المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفتوى الأولىهل العالم مخلوق ومرزوق من بركة النبي صلى الله عليه وسلم أو ذاك له أسباب أخرى - الفتاوى - محمد الأمين الشنقيطي - الكتاب

[محمد الأمين الشنقيطي]

الفصل: ‌الفتوى الأولىهل العالم مخلوق ومرزوق من بركة النبي صلى الله عليه وسلم أو ذاك له أسباب أخرى

‌الفتوى الأولى

هل العالم مخلوق ومرزوق من بركة النبي صلى الله عليه وسلم أو ذاك له أسباب أخرى

؟

ص: 1

بسم الله الرحمن الرحيم

صورة سؤال المكرم الأمير عثمان بن عبد الرحمن هي:

هل العالم كله مخلوق، ومرزوق من بركة النبي صلى الله عليه وسلم، أو ذلك له أسباب أخرى؟

والجواب عن ذلك من القرآن العظيم، وهو أن الحِكَم التي خُلق من أجلها العالم ورُزق، كلها إلهية ربانية لا نبوية، وقد أوضح الله جلَّ وعلا أنها كلها راجعة إليه هو تعالى، لا إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فبيَّن أن من حِكم خلقه للمخلوقات، هو أن يقيم بذلك البرهان القاطع على صحة معنى كلمة لا إله إلَّا الله، في آيات كثيرة جدًّا، كقوله تعالى في البقرة:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} [الآية: 163]، ثم أقام البرهان القاطع على ذلك بقوله بعده:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الآية: 164].

ومن أعظم الاستدلال بخلق المخلوقات على معنى لا إله إلَّا الله، ما يتضح من النظر في ترتيب أول سورة البقرة؛ لأنه تعالى بدأها بحروف مقطعة هي:{الم (1)} ؛ ثم أتبع ذلك بتعظيم شأن القرآن في قوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ، ثم بيَّن أن الناس بالشبة إلى الإيمان بالقرآن والكفر به ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: هي التي آمنِت به ظاهرًا وباطنًا، وهم المذكورون في قوله:{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ} الآية [البقرة: 2 - 3].

ص: 3

والطائفة الثانية: هي التي كفرت به ظاهرًا وباطنًا، وهم المذكورون في قوله:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} الآية [البقرة: 6 - 7].

الطائفة الثالثة: هي التي آمنت به ظاهرًا وكفرت به باطنًا، وهم المنافقون المذكورون في قول الله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} الآية [البقرة: 8 - 9] وأطال تعالى الكلام في هذه الطائفة الأخيرة؛ لأنها شر الطوائف، فضرب لها المثل بالنار في قوله تعالى:{كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} الآية [البقرة: 17]، وبالماء في قوله تعالى:{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} الآية [البقرة: 19]. ولا شك أن كل مسلم سمع هذا التقسيم إلى هذه الطوائف الثلاث، يتمنى أن يعلم الطريق التي توصله إلى أن يكون من الطائفة الطيبة، فبيَّن تعالى أن الطريق الوحيد لكونه منها هو تحقيق هاتين الكلمتين، أعني كلمة:"لا إله إلَّا الله"، وكلمة:"محمد رسول الله"، فجاء بكلمة:"لا إله إلَّا الله" أولًا موضحة إثباتها على حدة، ونفيها على حدة، ثم بين البرهان القاطع على صحتها، وهو خلقه تعالى للمخلوقات، ومن المعلوم أن كلمة:"لا إله إلَّا الله" مركبة من نفي وإثبات؛ لأن "لا إله" نفي، و"إلَّا الله" إثبات، ومعنى النفي منهما هو خلع جميع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات، ومعنى الإثبات منها هو إفراده جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه الشرعي خاصة مع الإخلاص له في ذلك على وجه الذل والخضوع والمحبة.

فإذا عرفت ذلك فاعلم أن قوله جل وعلا بعد ذكر الطوائف

ص: 4

الثلاث: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21 - 22] كما وصفنا لك، فقوله جل وعلا:{اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} فيه معنى الإثبات من "لا إله إلَّا الله"، وهو أول أمر في المصحف الكريم. وقوله تعالى:{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} يتضمن معنى النفي منها على أبلغ وجه وأكمله وأتمه، وهو أول نهي في المصحف الكريم.

وقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} هو البرهان القاطع على صحة معنى "لا إله إلَّا الله"، ولذا جاء به بين طرفيها، وهو نص صريح سماوي في أن من حِكَم خلق الخلق من العقلاء وغيرهم إقامة البرهان بذلك، على أنه تعالى هو المعبود وحده، وهذا البرهان كثير في القرآن كثرة مستفيضة لا خفاء فيها

(1)

، كقوله تعالى في أول الروم:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ} إلى قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الآيات: 20 - 22]، وقوله:{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ} [الشورى: 29].

وقوله في الجاثية: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ} إلى قوله {آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [3 - 5].

وكقوله في يونس: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي

(1)

في الأصل زيادة: "بها" بعد "فيها" ولا معنى لها.

ص: 5

الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)}.

وقوله في يوسف: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)} .

وقوله في الأعراف: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ [الآية: 185].

وقوله في فصلت: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [الآية: 53].

وقوله تعالى في الذاريات: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)} .

وقوله في آل عمران: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)} .

وقوله في الغاشية: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21)} .

فتأمل قوله بعد هذه البراهين القاطعة في سورة الغاشية هذه: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} تفهم نوع الحكمة في خلق المخلوقات.

وكقوله في ق: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8)} . فتأمل قوله تعالى: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى} تفهم نوع الحكمة في خلق الخلق.

والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا، ولأجل ذلك جرت العادة في القرآن بأن الله تعالى يجعل علامة استحقاق العبادة هو كون المعبود

ص: 6

خالقًا؛ لأن خلقه للخلق برهان على استحقاقه للعبادة، كقوله:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} الآية [البقرة: 21]، وقوله:{الَّذِي خَلَقَكُمْ} بعد قوله: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ}

(1)

واضح في ذلك.

وكقوله تعالى في الرعد: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ} الآية [الرعد: 16]، يعني وخالق كل شيء هو المعبود وحده.

وكقوله تعالى في فاطر: {قُلْ أَرَأَيتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} الآية [40]، وهو صريح في أن من لا يخلق غيره لا يعبد، وأن من يخلق غيره هو الذي يعبد.

وبه تعلم أن من حِكَم خلق الخلق الدليل على استحقاق العبادة.

ونظير ذلك قوله تعالى في لقمان: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان: 10 - 11].

وقوله في الأحقاف: {قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} الآية [4].

وقوله تعالى في الأعراف: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191].

وقوله تعالى في الحج: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ} الآية

(1)

هكذا في الأصل، بإثبات جملة "الذي خلقكم" في هذا الموضع، ولا معنى لها.

ص: 7

[73]

، يعني أن من لم يكن خالقًا لا يصح أن يكون معبودًا، والمعبود لا بد أن يكون خالقًا.

ولما بيَّن تعالى في سورة النحل تلك البراهين العظيمة على جلالته وعظمته، وأنه المعبود وحده في قوله:{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} إلى قوله: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)} أتبع ذلك بقوله: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17)} .

ولمَّا بيَّن في سورة الفرقان علامات من يستحق العبادة بقوله: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)} أتبع ذلك بصفات من لا يستحق أن يُعبد بقوله: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الفرقان: 3] الآية [3].

والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا معروفة، وفيها الأدلة القاطعة الواضحة على أن حكمة خلق الخلائق إلهية ربانية، لا نبوية، كما رأيت، وكما سترى.

وأما ما أشرنا إليه من برهان "محمد رسول الله"، فهو برهان الإعجاز المذكور بعد برهان "لا إله إلَّا الله" في آية البقرة الماضية، فبرهان "لا إله إلَّا الله" في قوله:{الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الآية [البقرة: 21]. وبرهان "محمد رسول الله"، في قوله تعالى بعده:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} الآية [البقرة: 23].

وليس مقصودنا تقرير برهان الإعجاز، بل الجواب على السؤال المذكور.

وقد بيَّن تعالى أن من حِكم خلقه للمخلوقات، هو أن يُعلِم خلقه بكمال قدرته وإحاطة علمه العظيم بكل شيء، كما قال تعالى في آخر سورة الطلاق: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ

ص: 8

لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا (12)}، فاللام في قوله:{لِتَعْلَمُوا} متعلقة بقوله: {خَلَقَ} ، أي: خلق ذلك الخلق كله لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأنه محيط بكل شيء علمًا.

وبه تعلم أن حكمة خلق الخلق إلهية ربانية لا نبوية.

ومن الحكم العظام في خلقه تعالى للخلق، أن يأمرهم وينهاهم على ألسنة رسله، ثم يختبرهم، أي: يبتليهم أيهم أحسن عملًا، ثم يجازيهم على ذلك، وقد أوضح تعالى هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى في أول سورة هود:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [الآية: 7]، ثم بيَّن حكمة ذلك فقال:{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} ، فاللام في قوله:{لِيَبْلُوَكُمْ} متعلقة بقوله: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} .

ونظيره في المعنى قوله تعالى في أول الكهف: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7)} .

وقوله تعالى في أول الملك: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الآية: 2].

وقوله تعالى في آخر الذاريات: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)} ، فقوله:{لِيَعْبُدُونِ} التحقيق في معناه أن المراد: إلَّا لآمرهم بعبادتي

(1)

، وأنهاهم عن معصيتي، فأوفق من شئت منهم إلى عبادتي، كما دلت على

(1)

انظر: تفسير ابن كثير: 7/ 401، وأضواء البيان: 7/ 673، ودفع إيهام الاضطراب:159.

ص: 9

هذا المعنى الآيات المذكورة آنفًا في الملك وهود والكهف. والغرض الشرعي المراد من طاعة الله وعبادته والخضوع له وتعظيمه، يحصل بفعل السعداء دون الأشقياء، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله في الأنعام:{فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)} . وقوله تعالى في فصلت: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38)} .

واختار ابن جرير الطبري رحمه الله -ومعلوم أنه من كبار المفسرين، وقال بعض العلماء: هو كبير المفسرين

(1)

- أن معنى الآية: {إلا لِيَعْبُدُونِ} أي: ليقروا لي بالعبودية، ويخضعوا ويذعنوا لذلك، فالمؤمنون يذعنون طوعًا، والكفار يذعنون كرهًا، وهو قول ابن عباس

(2)

.

وقد قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15)} .

وما يزعمه كثير من متأخري المفسرين

(3)

من أن اللام في {لِيَعْبُدُونِ} للصيرورة، لا أصل له؛ وهو مبنيٌّ على شيء مذكور في علم الكلام، لا يشك عالم بكتاب الله منصف في بطلانه، كما أوضحناه مرارًا

(4)

، وقد

(1)

بل قال الدكتور محمد حسين الذهبي إنه يعتبر أبًا للتفسير. انظر كتابه: التفسير والمفسرون: 1/ 206.

(2)

وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، انظر: تفسير الطبري: 12، 27، وتفسير البغوي: 4/ 235. وانظر: أضواء البيان: 7/ 672.

(3)

كالشيخ سليمان الجمل، والصاوي في حاشيتهما على الجلالين. انظر: حاشية الجمل: 4/ 210، وحاشية الصاوي: 4/ 109.

(4)

لم يبين الشيخ شيئًا من ذلك في تفسيره الأضواء عند الكلام على هذه الآية، ولا في =

ص: 10

رأيت في الآيات الماضية أنت من حِكَم خلق الخلق أمرهم بعبادة الله، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا، ومعلوم أن الأمر والنهي لا تتم الحكمة فيهما إلَّا بجزاء المحسنين بالإحسان، والمسيئين بالإساءة.

ولذلك بيَّن تعالى في آيات كثيرة أن من حِكَم خلقه تعالى للخلائق جزاء المحسنين منهم بإحسانه، والمسيء منهم بإساءته، كقوله تعالى في النجم:{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)} .

فقوله تعالى في هذه الآية: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} أي: هو خالقهما وما فيهما، ثم بيَّن الحكمة فقال:{لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا} الآية.

ويزيد ذلك إيضاحًا قوله تعالى في أول يونس: {إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)} ، والكفار الذين ظنّوا أن خلق السموات والأرض وما فيهما لا لتكليف وحساب وجزاء، هدَّدهم بالويل من النار بسبب هذا الظن السيء المقتضي تجرد خلقه للخلائق عن حكمة التكليف والحساب والجزاء، وذلك في قوله في ص:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} . وقد نزه نفسه تعالى عن أن يكون خلق الخلق إلا لبعث وجزاء، وأنكر على من ظن ذلك إنكارًا شديدًا في آخر سورة الفلاح

(1)

، قال منكرًا ذلك

= كتابه دفع إيهام الاضطراب عند كلامه على آية: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} من سورة هود. فلعل ذلك في كتب أو رسائل أخرى للشيخ.

(1)

هي سورة "المؤمنون". وانظر هذه التسمية في التحرير والتنوير: 9/ 5 لابن عاشور. وورد تسميتها أيضًا بـ "قد أفلح"، كما في كتاب الجامع من العتبية في=

ص: 11

بهمزة استفهام الإنكار: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (115)} ثم نزه نفسه عن ذلك الحسبان المقتضي تجرد خلقهم عن حكمة البعث والجزاء أكمل تنزيه وأتمه بقوله: {فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)} [المؤمنون} أي: تعالى الله الملك الحق وتقدس وتعاظم وتنزه عن أن يكون خلقهم عبثًا لا لحكمة بعث وجزاء.

وقال تعالى منكرًا ذلك أيضًا: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)} [القيامة: 36].

وهذا الذي نزه تعالى عنه نفسه من كونه خلقهم باطلًا لا لبعث وجزاء نزهه عنه أيضًا أولوا الألباب، أي أصحاب العقول السليمة، وذلك في قوله تعالى في آل عمران:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)} فقوله: {سُبْحَانَكَ} أي: تنزيهًا لك عن أن تكون خلقت هذا الخلق باطلًا لا لحكمة تكليف وبعث وحساب وجزاء، فتنزيههم له عن ذلك بقولهم:{سُبْحَانَكَ} كتنزيهه لنفسه عن ذلك بقوله: {فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} الآية.

وأما مسألة رزقه تعالى الخلق، فقد بيَّن تعالى في آيات كثيرة من كتابه أن من حِكَم ذلك كونه برهانًا قاطعًا على أنه لا إله إلَّا هو وحده، وأنه المعبود وحده، فكونه هو الرازق لخلقه من أعظم أدلة التوحيد الدالة على عظمته جل وعلا وجلاله وكمال قدرته، ولذا يأتي بصفة الرزق دائمًا في القرآن في إقامة البرهان على توحيده تعالى، كقوله

= سماع ابن القاسم. انظر: العتبية مع شرحها البيان والتحصيل: 17/ 33.

ص: 12

تعالى في الروم: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)} [الروم: 40].

وقوله تعالى في يونس: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)} .

وقوله تعالى في النمل: {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} الآية [النمل: 64].

وقوله في غافر: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إلا مَنْ يُنِيبُ (13)} .

وقوله تعالى في الجاثية: {وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)} .

وقوله تعالى في البقرة: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} .

وقوله في غافر: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} الآية [64].

وقوله تعالى في الأنعام: {قُلْ أَغَيرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} [الآية: 14].

وقوله تعالى في العنكبوت: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (17)} .

ومن أصرح البراهين في ذلك قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)} إلى قوله: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)} [عبس].

ص: 13

والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا. وصفة الرزق في جميع الآيات المذكورة إنما هي من براهين التوحيد، وبذلك تعلم أن من حِكَم رزقه تعالى لخلقه إقامة البرهان لهم بذلك على عظمته وكمال قدرته، وأنه المعبود وحده جل وعلا، وبه تعلم أن حكمة رزق الخلق إلهية ربانية لا نبوية، وقد بيَّن تعالى امتنانه على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأنه تعالى هو الذي رزقه كما رزق جميع الرسل وجميع الخلق، قال تعالى مخاطبًا له صلى الله عليه وسلم في سورة الضحى:{وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)} أي: وجدك فقيرًا فأغناك برزقه الحلال الطيب.

وقال تعالى مخاطبًا له أيضًا في طه: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)} .

وقد بيَّن تعالى أن من حِكَم رزقه لخلقه إظهار شدة حاجتهم وفقرهم وفاقتهم إلى رحمته جل وعلا، وأنه لو أمسك عنهم الرزق أو أبعد عنهم الماء في داخل الأرض حتى لا يستطيعوا الوصول إليه، أو جعله ملحًا أُجاجًا لا يمكن أن يُشرب لهلكوا جميعًا، ولم يقدر أحد كائنًا من كان أن يطعمهم ولا أن يسقيهم، قال تعالى في الملك:{أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ} [الآية: 21]، وقال فيها أيضًا:{قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)} .

وقال في الواقعة: {أَفَرَأَيتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)} .

وقد بيَّن تعالى أن من حِكَم رزقه لخلقه عظمة رحمته وفضله وكرمه، كقوله تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)} [هود: 6].

ص: 14

فقد رأيت في بالآيات القرآنية بعض حِكَم خلق الله تعالى لخلقه ورزقه لهم. ومعلوم أن من أسمائه "الخالق"، ومن أسمائه "الرزاق".

ومعلوم أن أسماءه أزلية لا أول لها، وبالجملة فإيضاح هذا المبحث كله هو أن الله جل وعلا غني عن الخلائق كلهم، وقد اقتضت حكمته أن يخلق السموات والأرض ونحوهما ليقيم بذلك برهانًا قاطعًا على كمال قدرته وعظمته وأنه المعبود وحده، وخلق العقلاء كلهم لتلك الحكمة، ولحكم أخرى عظيمة، وهي أنه يأمرهم وينهاهم على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، ثم يوفق فريقًا منهم، وهم أهل الجنة، ولم يفعل ذلك لغيرهم، وهم أهل النار، وقد أشار تعالى إلى أن اختلافهم إلى شقي وسعيد من الحكم التي خلقهم لأجلها في سورة هود في قوله تعالى:{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [الآيتان: 118 - 119].

والتحقيق أن الإشارة في قوله: {وَلِذَلِكَ} راجعة إلىِ اختلافهم إلى شعي وسعيد

(1)

، المذكور في ضمن قوله:{وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} ، ولذا ذكر بعده مصير فريق الأشقياء بقوله:{خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} الآية [119].

والاختلاف المذكور في آية هود هذه، هو المذكور في التغابن في قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [الآية: 2].

وفي الشورى

(2)

في قوله تعالى: {وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي

(1)

انظر: تفسير الطبري: 12/ 144، ودفع إيهام الاضطراب:158.

(2)

في الأصل: "شورى"، بالتنكير.

ص: 15

الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)}.

وفي الأعراف في قوله تعالى {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيهِمُ الضَّلَالةُ} [الآية: 29 - 30].

والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا.

ومن الحكم الباهرة في إسعاد قوم، وإشقاء آخرين: أن كلًّا من الفريقين ينكشف فيه بعض أسرار أسمائه الحسنى، وصفاته العلا، فالذين وفقهم لفعل الخير، يظهر فيهم بعض أسرار أسمائه وصفاته، فالذين يرحمهم يظهر فيهم سرّ رحمته، التي اشتق لنفسه منه اسمه "الرحيم" و"الرحمن"، ورأفته التي منه اسمه "الرؤوف"، وكرمه الذي منه اسمه "الكريم"، وحكمه الذي منه اسم "الحكيم"، وهكذا.

والذين أشقاهم الله يظهر فيهم أسرار بعض

(1)

أسمائه وصفاته، كانتقامه الذي منه اسمه المنتقم، وكبريائه وجبروته الذَيْن منهما اسماه "الجبار" و"المتكبر"، وهكذا أيضًا لأن بذلك يجتمع الخوف والمحبة

(2)

.

وعلى كل حال، فسيدنا وسيد الخلائق كلها محمد صلى الله عليه وسلم أعطاه الله جل وعلا من التشريف والتعظيم والتكريم وعلو الشأن في العالم العلوي والسفلي، مما هو ثابت في كتاب الله والسنة الصحيحة، ما هو أشد الغنى عن ادعاء تعظيمه بأمور لا أساس لها ولا مستند لها ألبتة، ولم يقل صلى الله عليه وسلم حرفًا منها.

فعلى المسلم أن يتثبت ويتحفظ، وألَّا يقول على نبينا صلى الله عليه وسلم شيئًا إلَّا

(1)

هكذا في الأصل: "أسرار بعض"، ولعل الصواب:"بعض أسرار" كما مر قريبًا.

(2)

بعد كلمة "المحبة" توجد في الأصل إشارة إلى لحق، ولم يكتب في الهامش شيء.

ص: 16

بعد ثبوت صحته، لأنه صلى الله عليه وسلم روى عنه سبعون

(1)

من أصحابه أنه قال: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"

(2)

.

وعلى كل حال فمن المعلوم الواضح أنه لا ينبغي لأحد أن يقول: إن فرعون وهامان وقارون وعاقر ناقة صالح وأبا جهل وأمية بن خلف ونحوهم من أئمة الكفر خلقوا من بركة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك سائر المشركين والكفار، لأنه صلى الله عليه وسلم خير كله، ولا ينشأ عنه إلَّا خير محض كما لا يخفى.

(1)

منهم العشرة المبشرون بالجنة، وبلغ بهم بعضهم إلى اثنين ومائة من الصحابة. بل قال النووي:"إنه جاء عن مائتين من الصحابة، ولم يزل في ازدياد"، ورده السخاوي نقلًا عن شيخه ابن حجر بأنه سبق قلم من مائة. وهذا الحديث يمثل به علماء المصطلح للمتواتر، وفي كلام ابن الصلاح ما يشعر باختصاص هذا الحديث بكونه مثالًا للمتواتر، ورده ابن حجر أيضًا. وقد اعتنى بجمع طرقه جمع من الحفاظ؛ كالطبراني "وكتابه مطبوع"، ويوسف بن خليل الدمشقي (ت: 648 هـ)، وأبي علي البكري (ت: 656 هـ) وغيرهم.

انظر: الموضوعات لابن الجوزي: 1/ 56 - 92، ومقدمة ابن الصلاح: 135، وشرح النووي على صحيح مسلم: 1/ 68، وفتح المغيث للسخاوي: 3/ 35 - 41، والأسرار المرفوعة للقاري: 39 - 70، وصحيح الجامع: 5/ 351، 352.

(2)

أخرجه البخاري "الصحيح مع الفتح": 1/ 199، ومسلم: 1/ 10 "مقدمة".

ص: 17