعن عروة بن الزبير، قال: وفرَّ عكرمة بن أبي جهل عامداً إلى اليمن، وأقبلت أم الحكيم بنت الحارث بن هشام، وهي يومئذ مسلمة، وهي تحت عكرمة بن أبي جهل، فاستأذنتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في طلب زوجها، فأذن لها وأمَّنَهُ، فخرجت بعبدٍ لها روميٍّ فَرَاوَدَها عن نفسها، فلم تزل تُمنِّيه وتُقرِّب له حتى قدمت على أناس من عُكّ، فاستعانتهم عليه، فأوثقوه، فأدركت زوجها ببعض تهامة، وقد كان ركب سفينة، فلما جلس فيها نادى باللات والعزى، فقال أصحاب السفينة: لا يجوز أن تدعوَ هاهنا أحداً إلا الله وحده مخلصاً، فقال عكرمة: والله لئن كان في البحر، إنه لفي البر وحده، فأقسم بالله لأرجعن إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فرجع عكرمة مع امرأته، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعه، وقبلَ منه. ودخل رجلٌ من هذيل حين هُزمت بنو بكر على امرأته فاراً، فلامته وعجَّزته وعيَّرته بالفرار، فقال:
وأنتِ لو رأيتِنا بالخَنْدَمَة
إذ فرَّ صفوانُ وفرَّ عِكرمة
ولَحِقَتْنَا بالسيوف المُسلِمة
يقطعنَ كلَّ ساعدٍ وجُمجمة
(1) مجمع الزوائد 6/148، والمعجم الكبير 4/33، وإسناده:(حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أحمد بن سنان الواسطي، ثنا يعقوب بن محمد الزهري، ثنا عبد العزيز بن عمران، عن إبراهيم بن حويصة الحارثي، عن معن بن جويرية، عن حسيل بن خارجة الأشجعي، قال:..) .
لم تنطقي في اللَّومِ أدنى كَلِمَة
رواه الطبراني وهو مرسل، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف (1) .
ثانياً: (من كتاب علامات النبوة) :
9-
وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال عبد المطلب: خرجت إلى اليمن في إحدى رحلتي الإيلاف، فنزلت على رجل من اليهود، فرآني رجل من أهل الديور، فنسبني، فانتسبت له، فقال: أتأذن لي أن أنظر إلى بعضك؟ قلت: نعم، مالم يكن عورة، ففتح إحدى منخري فنظر، ثم نظر في الآخر، قال: أشهد أن في إحدى يديك ملكاً، وفي الأخرى نبوة، وإنا لنجد ذلك في بني زهرة! فكيف ذلك؟ قلت: لا أدري، قال: هل لك من شاعة؟ قلت: وما الشاعة؟ قال: زوجة، قلت: أما اليوم فلا، قال: فإذا رجعتَ فتزوجْ في بني زهرة، فرجعَ عبد المطلب، فتزوجَ هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، فولدت له حمزة وصفية، وزوَّج عبد الله ابنه آمنة بنت وهب، فقالت قريش: نتج عبد المطلب على ابنه، فولدت له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حمزة رضي الله عنه أخا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة؛ مولاة أبي لهب، وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه الطبراني وفيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك (2) .
(1) مجمع الزوائد 6/174- 175، والمعجم الكبير 17/372، وإسناده:(حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني حدثني أبي ثنا بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة في قصة الفتح قال وفر عكرمة..) ؛ وانظر المستدرك للحاكم 3/269، الحديث:5056.
(2)
مجمع الزوائد 8/230- 231، والمعجم الكبير 3/137 - 138، وإسناده:(حدثني العباس بن حمدان الحنفي الأصبهاني، ثنا علي بن أحمد الجواربي الواسطي، ثنا يعقوب بن محمد الزهري، ثنا عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن جعفر المخرمي، عن أبي عون مولى المسور بن مخرمة، عن المسور، عن ابن عباس، عن أبيه، قال: قال عبد المطلب:..) .
10-
وعن أبي أمامة قال: قلت: يا رسول الله، ما كان بدء أول أمرك؟ قال:"دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام". رواه أحمد، وإسناده حسن، وله شواهد تقويه، ورواه الطبراني (1) .
11-
وعن رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم -وكانت لِدة عبد المطلب- قالت: تتابعتْ على قريش سنونَ أمحلت الضرعَ وأدقت العظم، فبينا أنا راقدة الهمِّ أو مهمومة، إذا هاتف يصرخ بصوت صَحْلٍ (2) يقول: يا معشر قريش، إن هذا النبي المبعوث قد أظلتكم أيامه، وهذا إبَّانُ نجومه، فحيهلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلاً منكم وسيطاً عظاماً جساماً أبيضَ بضياء، أوطفَ أهدبَ، سهلَ الخدين، أشمَّ العِرنين، له فخرٌ يكظم عليه، وسنة يهدي إليه، فليخلص هو وولده، وليهبط إليه من كل بطن رجلٌ، فليشنُّوا من الماء، وليمسّوا من الطيب، وليستسلموا الركن، ثم ليرقوا أبا قبيس، ثم ليدعوَ الرجلُ، وليؤمِّن القوم، فغثتم ما شئتم، فأصبحتُ - علمَ الله - مذعورة، اقشعر جلدي، ووله عقلي، واقتصصت رؤيايَ، وفشت في شعاب مكة، فوالحرمة والحرم ما بقي بها أبطحي إلا قال: هذا شيبةُ الحمد، وتناهت إليه
(1) مجمع الزوائد 8/222، ومسند الإمام أحمد 5/262، وإسناده:(حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا أبو النضر، ثنا الفرج، ثنا لقمان بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة، قال: قلت:..)، والمعجم الكبير 8/175 وإسناده:(حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور الجوهري، ثنا عاصم ابن علي، ح وحدثنا محمد بن الفضل السقطي، ثنا سعيد بن سليمان، قالا: ثنا فرج بن فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أبي أمامة، قال: قيل:..) .
(2)
أي خشن.
رجالات قريش، وهبط إليه من كل بطن رجل، فشنوا، ومسوا، واستلموا، ثم ارتقوا أبا قبيس، واصطفوا حوله، ما يبلغ سعيهم مهله، حتى إذا استووا بذروة الجبل، قام عبد المطلب ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، غلامٌ أيفعٌ، أو كَرُبَ، فرفعَ يده، وقال: اللهم سادَّ الخُلَّة، وكاشف الكربة، أنت مُعْلِم غير مُعْلَم، ومسؤول غير مبخَّل، وهذه عبداؤك وإماؤك بِعَذِرَاتِ حَرَمِكَ يشتكون إليك، سَنَتُهم أذهبتْ الخفَّ والظلفَ، اللهم فأمطرن علينا غيثاً مغدقاً مريعاً. فورب الكعبة ما راموا حتى تفجرت السماء بمائها، واكتظ الوادي بثجيجه، فسمعتُ شيخانَ قريش وجُلَّتَها، عبدَ الله بن جدعان، وحربَ بن أمية، وهشامَ بن المغيرة، يقولون لعبد المطلب: هنيئاً لك أبا البطحاء (1)، وفي ذلك تقول رقيقة بنتُ أبي صيفي:
بشيبةَ الحمد أسقى الله بلدتَنا
…
وقد فقدنا الحيا واجلوَّذ المطرُ
فجاد بالماء جَوْنيٌّ له سَبَلٌ
…
سَحَا فعاشت به الأنعام والشجر
مَنّاً منَ الله بالميمونِ طائرُه
…
وخيرِ من بُشِّرت يوماً به مضر
مباركُ الأمر يُستسقى الغمامُ به
…
ما في الأنام له عِدل ولا خَطر
رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم (2) .
12-
وعن سعيد بن أبي راشد قال: رأيت التنوخيَّ رسولَ هرقل
(1) أي عاش بك أهل البطحاء.
(2)
مجمع الزوائد 8/219، والمعجم الكبير 24/259- 260، وإسناده:(حدثنا محمد بن موسى بن حماد البربري، ثنا زكريا بن يحيى أبو السكن الطائي، ثنا عم أبي زجر بن حصن، عن جده حميد بن منهب، قال: حدثني عروة بن مضرس، قال: حدث مخرمة بن نوفل، عن أمه رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم..) .
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص، وكان جاراً لي؛ شيخاً كبيراً قد بلغ الفَنَدَ، أو قربَ، فقلت: ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل؟ قال: بلى، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، وبعث دحية الكلبي إلى هرقل، فلما أن جاء كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا قسِّيسي الروم وبطارقتها، ثم غلق عليه وعليهم الدار، قال: نزل هذا الرجلُ حيث رأيتم، وقد أرسل إليَّ يدعوني إلى ثلاث خصال: يدعوني أن أتبعه على دينه، أو أن نعطيه مالنا على أرضنا، والأرض أرضنا، أو نلقي إليه الحرب، والله لقد عرفتم فيما تقرؤون من الكتب ليأخذن ما تحت قدمي، فهلمَّ نتبعه على دينه، أو نعطيه مالنا على أرضنا، فَنَخَروا نخرة رجل واحد، حتى خرجوا من برانسهم، وقالوا: تدعونا إلى أن نذر النصرانية، أو نكون عبيداً لأعرابي جاء من الحجاز، فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه رفاقهم وملكَه، قال: إنما قلت ذلك لكم: لأعلم صلابتكم على أمركم، ثم دعا رجلاً من عرب تجيب - كان على نصارى العرب - قال: ادع لي رجلاً حافظاً للحديث، عربي اللسان، أبعثُه إلى هذا الرجل بجواب كتابه، فجاءني فدفع إليَّ هرقل كتاباً، فقال: اذهب بكتابي إلى هذا الرجل، فما ضيَّعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال: انظر هل يذكر صحيفته التي كتب إلي بشيء؟ وانظر إذا قرأ كتابي، هل يذكر الليل؟ وانظر في ظهره هل به شيء يريبك؟ فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك، فإذا هو جالس بين أصحابه على الماء، فقلت: أين صاحبكم؟ قيل: ها هو ذا، فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه، فناولته كتابي فوضعه في حجره، ثم قال:" ممن أنت "؟ قلت: أنا أحد تنوخ، فقال:" هل لكَ في الحنيفية ملة أبيكم إبراهيم "؟ قلت: إني رسولُ قوم، وعلى دين
قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم، قال:{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (سورة القصص: 56) . يا أخا تنوخ إني كتبت بكتابٍ إلى كسرى فمزَّقه والله ممزِّقُه وممزقٌ ملكه، وكتبت إلى النجاشي فخرَّقها والله مخرِّقُه ومخرقٌ ملكَه، وكتبت إلى صاحبكم بصحيفة فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأساً ما دام في العيش خير ". قلت: هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي، وأخذت سهماً من جعبتي فكتبتها في جلد سيفي، ثم إنه ناول الصحيفة رجلاً عن يساره، فقلت: من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية، فإذا في كتاب صاحبي؛ تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين! فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار؟ " فأخذت سهماً من جعبتي، فكتبته في جلد سيفي، فلما فرغ من قراءة كتابي، قال:" إن لك حقاً، وإنك رسولٌ، فلو وجدتَ عندنا جائزة جوَّزناك بها، إنا سَفْرٌ مُرمِلون "، قال: فناداه رجل من طائفة الناس، أنا أجوزه، ففتح رحَله، فإذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري، فقلت: من صاحب الحلة؟ قيل: عثمان، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من يُنْزِلُ هذا الرجل"؟ فقال فتى من الأنصار: أنا، فقام الأنصاري، وقمت معه فلما خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"يا أخا تنوخ" فأقبلت أهوي حتى كنت قائماً في مجلسي الذي كنت فيه بين يديه، فحلَّ حبوتَه عن ظهره فقال:"هاهنا امض لما أمرتَ به" فجلت في ظهره، فإذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف، مثل الحجمة الضخمة. رواه عبد الله بن أحمد، وأبو يعلى،
ورجال أبي يعلى ثقات، ورجال عبد الله بن أحمد كذلك (1) .
13-
وعن حذيفة قال: بينا أنا أمشي في طريق المدينة، إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول:"أنا محمد، وأحمد، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، والحاشر، والمقفي، ونبي الملحمة" أو "الملاحم".
رواه أحمد، والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير عاصم بن بهدلة، وهو ثقة، وفيه سوء حفظ (2) .
14-
وعن أم أنس بن مالك قالت: كانت لنا شاة، فجمعت من سمنها في عُكة، فملأت العكة، ثم بعثت بها مع ربيبة، فقلت: يا ربيبة أبلغي هذه العكة رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتدمُ بها، فانطلقت ربيبةُ حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله عكة سمن بعثت بها إليك أم سليم، فقال:"فرِّغوا لها عكتها" ففرغت العكة، فدفعت إليها، فانطلقت، فجاءت أم سليم، فرأت العكة ممتلئةً تقطرُ، فقالت أم سليم: يا ربيبة، أليس قد أمرتك أن تنطلقي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: قد فعلت، فإن لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت أم سليم ومعها ربيبة فقالت: يا رسول الله، إني بعثتُ إليك
(1) مجمع الزوائد 8/235- 236، ومسند الإمام أحمد 3/441، وإسناده:(حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا إسحاق بن عيسى، قال: حدثني يحيى بن سليمان، عن عبد الله بن عثمان ابن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، قال:..) .
(2)
مجمع الزوائد 8/284، ومسند الإمام أحمد 5/405، وإسناده:(حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا روح وعفان، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن حذيفة، قال:..) ومسند البزار 7/294، وإسناده:(حدثنا الفضل بن سهل، قال: أخبرنا الأسود بن عامر، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، قال أخبرنا عاصم، عن أبي وائل، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال:..) .
معها بعكة فيها سمن، فقال:"قد فَعَلَتْ، قد جاءت بها"، فقالت: والذي بعثك بالهدى ودين الحق إنها لممتلئة تقطر سمناً. قال: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتعجبين أن كان الله أطعمك كما أطعمت نبيه كلي وأطعمي"، قالت: فجئت البيت فقسمت في قُعب لنا كذا وكذا، وتركت فيها ما ائتدمنا به شهراً، أو شهرين. رواه أبو يعلى، والطبراني إلا أنه قال: زينب بدل ربيبة، وفي إسنادهما: محمد بن زياد البرجمي، وهو اليشكري، وهو كذاب (1) .
ويظهر من خلال النصوص السابقة ما يأتي:
- أحكام مختلفة بين التوثيق والتجريح.
- أحاديث مختلفة بين الطول والقصر.
- الجمع بين أكثر من مصدر في استخراج الزوائد.
- التوقف عن الحكم على الإسناد في حال وجود راو غير معروف.
- التفصيل في حال بعض الرواة.
- الاعتبار بالشواهد.
- عدم التزام ألفاظ معينة في التوثيق والتجريح في حال بعض الرواة.
- التمييز بين الأسانيد المتصلة والمرسلة.
- تمييز سماع المتقدم من المتأخر.
- الدقة في تمييز الألفاظ الزائدة بين مصدر وآخر.
- اعتماد توثيق ابن حبان أحياناً، وأخرى توثيق الذهبي.
(1) مجمع الزوائد 8/309، مسند أبي يعلى 7/217، وإسناده:(حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا محمد بن زياد البرجمي، عن أبي الظلال، عن أنس بن مالك، عن أمه، قال:..) ، والمعجم الكبير 25/120، وإسناده:(حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا شيبان بن فروخ، ثنا محمد بن زياد البرجمي، ثنا أبو ظلال، عن أنس بن مالك، عن أمه، قالت:..) .