الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفتوى الثالثة
التعليل بالحكمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى حضرة الأخ المكرم الأستاذ عبد الله بن سليمان المنيع
(1)
سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وهذا جواب سؤالكم:
اعلم أولًا: أن الحكمة هي التي من أجلها صار الوصف المعلل به علة للحكم، وهي عبارة عن جلب مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها، فتحريم شرب المسكر مثلًا حكم، وعلته الإسكار، وحكمته حفظ العقل من الاختلاف، ووجوب الولاية على مال الصغير حكم، وعلته الصغر، والحكمة حفظ ماله، وهكذا
(2)
.
وعلماء الأصول مختلفون في جواز التعليل بالحكمة، فأجاز ذلك بعضهم ومنعه بعضهم
(3)
، وقال قوم إن كان الوصف منضبطًا علل به، وإن لم يكن منضبطًا جاز التعليل بحكمته
(4)
، وعلى هذا التعليل درج
(1)
عضو هيئة كبار العلماء.
(2)
انظر في تعريف الحكمة وبيان معناها: تنبيه الرجل العاقل: 1/ 115، والمعيار المعرب: 1/ 349، وأضواء البيان: 5/ 340.
(3)
ممن أجازه الفخر الرازي والبيضاوي، وأما الذين منعوه فالأكثرون، كما عبَّر به الآمدي.
انظر: المحصول للرازي: 2/ 389، ومنهاج الوصول للبيضاوي مع شرحه نهاية السول للأسنوي: 4/ 265، ومع شرحه الإبهاج للسبكي: 3/ 150، والإحكام للآمدي: 3/ 186.
(4)
وهذا اختيار الآمدي كما في الإحكام له: 3/ 186.
وقد بحث هذه المسألة بشيء من التفصيل مع ذكر الأدلة والاعتراضات =
صاحب مراقي السعود بقوله:
ومن شروط الوصف الانضباطُ
…
إلَّا فحكمةٌ بها يناط
وهي التي من أجلها الوصف جرى
…
علةَ حكمٍ عند كل من درى
(1)
وقال القرافي في شرحه لتنقيحه مبينًا وجه جواز التعليل بالحكمة: حجة الجواز أن الوصف إذا جاز التعليل به فأولى بالحكمة لأنها أصله، وأصل الشيء لا يقصر عنه، ولأنها نفس المصلحة ودرء المفسدة، فالاعتماد عليها أولى من الاعتماد على فرعها
(2)
. انتهى منه مع تصرف بحذف بعض الكلمات لا يخل بشيء من المعنى.
واعلم: أن التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل، ففي بعض الأحوال يجوز التعليل بالحكمة، وفي بعضها لا يجوز، وإيضاح ذلك أن له ثلاث حالات:
الأولى: أن يوجد الوصف والحكمة معًا؛ كوجود الإسكار في شرب المسكر، ووجود الحكمة التي من أجلها صار الإسكار علة لتحريم شرب المسكر، وهي حفظ العقل من الاختلال.
والأظهر في هذه الصورة أنه كما يجوز التعليل بالإسكار، يجوز التعليل بالحكمة، فلا مانع من أن نقول شرب المسكر حرام لأجل حفظ العقل من الاختلاف، والتعليل بالوصف أقرب.
= عليها: الدكتور أحمد محمود عبد الوهاب الشنقيطي في كتابه: الوصف المناسب لشرع الحكم ص 74 - 82، ورجَّح القول بمنع التعليل بالحكمة. والله أعلم.
(1)
مراقي السعود: 84، والمراقي أيضًا مع نشر البنود: 2/ 126، ومع مراقي السعود: 327، ومع نثر الورود: 463، ومع فتح الودود: 143، 144.
(2)
شرح التنقيح: 406.
الحالة الثانية: أن توجد الحكمة دون الوصف المعلل به.
الحالة الثالثة: أن يوجد الوصف المعلل به دون الحكمة.
وهاتان الحالتان كلتاهما من صور القادح المعروف في الأصول بالكسر
(1)
، والكسر شامل ثلاث صور:
الأولى: وجود الحكمة دون الحكم، وهذه الصورة هي التي فسره ابن قدامة في الروضة بها
(2)
، وكذلك ابن الحاجب في مختصر الأصول
(3)
.
والثانية: وجود الوصف دون الحكمة.
والثالثة: إبطال بعض أجزاء العلة إن كانت مركبة، ولم يأت المستدل ببدل صالح من الجزء الذي أبطله المعترض.
وقد علمت من هذا أن الكسر ثلاث صور، وأن الوصف والحكمة لهما ثلاث صور أيضًا؛ اثنتان منهما داخلتان في الكسر، وهما: وجود الحكمة دون الحكم، أي الوصف، ووجود الوصف دون الحكمة.
وبتحقيق هاتين الصورتين يتبين لك وجه القول بمنع التعليل بالحكمة.
(1)
انظر حول هذا المصطلح، وفي الاختلاف في كونه قادحًا من قوادح القياس: المسودة: 2/ 798، وجمع الجوامع مع شرحه للجلال المحلى: 2/ 303، ومختصر ابن الحاجب مع شرحه للأصفهاني: 3/ 47، وإرشاد الفحول: 226، ونشر البنود: 2/ 209، ونثر الورود: 531، والمذكرة في أصول الفقه: 295، وآداب البحث والمناظرة "القسم الثاني"، وأضواء البيان: 5/ 429، 430.
(2)
روضة الناظر: 184.
(3)
المختصر مع شرحه للأصفهاني: 3/ 47.
أما الاعتراض على الدليل بالقادح المعروف بالكسر، بسبب وجود الحكمة دون الحكم: فكأن يقول الحنفي: المسافر العاصي بسفره يترخص بقصر الصلاة، والإفطار في رمضان في سفره الذي هو عاصٍ به، قياسًا على المسافر غير العاصي.
فيقول المعترض مثلًا: ولم قلت إنه يترخص؟
فيقول: قلت ذلك للمناسبة؛ لأن السفر فيه مشقة، ووجود المشقة مناسب للتخفيف بالرخصة، ففيه انتفاع للمترخص وتسهيل عليه.
فيقول المعترض: دليلك هذا يقدح فيه بالكسر، وهو وجود الحكمة دون الحكم؛ لأن المقيم بالحضر إن كان يزاول أعمالًا شاقة كحمل الأثقال العظيمة، وما يوجب القرب من النار الشديد حرها في شدة القيظ في الأقطار الحارة، تلحقه بذلك مشقة أعظم من مشقة السفر.
فالحكمة موجودة وهي تخفيف المشقة بالترخيص له في القصر والإفطار، مع أن الحكم هنا معدوم، وهو جواز القصر والإفطار.
ومن هنا تعلم أنه في هذه الصورة لا يجوز التعليل بالحكمة، ولو كان التعليل يجوز بها هنا لكان صاحب الصنعة الشاقة في الحضر يفطر في رمضان، ويقصر الصلاة.
والقدح بهذا الكسر مردود في هذه الصورة؛ لأن الوصف المعلل به فيها -وهو السفر- معدوم من أصله كما ترى، فعدم وجود الحكم هنا لعدم وجود الوصف المعلل به؛ لأن صاحب الصنعة المذكورة في الحضر لا يوجد فيه الوصف المعلل به وهو في السفر.
وأيضًا: إن الإفطار والقصر كلاهما حكم، وعلتهما السفر، والحكمة تخفيف المشقة.
ففي الصور المذكورة لم يوجد الوصف المعلل به الذي هو السفر، وقد وجدت الحكمة التي هي تخفيف المشقة، ولم يجز التعليل بها في الصورة المذكورة، فعدم الحكم، لذلك فلا يشرع القصر والإفطار لصاحب الصفة المذكورة.
واعلم أن قياس الحنفي العاصي بسفره على غير العاصي في جواز الترخص مردود بغير الكسر المذكور، وهو أن تخفيف المشقة عليه إعانة له على ظلمه
(1)
، والله تعالى يقول:{وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} الآية [المائدة: 2]. فالسفر علة صحيحة للترخص، ولكنها هنا منع من تأثيرها في حكمها مانع، هو المعصية بالسفر، كما يفهم من قوله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} الآية [المائدة: 3]، على أظهر التفسيرات. وعلى كل حال فالعاصي في سفره متجانف لإثم، وإذا كان ذلك يمنعه من الترخص بأكل الميتة عند الاضطرار وخوف الموت، فالقصر والإفطار أولى.
وأما وجود الوصف المعلل به دون الحكمة، فإنه يوجد في فروع كثيرة في مذاهب الأئمة رحمهم الله، وفي بعض الفروع يراعي بعضهم الوصف المعلل به، ولا يلتفت إلى الحكمة، وعلى قوله هذا فالتعليل بالحكمة ممنوع، وإنما هو بمطلق الوصف العاري عن الحكمة، وربما راعى بعضهم الحكمة، فمنع التعليل بالوصف المجرد عن الحكمة.
وعلى هذا القول فهذا النوع من الكسر قادح، ودونك أمثلة عديدة لهذا لتعلم قول من منع التعليل بالحكمة ومن أجازه.
(1)
ينظر: المجموع (3/ 223)، والمغني: 3/ 116.
فمن ذلك: من كان منزله على البحر، وركب في سفينة قطعت به مسافة القصر في لحظة، ولم يلحقه شيء قليل ولا كثير من المشقة، فالوصف المعلل به وهو السفر موجود، والحكمة التي هي تخفيف المشقة معدومة، إذ لم يلحقه مشقة أصلًا.
فجمهور أهل العلم
(1)
أجازوا لهذا المسافر الذي قطع مسافة القصر بلا مشقة الترخص بقصر الصلاة والإفطار في رمضان.
وعلى قولهم هذا فالتعليل بالحكمة ممنوع، وإنما هو بوصف السفر العاري عن حكمة هنا.
ومن ذلك: استبراء الصغيرة.
وإيضاحه: أن مبتاع جارية صغيرة لا تحمل لصغرها مع أنها مطيقة للوطء، كابنة تسع سنين، والمشتري يريد تسريها، فعلة وجوب الاستبراء التي هي تجرد
(2)
الملك موجودة، ولا حكمة هنا؛ لأن حكمة الاستبراء أن تعلم براءة الرحم من الحمل، والصغيرة محققة البراءة.
فجماعة من المالكية ومن وافقهم قالوا: يجب استبراؤها
(3)
؛ لوجود الوصف المعلل به، وإن كانت الحكمة معروفة هنا.
وعلى قولهم هذا فلا يجوز التعليل بالحكمة، بل بالوصف المعلل
(1)
انظر: المغني: 3/ 109.
(2)
هكذا في المخطوط. ولعل الصواب: "تجدد".
(3)
القول باستبراء الصغيرة التي لا تحمل هو مذهب جمهور الأمة ومنهم الأئمة الأربعة، ولم ينقل ابن المنذر في الإشراف القول بعدم الاستبراء إلا عن عكرمة وإياس بن معاوية.
انظر: الإشراف: 314، والمغني: 11/ 274، وزاد المعاد: 5/ 714، 717.
به العاري عن الحكمة.
ومن فروع هذه المسألة: ما لو خرجت من قُبُل الإنسان أو دبره حصاة لا بلل معها بل هي نظيفة من القذر، فعلة مشروعية الاستنجاء بخروج الخارج من السبيلين موجودة، ولكن حكمة هذه العلة التي هي تنظيف المحل من أثر القذر معدومة هنا.
والمالكية
(1)
في هذه الصورة يقولون: لا يستنجي وإن كان الوصف المعلل به موجود، إلَّا أن
(2)
العبرة في هذه الصورة بالحكمة، وهي معدومة، فلو وجدت الحكمة فيها لوجد الحكم، وعلى قولهم فالتعليل بالحكمة جائز في هذه الصورة.
وكذلك: إذا وضعت النفساء ولدها جافًا من الدم لم يعلق به منه قليل ولا كثير، فإن علة الغسل التي هي الولادة موجودة، ولكن حكمته التي هي التنظيف بسبب دم النفاس الخارج من أجل خروج الولد معدومة، فمن قال لا يجب الغسل اعتبر الحكمة وأجاز التعليل بها، ومن قال يجب الغسل يقول لا يجوز التعليل بها.
وكذلك: من لمس أمردًا بباطن كفه أو قبل الفم، ولم يجد لذة، فعلى مراعاة الحكمة لا وضوء عليه، والعكس بالعكس.
ومن فروع هذه المسألة: ما لو قال لامرأته أنت طالق مع آخر جزء من الحيض، فعلة كون الطلاق بدعيًا، وهي كون الطلاق في الحيض موجودة، ولكن الحكمة معدومة هنا، لأن هذا الطلاق لا تطويل فيه؛
(1)
انظر: الاستذكار: 2/ 91، وبداية المجتهد: 1/ 292.
(2)
هكذا في الأصل: "إلا أن" ولعل الصواب: "لأن".
لأنها بانقضاء صفة الطلاق استقبلت طهر، والطهر معتبر، وإنما التطويل في الحيض. وأمثال هذا كثيرة.
ومن موانع التعليل بالحكمة: عدم الانضباط في بعض الصور، وعدم الظهور في بعضها.
فمن أمثلة عدم الانضباط: ما لو عللت رخصة القصر والإفطار بتخفيف المشقة، فإن المشقة لا تنضبط؛ لاختلاف الناس فيها بحسب القوة والضعف، والشباب والهرم، وغير ذلك من الأحوال والأزمان، فأنيط الحكم بمظنة المشقة وهو سفر مسافة القصر.
ومن أمثلة عدم الظهور: قول من لا يجيز انعقاد البيع بالمعاطاة
(1)
، فالحكمة التي هي الرضا لا تظهر؛ لأن من لم يصرح بصيغة البيع لا يتحقق منه الرضا؛ لأن الرضا كامن في النفس، لا يتحقق إلَّا في الصيغة الدالة عليه، ولما كان كامنًا في النفس غير ظاهر امتنع التعليل به لعدم ظهوره فأنيط الحكم بالصيغة القولية الدالة عليه دلالة صريحة، دون المعاطاة التي لم تدل عليه صريحًا. والعلم عند الله.
ولم نتمكن من الإطالة في الجواب لكثرة الشغل، وفيما ذكرنا للفاهم كفاية، وفي البعض تنبيه لطيف على الكل.
انتهى نَقْلُهَا من قلم المؤلف الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي ضحوة اليوم الثاني والعشرين من شهر محرم عام 1390 هـ، على يد كاتبها الفقير إلى عفو الله/ بكر بن عبد الله أبو زيد. كان الله له، وصلى الله على نبينا وآله وسلم.
(1)
وهم الشافعية. انظر: المهذب: 1/ 342، روضة الطالبين: 3/ 336.