المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر الغرباء من المؤمنين وأوصافهم في الدنيا، وعلى أي حال هم فيها - الغرباء للآجري

[الآجري]

الفصل: ‌ذكر الغرباء من المؤمنين وأوصافهم في الدنيا، وعلى أي حال هم فيها

‌ذِكْرُ الْغُرَبَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْصَافِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ هُمْ فِيهَا

ص: 1

أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ مُوَفَّقُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِلَالٍ الدَّقَاقُ ، قَالَ: أَنبا أَبُو طَاهِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَحْمَدَ السُّيُورِيُّ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْمَكَارِمِ الْمُبَارَكُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُعَمَّرِ الْبَادِرَائِيُّ، أنبا أَبُو غَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَاقِلَّانِيُّ ، قَالَا: أنبا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ قَالَ: وَبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ الْمِصِّيصِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» قِيلَ: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ»

ص: 15

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الْأُشْنَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» قِيلَ: مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ

ص: 18

3 -

قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ وَأَنْشَدَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ أَبُو بَكْرٍ الْمُؤَدِّبُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ

[البحر الوافر]

بَدَا الْإِسْلَامُ حِينَ بَدَا غَرِيبًا

وَكَيْفَ بَدَا يَعُودُ عَلَى الدَّلَائِلْ

فَطُوبَى فِيهِ لِلْغُرَبَاءِ طُوبَى

لِجَمْعِ الْآخِرِينَ ولِلْأَوَائِلْ

كَمَا قَالَ الرَّسُولُ فَقِيلَ: مَنْ هُمْ؟

فَقَالَ: النَّازِعُونَ مِنَ الْقَبَائِلْ"

ص: 19

4 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ هَارُونُ بْنُ يُوسُفَ التَّاجِرُ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ قَالَ: ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»

ص: 20

5 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ السَّقَطِيُّ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْجَرْجَرَائِيُّ قَالَ: ثَنَا كَثِيرُ بْنُ مَرْوَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَأَبُو أُمَامَةَ وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»

ص: 21

6 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ عَوْفٍ الْقَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: «طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أُنَاسٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ فِي نَاسِ سُوءٍ كَثِيرٌ ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ»

ص: 22

7 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: ثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: ثَنَا أَبُو كَعْبٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ رضي الله عنه يَقُولُ: «الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا كَالْغَرِيبِ لَا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا وَلَا يُنَافِسُ فِي عِزِّهَا ، لِلنَّاسِ حَالٌ وَلَهُ حَالٌ»

ص: 23

8 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ قَالَ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ الْمُؤَدِّبُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ:

[البحر الرمل]

وَتَرَى الْمُؤْمِنَ فِي الدُّنْيَا

غَرِيبًا مُسْتَفَزًّا

فَهُوَ لَا يَجْزَعُ مِنْ ذُلٍّ

وَلَا يَطْلُبُ عِزًّا

وَتَرَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ

خَلْوًا مُشْمَئِزًّا

ثُمَّ بِالطَّاعَةِ مَا عَاشَ

وَبِالْخَيْرِ مُلِزًّا

⦗ص: 24⦘

9 -

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رحمه الله: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ» ؟ قِيلَ لَهُ: كَانَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَهْلَ أَدْيَانٍ مُخْتَلِفَةٍ ، يَهُودٌ وَنَصَارَى وَمَجُوسٌ وَعَبْدَةُ أَوْثَانٍ ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَانَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ كُلِّ طَبَقَةٍ مِنْهُمْ غَرِيبًا فِي حَيِّهِ ، غَرِيبًا فِي قَبِيلَتِهِ ، مُسْتَخْفِيًا بِإِسْلَامِهِ ، قَدْ جَفَاهُ الْأَهْلُ وَالْعَشِيرَةُ ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ ذَلِيلٌ حَقِيرٌ ، مُحْتَمِلٌ لِلْجَفَاءِ ، صَابِرٌ عَلَى الْأَذَى ، حَتَّى أَعَزَّ اللَّهُ عز وجل الْإِسْلَامَ ، وَكَثُرَ أَنْصَارُهُ وَعَلَا أَهْلُ الْحَقِّ ، وَانْقَمَعَ أَهْلُ الْبَاطِلِ ، فَكَانَ الْإِسْلَامُ فِي ابْتِدَائِهِ غَرِيبًا بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:«وَسَيَعُودُ غَرِيبًا» مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّ الْأَهْوَاءَ الْمُضِلَّةُ تَكْثُرُ فَيَضِلُّ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَيَبْقَى أَهْلُ الْحَقِّ الَّذِينَ هُمْ عَلَى شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ غُرَبَاءَ فِي

⦗ص: 25⦘

النَّاسِ لِقِلَّتِهِمْ ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٍ ، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةٌ ، فَقِيلَ: مَنْ هِيَ النَّاجِيَةُ؟ فَقَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ، وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا يَدَ لَكَ بِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَإِيَّاكَ وَعَوَامِّهِمْ ،

⦗ص: 26⦘

فَإِنَّ فِيهِمْ أَيَّامُ الصَّبْرِ الصَّبْرُ فِيهِنَّ كَقَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ ، فَهَذِهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْغَرِيبِ الصَّابِرِ عَلَى دِينِهِ حَتَّى يَسْلَمَ مِنَ الْأَهْوَاءِ

10 -

الْمُضِلَّةِ ، وَمِنْ صِفَةِ الْغُرَبَاءِ أَيْضًا الَّتِي نُعِتَ بِهَا أَهْلُ الْحَقِّ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ مِثْلُ مُؤَاخَاةِ الْإِخْوَانِ ، وَصُحْبَةُ الْأَصْحَابِ ، وَمُجَاوَرَةُ الْجِيرَانِ ، وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ ، وَعِيَادَةُ الْمَرْضَى وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ ، وَمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَصَائِبِ ، وَمَا يُسِرُّونَ بِهِ مِنَ الْأَفْرَاحِ بِالدُّنْيَا وَالْمُتَاجَرَةُ وَالْمُعَامَلَةُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْبُضْعَةُ وَالْمُزَاوَرَةُ وَالْمُلَاقَاةُ وَالْمُجَالَسَةُ وَالِاجْتِمَاعُ فِي الْوَلَائِمِ وَأَشْبَاهٌ لِهَذِهِ الْأُمُورِ ، فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يَجْرِي بَيْنَهُمْ عَلَى خِلَافِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ وَلِدُرُوسِ الْعِلْمِ فِيهِمْ ، فَإِذَا أَرَادَ الْمُؤْمِنُ الْعَاقِلُ الَّذِي قَدْ فَقَّهَهُ اللَّهُ عز وجل فِي الدِّينِ وَبَصَّرَهُ عُيُوبَ نَفْسِهِ ، وَقَبِيحَ مَا النَّاسُ عَلَيْهِ وَرَزَقَهُ مَعْرِفَةً بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَبَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ وَبَيْنَ الضَّارِّ وَالنَّافِعِ ، وَعَلِمَ مَا لَهُ مِمَّا عَلَيْهِ إِذْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَمَلَ بِالْحَقِّ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مَنْ قَدْ جَهِلَ الْحَقَّ ، بَلِ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعُ الْهَوَى ، لَا يُبَالُونَ مَا نَقَصَ مِنْ دِينِهِمْ إِذَا سَلِمَتْ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ ، فَإِذَا نَظَرُوا إِلَى مَنْ يُخَالِفُهُمْ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَمَقَتُوهُ وَخَالَفُوهُ وَطَلَبُوا لَهُ الْعُيُوبِ فَأَهْلُهُ بِهِ مُتَضَجِّرُونَ وَإِخْوَانُهُ بِهِ مُتَثَقِّلُونَ وَمُعَامِلُوهُ بِهِ غَيْرُ رَاغِبِينَ فِي مُعَامَلَتِهِ ، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ لَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْحَقِّ مُخَالِفُونَ ، فَصَارَ غَرِيبًا فِي دِينِهِ لِفَسَادِ دِينِ أَكْثَرِ الْخَلْقِ غَرِيبًا فِي مُعَامَلَتِهِ لِكَثْرَةِ فَسَادِ مَعَاشِ أَكْثَرِ الْخَلْقِ ، غَرِيبًا فِي مُؤَاخَاتِهِ وَصُحْبَتِهِ لِكَثْرَةِ فَسَادِ صُحْبَةِ النَّاسِ وَمُؤَاخَاتِهِمْ ، غَرِيبًا فِي جَمِيعِ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَا يَجِدُ عَلَى ذَلِكَ مُسَاعِدًا يَفْرَحُ بِهِ وَلَا مُؤَانِسًا يَسْكُنُ إِلَيْهِ ، فَمِثْلُ هَذَا غَرِيبٌ مُسْتَوْحِشٌ لِأَنَّهُ صَالِحٌ بَيْنَ فُسَّاقٍ ، وَعَالِمٌ بَيْنَ جُهَّالٍ ، وَحَلِيمٌ بَيْنَ سُفَهَاءَ ، يُصْبِحُ حَزِينًا ، وَيُمْسِي حَزِينًا ، كَثِيرٌ غَمُّهُ قَلِيلٌ فَرَحُهُ ، كَأَنَّهُ مَسْجُونٌ كَثِيرُ الْبُكَاءِ كَالْغَرِيبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ وَلَا يَأْنَسُ بِهِ أَحَدٌ ، يَسْتَوْحِشُ مِنْهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:«وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ» وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: فَلَوْ تُشَاهِدُهُ فِي الْخَلَوَاتِ يَبْكِي بِحُرْقَةٍ ، وَيَئِنُّ بِزَفْرَةٍ ، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ بِعَبْرَةٍ ، فَلَوْ رَأَيْتُهُ وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُهُ لَظَنَنْتَ أَنَّهُ ثَكْلَى قَدْ أُصِيبَ بِمَحْبُوبِهِ ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَنْتَ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَائِفٌ عَلَى دِينِهِ أَنْ يُصَابَ بِهِ ، لَا يُبَالِي بِذَهَابِ دُنْيَاهُ إِذَا سَلِمَ لَهُ دِينُهُ ، قَدْ جَعَلَ رَأْسَ مَالِهِ دِينَهُ يَخَافُ عَلَيْهِ الْخُسْرَانَ ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ رحمه الله: رَأْسُ مَالِ الْمُؤْمِنِ دِينُهُ ، حَيْثُ مَا زَالَ زَالَ مَعَهُ، لَا يُخَلِّفُهُ فِي الرِّحَالِ، وَلَا يَأْتَمِنُ عَلَيْهِ الرِّجَالَ. قَلْتُ: وَلِلْغَرِيبِ أَوْصَافٌ كَثِيرَةٌ ، قَدْ ذَكَرْتُ مِنْهَا مَا يُكْتَفَى بِهِ عَنِ الْكَثِيرِ مِنَ الْقَوْلِ

ص: 23

12 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ: أَنْشِدْنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ فِي مَعْنَى سَيْرِ الْغَرِيبِ إِلَى اللَّهِ عز وجل وَحْدَهُ:

[البحر البسيط]

الطُّرُقُ شَتَّى وَطَرِيقُ الْحَقِّ مُنْفَرِدٌ

وَالسَّالِكُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ أَفْرَادٌ

لَا يَطْلُبُونَ وَلَا تُطْلَبُ مَسَاعِيهِمْ

فَهُمْ عَلَى مَهْلٍ يَمْشُونَ قُصَّادٌ

وَالنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا لَهُ قَصَدُوا

فَجُلُّهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ رُقَادٌ

ص: 26

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو عَلِيٍّ الرَّقِّيُّ فِي بُكَاءِ الْغَرِيبِ عَلَى نَفْسِهِ: "

[البحر الطويل]

نَسَجْتُ مِنَ الْأَحْزَانِ شِعْرًا فَقُلْتُهُ

لِأَنِّي غَرِيبٌ وَالْغَرِيبُ حَزِينُ

وَلَيْتَنِي دَهْرِي فَلَوْ كُنْتُ جَلْمَدًا

لَلِنْتُ وَكُلٌّ لِلْبَلَاءِ يَلِينُ

فَلَا تَعْجَبُوا مِنْ أَنَّهُ بَعْدَ زَفْرَةٍ

لِكُلِّ غَرِيبٍ فِي الظَّلَامِ أَنِينُ

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: رَأَيْتُ مُنْذَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ مَعَ عَجُوزٍ جَوْرَبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ ، أَخْبَرَتْنِي أَنَّ شَابًّا مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ مَحْبُوسٌ فِي الْمُطْبَقُ مَظْلُومٌ ، وَأَنَّهُ نَسَجَ عَلَى خَصْرَيْهِمَا بَيْتَيْنِ مِنَ الشِّعْرِ فِي الْغُرَبَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ:

غَرِيبٌ يُقَاسِي الْهَمَّ فِي أَرْضِ غُرْبَةٍ

فَيَا رَبِّ قَرِّبْ دَارَ كُلِّ غَرِيبٍ

وَعَلَى الثَّانِي:

وَأَنَا الْغَرِيبُ فَلَا أُلَامُ عَلَى الْبُكَا

إِنَّ الْبُكَا حَسَنٌ بِكُلِّ غَرِيبٍ

ص: 27

17 -

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ:

[البحر الكامل]

إِنَّ الْغَرِيبَ لَهُ اسْتِكَانَةُ مُذْنِبٍ

وَخُضُوعُ مَدْيُونٍ وَذُلُّ مُرِيبٍ

إِنَّ الْغَرِيبَ وَإِنْ أَقَامَ بِبَلْدَةٍ

يُجْبِي اللَّهُ خَرَاجَهَا لِغَرِيبِ

ص: 29