الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة النحل
[تعليقات على عدة آيات]
* قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [نحل: 12]
(1)
.
في قراءة من قرأ برفع «النجوم» و «مسخرات» سرٌّ لطيف، وهو أن النجوم ليست كلها مسخرة لنا معشر البشر؛ فإن منها ما لا نراه. والله أعلم.
* قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [نحل: 20 و 21].
المتبادر أن قوله: أموات خبر ثان للذين يدعون، أي للمدعوين، أو خبر لمحذوف تقديره:«هم» يعود على المدعوين أيضًا. ولكن المعنى في بادئ النظر يأباه.
ويمكن تصحيحه بحمل قوله: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ} على الملائكة. ومعنى كونهم أمواتًا غير أحياء كونهم على الصفة المخالفة للحياة الدائمة الخاصة بالله عز وجل. فتأمل.
* [قوله تعالى]: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا
(1)
التخريج من الشيخ، وكذا في المواضع الآتية من الفوائد المنقولة من مجموع [4716].
سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [نحل: 58 و 59].
هذه الآية صريحة في أنهم كانوا يئدون بناتهم حياء من الناس وخوفًا من العار. وهو المطابق للمنقول عن العرب [في] الجاهلية.
فأما قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [أنعام: 151]، وقوله:{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [إسراء: 31] = فلا يلزم منه أن العرب كانوا يفعلون ذلك، وإنما هو نهي مطلق، ولذلك جاء بلفظ الأولاد الشامل للذكور. وهو مظنَّة لأن يفعله بعض الفقراء. وقد ثبت في الصحيح في أكبر الكبائر:«أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»
(1)
.
نعم، لا مانع من أن يكون بعض الفقراء من العرب فعل ذلك.
* قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [نحل: 73].
{شَيْئًا} منصوب على المصدرية، أي شيء من الملك. والله أعلم.
* قال تعالى: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [نحل: 74].
هذه الآية دامغة لشبه المعارضين للنصوص بالرأي.
(1)
أخرجه البخاري (4477)، ومسلم (86) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
ونحوها قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} الآية [البقرة: 275]. وقوله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: 140].
* قال تعالى: {وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} [نحل: 86].
الشركاء هاهنا عقلاء وليسوا بالأصنام.
فقوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ} الآية ردٌّ عليهم في قولهم: {إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} وقولهم: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} حيث نسبوا الكذب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقال تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} أي: أولئك القائلون: إنما أنت مفتر. فكأنه قال تعالى: إنما يفتري الكذب هم، أي القائلون تلك المقالة، أي: لا أنت يا محمد.
وفيه وضع الموصول وهو قوله: {الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
…
} موضع المضمر، وهو (هم)، ونكتة ذلك: التقرير أو التوهّم أو الإيماء إلى وجه بناء الخبر؛ فإن عدم إيمانهم بآيات الله مناسب لنسبة الكذب إليهم، كما أن إيمان الرسول بها مناسب لنزاهته عن الكذب.
وفي قوله: {إِنَّمَا يَفْتَرِي
…
} قصرُ قلبٍ؛ فإنهم نسبوا الكذب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقلب الله ذلك عليهم بأنْ نفاه عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأثبته لهم. وهو قصر إضافي، أي أن قصر الكذب عليهم إنما هو بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ فليس في الكلام تعرُّض لغير الفريقين ــ أعني الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والذين نسبوا إليه الكذب ــ لا بنفي ولا إثبات.
وبهذا تعلم أنه لا دلالة في الآية على أن الكذب لا يصدر إلا عن كافر. والله أعلم.
وفي قوله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ} [النحل: 102] دافع لشبهة من يزعم أن قوله تعالى: {قل يا عباد} يدل على أن الناس عباد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم
(1)
.
* قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} ظهر لي فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أن المراد الكذب على الله تعالى بقرينة السياق.
(1)
مجموع [4716].
الثاني: أن المراد بالذين لا يؤمنون بآيات الله قوم مخصوصون من المشركين، وهم الذين رموا النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم بالكذب، كما دل عليه السياق، فقوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي
…
} إلخ من باب الحصر الإضافي؛ لأنهم رموا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالكذب فأجاب الله تعالى عليهم بحصر الكذب فيهم، أي بالنسبة إلى رسوله، وهذا من باب حصر القلب، فهُم رموا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالكذب ويزعمون أنهم صادقون، فردَّ الله تعالى عليهم بما يقتضي أن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم صادق وأنهم هم الكاذبون، وجعل المُظْهَر في مقام المُضْمَر في قوله:{إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} للتصريح بذمهم، والإشارةِ إلى العلة التي تقتضي افتراءَهم للكذب، فيكون في الكلام إيراد دليل على قلب قولهم.
الثالث: أننا نسلِّم بقاء الآية على ظاهر العموم والإطلاق، ولكن هذا لا يقتضي أن كلَّ من افترى الكذب كافر، وإنما يقتضي أن افتراء الكذب هو من الأخلاق التي عُرِفَ بها الكفار، وهذا كما لو قيل لرجل: سمعنا أنك كنت تتخذ خِمارًا، فيجيب بقوله: إنما يتخذ الخمار النساء، أي أن الخِمار من الألبسة التي عرفت بها النساء، فكيف ألبسه وأنا رجل؟ ! ومُحال أن يقال: إن مَن لبس الخِمار صار امرأة. نعم، هذا القول يدل أن من لبس الخمار صار متشبهًا بالنساء. وكذا يقال في الآية: إن من كذب وهو من المسلمين متشبِّهٌ بالكفار.
والبحث مفتقر إلى تحقيق، وإنما علقتُ هذا هنا تقييدًا حتى أنظر التفاسير إن شاء الله وأشرح ما يظهر لي. والله الموفق
(1)
.
(1)
مجموع [4657]. وهذه الفائدة علقها الشيخ مرتين في دفترين مختلفين فسقناهما معًا للفائدة التي تضمنها كل منهما.