المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الأول: التحيز العنصري في المسلمات الأولية - العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت المتعلقة بالسنة النبوية

[خالد الدريس]

الفصل: ‌المبحث الأول: التحيز العنصري في المسلمات الأولية

‌الفصل الثاني: عيوب المنهج العلمي عند "شاخت

"

‌المبحث الأول: التحيز العنصري في المسلمات الأولية

.

الفصل الثاني: عيوب المنهج العلمي عند " شاخت "

ويشتمل على المباحث التالية:

المبحث الأول: التحيز العنصري في المسلمات الأولية.

المبحث الثاني: الانتقائية في اختيار المصادر.

المبحث الثالث: الشك غير المنهجي.

المبحث الرابع: إهمال الأدلة المضادة.

المبحث الخامس: التفسير المتعسف للنصوص.

المبحث السادس: التعميم الفاسد.

ص: 19

المبحث الأول: التحيز العنصري في المسلمات الأولية

لا يخلو أي بحث علمي من مسلمات أولية أو ما يسمى بالأفكار القبلية، لا يتكلم عليها الباحث ولا يصرح بها، ولكنه ينطلق منها في معالجة القضايا التي يتطرق لها في بحثه (1) ، والملاحظ أن " شاخت " كان في المسلمات الأولية في كتاباته عن السنة النبوية واقعاً تحت تأثير تحيز عنصري ضد العرب والمسلمين، وهو وإن لم يصرح بمسلماته بصورة جلية وواضحة

-لغايات لا تخفى على اللبيب-، إلا أن ذلك يظهر بجلاء في حكمه القاطع والجازم على صفوة الأمة وأوثق علمائها بأنهم من الكذابين، وأنهم اختلقوا الأسانيد ونسبوها زوراً وافتراءً لرسولهم صلى الله عليه وسلم.

ونتيجة لهذه المسلَّمة القاطعة التي تجذرت في وعيه، أشار إلى أن الأسانيد في كتب السنة، والتي تدل على اتصال الإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لا قيمة لها، ((بل هي كذب محض؛ لأن الأحاديث النبوية بكاملها لم توجد إلا في القرنين الثاني والثالث، فكيف يمكن أن نتصور وجود الأسانيد قبل وجود المتون؟ بل لا بد أن توجد المتون من قبل ثم تظهر الأسانيد لا العكس)) (2)، ويقول في تقرير هذا الأمر: ((إن أكبر جزء من أسانيد الأحاديث اعتباطي

وأي حزب يريد نسبة آرائه إلى المتقدمين، كان يختار تلك الشخصيات

(1) أوسع من رأيته تكلم على خطورة الأفكار القبلية الضمنية التي لا يصرح بها، وأثرها السيئ في صحة الأفكار والنظريات العلمية هو الدكتور ريمون بودون رئيس قسم العلوم الإنسانية في جامعة السوربون بباريس في كتابه " فن إقناع الذات بأفكار هشة ومشكوك فيها وخاطئة "(ص 117 - 196) .

(2)

المستشرق شاخت والسنة النبوية (1 / 83) .

ص: 21

ويضعها في الإسناد)) (1) ، وقد نقلنا عنه آنفاً أنه لا يعتقد بوجود أي حديث صحيح من أحاديث الأحكام المروية بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا الرأي القطعي - في نظره - يدل دلالة واضحة على أنه مبني على مسلمة أولية راسخة عنده، وهي أن علماء المسلمين قوم كذبة، كانوا يستبيحون الكذب ويستحلونه في أمور دينهم ولا يتورعون عنه، بل يفهم من كلامه أنهم مجمعون على ذلك، ومتواطئون عليه، ولو لم يكونوا كذلك في نظر "شاخت"؛ لما قرر نتيجته السابقة بعمومية وإطلاق ومن دون أي استثناءات أو قيود.

وسنناقش هذه المسلمة بما فيها من تحيز عنصري بغيض، مما يدل على أن الرجل واقع تحت تأثير الأفكار السابقة عن المسلمين الكامنة في عقلية عوام الغربيين.

ولكن قبل ذلك لابد من الإشارة إلى أن أهم صفة يجب أن يتحلى بها الباحث العلمي هي الإنصاف والعدل حتى مع خصومه ومخالفيه، والتي يعبر عنها المتخصصون في المنهج العلمي بالموضوعية. ويقرر أولئك العلماء أن أشد نواقض الموضوعية وقوادحها؛ التحيز ضد قومية أو فكرة أو مبدأ أو شخص أو مذهب.. إلخ.

ويحذر المختصون في المنهج العلمي أي باحث من الوقوع في التحيز أو التعصب العنصري؛ لأن ذلك يتعارض مع مبدأ الموضوعية، وسأورد فيما يلي نصوصاً منتقاة لبعض المختصين تؤكد هذه الحقيقة التي أصبحت إحدى مسلمات المنهج العلمي بصورة مطلقة.

(1) السابق.

ص: 22

يقول روبرت ثاولس: ((من الأمور التي تجعلنا ميالين إلى التفكير الأعوج، تحيزاتنا التي هي: طرق في التفكير تقررها سلفاً قوى ودوافع انفعالية شديدة، كالتي يكون مصدرها منافعنا الذاتية الخاصة، أو ارتباطاتنا الاجتماعية)) (1) . ويقول: ((إننا نكون تحت تأثير الهوى والتحيز في آرائنا ميالين إلى تصديق ما نرغب في تصديقه، أو ما نحتاج إليه أن يكون صحيحاً، وإلى إنكار ما نرغب في إنكاره، أو ما نحتاجه أن يكون باطلاً)) (2) .

ويقول فؤاد زكريا في كلام له عن التعصب - الذي هو وجه من وجوه التحيز والعنصرية - بوصفه أحد أهم عقبات التفكير العلمي،: ((التعصب هو اعتقاد باطل بأن المرء يحتكر لنفسه الحقيقة أو الفضيلة، وبأن غيره يفتقرون إليها، ومن ثم فهم دائماً مخطئون

فحين أكون متعصباً لا أكتفي بأن أنطوي على ذاتي وأنسب إليها كل الفضائل، بل ينبغي أيضاً أن أستبعد فضائل الآخرين وأنكرها وأهاجمها)) (3) .

وفي نص آخر كأنه يتكلم فيه على " شاخت " يشير فؤاد زكريا أن التعصب بكل أنواعه، كالتعصب العنصري، والتعصب القومي المتطرف وغيرها؛ كلها تشترك في سمة واحدة هي:((الانحياز إلى موقف الجماعة التي ننتمي إليها دون اختيار، ودون تفكير، والاستعلاء على الآخرين، والاعتقاد بأنهم " أحط ")) (4) .

(1) التفكير المستقيم والتفكير الأعوج (ص 183) .

(2)

السابق (ص 187) .

(3)

التفكير العلمي (ص 96) .

(4)

السابق (ص 99) .

ص: 23

ثم يعدد مضار التعصب على روح المنهج العلمي فيقول: ((وأعظم الأخطار التي يجلبها التعصب على العلم، هو أنه يجعل الحقيقة ذاتية، ومتعددة، ومتناقضة، وهو ما يتعارض كلية وطبيعة الحقيقة العلمية

كما ينطوي التعصب على تفكير أسطوري - خرافي - يتسم بطابع وهمي مختلق، وهو بطبيعته يشجع التفكير غير العقلي؛ لأنه هو الدعامة الوحيدة لموقفه، ومن هنا كان أساس النازية هو " أسطورة " الجنس الآري المتفوق، وكان أساس التفرقة العنصرية هو " أسطورة " الجنس الزنجي المنحط، إلى غير ذلك من الأساطير التي يستند إليها كل شكل من أشكال التعصب)) (1) .

ويقول أحد المختصين في منهجية البحث التاريخي: ((إذا وقع الباحث في أسر التعصب، كان من السهل وصمه بالذاتية التي هي نقيض الموضوعية والعلم)) (2) .

إن نظرة سريعة إلى الكتب التي تكلمت على المنهجية العلمية وشروطها؛ تعطينا حكماً عاماً بأن الباحث المتحيز لا يمكن أن تكون نتائج بحثه علمية بأي حال من الأحوال (3) .

وبعد أن ألممنا بموقف المختصين في منهجية البحث العلمي من التحيز والعنصرية، فلننظر ماذا فعل " شاخت "؟

(1) السابق (ص 99، 101) بتصرف يسير.

(2)

البحث في التاريخ قضايا المنهج والإشكالات (ص 20) .

(3)

انظر المنهج لإحكام قيادة العقل لديكارت (ص 36) ، والمنطق وفلسفة العلوم (ص 58 -59) ، وأصول البحث العلمي (ص 58، 59، 61) ، وفلسفة العلوم الميثودولوجيا (ص 99) ، والمدخل إلى البحث في العلوم السلوكية (ص 297) ، ومنهج البحث التاريخي (ص 19) ، والمدخل إلى مناهج البحث العلمي (ص26 - 27) .

ص: 24

لقد سلب من المسلمين أهم أخلاقهم الفاضلة، فنظر إليهم على أنهم مجموعة من الكذابين، فإن لم يكن هذا التعميم الذي أطلقه " شاخت " على علماء الدين المسلمين يعد تحيزاً عنصرياً وتعصباً مقيتاً، فليس في الدنيا من التعصب أو التحيز ما يستحق هذا الوصف.

إننا حين نقول: إن " شاخت " كان واقعاً تحت تأثير أفكار سابقة عنصرية تضمر احتقاراً للعرب والمسلمين وكراهية لهم، فإن شاهدنا على ذلك أحكام الرجل نفسه ونتائجه التي أعلنها، ويؤيد ذلك ما نعرفه من نصوص لبعض الغربيين أنفسهم من أن المستشرقين حين يبحثون في الإسلام والمسلمين، فإنهم يقومون بذلك من خلال ما ترسب في مخيلتهم الجماعية من صورة أسطورية خرافية مشوهة عن المسلمين، يقول الأستاذ محمد أسد - وهو في الأصل يهودي نمساوي قبل أن يسلم - مبيناً موقف الأوربيين من أهل الكتاب، والمستشرقين بصفة خاصة من الإسلام والمسلمين: ((يعتقد الأوربيون أن تفوقهم العنصري على سائر البشر أمر واقع، ثم إن احتقارهم إلى حد بعيد أو قريب لكل ما ليس أوروبياً من أجناس الناس وشعوبهم قد أصبح إحدى الميزات البارزة في المدنية الغربية.

على أن هذا وحده لا يكفي لإظهار ما يكنُّه الأوربيون نحو الإسلام خاصة، وهنا - نعني فيما يتعلق بالإسلام - لا تجد موقف الأوروبي موقف كره في غير مبالاة فحسب كما هي الحال في موقفه من سائر الأديان والثقافات، بل كره عميق الجذور يقوم في الأكثر على صدود من التعصب الشديد، وهذا الكره ليس عقلياً فحسب، ولكنه يصطبغ أيضاً بصبغة عاطفية قوية. قد لا تقبل أوروبا تعاليم الفلسفة البوذية أو الهندوكية، ولكنها تحتفظ

ص: 25

دائماً فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن، ومبني على التفكير، إلا أنها حالما تتجه إلى الإسلام يختل التوازن ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب، حتى إن أبرز المستشرقين الأوروبيين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزب غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام، ويظهر في جميع بحوثهم كما لو أن الإسلام لا يمكن أن يعالج على أنه موضوع بحث في البحث العلمي، بل على أنه متهم يقف أمام قضاته)) (1) .

هذا النص النفيس يمثل شهادة مهمة لأن الأستاذ محمد أسد ينقل واقعاً خبره وعرفه قبل إسلامه، حيث نشأ وتربى في " النمسا " ذات الثقافة الألمانية، وقد تقدم معنا أن " شاخت " نشأ في ألمانيا أيضاً، أضف إلى أنهما ولدا في بدايات القرن العشرين الميلادي، مما يجعل النص الآنف في غاية الأهمية، ولاسيما أنه يوضح لنا بصورة جلية الرؤية المتحيزة للجيل الذي نشأ فيه "شاخت "، وغيره من الأوربيين تجاه الإسلام والمسلمين.

ويؤكد الأمر بصورة جلية لاتقل أهمية عما سبق قول "انجمار كارلسون"(2)، وهو أحد أبرز المفكرين الاستراتيجيين في أوربا: ((نحن نفتقد الإمكانات الموضوعية للنظر إلى الأصولية الإسلامية نظرة معقولة، وتناولها بأسلوب نقدي طبيعي، ولذا نعتبر الغرب الحديث مرادفاً للعقل، بينما نرى في الشرق عالماً متخلفاً يمشي على حافة الجنون، ويستحيل عليه مشاركتنا في

(1) الإسلام على مفترق الطرق (ص 52 - 53) .

(2)

يعمل الآن سفيراً في وزارة الخارجية السويدية.

ص: 26

الحوار والسجال على قدم المساواة

إن صورة المسلم مطبوعة في وعينا على هذا النحو المخيف

)) (1) .

ويشير باحث غربي آخر اسمه " جيمس وولتز " في دراسة له عن مواقف الغربيين من المسلمين قبل الحروب الصليبية أن أوربا عاشت حالة من عدم المبالاة تجاه الإسلام والمسلمين مدة من الزمن، ثم تحول ذلك الموقف إلى نوع من العداء السياسي ما بين (710 - 1100 م) ، ثم تحول إلى عداء ديني مع مواجهة عسكرية في بعض المراحل، ثم يقرر هذا الباحث بعد ذلك: إن المترسخ في أذهان الأوروبيين عن الإسلام هو صورة قاتمة، وذلك بسبب العداء الذي ذكاه موقف الباباوات من الإسلام منذ اندلاع الحروب الصليبية، وإلى أيام استعمار الغرب للعالم الإسلامي الذي لم ينته إلا منذ بضعة عقود (2) .

إن مضمون النصوص السالفة أصبح اليوم حقيقة علمية أكدها عدد من المتخصصين في الاستشراق (3) ، وفي ذلك دلالة على ضخامة حجم التشويه المتعمد، في تصورات الغربيين، وبخاصة المستشرقون منهم عن الإسلام.

إن مُسلّمة " شاخت " التي بنى عليها نظريته في السنة النبوية، والدالة على أن علماء الحديث والفقه من المسلمين كانوا لا يتورعون عن الكذب في نسبة

(1) الإسلام وأوربا تعايش أم مجابهة؟ (ص 27) .

(2)

انظر كتاب صورة العرب في عقول الأمريكيين (ص22 - 23) .

(3)

انظر المستشرقون الناطقون بالإنجليزية (ص 94 - 96) ، رؤية إسلامية للاستشراق (ص 100 - 101) ، الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري (ص 138 - 144) ، عبد الرحمن بدوي فيلسوف الوجودية الهارب إلى الإسلام (ص 30) .

ص: 27

أقوال لرسولهم صلى الله عليه وسلم؛ لا يمكن للعقل أن يقبلها؛ لأنها خرافية وخيالية إلى حد بعيد للأسباب التالية:

1 -

هذه المسلَّمة مصادمة للطبيعة البشرية؛ وذلك لأن الصدق هو الأصل في معاملات البشر، ولذا فهو سهل وطبيعي، وراسخ الأركان، وأما الكذب فمهزوز مزعزع، معرض للهجوم باستمرار، ولا قوة فيه ولا خير، وهو قرين لكثير من الأمراض الاجتماعية كالسرقة والخوف والجبن والذل (1) ، وهو مضاد لروح التعاون الجماعي التي هي أساس قيام أي مجتمع.

ولا يمكن لمجتمع مهما بلغ انحرافه أن يتواطأ كل من فيه من رجال ونساء، ولأجيال متعاقبة، وفي بلدان مختلفة، ومن أقاليم متعددة على الكذب على زعيمهم وقدوتهم، وقائدهم الذي يحبونه ويحترمونه.

ومما يدل على أن مُسلّمة " شاخت " غير مقبولة عقلاً أن أحد مشاهير الغربيين، ويدعى " توماس كارليل " كتب مخاطباً قومه عاتباً عليهم في زعمهم أن المسلمين كذبة، فقال: ((لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدن من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يُظن من أن دين الإسلام كذب، وأن محمداً خداع ومزور، وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة

أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها الملايين الفائتة الحصر أكذوبة وخدعة؟! أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبداً، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا

(1) انظر الأخلاق النظرية (ص 192 - 194) ، وأسس الصحة النفسية (ص 350) .

ص: 28

الرواج، ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بُله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث) (1) .

ولاحظ هنا أن " كارليل" وصف مَنْ يقول بمثل قول " شاخت " بالعار والسخف المخجل والعبث.

2 -

إن القرآن وهو كتاب المسلمين المقدس يقف من الكذب موقفاً شديداً جداً، حيث يجعل من كذب في الدين مستحقاً للإثم المبين قال تعالى {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً} (النساء:50) ، كما أنه يجعله من صفات الكافرين قال تعالى {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} (المائدة: 103) ، وأن الكاذب لا يفلح قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} (النحل: 116) ، وأنه من أظلم الظلم قال تعالى {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الأنعام: 144) .

والخالق عز وجل هو القائل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: 7) ، فاتباع السنة من دين الله، فالكذب فيها كذب على الله، فموانع الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلمعند المسلمين قوية؛ لأنها تستند إلى نصوص قرآنية كثيرة جداً.

3 -

إن الواقع التاريخي للمسلمين في فتوحاتهم ومعاملتهم مع أهل الأديان الأخرى يدل على تحلِّيهم بخصال الصدق والعدل والأمر بالمعروف

(1) الأبطال (ص 58) .

ص: 29

والنهي عن المنكر، وهذه الأمور لا تتسق مع أخلاق الكذابين، وفي ذلك يقول الفيلسوف الألماني " كانت ":((من نسيج الإنسان الفاسد لم يُصنع أي شيء مستقيم أبداً)) (1) .

ويقول المستشرق " مونتجمري وات " مستدلاً بالتاريخ الأخلاقي، بوصفه حجة قوية على إخلاص محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه:((إن الاعتقاد في إخلاص محمد تسنده حجة قوية، فاستعداده لأن يتحمل الأذى في سبيل معتقداته، والمستوى الأخلاقي الرفيع الذي اتصف به الرجال الذين آمنوا به واتخذوه إماماً، وعظمة المنجزات التي انتهى إليها، كل هذا ينم عن استقامته)) (2) .

فكيف يريدنا " شاخت " أن نصدق أن أولئك العلماء الذين لم يُطعن عليهم في نزاهتهم الدينية، وتقواهم، ووفائهم بالعهود، وصدق تدينهم، كانوا يسكتون على كذب بعضهم البعض، ولماذا لا نجد في كتب الجرح والتعديل أو التاريخ والسير وصفهم لبعضهم البعض بالوضع والكذب، إذا كانت الحال كما يزعم " شاخت "؟

4 -

إذا كان المحدثون والفقهاء تعمدوا الوضع والكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم، فلماذا إذن اهتموا بنقد الأحاديث؟، ولماذا تعبوا كل هذا التعب في نقد الراوة والتصنيف في علم الجرح والتعديل والعلل، مادام كله كذباً؟!

5 -

لو كان الأمر كما يزعم " شاخت " أن علماء المسلمين كانوا إذا احتاجوا في مسألة إلى دليل وضعوا سنداً لأحد آراء الفقهاء، ونسبوه لرسول

(1) الأعمال الكاملة لكانت (8/23) ط برلين، نقلاً عن كتاب نسيج الإنسان الفاسد (ص 5) .

(2)

الوحي الإسلامي في العالم الحديث، نقلاً عن مناهج المستشرقين (1/ 210) .

ص: 30

الله صلى الله عليه وسلم، فلماذا لم يضعوا حديثاً بإسناد صحيح في حجية القياس، وهو المصدر الرابع من مصادر التشريع الإسلامي، مع أن الحاجة ماسة لوجود مثل ذلك الحديث بديلاً لحديث معاذ رضي الله (1) عنه الذي ضعفه كثير من المحدثين؟

ولماذا لم يستطع الخليفة المأمون مع كل ما أوتي من قوة ونفوذ وسلطة واسعة أن يأتي بحديث واحد موضوع في مسألة خلق القرآن مع تحدي الإمام أحمد له وللمعتزلة بذلك؟

((إن الحقيقة التي تتحدث عن نفسها هنا هي أنه لم يكن من الممكن أن يوضع حديث على رسوله صلى الله عليه وسلم، ويمر من غير ملاحظة العلماء له)) (2) .

إن تحيز " شاخت " واستسلامه الكامل للتعصب العنصري ضد المسلمين، أوقعه في مصادمة لأهم أصل من أصول المنهجي العلمي وهو الموضوعية.

(1) انظر تخريجاً مطولاً لهذا الحديث مع كلام بعض علماء الحديث في تضعيفه عند الشيخ الألباني في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة (2 / 273 - 286) رقم الحديث [881] .

(2)

أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية (ص 12) .

ص: 31