الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابٌ فِي مَوْتِ الْغَرِيبِ
47 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَابِدُ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: ثَنَا حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ:«يَا لَيْتَهُ مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ» ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ مِنَ الْجَنَّةِ»
⦗ص: 70⦘
48 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَطَشِيُّ قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
49 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: وَثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ قَالَ: ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ حُيَيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَبْرِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: «يَا لَهُ لَوْ مَاتَ غَرِيبًا» ، قِيلَ: وَمَا لِلْغَرِيبِ مِنَّا يَمُوتُ بِغَيْرِ أَرْضِهِ؟ فَقَالَ: «مَا مِنْ غَرِيبٍ يَمُوتُ بِغَيْرِ أَرْضِهِ إِلَّا قِيسَ لَهُ مِنْ تُرْبَتِهِ إِلَى مَوْلِدِهِ فِي الْجَنَّةِ»
50 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَخْلَدٍ ، أَيْضًا قَالَ: ثَنَا حَفْصُ بْنُ عَمْرٍو الرَّبَالِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُذَيْلُ بْنُ الْحَكَمِ الْأَزْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
⦗ص: 71⦘
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ»
51 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ ، أَيْضًا قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ نَصْرٍ أَبُو عِمْرَانَ الْبَزَّارُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَافِعٍ أَبُو زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ»
52 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ بْنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ صَاعِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُدْوَانِيِّ ، أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ عَوْفٍ الْقَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا حِينَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ: «سَيَأْتِي نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورُهُمْ كَضَوْءِ الشَّمْسِ» ، قُلْنَا: وَمَنْ أُولَئِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ تُتَّقَى بِهِمُ الْمَكَارِهُ ، يَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ ، يُحْشَرُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ»
53 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَابِدُ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَّاكِ ، عَنْ عَائِذِ بْنِ نُسَيْرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ مَاتَ فِي هَذَا الطَّرِيقِ مِنْ حَاجٍّ أَوْ مُعْتَمِرٍ لَمْ يُعْرَضْ وَلَمْ يُحَاسَبْ ، وَقِيلَ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ "
⦗ص: 74⦘
54 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ وَحَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّمَّاكِ ، عَنْ عَائِذٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ
55 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: وَثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَسَارٍ الْبَزَّارُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ ، صَاحِبِ الرَّقَائِقِ قَالَ: حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ:" غَسَّلْتُ مَيِّتًا بِالْبَحْرَيْنِ ، فَإِذَا مَكْتُوبٌ عَلَى لَحْمِهِ: طُوبَاكَ يَا غَرِيبُ: قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بَيْنَ الْجِلْدِ وَالْعَظْمِ "
56 -
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الصَّفَّارِ:
[البحر المنسرح]
نَمْ عَلَى سِرٍّ وَجْدَهُ النَّفْسُ
…
فَالدَّمْعُ مِنْ مُقْلَتَيْهِ مُنْبَجِسُّ
مُدَلَّهٌ وَالِهٌ لَهُ حَرَقٌ
…
أَنْفَاسُهُ بَالْحَنِينِ تَخْتَلِسُ
يَا بَابِي وَجْهَهُ الْجَمِيلَ الَّذِي
…
يَفُوقُ وَجْهَ الْمُدَلَّلِ الْمُلْسِ
يَا بَابِي، جِسْمُهُ الزَّكِيُّ وَإِنْ
…
كَانَ عَلَيْهِ خَلِيقُ دَنَسٍ
إِنْ مَاتَ فِي غُرْبَةِ الْغَرِيبِ فَقَدْ
…
نَاحَ عَلَيْهِ الضِّيَاءُ وَالْغَلَسُ"
⦗ص: 76⦘
57 -
قَالَ أَبُو بَكْرِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكُلُّ مَنْ مَاتَ غَرِيبًا يَكُونُ مَوْتُهُ شَهَادَةً عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ ، قِيلَ لَهُ: الْغَرِيبُ عَلَى وَجْهَيْنِ ، فَغَرِيبٌ يَمُوتُ طَائِعًا لِلَّهِ عز وجل بِغُرْبَتِهِ ، وَهُمْ عَلَى أَصْنَافٍ شَتَّى ، كُلُّهَا مَحْمُودَةٌ فَهُمُ الَّذِينَ يُرْتَجَى أَنْ يَكُونَ مَوْتُ أَحَدِهِمْ شَهَادَةً ، وَغَرِيبٌ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِغُرْبَتِهِ وَهُمْ عَلَى أَصْنَافٍ شَتَّى كُلُّهَا مَذْمُومَةٌ ، وَفُرِضَ عَلَيْهِمُ التَّوْبَةُ مِنَ الْغُرْبَةِ وَالرُّجُوعِ عَمَّا تَغَرَّبُوا لَهُ ،
58 -
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَصِفْ لَنَا الْغَرِيبَ الطَّائِعَ لِلَّهِ عز وجل بِغُرْبَتِهِ ، حَتَّى لَا نَتَغَرَّبَ إِلَّا فِي طَاعَةٍ اللَّهِ ، قِيلَ لَهُ مَنْ تَغَرَّبَ فِي حَجٍّ أَوْ فِي عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ ، فَمَاتَ فِي خُرُوجِهِ أَوْ رُجُوعِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ عِلْمٍ يُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ الْكَرِيمَ بِعِلْمِهِ لِيَعْلَمَ مَا
⦗ص: 77⦘
افْتَرَضَ اللَّهُ عز وجل عَلَيْهِ فَيَسْتَعْمِلُهُ ، وَيَعْلَمُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَيَنْتَهِي عَنْهُ ، فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ خَرَجَ زَائِرًا لِأَخٍ فِي اللَّهِ عز وجل أَوْ لِزِيَارَةِ رَحِمٍ يَبَرُّهُمْ بِزِيَارَتِهِ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ كَانَ بِبَلَدٍ فَظَهَرَتْ فِيهِ الْفِتَنُ فَخَشِيَ عَلَى دِينِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ فَفَرَّ مِنْهُ إِلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْكَسْبُ الْحَلَالُ فِي بَلَدِهِ فَخَرَجَ إِلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ لِيَكْتَسِبَ الْحَلَالَ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ شَرَدَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ فَخَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ ،
59 -
وَأَمَّا صِفَةُ مَنْ تَغَرَّبَ فِي مَعْصِيَةٍ ، مِثْلَ أَنْ يَقْطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ أَنْ يُعِينَ الْخَوَارِجَ ، أَوْ خَرَجَ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ لِلْفَسَادٍ ، أَوْ خَدَعَ وَلَدًا لِرَجُلٍ أَوْ عَبْدًا أَوْ أَمَةً فَهَرَبَ بِهِمْ ، فَتَغَرَّبَ ، أَوْ خَرَجَ فِي تِجَارَةٍ مُحَرَّمَةٍ لَا يُبَالِي مَا نَقَصَ مِنْ دِينِهِ إِذَا سَلِمَتْ لَهُ دُنْيَاهُ ، فَهَؤُلَاءِ وَمَا يُشْبِهُ أَمْثَالَهُمْ عُصَاةٌ لِلَّهِ عز وجل بِتَغَرُّبِهِمْ وَفَرَضَ عَلَيْهِمُ التَّوْبَةَ وَالرُّجُوعَ عَنْ قَبِيحِ مَا خَرَجُوا لَهُ ، فَإِنْ مَاتُوا فِي غُرْبَتِهِمْ لَمْ تُحْمَدْ أَحْوَالُهُمْ
60 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ الْقَرَاطِيسِيُّ ، قَالَ: ثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَي زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، قَالَ: " خَرَجَ فَتًى يَطْلُبُ الدُّنْيَا فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَى أُمِّهِ: سَأَكْسَبُ مَالًا أَوْ أُرَى فِي ضَرِيحَةٍ مِنَ الْأَرْضِ لَا يَبْكِي عَلَيَّ سَكُوبٌ وَلَا وَالِهٌ، حَرَّى عَلَيَّ حَزِينَةٌ ، وَلَا أَحَدَ مِمَّنْ أُحِبُّ قَرِيبٌ سِوَى أَنْ يَرَى قَبْرِي غَرِيبٌ ، فَرُبَّمَا بَكَى إِنْ يَرَى قَبْرَ الْغَرِيبِ غَرِيبٌ، قَالَ
⦗ص: 78⦘
: فَوَافَى الْكِتَابُ وَقَدْ مَاتَتْ أُمُّهُ ، فَأَجَابَتْهُ خَالَتُهُ:
[البحر الطويل]
تَذَكَّرْتُ أَحْوَالًا وَأذْرَيْتُ عَبْرَةً
…
وَهَيَّجْتَ أَحْزَانًا فَذَاكَ عَجِيبُ
فَإِنْ تَكُ مُشْتَاقًا إِلَيْنَا فَإِنَّنَا
…
إِلَيْكَ ظَمَاءٌ وَالْحَبِيبُ حَبِيبُ
فَامْنُنْ عَلَى أُمٍّ عَلَيْكَ شَفِيقَةٌ
…
بَوَجْهِكَ لَا تَثْوَى وَأَنْتَ غَرِيبُ
فَإِنَّ الَّذِي يَأْتِيكَ بِالرِّزْقِ نَائِيًا يَجِيءُ
…
بِهِ وَالْحَيُّ مِنْكَ قَرِيبُ
61 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ:
[البحر الكامل]
زَعَمَ الَّذِينَ تَشَرَّقُوا وَتَغَرَّبُوا
…
أَنَّ الْغَرِيبَ وَإِنْ أَعَزَّ ذَلِيلُ
فَأَجْبُتُهُمْ أَنَّ الْغَرِيبَ إِذَا اتَّقَى
…
حَيْثُ اسْتَقَلَّ بِهِ الرِّكَابُ خَلِيلُ
قَالُوا الْغَرِيبُ يُهَانُ قُلْتُ تَجَلَّدَا
…
إِنَّ الْإِلَهَ بِنَصْرِهِ لَكَفِيلُ
قَالُوا الْغَرِيبُ إِذَا يَمُوتُ بِبَلْدَةٍ
…
لَمْ يُبْكَ أَوْ يُسْمَعْ عَلَيْهِ عَوِيلُ
قُلْتُ الْغَرِيبُ كَفَاهُ رَحْمَةُ رَبِّهِ
…
وَغِنَى الْبُكَاءِ عَلَى الْفَقِيدِ قَلِيلُ
62 -
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ:
[البحر الطويل]
تَغَرَّبْتُ عَنْ أَهْلِي فَظَلْتُ مُشَرَّدًا
…
وَحِيدًا طَرِيدًا فِي الْبِلَادِ أَدُورُ
وَخَلَّفْتُ إِخْوَانِي وَأَهْلِي وَجِيرَتِي
…
يَنُوحُونَ شَجْوًا إِنَّنِي لَصَبُورُ
وَلِي وَطَنٌ مَا إِنْ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُهُ
…
وَلَكِنْ مَقَادِيرُ جَرَتْ وَأُمُورُ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: أَغْرَبُ الْغُرَبَاء فِي وَقْتِنَا هَذَا مَنْ أَخَذَ بِالسُّنَنِ وَصَبَرَ عَلَيْهَا ، وَحَذِرَ الْبِدَعَ وَصَبَرَ عَنْهَا ، وَاتَّبَعَ آثَارَ مَنْ سَلَفَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَرَفَ زَمَانَهُ وَشِدَّةَ فَسَادِهِ وَفَسَادَ أَهْلِهِ ، فَاشْتَغْلَ بِإِصْلَاحِ شَأْنِ نَفْسِهِ مِنْ حِفْظِ جَوَارِحِهِ ، وَتَرْكِ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَعَمِلَ فِي إِصْلَاحِ كَسْرَتِهِ ، وَكَانَ طَلَبُهُ مِنَ الدُّنْيَا مَا فِيهِ كِفَايَتُهُ وَتَرْكُ الْفَضْلِ الَّذِي يُطْغِيهِ ، وَدَارَى أَهْلَ زَمَانِهِ وَلَمْ يُدَاهِنُهُمْ ، وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ ، فَهَذَا غَرِيبٌ وَقَلَّ مَنْ يَأْنَسُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَشِيرَةِ وَالْإِخْوَانِ ، وَلَا يَضُرَّهُ ذَلِكَ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: افْرُقْ لَنَا بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ ، قِيلَ لَهُ: الْمُدَارَاةُ الَّتِي يُثَابُ عَلَيْهَا الْعَاقِلُ ، وَيَكُونُ مَحْمُودًا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ عز وجل ، وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُدَارِي جَمِيعَ النَّاسِ الَّذِينَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُمْ ، وَمِنْ مُعَاشَرَتِهِمْ لَا يُبَالِي مَا نَقَصَ مِنْ دُنْيَاهُ ، وَمَا انْتُهِكَ بِهِ مِنْ عِرْضِهِ بَعْدَ أَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ ، فَهَذَا رَجُلٌ كَرِيمٌ غَرِيبٌ فِي زَمَانِهِ. وَالْمُدَاهَنَةُ: فَهُوَ الَّذِي لَا يُبَالِي مَا نَقَصَ مِنْ دِينِهِ إِذَا سَلِمَتْ لَهُ دُنْيَاهُ ، قَدْ هَانَ عَلَيْهِ ذَهَابُ دِينِهِ وَانْتِهَاكُ عِرْضِهِ ، بَعْدَ أَنْ تَسْلَمَ لَهُ دُنْيَاهُ ، فَهَذَا فِعْلُ مَغْرُورٍ ، فَإِذَا عَارَضَهُ الْعَاقِلُ فَقَالَ: هَذَا لَا يَجُوزُ لَكَ فِعْلُهُ قَالَ: نُدَارِي فَيَكْسُو الْمُدَاهَنَةَ الْمُحَرَّمَةَ اسْمَ الْمُدَارَاةِ ، وَهَذَا غَلَطٌ كَبِيرٌ مِنْ قَائِلِهِ ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُؤْمِنُ يُدَارِي وَلَا يُمَارِي ، يَنْشُرُ حِكْمَةَ اللَّهِ ، فَإِنْ قُبِلَتْ حَمِدَ اللَّهَ ، وَإِنْ رُدَّتْ حَمِدَ اللَّهَ عز وجل ، وَقَالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ رضي الله عنه: لَيْسَ بِحَكِيمٍ مَنْ لَمْ يُعَاشِرْ بِالْمَعْرُوفِ لِمَنْ لَا يَجِدُ مِنْ مُعَاشَرَتِهِ بُدًّا ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ عز وجل لَهُ مِنْهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ غَرِيبٌ طُوبَى لَهُ ثُمَّ طُوبَى لَهُ
63 -
ثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ يُوسُفَ الشَّكَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَلَاءِ الْبَلْخِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ الرَّازِيَّ يَقُولُ: «يَا ابْنَ آدَمَ طَلَبْتَ الدُّنْيَا طَلَبَ مَنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا ، وَطَلَبْتَ الْآخِرَةَ طَلَبَ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ إِلَيْهَا ، وَالدُّنْيَا قَدْ كُفِيتَهَا وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْهَا ، وَالْآخِرَةُ بِالطَّلَبِ مِنْكَ تَنَالُهَا فَاعْقِلْ شَأْنَكَ» ، وَقَالَ يَحْيَى: " ابْنُ آدَمَ: حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ ، وَأَنْتَ تَكْرَهُهَا ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَأَنْتَ تَطْلُبُهَا ، فَمَا أَنْتَ إِلَّا كَالْمَرِيضِ الشَّدِيدِ الدَّاءِ إِنْ صَبَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ عَلَى مَضَضِ الدَّوَاءِ اكْتَسَبْتَ بِالصَّبْرِ عَاقِبَةَ الشِّفَاءِ ، وَإِنْ جَزِعَتْ نَفْسُكَ عَلَى مَا تَلْقَى مِنْ أَلَمِ الدَّوَاءِ طَالَتْ
1 -
بِكَ عِلَّتُكَ "