المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قوله تعالى: {و‌ ‌الصافات صَفَّا} قرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء - اللباب في علوم الكتاب - جـ ١٦

[ابن عادل]

الفصل: قوله تعالى: {و‌ ‌الصافات صَفَّا} قرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء

قوله تعالى: {و‌

‌الصافات

صَفَّا} قرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء من «الصَّافَّاتِ» و «الزَّاجرَاتِ» و «التَّاليَاتِ» في صاد «صفاً» وزاي «زجراً» وذال «ذكراً» وكذلك فعلا في {والذاريات ذَرْواً} [الذاريات:‌

‌ 1]

وفي {فالملقيات ذِكْراً} [المرسلات: 5]، وفي {والعاديات ضَبْحاً} [العاديات: 1] بخلافٍ عن خَلَاّدٍ في الأخيرين وأبو عمرو جار على أصله في إدغام المتقاربين كما هو المعروف من أصله وحمزة خارج عن أصله والفرق بين مذهبيهما أن أبا عمرو يجيز الروم وحمزة لا يجيزه وهذا كما اتفقا في إدْغَام {بَيَّتَ طَآئِفَةٌ} [النساء: 81] وإن كان ليس من أصل حمزة إدغام مثله وقرأ الباقون بإظهار جميع ذلك.

قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن مقاربة الحرفين، ألا ترى أنهما من

ص: 270

طَرَف اللسان وأصول الثنايا يسمعان في الهمس والمدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصّفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتاً في الأنقص.

وأيضاً إدغام التاء في الزاي في قوله: {فالزاجرات زَجْراً} حسن لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد وأيضاً حَسُنَ إدغام التاء في الذال في قوله: {فالتاليات ذِكْراً} لاتفاقهما في أنهما من طَرَفِ اللسان وأصول الثنايا. وأما من قرأ بالإظهار فلاختلاف المَخَارج ومفعول «الصَّافَّاتِ» «والزَّاجِرَاتِ» غير مراد إذ المعنى الفاعلات لذلك وأعرب أبو البقاء «صَفًّا» مفعولاً به على أنه قد يقع على المصفوف وهذا ضعيف وقيل: وهو مراد والمعنى والصافات أنفسها وهم الملائكة، أو المجاهدون أو المصلون أو الصفات أجنحتها وهي الطير، كقوله:{والطير صَآفَّاتٍ} [النور: 41] والزاجرات: السحاب أو العصاة إن أريد بهم العلماء، والزجر الدفع بقوة وهو قوة التصويت وأنشد:

4189 -

زَجْر أبِي عُرْوَةَ السِّبَاعَ إِذَا

أشْفَق أَنْ يَخْتَلِطْنَ بالغَنَم

وَزَجرت الإبلَ والغَنَمَ إذَا فَزِغَتْ مِنْ صَوْتِكَ وأما «والتَّالِيَاتِ» فيجوز أن يكون «ذكراً» مفعوله، والمراد بالذكر القرآن وغيره من تسبيح وتحميدٍ، ويجوز أن يكون «ذكراً» مصدراً أيضاً من معنى التَّالِيَاتِ، وهذا أوفق لما قبله قال الزمخشري: الفاء في «فالزاجرات» (وفي) فالتاليات إما أن تدل على ترتيب معانيهما في الوجود كقوله:

ص: 271

4190 -

يَا لَهْفَ زيَّابَة لِلْحَارِث الصْ

صَابِحِ فَالغَانِم فَالآيِب

أي الذي صبح فغنم فآب، وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: خذ الأفضل فالأكمل واعمل الأحسن فالأجمل، وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم َ) :«رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فَالمُقَصِّرِينَ» فأما هنا فإن وجدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل، فإذا كان الموحد الملائكة فيكون الفضل للصف ثم للزجر، ثم للتلاوة وعلى العكس وإن ثَلَّثْتَ الموصوف فترتب في الفضل، فيكون «الصافات» ذوات فضل والزجرات أفضل (والتاليات أبهر فضلاً أو على العكس يعني بالعكس فيال موضعين أنك ترتقي من أفضل) إلى فاضل إلى مفضول أو تبدأ بالأدنى ثم بالفاضل ثم بالأفضل.

والواو في هذه للقسم، والجواب قوله:{إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ} .

وقد ذكر الكلام في الواو (و) الثانية والثالثة هي للقسم أو للعطف.

فصل

قال ابن عباس والحسن وقتادة: والصَّافَّات صفًّا هم الملائكة في السماء يصفون كصوفوف الخلق في الدنيا للصلاة وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: «أَلَا تَصُفُّونَ تَصُفُّ المَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ» ؟ قُلْنَا: وَكَيْفَ تصفُّ المَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ: يُتمُّونَ الصُّفُوفَ المُقَدَّمة وَيَتَرَاصُّون في الصَّفِّ «وقيل: هم الملائكة تصُفُّ أجْنِحَتَهَا في الهواء واقفة

ص: 272

حتى يأمر (ها) الله بما يريد، وقيل: هي الطير لقوله تعالى» والطّير صَافَّاتِ «» فالزاجرات زجراً «يعني الملائكة تزجر السحاب وتسوقه، وقال قتادة: هي زواجر القرآن تنهي وتزجر عن القبيح» فالتاليات ذكراً «هم الملائكة يتلون ذكر الله وقيل: هم جماعة قُرَّاء القرآن، وهذا كله قسم، وقيل: فيه إضمار، أي ورَبَّ الصّافّاتِ والزاجرات والتاليات.

فصل

قال أبو مسلم الأصفهاني لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة لأنها مُشْعِرَةٌ بالتأنيث والملائكة مبرأون عن هذه الصفة، وأجيب بوجهين:

الأول: أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال جماعة صافة، ثم يجمع على صافات.

والثاني: أنهم مبرأون عن التأنيث المعنوي وأما التأنيث اللفظي فلا وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة.

فصل

اختلف الناس ههنا في المقسم به على قولين:

أحدهما: أن المقسم به خالق هذه الأشياء لِنَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم َ - عن الحلف بغير الله تعالى ولأن الحلف في مثل هذا الموضع تعظيم للمحلوف به، ومثل هذا التعظيم لا يليق إلا بالله تعالى ومما يؤكِّد هذا أنه تعالى صرح به في قوله:{والسمآء وَمَا بَنَاهَا والأرض وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 5 - 7]

الثاني: أن المقسم به هو هذه الأشياء لظاهر اللفظ فالعدول عنه خلافُ الدليل وأما قوله تعالى: {وَمَا بَنَاهَا} فإنه علق لفظ القسم بالسماء ثم عطف عليه القسم بالباء في السماء ولو كان لامراد من القسم بالسماء القسم بمن بنى السماء لزم التَّكرار في موضع واحد وأنه لا يجوز وأيضاً لا يبعد أن تكون الحكمة في قسم الله تعالى بهذه الأشياء التنبيه على شرف ذَوَاتِهَا.

ص: 273

فإن قيل: ذكر الحَلِف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجوه:

الأول: أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو عند الكافر. والأول باطل لأن المؤمن مُقرٌّ به من غير حلق.

والثاني: باطل لأن الكافر لا يقر به سواء حصل الحلق أو لم يحصل فهذا الحلق عديم الفائدة على كلّ تقدير.

الثالث: أنه تعالى أقسم في أول هذه السورة على أن الإله واحد وأقسم في أول سورة الذاريات على أن القيامة حق فقال: {والذاريات ذَرْواً} [الذاريات: 1] إلى قوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ} [الذاريات: 5، 6] وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف لايليق بالعقلاء.

فالجواب: من وجوه:

الأول: أنه قَرَّر التوحيد وصحة البعث والقيامة في سائر السور بالدلائل اليقينية فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها بذكر القسم تأكيداً لم تقدم لا سيما والقرآن أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلق واليمين طريقة مألوفة عند العرب.

الثاني: أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله تعالى: «إن إلهكم لواحد» ذكر عقيبه ما هو الدليل اليقيني في كون الإله واحداً وهو قوله تعالى: {رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ المشارق} وذلك لأنه تعالى بين في قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلَاّ الله لَفَسَدَتَا} [الانبياء: 22] أنَّ انتظام أحوال السماوات والأرض يدل على أن الإله واحدٌ فههنا لما قال: «إنَّ إلهكم لواحد» أردفه: «رَبِّ السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق» كأنه قيل: بيَّنَّا أن النظر في انتظام هذه العالم يدل على كون الإله واحداً فتأملوا ليحصل لكم العلم بالتوحيد.

الثالث: أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم: بأنها آلهة فكأنه قيل: إن هذا المذهب قد بلغ في السقوط والرَّكَاكَة إلى حيث يكفي في إبطاله مثلُ هذه الحُجَّة.

قوله: {رَّبُّ السماوات} يجوز، يكون خبراً ثانياً، وأن يكون بدلاً من «لَوَاحِدٌ» وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، وجمع المشارق والمغارب باعتبار جميع

ص: 274

السنة فإن للشمس ثلثمائةٍ وستين مشرقاً وثلثمائة وستين مغرباً، وأما قوله:«المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ» فباعتبار الصَّيْفِ والشِّتَاءِ، وقيل: المراد بالمشارق مشارق الكواكب، لأن لكل كوكب مشرقاً ومغرباً، (وقيلك كل موضع شرقت عليه الشمس فو مشرق ولك موضع غربت عليه الشمس فهو مغرب كأنه أراد رب جميع ما شرقت عليه الشمسُ وغربت)

فإن قيل: لم اكتفى بذكر المشارق؟ .

فالجواب: من وجهين:

الأول: أراد المشارق والمغارب كما قلا في موضع آخر {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ المشارق والمغارب} [المعارج: 40] وأنه اكتفى بذكر المشارق كقوله: {تَقِيكُمُ الحر} [النحل: 81] .

والثاني: أن الشروق قوى حالاً من الغروب وأكثر نفعاً من الغروب فذكر المشرق بيهما على كثرة إحسان الله تعالى على عباده. ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم - عليه (الصلاة و) السلام - بالمشرق فقال: {فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق} [البقرة: 258] .

فصل

دَلّ قوله تعالى: {رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} على كونه تعالى خالقاً لأعمال العباد، لأن أَعْمَالَ العباد موجودة فيما بين السموات والأرض وهذه الأية دلت على أن كل ما حصل بين السموات والأرض فاللَّه ربه ومالكه وهذا يدل على أن فعل العبد حصل بخلق الله.

فإن قيل: الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السموات والأرض لأن هذا الوصف إنما يكون حاصلاً في حَيِّزٍ وجهةٍ والأعراض ليست كذلك.

قلنا: إنها لما كانت حاصلة في الأجسام الحاصلة بين السماء والأرض فهي أيضاً حالصة بين السموات والأرض.

ص: 275

قوله: {إِنَّا زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب} قرأ عاصم براية أبي بكر: «بِزينَةٍ» منونة ونصب «الكواكب» وفيه وجهان:

ص: 275

أحدهما: أن تكون الزنية مصدراً وفاعله محذوف بأن زين الله الكواكب في كونها مضيئةً حسنةً في أنفسها.

والثاني: أن الزينة اسم لما يزان به كاللِّيقَةِ اسم لما يُلَاقُ به الدَّوَاة فتكون الكواكب على هذا منصوبة بإضمار أعني أو يكون بدلاً من (ال) سَّمَاء الدُّنْيَا بدل اشتمال أي كواكبها أو من محل «بزينَةٍ» وحَمْزةُ وحفصٌ كذلك إلا أنهما خفضا الكواكب على أن يراد بزينة ما يزان به، والكواكب بدل أو بيان للزينة وهي قراءة مسروق بن الأجدع قال الفراء: وهو رد معرفة على نكرة كقوله: «بالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ» فرد نكرة على معرفة وقال الزجاج: الكواكب بدل من الزينة لأنها هي كقولك: «مَرَرْتُ بأَبِي عَبْد اللَّه زَيْدٍ» والباقون بإضالة زينَة إلى الكواكب وهي تحتمل ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يكون إضافة أعم إلى أخص فتكون للبيان نحو: ثَوْبُ خَزَّ.

الثاني: أنها مصدر مضاف لفاعله أي بأن زَيَّنَتِ الكَوَاكِبُ السَّمَاءَ بضَوْئِهَا.

والثالث: أنه مضاف لمفعوله أي بأن زينها الله بأن جعلها مشرقة مضئية في نفسها وقرأ ابن عباس وابن مسعود بتنوينها وبرفع الكواكب فإن جَعَلْتَهَا مصدراً

ص: 276

ارتفع الكواكب به، وإن جعلتها اسماً لما يزان به فعلى هذا ترفتع «الكواكب» بإضمار مبتدأ أي هي الكواكب. وهي في قوة البدل ومنع الفراء إعمال المصدر المنون ورغم أنه لم يُسْمعْ وهو غلط لقوله تعالى:{أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 14] كما سيأتي إن شَاءَ اللَّهُ. قوله: «وَحِفْظاً» منصوب على المصدر، بإضمار فعل أي حَفِظْنَاهَا حِفظاً، وإما على المفعول من أجله على زيادة الواو والعامل فيه زَيَّنَّا أو على أن يكون العامل مقدراً أي لحِفْظِهَا زَيَّنَّا أو على الحمل على المعنى المتقدم أي: إنا خلقنا السماء الدينا زينةً وحفظاً، و «مِنْ كُلّ» ويجوز أن يكون صفةً «لِحفْظاً» قال المبرد: إذا ذكرت فعلاً ثم عطفت عليه مصرد فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله كقولك: أفْعَلُ وكَرَامَةً لما قال أفعل علم أن الأسماء لا تعطف فكان المعنى أفْعَل ذَاكَ واُكْرِمُكَ كَرَامَةً.

فصل

قال ابن عباس «زينا السماء الدينا» بضوء الكواكب «وحفظناها من كل شيطان مارد» متمرد يرمون بها، وتقدم الكلام على المارد عن قوله:{مَرَدُواْ عَلَى النفاق} [التوبة: 101] واعمل أنه تعالى بين أنه زين السماء لمنفعتين:

إحداهما: تحصل الزينة.

والثانية: الحفظ من الشيطان المارد.

فإن قيل: ثبت في علم الهيئة أن هذه الكواكب الثوابت مركوزة في الكرة الثامنة وأن السيارات مركوزة في الكرات السِّتَّةِ المحيطة بسماء الدنيا فكيف يصح قوله: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب؟ .

ص: 277

فالجواب: أن الناس الساكنين على سطح كرة الأرض إذا نظروا إلى السماء فإنهم يشاهدو (نَ) هَا مزينة بهذه الكواكب فصح قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب} وأيضاً فكون هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن لم يتم دليل الفلاسفة عليه.

فن قيل: هذه الشهب التي يرمى بها هل هي من الكواكب التي زين الله المساء بها أم لا؟ والأول باطل لأن هذه الشهب تَبْطُل وتَضْمَحِّل فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقة لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء ولم يوجد ذلك فإن أعداد كواكب السماء باقية لم تتغير ألبتة وأيضاً فجعلها رجوماً للشياطين مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض وإن كانت هذه الشهب جنساً آخر غير الكواكب المركوزة في الفلك فهو أيضاً مُشْكِل لأنه تعالى قال في سورة الملك: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ} [الملك: 5] فالضمير في قوله: «وَجَعَلْنَاهَا» عائد إلى المصابيح فوجب أن تكون تلك المصابيح هي الرجوم بأعينها.

فالجواب: أن الشهبَ غير تلك الكواكب الثاتبة وأما قوله تعالى: «ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين» فنقو (ل) كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الأرض آمنة من التغير والفساد ومنها ما لا يكون كذلك وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوماً للشياطين إلى حيث يعلمون وبهذا يزول الإشكال.

فإن قيل: كيف يجوز أن تذهب الشياطين حيث يعلمون أن الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم البتة وهل يمكن أن يصدر (مثل) هذا الفعل عن عاقل فكيف من الشياطين الذين لهم مَزِيَّة في معرفة الحِيل الدقيقة؟ .

فالجواب: أن حصول هذه الحال ليس له موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه وإنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة ومواضعها مختلفة فربما صاروا إلى موضع تصيبهم الشهب وربما صاروا إلى غيره ولا صادفوا الملائكة ولا تصيبهم الشهب فلما هلكوا في بعض الأوقات وسلموا في بعض الأوقات جاز ان يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنهم لا تصيبهم الشهب فيما كما يجوز فيمن سَلَك البَحْرَ أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه يغلب على ظنه حصول النجاة. هذا ما ذكره أبو عَلِيٍّ الجُبَّائي في الجواب عن (

ص: 278

هذا) السؤال في تفسيره وفي هذا الجواب نظر فإن السموات ليس فيها موضع خال من الملائكة لقوله - عليه (الصلاة و) السلام -: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إلَاّ وَفيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ سَاجِدٌ»

قال ابن الخطيب ولقائل أن يقول: إنهم إذا صعدوا إما أن يَصِلوا إلى مواضع (الملائكة) وإلى غير (تلك) المواضع فإن وصلوا إلى مواضع الملائكة احترقوا وإن وصلوا إلى غير مواضع الملائكة لم يفوزوا بمقصود أصلاً وعلى كلا التقديرين فالمقصود غير حاصل. وإذا كان الفوز بالمقصود محالاً وجب أن يمتنعوا عن هذا الفعل وألا يقدموا عليه أصلاً بخلاف حال المسافر في البحر فإن الغالب عليهم السلامة والفوز بالمقصود وأما ههنا فالشيطان الذي يسلم من الإحراق إنما يسلم إذا لم يصل إلى مواضع الملائكة وإذا لم يصل إلى ذلك الموضع لم يفز بالمقصود فوجب أن لا يعود إلى هذا العمل البتة والأقرب في الجواب أن يقال هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لا تشتهر بسبب نُدْرَتِهَا فيما بين الشياطين. والله أعلم فإن قيل: دلتنا التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلاً قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم َ - (ولذلك) فإن الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم َ - بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه وإذا ثبت أن ذلك كان موجوداً قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم َ - امتنع حمله على مجيء النبي صلى الله عليه وسلم َ - أجاب القاضي بأن الأقرب أنَّ هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي صلى الله عليه وسلم َ - ولكنها كثرت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم َ - فصارت بسبب الكثرة معجزةً.

فإن قيل: الشيطان مخلوق من النار كما حكي عن قول إبليس {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} [الأعراف: 12] وقال: {والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم} [الحجر: 27] ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السموات وإذا كان كذلك فكيف يعقل إحراق النار بالنار؟ .

فالجواب: يحتمل أن الشياطين وإن كانوا من النِّيران إلا أنَّها نيران ضعيفة ونيران الشهب أقوى حالاً منهم ولا جَرَمَ صار الأقوى للأضعف مبطلاً، ألا ترى أن السراج

ص: 279

الضعيف إذا وضع في النار القوية فإنه ينطفئ فكذلك ههنان.

قوله: {لَاّ يَسَّمَّعُونَ} قرأ الأخوان وَحفصٌ بتشديد السين (فالميم) والصل يَسْتَمِعُونَ فأدغم، والباقون بالتخفيف فيهما. واختار أبو عُبَيْدٍ الأولى وقال: لو كان مخففاً لم يتعد بإِلى. وأجيب عنه بأن معنى الكلام لا يسمعون إلى الملأ، وقال مكي: لأنه رجى مجرى مُطَاوِعِهِ وهو يسّمعون فكما كان يسمع يتعدى «بإلى» تعدى سَمِع بإلى، وفَعِلْتُ وافْتَعَلْتُ في التعيدي سواء فتسع مطاوع سمع واستع أيضاً مطاوع سمع فتعدى سمع تعدّي مطاوعه وهذه الجملة منقطعة عما قلها ولا يجوز فيها أن تكون صفة لشيطان على المعنى إذ يصير التقدير: مِنْ شَيْطَانٍ مَارِدٍ غير سامع أو مستمع وهو فاسد، ولا يجوز أن يكون جواباً لسؤال سائل: لم تحفظ من الشياطين؟ إذ يفسد معنى ذلك وقال بعضهم: وأصل الكلام لئلا يسمعوا فحذفت «اللام وأن» فارتفع الفعل وفيه تعسف وقَدْ وَهِمَ أبو البقاء فيجوَز أن تكون صفة وأن تكون حالاً وأن تكون مستأنفة فالأولان ظاهِرَا الفساد والثَّالث إنْ غني به الاستنئاف البياني فهو فاسد أيضاً.

وإن أراد الانقطاع على ما تقدم فهو صحيح.

فصل

واحتجوا لقراءة التخفيف بقوله تعالى: {إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 212] وروى مجاهد عن ابن عباس: أن الشياطين يسمعون إلى الملأ الأعلى ثم يمنعون ولا يسمعون وللأولين أن يجيبوا فيقولوا التنصيص على كونهم معزولين عن السمع لا يمنع من كونهم معزولين أيضاً عن التسمع بدلالة هذه الآية بل هذا أقوى في رَدْع الشياطين ومنعهم من استماع أخبار السماء فإن الذي منع من الاستماع بأن يكون ممنوعاً

ص: 280

عن السمع أولى واعلم أن الفرق بين قوله: سَمِعْتُ حَدِيثَ فُلَان وبين قولك: سمِعْتُ إلى حَدِيثه أنّ قولك: سِمِعْتُ حديثَه يفيد الإدراك وسمعت إلى حديثه يفيد الإصفاء مع الإدراك وفي قوله: «لا يسمعون إلى الملأ الأعلى» قولان أشهرهما: أن تقدير الكلام لئلا يسمعوا، فلما حذف الناصب صار كقوله:{يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} [النساء: 176] وقوله: {رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15] قال الزمخشري: حذف اللام وإن كل واحد منهما جائز بانفراده وأما اجتماعهما فمن المنكرات التي يجب صون القرآن عنها، قال الزمخشري: إنه كلام منقطع عما قبله وهو حكاية المُسْتَرِقِينَ السمع وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة ويسمعوا وهم مقذوفون بالشهب مدحورون عن المقصود. والملأ الأعلى هم الملائكة الكتبة سكان السموات ومعنى يُقْذَفُونَ يُرْمَوْنَ من كل جانب من آفاق السماء.

قوله: {دُحُوراً} العامة على ضم الدال وفي نصبه أوجه:

أحدهما: المفعول له أي لأجل الطرد.

الثاني: مصدر ليقذفون أي يُدْحَرُونَ دُحُوراً أو يُقْذَفُون قذفاً فالتجوز إما في الأول وإما في الثاني.

الثالث: أنه مصدر لمقدر أي يُدْحَرُونَ دُحُوراً.

الرابع: أنه في موضع الحال أي ذَوِي دُحُورٍ أو مَدْحُورِينَ وقيل: هو جمع دَاحِر قَاعِد وقُعُودٍ فيكون حالاً بنفس من غير تأويل قال مجاهد: دحوراً مطرودين. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ ويَقْذِقُونَ مبنياً للفاعل وقرأ علِيُّ والسُّلَمِّي وابنُ أَبِي عَبْلَةَ دَحْوراً بفتح الدال وفيها وجهان:

ص: 281

أحدهما: أنه صفة لمصدر مقدر أي قَذْفاً دَحُوراً. وهو كالصَّبُور والشَّكُورِ.

والثاني: أنه مصدر كالقبُول والوَلُوع وقد تقدم أنه محصور في ألفظ، والدُّحُور قال المبرد: أشد الصغار والذل. وقال ابن قتيبة: دَحَرْتُهُ دُحُوراً ودَحْراً أي دَفَعْتُهُ وطَرَدْتُهُ وتقدم في الأعراف عند قوله: {مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} [الأعراف: 18] .

قوله: {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} قال مقاتل: دائم إلى النفخة الأولى وتقدم في سورة النحل في قوله: {وَلَهُ الدين وَاصِباً} [النحل: 52] .

قوله: {إِلَاّ مَنْ خَطِفَ} فيه وجهان:

أحدهما: أنه مرفوع المحل بدلاً من ضمير «لا يَسَّمَّعُونَ» وهو أحسن لأنه غير موجب.

والثاني: أنه منصوب على أصل الاستثناء، والمعنى: أن الشياطين لا يسمعون الملائكة إلا من خطف قال شهاب الدين: ويجوز أن يكون «من» شرطية وجوابها: «فَأَتْبَعَهُ» أو موصولة وخبرها «فَأَتْبَعَهُ» وهو استثناء منقطع وقد نصوا على أن مثل هذه الجملة تكون استثناء منقطعاً كقوله: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ إِلَاّ مَن تولى وَكَفَرَ} [الغاشية: 22، 23] والخَطْفَةُ مصدر معرف بأل الجنسية أو العهدية، وقرأ العامة خَطِفَ بفتح الخاء وكسر الطاء مخففة، وقتادةُ والحسنُ بكسرهما وتشديد الطاء وهي لغة تميم بن مُرة وبكرة بن وائل وعنهما أيضاً وعن عيسى: بفتح الخاء وكسر الطاء مشددة وعن الحسن (أيضاً) خطف كالعامة وأصل القراءتين اختطف

ص: 282

فلما أريد الإدغام سكنت التاء وقبلها الخاء ساكنة فكسرت الخاء لالتقاء الساكنين ثم كسرت الطاء إتبعاً لحركة الخاء وهو مفقود وقد وجه على التَّوَهُّم وذلك أنهم لما أرادوا الإدغام نقوا حركة التاء إلى الخاء ففتحت وهم يتوهمون أنهم مكسورة لالتقاء الساكنين - كما تقدم تقريره - فاتبعوا الطاء لحركة الخاء المتوهمة، وإذا كانوا قد فعلوا ذلك في مقتضيات الإعراب فلأن يَفْعَلُوه في غيره أولى. وبالجملة فهو تعليل شذوذ وقرا ابنُ عَبَّاسٍ خِطِفَ بكسر الخاء والطاء خفيفةً وهو إتباع كقولهم: نِعِمْ بكسر النون والعين وقرئ فاتَّبعه بالتشديد.

فصل

ومعنى الخطف أي اختلس الكلمة من كلام الملائكة مسارقةً «فأتبعه» أي لحقه شهاب ثاقب كوكب مضيء قوي لا يخطئه يقلته أو يحرقه قيل: سمي ثاقباً لأنه يَثْقُبُ بنوره سَبْع سمواتٍ. وقال عطاء: سمي النجم الذي يرمي به الشياطين ثاقباً لأنه يَثْقُبُهُمْ وإنما يعودون إلى استراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون إليه طمعاً في السلامة ونيل المراد كراكب البَحْر.

قوله: {فاستفتهم} يعني كفار مكة أي سَلْهُمْ «أهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا» يعني السموات والأرض والجبال. وهو استفهام بمعنى التقرير أي هذه الأشياء أشد خلقاً كقوله: {لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس} [غافر: 57] وقوله: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء بَنَاهَا} [النازعات: 27](وقيل: معنى) أَمَّنْ خَلَقْنَا (يعني) : من الأمم الخالية لأن مَن تذكر لمن يعقل والمعنى أن هؤلاء ليسوا بأحكَم خلقاً من غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم في ذنوبهم فما الذين يُؤمِّنُ هؤلاء من العذاب.

قوله: {أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} العامة على تشديد الميم الأصل أَمْ مَنْ وهي «أَمْ» المتصلة

ص: 283

عطفت «من» على «هم» وقرأ الأعمش بتخفيفها وهو استفهام ثانٍ فالهمزة للاستفهام أيضاً و «مَنْ» مبتدأ وخبره محذوف أي الذين خلقناهم أشد، فهما جملتان مستلقتان وغلب من يعقل على غيره ولذلك أتى «بمن» قوله:{إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَاّزِبٍ} أي جيّد حر لاصق يعْلِقُ باليد. واللازبُ والازمُ بمعنى وقد قرئ: لَازمٌ لأنه يلزم اليد، وقيل: اللازِبُ اللَّزج.

وقال مجاهد والضحاك: مُنْتِن، وأكثر أهل اللغة على أن الباء في اللازب بدل من الميم.

فصل

وجه النظم: أنه قد تقرر أن المقصود الأعظم من القرآن إثبات الأصول الأربعة وهي الإلهيّات والمَعَاد والنُّبُوة وإثبات القَضَاء والقدر فافتتح تعالى هذه السورة بإثبات ما يدل على وُجُود الصانع وعلى علمه وقدرته وحكمته ووحدانيته وهو خالق السموات والأرض وما بينهما وَربّ المشارق، ثم فرع عليها إثبات الحشر والنشر والقيامة وهو أن نم قدر على ما هو أصعب وأشق وجب أن يقدر على ما هو دونه وهو قوله:{فاستفتهم أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} فمن قدر على ما هو أشد وأصعب فبِأن يكونَ قادراً على إعادة الحياة في هذه الأجساد كان أولى. وأيضاً فقوله: «إنا خلقناهم من طين لازب» يعني أن هذه الأجساد قابلة للحياة إذ لو تكن قابلةً للحياة لما صارت حية في المرة الأولى والمراد بقوله: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَاّزِبٍ} يعني أصلهم وهو آدم - عليه (الصلاة و) السلام - رُوِيَ أنَّ القوم قالوا: كيف يعقل تولد الإنسان لا من أبوين ولا من نطفة؟ فكأنه تعالى قال لهم: إنكم لما أقررتم بحُدوثِ العَالَم واعترفتم بأن السموات والأرض وما

ص: 284

بينهما إنما حصل بتخليق الله تعالى وتكوينه فلا بد وأن يعترفوا بأن الإنسان الأول إنما حدث لا من الأبوين فإن اعْتَرَفْتُمْ به فقد سقط قولكم: إن الإنسان كيف يحث من غير نطفة ومن غير الأبوين؟ وأيضاً فقد اشتهر عند الجمهور أن آدم مخلوق من طين لازب ومن قدر على خلق الحياة من الطين اللازب كيف يعجز عن إعادة الحياة إلى هذه الذوات ويمكن أن يكون المراد بقوله: «إنا خلقناهم من طين لازب» أي كل الناس ووجهه أن الحيوان إنما يتولد من المَنِي ودَم الطَّمْثِ والمني إنما يتولد من الدَّم فالحيوان إنما يتولد من الدم والدم إنما يتولد من الغِذَاء، والغذاء إما حيوانيّ وإما نباتيّ، وأما تولد الحيوان الذي صرا غذاءً فالكلام في كيفية تولده كالكلام في تولد الإنسان فثبت أن الأصل في الأغذية هو النبات والنبات إنما تولد من امتزاد الأرض بالماء وهو الطين اللازب فظهر أن كل الخلق (منه) مُتَوَلِّدُونَ من الطِّينِ اللازب وهو قابل للحياة والله تعالى قادر عليها. وهه القابلية والقادرية واجبة البقاء فوجب بقاء هذه الصفة في كل الأوقات، وهذه بيانات ظاهرة.

ص: 285

قوله: {بَلْ عَجِبْتَ} قرأ الأَخَوَانِ بضم التاء والباقون بفتحها فالفتحُ ظاهر وهو ضمير الرسول أو كل من يصح منه ذلك وأما الضم فعلى صرفه للمخاطب أي قُلْ يا محمد بل عَجِبْتُ أنا، أو على إسناده للباري تعالى على ما يليق به وقد تقدم هذا في البقرة وما ورج منه في الكتابِ والسنة. وعن شُرَيْحٍ أنه أنركها وقال: اللَّهُ لا يَعجَبُ فبلغت إبْرَهِيمَ النَّخَعِيِّ فقال: إنَّ شريحاً كان مُعْجَباً برأيه قرأها مَنْ هو أعلم (منه) ؛

ص: 285

يعني عبد اللَّهِ بن مسعود وابن عباس والعَجَبُ من الله ليس كالتَّعَجُّب من الآدميين كما قال: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ الله مِنْهُمْ} [التوبة: 79] وقال: {نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] فالعجب من الآدميين إنكاره وتعظيمه والعُجْب من الله تعالى قد يكون بمعنى الإنكار والذَّمِّ وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما جاء في الحديث: «عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ شَابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» وقوله: «عَجِبَ رَبُّكُمْ مِن إِلِّكُمْ وقُنُوطِكِمْ وسُرْعَةِ إجَابتِهِ إيَّاكُمْ» وسُئِلَ جُنَيْدٌ من هذه الآية فقال: إن الله لا يعجب من شيءولكن اللَّهَ وافق رسولَه لمَّا عِجِبَ رسولُهُ وقال: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} أي هو كما تقوله.

قوله: {وَيَسْخُرُونَ} يجوز أن يكون استئنافاً وهو الأظهر وأن يكون حالاً والمعنى أي عجبت من تكذيبهم إياك وهم يسخرون من تعجبك، وقالد قتادة: عَجِبَ نَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم َ - من هذا القرآن حين أنزل وضلال بني آدم وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم َ - كان يظن أن كل من يسمع القرآن يؤمن به فلما سمع المشركون القرآن فسخروا منه ولم يؤمنوا عجب النبي صلى الله عليه وسلم َ - من ذلك فقال الله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ} وَإِذَاَ ذُكِّرُوا لَا يّذْكُرُونَ «أي إذا وَعِظُوا بالقرآن لا يَتَّعِظُونَ.

وقرأ (جَنَاحُ) بن حبيش» ذُكِرُوا «مخففاً» وإذا رأوا آية «قال ابن عباس ومقاتل: يعني انْشِقَاقَ القمر» يَسْتَسْخِرُون «يسخرون ويستهزئون، وقيل: يستدعي بعضُهم عن بعض السخرية وقرئ» يستستخرون «بالحاء المهملة» وَقَالُوا إنْ هَذَا

ص: 286

إلَاّ سِحْر مُبينٌ « (أي سحر بَيِّن) يعني إذا رأوا آية ومعجزة سخروا منها لاعتقادهم أنها من باب السحر.

فصل

قال ابن الخطيب: والذي عندي في هذا الباب أن يقال: القوم كانوا يَسْتَبْعِدثون الحَشْر والقيامة وبقولون من مات وصار تراباً وتفرقت أجزاؤه في العالم كيف يعقل عوده بعينه؟ وبقوا في هذا الاستبعاد إلى حيث كانوا يخسرون ممن يذهب إلى هذا المذهب وإذا كان كذلك ولا طريق إلى إزالة هذا الاستباد إَلَاّ من وجهين:

أحدهما: أن يذكر لهم الدليل على صحة الحشر والنشر مثل أن يقال لهم: هل تعلمون أن القادر عل الأصعب الأشق يجب أن يكون قادراً على الأسهل.

فهذا الدليل وإن كان جَلِيًّا قويًّا إلا أن (ذكر) أولئك المنكرين إذا عرض على قلوبهم هذه المقدمات لا يفهمونها ولا يقفون عليها وإذا ذكروا لم يتذكروها لشدة بلادتهم وجهلهم فلا جَرَمَ لم ينتفعوا بهذا الدليل.

والطريق الثاني: أن يثبت الرسول صلى الله عليه وسلم َ - رسالته بالمعجزات ثم يقول: لما ثبت بالمعجزة كوني رسولاً صادقاً من عند الله فأنا أخبركم بأن البعث والقيامة حَقٌّ ثم إنّ أولئك المنكرين لا ينتفعون بهذا الطريق أيضاً لأنهم إذا رأوا معجزة قاهرة وآية باهرة حملوها على أنها سِحْرٌ وسَخِرُوا منها واسْتَهْزَأُوا بها وهذا هو المراد من قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ وقالوا إِن هاذآ إِلَاّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}

قوله: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} وهذا بيان للسَّبب الذي حملهم على الاستهزاء بجميع المعجزات وهو اعتقادهم أن من مات وتفرقت أجزاؤه في العالم فما فيه من الأرض بجميع المعجزات وهو اعتقادهم أن من مات وتفرقت أجزاؤه في العالم فما فيه من الأرض اختلط (بتراب) الأرض وما فيه من المائية والهوائية اختلط ببخارات العالم. فهذا الإنسان كيف يعقل عَوْدُه بعينه حيًّا ثانياً؟! ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذه الشبهة قال: قُلْ (لَهُمْ) يا محمد «نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُون» أي نعم تبعثون وأنتم صاغرون، والدخور أشد الصغار وإنما اكتفى تعالى بهذا القدر من الجواب لأنه ذكر في الآية المتقدمة البرهان القطعي على أنه (أمر) ممكن وإذا ثبت الجواب القطعي فلا سبيل

ص: 287

إلى القطع بالوقوع إلا بأخبار المخبر الصادق فلما قامت المعجزات على صدق محمد - عليه (الصلاة و) السلام - كان واجب الصدق فكان مجرد قوله: «نَعَمْ» دليلاً قاطعاً على الوقوع.

قوله: {أَوَ آبَآؤُنَا} قرأ ابنُ عَامر وقالون: بسكون الواو على أنها «أَوْ» العاطفة المقتضية للشك والباقون بفتحها على أنها همزة استفهام دخلت على واو العطف، وهذا الخلاف جار أيضاً في «الواقعة» وتقدم مثل هذا في الأعراق في قوله:{أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى} [الأعراف: 98] فمن فتح الواو أجاز في: «آبَاؤُنَا» وجهين:

أحدهما: أن يكون معطوفاً على محل إن واسمها.

والثاني: أن يكون معطوفاً على الضمير المستتر في: «لَمَبْعُوثُونَ» واستغني بالفصل بهمزة الاستفهام، ومن سكنها تعين فيما الأول دون الثاني على قول الجمهور لعدم الفاصل، وقد أَوْضَحَ هذا الزمخشريُّ حيث قال:«أو آباؤنا» معطوف على محل إنَّ واسمها أو على الضمير في: «لَمَبْعُوثُونَ» والذي جوز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفهام قال أبو حيان: أما قوله معطوف على محل «إنّ» واسمها فمذهب سيبويه خلافه فإن قولك: «إنَّ زَيْداً قَائِمٌ وعمرو» وعمرو فيه مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، وأما قوله: أو على الضمير في لمبعوثون (الخ

. . فلا يجوز أيضاً؛ لأن همزة

ص: 288

الاستفهام لا تدخل إلى على الجمل لا على المفرد؛ لأنه إذا عطف على المفرد كان الفعل عاملاً في المفرد بواسطة حرف العطف وهمزة الاستفهام لا يعمل ما قبلها فيما بعدها، فقوله:{أَوَ آَبَاؤُنَا} مبتدأ محذوف الخبر لما ذكرنا قلت: أما الرد الأول: فلا يلزم لأنه لا يُلْتَزَمُ مذهب سيبويه وأما الثاني: فإن الهمزة مؤكدة للأولى فهي داخلة في الحقيقة على الجملة إلا أنه فصل بين الهمزتين بإنّ واسْمِهَا وخبرها. ويدل على هذا ما قاله هو في سورة الواقعة فإنه قال: دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، فإن قلت: كيف حسن العطف على المضمر في لمبعوثون) من غير تأكيد بنحن؟ قلت: حسن للفاصل الذي هو الهمزة كما حسن في قوله: {مَآ أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148] لفصل (لا) المؤكدة للنفي لأن لا مؤكدة للنفي المتقدم بما إلا أن هذا مشكلٌ بأن الحرف إذا كرر للتأكيد لم يُعَدْ في الأمر العام إلا بإعادة ما اتصل به أولاً أو بضميره. وقد مضى القول فيه وتحصل في رفع «آباؤنا» ثلاثة أوجه: العطف على الابتداء والخبر مضمر والعامل في «إذا» محذوف أي: أَنُبْعَثُ إذَا مِتْنَا هذا غذا جعلتها ظرفاً غير متضمن لمعنى الشرط، فإن جعلتها شرطية كان جوباها عاملاً فيها أي إذا متنا بُعِثْنَا أوْ حُشِرْنَا.

وقرئ «إذَا» دون استفام وقد مضى القول فيه في الرعد.

ص: 289

قوله: {وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} جملة حالية العامل فيها الجملة القائمة مقامها «نعَمْ» أي تبعثون وأنتم صاغرون أذلَاّء قال أبو حيان: وقرأ ابن وَثّاب «نِعِمْ» بكسر العين تقدم أن الكسائي قرأها كذلك حيث وقَعتْ وكلامه هنا موهم أن ابن وثاب منفردٌ بها.

ص: 290

قوله: {فَإِنَّمَا هِيَ} قال الزمخشري: «فَإنَّما هِيَ» جواب شرط مقدر تقديره إذا كان كذلك فما هي إلا زجره واحدة قال أبو حيان: وكثيراً ما تضمَّن جملة الشرط قبل فاء إذا ساغ تقديره ولا ضرورة تدعو إلى ذلك ولا يحذف الشرط ويبقى جوابه إلا إذا انجزم الفعل في الذي يطلق عليه أنه جواب للأمر والنهي وما ذكر معهما، أمَّا اتبداءً فلا يجوز حذفه.

فصل

«هي» ضمير البعثة المدلول عليها بالسِّياق لما كانت بعثتهم ناشئة عن الزجرة جعلت إياها مجازاً، قال الزَّمَخْشَرِيُّ «هي» مبهمة يوضحها خبرها، قال أبو حيان: وكثيراً ما يقول هو ابن مالك: إن الضمير يفسره خبره ووقف أبو حاتم على «يَا وَيْلَنا» وجعل

ص: 290

مع ما بعده من قوله الباري تعالى، وبعضهم جعل «هَذَا يَوْمُ الدِّينِ» من كلام الكفار الكفرة فيقف عليه، وقوله:{هذا يَوْمُ الفصل} من قول الباري تعالى: وقيل: الجمع من كلامهم وعلى هذا فيكون قوله: {تُكَذَّبُونَ} إما التفاتاً من التكلم إلى الخطاب وإما مخاطبة بعضهم لبعض.

فصل

لما بين في الآية المتقدمة ما يدل على إنكار البعث والقيامة وأرْدَفَهُ بما يدل على وقوع القيامة ذكر في هذه الآيات بعض تفاصيل أحوال القيامة فمنها قوله: «فإنما هي زجرة واحدة» أي صيحة واحدة وهي نفخة البعث فإذا هم ينظرون أي إحياء ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل: ينتظرون ما يحدث لهم أو ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به والزجرة هي الصيحة التي زجرها كالزجرة بالنَّعَمِ والإبل عند الحثّ، ثُمَّ كثر استعمالها حتى صارت بمعنى الصيحة، قال ابن الخطيب: ولا يبعد أن يقال تلك الصحية إذا سميت زجرة لأنها تزجر الموتى عن الرقود في القبور وتحثهم على القيام من القبور إلى الحضور في موقف القيامة.

فإن قيل: فما الفائدة في هذه الصحية للأموات وهذه النفخة جاية مَجْرَى السبب ليحاتهم فتكون مقدمة على حياتهم فلزم أن هذه الصيحة إنما تكون حالاً لكونهم أمواتاً فتكون الصيحة عديمة الفائدة فهي عَبَثٌ والعبث لا يجوز في فِعل الله؟

فالجواب: على قول أهل السنة يفعل الله ما يشاء وأما المعتزلة فقال القاضي: فيه وجهان:

الأول: أن يعتبر بها الملائكة.

والثاني: أن تكون فائدتها التخويف والإرهاب (انتهى) وهذه الصيحة لا تأثير لها في الحياة بدليل أن الصيحة الأولى استعقبها الموت والثانية الحياة وذلك يدل على أن الصيحة لا أثر لها في الموت ولا في الحياة بل خالق الموت والحياة هوا لله (وذلك يدل على أن الصيحة لا أثر لها «كما قال: {الذي خَلَقَ الموت والحياة}

[الملك: 2] روي أن الله تعالى يأمرنا سراً قيل فينادى أَيَّتَّها العِظَامُ النَّخِرَة، والجُلُودُ البالية والأجزاء المتفرقة اجتمعوا بإذن الله تعالى. الحالة الثانية من تفاصيل أحوال القيامة قولهم بعد القيام من القبور:«يا ويلنا هذا يوم الدين» أي يوم الحساب ويوم الجزاء. قال الزجاج: الويل كلمة

ص: 291

يقولها القائل وقت الهَلَكَةِ ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: «هذا يوم الدين» أي يوم الحساب القيمة المذكرو في قوله: {مالك يَوْمِ الدين} [الفاتحة: 4] أي لا مالك في ذلك اليوم إلا الله تعالى وأما قوله: {هذا يَوْمُ الفصل الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} تَقَدَّم الكلام على قائله هل هو من كلام الله تعالى أو من كلام الملائكة أو من كلام المؤمنين أو من كلام الكفار.

قوله: {احشروا الذين ظَلَمُواْ} هذا من كلام الملائكة والمراد اجْمَعُوا الذين أشركوا إلى الموقف للحساب والجزاء.

فإن قيل: ما معنى احشروا مع أنهم قد حشروا من قبل وحَضَروا مَحْفِل القيامة وقالوا: هذا يوم الدين وقالت الملائكة لهم: بل هذا يوم الفصل؟

أجاب القاضي عنه وقال: المراد احشروهم إلى دار الجزاء وهي النار، ولذلك قال بعده:«فَاهْدُهُمْ إلى صِرَاطِ الجَحِيم» أي دُلُّوهُمْ على ذلك الطريق، ثم سأل نفسه وقال: كيف يصح ذلك وقد قال بعده: «وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسؤُلُونَ» ومعلوم أن (مَ) حْشَرَهُمْ إلى الجحيم إنما يكون بعد المسألة وأجاب بأنه ليس في العطف بحرف الواو ترتيب ولا يمتنع أن يقال احْشُرُوهُمْ وقِفُوهم مع أما بعقولنا نعلم أن الوقوف كان قبل الحشر. قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال: إنهم إذا قاموا من قبورهم لم يَبْعُدْ أن يقفوا هناك لحيرَةٍ تَلْحَقُهُمْ لمعاينتهم أهوالَ القيامة، ثم إن الله تعالى يقول للملائكة: احشروا الذين ظلموا واهدوهم إلى صراط الجحيم، أي سُوقُوهم إلى طريق جهنم وقفوهم هناك ويحصل السؤال هناك ثُمّ (مِنْ) هنا (ك) يساقون إلى النار.

قوله: {وَأَزْوَاجَهُمْ} العامة على نصب وفيه وجهان:

أحدهما: العطف على الموصول.

والثاني: أنه مفعول معه قال أبو البقاء: وهو في المعنى أقوى، وإنما قال في المعنى لأنه في الصناعة ضعيف لأنه أمكن العطف لا يُعْدَلُ عنه، وقرأ عيسَى بْنُ سُلَيْمَانَ الحِجَازيّ بالرفع عطفاً على ضمير «ظَلموا» وهو ضعيف لعدم

ص: 292

العامل، وقوله:{وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ} لا يجوز فيه هذا لأنه لا ينسب إليهم ظلم إن لم يرد بهم الشياطين وإن أريد بهم ذلك جاز فيه الرفع أيضاً على ما تقدم.

قوله: {إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} العامة على الكسر على الاستئناف المفيد للعلة، وقرئ بفتحها على حذف لام العلة أي قِفُوهُمْ لأجْل سُؤَال الله إيَّاهم.

فصل

المراد بالأزواج أشباههم وأمثالهم وأتباعهم. قال قتادة والكلبي: كل من نعمل مثل عملهم فأهل الخمر مع أهل الخمر وأهل الزنا مع أهل الزنا واليهوديّ مع اليهوديّ والنَّصْرَانيّ مع النصراني لقوله تعالى:

{وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً} [الواقعة: 7] أي أشكالاً وأشباهاً، وتقول «عندي من هذا أزواج» أي أمثال، وتقول: زَوْجَان من الخُفِّ لأن كل واحد منهما نظير الآخر وكذلك الرجل والمرأة يُسَمَّيَانِ زَوْجَيْنِ متشابهين، وكذلك العدد الزوج، وقال الضحاك ومقاتل قرناؤهم من السوء الشياطين كل كافر مع شيطانه في سلسلة وقال الحسن: أزواجهم: المشركات، وما كانوا يعبدون من دون الله في الدنيا يعني الأوثان والطواغيت. وقال مقاتل: يعني إبليسَ وجنودَه لقوله: «ألَاّ تَعْبُجُوا الشَّيْطَانَ» «فاهْدُوهم إٍلى صراط الجحيم» ، قال ابن عباس: دلوهم إلى طريق النَّارِ. وقال ابن كيسان والأَصَمّ قدموهم والعرب تسمي السابق هادياً. وقال الواحدي: وهذا وهم لأنه يقال هَدَى إذا تقدم ومنه الهَادِيَةُ والهَوَادِي، وهَادِيَاتُ الوحش، ولا يقال هَدَى بمعنى قدم. «وَقِفُوهُمْ» يقال وَقَفْتُ الدَّابَة أَقِفُها وَقْفاً فوَقَفَتْ هي وُقُوفاً قال المفسرون: لما سِيقُوا إلى النار حبسوا عند الصراط لأن السؤال عند الصراط فقال: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} قال ابن عباس: عن أقوالهم وأفعالهم.

ص: 293

وقيل: تسألهم الخزنة: «ألم يأتكم نذير رسل منكم» ، (رسل) بالبينات قولوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين. ويجوز أن يكون هذا السؤال هو قوله بعد ذلك:{مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} (أي لا تسألون)(توبيخاً لهم فيقال) : ما لكمن لا يتناصرون قال ابن عباس: لا ينصر بعضُكم بعضاً كما كنتم في الدنيا وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحْن جميعٌ منتصر فقيل لهم يوم القيامة: ما لكم لا تَنَاصَرُون، وقيل: يقال للكفار: ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب.

قوله: {مَا لَكُمْ} يجوز أن يكون منقطعاً عما قبله والمسؤول عنه غير مذكور ولذلك قدره بعضهم عن أعمالهم ويجوز أن يكون هو المسؤول عنه في المعنى فيكون معلقاً للسؤال و «لَا تَنَاصَرُونَ» جملة حالية العامل فيها الاستقرار في «لكم» وقيل: بل هي على حذف حَرْفِ الجرِّ وأن الناصبة فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل. والأصل في أن لا وتقدمت قراءة البَزِّي لا تناصرون بتشديد التاء وقرئ تَتَنَاصَرُونَ على الأصل.

قوله (تعالى) : {بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ} قال ابن عباس: خاضعون. وقال الحسن منقادون، يقال اسْتسْلَمَ للشيء إذا انقاد له وخضع والمعنى هم اليوم أذلاّء منقادون لا حِيلَة لهم في دفع تلك المضارّ.

ص: 294

قوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} قيل: الأتباع والرؤساء يتساءلون متخاصمون. وقيل: هم والشياطين يقولولن إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين أي من قبل الدين فتضلوننا عنه. قاله الضحاك، وقال مجاهد: من الصراط الحق واليمين عبارة عن الدِّين والحق كما أخبر الله عن إبليس: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} [الأعراف: 17] فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فليس عليه الحق، واليمين ههنا استعارة عن الخيرات والسعادات لأن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر إجماعاً، ولا تباشر الأعمال الشريفة إلا باليمين ويتفاءلون بالجانب الأيمن ويسمونه البَارِح وكان - عليه (الصلاة و) السلام - يحب التيامن في شأنه كله وكاتب الحسنات من الملائكة على اليمين ووعد الله المحسن أن يعطيه الكتاب باليمين. وقيل: إن الرؤساء كانوا يحلفون للمستضعفين أن ما يدعونهم إليه هوا لحق فوثقوا بأيمانهم، وقيل: عن اليمين أي عن القوة والقدرة كقوله: {لأََخَذْنَا مِنْهُ باليمين} [الحاقة: 45] .

قوله: {عَنِ اليمين} حال من فاعل: «تَأتُوتَنَا» واليمين إما الجارحة عبّر بها عن القوة وإما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يمسح كل منهما يمين الآخر فالتقدير على الأول وتأتوننا أقوياء وعلى الثاني مُقْسِمينَ حَالِفينَ.

قوله: {بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} وهذا جواب الرؤساء للأتباع أي ما كنتم موصوفين بالإيمان حتى يقال: إنا أَزَلْنَاكم عنه وإنما الكفر من قبلكم {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} من قوة وقُدْرة حتى نقهركم ونجْبِرَكم «بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ» ضالين «فَحَقَّ عَلَيْنَا» وجب علينا جمعياً «قَوْلُ رَبَّنَا» يعني كلمة العذاب وهو قوله: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ} [هود: 119] .

قوله: «إنَّا لَذَائِقُوا الْعَذَابِ» الظاهر أنه من إخبار الكفرة المتبوعين أو الجن بأنهم ذائقون العذاب. ولا عدول في هذا الكلام وقال الزمخشري ولزمنا قول ربنا إنا لذائقون يعني وعيد الله بأنا لذائقون لعذابه لا محالة ولو حكى الوعيد كما هو لقال إنكم

ص: 295

لذائقون ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم ونحوه قول القائل:

4191 -

لَقَدْ عَلِمَتْ هَوَزِانُ قَلَّ مَالِي.....

...

...

... .

ولو حكمى قولها لقال: قَلَّ مَالُكَ، ومنه قول المحلف للحالف احلف (لأخْرُجَنَّ) ولَتَخْرُجَنَّ، الهمزة لحكاية الحالف، والتاء لإقبال المحالف على المحلف.

قوله: {فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} أي إنما أقدمنا إغوائكم لأنا كنا موصفين في أنفسنا بالغِوَايَةِ. وفيه دقيقة أخرى كأنهم قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب إغوائنا فغوايتنا إن كانت بسبب إغواء غاوٍ آخر لزم التسلسل. وذلك محال فعلمنا أن حصول الغواية والرشاد ليس من قِبَلِنَا بل من قِبَل غيرنا. وذلك الغير هو الذي فيما قبل وهو قوله: {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ} ثم قال تعالى بعده: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ} يعني الرؤساء والأتباع يومئذ يُسْأَلُو (نَ) ويُرَاجِعُو (نَ) الكلام فيما بينهم ثم قال: {إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إله إِلَاّ الله يَسْتَكْبِرُونَ} أي الكفار.

قال ابن عباس: الذين جعلوا لله شركاء ثم وصفهم بأنهم «إذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إلَهَ إلَاّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ» يتكبرون عن كلمة التوحيد ويمتنعون منها {وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لتاركوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} يعني النبي صلى الله عليه وسلم َ - وقرأ ابن كثير أينا لتاركوا برهمزة وياء بعدها خفيفة وألف ساكنة بلا مدة وقرأ نافع في رواية قالون وأبو عمرو كذلك، ويمدان والباقون بهمزتين بلا مد، ثم إنه تعالى كذبهم في ذلك الكلام بقوله:{بَلْ جَآءَ بالحق} أي جاء بالدين الحق.

قوله: {وَصَدَّقَ المرسلين} أي صدقهم محمد - عليه (الصلاة و) السلام - يعني

ص: 296

صدقهم فقي مجيئهم بالتوحيد، وقرأ عبد الله صَدَقَ خفيف الدال «الْمُرْسَلُونَ» فاعلاً به أي دصقوا فيما جاءوا به ثم التفت من الغيبة إلى الحضور فقال:{إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو العذاب الأليم} [الصافات: 38] .

ص: 297

قوله: {إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو العذاب الأليم} العامة على حذف النون والجر. وقرأ بعضهم بإثباتها والنصب هو الأصل وقرأ أبان بن تَغْلِب - عن عاصم وأبو السِّمِّال في رواية - بحذف النون والنصب أَجْرَى النون مُجْرَى التنوين في حذفها لالتقاء الساكنين كقوله: {أَحَدٌ الله الصمد} [الإخلاص: 1 - 2](و) .

4192 -

وَلَا ذَاكِر اللَّه إلَاّ قَلِيلاً

وقال أبو البقاء: قرئ شاذا بالنصب وهو سهو من قارئه لأن اسم الفاعل يحذف منه النون وينصب إذا كان فيه الألف واللام، قال شهاب الدين: وليس بسهو لما تقدم، وقرأ أبو السمال أيضاً لذائق بالإفراد والتنوين الْعَذَابَ نصباً وتخريجه.

ص: 297

على حذف اسم جمع هذه صفته أي إنكم لفريقٌ أو لجمعٌ ذائقٌ ليتطابق الاسم والخبر في الجَمْعِيَّة ثم كأنه قيل: فكيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عباده؟ فأجاب بقوله: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَاّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي «إلا جزاء ما كنتم تعملون» .

قوله: {إِلَاّ عِبَادَ الله} استثناء منقعطع أي لكن عباد الله المخلصين الموحدين، وقوله:{أُوْلَئِكَ لَهُمْ} بيان لحالهم، وقد تقدم في فتح اللام وكسرها من المْخْلَصِينَ قراءتان فمن قرأ بالفتح فالمعنى أن الله تعالى أخلصهم واصطفاهم بفضله. والكسر هو أنهم أخلصوا الطاعة لله تعالى والرزق المعلوم قيل: بُكْرَةً وعَشِيًّا لقوله: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 62] فيكون المراد منه معلوم الوقت وهو مقدار غَدْوَةٍ أو عَشْوَة وإن لم يكن ثم بكرة ولا عشية. وقيل: ذلك الرزق معلوم الصفة أي مخصوصاً بصفات من يطب طعم ولذة وحسن منظر. وقيل معناه أنهم القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله وقد (بين أنه) تعالى يعطيهم غير ذلك تَفَضُّلاً.

قوله: {فَوَاكِهُ} يجوز أن يكون بدلاً من «رزقٍ» وأن يكون خبراً ابتداء مضمر أي ذلك الرزق فَوَاكِهُ وفي الْفَوَاكِهِ قَوْلَانِ:

أحدهما: أنها عبارة عما يؤكل للتلذذ لا للحاجة وأرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحّة بالأقوات فإن أجسامهم محكومة ومخلوقة للأبد فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ.

والثاني: أن المقصود بذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى، لما كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان المأكول للغذاء أولى بالحضور.

ص: 298

قوله: {وَهُم مُّكْرَمُونَ} قرأ العامة مُكْرَمُونَ خفيفة الراء و (ابن) مِقْسِم بتشديدها والمعنى وهم مُكَرَّمُونَ بثواب الله في جنات النعيم لما ذكر مأكولهم ذكر مسكنهم وقوله «فِي جَنَّاتِ» يجوز أن يتعلق «بمُكْرَمُونَ» وأن يكون خيراً ثانياً وأن يكون حالاً.

قوله: {على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} العامة على ضم الراء. وأبو السَّمَّال بفتحها وهي لغة بعض كَلْبٍ، وتميم يفتحون عين «فُعُلٍ» جمعاً إذا كان اسماً مضاعفاً. وأما الصفة نحو: ذُلُل ففيها خلاف.

والصحيح أنه لا يجوز لأنَّ السماع ورد في الجوامد دون الصفات. و «عَلَى سُرُور مُتَقَابيلن» حال، ويجوز أن يتعلق «عَلَى سُرُر» بمتقابلين و «يُطَافُ» صفة «لمكرون» أو حال من الضمير في:«متقابلين» أو من الضمير في أحد الجَارِّيْن إذا جعلناه حالاً.

ومعنى متقابلين لا يرى بعضُهم قَقَا بعض، ولما ذكر المأكل والمسكن ذكره بعده صفة المشرب فقال:{يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} والكأس من الزجاج ما دام فيها شراب وإلا فهو قَدَح. وقد يطلق الكأس على الخمر نفسها وهو مجاز سائغٌ وأنشد:

4193 -

وَكَأس شَرِبْتُ عَلَى لذَّةٍ

وَأُخْرَى تَدَاوَيْتُ مِنْهَا بِهَا

و «مِنْ مَعين» صفة «لكأسٍ» والمعين معناه الخَمر الجارية في الأنهار، أي ظاهرة تراها العيون وتقدم الكلام في مَعِين وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي

ص: 299

الخَمْر وقوله: {مِنْ مَعِين} أي من شراب مَعِينٍ أو من نَهْرٍ مَعِينٍ. المَعِينُ مأخوذ من عين الماء أي يخرج من العيون كما يخرج الماء وسمي (م) عِيناً لظهوره، يقال: عَانَ الماءُ إذا ظهر جارياً، (قاله ثعلب) فهو مَفْعُول من العَيْن نحو: مَبِيع ومَكِيلٍ، وقيل: سمي معيناً لأنه يجري ظاهر العين كا تقدم. ويجوز أن يكون فعيلاً من المعين وهو الماء الشديد الجري، ومنه أمْعَنَ في الجَرْيِ إذا اشتد فيه.

قوله: {بَيْضَاءَ} صفة لكأس وقال أبو حيان: صفة «لكاس» أو «للخمر» قال شهاب الدين: لم يذكر الخمر اللهم إلا أن يعني بالمعين الخمر. وهو بعيد جداً ويمكن أن يجاب بأن الكاس إنما، سميت كأساً إذا كان فيها الخمر.

وقرأ عبد الله: صَفْرَاءَ وهي مخالفة للسواد، إلا أنه جاء وصفها بهذا اللون وأنشد لبعض المولدين:

4194 -

صَفْرَاء لَاتَنْزِلُ الأَحْزَانُ سَاحَتَهَا

لَوْ مَسَّهَا حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرَّاءُ

و «لذة» صفة أيضاً وصفت بالمصدر مبالغة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال: فُلَانٌ جُودٌ وكَرَمٌ إذا أرادوا المبالغة.

وقال الزجاج: أو على حذف المضاف أي ذات لذَّة، أو على تأنيث «لَذَّ» بمعنى لذيذ فيكون وصفاً على «فَعْلِ» كصَعْب يقال: لَذَّ الشَّيءُ يَلَذُّ لَذًّ فهو لَذَيدُ وَلَذٌّ وأنشد:

4195 -

بِحَدِيثَها اللَّذِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمْتْ

أُسْدَ الْفَلَاةِ بِهِ أَتَيْنَ سِرَاعَا

ص: 300

وقال آخر:

4196 -

لَذٌّ كَطَعْم الصَّرخَدِيِّ تَرَكْتُهُ

بأَرْضِ العِدَا مِنْ خَشْيَةِ الحَدَثَانِ

واللذيد كل شيء مستطابٌ. وأنشد:

4197 -

يَلذُّ لِطَعْمِهِ وَتَخَالُ فِيهِ

إذَا نَبَّهْتَهَا بَعءدَ الْمَنَامِ

و «للشَّارِبينَ» صفة «لِلَذّةِ» وقال اللَّيْث: اللَّذَّة واللَّذِيذَة يجريان مَجْرَى واحداً في النعت يقال: شَرَابٌ لَذَّ ولذيدٌ قال تعالى: {بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} وقال تعالى: {مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} [محمد: 15] وعلى هذا «لَذَّة» بمعنى لذيذ.

قوله: {لَا فِيهَا غَوْلٌ} صفة أيضاً وبطل عمل لا وتكررت لتقدم خبرها، وتقدم أول البقرة فائدة تقيم مثل هذا الخبر، والبحثُ مع أبي حيان فيه.

قال الفراء: العرب تقول ليس فيها غِيلَةٌ وغائلةٌ وغُول (وغَوْل) سواء وقال عبيدة: الغَوْلُ أن غتال عقولهم وأنشد قول مطيع بن إياس:

ص: 301

4198 -

وَمَا زَالَتِ الْكَأسُ تَغْتَالُهُمْ

وَتَذْهَبُ بالأَوَّل فَالأّوَّلِ

وقال الليث: الغول الصداع والمعنى لي فيها صدع كما في خمر الدنيا، وقال الواحدي: الغَوْل حقيقته الإهلاك، يقال: غَالَهُ غَوْلاً واغْتَالَهُ أهْلَكَهُ، والغَوْل والغَائلُ المهلك وسُمِّي (وَطْءُ) المرضع غَوْلاً لأنه يؤدي إلى الهلاك، والغوب كلُّ ما اغتالك أي أهلَكك، ومنه الغُولُ بالضم شيء تَوَهَّمَتْهُ العرب ولها فيه أشعار كالعَنْقَاء يقال: غَالِني كذا ومنه الغِيلَة في العقل والرضاع قال:

4199 -

مَضَى أَوَّلُونَا نَاعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ

جَمِعياً وَغَالتُنِي بِمَكَّةَ غُولُ

فالغول اسم لجميع الأذى. وقال الكلبي: لا فيها إثمٌ وقال قتادة: وَجَعُ البطن وقال أهل المعاني: الغول فساد يلحق أمره في خفية، وخمر الدنيا يحصل فيها أنواع من الفساد منها السُّكْرُ وذَهَابُ العقل ووجع البطن والصُّدَاع والقيءُ والبَوْل ولا يوجد شيء من ذلك من خمر الجنة.

قوله: {وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} قرأ الأخوان «ينزقون» هنا، وفي الواقعة، بضم الياء وكسر الزاي. وافقهما عاصمٌ على ما في الوقعة فقط. والباقون بضم الياء وفتح الزاي وابن إسحاق بالفتح والكسر وطلحة بالفتح والضم فالقراءة الأولى من أَنْزَفَ الرَّجُلُ إذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ من السكر فهو نَزِيفٌ وَمنزُوفٌ، وكان قياسه مُنِزْفٌ كمُكْرِم، ونَزَفَ الرجلُ الخمْرةَ فَأنْزَفَ هو ثُلَاثيُّهُ متعددٌ ورباعية بالهمزة قاصر وهو نحو: كَبَيْتُهُ فأَكَبَّ وقَشعَت الريحُ السَّحابَ فَأَقْشَعَ أي دخلا في الكَبِّ والقَشْعِ وقال الأسود:

ص: 302

4200 -

لَعْرِي لَئِنْ أَنْزَفْتُم أَوْ صَحَوْتُمُ

لَبْئِسَ النَّدَامَى أَنْتُمْ آلَ أَبْجَرَا

ويقال: أنزف أيضاً أي نَفِذَ شَرَبُهُ. وأما الثانية فمن نزف أيضاً بالمعنى المتقدم وقيل هو من قولهم: نَزَفتِ الرَّكِيَّةُ أي نَزَحَتْ ماءها. والمعنى أنهم لا تذهب خمورهم بل هي باقية أبداً، وضمن يَنْزِفُونَ معنى يصدون عنها بسبب النَّزِيفِ.

وأما القراءاتان الأخيرتان فيقال: نَزِف الرجلُ ونَزُفَ بالكسر والضم بمعنى ذهب عقله بالسّكر، ولما ذكر تعالى صفة مشروبهم ذكر عقيبه صفة منكوحهم فقال:«وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ» «قاصرات الطرف» يجوز أن يكون من باب الصّفة المشبهة أي قاصراتٌ أطرافُهن كمُنْطَلِقُ اللّسانِ، وأن يكون من باب إطلاق اسم الفاعل على أصله فعلى الأول المضاف إليه مرفوع المحل وعلى الثاني منصوبه أي قَصَرْنَ أطْرَافَهُنَّ على أزواجهن. وهو مدح عظيم قال امرؤ القيس:

4201 -

مِنَ الْقَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَو دَبّ مُحْوِلٌ

مِنَ الذِّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنْهَا لأَثّرَا

ومعنى القصر في اللغة الحبس ومنه قوله تعالى: {مَّقْصُورَاتٌ فِي الخيام} [الرحمن: 72] والمعنى أنهن يَحْبسْنَ نظرهُنَّ ولا ينظرن إلى غير أزواجهن، والعِينُ جمع عَيْنَاءَ وهي الواسعة العينين والذَّكَرُ أعْيَنُ قال الزجاج كِبَارُ الأعْين حِسَانُها يقال رَجُلٌ أَعَيْنُ، وامرأة عَيْنَاهُ، ورجالٌ ونِسَاءٌ عِينٌ.

قوله: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} والبيضُ جمع بَيْضَة وهو معروف والمراد به هنا بيض

ص: 303

النَّعَامِ، والمكنون المصون المستور من كَنَنْتُهُ أي جعلته في كِنّ والعرب تشبه المرأة بها في لونها وهو بياض مشوبٌ ببعض صُفرة والعرب تحبه.

قال امرؤ القيس:

4202 -

وَبَيْضَةِ خِذْ (رٍ) لَا يُرَامُ خِبَاؤُهَا

تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ معجلِ

كَبِكْرِ مُقَانَاةِ البَيَاضِ بصُفْرَةٍ

غَذَاهَا نَمِيرُ الْمَاءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ

وقال ذو الرمة:

4203 -

بَيْضَاءُ فِي بَرَجٍ صَفْرَاءُ فِي غَنَجٍ

كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّها ذَهَبُ

وقال بعضهم: إنما شبهت المرأة بها في أجزائها فإن البيضة من أي جهة أتيتها كانت في رأي العين مشبهة للأخرى. وهو في غاية المدح وقد لحظ هذا بعض الشعراء حيث قال:

4204 -

تَنَاسَبَت الأَعْضَاءُ فِيهَا فَلَا تَرَى

بِهِنّ اخْتِلَافاً بَلْ أَتَيْنَ عَلَى قَدْرِ

ويجمع البيض على بُيُوض قال:

4205 -

بِتَيْهَاءِ قَفْرٍ وَالْمَطِيُّ كَأّنَّهَا

قَطَا الْحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا

قال الحسن: شب (هـ) هن ببيض النّعام تكنُّها بالرِّيش عن الريح والغبار فلونها أبيض في صفرة.

ص: 304