الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفتوى الرابعة
الإجابة الصادرة على صحة الصلاة في الطائرة
بسم الله الرحمن الرحيم
والسلامان [*] على النبي الكريم.
أما بعد: فقد طلب مني بعض فضلاء إخواننا أن نقيد لهم حروفًا تظهر
(1)
بها صحة صلاة من صلى في الطائرة، فأجبناهم إلى ذلك، [ونذكر] إن شاء الله وجه استنباط صحتها من كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من كلام العلماء على طريق المناظرة الشرعية الخالية من اللجاج والجدال:
أما القرآن: فقد امتنَّ الله فيه على خلقه في سورة الامتنان
(2)
-التي هي سورة النحل- بهذه المراكب المستحدثة؛ لأنه [لما] بين أنواع الامتنان فيها، وذكر الامتنان بأنواع [من] المركوبات في قوله تعالى:{وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} [النحل: 8]. أشار إلى امتنانه بمركوبات لم تُخلق بعد، ولم يعلمها الموجودون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:{وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)} [النحل: 8]، فالإتيان بقوله:{وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} مقترنًا بجنس المركوبات، يدل على أنه من جنس ما يركب، ودلالة الاقتران
(3)
،
[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا بالمطبوع.
(1)
في المطبوعة: "نظهر" بالنون.
(2)
لم أجد هذه التسمية التي ذكرها الشيخ لسورة النحل، والذي يذكره المفسرون أنها تسمى:"سورة النِّعَم". فلعل ذلك اجتهاد منه رحمه الله، فهو أهلٌ لذلك، وقد قال الزركشي في البرهان: 1/ 270: "وينبغي البحث عن تعداد الأسامي هل هو توقيفي أو بما يظهر من المناسبات؟ فإن كان الثاني فلن يعدم الفَطِن أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة تقتضي اشتقاق أسماء لها". وقد استبعد الزركشي هذ الثاني. والله أعلم.
(3)
معنى هذه الدلالة: أن القِران بين جملتين مثلًا أو مفردين مثلًا في حكم، هل يوجب التسوية بينهما في غير ذلك الحكم؟ كقوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} .=
وإن ضعفها بعض الأصوليين
(1)
، كما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله:
أما قران
(2)
اللفظ في المشهور
…
فلا يساوي في سوى المذكور
(3)
فقد صححها جماعة من المحققين
(4)
، ولاسيما في هذا الموضع الذي دلَّت فيه قرائن المشاهدة على صحة دلالة الاقتران فيه، ونعني بدلالة الاقتران [هنا دلالة اقتران]{وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)} بجنس ما يُركب، فإنه يدل على أنه من جنس ما يركب، فإذا حققت أن الله امتن في سورة الامتنان [على الخلق] بوجود هذه المراكب، التي من جملتها الطائرة، فاعلم أن ركوبها جائز؛ لأن الله لا يمتن بمحرم، وإذا كان جائزًا ودخل وقت الصلاة، فقد دل الكتاب والسنة والإجماع [على] أن الله لا يكلف الإنسان إلَّا طاقته بقوله:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقوله:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقوله صلى الله عليه وسلم:
= فقد قرن بينهما في حكم وهو وجوب الإتمام بعد الشروع، فهل يلزم من ذلك مساواتهما في الحكم ابتداءً؟ خلاف بين الأصوليين كما ذكره المؤلف.
(1)
بل جُلُّهم على التضعيف، كما ذكره الشيخ في نثر الورود: 297، وقبله صاحب نشر البنود: 1/ 245.
وانظر: أضواء البيان: 3/ 219، وإرشاد الفحول: 248، والبحر المحيط للزركشي: 6/ 99، وميزان الأصول للسمرقندي:415.
(2)
في الأصل: "اقتران"، والمثبت من متن المراقي وشروحه.
(3)
مراقي السعود: 55، والمراقي أيضًا مع نشر البنود: 1/ 245، ومع مراقي السعود: 217، ومع نثر الورود: 297، ومع فتح الودود:90.
(4)
هم أبو يوسف من الحنفية، والمزني وابن أبي هريرة والصيرفي من الشافعية، وبعض المالكية. كما في البحر المحيط للزركشي: 6/ 99.
"فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"
(1)
، فإذا صلى فيها فقد فعل طاقته، ولم يؤمر إلَّا بطاقته. و [قد] أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى حدوث
(2)
هذه المركوبات، بقوله -كما ثبت في حديث مسلم-: "ولَتُتْرَكنَّ القِلاصُ
(3)
فلا يسعى عليها"
(4)
.
أما السنة: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الصلاة في السفينة، قال:"صلّ فيها قائمًا، إلَّا أن تخاف الغرق". أخرجه الدارقطني
(5)
والحاكم
(6)
على شرط الصحيحين.
(1)
أخرجه البخاري: 96 - كتاب الاعتصام، 2 - باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم: 8/ 142، ومسلم: 43 - كتاب الفضائل: 37 - باب توقيره صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 1337.
(2)
في الأصل: "حل" والتصويب من المطبوعة.
(3)
القِلاص: جمع قلوص، وهي: الشابة من الإبل، والجمع: قلائِص وقُلُص. القاموس المحيط: 628.
(4)
صحيح مسلم: (1 - كتاب الإيمان، 71 - باب نزول عيسى بن مريم، حديث رقم: 155).
وأخرجه أيضًا: أحمد وابن حبان والطحاوي في مشكل الآثار، والآجري في الشريعة، وابن منده في الإيمان، والبغوي في شرح السنة كما في حاشية المسند: 16/ 255 طبعة مؤسسة الرسالة.
(5)
سنن الدارقطني: 1/ 395.
(6)
المستدرك: 1/ 275، وصححه ووافقه الذهبي.
وقد أخرجه أيضًا: البزار في مسنده: 4/ 157، والدارقطني: 1/ 394، عن ابن عمر عن جعفر بن أبي طالب:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يصلي قائمًا، إلَّا أن يخشى الغرق". قال الدرقطني: -يعني في السفينة- فيه رجل مجهول. اهـ.
قلت: أخرجه حرب الكرماني في مسائله عن أحمد وإسحاق (38 ق) =
مع أن القرآن دلَّ بدلالة الإشارة
(1)
على صحة الصلاة في السفينة، حيث امتنَّ بركوبها:{تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} [البقرة: 164]، ومعلوم أنه لا يتيسر النزول بالساحل عند كل صلاة، فالصلاة فيها صحيحة قطعًا.
وإذا دلَّ الكتاب والسنة والإجماع على صحة الصلاة في سفينة البحر، فاعلم أنها لا يوجد بينها وبين الطائرة فرق له أثر في الحكم؛ لأن كلًّا منهما سفينة محركة ماشية، يصح عليها الإتيان بجميع أركان الصلاة، من قيام وركوع وسجود واعتدال وغير ذلك، بل هو في الطائرة أسهل؛ لأنها أخف حركة من السفينة.
وكل منهما تمشي على جرم؛ لأن الهواء جرم بإجماع المحققين من نظار المسلمين والفلاسفة، وتتحقق صحة ذلك إذا نفخت قربة -مثلًا- فإن الرائي يظنها مملوءة من الماء، ولو كان الهواء غير جرم لما ملأ الفراغ بملء الأوعية المنفوخة، وبين الهواء والماء مناسبة كثيرة، حتى إن أحدهما ينتقل من عنصره إلى عنصر الآخر؛ ألا ترى الماء إذا
= بإسقاط الرجل المجهول، فانتفى الإعلال بالجهالة. والله أعلم. والحديث صحيح ثابت كما دكره المؤلف رحمه الله.
وانظر: صحيح الجامع الصغير: 3/ 244، وصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: 79 للألباني، والتعليق المغني على سنن الدارقطني: 1/ 395.
(1)
دلالة الإشارة عند الأصوليين هي: دلالة اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل، ولكنه الازم للمقصود، وهي من دلالة الالتزام، والحق فيها أنها من المفهوم لا من قبيل المنطوق وغير الصريح.
انظر: إرشاد الفحول: 178، والمذكرة في أصول الفقه: 236، وأضواء البيان: 3/ 267 - 269.
بلغ مائة درجة من درجات الحرارة تبخر فصار هواءً، فانتقل من عنصر الماء إلى عنصر الهواء.
فإذا لم يكن بينهما فرق له تأثير في الحكم، فاعلم أن عامة العلماء -ما عدا [قومًا من] أتباع داود الظاهري
(1)
- على أن المسألة المنطوق
(2)
بها و [المسألة] المسكوت عنها، إذا لم يكن بينهما فرق مؤثر في الحكم، فإن المسكوت عنها تدخل في حكم المنطوق بها، وهو الدليل المعروف عند الأصوليين بالإلحاق بنفي الفارق، وهو نوع من تنقيح المناط، وسماه الشافعي القياس في معنى الأصل
(3)
، قال في مراقي السعود:
قياسَ معنى الأصل عنهم حقِّقِ
…
لما دُعي الجمعَ بنفي الفارق
(4)
وقال أيضًا في مسالك العلة، في الكلام على تنقيح المناط:
فمنه ما كان بإلغا الفارق
…
وما بغيرٍ من دليل رائق
(5)
(1)
وعلى رأسهم ابن حزم، فإنهم يرون أن كل خطاب وكل قضية فإنما تعطيك ما فيها، ولا تعطيك حكمًا في غيرها، لا أن ما عداها موافق لها ولا أنه مخالف لها، لكن كل ما عداها موقوف على دليله.
انظر: الإحكام لابن حزم: 7/ 1153، 1197، والبحر المحيط: 4/ 12.
(2)
في الأصل: "المنطوقة"، والتصويب من المطبوعة.
(3)
ويسميه أيضًا: القياس الجلي.
انظر: اللمع للشيرازي: 25، والمحصول للرازي: 1/ 1 / 320، والبحر المحيط للزركشي: 4/ 9 و 5/ 255، وإرشاد الفحول: 178، 221، ومذكرة أصول الفقه: 251، ونثر الورود: 523، وأضواء البيان: 1/ 434.
(4)
مراقي السعود: 101، والمراقي أيضًا مع نشر البنود: 2/ 247، ومع مراقي السعود: 392، ومع نثر الورود: 360، ومع فتح الودود:182.
(5)
مراقي السعود: 94، والمراقي أيضًا مع نشر البنود: 2/ 199، ومع مراقي =
فإلحاق ضرب الوالدين بالتأفيف في قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، وإلحاق شهادة أربعة عدول بالعدلين في قوله:{وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]، وإلحاق وزن الجبل بمثقال ذرة في قوله تعالى:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (7)} [الزلزلة]، وإلحاق إحراق مال اليتيم وإغراقه بأكله
(1)
في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10]، وإلحاق البول في إناء وصبّه في الماء الراكد، بالبول في الماء الراكد المنهي عنه، وإلحاق التضحية بالعمياء [بالتضحية] بالعوراء المنهي عن التضحية بها، وإلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق في قوله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركًا
(2)
[له] في عبد"
(3)
الحديث، وإلحاق منع حكم القاضي في حالة الجوع والعطش [والحقن] والحَقَب
(4)
والسرور، والحزن ونحو ذلك من كل ما يشوش عليه بالغضب
(5)
المنصوص عليه في حديث أبي بكرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان"
(6)
ونحو ذلك مما هو كثير جدًّا، كله إلحاق بنفي الفارق.
واعلم أن إلغاء الفارق يقول به من لا يقول بالقياس [وهو] في
= السعود: 366، ومع نثر الورود: 523، ومع فتح الودود:166.
(1)
في الأصل: "بالكلية"، والصواب ما أثبت من المطبوعة.
(2)
في الأصل: "شريكًا"، والمثبت من مصادر تخريج الحديث، ومن المطبوعة.
(3)
أخرجه البخاري (الصحيح مع الفتح: 5/ 132، 137)، ومسلم حديث رقم (1503).
(4)
الحقن: احتباس البول، والحَقَب: احتباس الغائط. النهاية: 1/ 416.
(5)
في الأصل: "من الغضب"، والتصويب من المطبوعة.
(6)
أخرجه البخاري (الصحيح مع الفتح: 13/ 136)، ومسلم حديث رقم (1717).
حكم النص عند جماهير العلماء.
مما يدلك على ذلك أن الإمام أبا حنيفة لا يقول بالقياس في الكفارات
(1)
، وقد قال فيها [بالإلحاق] بنفي الفارق، وذلك في الأعرابي الذي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم يضرب صدره، وينتف شعره، ويقول: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في [نهار] رمضان، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أعتق رقبة"
(2)
.
والنبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على كفارة صوم رمضان في خصوص الجماع، ولم يتكلم على الشرب والأكل عمدًا فيه، فحكمَ مالك
(3)
وأبو حنيفة
(4)
بإلغاء الفارق، وإلحاق الأكل والشرب المسكوت عنهما بالجماع المنصوص عليه في وجوب الكفارة، [فقالا] بوجوبها في الأكل والشرب عمدًا.
أما ما وعدنا به من كلام الفقهاء على طريق المناظرة الشرعية، فإنا نقول:
أولًا: من ادعى بطلان الصلاة بالطائرة، فهو الذي عليه البيان، ومدعي الصحة معه الأصل؛ لأنها صلاة لم يختل منها ركن ولا شرط، و
(5)
أركان الصلاة، وشروطها معروفة لا يختل بالطائرة منها شيء، ولا دليل على بطلانها فيها من كتاب ولا سنة ولا إجماع [ولا كلام عن أحد
(1)
انظر: تيسير التحرير: 4/ 103، وإرشاد الفحول:223.
(2)
أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح: 4/ 163، ومسلم حديث رقم (1111).
(3)
انظر: المنتقى: 1/ 52، وعقد الجواهر الثمينة: 1/ 363، وحاشية الدسوقي: 1/ 527.
(4)
انظر: الأصل لمحمد بن الحسن: 2/ 193، ومختصر اختلاف العلماء للجصاص: 2/ 29، والمبسوط: 3/ 73، وفتح القدير: 2/ 338، 339.
(5)
في الأصل: "من" والتصويب من المطبوعة.
من أصحاب المذاهب، ونقول ثانيًا: إنا إذا أردنا]
(1)
تحقيق هذه المسألة المنطبق على جزئياتها
(2)
أفرغناها في قالب الدليل العظيم المعروف عند الأصوليين بالسبر والتقسيم
(3)
، وعند المنطقيين بالشرطي المنفصل
(4)
، وعند الجدليين بالترديد والتقسيم
(5)
، فنقول: أوصاف الراكب التي يتوهم أنها سبب لبطلان صلاته فيها، يحصرها التقسيم الصحيح في هذه الأقسام الخمسة.
أولها: أنها غير متصلة بالأرض.
الثاني: أنها غير ساكنة.
الثالث: أنها ترفعه عن مسامتة القبلة: فيكون غير مستقبل، والقبلة شرط في الصلاة.
الرابع: عدم القدرة على إكمال الأركان لحركتها واضطرابها.
الخامس: عدم معرفة جهة القبلة.
(1)
بياض في الأصل واستكمل من المطبوعة.
(2)
جاءت هذه العبارة في الأصل هكذا: "بتحقيق هذه المسألة المنطبق على جزئياتها يتضح إذن" وفيها قلق والسياق تام بدونها. وما أثبت من المطبوعة.
(3)
ينظر: شرح الكوكب المنير: 4/ 142، وإرشاد الفحول: 213، ومذكرة أصول الفقه: 257 - 260، والرحلة: 165، وأضواء البيان: 4/ 395 - 415، وفيه كلام نفيس على هذا الدليل وتوضيحه بالأمثلة من القرآن وغيره، وذكر بعض آثاره العقائدية والتاريخية. فرحم الله مؤلفه رحمة واسعة.
(4)
ينظر: الإيضاح في الجدل: 80 ليوسف بن الجوزي، والرد على المنطقيين: 205، والبحر المحيط للزركشي: 6/ 222، وآداب البحث والمناظرة: 54 للمؤلف، وتسهيل المنطق: 41، وطرق الاستدلال ومقاصدها: 191 ليعقوب الباحسين.
(5)
انظر: الجدل لابن عقيل: 19، والرد على المتطقيين: 205، والعذب النمير: 2/ 726.
ولا وصف غير هذه الأوصاف الخمسة إلَّا الأوصاف الطردية التي لا أثر لها في الأحكام.
فإذا حققت هذا التقسيم فاعلم أن السبر الصحيح يدل [على] أن هذه الأقسام ليس فيها واحد يبطل الصلاة.
أما كونها غير متصلة بالأرض، فليست شرطًا في صحة الصلاة؛
(1)
لأن أرض المصلي هي موضع صلاته، إذا كان يمكنه الركوع والسجود وسائر الأركان.
وقد أجمع جميع العلماء على صحة الصلاة فوق السقف، مع أن الموضع المسامت
(2)
لأعضائه منه غير متصل بالأرض.
وفي الدسوقي عند قول خليل: "ورفع مأموم ما يسجد عليه"
(3)
[ما نصه]: وأما السجود على غير متصل بالأرض كسرير معلق، فلا خلاف في عدم صحته كما مر، أي والحال أنه غير واقف في ذلك السرير، وإلَّا صحت كالصلاة في المحمل
(4)
. اهـ منه بلفظه.
فترى هذا العالم المحقق صرح بأنه لو قام في سرير معلق بين السماء والأرض، فصلى فيه، فصلاته صحيحة، وأن المحظور إنما هو لو صلى في الأرض وسجد على السرير المعلق؛ لأنه يكون إيماء في
(1)
في المطبوعة: "فلا يبطل الصلاة" بدل: "فليست شرطًا
…
إلخ .. ".
(2)
في المطبوعة: "موضع المصلي المماس" ولعله الصواب.
(3)
مختصر خليل مع شرحه: نصيحة المرابط: 1/ 182 لمحمد الأمين بن أحمد زيدان الشنقيطي، وكذا مع شرحه: مواهب الجليل: 1/ 198 لأحمد بن أحمد المختار الجكني الشنقيطي.
(4)
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 1/ 253.
الصلاة بلا عذر، وهو مبطل لعدم السجود، وهو ركن.
أما كونها غير ساكنة، فلا يبطل لإجماع
(1)
العلماء على صحة الصلاة في سفينة الماء وهي تضطرب في جبال الموج، فلو كانت الحركة مبطلة لبطلت في السفينة.
أما كونها ترتفع عن مسامتة القبلة فلا يبطلها؛ لإجماع
(2)
العلماء على أن من صلى على جبل أبي قبيس، وهو مرتفع عن مسامتة القبلة ارتفاعًا كثيرًا بيِّنًا، فصلاته صحيحة.
مع أن جماهير العلماء
(3)
على أن الغائب عن مكة يجعل وجهه إلى جهة القبلة، ولا يلزمه الاجتهاد في مسامتتها.
كما دلَ عليه قوله تعالى: {وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150]، والمراد بالشطر الجهة، ومنه قول الشاعر:
أقول لأم زنباع أقيمي
…
صدور العيس شطر بني تميم
(4)
أي: جهتهم.
(1)
تقدم ص: 60.
(2)
انظر: المجموع: 3/ 199، وتبيين الحقائق للزيلعي: 1/ 264، والذخيرة: 2/ 116، وكشاف القناع: 2/ 224.
(3)
ولم يخالف في هذا إلَّا الشافعي في أصح قوليه عند أصحابه.
انظر: المجموع: 3/ 203، والمغني: 2/ 101، وتبيين الحقائق للزيلعي: 1/ 264، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير: 1/ 223.
(4)
البيت لأبي زنباع الجذامي، كما في اللسان: 4/ 408.
قال في المختصر: "وإلَّا فالأظهر جهتها اجتهادًا"
(1)
.
وإذا كانت الجهة كافية فمن في الطائرة مستقبلٌ للجهة بلا شك.
أما عدم القدرة على الإتيان بالأركان، فهو منتفٍ، بل أهلها قادرون على جميع أركان الصلاة، وقد صلينا فيها مرارًا، نسجد [و] نركع ونقوم ونجلس ونطمئن، وما تعسَّر علينا شيء من ذلك
(2)
.
أما معرفة القبلة فهي متيسرة لشدة علم أهلها بالخطوط الجوية.
فظهر بالتقسيم الصحيح، والسبر الصحيح، عدم بطلان الصلاة فيها. وقد تقرر في علم الأصول، في مبحث السبر والتقسيم: أن السبر والتقسيم إذا كانا قطعيين، فالحكم قطعي، وإذا كانا ظنيين، فالحكم ظني، كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:
وهو قطعي إذا ما نُميا
…
للقطع والظني سواه وُعِيا
(3)
ولا يمكن لأحد أن يزيد وصفًا غير الأوصاف التي بيَّنا، إلَّا وصفًا طرديًا لا أثر له في الحكم.
وإبداء المعترض وصفًا زائدًا على أوصاف المستدل بالسبر لا
(1)
مختصر خليل مع شرحه: نصيحة المرابط: 1/ 162، وكذا مع شرحه: مواهب الجليل: 1/ 55.
(2)
تحدث الشيخ عطية محمد سالم تلميذ الشيخ عن هذا الأمر حيث قال: "إنه ممن سافر مع الشيخ رحمه الله إلى بلد إفريقيا بالطائرة، وقد طلع الفجر وهم في الطريق فأذن بعضهم ثم تقدم الشيخ فصلى بهم فلما انتهى من صلاته سألته عن هذه الصلاة فقال: هذه أحسن صلاة صليتها، ثم قال: نحن كنا نعبد الله في الأرض والآن نحن نعبده في السماء" انتهى من حاشية المطبوعة: 17.
(3)
مراقي السعود: 87، والمراقي أيضًا مع نشر البنود: 2/ 160، 161، ومع مراقي السعود: 343، ومع نثر الورود: 486، ومع فتح الودود:152.
يثبت به الاعتراض، بل إن أبدى المستدل أنه طردي، صح دليله وسقط الاعتراض؛ لعدم تأثير ذلك الوصف الزائد، كما هو مقرر في الأصول. [وأشار له صاحب مراقي السعود بقوله:
إن يُبْد وصفًا زائدًا
(1)
معترضُ
…
وفَى
(2)
به دون البيان الغرض
(3)
والشاهد منه في قوله: "دون البيان" أما مع البيان فلا يقدح الوصف الزائد في سبر المستدل].
هذا ما ظهر، والعلم عند الله تعالى.
أملاه الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، رحمة الله عليهما.
(1)
في المطبوعة: "وصف زائد".
(2)
في المطبوعة: 38، ومراقي السعود: 343، 344:"وفي "، والمثبت من متن المراقي وباقي شروحه.
(3)
مراقي السعود: 88، والمراقي أيضًا مع نشر البنود: 2/ 168، ومع مراقي السعود: 343، ومع نثر الورود: 488، ومع فتح الودود:153.