الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفتوى الثانية
1 -
مسألة مقر العقل من الإنسان.
2 -
هل يشمل لفظ المشركين أهل الكتاب.
3 -
هل يجوز دخول الكافر مساجد الله غير المسجد الحرام.
بسم الله الرحمن الرحيم
نص السؤال:
حضرة صاحب الفضيلة الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي المحترم
بعد السلام عليكم: أبدي أنه أمامي الآن مسألتين، بحثت عن شخص يمكنه إيضاحهما بما يتفق والدين والواقع مؤيدًا بالأدلة الشرعية والعقلية، فرأيت أن ذلك الشخص هو فضيلتكم، ولهذا أرجوكم التفضل بذلك لما لها من الأهمية في هذه الأيام، وإشغالها مجالس كثير من الفكريين والعقلاء.
1 -
تعلمون أن القرآن صرح بأن محل العقل القلب {لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} والحديث: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". وتعلمون أن الإمام أبا حنيفة يرى أن محل العقل الدماغ وكذلك الحكماء، وأن البعض ذهب إلى أن الدماغ أداة من أدوات القلب، فما هو المخرج في ذلك.
2 -
تعلمون أن الله تعالى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} ، وتعلمون أن القرآن فرَّق بين المشركين وأهل الكتاب:{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} . وتعلمون أن سيدنا عمر بن عبد العزيز أمر بإلحاق أهل الكتاب بالمشركين في عدم دخول المسجد الحرام، وأن
عطاء رضي الله عنه جعل المسجد يشمل الكل، وعلى هذا درج المسلمون إلى الآن، فما هو سند سيدنا عمر وما هو النهج الديني في ذلك؟
ولكم من الله الأجر والثواب، ومني الشكر مع جزيل التحية.
هذه فتوى الشيخ محمد الأمين عما استفتاه عنه الشيخ محمد الأمين ابن الشيخ محمد الخضر عن مقر العقل ومسائل أخرى، نقلته من خطه.
توقيع: أحمد بن أحمد المختار
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة صاحب المعالي أخي المكرم الشيخ محمد الأمين بن الشيخ محمد الخضر حفظه الله ووفقه:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، فقد وصلنا خطابكم الكريم بتاريخ 27/ 4/ 1389 هـ[1] وفهمنا ما سألتم عنه.
والجواب -حفظكم الله ووفقكم- عن المسألة الأولى التي هي محل العقل هو ما ستراه، ولا يخفى على معاليكم أن بحث العقل بحث فلسفي قديم، وللفلاسفة فيه مائة طريق باعتبارات كثيرة مختلفة، غالبها كله تخمين وكذب وتخبط في ظلام الجهل، وهم يسمون الملائكة عقولًا ويكثرون البحث في العقول العشرة المعروفة عندهم، ويزعمون أن المؤثر في العالم هو العقل الفياض، وإن نوره ينعكس على العالم كما (تنعكس الشمس)[2] على المرآة، فتحصل تأثيراته بذلك الانعكاس، ويبحثون في العقل البسيط الذي يمثل به المنطقيون للنوع البسيط، إلى غير ذلك من بحوثهم الباطلة المتعلقة بالعقل من نواح شتى
(1)
، ومن تلك البحوث قول عامتهم إلَّا القليل منهم، إن محل العقل الدماغ، وتبعهم في ذلك قليل من المسلمين، ويذكر عن الإمام أحمد أنه جاءت
(1)
ينظر في هذا: المبين: 106 - 108 للآمدي.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): 23/ 4/ 89، وذكر المعلق أنه نقلها عن الأصل بخط الشيخ محمد الأمين، وهو الموافق لتاريخ إرسال الرسالة من قبل الشيخ محمد الأمين بن الشيخ محمد الخضر (ص 17).
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): كما ينعكس نور الشمس.
عنه رواية بذلك
(1)
وعامة علماء المسلمين على أن محل العقل القلب
(2)
، وسنوضح -إن شاء الله تعالى- حجج الطرفين ونبين ما هو الصواب في ذلك.
اعلم [أولا][1]، وفقنا الله وإياك، أن العقل نور روحاني تدرك به النفس العلوم النظرية والضرورية
(3)
، وأن من خلقه وأبرزه من العدم إلى الوجود وزين به العقلاء وأكرمهم به، أعلمُ بمكانه الذي جعله فيه من جملة الفلاسفة الكفرة الخالية قلوبهم من نور سماوي وتعليم إلهي، وليس أحد بعد الله أعلم بمكان العقل من النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال في حقه:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم]، وقال تعالى عن نفسه:{أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: 140].
(1)
وهي رواية الفضل بن زياد عنه. كما في العدة: 1/ 89 - 90 لأبي يعلى، وذم الهوى: 24 لابن الجوزي. وانظر: مجموع الفتاوى: 9/ 303، وأقسام القرآن: 2/ 275 لابن القيم. ويُنسب هذا القول إلى ابن الماجشون من المالكية. كما في المقدمات لابن رشد: 3/ 334، والذخيرة للقرافي: 1/ 240. واختاره الطوفي من الحنابلة كما في كتابه شرح مختصر الروضة: 1/ 172.
(2)
انظر القولين في محل العقل -غير ما تقدم من المصادر- في: الحدود: 34 للباجي، وتفسير ابن عطية: 11/ 208، وقواطع الأدلة: 1/ 30 لابن السمعاني، وتهذيب الأسماء واللغات: 3/ 34، وتفسير القرطبي: 1/ 370، وشرح التلقين: 1/ 135 للمازري، والأمنية في إدراك النية: 17 للقرافي، والكليات: 619 للكفوي.
(3)
انظر هذا التعريف للعقل وتعريفات أخرى له في: التعريفات للجرجاني: 152، والعقل: 201 للحارث المحاسبي، والمستصفى: 1/ 70، وإحياء علوم الدين: 1/ 458، 459، وذم الهوى: 23، ومجموع الفتاوى: 9/ 271، 287، والمسودة: 2/ 981، والبحر المحيط: 1/ 85، 86 للزركشي، والكليات: 617، 618 للكفوي.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: زيادة من في (أ).
والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في كل منهما التصريح بأن محل العقل القلب، وكثرة ذلك وتكراره في الوحيين لا يترك احتمالًا ولا شكًّا في ذلك، وكل نظر عقلي صحيح يستحيل أن يخالف الوحي الصريح، وسنذكر طرفًا من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك، وطرفًا من الأحاديث النبوية، ثم نبين حجة من خالف الوحي من الفلاسفة ومن تبعهم، ونوضح الصواب في ذلك إن شاء الله تعالى.
واعلم -أولًا- أنه يغلب في الكتاب والسنة إطلاق القلب وإرادة العقل، وذلك أسلوب عربي معروف؛ لأن من أساليب اللغة العربية إطلاق المحل وإرادة الحال فيه كعكسه، والقائلون بالمجاز يسمون ذلك الأسلوب العربي مجازًا مرسلًا، ومن علاقات المجاز المرسل عندهم المحلية والحالية، كإطلاق القلب وإرادة العقل؛ لأن القلب محل العقل، وكإطلاق النهر الذي هو الشق في الأرض على الماء الجاري فيه، كما هو معلوم في محله.
(وهذه)[1] بعض نصوص الوحيين، قال تعالى:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} الآية [الأعراف: 179]، فعابهم الله بأنهم لا يفقهون بقلوبهم، والفقه الذي هو الفهم لا يكون إلَّا بالعقل، فدلَّ ذلك على أن القلب محل العقل، ولو كان الأمر كما (زعمت) [2] الفلاسفة لقال: لهم أدمغة لا يفقهون بها.
وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)} [الحج: 46]، ولم يقل: فتكون لهم أدمغة يعقلون بها، ولم يقل: ولكن تعمى الأدمغة التي في الرؤوس كما ترى، فقد صرح في آية الحج هذه بأن
[1] قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): وهذا.
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): زعم.
القلوب هي التي يعقل بها، وما ذلك إلَّا لأنها محل العقل كما ترى، ثم أكَّد ذلك تأكيدًا لا يترك شبهة ولا لبسًا فقال تعالى:{وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، فتأمل قوله:{الَّتِي فِي الصُّدُورِ} تفهم ما فيه من التأكيد والإيضاح، ومعناه: أن القلوب التي في الصدور هي التي تعمى إذا سلب الله منها نور العقل، فلا تميز بعد عماها بين الحق والباطل، ولا بين الحسن والقبيح، ولا بين النافع والضار، وهو صريح (بأن)[1] الذي يميز به كل ذلك وهو
(1)
العقل ومحله القلب.
وقال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)} [الشعراء: 89]، ولم يقل: بدماغ سليم، وقال تعالى:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} الآية [البقرة: 7] ولم يقل: على أدمغتهم، وقال تعالى:{إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} الآية [الكهف: 57]، ومفهوم مخالفة الآية أنه لو لم يجعل الأكنة على قلوبهم لفقهوه بقلوبهم؛ وذلك لأن محل العقل القلب كما ترى، ولم يقل: إنا جعلنا على أدمغتهم أكنة أن يفقهوه.
وقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} الآية [ق: 37]، ولم يقل: لمن كان له دماغ.
وقال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} الآية [البقرة: 74]، ولم يقل: ثم قست أدمغتكم، وكون القلب إذا قسا لم يطع صاحبُه اللهَ، وإذا لان أطاع الله، دليلٌ على أن المميز الذي تراد به الطاعة والمعصية محله القلب كما ترى، وهو العقل.
وقال تعالى: {فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} الآية [الزمر: 22]،
(1)
هكذا في الأصل: "وهو" ولعل الصواب: "هو".
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): هو.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): في أن.
وقال تعالى: {فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} الآية [الحديد: 16]، ولم يقل:(فويل)[1] للقاسية أدمغتهم، ولم يقل: فطال عليهم الأمد فقست أدمغتهم.
وقال تعالى: {أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} الآية [الجاثية: 23]، ولم يقل: وختم على سمعه ودماغه.
وقال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} الآية [الأنفال: 24]، ولم يقل: ودماغه.
وقال تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ} الآية [الفتح: 11]، ولم يقل: ما ليس في أدمغتهم.
وقال تعالى: {فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ} الآية [النحل: 22]، ولم يقل: أدمغتهم منكرة.
وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} الآية [سبأ: 23]، ولم يقل:(إذا فزع)[2] عن أدمغتهم.
وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)} الآية [محمد: 24]، ولم يقل:(أم)[3] على أدمغة أقفالها.
وانظر ما أصرح آية القتال هذه في أن التدبر وإدراك المعاني به إنما هو للقلب، ولو جعل على القلب قفل لم يحصل الإدراك، فتبين أن الدماغ ليس هو محل الإدراك كما ترى.
وقال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]، ولم يقل: أزاغ الله أدمغتهم.
وقال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)} الآية [الرعد: 28] ولم يقل: تطمئن الأدمغة.
وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}
[1] قال معد الكتاب للشاملة: غير موجودة في (أ).
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: غير موجودة في (أ).
[3]
قال معد الكتاب للشاملة: غير موجودة في (أ).
[الأنفال: 2] ولم يقل: وجلت أدمغتهم، والطمأنينة والخوف عند ذكر الله كلاهما إنما يحصل بالفهم والإدراك، وقد صرحت الآيات المذكورة بأن محل ذلك القلب لا الدماغ، وبين في آيات كثيرة أن الذي يدرك الخطر فيخاف منه هو القلب الذي هو محل العقل لا الدماغ، كقوله تعالى:{وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} الآية [الأحزاب: 10]، (وقوله) [1] تعالى:{قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8)} الآية [النازعات: 8]، وإن كان الخوف تظهر آثاره على الإنسان. وقال تعالى:{أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [الأعراف: 100] ولم يقل: (ونطبع)[2] على أدمغتهم، وقال تعالى:{وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا} الآية [الكهف: 14]، وقال تعالى:{إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} [القصص: 10] والآيتان المذكورتان فيهما [من][3] الدلالة على أن محل إدراك الخطر المسبب للخوف هو القلب كما ترى لا الدماغ.
والآيات الواردة في الطبع على القلوب متعددة، كقوله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} الآية [المنافقون: 3]، ولم يقل: فطبع على أدمغتهم، (وكقوله) [4] تعالى:{رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} الآية [التوبة: 93]، ولم يقل: على أدمغتهم، وقال تعالى:{إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} الآية [النحل: 106]، والطمأنينة بالإيمان إنما تحصل بإدراك فضل الإيمان وحسن نتائجه وعواقبه، وقد صرح في هذه الآية بإسناد ذلك الاطمئنان إلى القلب الذي هو محل العقل الذي هو أداة النفس في الإدراك، ولم يقل ودماغه مطمئن بالإيمان.
وقال تعالى: {قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] ولم يقل: في أدمغتكم، وقال
[1] قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): وكقوله.
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: غير موجودة في (أ).
[3]
قال معد الكتاب للشاملة: زيادة من (أ).
[4]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): وقوله.
تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22]، فقوله:{وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} وقوله: {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} ، صريح في أن المحل الذي يدخله الإيمان في المؤمن وينتفي عنه دخوله في الكافر [إنما][1] هو القلب لا الدماغ، وأساس الإيمان إيمان القلب؛ لأن الجوارح كلها تبع له، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"
(1)
.
فظهر (بذلك)[2] دلالة الآيتين المذكورتين على أن المصدر الأول للإيمان القلب، فإذا آمن القلب آمنت الجوارح بفعل المأمورات وترك المنهيات؛ لأن القلب أمير البدن، وذلك يدل دلالة واضحة على أن القلب ما كان كذلك إلَّا لأنه محل العقل الذي به الإدراك والفهم كما ترى.
وقال تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283]، فأسند الإثم بكتم الشهادة للقلب ولم يسنده للدماغ، وذلك يدل على أن (كتمه)[3] الشهادة الذي هو سبب الإثم واقع عن عمد، وأن محل ذلك العمد القلب؛ وذلك لأنه محل العقل الذي يحصل به الإدراك، وقصد الطاعة وقصد المعصية كما ترى.
وقال تعالى في حفصة وعائشة رضي الله عنهما: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] أي: مالت قلوبكما إلى أمر تعلمان أنه صلى الله عليه وسلم يكرهه، سواء قلنا إنه تحريم شرب العسل -الذي كانت تسقيه إياه إحدى نسائه -أو قلنا إنه تحريم جاريته مارية. فقوله: {صَغَتْ
(1)
أخرجه البخاري (الصحيح مع الفتح: 1/ 126)، ومسلم:(1599).
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: زيادة من (أ).
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): لك.
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): كتم.
قُلُوبُكُمَا} أي: مالت. يدل على أن الإدراك وقصد الميل المذكور محله القلب، ولو كان الدماغ لقال: فقد صغت أدمغتكما كما ترى.
ولما ذكر كل من اليهود والمشركين أن محل عقولهم هو قلوبهم قررهم الله على ذلك؛ لأن كون القلب محل العقل حق، وأبطل دعواهم من جهة أخرى، وذلك يدل بإيضاح على أن محل العقل القلب. أما اليهود لعنهم الله، فقد ذكر الله ذلك عنهم في قوله تعالى:{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} الآية [البقرة: 88] فقال: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155]. فقولهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} بسكون اللام يعنون أن عليها غلافًا، أي: غشاء يمنعها من فهم ما تقول، فقررهم الله على أن قلوبهم هي محل الفهم والإدراك، لأنها محل العقل، ولكن كذبهم في ادعائهم أن عليها غلافًا مانعًا من الفهم، فقال على سبيل الإضراب الإبطالي:{بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ} الآية، وأما على قراءة ابن عباس {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} بضمتين
(1)
يعنون أن قلوبهم كأنها غلاف محشو بالعلوم والمعارف، فلا حاجة لنا إلى ما (تدعوننا)[1] إليه، وذلك يدل على علمهم بأن محل العلم والفهم القلوب لا الأدمغة. وأما المشركون فقد ذكر الله ذلك عنهم في قوله تعالى:{وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ [وَمِنْ بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ] [2]} الآية [فصلت: 5]، فكانوا عالمين بأن محل العقل القلب، ولذا قالوا:{قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ} ، ولم يقولوا: أدمغتنا في أكنة مما تدعونا إليه، والله لم يكذبهم في ذلك، ولكنه وبخهم على كفرهم بقوله:{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ} الآية [فصلت: 9].
(1)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 25، والبحر المحيط: 1/ 301.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): تدعونا.
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: غير موجودة في (أ).
وهذه الآيات التي أطلق فيها القلب مرادًا به العقل لأن القلب هو محله، أوضح الله [ذلك] [1] المراد منها بقوله:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46] فصرح بأنهم يعقلون بالقلوب، وهو يدل على أن محل العقل القلب دلالة لا مطعن فيها كما ترى.
وقال تعالى: {فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} [الشورى: 24] ولم يقل: يختم على دماغك، وقال تعالى:{قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} الآية [الأنعام: 46]، ولم يقل: وختم على أدمغتكم.
وقال تعالى في النحل: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108)} .
وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} الآية [الحجرات: 3] ولم يقل: امتحن أدمغتهم.
وقال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} الآية [الحجرات: 7]. والآيات بمثل هذا كثيرة، ولنكتف منها بما ذكرنا خشية الإطالة المملة.
وأما الأحاديث المطابقة للآيات التي ذكرنا الدالة على أن محل العقل القلب، فهي كثيرة جدًّا كالحديث الصحيح الذي (ذكر) [2] والذي فيه:"ألا وهي القلب"
(1)
، ولم يقل فيه: ألا وهي الدماغ، وكقوله صلى الله عليه وسلم:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"
(2)
، ولم يقل: يا مقلب الأدمغة ثبت
(1)
تقدم قريبًا.
(2)
أخرجه أحمد: 19/ 160، والترمذي: 2140، وابن ماجه: 3834، وغيرهم عن أنس رضي الله عنه. =
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: زيادة من (أ).
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): ذكرتم.
دماغي على دينك، وكقوله صلى الله عليه وسلم:"قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن"
(1)
[الحديث][1]، وهو من أحاديث الصفات، ولم يقل: دماغ المؤمن إلخ.
والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدًّا فلا نطيل بها الكلام، وقد تبين مما ذكرنا أن خالق العقل وواهبه للإنسان بيَّن في آيات قرآنية كثيرة أن محل العقل القلب، وخالقه أعلم بمكانه من كفرة الفلاسفة، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم كما رأيت.
أما عامة الفلاسفة إلَّا القليل النادر منهم فإنهم يقولون: إن محل العقل الدماغ، وشذت طائفة من متأخريهم فزعموا أن العقل ليس له مركز مكاني في الإنسان أصلًا، وإنما هو زماني محض لا مكان له، وقول هؤلاء أظهر سقوطًا من أن نشتغل بالكلام عليه.
ومن أشهر الأدلة التي يستدل بها القائلون إن محل العقل الدماغ هو أن كل شيء يؤثر في الدماغ يؤثر في العقل، ونحن لا ننكر أن العقل قد يتأثر بتأثر الدماغ، ولكن نقول بموجبه، فنقول:
سلمنا أن العقل قد يتأثر بتأثر الدماغ، ولكن لا نسلم أن ذلك يستلزم أن محله الدماغ، وكم من عضو من أعضاء الإنسان خارج عن الدماغ بلا نزاع، وهو يتأثر بتأثر الدماغ كما هو معلوم، وكم من شلل في بعض أعضاء الإنسان ناشئ (عن اختلاف)[2] واقع في الدماغ، فالعقل خارج عن الدماغ، ولكن سلامته مشروطة بسلامة الدماغ، كالأعضاء
= وفي الباب عن غيره من الصحابة كعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر رضي الله عنهم. وهو حديث ثابت صحيح.
انظر: السنة لابن أبي عاصم مع تخريجه: 1/ 103، 104.
(1)
أخرجه مسلم: 3654.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: زيادة من (أ).
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): من اختلال.
التي تختل باختلال الدماغ فإنها خارجة عنه، مع أن سلامتها (مشروطة)[1] فيها سلامة الدماغ كما هو معروف.
وإظهار حجة هؤلاء والرد عليها -على الوجه المعروف في آداب البحث والمناظرة-: أن حاصل دليلهم أنهم يستدلون بقياس منطقي
(1)
من الشرطي المتصل المركب من شرطية متصلة لزومية واستثنائية يستثنون فيه نقيض التالي فينتج لهم في زعمهم دعواهم المذكورة التي هي نقيض المقدم.
وصورته أنهم يقولون: لو لم يكن العقل في الدماغ لما تأثر بكل مؤثر على الدماغ، لكنه يتأثر بكل مؤثر على الدماغ، ينتج العقل في الدماغ.
وهذا الاستدلال مردود بالنقض التفصيلي الذي هو المنع، وذلك بمنع كبراه التي هي شرطيته، (فنقول: المانع منع قولك) [2] لو لم يكن العقل في الدماغ لما تأثر بكل مؤثر (في)[3] الدماغ، بل هو خارج عن الدماغ مع أنه (يتأثر بكل مؤثر على الدماغ)[4] كغيره من الأعضاء التي تتأئر بتأثر الدماغ، فالربط بين التالي والمقدم غير صحيح، والمحل الذي يتوارد عليه الصدق والكذب في الشرطية إنما هو الربط بين مقدمها وتاليها، فإن لم يكن الربط صحيحًا كانت كاذبة، والربط في قضيتهم المذكورة كاذب، فظهر بطلان دعواهم.
(1)
انظر حول هذا القياس المنطقي: الإحكام للآمدي: 4/ 125، والإيضاح في الجدل: 78، 79 ليوسف بن الجوزي، وآداب البحث والمناظرة: 1/ 90 - 92 للشيخ، طبعة مكتبة ابن تيمية - القاهرة، وطرق الاستدلال ومقدماتها: 252، 256 ليعقوب الباحسين.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): يشترط.
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): فبقول المانع: امنع قولك:
…
[3]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): على.
[4]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): يتأثر بتأثر الدماغ.
وهناك طائفة ثالثة أرادت أن تجمع بين القولين، فقالت: إن ما دل عليه الوحي من كون محل العقل هو القلب صحيح، وما يقوله الفلاسفة ومن وافقهم من أن محله الدماغ صحيح أيضًا، فلا منافاة بين القولين.
قالوا: ووجه الجمع أن العقل في القلب كما في القرآن والسنة ولكن نوره يتصاعد من القلب فيتصل بالدماغ وبواسطة اتصاله بالدماغ يصدق عليه أنه في الدماغ من غير منافاة لكون محله هو القلب
(1)
.
قالوا: وبهذا يندفع التعارض بين النظر العقلي الذي زعمه الفلاسفة وبين الوحي.
واستدل بعضهم لهذا الجمع بالاستقراء غير التام، وهو المعروف في الأصول بإلحاق الفرد بالغالب، وهو حجة ظنية عند (جماعة)[1] الأصوليين
(2)
وإليه أشار صاحب مراقي السعود في كتاب الاستدلال في الكلام على أقسام الاستقراء بقوله:
وهو لدى
(3)
البعض إلى الظن انتسبْ
…
يُسْمى لحوقَ الفرد بالذي غلبْ
(4)
(1)
ممن نحى هذا المنحى أبو الحسن التميمي من الحنابلة. كما في العدة: 1/ 89 لأبي يعلى، والمسودة: 2/ 982، واختاره ابن القيم في كتابه أقسام القرآن 2/ 275، ومفتاح دار السعادة: 1/ 195، ونسبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى طائفة من أصحاب أحمد. كما في مجموع الفتاوى: 9/ 303، وذكره الماوردي في الحاوي: 12/ 247 بدون نسبة، وانظر: البحر المحيط: 1/ 88.
(2)
انظر: البحر المحيط: 6/ 10، وشرح تنقيح الفصول: 448، وشرح الكوكب المنير: 4/ 419، وأضواء البيان: 2/ 5 و 5/ 329.
(3)
في متن المراقي: "في" بدل: "لدى". قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): في.
(4)
مراقي السعود: 102، والمراقي أيضًا مع نشر البنود: 2/ 251، ومع مراقي السعود: 396، ومع نثر الورود: 567، ومع فتح الودود:184.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): جماعات.
ومعلوم أن الاستقراء هو تتبع الأفراد حتى يغلب على ظنه أن ذلك الحكم مطرد في جميع الأفراد، وإيضاح هذا أن القائلين بالجمع المذكور بين الوحي وأقوال أهل الفلسفة في محل العقل. قالت جماعة منهم: دليلنا على هذا الجمع الاستقراء غير التام، وذلك أنهم قالوا: تتبعنا أفراد الإنسان الطويل العنق طولًا مفردًا زائدًا على المعهود زيادة بينة، فوجدنا كل طويل العنق طولًا مفرطًا ناقص العقل، وذلك لأن طول العنق طولًا مفرطًا يلزمه بعد المسافة بين طريق نور العقل الكائن في القلب وبين المتصاعد منه إلى الدماغ، وبعد المسافة بين طرفيه يؤدي إلى عدم تماسكه واجتماعه فيظهر فيه النقص.
وهذا الدليل كما ترى ليس فيه مقنع وإن كان يشاهد مثله في الخارج كثيرًا، فتحصل من هذا أن الذي يقول إن العقل في الدماغ وحده وليس في القلب منه شيء أن قوله في غاية البطلان، لأنه مكذب لآيات وأحاديث كثيرة كما ذكرنا بعضه.
وهذا القول لا يتجرأ عليه مسلم إلَّا إن كان لا يؤمن بكتاب الله ولا بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو إن كان كذلك ليس بمسلم.
ومن قال: إنه في القلب وحده، وليس في الدماغ منه شيء، فقوله هو ظاهر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يقم دليل جازم قاطع من نقل ولا عقل على خلافه.
[*وادعاء بعض متأخريهم أنهم راقبوا المفكر وقت تفكيره، وتوصلوا ببعض الأجهزة لمحل الحركة الفكرية فوجدوه في الدماغ، وذلك يدل على أنه في الدماغ، فليس فيه مقنع، ولو كان لا يخالف الوحي، فكيف وهو يخالف كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا ملازمة بين الحركة والإدراك، ولا مانع من كون الحركة في الدماغ، والإدراك في القلب، ولو كانت الحركة تستلزم أن يكون محلها محل الإدراك، فإن القلب أكثر حركة من الدماغ، وإن قالوا: القلب يتحرك دائمًا، والحركة الدماغية تختص بوقت الفكر، فهي أخص بالإدراك من القلب، فالجواب بالمنع، بل الأنسب أن يكون الإدراك بما هو أكثر حركة؛ إذ لا مانع من أن حركته وقت التفكير هي التي بها الإدراك؛ ولأن الإنسان لا يخلو غالبًا من تفكير، وحركته وقت النوم الذي ليس فيه تفكير لا يمتنع عقلًا الإدراك بحركته وقت التفكير، والوحي يشهد له؛ لأن محل الإدراك في القلب، وعلى كل حال فالعقل السليم لا يجزم باستلزام الحركة محل الإدراك، والآيات القرآنية التي قدمنا تدل على أن محل العلم والفقه الذي هو الفهم بكثرة هو القلب، ومما يوضح ذلك ترتيبه نفي العلم والفقه بالفاء على الطبع على القلب، والفاء من حروف التعليل، كقولهم: سرق فقطعت يده، أي: لعلة سرقته، وسها فسجد، أي: لعلة سهوه.
ومن الآيات التي قدمنا قوله تعالى في التوبة: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة، الآية (87)]، فترتيبه:{فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} بـ "الفاء" على قوله: {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} يدل على أن نفي الفقه الذي هو العلم عنهم، علته الطبع على القلب، ونظيره قوله في سورة المنافقين: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ
…
} [المنافقون، الآية (3)]، فرتب عدم الفقه على الفقه بـ "الفاء" على الطبع، ونظيره قوله في التوبة أيضًا:{رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة، الآية (93)]، فرتَّب أيضًا نفيَ العلم بـ "الفاء" على الطبع على قلوبهم، فدلَّ على أن الطبعَ على القلب هو علةُ عدمِ الفهم، أي: فهم لا يفقهون؛ لعلة الطبع على قلوبهم، فهم لا يعلمون؛ لعلة الطبع على قلوبهم، والآيات القرآنية لم تجعل للدماغ أثرًا في العلم ولا في الفهم ألبتة كما ترى*] [1].
ومن جمع بين القولين، فقوله جائز عقلًا، ولا تكذيب فيه للكتاب ولا للسنة، [و][2] لكنه يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه، ولا دليل عليه من النقل، فإن قام عليه دليل من عقل، أو استقراء محتج به، فلا مانع من قبوله. والعلم عند الله تعالى. وهذا ما يتعلق بالمسألة الأولى.
[1] قال معد الكتاب للشاملة: ما بين المعقوفين من قوله رحمه الله: "وادعاء بعض متأخريهم
…
"، إلى قوله: "
…
كما ترى" ساقط من المطبوع، وزيادة من (أ).
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: ما بين المعقوفين ساقط من المطبوع، وزيادة من (أ).
وأما الجواب عن المسألة الثانية، فهو أن ما ذكرتم من أن القرآن [العظيم][1] فرَّق بين المشركين وبين أهل الكتاب، واستشهدتم لذلك بآية المائدة:{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} الآية [المائدة: 82]، فهو كما ذكرتم؛ لأن العطف يقتضي بظاهره الفرق بين المعطوف والمعطوف عليه. وقد تكرر في القرآن عطف بعضهم على بعض، كالآية التي تفضلتم بذكرها، وكقوله تعالى:{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ} الآية [البينة: 1]، وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} الآية [البينة: 6]، وقوله تعالى:{مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيكُمْ مِنْ خَيرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} الآية [البقرة: 105]، وقوله تعالى:{وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} الآية [آل عمران: 186]، إلى غير ذلك من الآيات.
وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المتعاطفين؛ لأن عطف الشيء على نفسه يحتاج إلى دليل خاص يجب الرجوع إليه مع بيان المسوغ لذلك، كما هو معلوم في محله.
وما تفضلتم بذكره من أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أمر بإلحاق أهل الكتاب بالمشركين في عدم دخول المسجد الحرام
(1)
،
(1)
أخرجه ابن جرير في تفسيره: 11/ 398، وأبو الشيخ كما في الدر المنثور: 4/ 165، وأبو نعيم في الحلية: 5/ 325، عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز أن يمنع أن يدخل اليهود والنصارى المساجد، وأتبع نهيه:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} . وأخرجه ابن أبي شيبة: 2/ 527، 6/ 512، 513، والبيهقي 10/ 103 بمعناه.
وانظر: مسائل إسحاق بن منصور الكوسج: المسألة رقم (483)، وتفسير ابن كثير: 4/ 73.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: ما بين المعقوفين ساقط من المطبوع، وزيادة من (أ).
فمستنده المسوغ له أن الله جل وعلا صرَّح في سورة التوبة أن أهل الكتاب من يهود ونصارى من جملة المشركين، (وإذا)[1] جاء التصريح في القرآن العظيم بأنهم من المشركين، فدخولهم في عموم قوله تعالى [2]:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} الآية [التوبة: 28]، لا إشكال فيه، وآية التوبة التي بيَّن الله فيها أنهم من جملة المشركين، هي قوله (تعالى) [3]:{وَقَالتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)} فتأمل قوله (تعالى)[4] في اليهود والنصارى: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)} يظهر لك صدق اسم الشرك عليهم، فيتضح إدخالهم في عموم:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}
(1)
.
ووجه الفرق بينهم بعطف بعضهم على بعض، هو أنهم جميعًا
(1)
يقول ابن القيم في أحكام أهل الذمة: 1/ 189 بعد أن ذكر القولين في دخول أهل الكتاب في لفظ المشركين في الآية: قال شيخنا: والتحقيق أن أصل دينهم دين التوحيد، فليسوا من المشركين في الأصل، والشرك طارئ عليهم، فهم منهم باعتبار ما عرض لهم، لا باعتبار أصل الدين، فلو قدر أنهم لم يدخلوا في لفظ الآية، دخلوا في عمومها المعنوي، وهو كونهم نَجَسًا، والحكم يعم بعموم علته. اهـ.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): وإذ.
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): آية.
[3]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): جل وعلا.
[4]
قال معد الكتاب للشاملة: غير موجودة في (أ).
مشركون، والمغايرة التي سوغت عطف بعض المشركين على بعض، هي اختلافهم في نوع الشرك، فشرك المشركين غير أهل الكتاب، كان شركًا في العبادة، لأنهم يعبدون الأوثان، وأهل الكتاب لا يعبدون الأوثان، فلا يشركون هذا النوع من الشرك، ولكنهم يشركون شرك ربوبية، كما أشار له تعالى بقوله:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية، ومن اتخذ أربابًا من دون الله فهو مشرك به في ربوبيته، وادعاء أن عزيرًا ابن الله والمسيح ابن الله من الشرك في الربوبية، [ولما كان الشرك في الربوبية][1] يستلزم الشرك في العبادة، قال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
وما ذكرتم من أن عطاءً رحمه الله جعل المسجد يشمل (الكل)[2]
(1)
، وأن المسلمين درجوا على ذلك إلى الآن، فهي مسألة: هل يجوز دخول الكفار لمسجد من مساجد المسلمين غير المسجد الحرام المنصوص على منع دخولهم له بعد عام تسع من الهجرة في قوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28].
والعلماء مختلفون: هل يجوز دخول الكفار مسجدًا غير المسجد الحرام أو لا؟
فذهب مالك وأصحابه ومن وافقهم
(2)
إلى أنه لا يجوز أن يدخل
(1)
أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف: 6/ 52، 53، وابن أبي حاتم: 6/ 1776، وابن جرير: 11/ 398، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: 2/ 428.
وانظر: تفسير القرطبي: 8/ 104، وفتح الباري: 3/ 64.
(2)
ممن ذهب إلى هذا من الصحابة عمر وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهما. انظر: أحكام أهل الذمة: 1/ 191، والناسخ والمنسوخ للنحاس: 2/ 429، والذخيرة للقرافي: 1/ 315، وتفسير القرطبي: 8/ 154، وفتح الباري لابن رجب: 3/ 563.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: ما بين المعقوفين ساقط من المطبوع، وزيادة من (أ).
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): الحل. وكتب المعلق على نسخة (أ) حاشية على هذا الموضع فقال: هكذا بالأصل، وفي (أ):(الكل)، وهي مذكورة في نص سؤال الشيخ محمد الأمين بن محمد الخضر رحمه الله:"الحل"، ويوهم رسمها كذلك:"الكل". ولعل الشيخ رحمه الله يريد (الحرم) بدليل أن الذي ورد عن عطاء حول هذا المعنى أخرجه عبد الرزاق (9980، 9981، 19356)، وابن جرير في تفسيره (11/ 398)، وابن أبي حاتم (6/ 1776)، والنحاس في ناسخه (ص 497)، من طريق ابن جريج، وفيه أنه قال:"الحرم كله قبلة ومسجد، قال: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} لم يعن المسجد وحده، إنما عنى مكة الحرم"، وقال عطاء في قوله تعالى:{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} "الحرم كله" كما في المصنف لعبد الرزاق (5/ 151)، وبنحو هذا جاء عن عمرو بن دينار؛ أخرجه عبد الرزاق (6/ 52)، والنحاس في ناسخه (ص 497)، وورد أيضًا عن ابن عباس، ومجاهد وغيرهما، راجع: أخبار مكة للأزرقي (2/ 106، 138، 139)، والفاكهي (3/ 365)، والدر المنثور (4/ 631) -رحم الله الجميع-.
الكافر مسجدًا من مساجد المسلمين مطلقًا، واستدلوا لذلك بأدلة منها آية التوبة
(1)
، وإن كانت خاصة بالمسجد الحرام، فعلة حكمها (يقتضي)[1] تعميمه في جميع المساجد، وقد تقرر في الأصول أن العلة قد تعمم معلولها تارة، وقد تخصصه (أخرى)[2]
(2)
، كما أشار إليه صاحب مراقي السعود، بقوله في الكلام على العلة (بقوله) [3]:
وقد تُخَصِّصُ وقد تُعمِّمُ
…
لأصلها لكنها لا تَخْرِمُ
(3)
وإذا علمت أن العلة تعمم معلولها الذي لفظه خاص، فاعلم أن مسلك العلة المعروف بمسلك الإيماء والتنبيه دلَّ على أن علة منع قربان المشركين المسجد الحرام بعد عام تسع، أنهم نجس، وذلك واضح من ترتيب الحكم بالنهي عن (قربان المسجد)[4] بالفاء، على كونهم نجسًا، في قوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} ، ثم رتَّب على ذلك بالفاء قوله تعالى:{فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} الآية. ومعلوم أن جميع المساجد تجب صيانتها عن دخول النجس فيها، فكونهم نجسًا يقتضي تعميم الحكم في كل المساجد.
واستدل مالك ومن وافقه أيضًا على منع دخول الكفار المساجد
(1)
هي الآية (28) من سورة التوبة {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} .
(2)
انظر في هذا -خاصة في تعميمها لمعلولها-: نشر البنود: 3/ 143، ونثر الورود: 473، وأضواء البيان: 1/ 14، 13 و 2/ 139 و 6/ 584.
(3)
مراقي السعود: 85، والمراقي أيضًا مع نشر البنود: 2/ 142، ومع مراقي السعود: 333، ومع نثر الورود: 473، ومع فتح الودود:147.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): تقتضي.
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): تارة.
[3]
قال معد الكتاب للشاملة: غير موجودة في (أ).
[4]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): قربانها.
مطلقًا بآية البقرة على بعض التفسيرات التي فسرت بها، وهي قوله تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ} [البقرة: 114] فقد فسر قوله تعالى: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا (إلا خَائِفِينَ) [1]} أي: ليس لهم دخول المساجد إلَّا مسارقة خائفين من المسلمين أن يطلعوا عليهم فيخرجوهم منها، (وينكلوهم)[2]
(1)
، وفي تفسير الآية أقوال غير هذا
(2)
.
وسواء قلنا إن تخريب المساجد حسي، كما فعلت (الرومان) [3] وبختنصر بالمسجد الأقصى المشار إليه بقوله تعالى:{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)} [الإسراء: 7]، أو قلنا إن تخريب المساجد المذكور في الآية تخريب معنوي، وهو منع المسلمين من التعبد فيها، كما فعل المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية، كما قال تعالى:{هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الفتح: 25]، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25]، وقوله تعالى:{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} الآية [المائدة: 2]، وقال تعالى:{وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} الآية [البقرة: 217].
ومن الآيات التي تشير إلى أن عمارة المساجد هي طاعة الله فيها:
(1)
تفسير القرطبي: 2/ 78.
(2)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 334، القرطبي: 2/ 78.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: غير موجودة في (أ).
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): وينكلوا بهم.
[3]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): الروم.
قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} الآية [التوبة: 18].
وأما من قال من أهل العلم بجواز دخول الكفار جميع مساجد المسلمين غير المسجد الحرام
(1)
، فقد احتجوا بأن الله إنما نهى عن ذلك في خصوص المسجد الحرام في قوله تعالى:{فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} الآية [التوبة: 28]، وقالوا: ويُفهم من تخصيص المسجد الحرام بالذكر، أن غيره من المساجد ليس كذلك.
واحتجوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم ربط ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، لما جيء به أسيرًا في سارية من سواري المسجد، وهو مشرك قبل إسلامه
(2)
.
قالوا: وقد أنزل صلى الله عليه وسلم وفد (نصارى)[1] نجران بالمسجد في المدينة، وهم نصارى
(3)
، (وكان قدوم وفد نصارى نجران متأخرا)[2]؛ لأنهم أعطوا الجزية، لما خافوا من المباهلة، والجزية إنما نزلت في سورة براءة، ونزولها كان في رجوعه صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، وغزوة تبوك (كانت في)[3] سنة تسع بلا خلاف.
ومن قال من أهل العلم بأنه لا يجوز دخول الكافر مسجدًا من مساجد المسلمين إلَّا بأمان من مسلم
(4)
، فقد احتج لذلك بقوله تعالى: {وَمَنْ
(1)
هذا مذهب الشافعي. انظر: الأحكام السلطانية للماوردي: 167، وإعلام الساجد للزركشي:174.
(2)
أخرجه البخاري (الصحيح مع الفتح: 1/ 555)، ومسلم: حديث رقم (1764).
(3)
ينظر: طبقات ابن سعد: 1/ 357، والسيرة لابن هشام: 1/ 573.
(4)
هذا مذهب أحمد في الصحيح عنه. انظر: المغني: 13/ 246، وتحفة الراكع والساجد:206.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: غير موجودة في (أ).
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): وقدوم وفد نجران متأخر.
[3]
قال معد الكتاب للشاملة: غير موجودة في (أ).
أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ}، قالوا: قوله (تعالى)[1]: {مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ} يدل على أن من دخلها بأمان مسلم، فقد دخلها خائفًا، بحيث لا يتمكن من دخولها إلا بأمان مسلم لخوفه لو دخلها بغير أمان.
وأما من قال من أهل العلم (أن)[2] قوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ} الآية يشمل الحرم كله
(1)
، ولا يختص بالمسجد الحرام المنصوص عليه في الآية، فحجته هي ما علم منه إطلاق المسجد الحرام وإرادة الحرم كله، كقوله تعالى:{إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة: 7]، ومعلوم أن المعاهدة كانت في طرف الحديبية الذي هو داخل في الحرم كما قاله غير واحد
(2)
.
وقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الآية [الإسراء: 1]، وكان الإسراء به من بيت أم هانئ
(3)
لا من
(1)
وهو قول عطاء كما تقدم ص (38).
(2)
انظر: العذب النمير: 5/ 2143.
(3)
وهو قول أكثر المفسرين. كما ذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 4، ويؤيد ذلك الروايات التي فيها قوله صلى الله عليه وسلم: "فُرِج سقف بيتي
…
" كما في صحيح البخاري وغيره. انظر: الصحيح مع الفتح: 1/ 458.
ورواية الإسراء به صلى الله عليه وسلم من بيت أم هانئ ذكرها ابن هشام في السيرة: 2/ 9 نقلًا عن ابن إسحاق فيما بلغه عن أم هانيء رضي الله عنها قالت: "ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي
…
" وذكرت بقية القصة.
وهي عند أبي يعلى في مسنده -كما في تفسير ابن كثير: 5/ 39، ومجمع الزوائد: 1/ 75، وفي سندها أبو صالح باذام وهو ضعيف، وعند الطبراني في الكبير: 24/ 432 - 434 وفي سندها راو متروك، وعند ابن جرير في التفسير: 14/ 414، والبيهقي في دلائل النبوة: 2/ 404، 405 من طريق محمد بن إسحاق. والذي في الصحيحين وغيرهما أنه أسري به صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام كما رواه البخاري (الصحيح مع الفتح: 7/ 201) -واللفظ له- ومسلم: (164)، من حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "بينما أنا في الحطيم -وربما قال في الحجر- مضطجعًا إذ أتاني آت
…
" الحديث.
وانظر: البداية لابن كثير: 4/ 275، والتفسير له: 5/ 38، 39، وفتح الباري: 7/ 204، والخصائص الكبرى للسيوطي: 1/ 439.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: غير موجودة في (أ).
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: كذا بالمطبوع، وصوابه: إن، وهي على الصواب في (أ).
نفس المسجد الحرام على القول بذلك.
وكقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} الآية [المائدة: 95]، والهدي ينحر في الحرم كله، وأكبر (منحره)[1] منى.
وقوله تعالى: {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} الآية [البقرة: 217]، وهم مخرجون من مكة لا من نفس المسجد، ونحو ذلك من الآيات
(1)
. والعلم عند الله تعالى.
فتحصل أن محل العقل القلب، وأنه لا مانع من اتصال طرف نوره الريحاني
(2)
بالدماغ، وعليه لا تخالف بين القولين، و [أن][2] هذا إن قام عليه دليل فلا مانع من (القول به)[3]، ونحن لا نعلم عليه دليلا مقنعًا.
وأن عمر بن عبد العزيز ألحق أهل الكتاب بالمشركين لآية التوبة
(1)
قال الزركشي: "ذكر الله المسجد الحرام في كتابه العزيز في خمسة عشر موضعًا
…
" ثم سردها كلها. إعلام الساجد: 59، 60، ومثله في تحفة الراكع والساجد: 73، 74 للجراعي. وقال الماوردي: "كل موضع ذكر الله سبحانه في كتابه المسجد الحرام، فإنه أراد به الحرم إلا في قوله:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فإنه أراد به الكعبة. الحاوي: 4/ 50 و 14/ 335. وانظر: إعلام الساجد: 60، وتفسير القرطبي: 2/ 159، وقارن بمجموع الفتاوى: 22/ 206.
(2)
هكذا في الأصل: "الريحاني" ولعل الصواب: "الروحاني" كما تقدم. قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): الروحاني.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): منحر منه.
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: ما بين المعقوفين ساقط من المطبوع، ومثبتة من (أ).
[3]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): قبوله.
التي ذكرنا، وأن جعل حكم جميع الحرم المكي كحكم المسجد (الحرام)[1](دليل)[2] استقراء الآيات التي جاءت بنحو ذلك، وقد رأيت حجج من منعهم دخول المساجد غير المسجد الحرام، ومن أجاز ذلك، ومن فرق.
ولا يخفى أن الذين يجزمون بأن محل العقل الدماغ، ولا صلة له بالقلب أصلًا أنهم في جهلهم كما قالت الراجزة (لزوجها) [3]:
شِنْظِيرَةٌ، زَوَّجنيه أهلي
…
من جهله يحسب رأسي رجلي
(1)
اهـ. (والحمد لله)[4].
(1)
هذا الرجز أنشده ابن الأعرابي لامرأة من العرب وثالثهما:
*كأنه لم يرَ أنثى قبلي *
والشنظيرة والشنظير: السيء الخلق من الإبل والرجال.
انظر: اللسان: 4/ 431.
[1]
قال معد الكتاب للشاملة: غير موجودة في (أ).
[2]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): دليله.
[3]
قال معد الكتاب للشاملة: في (أ): في زوجها.
[4]
قال معد الكتاب للشاملة: غير موجودة في (أ).