الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يستثقل الحركات. وقد تقدم له قراءة بذلك في {يُشْعِرُكُمْ} [الأنعام: 109] و {يَنصُرْكُمْ} [محمد:
7]
وبابه.
قوله
: {يا
أيها
الذين آمنوا إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ} أي إن تنصروا دينَه وتَنْصُروا رَسُولَهُ يَنْصُرْكُمْ على عدوكم. وقيل: إنْ تنصُرُوا حِزْبَ اللهِ وفَرِيقَهُ.
قوله: {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} قرأ العامة ويثبت مشدداً. وروي عن عاصم تخفيفه من أثْبَتَ. والمعنى: ويُثَّبِّتْ أقْدَامَكُمْ عند القتال.
قوله: {والذين كَفَرُواْ} يجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: فَتَعِسُوا وأُتْعِسُوا، بدليل قوله:{فَتَعْساً لَّهُمْ} وقوله: «فتعساً» منصوب بالخبر. ودخلت الفاء تشبيهاً للمبتدأ بالشرط. وقدر الزمخشري الفعل الناصب ل «تعساً» فقال: لأن المعنى يقال تعساً أي فقَضَى تَعْساً لَهُمْ. قال أبو حيان: وإضمار ما هو من لفظِ المصدر أولى. والثاني: أنه منصوب بفعل مقدر يفسره «فَتَعْساً لَهُمْ» ، كما تقول: زَيْدٌ جَدَعاً لَهُ. كذا قال أبو حيان تابعاً للزمخشري. وهذا لا يجوز لأن «لهم» لا يتعلق ب «تَعْساً» ، إنما هو متعلق بمحذوف لأنه بيان أي أعني عنهم. وتقدم تحقيق هذا. فإن عيَّنا إضماراً من حيثُ مُطْلَقُ الدَّلالة لا من جهة الاشتغال فمُسَلَّم، ولكن تأباه عبارتُهُما وهي قولهما: منصوب بفعل مضمر يفسره «فعساً لهم» . و «أَضَلَّ: عاطف على ذلك الفعل المقدر أي أتْعَسَهُمْ وأَضَلَّ أعمالهم والتَّعْسُ ضدّ السَّعْدِ، يقال: تَعَسَ الرَّجُل بالفتح تَعْساً، وأَتْعَسَهُ اللهُ، قال مُجَمَّعٌ:
4465 -
تَقُولُ وَقَدْ أَفردْتُهَا عَنْ خَليلِهَا
…
تَعَسْتَ كَمَا أَتْعَسْتَنِي يَا مُجَمَّعُ
وقيل: تعس بالكسر عن إبي الهَيْثَم وشَمِرٍ وغيرهما. وعن أبي عبيدة: تَعسهُ واتْعَسَهُ مُتَعَدِّيَانِ، فهُما مَّما اتُّفِقَ فِيهِما فَعَلَ وأَفْعَلَ.
وقيل: التعس ضد الانتعاش، قال الزمخشري (رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى) : وتعساً له نقيض لَعَا لَهُ يعني أن كلمة» لَعَا «بمعنى انْتَعَشَ قال الأعشى:
4466 -
بِذَاتِ لَوْث عَفْرَنَاةٍ إذَا عَثَرَتْ
…
فَالتَّعْسُ أَدْنَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ لعَا
وقيل: التعْسُ الهَلَاك. وقيل التعس الجَرُّ على الوجه، والنّكْسُ الجر على الرأس.
فصل
قال ابن عباس: صَمْتاً لهم، أي بُعْداً لهم. وقال أبو العالية: سُقْطاً لهم. وقال ابن زيد: شقاءً لهم وقال الفراء: هو نصب على المصدر على سبيل الدعاء. وقيل: في الدنيا العَثْرَةُ، وفي الآخرة التَّردَّي في النار. ويقال للعاثر: تَعْساً إذا لم يريدوا قيامه
وضده لمَا إذا أرادوا قيامه. وأضل أعمالهم؛ لأنها كانت في طاعة الشيطان، وهذا زِيَادَةٌ في تقوية قُلُوبِهِمْ؛ لأنه تعالى قال: لَكُم الثباتُ ولهم الزوالُ والتَّعَثُّر.
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} يجوز أن يكون» ذلك «مبتدأ، والخبر الجار بعده، أو خبر مبتدأ مضمر، أي الأمر ذلك بسبب أنهم كرهوا. أو منصوب بإضمار فعل أي فَعَلَ بهم ذَلِكَ بسبب أنهم كرهوا فالجار في الوجْهَيْنِ الأخيرين منصوب المحل والمعنى: ذلك التعس والإضلال بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم والمراد أنهم كرهوا القرآن، أو كرهوا ما أنزل الله من بيان التوحيد فلم يعرفوا العَمَل الصَّالِحَ بل أشركوا، والشرك يحبط العمل، قال تعالى:{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] وقيل: كرهوا ما أنزل الله من بيان أمر الآخرة فلم يعملوا لها والدنيا وما فيها وما لها باطل، فأحبط الله أعمالهم.
ثم خوف الكفار فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ} أي أهلكهم.
قوله: {دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ} يجوز أن يكون حذف مفعوله، أي أهلك الله بُيُوتَهُمْ، وخرّبها عليم أو يضمن معنى «دمر» معنى سخط اله عليهم بالتدمير. وقوله:{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض} مناسب للوجه الأخير، يعني فينظروا إلى حالهم، ويعلموا أن الدنيا فانيةً.
قوله: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} أي أمثال العاقبة المتقدمة. وقيل: أمثال العقوبة. وقيلأ: التدمير. وقيل: الهلكة. والأول أولى لتقدم ما يعود عليه الضمير صريحاً مع صحة معناه.
فإن قيل: إذا عاد الضمير إلى العاقبة فكيف يكون لها أمثال؟
فالجواب: أن المراد هو العذاب الذي هو مدلول العاقبة، والألم الذي دلّت العاقبة عليه.
فصل
في المراد بقوله: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} وجهان:
أحدهما: أن المراد الكافرون بمحمد عليه الصلاة والسلام ُ.
الثَّانِي: أن المراد أمثالها في الآخرة، فيكون المراد من الكفارين مَنْ تقدّم، كأنه يقول: دَمَرَ اللهُ عليهم في الدنيا ولهم في الآخرة أمثالها.
فإن قيل: إذ كان المراد (من) الكافرين بمحمد عليه الصلاة والسلام ُ فإنهم أمثال ما كان لمن تقدمهم من العاقبة، فالأولون أهلكوا بأمور شديدة كالزَّلَازِلِ والنِّيران والرِّيَاحِ والطُّوفَانِ، ولا كذلك قوم محمد عليه الصلاة والسلام ُ.
فالجواب: يجوز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين، لكون دين محمد أظهر بسبب تقدم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عليه، وأخبارهم عنه، وإنذارهم على أنهم قتلوا وأُسِرُوا بأيدي مَنْ كانوا يَسْتَخِفُّونَهُمْ ويستضعفونهم والقتل بيد المِثللا آلم من الهلاك بسبب عام.
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين آمَنُواْ} تقدم الكلام على نظيره {وَأَنَّ الكافرين لَا مولى لَهُمْ} والمراد بالمولى هنا الناصر. ثم ذكر ما للفريقين فقال: {إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} لما بين حال المؤمنين والكافرين في الدنيا بين حالهم في الآخرة وقال: إنه يدخل المؤمن الجنة، والكافر النار. وقد تقدم أن مِنْ في قوله:«مِنْ تَحْتِهَا» تحتمل أن تكون صلة معناه تجري تحتها، ويحتمل أن يكون المراد (أن) ماءها منها لا يجري إليها من موضع آخر، يقال: هذا نهر مَنْبَعُهُ مِنْ أَيْنَ؟ يقال: من عين كذا من تحت جبل كذا.
قوله: {والذين كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنعام} أي ليس لهم هِمة إلا بطونهم وفروجهم وهم لاهون عما في غد. قيل: المؤمن في الدنيا يتزود، والكافر يتزين، والكافر يتمتع.
قوله: {كَمَا تَأْكُلُ الأنعام} إما حال من ضمير المصدر، أي يأكلون الأكل مشبهاً أكل الأنعام وإما نعت لمصدر أي أكلاً مثل أكل الأنعام.
قوله: {والنار مَثْوًى لَّهُمْ} يجوز أن تكون هذه الجملة استئنافاً. ويجوز أن تكون حالاً، ولكنها مقدرة أي يأكلون مقدار ثَوْيتهم في النار. وقال في حق المؤمن:{إِنَّ الله يُدْخِلُ} بصيغة الوعد، وقال في حق الكافر:{النار مثوى لهم} بصغية تنبىء عن الاستحقاق، لأن الإحسان لا يستدعي استحقاقاً، فالمحسن إلى من يوجد منه ما يوجب الإحسان كريم. والمعذب من غير استحقاق ظالم.
قوله: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} يريد أهل، ولذلك راعى هذا المقدر في قوله:{أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} بعدما راعى المضاف في قوله: {هِيَ أَشَدُّ} والجملة من هي ابتداء صفة لقرية. وقال ابن عطية: نسب الإخراج للقرية حملاً على اللفظ وقال: «أهلكناهم» حملاً على المعنى. قال أبو حيان: وظاهر هذا الكلام لا يَصِحّ لأن الضمير في «أهلكناهم» ليس عائداً على المضاف إلى القرية التي أسند إليه الإخراج بل على أهل القرية في قوله: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} فإن كان أراد بقوله: «حملاً على المعنى» ، أي معنى القرية في قوله:{وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} فهو صحيح، لكن ظاهر قوله: حملاً على اللفظ، وحملاً على المعنى أن يكون في مدلول واحد. وكان على هذا يبقى كأين مفلتاً غير محدَّث عنه بشيء إلا أن يتخيَّل أن {هِيَ أَشَدُّ} خبر عنه والظاهر أنه صفة لقرية. قال شهاب الدين: وابنُ عطية إنما أراد لفظ القرية من حيث الجملة لا من حيث التفسير.
فصل
لما ضرب الله لهم مثلاً بقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض} ، ولم ينفعهم مع ما تقدم من الدلائل، ضرب للنبي صلى الله عليه وسلم َ مثلاً تسلية له فقال:{وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ} أي أخرجك أهلها، قال ابن عباس: كان رجالهم أشد من أهل مكة، يدل عليه قوله:{أَهْلَكْنَاهُمْ} ولم يقل: «أهلكناها» فلا ناصر لهم كذلك يفعل بهم، فاصبر كما صبر رسلهم.
وقوله: {فلا ناصر لهم} قال الزمخشري (كيف) قال {فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} (مع) أن الإهلاك ماضٍ وقوله: {فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} للحال والاستقبال محمول على الحكاية، والحكاية كالحال الحاضر، ويحتمل أن يقال: قوله: {فلا ناصر لهم} عائد على أهل قرية محمد
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كأنه قال: أهلكنا من تقدم من أهل دينك ولا ناصر لأهل قريتك ينصرهم ويُخلِّصهُمْ مِنْ مِثْلِ ما جرى على الأولين.
فصل
قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم َ من مكة إلى الغار التفت إلى مكة، وقال: أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إلَيَّ، ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك. فأنزل الله هذه الآية.
قوله: {أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أفمن كان مبتدأ والخبر {كَمَن زُيِّنَ لَهُ} وحمل على لفظ «مَنْ» فأفرد في قوله: «سوء عمله» ، وعلى المعنى فجمع في قوله:{واتبعوا أَهْوَاءَهُمْ} . (والجملة من «اتبعوا أهواءهم» عطف على «زين» ؛ فهو صلة.
فصل
معنى قوله: «أفمن كان على بينة من ربه» أي يقين من دينه، يريد محمداً والمؤمنين، كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم) يعني عبدة الأوثان، يريد أبا جهل والمشركين.
قوله: {مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون} لما بين الفرق بين في الاهتداء والإضلال بين الفرق بينهما في مرجعهما ومآلهما.
قوله: «مثل الجنة» فيها أوجه:
أحدها: أنه مبتدأ وخبره مقدر، فقدره النضْرُ بنُ شُمَيْل: مثل الجنة ما يسمعون «فما يسمعون» خبر، و {فِيهَآ أَنْهَارٌ} مفسر له. وقدره سبيويه: فيما يتلى عليكم ثمل الجنة.
والجملة بعدها أيضاً مفسرة للمثل. قال سيبويه: المثل هو الوصف ومعناه وصف الجنة، وذلك لا يقتضي مشابهة.
الثاني: أن مثل زائدة تقديره: الجنَّةُ التي وعد المتقون فيها أنهار. ونظير زيادة مثل هنا زيادة «اسم» في قوله:
4467 -
إلَى الْحَوْلِ ثُمَ اسْمُ السَّلَام عَلَيْكُمَا.....
…
...
…
...
…
... . .
الثالث: أن مثل الجنة مبتدأ، والخبر قوله:«فيها أنهار» ، وهذا ينبغي أن يمتنع؛ إذ لا عائد من الجملة إلى المبتدأ، ولا ينفع كون الضمير عائداً على ما أضيف إليه المبتدأ.
الرابع: أن مثل الجنة مبتدأ خبره {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار} فقدره ابن عطية: أمثل أهل الجنة كمن هو خالد (في النار) (فقدر حرف الإنكار ومضافاً ليصحَّ.
وقدره الزمخشري أمثل الجنة كمن جزاؤه من هو خالد) والجملة من قوله: {فِيهَآ أَنْهَارٌ} على هذا فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: هي حال من الجنة، أي مستقرة فيها أنهار.
الثاني: أنها خبر لمبتدأ مضمر، أي هي فيها أنهار، كأن قائلاً قال: ما فكيها؟ فقيل: فيها أنهار.
الثالث: أن تكون تكريراً للصلة، لأنها في حكمها، ألا ترى إلى أنه يصح قولك:
التي فيها أنهار.
وإنما أعري قوله مثل الجنة تصوير المكابرة من أن يسوّي بين المستمسك بالبينة وبين التابع هواه، كمن يسوّي بين الجنة التي صفتها كيت وكيت وبين النار التي صفتها أن يسقي أهلُها الحَمِيم. ونظيره قوله القائل رحمه الله:
4468 -
أَفْرَحُ أَنْ اُزْرَأَ الكِرَامَ وَأَنتْ
…
أُورثَ ذَوداً شَصَائِصاً نُبْلاً
هذا كلام منكر الفرح برزية الكرام ووراثة الذود مع تَعَرِّيه من حرف الإنكار. وذكر ذلك كله الزمخشري. وقرأ علي بن أبي طالب: مِثَالُ الجَنَّةِ. وعنه أيضاً وعن ابن عباس وابن مسعود: أَمْثَالُ بالجمع.
قوله: {غَيْرِ آسِنٍ} قرأ ابن كثير: أًسِن بزنة حَذِرٍ، وهو اسم فاعل من أَسِنَ بالكسر يَأسنُ، فهو أَسِنٌ كَحَذر يحذر فهو حَذِر. الباقون آسِن بزنة ضَارِبٍ من: أَسَنَ بالفتح يأسن، يقال: أَسَنَ المَاءُ بالفتح يَأسِنُ ويَأسُنُ بالكسر والضم أُسُوناً. وكذا ذكره ثَعْلَبُ في فصيحة. فهما لغتان يقال: أسن الماء يأسن أسناً وأَجِن يَأجنُ، وأَسِنَ يَأسُنُ ويَأسِنُ، وأَجَن يَأجُنُ أُسُوناً وأُجُوناً. وقال اليَزِيدِيُّ يقال: أَسِنَ بالكسر يَأسَنُ بالفتح أَسَناً أي تغير طعمه، وأما أَسِنَ الرَّجُلُ إذا دخل بئراً فأصابه من ريحها ما جعل في رأسه دواراً فأَسِنَ بالكسر فقط قال الشاعر:
4469 -
قَدْ أَتْرُكَُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أَنَامِلُهُ
…
يَمِيدُ فِي الرُّمْحِ مَيْدَ المَائِحِ الأَسِنِ
وقرىء يَسِنٍ بالباء بدل من الهمزة. قال أبو علي: هو تخفيف أسن وهو تخفيف غريب.
قوله: {لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} صفة ل «لَبَنٍ» .
قوله: «لَذَّةٍ» يجوز أن يكون تأنيث «لَذٍّ» ولَذٌّ بمعنى لَذِيدٍ، ولا تأويلَ على هذا. ويجوز أن يكون مصدراً وصف به، ففيه التأويلات المشْهُورَة. قال ابن الخطيب: يحتمل أن يقال: ما ثَبَتَتْ لذَّتُهُ يقال: كعام لَذٌّ ولَذِيدٌ، وأَطْعِمَةٌ لَذَّة ولَذِيدَةٌ، ويحتمل أن يكون ذلك وصفاً بنفس المعنى لا بالمشتق منه كما يقال للحكيم: هو حَكِيمٌ كله، وللعاقل: هو عاقل كله. والعامة على جرِّ «لَذَّة» صفة لخمر. وقرىء بالنصب على المفعول له وهي تؤيد المصدرية في قراءة العامة. وبالرفع صفة «لأنهار» . ولم تجمع، لأنها مصدر إن قيل به وإلا فلأنها صفة لجمع غير عاقل، وهو يعامل معاملة المؤنثة الواحدة.
قوله: {مِّنْ عَسَلٍ} نقلوا في عسل التذكير والتأنيث، وجاء القرآن على التذكير في قوله:«مُصَفًّى» والْعَسَلَانُ العدو، وأكثر استعماله في الذِّئْبِ، يقال: عَسَلَ الذّئبُ والثعلب. وأصله من عسلان الرمح وهو اهتزازه، فكا، العادي يَهُزّ أعضَاءَهُ ويُحركها، قال الشاعر:
4470 -
لَدْنٌّ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ
…
فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
وكنى بالعُسَيْلَة عن الجِمَاع، لما بينهما. قال عليه الصلاة والسلام ُ:«حتى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ»
فصل
قال ابن الخطيب: اختار هذه الأنهار من الأنهار الأربعة؛ لأن المشروب إما أن يُشْرَبَ لِطَعْمِهِ أو لغير طعمه، فإن كان للطعم فالمطعوم تسعة: المُرّ والمَالِح، والحريف، والحَامِض، والعَفِصُ والقَابضُ والتّفه، والحلو، والدَّسِم. وألذها الحُلو والدَّسِم، لكن أحلى الأشياء العسل فذكره وأما أدسَمُ الأشياء فالدهن لكن الدُّسُومَة إذا تَمَحَّضَتْ لا
تطيب للأكل ولا للشرب، فإن الدّهن لا يأكل ولا يشرب في الغالب وأما اللبن ففيه الدسم الكائن في يغره وهو طيب للأكْل وبه تغذية الحيوان أولاً فذكره الله تعالى؛ وأمّا ما يشرب لغير الطَّعْم فالماء والخَمْر، فإن الخمر كريهة الطعم، لحصول التواتر بذلك، وإنما تشرب لأمر آخَر غير الطعام وأما الماء فلأن به بقاء الحيوان فذكره.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله في الخمر: {لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} ولم يقل في اللبن: لم يخبر طعمه للطاعمين ولا قال في العسل مصفًّى للناظرين؟
فالجواب: قال ابن الخطيب: لأن اللذَّةَ تختلف باختلاف الأشخاص فربَّ طعام يلتذ به شخص ويَعَافُهُ الآخر فقال: لذة للشاربين بأَسْرِهِمْ، ولأن الخمر كريهة الطعم في الدنيا، فقال لذة، أي لا يكون في خمر الآخرة كراهة طعم وأما الطعم واللون فلا يختلف باختلاف الناس، فإن الحُلْوَ والحَامِضَ وغيرهما يدركه كل أحد قد يعافه بعض الناس ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أنَّ لهم طعماً واحداً وكذلك اللون فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجةً.
قوله: {كُلِّ الثمرات} فيه وجهان:
أحدهما: أن هذا الجار صفة لمقدر، وذلك المقدر مبتدأ وخبره الجار قبله وهو «لَهُمْ» و «فيها» متعلق بما تعلق به، والتقدير: ولهم فيها زَوْجَانِ من كل الثمرات، كأنه انتزعه من قوله تعالى:{فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} [الرحمن: 52] وقدر بعضهم صِنْفٌ. والأول أليق.
والثاني: أن «مِن» مزيدة في المبتدأ.
قوله: {وَمَغْفِرَةٌ} فيه وجهان:
أحدهما: أنه عطف على ذلك المقدر لا بِقِيْدِ كونه في الجنة، أي ولهم مغفرة؛ لأَنَّ المغفرة تكون قبل دخول الجنة؛ أو بقيد ذلك. ولا بدّ من حذف مضاف حينئذ أي وبِنَعِيمِ مَغْفِرَةٍ؛ لأنه ناشىءٌ عَنِ المغفرة وهو الجنة.
والثاني: أن يجعل خبرها مقدراً على ولَهُمْ مغفرةٌ. والجملة مستأنفة، والفرق بين الوجيهن أن الوجه الذي قبل هذا فيه الإخبار ب «لَهُمْ» الملفوظ به عن شيئين، ذلك المحذوف ومغفرة. وفي الوجه الآخر الخبر جار آخر حذف للدَّلَالَةِ عَلَيْهِ.
قوله: {كَمَنْ هُوَ} قد تقدم أنه يجوز أن يكون خبراً عن: {مَّثَلُ الجنة} ، بالتأويلين
المذكورين عن ابن عطيةَ والزمخشريِّ وأما إذا لم تجعله خبراً عن «مَثَلٍ» ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: حَالُ هؤلاء المتقين كحال مَنْ هُو خَالدٌ.
وهذا تأويل صحيح. وذكر فيه أبو البقاء الأوجه الباقية فقال: وهو في موضع رفع أي حَالُهُمْ كحَالِ مَنْ هُوَ خَالدٌ فِي النَّار.
وقيل: هو اسْتِهْزَاءٌ بهم. وقيل: هو على معنى الاستفهام أي أكمنْ هُوَ خالد، وقيل: في موضع نصب أي يُشْبِهُونَ (حال) مَنْ هُو خَالدٌ فِي النَّار. انتهى.
ومعنى قوله: وقيل: هو استهزاء أي أن الإخبار بقولك: حالهم كَحَال مَنْ (هُوَ خَالِدٌ) على سبيل الاستهزاء والتهكم. قال البغوي: معناه أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار؟ .
قوله: {وَسُقُواْ} عطف على الصلة عطف فعلية على اسمية، لكنه راعى في الأول لفظ «من» فأفرد وفي الثانية معناه فجمع. والأمعاء جمع مِعًى بالقصر وهو المُصْرَانُ التي في البطن. وقد وصف بالجمع في قوله:
4471 -
…
...
…
...
…
...
…
... .......
…
...
…
. . ومَعِى جِيَاعُ
على إرادة الجنس.
فصل
الماء الحميم هو الشديد الحَرِّ تسعر عليه النار منذ خلقت إذا أُدْنِيَ مِنْهم شَوَى وُجُوَهَهُمْ، ووقعت فَروة رُؤُسِهم، فإذا شَرِبُوا قطَّع أمعاءهم فخرجت من أدبارهم جميع ما في البطن من الحَوَايَا، واحدها مِعًى.
قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} يعنى الكفار منهم من يستمع إليك يعني المنافقون يستمعون إليك فلا يسمعونه، ولا يَفْهَمُونَه تهاوناً. والضمير في قوله:«وَمِنْهُمْ» يحتمل أن يرجع إلى معنى قوله: {هُوَ خَالِدٌ فِي النار وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً} يعنى ومن الخالدين في النار قوم يستمعون إليك.
قوله
{حتى
إِذَا
خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ} قال المفسرون: حَتَّى للعطف. قالوا: والعطف بحتى لا يحسُنُ إلا إذا كان المعطوف جُزْءاً من المعطوف عَلَيْهِ إمَّا أعلاه وإما أدونه، كقولك: أَكْرَمَنِي النَّاسُ حَتَّى المَلِكُ وجاء الحُجَّاجُ حَتَى المُشَاةُ. وفي الجملة ينبغي أن يكون المعطوف متعلّقاً بالمعطوف عليه من حيث المعنى. ولا يشترط بالعطف بالواو ذلك. فوجه التعلق ههنا هو أن قوله: {حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ} يفيد معنًى واحداً في الاستماع كأنه يقول: يستمعون استماعاً بالغاً جيداً لأنهم يستمعون وإذا خرجوا يستعيدون من العلماء كما يفعله المجتهد في التعلُّم الطالب للتفهم، يفعلون ذلك استهزاء كما قال تعالى عنهم:{وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14] . ويحتمل أن يكون فعلهم ذلك لعدم فهمهم. والأول يؤيده قوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين} [الأعراف: 101] ، وقوله بعد ذلك {أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ} أي تركموا اتّباعَ الحقِّ، إما لعدم الفهم أو لعدم الاستفادة.
قوله: «آنِفاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الحال فقدَّره أبو البقاء: ماذا قال مُوْتَنِفاً؟ وقدره غيره مبتدئاً أي ما القول الذي ائْتَنَفَهُ الآن قبل انْفصاله عنه؟
والثاني: أنه منصوب على الظرف أي ماذا قال الساعة. قاله الزمخشري. وأنكره أبو حيان قال: لأنا لم نعلم أحداً عده من الظروف.
واختلفت عبارتهم في معناه؛ فظاهر عبارة الزمخشري أنه ظرف حالي كالآنَ، ولذلك فسّره بالسَّاعةِ.
وقال ابن عطية: والمفسرون يقولون: آنفاً معناه الساعة الماضية القريبة منا وهنذا تفسير بالمعنى. وقرأ البَزِّيُّ بخلاف عنه أنِفاً بالقصر. والباقون المدِّ، وهما
لغتان بمعنًى واحدٍ. وهما اسما فاعل كَحذر وحَاذِر وأَسنٍ وآسنٍ؛ إلا أنه لم يستعمل لهما فعل مُجَرَّد، بل المستعمل ائْتَنَفَ يأتَنِفُ، واستأنف يَسْتَانِفُ والأئْتناف والاسْئتِنَاف الابتداء. قال الزجاج: هو من اسْتَأنَفْتُ الشَّيْءَ أي ابْتَدَأتُهُ أي مذا قال في أول وقت يَقْرُبُ منَّا؟
فصل
روى مقاتل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم َ كان يخطب ويعيب المنافقين فإذا خرجوا من المسجدد سألوا عَبْدَ الله بن مسعود استهزاءاً ماذا قال محمد آنفاً؟ ثم قال تعالى: {أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ} فلم يؤمنوةا واتَّبعوا أهواءهم في الكفر والنفاق.
قوله: {والذين اهتدوا} يجز فيه الرفع بالابتداء والنَّصْب على الاشتغال و «تَقْوَاهُمْ» مصدر مضاف لفاعله. والضمير في «وَآتَاهُمْ» يعود على الله أو على (قَوْل) المنافقين؛ لأن قولهم ذلك ما يزيد المؤمنين تقوى. أو على الرسول والمعنى زادهم قول الرسلو هُدًى وآتاهم (تقواهم أي وفقهم للعمل بما آمر به، أو زادهم الله هدى وآتاهم الله تقواهم أو زادهم استهزاء المنافقين وآتاهم) قول المنافقين تقواهم أي ثواب تقواهم يوم القيامة.
قوله: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} يعني الكافرين والمنافقين، قال عليه الصلاة والسلام ُ: «مَا يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ إلَاّ غَنًى مُطْغِياً، أَوْ فَقْراً مُنْسِياً، أَوْ مَرَضاً
مُفْسِداً أَوْ هرَماً مُفَنِّداً، أَوْ مَوْتَا مُجْهِزاً أو الدَّجَّال، والدَّجَّال شَرٌّ غَائِبٍ يَنْتَظِرُ أو السَّاعَةُ، والسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» وسميت القيامة بالساعة لسرعة الأمور الواقعة فيها من البعث والحشر والحساب.
قوله: {أَن تَأْتِيَهُمْ} بدل من الساعة بدل اشتمال. وقرأ أبو جعفر الرؤاسيّ: إنْ تَأتِيهِمْ بإنِ الشّرطية وجز ما بعدها. وفي جوابها وجهان:
أحدهما: أنه قوله: {فأنى لَهُمْ} قال الزمخشري. ثم قال: فإن قلتَ: بم يتصل قوله: {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} على القراءتين؟ قتلُ: بإتيان الساعة اتصال العلة بالمعلول كقولك: إنْ أَكْرَمَنِي زَيْدٌ فَأَنَا حَقِيقٌ بالإكْرَامِ أكْرِمهُ.
والثاني: أن الجواب قوله: {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} وإتيان الساعة وإن كان متحقّقاً إلا أنهم عُومِلُوا معاملةَ الشَّاكِّ وحالهم كانت كذا.
قوله: {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} الأَشْراط جمع شَرْطٍ بسكون الراء وفتحها قال أبو الأسود:
4472 -
فَإنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ باِالصَّرْمِ بَيْنَنَا
…
فَقَدْ جَعَلْتِ أَشْرَاط أَوَّلِهِ تَبْدُو
والأشراط العلامات. ومنه أشراط الساعة. وأَشْرَطَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أي ألْزَمَهَا أموراً.
قال أوس:
4473 -
فَأَشْرضطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْصِمٌ
…
فَأَلْقَى بأَسْبَاب لَهُ وَتَوَكَّلَا
والشرط القطع أيضاً مصدر شرط الجلد يَشْرُطُهُ شَرْطاً.
فصل
قال سهل بن سعد: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم َ قال بإصبعه هكذا بالوْسْطَى والتي تلي الإبهام: بُعِثْتُ وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنْ» وقال عليه الصلاة السلام: «إنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أن يُرْفَعَ العِلْمُ وَيكْثُرَ الجَهْلُ ويَكْثُرَ الرِّبَا، ويَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ، ويَقِلَّ الرِّجَالُ، وتَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امرأة القيمُ الواحِدُ» وقال عليه الصلاة والسلام ُ: «إذَا ضُيِّعَتِ الأَمانَةُ فَانْتَظِر السَّاعَةَ فقيل: كَيْفَ إضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إذا وُسِّدَ الأَمْرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِر السَّاعَة» واعلم أن قوله تعالى: {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون بياناً لغاية عِنَادِهِمْ. ويحتمل أن يكون تسليةً لقلب المؤمنين كأنه تعالى لما قال: {فهل ينظرون إلا الساعة} ، فهم منه تعذيبهم، قال المفسرون: أشراط الساعةمثل انشقاق القمر، ورسالة محمد عليه الصلاة والسلام ُ.
قوله: {فأنى لَهُمْ} «أَنَّى» خبرٌ مقدم، و «ذِكْرَاهُم» مبتدأ مؤخر، أي أَنَّى لهم التذكير. وإذَا وما بعدها معترض. وجوابها محذوف أي كيف لهم التذكير إذا جاءتهم الساعة؟ فكيف تتذكرون؟ ويجوز أن يكون المبتدأ محذوفاً أي أنَّى لهم الخلاص؟ ويكون «ذِكْرَاهُمْ» فاعلاً ب «جَاءَتْهُمْ» . وقرأ أبو عمرو في رواية «بَغَتَّةً» بفتح الغين وتشديد التاء.
وهي صفة فنصبها على الحال، ولا نظير لها في الصفات ولا في المصادر، وإنما هي في الأسماء نحو: الجَرَبَّة للجماعة والشَّرَبَّة للمكان. قال الزمخشري: وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي على أبي عمرو، وأن يكون الصواب: بَغَتَةً بفتح الغين من غير تشديدٍ.
فصل
معنى الآية فمن أين لهم التَّذَكُّر والاتِّعاظ والتوبة إذا جاءتهم ذكراهم أي السّاعة نظيره: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان وأنى لَهُ الذكرى} [الفجر: 23] .
قوله: {فاعلم أَنَّهُ لَا إله إِلأ الله} وجه مناسبته لما قبله هو أنه تعالى لما قال فاعلم أنه لا
إله إلا الله أي يأتي بالساعة كما قال: {أَزِفَتِ الآزفة لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله كَاشِفَةٌ} [النجم: 5758] . وقيل: فاعلم أنَّه لا إله إلا الله ينفعك، قيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم َ والمراد غيره. وقيل: معناه فاثْبُتْ عليه. وقال الحُسَيْنُ بن الفضل: فازدَدْ علماً إلى علمك. وقال أبو العالية وابن عُيَيْنَةَ: معناه إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا مَلْجَأَ ولا مَفْزعَ عند قيامها إلا الله. ثم قال: «فَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» أمرٌ بالاستغفار من أنه مغفور له لِتَسْتَنَّ به أمته. وقيل: معنى قوله لذنبك أي لذَنبِ أهل بيتك الذي ليسوا منك بأهل بيت. وقيل: المراد النبي؛ والذنب هو ترك الأفضل الذي هو بالنسبة إليه ذنب وحسناتُنا دون ذلك. قال عليه الصلاة والسلام ُ: إنّهُ لَيُعَانُ عَلَى قَلْبِ وَإنّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ.
قوله: {وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات} هذا إكرام من الله تعالى لهذه الأمة حيث أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم َ أن يستغفر لذنوبهم {والله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} قال ابن عباس والضحاك: متقلبكم: مُنْصَرَفَكُمْ ومنْشَرَكُمْ في أعمالكم في الدنيا «ومثواكم» مصيركم في الآخرة إلى الجنة أو إلى النار. وقال مقاتل وابن جرير: متقلبكم منصرفكم لأشغالكم بالنهار ومثواكم مأواكم إلى مضاجعكم بالليل. وقال عكرمة: متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ومثواكم ومقامكم في الأرض. وقال ابن كيسان: متقلبكم من ظهر إلى بطن ومثواكم مقامكم في القبور، وقيل: معناه أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها.
قوله: {وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} أي هلَاّ. ولا التفات إلَى قول بعضهم إنَّ «لَا» زائدة. والأصل لو نزلت. والعامة على رفع محكمة لقيامها مقام الفاعل. وزَيْدُ بنُ عَلِيٍّ بالنصب فيهما على الحَالِ. والقائم مقام الفاعل ضمير السورة المتقدمة وسَوَّغ وقوعَ الحال كذا وَصْفُها كقولك: الرَّجُلُ جَاءَنِي رَجُلاً صَالِحاً وقرىْ: فَإذَا نَزَلَتْ سُورَةٌ. وقرأ زيدٌ بْنُ عَلِيٍّ وابنُ عُمَيْر «وَذَكَرَ» مبنياً للفاعل أي الله تعالى «القِتَالَ» نصباً.
فصل
المعنى ويقول الذين آمنوا حرصاً منهم على الجهاد هلا أنزلت سورة تأمرنا بالجِهاد.
واعلم أن المؤمن كان ينتظرم نزول الأحكام والتكاليف ويطلب تنزيلها وإذا تأخرت عنه التكليف كان يقول: هلا أمرت بشيء من العبادة خوفاً من أن لا يؤهل لها. وأما المنافق فإذا أنزلت السورة أو الآية وفيها تكليف فيشق عليه ذلك فحصل التَّبَايُن بين الفريقين في العلم والعمل.
والمراد بالسورة التي فيها تكليف؟ . وقوله: «مُحْكَمَةُ» أي لم تنسخ، وقال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين.
قوله: {رَأَيْتَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} يعنى المنافقين {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} شَزْراً بتحديقٍ شديدٍ كراهِيةً منهم للجهاد، وجبناً عن لقاء العدوِّ.
قوله: {نَظَرَ المغشي} الأصل نَظَراً مثل نَظَراً مثل نَظَر المَغْشِيِّ عليه من الموت كما ينظر الشاخص بصره عنْد الموت.
قوله: {فأولى لَهُمْ طَاعَةٌ} . اختلف اللّغويون وةالمُعْرِبُونَ رحمه الله عَلَيْهِمْ) في هذه اللفظة فقال الأصمعي رحمه الله : إنها فعل ماضٍ بمعنى قاربه ما يهلكه، وأنشد رحمه الله :
4474 -
فَعَادَى بَيْنَ هَادِيَتَيْنِ مِنْهَا
…
وَأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ عَلى الثَّلَاثِ
أي قارب أن يزيد.
قال ثعلب: لم يقل أحدٌ في أوْلَى أحسنت من الأصمعيِّ. وقال البغوي: معناه وَلِيَكَ وَقَرَبَك ما تكره ولكن الأكثرين على أنه اسم. ثم اختلف هؤلاء فقيل هو مشتق من الوَلْي وهو القريب كقوله:
4475 -
تُكَلِّفُنِي لَيْلَى وَقَدْ شَطَّ وَلْيُهَا
…
وَعَادَتْ عَوَادٍ بَيْنَنا وَخُطُوبُ
وقيل: هو مشتق من الوَيْل والأصل فيه أوئل. فقلبت العين إلى ما بعد اللام فصار وزنه أفلع. وإلَى هذا نحا الجُرْجَانيّ والأصل عدم القلب وأما معناها فقيل: هي تهديد ووعيد كقوله:
4476 -
فَأَوْلَى ثُمَّ أَولَى ثُمَّ أَوْلَى
…
وَهَلْ لِلدَّرِّ يُحْلَبُ مِنْ مَرَدِّ
وقال المبرد: يقال لمن هم بالغضب: أولى لك كقول أعرابيِّ كان يوالِي رمي الصيد فيفلت منه فيقول: ِأَوْلَى لَكَ. ثم رمى صيداً فَقَارَبَهُ فأفلت منه فقال (رَحْمَةُ الله عليه ورِضَاهُ) :
4477 -
فَلَوْ كَانَ أَوْلَى يُطْعِمُ الْقَوْمَ صِدْتُهُمْ
…
وَلَكِنْ أَوْلَى يَتْرُكُ الْقَوْمَ جُوَّعَا
هذا ما يتعلق باشتقاقه ومعناه.
وأما الإعراب فإن قلنا بقول الجمهور ففيه أوجه:
أحدهما: أن «أولى» مبتدأ (و)«لهم» خبره تقديره: فالهلاك لهم. وسوغ الابتداء بالنكرة كونهُ دُعَاء نحو: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهمزة: 1] .
الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره: العِقَابُ أو الهَلاك أَوْلَى لهم. أي أقرب واَدْنَى. وقال ابنُ الخطيب: التقدير: فالموت أولى لهم؛ لأنَّ الموت سبق ذكره في قوله: {نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت} ، وذلك أن الحياة في طاعة الله ورسوله خير منها. ويجوز أن تكون اللام بمعنى الباء أي أولى وأحق بِهِمْ.
الثالث: أنه مبتدأ و «لهم» متعلق به، واللام بمعنى الباء. و «طاعة» خبره التقدير: أولى بهم طاعة دون غيرها.
وإن قلنا بقول الأصمعي فيكون فعلاً ماضياً، وفاعله مضمر يدل عليه السِّيَاق، كأنه قيل: فأولى هو أي الهلاك.
وهذا ظاهر عبارة الزمخشري حيث قال: ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه. وقال ابن عطية: المشهور من استعمال العرب أنك تقول: هذا أولى بك من هذا، أي أحق. وقد تستعمل العرب «أولى لك» فقط على جهة الحذف والاخْتِصَار؛ لما معها من القول فتقول: أولى لك يا فلان على جهة الزجر والوعيد. انتهى.
وقال أبو البقاء: أَوْلَى مؤنثة أَوْلاة. وفيه نظر؛ لأن ذلك إنما يكون في التذكير والتأنيث الحقيقيين؛ أما التأنيث اللفظي وفلا يقال فيه ذلك. وسيأتي له مزيد بيان في القيامة إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
قوله: {طَاعَةٌ} فيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر «أَوْلَى» على ما تقدم.
الثاني: أنها صفة «لِسُورَة» أي فإذا أنزلت سُورَةٌ محكمة «طاعة» أي ذات طاعة أو مطاعة. ذكره مكي، وأبو البَقَاءِ. وفيه بُعْد لكثرة الفواصل.
الثالث: أنها مبتدأ و «قَوْل» عطف عليها والخبر محذوف تقديره: أَمْثَلُ لَكُمْ مِنْ غَيْرِهِمَا. وقدّر مَكِّيٌّ منَّا طاعةٌ فقدّره مقدَّماً.
الرابع: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي أمْرُنَا طَاعَةٌ.
الخامس: أن لهم خبر مقدم وطاعة مبتدأ مؤخر. والوقف والابتداء يُعْرَفَانِ مما تقدم.
فصل
قال المفسرون: قوله: طاعة وقول معروف ابتداء محذوف الخبر، تقديره طاعة وقول معروف أمثل، أي لو أطاعوا وقالوا قولاً معروفاً كان أمثل وأحسن. وساغ الابتداء بالنكرة، لأنها وُصِفَتْ بدليل قوله:{وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} فإنه موصوف فكأنه تعالى قال: كاعة مخلصةً وقولٌ معروف خير. وقيل: يقول المنافقون قبل نزول السورة المحكمة طاعة رفع على الحكاية أي أمرنا طاعة، أو منا طاعة وقول معروف: حسن.
وقيلأ: «متَّصل» . واللام في قوله: «لَهُمْ» بمعنى الباء أي فأولى بهم طاعة الله ورسوله وقول معروف بالإجابة، أي لو أطاعوا الله كانت الطاعة والإجابة أولى بهم. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عَطَاءٍ.
قوله: {فَإِذَا عَزَمَ الأمر} في جوابها ثلاثة أوجه:
أحدهما: قوله: {فَلَوْ صَدَقُواْ} نحو: إذَا جَاءنِي طَعَامٌ فَلَوْ جِئْتَنِي أَطْعَمْتُكَ.
الثاني: أنه محذوف تقيدره: فَاصْدُقْ، كذا قدره أبو البقاء.
الثالث: أن تقديرنا ناقضوا. وقيل: تقديره كرهوا ذلك. وعَزَمَ الأمْر على سبيل الإسناد المجازي كَقوله:
4478 -
قَدْ جَدَّتِ الْحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا
…
أو يكون على حذف مضاف أي عَزَمَ أَهْلُ الأمر. وقال المفسرون: معناه إذا جدَّ الأمر ولزم فرض القتال خالفوا وتخلفوا فلو صدقوا لله في إظهار الإيمان والطاعة لكان
خيراً لهم. وقيل: جواب إذا محذوف تقديره فإذا عزم الأمر لكلُّوا أو كذبوا فيما وعدو ولو صدقوا لكان خيراً لهم.
قوله: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} أي فلعلكم إن توليتم أعرضتهم عن القرآن وفارقتم أحكامه {أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض} ، تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية تفسدوا في الأرْضِ بالمعيصية والبَغْي وسَفْكِ الدماء وترجعون إلى الفُرْقة بعدما جمعكم الله بالإسلام!
قوله: {أَن تُفْسِدُواْ} خبر عسى.
والشرط مُعْتَرِضٌ بينهما وجوابه محذوف لدلَالَةِ: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ» عليه أو هو يفسره «فَهَلْ عَسَيْتُمْ» ، عند من يرى تقديمه.
وقرأ علي رضي الله عنه «إن تُوُلِّتُمْ» بضم التاء والواو وكسر اللام مبنياً للمفعول من الولاية أي وُلِّيتم أمور الناس. وقال ابن الخطيب: لولا تولَاّكم ولاةٌ ظلمة، جُفاة غَشَمَة ومشيتم معهم لفسدتم وقعطت الأرحام والنبي عليه الصلاة والسلام ُ لا يأمركم إلا بصلة الأرحام فلم تتقاعدون عن القتال؟! . والأول أظهر ومعناه إن كنتم تتركون القتال وتقولون فيه الإفساد، وقطع الأرحام وكون الكفار أقاربنا فلا يقع منكم إلا ذلك، حيث تَتَقَتَلُونَ على أدنى شيءٍ كما كان عادة العرب الأُوَل. (وقرى: وُليتم من الولاية أيضاً) .
فصل
قال ابن الخطيب: في استعمال «عسى» ثلاثة مذاهب:
أحدها الإتيان بها على صورة فعل ماض معه فاعل تقول: عَسَ زَيْدٌ، وعَسَيْنَا وعَسَوْا، وعَسَيْتُمَا، وعَسَيْتُ وعَسَيْتُنَّ وعَسَيْنَا وعَسَيْتُنَّ.
والثاني: أن يؤتى بها على صورة فعل ومفعول يقال: عَسَاهُ، وعَسَاهُمَا، وعَسَاكَ، وَعَسَاكُمَا وعَسَايَ وعَسَانَا.
الثالث: الإتيانُ بها من غير أن يُقْرَن بها شيء تقول: عَسَى زَيْدٌ يَخْرُجُ، وعَسَى أَنْتَ تَخْرُجُ، وعَسَى أَنَا أخْرُجُ، والك متوجه ما عليه كلام الله أوجه، لأن «عسى» من الأفعال الجامدة، واقتران الفاعل بالفعل الأول من اقتران المفعول، لأن الفاعل كالجزء من الفعل ولهذا لم يجوزوا فيه أرْبَعَ متحركات في مثل قول القائل: بَصُرْتُ وجوزوا في مثل قولنا: بَصَرُكَ. وقد تقدم الكلام في «عسى» مشْبَعاً.
وفي قوله: «عَسَيْتُم» إلى آخره، التفات من غيبة في قوله:{الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} إلى خطابهم بذلك زيادة في توبيخهم والاستفهام للتقرير المؤكد فإنه لو قال على سبيل الإخبار: «عَسَيْتُمْ إنْ» لكان للمخاطب أنينكره فإذا قال بصيغة الاستفهام فإنه يقول: أنا أسألك عن هذا وأنت لا تقدر (أن) تجيب إلا ب «لا» أو «نَعَمْ» ، فهو مُقَرَّر عندك وعندي.
واعلم أن «عَسَى للتوقع والله عالم بكل شيء والكلام فيه كالكلام في» لَعَلَّ «وفي قوله: {لِّيَبْلُوَكُمْ} [المائدة: 48] فقال بعضهم: يفعل بكم فعل المترجِّي والمبتلي والمتوقع. وقيل: كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك. وقال ابن الخطيب: هو محمول على الحقيقة؛ لأن الفعل إذا كان في نفسه متوقعاً فالنظر غير مستلزم لأمر، وإِنما الأمر يجوز أن يحصل منه تارة، ولا يحصل منه أخرى يكون الفعل لذلك الأمر المطلوب على سبيل الترجِّي سواء كان الفاعل يعلم حصول الأمر منه أو لم يعلم مثاله من نَصَبَ شَبَكةً لاصطياد الصَّيد يقال: هو متوقع لذلك، فإن حصل له العمل بوقوعه فيه بأخبار صادقٍ أنه سيقع أو بطريق أخرى لا يخرج عن التوقع.
غاية ما في الباب أن في الشاهد لم يحصل لنا العلم فيما نتوقعه فظن أن عدم العلم لازم للتوقع فليس كذلك بل التوقع
هو المنتظر بأمر ليس بواجب الوقوع نظراً إلى ذلك الأمر حسب سواء كان له به علم أو لم يكن.
قوله: {وتقطعوا} قرأ العامة بالتشديد على التكثير، وأبو عمرو في رواية وسلام ويعقوب: بالتخفيف مضارع قَطَع. والحَسن: بفتح التاء والطاء مشددة، أصلها تَتَقَّطُعُوا بتاءين حذفت إحداهما. وانتصب «أَرْحَامَكُم» على هذا إسقاط الخافض أي في أرْحَامِكُمْ.
قوله: «أُلَئِكَ» مبتدأ، والموصول خبره والتقدير: أولئك المفسدون يدل عليه ما تقدم. وقوله: «فَأَصَمَّهُمْ» ولم يقل: «فَأَصَّم آذَانَهُمْ» و «أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ» ولم يقل أعمارهم، قيلأ: لأنه لا يلزم من ذهاب الإذن ذهاب السمع فلم يتعرض لها، والأبصار وهي الأعين يلزم من ذهابها ذهاب الإبْصار ولا يرد عليك قوله:{وفي آذَانِهِمْ وَقْراً} ونحوه [الأنعام: 25] و [الإسراء: 46] و [الكهف: 57] لأنه دون الصَّمَم والصَّممُ أعظم منه فقال: أصمهم من غير ذكر الأذن، وقال:«أعْمَى أبْصَارَهُمْ» مع ذكر العين؛ لأن البَصَرَ ههنا بمعنى العين ولهذا جمعه بالأبْصار ولو كان مصدراً لما جمع، فلم يذكر الأذن؛ إذْ لَا مَدْخَلَ لها في الإصمام وذكر العين، لأن لها مدخلاً في الرُّؤية، بل هي الكل بدليل أنه الآفة في غير هذا الموضع لما أضافها إلى الأذن سماها وقراً فقال تعالى
حاكياً عنهم: {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} [فصلت: 5] والوَقْر دون الصَّمَم.
فصل
{أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله} إشارة إلى من سبق ذكرهم من المنافقين، أبعدهم الله عنه أةو عن الخبر الخير فأصمهم لا يسمعون الكلام المبين وأعمى أبصارهم عن الحق.
قوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرآن} فيه سؤال وهو أنه تعالى قال: فأصمهم وأعمى أبصارهم فيكف يمكنهم التدبر في القرآن وهو كقول القائل الأعمى أَبْصِر وللأصمّ أسْمَعْ؟! .
فالجواب من ثلاثة أوجه مترتبة بعضها أحسن من بعض:
الأول: تكليفه ما لا يطاق جائز والله أمر من علم منه أنه لايؤمن بأن يؤمن فلذلك جاز أين يُصِمَّهم ويعميهم ويذمَّهم على ترك التدبر.
الثاني: أن قوله: {أفلا يتدبرون القرآن} المراد منه الناس.
الثالث: أن يقال: هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المقتدمة كأنه تعالى قال: {أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله} أي أبعدهم عنه أو عن الصدق أو الخير أو غير ذلك من الأمور الحسنة فأصمهم لا يسمعون حقيقة الكلام وأعماهم لا يتبعون طريقة الإسلام، فإِذَنْ هم بين أمرين إما لا يتدبرون القرآن فيبعدون منه، لأن الله لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق والقرآن منهما هو الصّف الأعلى بل النوع الأشرف وإما يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مُقْفَلَةً تقديره: أفلا يتبدون القرآن لكونهم ملعونين مُبْعَدِينَ {أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} فيتدبرون ولا يفهمون؛ وعلى هذا لا يحتاج إلى أن يقول: أم بمعنى «بل» بل هي على حقيقتها للاستفهام واقعة والهمزة أخذت مكانها وهو الصدر.
وقيلأ: أم بمعنى بل. والمعنى بل على قلوب أقفالها فلا تفهم مواعظ القرآن وأحكامه روى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عن أبيه قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم َ أفلا يتبدرون القرآن أم على قلوب أقفالها فقال شباٌّ من أهل اليمن بل على قولب أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عُمَرَ حتى وَلِيَ فاستعان به» .
قوله: {أَمْ على قُلُوبٍ} أم منقطعة وتقدم الكلام على «أم» منقطعة. وقرأ العامة: «
أقْفَالُها» بالجمع على أَفْعَالٍ. وقرىء أَقْفُلُهَا (بالجمع) على أفْعل. وقرىء إِقْفَالُهَا بكسر الهمزة مصدراً كالإقبال. وهذا الكلام استعارة بليغة قيل: ذلك عبارة عن عدم وصول الحق إليها.
فإن قيل: ما الفائدة في تنكير القلوب؟ .
فقال الزمخشري: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون للتنبيه على كون موصوفاً لأن النكرة بالوصف أولى من المعرفة فكأنه قال: أمْ عَلَى قُلُوبٍ قاسيةٍ أو مظلمةٍ.
الثاني: أن تكون للتبعيض كأنه قال: أم على نفس القلوب؛ لأن النكرة لا تَعُمُّ، تقول: جاءني رجالٌ فيُفْهَمُ البعض وجاءني الرجال فيُفْهَم الكل. والتنكير في القلوب للتنبيه على الإنكار الذي في القلوب وذلك لأن القلب إذا كان عارفاً كان معروفاً، لأن القلب خلق للمعرفة فإذا لم يكن فيه المعرفة فكأنه لا يعرف قلباً، فلا يكون قلباً يعرف، كما يقال للإنسان المؤذي: هذا ليس بإنسان فكذلك يقال: هذا ليس بقلبٍ هذا حجر.
وإذا علم هذا فالتعريف إما بالألف واللام وإما بالإضافة بأن يقال: على قلوبهم أقفالها أو هي لنعدم عَوْد فائدة إليهم كأنها ليست لهم.
فِإن قيل: قد قال تعالى: {خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ} [البقرة: 7] وقال: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} [الزمر: 22] .
فالجواب: الإقفال أبلغ من الختم، فترك الإضافة لعدم انتفاعهم رأساً.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله: «أقْفَالُهَا» بالإضافة ولم يقل: أقفال كما قال: قُلُوبٍ؟ .
فالجواب: لأن الأقفال كأنها ليست إلا لها ولم تضف القلوب إليهم لعدم نفعها إياهم وإضافة الأقْفال إليها لكونها مناسبةً لها. أو يقال: أراد به أقفالاً مخصوصة هي أقفال الكُفْر والعِنَادِ.
قوله: {إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ} رجَعُوا كفاراً {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى}
قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب كفروا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم َ بعدما عرفوه ووجدوا نعتَه في كتابهم. وقال ابن عباس والضحاك والسدي: هم المنافقون.
قوله: {الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ} أي زين لهم القبيحَ. وهذه الجملة خبر: {إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ} وتقدم الكلام على سَوَّلَ معنًى واشتقاقاً. وقال الزمخشري هنا: وقد اشتقه من السَّؤلِ من لا عِلْمَ له بالتصريفِ والاشتقاق جميعاً. قال شهاب الدين: كأنه يشير إلى ما قاله ابْنُ بَحْر من أن المعنى أعطاهم سُؤْلَهُمْ. ووجه الغلط فيه أن مادة السّول من السؤال بالهمز ومادة هذا بالواو فافْتَرَقَا، فلو كان على ما قيل لقيل سأَّل بتشديد الهمزة لا بالواو. وفيما قال الزمخشري نظر؛ لأن السؤال له مادتان سأل بالهمزة وسال بالألف المنقلبة من واو. وعليه قراءة:«سَالَ سَائِلٌ» وقوله:
4479 -
سَأَلَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللهِ فَاحِشَةً
…
ضَلَّتُ هُذَيْلٌ بِمَا سَالَتْ وَلَمْ تُصِبِ
وقد تقدم هذا في البقرة مستوفًى.
قوله: {وأملى لَهُمْ} العامة على أملي مبنياً للفاعل وهو ضمير الشيطان. وقيل: هو للباري تَعَالى. قال أبو البقاء: على الأول: يكون معطوفاً على الخبر. وعلى الثاني: يكون مستأنفاً. ولا يلزم ماقاله بل هو معطوف على الخبر في كلا التقديرين أخبر عنهم بهَذَا وبهَذَا.
وقرأ أبو عمرو في آخرين أُمْلِيَ مبنياً للمفعول. والقائم مقام الفاعل الجار.
وقيل: القائم مقامه ضمير الشيطان ذكره أبو البقاء. وقرأ يعقوبُ وسلَاّمٌ ومجاهد وأُمْلِي بضم الهمزة وكسر اللام وسكون الياء فاحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون مضارعاً مسنداً لضمير المتكلم أي وأملي أنا لهم، وأن
يكون ماضياً كقراءة أبي عمرو سكنت ياؤه تخفيفاً وقد مضى منه جملة.
فصل
قال المفسرون: سَوَّلَ لَهُمْ سَهَّل لهم. وأَمْلَى لهم أي مد لهم فِي الأمل يعني قالوا: نعيش أياماً ثم نؤمن به وهو معنى قوله: {وأملى لَهُمْ} .
فإن قبل: الإِملاء والإِمهال وَحَدُّ الآجال لا يكون إِلا من الله فكيف يصح قراءة من قرأ: وأملى لهم فإن المملي حينئذ هو الشيطان؟ .
قال الخطيب: فالجواب من وجهين:
أحدهما: هو أن المسوِّل أيضاً ليس هو الشيطان وإنما إسند إليه من حيث إن الله قد ر على يده ولسانه ذلك، فكذلك الشيطان يمسهم ويقول لهم: في آجالكم فَسْحَةٌ فتمتعوا برئاستكم ثم في آخر العمل تؤمنون.
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} يعني المنافقين أو اليهود قالوا: {لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ الله} وهم المشركون أي ذلك الإملاء لا يسبب قولهم الذين كرهوا. قال الواحدي.
وقيل: ذلك إشارة إلى التسويل. ويحتمل أن يقال: ذلك إشارة للارتداد بسبب قولهم: سنطيعكم قاله ابن الخطيب. قال: لأنا نبين أن قوله: «سنطيعكم ف يبعض الأمور» هو أنه قالوا نوافقكم على أن محمداً ليس بمرسل وإنما هو كذاب ولكن لا نوافقكم على إِنكار الرسالة والحشر والإشراك بالله من الأصنام ومن لم يؤمن بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم َ فهو كافر وإن آمن بغيره. لا بل نؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام ُ ولا نؤمن بالله ولا برسله ولا بالحشر، لأن الله تعالى كما أخبر عن الحشر وهو جائز أخبر عن نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم َ وهِيَ جائزة.
وقال المفسرون: إِن اليهود والمنافقين قالوا للذين كرهوا ما نزل الله وهم المشركون سنطيعكم في بعض الأمور في التعاون على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم َ والقعود عن الجهاد. وكانوا يقولونه سراً فقال الله تعالى: {والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} .
وقوله: «إسْرَارَهُمْ» قرأ الأخوان وحفص بكسر الهمزة مصدراً. والباقون بفتحها جمع سِرّ.
قوله: «فكيف» إما خبر مقدم، أي فيكف عمله بأسرارهم إذا توفتهم الملائكة.
وإما منصوب بفعل محذوف أي فكيف تصنعون وإما خبر «لكان» مقدرة أي فكيف يكونُون؟ والظرف معمول لذلك المقدر وقرأ الأعمش: «تَوَفَّاهُمْ» دون تاء، فاحتملت وجهين: أن يكون ماضياً كالعامة، وأن يكون مضارعاً حُذفت إحدى تائيه.
قوله: «يَضْرِبُون» حال إما من الفاعل وهو الأظهر أو من المعفول.
فصل
قال ابن الخطيب: الأظهر أن قوله: {والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} أي ما في قلوبهم من العلم بصدق محمد صلى الله عليه وسلم َ فإنهم كانوا مكابرين معاندين وكانوا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم َ كما يعرفون أبناءهم ويؤيده القراءة بكسر الهمزة فإنهم كانوا يُسِرُّونَ نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ُ وإن قلنا: المراد من الذين ارتدّوا هم المنافقون فكانوا يقولون للجاحدين من الكفار سنطيعكم في بعض الأمور كانوا يرون أنهم إن غلبوا انقلبوا كما قال الله: {وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} [العنكبوت: 10] وقال تعالى: {فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب: 19] . وقوله: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} كأنه تعالى قال: هَبْ أنهم يسرون والله لا يظهره اليوم فكيف يبقى مخفياً وقت وفاتهم؟ {أو نقول: لما قال الله تعالى: والله يعلم إسرارهم أنهم يختارون القتال لما فيه من الضرب والطعن مع أنه مفيد على الوجهين جميعاً إن غَلبوا في الحال والثواب في المآل، وإن غُلبوا فالشهادة والسعادة، فكيف حالهم إذا ضرب وجوههم وأدبارهم؟} .
وعلى هذا فيه لطيفة وهي أن القتال في الحال إن أقدم المبارز قد يهزم الخَصْم ويسلم وجهه وَقَفاهُ وإن لم يهزمه فالضرب على وجهه إن ثَبَتَ وصَبَرَ وإن يثبت وانهزم فإنه فاته بالهرب فقد سلم وجهه وقفَاه وإن لم يفته فالضرب على فقاه لا غير ويوم الوفاة لا نُصْرة له ولا مفرّ، فوجهه وظهره مضروب مطعون فيكف يحترز عن الأذى ويختار العذاب الأكبر؟ ّ.
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتبعوا مَآ أَسْخَطَ الله} أي ذلك الضرب بأنه اتبعوا ما أسخط الله. قال ابن عباس رضي الله عنهما بما كتموا التوراة وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم َ وكرهوا ما فيه رضوان الله وهو الطاعة والإيمان. وقيل: المراد بما أسخط الله الكفر لأن الإيمان يرضيه لقوله تعالى: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الكفر وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] . وقيل: بما أسخط الله هو تسويل الشيطان.
فإن قيل: هم ما كانوا يكرهون رضوان الله بل كانوا يقولون: إن الذي هم عليه رضوان الله ولا نطلب به إلا رضى الله وكيف (لا) والمشركون بإشراكهم كانوا يقولون إنا نطلب رضى الله كما قالوا: {لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى} [الزمر: 3] وقالوا:
{فَيَشْفَعُواْ لَنَآ} [الأعراف: 53] .
فالجواب: معناه كرهوا ما فيه رضى الله. وفيه قوله: {مَآ أَسْخَطَ الله} ولم يقل: «ما أرضى الله» لطيفة وهي أن رحمة الله سابقة، فله رحمة ثانية وهي منشأ الرضوان وغضب الله متأخر، فهو يكون على ذبن، فقال «رضوانه» لأنه من وصف ثابت لله سابق. ولم يقل «سَخِطَ الله» بل قال «أَسْخَطَ» إشارة إلى أن السخط ليس ثبوته كثبوت الرضوان ولهذا المعنى قال في اللَّعَان في حق المرأة:{والخامسة أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ الصادقين} [النور: 9] يقال: غضب الله مضافاً لأن لعانه قد سبق فظهر الزنا بقوله وإيمانه وقبله لم يكن غضب فرضوان الله أمر يكون منه الفعل وغضب الله أمر يكون من فعله.
قوله: «فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ» حيث لم يطلبوا رضا الله وإنما طلبوا رِضَا الشيطان والأصنام. قوله: {أَمْ حَسِبَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} يعني المنافقين و «أم» تستدعي جملة أخرى استفهامية يقال: أَزيدٌ فِي الدَّارِ أَمْ عَمْرٌو وإذا كانت منقطعة لا تستدعي ذلك؛ يقال: إنَّ هذا لزيدٍ أم عمرو وكما يقال: بل عمرو. والمفسرون على أنها مقطعة. ويحتمل أن يقال: إنها استفهامية والسابق مفهوم من قوله تعالى: {والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} . وكأنه تعالى قال: (أم) حسب الذين كفروا وأن لم يعلم الله إسرارهم أم حسب المنافقون أن لن يظهرها. والكل فاسد فإنما يعلمها ويظهرها.
قوله: {أَن لَّن يُخْرِجَ الله أَضْغَانَهُمْ} الإخراد بمعنى الإظهار، أي لن يظهر أحقادهم و «أن» هذه مخففة. و «لن» وما بعدها خبرها واسمها ضمير الشأن. والأَضْغَانُ جمع ضغْنٍ وهي الأَحْقَادُ والضَّغِينَةُ كذلك. قال رحمه الله :
4480 -
وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ الوُدَّ عَنْهُ
…
وَكُنْتُ عَلَى إِسَاءَتِهِ مُقِيتَا
وقال عمرو بن كلثوم:
4481 -
وَإِنَّ الضِّغْنَ بَعْدَ الضَّغْنِ يَعْسُو
…
عَلَيْكَ وَيُخْرِجُ الدَّاءَ الدَّفِينَا
وقيلأ: الضغن العداوة وأنشد:
4482 -
قُلْ لابْنِ هِنْدٍ مَا أَرَدْتَ بِمَنْطِقٍ
…
سَاءَ الصَّدِيقَ وَشَيَّدَ الأَضْغَانَا
يقال: ضَغِنَ بالكسر يَضْغَنُ بالفتح وقد ضَغِنتَ عليه وأضْغَنَ القَوْمُ وتَضَاغَنُوا.
وأصل المادة من الألتواء في قوائم الدّابة والقناة، قال (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ) :
4483 -
إنَّ قَنَاتِي مِنْ صَليباتِ القَنَا
…
مَا زَادَهَا التَّثْقِيفُ إِلَاّ ضَغَنَا
وقال آخر:
4484 -
…
...
…
...
…
...
…
... .
…
كَذَاتِ الضَّغْنِ تَمْشِي فِي الرِّقَاقِ
والاضطغَانُ الاحتواء على الشيء أيضاً ومنه قولهم: اضطَغَنْتُ الصَّبِيَّ إِذَا احتضنته وأنشد:
4485 -
كَأَنَّه مُضْطَغِنٌ صَبِيًّا
…
وقال الآخر:
4486 -
وما اضطَغَنْتُ سِلَاحِي عِنْدَ مَعْرَكِهَا.....
…
...
…
...
…
...
…
... .
وفرسٌ ضَاغِنٌ لا يجري إِلَاّ بالضَّرْبِ.
فصل
قال المفسون: أضغانهم أحقادهم على المؤمنين فيُبْدِيها حتى تعرفوا نفاقهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما أضغانهم حَسَدَهُمْ.
قوله: {وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ} من رؤية البصر؛ وجاء على الأفصح من اتصال الضميرين ولو جاء على أرينك إياهم جاز. وقال ابن الخطيب: الإرَاءَةُ هنا بمعنى التعريف.
قوله: «فَلَعَرَفْتَهُمْ» عطف على جواب «لو» وقوله: «وَلَتَعْرفنَّهُمْ» جواب قسم محذوف.
قال المفسرون: معنى الكلام: لأريناكهم أي لأعلمناكهم وعَرَّفْنَاكَهُمْ فَلَتَعْرِفَنَّهُمْ بِسِيماهُمْ: بعلامتهم. قال الزجاج: المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة تعرفهم
بها. قال «أنس» : فأخفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم.
قوله: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول} أي في معناه ومقصده. واللحن يقال باعتبارين:
أحدهما: الكناية بالكلام حتى لا يفهمه غير مخاطبك. ومنه قول القَتَّال الكِلَابي رحمه الله في حكاية له:
4487 -
وَلَقَدْ وَحَيْتُ لكيْمَا تَفَهْمُوا
…
وَلَحَنْتُ لَحْناً لَيْسَ بِالْمُرْتَابِ
وقال آخر:
4488 -
وَمَنْطِقٌ صَائِبٌ وَتَلْحَن أحْيَاناً
…
وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنَا
واللَّحْنُ: صرف الكلام من الإعراب إلى الخطأ. وقيل يجمعه هو والأول صرف الكلام عن وجهه. يقال من الأول: لَحَنْتُ بفتح الحاء أَلْحَنُ له فَأَنَا لَاجِنٌ. وأَلْحَنْتُ الكَلَامَ أَفْهَمْتُهُ إياه فَلحِنَهُ بالكسر أي فهمه فهو لاحن. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم َ: «وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ» .
ويقال من الثاني: لَحِنَ بالكسر إذا لم يُعْرب لهو لَحِنٌ.
فصل
معنى الآية أنك تعرفهم فيما يُعَرّضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين والاستهزاء بهم، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي صلى الله عليه وسلم َ إلا عَرَفَهُ بقوله ويستدل بفحوى كلامه على فساد دَخْلَتِهِ. قال ابن الخطيب: معنى الآية لن يُخْرِجَ الله أضغانهم أي
يُظْهِرَ ضمائرهم ويُبْرِزَ سرائرهم، وكأن قائلاً قال: فِلمَ لَمْ يُظْهر؟ فقال: أخرناه لمحْض المشيئة لا لخوف منهم ولو نشاء لأريناكم أي لا مانع لنا والإراءة بمعنى التعريف.
وقوله: «فَلَعَرفتهُمْ» لزيادة فائدة وهي أن التعريف قد يطلق ولا يلزم منه المعرفة يقال: عَرَّفْتُهُ ولَمْ يَعْرِف وفَهَّمْتُهُ ولَمْ يَفْهَمْ فقال ههنا: فَلَعَرَفْتَهُمْ يعني عَرَّفْنَاهُمْ تَعْرِيفاً تعرفهم به إشارة إلى قوة التعريف. واللام في قوله: «فلعرفتهم» هي التي تقع في خبر «لو» كما في قوله: «لأَرَيْنَاكَهُمْ» أدخلت على المعرفة إشارة إلى المعرفة المرتبة على المشيئة كأنه قال: ولو نشاء لعرفتهم لتفهم أنَّ المعرفة غير متأخرة عن التعريف فتفيد تأكيد التعريف أي لو نشاء لعرفنانك تعريفاً معه المعرفة لا بعده. وقوله: {فِي لَحْنِ القول} أي في معنى القول حيث يقولون ما معناه النفاق، كقولهم حين مجيء النصر:{إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} [العنكبوت: 10] وقولهم: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة} [المنافقون: 8] وقولهم: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} [الأحزاب: 13] ويحتمل أن يكون المراد قولهم ما لم فأمالوا كلامهم كما قالوا: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُون} [المنافقون: 1] .
ويحتمل أن يكون المراد من لَحْنِ القَوْل هو الوجه الخفي من القول الذي يفهمه النبي عليه الصلاة والسلام ُ ولا يفهمه (غيره.
فالنبي عليه صلى الله عليه وسلم َ كان يعرف)
المنافقين ولم يظهر أمرهم، لى أن أذن الله له في إظهار أمرهم، ومنع من الصلاة على جنائزهم، والقيام على قبورهم.
«بِسيماهُمْ» الظاهر أن المراد أنه تعالى لو شاء لجعل على وجوههم علامة أو يسمخهم كما قال: {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ} [يس: 67] . وروي أن جماعة منهم أصبحوا وعلى جباههم مكتوب هذا منافقٌ ثم قال تعالى: {والله يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} وهذا وعد للمؤمنين وبيان لكون حالهم بخلاف حال المنافقين.
قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ
…
وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} قرأ أبو بكر الثلاثة بالياء من أسفل يعني الله تعالى. والأعمش كذلك وتسكين الواو (والباقون بنون العظمة. ورُوَيْسٌ كذلك وتسكين الواو والظاهر قطعة عن الأوّل في قراءة تسكين الواو) ويجوز أن يكون سكن الواو تخفيفاً كقراءة الحسن: {أَوْ يَعْفُوَاْ الذي} [البقرة: 237] بسكون الواو.
فصل
المعنى: لنُعَامِلَنَّكُمْ معالمة المختبر بأن نأمركم بالجهاد والقتال {حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين} أي علم الوجود والمشاهدة فإن تعالى قد علمه علم الغيب يريد نبين المجاهد الصابر على دينه من غيره وقوله: {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} أي يظهرها ويكشفها بإباء من يأبى القتال ولا يَصْبِرُ على الجهاد.
قوله: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله وَشَآقُّواْ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى} قيل: هم أهل الكتاب قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ لأن أهل الكتاب تبين لهم صدق محمد صلى الله عليه وسلم َ وقيل: هم كفا رقريش. {لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً} إنما يضرون أنفسهم وهذا تهديد {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} فلا يُبْقي لهم ثواباً في الآخرة. قال ابن عباس رضي الله عنهما هم المُطْعمُونَ يوم بدر. نظيرها قوله تعالى: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله} [الأنفال: 36] وقيل: الأعمال ههنا مكايدهم في القتال.
قوله: {يا أيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلَا تبطلوا أَعْمَالَكُمْ} قال عطاء: بالشك والنفاق. وقال الكلبي: بالرِّياء والسمعة. وقال الحسن: بالمعاصي والكبائر. وقال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم َ يرون أ، هـ لايضر مع الإخلاص ذنب، كما لا ينفع مع الشِّرك عمل فنزلت هذه الآية فخافو الكبائر أن تحبط الأعمال. وقال مقاتل: لا تَمُنُّوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ فتبطلوا أعمالكم نزلت في بني أسد قال تعالى: {لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى} [البقرة: 264] فإنه يقول: فعلته لأجل قلبك ولولا أرضاك به لما فعلت وهذا مناف للإخلاص والله لا يقبل إلَاّ العَمَلَ الخالص.
قوله: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} قيل: هم أصحاب القَليب. وقيل: اللفظ عام.
قوله: {فَلَا تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم} يجوز جزم «تَدْعُوا» عطفاً على فعل النهي ونصبه بإضمار أن في جواب النهي. وقرأ أبو عبد الرحمن: بتشديد الدال فقال الزمخشري: مِن ادَّعَى القَوْمُ وتَدَاعَوْا مثل ارْتَمَوا الصَّيَد، وتَرَامَوْا. وقال غيره: بمعنى تغتروا. وتقدم الخلاف في السِّلْمِ.
فصل
لما بين أن عمل الكافر الذي له صورة الحسنات يحبط وذنبه الذي هوأقبح السيئات غير مغفور وأمر بطاعة الله وطاعة الرسول أمر بالقتال فقال: «فَلَا تَهِنُوا» أي لا تَضْعُفُوا بعدما وجد السبب وهو الأمر بالجِدِّ والاجتهاد في القتال فقال: {فَلَا تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم} أي إلى الصلح أبتداء فمنع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلما.
قوله: {وَأَنتُمُ الأعلون} جملة حالية، وكذلك {والله مَعَكُمْ} وأصل الأَعْلونَ الأَعْلَيُونَ فَأُعِلًّ.
قال ابن الخطيب: أصله في الجمع الموافق أَعْلَيُونَ ومُصْطَفَيُونَ فسكنت الياء لكونها حرف علة تحرك ما قبله والواو كانت ساكنة فالتقى سكنان فلم يكن بُدٌّ من حذف أحَدِهِما وتحريك الآخر والتحريك كان قد ثبت في المحذور الذي اجتنب منه فوجب الحذف والواو فيه كانت لمعنى لا يستفاد إلَاّ منها وهو الجمع فأسقطت الياء وبقي أَعْلَوْنَ.
وبهذا الدليل صار في الجرِّ أَعْلَيْنَ ومُصْطَفَيْنَ. ومعنى الأعلون الغالبون قال الكلبي: أخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات {والله مَعَكُمْ} بالعَوْنِ والنُّصْرَةِ.
قوله: {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي ينقصكم أو يفردكم عنها، فهو من وَتَرْتُ الرَّجُلَ إذا قتلت له قتيلاً أو نَهَبْتَ مَالَهُ. أو من الوضتْر وهو الانفْراد. وقيل: كلا المعنيين يرجع إلى الإفْراد، لأن من قُتَل له قتيل، أو نهبَ له مال فقد أفرد عينه فمعنى:«لن يتركم أعمالكم» لَنْ يَنْقُصكُمْ شيئاً من ثواب أعمالكم يقال: وَتَرَه يَتِرُهُ وَتْراً وترَةً إذَا نقصه حَقَّهُ.
قال ابن عباس: رضي الله عنهما وقتادة والضحاك: لن يَظْلِمَكُمْ أعمالكم الصالحة أن يؤتيكم أجورها. ثم حضَّ على طلب الآخرة فقال: {إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} باطل وغرور {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ} الفواحش {يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} جزاء أعمالكم في الآخرة {وَلَا يَسْأَلْكُمْ} ربكم {أَمْوَالَكُمْ} لإتتاء الأجر بل يأمركم بالإيمان والطاعة ليثيبكم عليها الجنة. نظيره قوله: {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ} [الذاريات: 57] . وقيل: لا يسألكم محمد أموالكم نظيره: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [ص: 86] . وقيل: معنى الآية لا يسألكم الله ورسوله أموالكم كلها في الصدقات إنما يسألانِكم غيضاً من فيض رُبع العشر فطيبوا بها نفساً. قاله ابن عُيَيْنَةَ. ويدل عليه سياق الآية.
قوله: «فَيُحْفِكُمْ» عطف على الشرط و «تَبْخَلُوا» جاب الشرط. قال ابن الخطيب: الفاء في قوله: «فَيُحْفِكُمْ» لِلإشارَة إلى أن الإحْفَاءَ يتبع السؤال لشُحِّ الأَنْفُس، وذلك لأن العطف بالواو قد يكون لمباينين وبالفاء لا يكون إلا للمتعاقبين، أو متعلقين أحدهما بالآخر فكأنه تعالى يبين أن الإحْفَاء يقع عقيبَ السؤال لأن الإنسان بمجرد السؤال لا يعطي شيئاً. قال المفسرون: فيُحْفِكُمْ يُجْهِدُكم وبلحف عليكم بمسألة جميعها يقال: أَحْفَى فلانٌ فلاناً إذا جهده وَألحَفَ قلبهُ في المسألة.
قوله: {تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} العامة على إسناد «يُخْرِجْ» إلى ضمير فاعل إما الله تعالى أو الرسول أو السّؤَال؛ لأنه سبب وهو مجزوم عطفاً على جواب الشرط وروي عن أبي عمرو رفعه على الاستئنَافِ وقرأ أيضاً بفتح الياء وضم الراء ورفع «أَْضْغَانُكُمْ» فاعلاً.
وابن عباس في آخرين وتَخْرُجْ بالتاء من فوق وضم الراء أضْغَانُكُمْ فاعل به. ويعقوب وَنخْرِجْ بنون العظمة وكسر الراء أضْغَانَكُمْ نصباً.
وقرىء: وَيُخْرَجْ بالياء على البناء للمفعول أضْغَانُكُمْ رفعاً به. وعيسى كذلك إلا أنه نصبه بإضمار أن عطفاً على مصدر متوهم أي بأن يُكَفَّ بُخْلُكُمْ وإخْرَاجَ أضغَانِكُمْ بُغْضُكُمْ وَعَدَاوَتُكُمْ.
فصل
قال قتادة: علم الله أن في مسألة الأموال خروج الأَضْغَان يعني ما طلبها ولو طلبها وألحَّ عليكم في الطلب لبخلتم كيف وأنتم تبخلون باليسير فكيف لا تبخلون بالكثير فيخرج أضغانكم بسببه. فإن النبي صلى الله عليه وسلم َ وأصحابه إذا طلبوا منكم وأنتم لمحبة الأموال وشُحِّ الأنفس تمتنعون فيفضي إلى القتال وتظهر به الضغائن.
ثم بين ذلك بقوله: {هَا أَنتُمْ هؤلاء} قد طلبت منكم اليسير فيحكم فكيف لو طلبت منك الكل؟
قوله: {هَا أَنتُمْ هؤلاء} (قال الزمخشري: هؤلاء) موصول صلته «تدعون» أي أنتم الذين تدعون أو أنتم يا مخاطَبُون هؤلاء المؤمنون. ثم استأنف وصفهم كأنهم قالو: وما وَصْفُنَا؟ فقيل: تُدْعَوْنَ. وقال ابن الخطيب: «هؤلاء» تحتمل وجهينِ:
أحدهما: أن تكون موصولة كأنه قال: أنتم الذين تُدْعَوْنَ لتنفقوا في سبيل الله.
وثانيهما: هؤلاء وحدها خبر «أنتم» كما يقال: «: أنت (أنت و) أنت هذا تحقيقاً لشهرة والظهور أي ظهور أثركم بحث لا حاجة إلى الإخبار عنكم بأمْر مغاير. وقد
تقدم الكلام على قوله: {هَا أَنتُمْ هؤلاء} مُشْبَعاً في آلِ عِمْرَانَ.
وقوله:» تُدْعَوْنَ «أي إلى الإنفاق إما في سبيل الله بالجهاد وإما صرفه إلى المستحقين من إخوانكم. قوله: {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ} بما فرض عليه من الزكاة {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} أي إن ضرر ذلك البخل عائد إليه فلا تظنوا أنهم ينفقون على غيرهم بل لا ينفقونه إلا على أنفسهم فإن من يبخل بأجرة (الطّبيب) وثمن الدواء وهو مريضٌ فلا يبخل إلا على نفسه ثم حقق ذلك بقوله: {والله الغني} أي غير محتاج إلى مالكم وأتمه بقوله: {وَأَنتُمُ الفقرآء} إليه وإلى ما عنده من الخير حتى لا تقولوا بأنا أغنياء عن القتال ودفع حاجة الفقراء.
قوله: {يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} بَخِلَ وضنَّ يتعديان ب» عَلَى «تارةً وب» عَنْ «أخرى.
والأجود أن يكون حال تعديهما ب: عَنْ» مُضَمَّنَيْن معنى الإمساك.
قوله: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} هذه الجملة (الجملة الشرطية عطف على) الشرطية قبلها. و «ثُمَّ لَا يَكُونُوا» عطف على «يَسْتَبْدِلْ» .
فصل
ذكر بيان الاستغفار كما قال تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [فاطر: 16] قال المفسرون: إن تَتَوَلَّوْا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم بل يكونوا أمثل منكم وأطوع لله منكم. قال الكلبي: هم كِنْدَةُ والنَّخْعُ.
وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: فارس (والروم) لما روى أبو هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ تلا قوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يكونوا أَمْثَالَكُم} قال يا رسول الله: من هؤلاء الذين إن تولينا اسْتُبْدِلُوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب
على فَخدِ سَلْمَانَ الفَارسيِّ ثم قال: هذا وقومه ولو كان الدين عند الثُّرَيَّا لتناوله ورجالٌ من الفرس. وقيل: هم قوم من الأنْصارِ» .
فصل
قال ابن الخطيب: ههنا مسألة، وهي أن النُّحَاةَ قالوا: يجوز في المعطوف على جواب الشرط «بالواو والفاء وثُمَّ» الجزم والرفع، تقول: إنْ تَأتِنِي آتِكَ فَأُخْبِرُكَ بالجزم والرفع جميعاً، قال الله تعالى ههنا {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} وقال {ثُمَّ لَا يكونوا أَمْثَالَكُم} بالجزم وقال في موضع آخر:
{وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ} [آل عمران: 111] بالرفع، لإثبات النون. وفيه تدقيق: وهو أن قوله: «لَا يَكُونُوا» متعلق بالتوالي؛ لأنهم إن لم يَتَوَلَّوْا يَكُونوا مثلَ من يأتي بهم الله على الطاعة وإن تولوا لا يكونون مثلهم لكونهم عاصين وكون من يأتي بهم مطيعين. وأما هناك سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون، فلم يكن التعلق هناك بما وقع بالابتداء وهنا جزم. وقوله:{يكونوا أَمْثَالَكُم} في الوصف لا في الجنس.
روى أُبَيُّ بن كَعْبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة مُحَمَّدٍ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيهُ مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّةِ» (صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرفَ وكرمَ) .