المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[لا يجوز العدول عن الرواية الموصولة إلى المرسلة إلا بقرينة مقبولة] - المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي - جـ ١

[أحمد بن الصديق الغماري]

الفصل: ‌[لا يجوز العدول عن الرواية الموصولة إلى المرسلة إلا بقرينة مقبولة]

أخبرنا أبو المكارم عبد الوارث بن محمد بن عبد المنعم المطوعى الأسدى الأبهرى عن محمد بن الحسين العسقلانى عن محمد بن أحمد المقرى عن عبد اللَّه بن أبان بن شداد عن أبي الدرداء هاشم بن محمد عن عمرو بن بكر عن ثور عن مكحول عن أبي هريرة قال: "قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أبعد الناس من اللَّه يوم القيامة القاضى الذي يخالف إلى غير ما يأمر به" الحديث بطوله.

كذا قال فكأنه اختصره لنكارته، فإن عمرو بن بكو هو السكسكى، وهو متهم كذاب، فالحديث موضوع يجب حذفه.

41/ 53 - "أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق". (د. هـ. ك) عن ابن عمر

قال الشارح في الكبير: ورواه البيهقى مرسلا بدون ابن عمر، وقال: الوصل غير محفوظ.

قال ابن حجر: ورجح أبو حاتم والدارقطنى المرسل، وأورده ابن الجوزى في العلل بسند أبي داود وانن ماجه وضعفه بعبيد اللَّه الوصافى، وقال: قال يحيى: ليس بشيء، والنسائى: متروك الحديث، وبه عرف أن رمز المؤلف لصحته غير صواب.

[لا يجوز العدول عن الرواية الموصولة إلى المرسلة إلا بقرينة مقبولة]

قلت: بل هو الصواب، والحديث صححه الحاكم وأقره عليه الذهبى ورجح وصله بعض الحفاظ وهو الذي تقتضيه قواعد الحديث والأصول، ومن رجح المرسل لم يراع ذلك بل لا يكاد يرد حديث مرسل وموصول إلا رجح أبو حاتم والدارقطنى المرسل بدون استناد إلى حجة غالبا مع مخالفة المقرر في الأصول،

ص: 78

فإن الوصل زيادة من الثقة يكون مقبولا، والراوى قد يوصل مرة ويرسل أخرى كما هو معلوم، فالراجح أنه موصول صحيح وإن وقع في سنده بعض الاضطراب إلا أن ذلك لا يضر.

وبعد هذا، فكلام الشارح فيه عليه مؤاخذات منها قوله: ورواه البيهقى [7/ 322] مرسلا بدون ابن عمو فإن البيهقى لم ينفرد بروايته، كذلك رواه أبو داود [2/ 261، رقم 2178] أيضا مرسلا والبيهقى إنما أخرجه من طريقه كما سأذكره، ومنها قوله: وقال البيهقى: الوصل غير محفوظ فإنه لم يقل ذلك بل قال: وفى رواية ابن أبي شيبة عن عبد اللَّه بن عمر موصولا ولا أراه حفظه، وفرق بين ظنه أن الراوى لم يحفظ الحديث وبين حكمه على الحديث بالإرسال وكون وصله غير محفوظ، ومنها قوله: وأورده ابن الجوزى في العلل [2/ 149، رقم 1056] بسند أبي داود وابن ماجه، فإن ابن الجورى إنما أورده بسند ابن ماجه لا بسند أبي داود لأن عبيد اللَّه بن الوليد الوصافى هو في سند ابن ماجه، وأما سند أبي داود فليس فيه عبيد اللَّه كما ستعرفه، ومنها أنه نقل كل هذا من كلام الحافظ في التلخيص الحبير وزاد هذه الأوهام من عنده وبدل وغير ولو نقله بالحرف لما وقع في هذه الأوهام، وعبارة الحافظ:

هكذا رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم من حديث محارب بن دثار عن ابن عمر ورواه أبو داود والبيهقى مرسلا ليس فيه ابن عمر ورجح أبو حاتم والدراقطنى في العلل والبيهقى المرسل وأورده ابن الجوزى في العلل المتناهية بإسناد ابن ماجه وضعفه بعبيد اللَّه بن الوليد الوصافى وهو ضعيف لكنه لم ينفرد به، فقد تابعه معرف بن واصل إلا أن المنفرد عنه بوصله محمد بن خالد الوهبى، ورواه الدارقطنى [4/ 35، 94] من حديث مكحول عن معاذ بن

ص: 79

جبل بلفظ: "ما خلق اللَّه شيئا أبغض إليه من الطلاق"، وإسناده ضعيف ومنقطع أيضًا (1) اهـ.

فعبارة الحافظ -كما ترى- سالمة من أوهام الشارح رحمه الله مع أنه حذف منها أهمها وهو متابعة معرف بن واصل الثقة الذي على روايته ينبنى الحكم بصحة الحديث، وحذف منه وجود الشواهد له التي بها يتقوى ويعتضد أيضًا، ثم خطأ المصنف في رمزه للحديث بالصحة.

وبعد فالحديث رواه أبو داود، قال:

حدثنا كثير بن عبيد ثنا محمد بن خالد عن معرف بن واصل عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبغض الحلال إلى اللَّه عز وجل الطلاق".

ورواه الحاكم في المستدرك [2/ 196] قال:

حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بابويه ثنا محمد بن عثمان ثنا أحمد بن يونس ثنا معرف بن واصل عن محارب بن دثار عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ما أحل اللَّه شيئا أبغض إليه من الطلاق"، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأقره الذهبى، وفى هذا تعقب على الحافظ في قوله: إن محمد بن خالد الوهبى تفرد بوصله عن معرف بن واصل، فقد تابعه أحمد بن يونس -كما ترى-، لكن رواه أبو داود [2/ 261، رقم 2177] في سننه عن أحمد بن يونس:

ثنا معرف عن محارب قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ما أحل اللَّه شيئا أبغض إليه

(1) انظر التخليص الحبير.

ص: 80

من الطلاق". فاختلف محمد بن عثمان بن أبي شيبة وأبو داود عن أحمد بن يونس، فوصله الأول وأرسله الثانى.

ولما رواه البيهقى عن الحاكم من طريق الأول موصولا حول الإسناد، ورواه من طريق أبي داود مرسلا، ثم قال: وفى رواية ابن أبي شيبة عن عبد اللَّه ابن عمر موصولا، ولا أراه حفظه اهـ.

فهذا ترجيح لقول أبي داود على قول قرينه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وكلاهما حافظ ثقة فقولهما مقبول وشيخهما حدث به على الوجهين، فلا معنى للترجيح بدون مرجح.

وقد تعقب البيهقى صاحب "الجوهر النقى" فقال: أخرجه الحاكم قى المستدرك من طريق ابن أبي شيبة موصولا، ثم قال: صحيح الإسناد، وقد أيده رواية محمد بن خالد الموصولة كما تقدم، وأخرجه ابن ماجه من طريق عبيد اللَّه بن الوليد الوصافى عن محارب موصولا، وقد ذكره البيهقى بعده، فهذا يقتضى ترجيح الوصل لأنه زيادة، وقد جاء من وجوه اهـ.

ورواه ابن ماجه [1/ 650، رقم 2018] موصولا أيضا فقال:

حدثنا كثير بن عبيد الحمصى ثنا محمد بن خالد عن عبيد اللَّه بن الوليد الوصافى عن محارب بن دثار عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق"، وعبيد بن الوليد -وإن كان ضعيفا- فقد تابعه معرف بن واصل وهو ثقة، قلا يضر ضعفه مع وجود متابعة الثقة، وأما كون محمد بن خالد رواه عن معرف بن واصل في رواية أبي داود وعن عبيد اللَّه بن الوليد في رواية ابن ماجه فلا ضرر في ذلك، فإن محمد بن خالد رواه عن الشيخين، فحدث به عن هذا مرة وعن هذا مرة، بدليل أنه ورد عن كل

ص: 81

منهما من غير طريقه، فقد سبق أن أحمد بن يونس رواه عن معرف بن واصل أيضا، ورواه عن عبيد اللَّه بن الوليد الوصافى أيضا عيسى بن يونس وسليمان ابن عبد الرحمن ومحمد بن مسروق.

فأما رواية عيسى بن يونس فقال الثعلبى في تفسيره:

أخبرنا أبو عبد اللَّه بن منجويه الدينورى أنا عبد اللَّه بن محمد بن شيبة أنا أحمد ابن جعفر المستملى أنا أبو محمد يحيى بن إسحاق بن شاكر بن أحمد بن حباب أنا عيسى بن يونس أنا عبيد اللَّه بن الوليد الوصافى عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن من أبغض الحلال إلى اللَّه تعالى الطلاق".

وأما رواية سليمان بن عبد الرحمن ومحمد بن مسروق فخرجها تمَّام في فوائده.

والحاصل أن الحديث رواه معرف بن واصل وعبيد اللَّه بن الوليد الوصافى عن محارب بن دثار، فأما الثانى فاتفق الرواة عنه على وصله، وأما الأول وهو معرف بن واصل، فرواه عنه محمد بن خالد الوهبى موصولا، ورواه عنه أحمد بن يونس على الوجهين فأبو داود قال: عن أحمد بن يونس مرسلا، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: عن أحمد بن يونس موصولا.

ثم رأيت الحافظ السخاوى ذكر أن ابن المبارك رواه في البر والصلة عن معرف مرسلا أيضا، وكذلك رواه عنه أبو نعيم الفضل بن دكين ولأجل ذلك قال الدارقطنى في علله: إن المرسل أشبه اهـ (1).

(1) توسع المؤلف في الكلام عن قاعدة الوصل الإرسال عند الأقدمين في صفحة 536 من الجزء السادس فراجعه هناك.

ص: 82

وهذا أيضا لا يكفى في ترجيح المرسل، فإن الأقدمين ولا سيما ابن المبارك يوردون الأحاديث مرسلة ويختارونها على الموصولة، ومن قرأ كتبهم عرف ذلك ورأى فيها أكثر الأحاديث المخرجة في الصحيحين مخرجة عندهم موسلة من نفس الطرق التي هى منها في الصحيح، بل وربما كانت في الصحيح موصولة من جهتهم أيضا، فيكون الحديث عند البخارى من طريق ابن المبارك موصولا، وهو في كتاب "الزهد" له مرسلا، ويكون عنده كذلك عن أبي نعيم موصولا أو عن إبراهيم بن سعد وهو في جزئه وكتب أبي نعيم مرسلًا اختيارًا منهم للإرسال على الوصل، فلا يرجح قولهم بذلك على من أوصل الحديث واللَّه أعلم.

42/ 56 - "أبْغَضُ العِبَاد إلى اللَّه مَنْ كَانَ ثَوبَاهُ خيرا مِنْ عَمَلِهِ، أَنْ تَكُونَ ثَيَابُهُ ثِيَابَ الأنِبْيَاءِ، وَعَمَلُهُ عَمَلَ الجبَّارِينَ". (عق. فر) عن عائشة

قلت: هذا حديث موضوع كما حكم به ابن الجوزى والذهبى وأقرهما المصنف واعترف بوضعه، فكان الواجب عدم ذكره في الكتاب المصان عما انفرد به الكذابون والوضاعون، قال الديلمى في مسند الفردوس [1/ 449، رقم 1487].

أخبرنا البجلى أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمى ثنا ابن حمدان ثنا محمد بن محمد البغدادى ثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا عبد اللَّه بن صالح -كاتب الليث- ثنا سليم بن عيسى بن نجيح عن سفيان الثورى عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن عائشة به.

وقال العقيلى [2/ 164]: ثنا يحيى بن عثمان به.

ص: 83

ومن عند العقيلي أورده ابن الجوزى في الموضوعات والذهبى في الميزان [2/ 231]، فقال الأول: موضوع، قال العقيلي: سليم مجهول به النقل، حديثه غير محفوظ منكر، وقال الثانى: هذا باطل، ونقل كلامه المصنف مؤيدًا به حكم ابن الجوزى.

43/ 58 - "أبْغُونى الضّعفاءَ فإِنما تُرْزقُون وتُنصَرون بضُعَفائِكُم". (حم. حب. ك) عن أبي الدرداء

قلت: الحديث رواه أبو داود [3/ 32، رقم 2594] والترمذى والنسائى [6/ 46] كلهم في الجهاد من سننهم من حديث أبي الدرداء باللفظ المذكور في الكتاب، وقال الترمذى: حسن صحيح، فيتعقب على المصنف بعدم العزو إليهم كما هو مقرر عند أهل الفن أن الحديث إذا كان في الستة أو أحدها لا يعزى إلى غيرها دونها، وإن كان الأمر في ذلك سهلا.

44/ 59 - "أبلِغُوا حَاجةَ مَنْ لا يَستطيعُ إبلاغَ حاجَتِه، فَمَنْ أَبْلغَ سلطانا حاجةَ مَنْ لا يستطيعُ إِبلاغَه ثبّتَ اللَّه تعالى قَدَمَيهِ على الصّراطِ يومَ القيامةِ". (طب) أبي الدرداء

قال الشارح في الكبير: وفيه إدريس بن يونس الحرانى، قال في اللسان عن ذيل الميزان: لا يعرف حاله، ثم إن المؤلف تبع في عزوه للطبرانى الديلمى، قال السخاوى: وهو وهم، والذي فيه عنه بلفظ:"رفعه اللَّه في الدرجات العلا في الجنة" وأما لفظ الترجمة فرواه البيهقى في الدلائل عن على وفيه من لم يسم اهـ. فكان الصواب عزوه للبيهقى عن على.

قلت: اختصر الشارح كلام السخاوى، وفهم منه أن المخالفة في حديث

ص: 84

أبي الدرداء لحديث الباب إنما وقعت في آخر الحديث لا في أوله، وليس كذلك بل مراد السخاوى أن الطبرانى لم يخرج هذا الحديث عن أبي الدرداء باللفظ المذكور جملة، ولفظ السخاوى بعد إيراد من الحديث كما هنا:

رواه البيهقى في الدلائل من حديث جعفر بن محمد بن على بن الحسين عن أبيه عن جده الحسين، ومن حديث من لم يسم عن ابن لأبي هالة كلاهما عن الحسن بن على عليهما السلام قال: سألت خالى هند بن أبي هالة وكان وصافا عن حلية النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا طويلا، وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: "ليبلغ الشاهد الغائب وأبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته"، وذكره، وهو من الوجه الاول عندنا في مشيخة ابن شاذان الصغرى، ومن الوجه الثانى في المعجم الكبير للطبرانى وكذا في الشمائل الترمذية، لكن بدون القصد منه هنا. وأخرجه البغوي وابن منده وآخرون.

وراوه الفقيه نصر في "فوائده" من حديث على بن أبي طالب عليه السلام مرفوعا: "أبلغونى" وذكره بزيادة: "على الصراط".

وفى الباب عن عائشة وابن عمر رضى اللَّه عنهما بلفظ: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذى سلطان في تبليغ بر أو تيسير عسير أعانه اللَّه على إجازة الصراط عند دحض الأقدام"، وهما عند الطبرانى، وصحح ثانيهما الحاكم وابن حبان، ووهم الديلمى في عزوه لفظ الترجمة للطبرانى عن أبي الدرداء، فالذي فيه عنه كحديثى عائشة وابن عمر، ولكن بلفظ:"رفعه اللَّه في الدرجات العلا من الجنة"(1) اهـ.

فكلام السخاوى خلاف ما نقله عنه الشارح، ولفظ حديث أبي الدرداء مرفوعا:

(1) انظر المقاصد المحسنة.

ص: 85

"من كان وصلة لأخيه إلى ذى سلطان في مبلغ بر أو إدخال سرور رفعه اللَّه في الدرجات العلا في الجنة".

وهو عند الطبرانى في الأوسط، والكبير من وجهين: أحدهما ضعيف والآخر فيه من لا يعرف.

ثم إن الحافظ السخاوى لم يحسن الكلام في عزو هذا الحديث، بل وقع فيه إجمال يوهم أن الحديث مروى أيضًا عن الحسن بن على عليهما السلام عن هند ابن أبي هالة وليس كذلك، وإنما الحسن بن على روى أول الحديث في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وآخره عن والده في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وزهده وفيه حديث الترجمة، فهو من حديث على من كلا الوجهين. ثم إنه وهم في قوله: إن الترمذى لم يذكر في الشمائل القصد منه هنا. يعنى حديث الترجمة، فإن الترمذى ذكره أيضًا والذي أوقعه في ذلك أنه ذكر الحديث في الشمائل في عدة مواضع مختصرا ومطولا بسند واحد (1)، ولم يذكره بتمامه الذي وقع فيه حديث الترجمة إلا في باب تواضعه صلى الله عليه وسلم فقال:

حدثت سفيان بن وكيع ثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي أنبأنا رجل من بنى تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة يكنى أبا عبد اللَّه عن ابن أبي هالة عن الحسن بن على قال: سألت خالى هند بن أبي هالة وكان وصافا عن حلية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله، وفيه: "قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقنى إليه عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله، فلم يدع منه شيئًا، قال الحسين: سألت أبي عن دخول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: كان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة

(1) انظر الشمائل (أرقام: 6، 226، 352).

ص: 86

أجزاء جزء اللَّه وجزءا لأهله وجزءا لنفسه، ثم جزء جزأه بينه وبين الناس فيرد بالخاصة على العامة، ولا يدخر عنهم شيئًا وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة من مسألتهم عنه وإخبارهم بالذي ينبغى لهم ويقول: ليبلغ الشاهد منكم الغائب وأبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغها" الحديث بطوله.

ورواه كذلك ابن سعد في الطبقات [1/ 2/ 120: 130]، والبغوى في معجمه ومن طريقه رواه الطبرانى في الكبير.

وعن الطبرانى رواه أبو نعيم في دلائل النبوة ورواه بطوله أيضًا الحافظ أبو الفضل المقدسي في صفوة التصوف، ورواه الحاكم في المستدرك [3/ 640، رقم 6700] إلا أنه ساق سنده ولم يسق متنه وسكت عليه هو والذهبى مع أن الحديث ضعيف جدا، بل قال أبو داود: أخشى أن يكون موضوعا وقد تكلمت عليه في مستخرجى على الشمائل الترمذية.

أما طريق جعفر بن محمد الصادق فرواها أيضًا أبو جعفر الطوسى في أماليه آخر الجزء السابع منها، فقال:

أخبرنا محمد بن محمد النعمان ثنا أبو بكر محمد بن عمر الجفانى ثنا أحمد بن محمد بن سعيد ثنا عبد اللَّه بن محمد حدثنى زيد بن على عن الحسين بن زيد ابن على بن الحسين أبو الحسين العلوى قال: حدثنا على بن جعفر بن محمد عن أخيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن على عن جده على عليه السلام قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغى حاجته فإنه من بلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت اللَّه قدميه على الصراط يوم القيامة".

ص: 87

45/ 60 - "ابنُوا المساجِدَ واتّخِذوهَا جُما". (ش. هق) عن أنس

قال الشارح في الكبير: رمز المؤلف لحسنه هنا، وصرح به في أصله فقال: حسن، وليس كما ذكر، فقد جزم الذهبى وغيره بأن فيه ضعفا وانقطاعا، فإنه لما ساقه الذهبى من سنن أبي داود بسنده استدرك عليه، فقال: قلت هذا منقطع، وتقدمه لذلك ابن القطان فقال: ليث ضعيف وفيه انقطاع، وأطال في بيانه، وأقره مغلطاى.

قلت: ما خرج أبو داود هذا الحديث، ولا رواه البيهقى من طريقه، بل قال البيهقى [2/ 439]:

أخبرنا أبو الحسين بن بشران ثنا أبو عمرو بن السماك ثنا الحسن بن سلام الصواف ثنا أبو غسان ثنا هريم عن ليث عن أيوب عن أنس به.

ثم رواه [2/ 439] من طريق على بن الحسن بن شقيق:

ثنا أبو حمزة السكرى عن ليث به مرفوعا: "أمرت بالمساجد جما"، فلا ذكر لأبي داود في سند هذا الحديث.

أما تحسين المصنف للحديث مع وجود ليث بن أبي سليم فيه، فلان ليثا صدوق عابد روى له مسلم في الصحيح وإنما كان يهم في روايته ويغلط، والحديث مع ذلك له شاهد من حديث ابن عباس كما هو مذكور بعده، فلا يبعد الحكم بصحته فضلا عن حسنه.

ورواه أيضا أبو نعيم في الحلية عن أبي بكر بن خلاد [3/ 12]:

ثنا أحمد بن على الخراز ثنا جندل بن والق ثنا زياد بن عبد اللَّه عن ليث به.

ص: 88

46/ 62 - "ابنُوا المسَاجدَ، وأَخْرِجُوا القِمامةَ منها، فَمَنْ بنى للَّه بَيْتًا بنى اللَّه له بيتًا في الجنةِ، وإخراجُ القمامةِ منها مُهورُ الحورِ العينِ"

(طب) والضياء في المختارة عن أبي قرصافة.

قلت: اختلف الحفاظ في الحكم على هذا الحديث، فضعفه الحافظ المنذرى في الترغيب [2/ 420، رقم 553] بتصدره إياه بصيغة التمريض، وقال الحافظ نور الدين لما أورده في الزوائد [2/ 9]: فيه مجاهيل، وسبقه إلى ذلك شيخه الحافظ العراقى فقال: في إسناده جهالة، وحكم الضياء لصحته، فأخرجه في المختارة التي استدرك بها على الصحيحين، وتبعه المصنف فرمز لصحته، واقتصر الحافظ في الفتح على تحسينه فقال [1/ 545، تحت رقم 450] في الكلام [على] حديث (1) عثمان: "من بنى مسجدا يبتغى به وجه اللَّه بنى اللَّه له مثله في الجنة" ما نصه: وروى البيهقى في الشعب من حديث عائشة نحو حديث عثمان وزاد "قلت: وهذه المساجد التي في الطرق؟ قال: نعم" وللطبرانى نحوه من حديث أبي قرصافة وإسنادهما حسن اهـ.

وإنما قال: نحوه، لأن الحديث فيه الزيادة المذكورة وإنما اختصره المصنف على قاعدته في الكتاب من الاقتصار على المرفوع فقط، وإلا فلفظه عند مخرجيه "ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى للَّه مسجدا بنى اللَّه له بيتًا في الجنة، فقال رجل: يا رسول اللَّه وهذه المساجد التي تبنى في الطريق؟ قال: نعم، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين".

وقال الشارح: في إسناده جهالة، لكنه اعتضد فصار حسنا اهـ.

(1) كتبت كلمة "حديث" في الأصل مرتين فأبدلنا الأولى بكلمة "على" واللَّه أعلم.

ص: 89

ولا أدرى من أين أتى باعتضاده في مسألة إخراج القمامة وكونها مهور الحور العين؟! اللهم إلا أن يكون من حديث أنس الآتى في حرف "الكاف""كنس المساجد مهور الحور العين" وذلك لا يصلح للاعتضاد لأنه واه جدا، بل أورده ابن الجوزى في الموضوعات [3/ 254]، والذي ينشرح له الصدر الحكم بضعف الحديث كما فعل الحافظ المنذرى، فإن في متنه نكارة ظاهرة مع جهالة إسناده واللَّه أعلم.

47/ 63 - "أبِن القَدَحَ عَنْ فِيكَ ثُمَّ تَنفَّس" سمويه في فوائده (هب) عن أبي سعيد

قال الشارح في الكبير: رمز المؤلف لحسنه، وفيه أمران: الأول: أنه يوهم أنه لا يوجد مخرجا في أحد دواوين الإسلام الستة، مع أنه رواه مالك في الموطإ والترمذى في الأشربة عن أبي سعيد المذكور وصححه، ولفظهما:"نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ قال: اهرقها، قال: فإنى لا أروى في نفس، قال: أبن القدح عن فيك ثم تنفس" اهـ.

ورواه كذلك البيهقى في الشعب.

الثانى: أن رمزه لحسنه يوهم أنه غير صحيح وهو غير صحيح، بل صحيح كيف وهو من أحاديث الموطإ الذي ليس بعد الصحيحين أصح منه؟!، وقال الترمذى: حسن صحيح، وأقره عليه النووي وغيره من الحفاظ اهـ.

قلت: وفيه أمور: الأول: أن لفظ الحديث عند مالك والترمذى لا يدخل في حرف الهمزة لأنه مصدر بالفاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب الرجل بقوله: "فأبن القدح عن فيك" هكذا هو في الموطإ [ص 576، رقم 12] وسنن الترمذى [4/ 303، رقم 1887] لأنه رواه من طريق مالك والمصنف إذا وجد حديثا كذلك لا يتصرف فيه غالبا، بل يعزوه إلى كل كتاب باللفظ الواقع فيه،

ص: 90

ولذلك يكرر الحديث مرارا في حروف متعددة بحسب الروايات الموجودة في الكتب وهو حديث واحد وقد تقدم لذلك نظائر ويأتى كثير منها.

الثانى: أن الشارح عزا الحديث إلى الكتابين بدون "فا" وهو فيهما بإثباتها.

الثالث: أن قوله في الموطإ أنه ليس بعد الصحيحين أصح منه باطل، فإن وجود الحديث في الموطإ لا يكفى في الحكم بصحته -كما هو معروف- وإيضاحه يطول.

48/ 64 - "ابنَ آدمَ أطِعْ رَبَّك تُسمَّى عاقِلًا، ولا تَعْصِهِ فتُسمَّى جَاهلًا".

(حل) عن أبي هريرة وأبي سعيد.

قلت: هذا حديث موضوع انفرد به كذاب، فكان الواجب عدم ذكره، قال أبو نعيم [6/ 345]:

حدثنا على بن أحمد بن على المصيصي ثنا أبو بكر بن أيوب بن سليمان العطار ثنا على بن زياد المتوثى ثنا عبد العزيز بن أبي رجاء ثنا مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدرى به (1)، وقال: غريب من حديث مالك لم نكتبه إلا من حديث ابن أبي رجاء اهـ.

قلت: وابن أبي رجاء قال الدارقطني: متروك له مصنف موضوع كله، وذكر الذهبى في ترجمته [2/ 628، رقم 5100] هذا الحديث، وقال: إنه باطل.

(1) في المطبوع من الحلية: "أطع ربك. . . " بدون ذكر: "ابن آدم" فلعلها في نسخة أخرى.

ص: 91

49/ 65 - "ابنَ آدمَ عِنْدَك مَا يكِفيكَ وأنتَ تَطْلُبُ ما يُطْغِيك، ابنَ آدم لا بقليلٍ تقنعُ ولا بِكثيرٍ تشبعُ، ابنَ آدمَ إذا أَصْبَحتَ معافى في جَسدِك آمنًا في سِرْبكَ عِنْدَكُ قوتُ يَومِك فعلى الدُّنيا العَفَاءُ". (عد. هب) عن ابن عمر.

قال الشارح في الكبير: ونقله عن ابن عدى وسكوته عليه يوهم أنه خرجه وسلمه والأمر بخلافه، بل قال: أبو بكر الداهرى أحد رجاله كذاب متروك، وقال الذهبى: متهم بالوضع وكذا هو في مسند البيهقى، وذكر نحوه للحافظ ابن حجر فكان ينبغى حذفه.

قلت: هذا انتقاد عجيب وكلام غريب لا يصدر ممن له أدنى معرفة بالحديث وفنونه ومصنفات رجاله، فإن ابن عدى ليس له مصنف في الحديث يخرج فيه الأحاديث ويتكلم عليها تصحيحًا وتضعيفا حتى ينتقد على المصنف بعدم سكوت ابن عدى على الحديث، بل ابن عدى له الكامل في الرجال الضعفاء، وفى ترجمة الراوى الضعيف يورد له من الأحاديث ما يدل على ضعفه لنكارتها وغرابتها أو مخالفة مسندها أو نحو ذلك، فموضوع الكتاب للأحاديث الضعيفة والموضوعة والواهية، فمطلق العزو إليه يؤذن بذلك كما صرح به المصنف في خطبة الأصل أعنى الجامع الكبير وإنما يقال ما ذكره المصنف في نحو جامع الترمذى الذي يتكلم على كل حديث غالبا، وكذلك الحاكم والبيهقى والبغوى وأمثالهم ممن صنفوا في الأحكام والآداب وتكلموا على الأحاديث.

أما حديث الترجمة فرواه أيضًا الطبرانى في الأوسط، وأبو نعيم في الأربعين وفى الحلية [6/ 98] في ترجمة ثور بن يزيد وأبو عبد الرحمن السلمى في الأربعين، والبيهقى في الشعب [7/ 294، رقم 10360] عنه، والقضاعى

ص: 92

في "مسند الشهاب"[1/ 361، رقم 618] كلهم من طريق أبي بكر الداهرى:

ثنا ثور بن يزيد عن خالد بن المهاجر الحجازى عن ابن عمر، ووقع عند الطبرانى عن عمر، وكذلك عند أبي نعيم لأنه رواه عن الطبرانى، وأبو بكر الداهرى كذاب لكنه لم ينفرد به، فقد رواه العسكرى في "الأمثال" من طريق الحسين بن محمد المروزي عن سلام بن سليمان المدائنى عن إسماعيل بن رافع عن خالد بن مهاجر عن ابن عمر به مثله.

ورواه البيهقى في الشعب [7/ 294، رقم 10361] من طريق عصمة بن سليمان الواسطى عن سلام المدائنى به مقتصرا على قوله: "إذا أصبحت آمنا في سربك معافى في بدنك عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء"، لكن سلام المدائنى الطويل وإسماعيل بن رافع ضعيفان أيضًا، وقد ورد هذا اللفظ الأخير من حديث أبي الدرداء وعبيد اللَّه بن محص، وسيأتى في حرف الميم في "من أصبح منكم آمنا"، وهو من حديث الثانى عند أبي داود والترمذى وسنده حسن.

50/ 66 - "ابنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنْهُم"

(حم. ق. ت. ن) عن أنس (د) عن أبي موسى (طب) عن جبير بن مطعم، وعن ابن عباس، وعن أبي مالك الأشعرى.

قلت: في الباب أيضًا عن أبي سعيد وكثير بن زيد عن أبيه عن جده.

قال الدولابى في الكنى [2/ 49]:

حدثنا أبو بكر الصنعانى ثنا معاذ بن عوذ اللَّه أبو العلاء البصرى ثنا عوف عن أبي الصديق عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "ابن أخت القوم منهم".

ورواه الطبرانى في "الصغير"[1/ 142، رقم 216] عن أبي مسلم الكجى.

ص: 93

ثنا معاذ بن عوذ اللَّه القرشى به مطولا، وقال: لا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به معاذ بن عوذ اللَّه.

وقال ابن قتيبة في "عيون الأخبار":

حدثنى القومسى قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثنا كثير بن زيد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ابن أخت القوم من أنفسهم، ومولى القوم من أنفسهم، وحليف القوم من أنفسهم".

ومن هذا الوجه رواه الطبرانى في الكبير [17/ 12، رقم 2] وسيأتى في حرف الحاء، وله طريق آخر من حديث رفاعة بن رافع في حديث رواه البخارى في الأدب المفرد [ص 42، 75] والحاكم في "المستدرك"[4/ 73، رقم 6952] وغيرهما.

51/ 67 - "ابنُ السّبيلِ أوّلُ شَارِبٍ -يَعْنى مِنْ زَمْزَمَ-"(طس) عن أبي هريرة.

قال الشارح: ورجاله ثقات لكن فيه نكارة.

وقال في الكبير: قال الهيثمى: رجاله ثقات وحينئذ فرمز المؤلف لحسنه تقصير وحقه الرمز لصحته اهـ.

وقال فيه عند شرح الحديث: "ابن السبيل أول شارب" قال مخرجه الطبرانى وتبعه المؤلف: "يعنى من زمزم".

وقال في الصغير: "ابن السبيل أول شارب". قال الديلمى: "يعنى من زمزم". اهـ.

قلت: انتقاده في الكبير على المصنف تحسينه وحكمه بصحته اعتمادًا على قول

ص: 94

الحافظ الهيثمى: رجاله ثقات باطل من وجهين، أحدهما: أن قول الحافظ المذكور رجاله ثقات لا يدل على صحته، بل ولا على حسنه، لأن السند لا يحكم بصحته لثقة رجاله فقط، بل ولأمور أخرى تقترن به من نفى الشذوذ والعلة وغرابة المتن ونكارته، والحافظ الهيثمى لا ينظر في ذلك لأنه ليس من شرطه، وإنما شرطه الكلام على ظاهر الإسناد عند من رواه من أهل الكتب التي جمع زوائدها.

ثانيهما: أن المصنف إنما اقتصر على حسنه مع ثقة رجاله مراعاة لقول الذهبى، وأصله لغيره أنه منكر فتعارض عنده ثقة الرجال مع طعن الذهبى فسلك [طريقًا] وسطا بين ذلك كما يفعل الترمذى في الحديث الذي يقول فيه: حسن صحيح على بعض الأقوال الراجحة في تفسير ذلك.

وقد أتى الشارح بما هو أغرب من صنيع المصنف؛ إذ المصنف حقق واجتهد وحكم بما أداه إليه الدليل، وأما الشارح المقلد فتناقض بتناقض أقوال الرجال، ولم يدر كيف يصنع في ذلك، فزعم في الكبير: أنه صحيح، ثم قال في الصغير: فيه نكارة -أى منكر-، وكم بين الصحيح والمنكر من مراحل، وعبارة الذهبى في الميزان [1/ 100، رقم 389]: أحمد بن سعيد الجمال صدوق عن أبي نعيم وغيره، تفرد له بحديث منكر رواه عنه أحمد بن كامل وغيره، قال:

حدثنا أبو نعيم ثنا هشيم ثنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضى اللَّه عنه مرفوعا: "ابن السبيل أول شارب -يعنى من ماء زمزم-" اهـ. وقول الشارح في الكبير: قال مخرجه الطبرانى: "يعنى من زمزم"، مع عزوه ذلك في الصغير للديلمى هو مع تناقضه غريب جدا، فإن العناية ليست من الطبرانى، وإنما هي من صحابى الحديث الذي شاهد القصة، أو السبب الدال

ص: 95

على أن الحديث من العام الذي أريد به الخصوص، أو التابعى الذي سمعه من الصحابى كذلك لأن العناية لا يأتى بها في مثل هذا -أعنى تخصيص العام ونحوه- إلا الصحابى والتابعى، أما من بعدهم لاسيما من أهل القرن الرابع كالطبرانى أو السادس كالديلمى لا يتصور منه ذلك، إلا إذا كان غير ثقة في دينه ولا عدل في روايته، لأنه تخصيص للعام بدون مخصص مع إضافة ذلك إلى متن الحديث، فيكون من قبيل الكذب فيه كما هو واضح، وكان الشارح غره في ذلك صنيع الخطيب في تاريخه، فإنه أسند الحديث [6/ 132] من طريق الطبرانى في المعجم الصغير عن إبراهيم بن على الواسطى المستملى عن أحمد بن سعيد الجمال، ثم حول السند فرواه عن الحسن بن أبي بكر عن أحمد بن كامل القاضى عن أحمد بن سعيد الجمال بسنده السابق عن أبي هريرة مرفوعا:"ابن السبيل أول شارب"، قال الخطيب: زاد سليمان: "يعنى من زمزم"، ومواد الخطيب أن الطبرانى زاد في روايته هذا اللفظ على رواية أحمد بن كامل القاضى الذي رواه هو من طريقهما معا، لا أن الطبرانى زاد ذلك في الحديث من عنده، ومع هذا فهو مشكل أيضًا بالنسبة لعزوه ذلك في الصغير إلى الديلمى، فإنه لا ناقة له في هذا الحديث ولا جمل.

52/ 70 - "أبُو بَكْرٍ خَيْرُ النَّاسِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيٌّ"(طب. عد) عن سلمة بن الأكوع.

قال الشارح: وهو ضعيف لضعف إسماعيل الأيلى.

وقال في الكبير: رواه أيضًا الديلمى والخطيب عن عكرمة بن عمار عن إياس ابن سلمة عن سلمة بن الأكوع، ثم قال مخرجه ابن عدى: هذا الحديث أحد ما أنكر على عكرمة، وقال الهيثمى: فيه إسماعيل بن زياد الأيلى وهو

ص: 96

ضعيف، وفى الميزان تفرد به إسماعيل هذا، فإن لم يكن هو وضعه فالآفة ممن دونه.

قلت: فيه مؤاخذة على المصنف والشارح، أما المصنف: ففي إيراده هذا الحديث الباطل الموضوع كما قال الذهبى في ترجمه إسماعيل بن أبي زياد من الميزان [1/ 231، رقم 885]، وقد أورده فيه بإسناده من طريق أبي سعد عبد الملك بن أبي عثمان الواعظ:

ثنا أبو عمر بن مطر ثنا أبو شبيل عبد الرحمن بن محمد بن واقد الكوفى ثنا إسماعيل بن زياد الأيلى ثنا عمر بن يونس عن عكرمة بن عمار حدثنى إياس بن سلمة عن أبيه به.

ورواه الديلمى في مسند الفردوس [1/ 531، رقم 1787]: من طريق عمر ابن أحمد بن أبان:

ثنا أبو شبيل إملاء به، وإسماعيل بن زياد كذاب متهم -كما قال يحيى وغيره- وقد سرقه منه بعض الكذابين، فركب له إسنادا آخر وزاد فيه ذكر عمر، أو هو سرقه وحذف منه عمر، فقد رواه الخطيب [5/ 253] في ترجمة محمد بن داود القنطرى من طريقه:

ثنا جبرون بن واقد ثنا مخلد بن حسين عن هشام عن محمد عن أبي هريرة مرفوعا: "أبو بكر وعمر خير أهل السموات وخير أهل الأرض، وخير الأولين والآخرين: إلا النبيين والمرسلين"، وجبرون بن واقد كذاب متهم، قال الذهبى في الميزان [1/ 387، رقم 1435]: روى بقلة حياء عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا: "كلام اللَّه ينسخ كلامى" الحديث.

وروى عنه محمد بن داود القنطرى أن مخلد بن حسين حدثه عن هشام بن

ص: 97

حسان عن محمد عن أبي هريرة مرفوعا: "أبو بكر وعمر خير الأولين"، الحديث تفرد به القنطرى والذي قبله، وهما موضوعان اهـ.

وأما المصنف (1) فمن وجهين أحدهما: في ذكره أن الخطيب رواه من طريق عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة عن سلمة، وهو إنما رواه من حديث أبي هريرة كما سبق.

ثانيهما: أنه نقل عن الذهبى في الكبير الحكم على الحديث بالوضع وأنه من رواية كذاب، ثم أضرب عن ذلك في الصغير واقتصر على الحكم بضعفه، وفى ذلك تقرير وتغير.

53/ 72 - "أبو بكرٍ منِّى وأنا مِنْهُ وأبو بَكْرٍ أخي فِي الدُّنْيا وَالآخرَةِ". (فر) عن عائشة.

قال الشارح: وهو ضعيف لضعف عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة.

وقال في الكبير: رمز المصنف لضعفه وليس يكفى منه ذلك، بل كان ينبغى حذفه إذ فيه عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، قال الذهبى في الضعفاء: كذبوه، وفى الميزان عن أبي حاتم: كان يكذب، وعن الدارقطنى: يضع الحديث، ثم رأيت المؤلف نفسه تعقبه بذلك في الأصل فقال: فيه عبد الرحمن ابن جبلة كذبوه.

قلت: وإذ عرف الشارح هذا وذكره في الكبير فكان الواجب عليه ذكره ولو باختصار في الصغير والتصريح بأنه موضوع، إذ لا معنى للانتقاد على المصنف بشيء ثم الإتيان بمثله، والحديث موضوع جزما قصد به ذلك الكذاب معارضة

(1) يقصد الشارح كما هو معلوم من السياق.

ص: 98

هذا المعنى الثابت لعلى عليه السلام بطريق التواتر في الآخرة، وبالسند الصحيح في قوله:"على منى وأنا من على" كما سيأتى في حرف العين.

وقد كان هذا الكذاب مغرما بوضع الأحاديث في هذا المعنى، قال الذهبى في ترجمة بشر بن حرب البزار: ويقال: بشير، قال ابن حبان: منكر الحديث، ثم ساق له حديثه عن أبي رجاء عن الزبير بن العوام مرفوعا:"الخليفة بعدى أبو بكر وعمر، ثم يقع الاختلاف" حدثناه القطان بالرقة: ثنا عبد اللَّه بن جعفر العسكرى ثنا عبد الرحمن بن عمرو ثنا بشر فذكره، قال الذهبى: هذا باطل والآفة من عبد الرحمن، فإنه كذاب اهـ. فكان الواجب على المصنف حذف هذا الحديث، الذي انفرد به هذا الكذاب.

54/ 74 - "أبو سُفيانَ بنُ الحَارِثِ سيِّدُ فِتيانِ أَهْلِ الجنَّةِ". ابن سعد (ك) عن عروة مرسلًا.

قال الشارح: ورواه الحاكم موصولا بلفظ: "أبو سفيان بن الحارث خير أهل الجنة".

وقال في الكبير: رواه ابن سعد باللفظ المذكور، وبلفظ:"سيد فتيان أهل الجنة"، فلعل عروة سمعه مرتين. ورواه الحاكم والطبرانى موصولا بلفظ:"أبو سفيان بن الحارث خير أهل الجنة"، قال الحاكم: على شرط مسلم وأقره الذهبى.

قلت: ينتقد على الشارح قوله: ورواه الحاكم موصولا دون ذكر صحابيه ولا بيان الطريق الموصولة هل هي من رواية عروة الذي أرسله أم من جهة غيره؟ فإن الموصول عند الحاكم [3/ 255، رقم 5111] من طريق حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن حبة البدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمرسل

ص: 99

عنده [3/ 255، رقم 5112] من طريق حماد بن سلمة أيضًا عن هشام بن عروة عن أبيه، وقوله: رواه ابن سعد باللفظ المذكور وبلفظ. . إلخ، كذلك وقع في الأصل المطبوع دون مغايرة بين اللفظين فكأنه تحرف، ثم إن ابن سعد لم يروه بلفظين إنما رواه بلفظ واحد فقال [4/ 1/ 36]:

أخبرنا يزيد بن هارون وعفان بن مسلم قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان أهل الجنة، فحج عاما فحلقه الحلاق بمنى وفى رأسه ثُؤْلُول فقطعه الحلاق فمات، قال يزيد في حديثه: "فيرون أنه شهيد"، وقال في حديثه عفان: "فمات فكانوا يرجون أنه من أهل الجنة"، ولا يخفى ما وقع من المغايرة بين الذي ذكره في الكبير والذي ذكره في الصغير وهو الصواب لا ما في الكبير.

55/ 75 - "أَتَاكُم أَهلُ اليمَنِ هُمْ أَضْعفُ قُلوبًا وأرَقُّ أَفئِدةً، الفقه يَمَانٌ والحِكمةُ يَمَانِيةٌ". (ق. ت) عن أبي هريرة.

قال الشارح: مرفوعًا، ووقفه الرافعى.

قلت: هذا لا معنى له ولا فائدة في ذكره، فالحديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جماعة من الصحابة، وورد عن أبي هريرة مرفوعًا من رواية أبي صالح وأبي سلمة من طرق وقد فصلت ذلك في جزء أفردته لطرق هذا الحديث سميته "موارد الأمان".

ص: 100

56/ 84 - "أتانِى جِبْرِيلُ في خَضِرٍ تَعَلَّقَ به الدُّرُّ"(قط) في الأفراد عن ابن مسعود.

قلت: رواه أيضًا المؤمل بن إهاب في جزئه، قال:

ثنا زيد بن الحباب ثنا الحسين بن واقد ثنا خصيف بن عبد الرحمن عن أبي وائل عن ابن مسعود به والحسين بن واقد ضعيف وشيخه فيه مقال.

57/ 86 - "أَتانى جبريلُ بِقِدْرٍ فَأَكَلْتُ مِنْها فأُعْطِيتُ قُوّةَ أربعينَ رجُلًا في الجِمَاعِ".

قال الشارح: زاد أبو نعيم عن مجاهد: "وكل رجل من أهل الجنة يعطى قوة مائة"، ابن سعد في الطبقات عن صفوان بن سليم مرسلا.

قال الشارح: وأسنده أبو نعيم وغيره عن أبي هريرة.

وقال في الكبير: وصله أبو نعيم والديلمى من حديث صفوان عن عطاء عن أبي هريرة يرفعه، ورواه الخطيب وابن السنى في "الطب" عن حذيفة مرفوعا، ثم إن فيه سفيان بن وكيع، قال الذهبى عن أبي زرعة: متهم بالكذب، وأورده ابن الجوزى في الموضوعات، ونازعه المؤلف بما حاصله أن له شواهد.

قلت: قال ابن سعد: أخبرنا عبيد اللَّه بن موسى عن أسامة بن زيد عن صفوان بن سليم به، ووصله أبو نعيم في الحلية، وفى الطب النبوى، فقال في الحلية [8/ 376]:

ثنا محمد بن على بن حبيش ثنا إسماعيل بن إسحاق السراج (ح).

وحدثنا الحسن بن علان ثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق الصولى قالا: حدثنا سفيان بن وكيع ثنا أبي عن أسامة بن زيد عن صفوان بن سليم عن عطاء بن

ص: 101

يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أتانى جبريل بقدر يقال لها الكفيت فأكلت منها" الحديث مثله، ثم قال أبو نعيم: غريب من حديث صفوان تفرد به وكيع اهـ.

وليس كذلك، بل رواه عبيد اللَّه بن موسى أيضًا كما سبق عند ابن سعد، اللهم إلا أن يريد موصولا وهو بعيد عن إطلاقه.

وقال في الطب النبوى:

حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف ثنا ابن ناجية ثنا سفيان بن وكيع به، لكن بلفظ:"أطعمنى جبريل الهريسة أشد بها ظهرى لقيام الليل"، وسفيان بن وكيع ضعيف، لأنه كان يقبل التلقين، وابتلى بوراق فكان يدخل عليه أحاديث فيحدث بها فكثر ذلك منه فسقط، ويدل لضعفه في هذا الحديث كون عبيد اللَّه ابن موسى أرسله وهو حافظ ثقة، وكونه اضطرب في متنه إلا أن يكون الاختلاف من الرواة عنه، والحديث باطل على كل حال، وقد أخذه الوضاعون وتفننوا في أسانيده ومتونه وهو المعروف بحديث الهريسة، وقد حكم الحفاظ بوضعه ومنهم ابن الجوزى [3/ 16]، وحاول المصنف أن يثبته فما أنجح، وقد أفرده بعض الحفاظ بالتأليف، ثم إن الشارح قال -كما تقدم- على قوله:"قوة أربعين رجلا في الجماع": زاد أبو نعيم عن مجاهد: "وكل رجل من أهل الجنة يعطى قوة مائة"، وفائدة ذكر هذا إنما تبنى على رواية أربعين رجلا من أهل الجنة، وقد ذكرها الشارح في الكبير فتمت الفائدة، وحذفها في الصغير فلم يبق لما زاده معنى، ولفظه في الكبير:"فأعطيت قوة أربعين" وفى رواية: "زيادة أهل الجنة في الجماع" راد أبو نعيم عن مجاهد: "وكل رجل من أهل الجنة يعطى قوة مائة" وصححه الترمذى وقال: غريب، وأربعون في مائة بأربعة آلاف اهـ.

ص: 102

قلت: والرواية التي أشار إليها أخرجها الحارث بن أبي أسامة، قال:

ثنا عبد العزيز بن أبان أنا إسرائيل عن ثور عن مجاهد قال: "أعطى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قوة أربعين رجلا كل رجل من أهل الجنة".

ورواه ابن سعد بلفظ آخر فقال:

أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان ثنا إسرائيل عن ليث عن مجاهد قال: "أعطى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بضع أربعين رجلًا، وأعطى كل رجل من أهل الجنة بضع ثمانين".

58/ 87 - "أَتانى جبْريلُ في أوَّل ما أُوحِيَ إليَّ فعلَّمَنى الوضُوءَ والصَّلاةَ فلمَّا فَرَغَ مِنَ الوضُوءِ أخَذَ غَرفةً مِنَ الماءِ فنضحَ بِهَا فَرْجَه".

(حم. قط. ك) عن أسامة بن زيد عن أبيه زيد بن حارثه.

قال الشارح: وفيه ضعيف ومتروك.

وقال في الكبير: رمز المؤلف لصحته وليس كما ظن، فقد أورده ابن الجوزى في العلل عن أسامة عن أبيه من طريقين في أحدهما ابن لهيعة والأخرى رشدين، وقال: ضعيفان، قال: والحديث باطل، وقال مخرجه الدارقطنى: فيه ابن لهيعة ضعفوه، وتابعه رشدين وهو ضعيف لكن يقويه كما قال بعض الحفاظ، وأورده من طريق ابن ماجة بمعناه، وروى نحوه عن البراء وابن عباس أما الصحة فلا فلا.

قلت: فيه أمور، الأول: أن الحديث لم يخرجه أحد باللفظ المذكور لا من عزاه إليهم المصنف ولا غيرهم، بل هو عند جميعهم بسياق آخر من لفظ زيد ابن حارثة لا من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم.

أما أحمد فقال [4/ 161]:

ص: 103

حدثنا حسن ثنا ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن عروة عن أسامة بن زيد عن أبيه زيد بن حارثة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن جبريل عليه السلام أتاه في أول ما أوحى إليه فعلمه الوضوء والصلاة فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه".

وأما الدارقطنى فقال [1/ 111، رقم 1]:

حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن عبد العزيز البغوي ثنا كامل بن طلحة أبو يحيى الجحدرى ثنا ابن لهيعة به مثله.

وأما الحاكم فقال [3/ 217، رقم 4958]:

أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد اللَّه التاجر ثنا على بن عثمان بن صالح ثنا أبي عثمان بن صالح ثنا ابن لهيعة به عن زيد بن حارثة عن نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أنه أتاه في أول ما أوحى إليه فأراه الوضوء والصلاة وعلمه الإسلام".

وهكذا رواه البيهقى من طريق يعقوب بن سفيان [1/ 161]:

ثنا عبد اللَّه بن يوسف ثنا ابن لهيعة به عن زيد بن حارثة: "أن جبريل نزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أول ما أوحى إليه فعلمه الوضوء فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده ماء فنضح به فرجه".

وإذ لفظهم هكذا والمصنف تصرف فيه فكان الأولى عزوه أيضًا إلى ابن ماجه لأنه رواه أيضًا، وإن كان المصنف قد ذكر لفظه في حرف العين.

قال ابن ماجه [1/ 157، رقم 462]:

ثنا إبراهيم بن محمد الفريابى ثنا حسان بن عبد اللَّه ثنا ابن لهيعة به مرفوعا: "علمنى جبريل الوضوء وأمرنى أن أنضح تحت ثوبى لما يخرج من البول بعد الوضوء".

ص: 104

ورواه ابن القطان صاحب ابن ماجه عن أبي حاتم وعبد اللَّه بن يوسف التنيسى كلاهما عن ابن لهيعة به.

الثانى: ذكر ابن أبي حاتم في العلل أنه سأل أباه عن هذا الحديث من رواية ابن لهيعة باللفظ السابق فقال [1/ 46، رقم 104]: هذا حديث كذب باطل، قال ابن أبي حاتم: وقد كان أبو زرعة أخرج هذا الحديث في كتاب المختصر عن ابن أبي شيبة عن الأشيب عن ابن لهيعة فظننت أنه أخرجه قديما للمعرفة اهـ.

فهو سلف ابن الجوزى في ذكره الحديث في العلل [1/ 356، رقم 586] وحكمه عليه بالبطلان وهو غلو وإسراف، فإن ابن لهيعة إمام حافظ لا يحكم على حديثه بالوضع إلا ما اتضحت نكارته وعرف أنه مما أدخل عليه واختلط فيه، وليس هذا الحديث كذلك؛ لأنه توبع عليه من شيخه بلفظه ووردت شواهده الكثيرة بمعناه كما سيأتى وأبو حاتم لا ينبغى الاعتماد: على حكمه على الأحاديث، لأنه يفرط ويسرف في ذلك بدون دليل ولا حجة.

الثالث: ما حكاه الشارح عن الدارقطنى عن قوله: فيه ابن لهيعة. . . إلخ غير صحيح، فإن الدارقطنى لم يقل شيئا من ذلك، فلعله رآه مذكورا في كلام بعضهم عقب ذكر الدارقطنى فظنه من قوله.

الرابع: أن متابعة رشدين بن سعد رواها أحمد والدارقطنى، لكن رشدين قصر بالحديث على أسامة ولم يقل: عن أبيه، قال أحمد [5/ 203]:

حدثنا هيثم بن خارجة ثنا رشدين بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن جبريل عليه السلام لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فعلمه الوضوء فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنة من ماء فرش بها نحو الفرج" قال: فكان النبي يرش بعد وضوئه.

ص: 105

وقال الدارقطنى [1/ 111، رقم 2]:

حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الكاتب حدثنا حمدان بن على ثنا هيثم بن خارجة به دون قوله: "فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرش بعد وضوئه".

الخامس: أن النسخ لم تتفق على الرمز لهذا الحديث بالصحة، بل بعضها فيه رمز الحسن وهي التي ينبغى أن تكون المعتمدة، فإن حديث ابن لهيعة لا يحكم المصنف بصحته ولكن قد يحكم بحسنه مع متابعة رشدين بن سعد إياه، لأن ابن لهيعة إذا توبع من غير كذاب أو متهم لا يمتنع الحكم لحديثه بالحسن إذا لم تكن فيه مخالفة، على أن بعض الحفاظ يحكم لما انفرد به بأنه بالحسن، فإذا توبع فقد يحكم له بالصحة لاسيما إذا ثبت المعنى المذكور في حديثه من شواهد متعددة، فإنه يقوى الظن بصحته وهذا الحديث كذلك، فقد وردت شواهده من حديث الحكم بن سفيان الثقفى وأبي هريرة وجابر بن عبد اللَّه وابن عباس وأبي سعيد وغيرهم وبالنظر إلى مجموعها يكون الحديث صحيحا لغيره، فإذا كان المصحف رمز لصحته فهو صواب أيضًا واللَّه أعلم.

السادس: أن النضح بعد الوضوء ورد من حديث الجماعة الذين سميناهم لا من حديث البراء وابن عباس اللذين اقتصر الشارح على ذكرهما في الباب فقط، أما حديث الحكم بن سفيان الثقفى فرواه أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجة والبيهقى من رواية مجاهد عنه:"أنه رأى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم توضأ ثم أخذ كفا من ماء فنضح به فرجه".

لكن اختلف في صحابيه وفي اسمه فبعضهم يقول: الحكم بن سفيان عن أبيه، ويذكرون أن الحكم ليس له رؤية وبعضهم يثبت له الإدراك والسماع ويصرح في نفس الحديث بذلك فيقول عنه:"رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعل" وبعضهم يقول: الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم، وبعضهم يقول: عن أبي

ص: 106

الحكم بأداة الكنية، وبعضهم يقول: ابن الحكم وكل هذا مذكور في الكتب التي سمينا.

قال أحمد [4/ 179]:

حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثني منصور (ح).

قال أحمد: وحدثنا عبد الرحمن بن مهدى ثنا سفيان وزائدة عن منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم، قال عبد الرحمن في حديثه:"رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بال وتوضأ ونضح فرجه بالماء".

وقال يحيى في حديثه: "إن النبي صلى الله عليه وسلم بال ونضح".

قال أحمد [4/ 179]:

حدثنا الأسود بن عامر ثنا شريك قال: سألت أهل الحكم بن سفيان فذكروا أنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، قال عبد اللَّه بن أحمد: ورواه شعبة ووهيب عن منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان عن أبيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال غيرهما: عن منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم.

قلت: يريد أن غيرهما لم يذكر أباه في الحديث مع التصريح بالرؤية كما قال عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان ووافقه على ذلك قاسم بن يزيد الجرمى عن سفيان أيضًا، وأما الغير الذي أشار إليه عبد اللَّه بن أحمد فمنهم جرير بن عبد الحميد وعمار بن رزيق وزكريا بن أبي زائدة، فرواية قاسم الجرمى رواها النسائي [1/ 86] عن أحمد بن حرب عنه عن سفيان:

حدثنا منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان قال: "رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم توضأ ونضح فرجه".

ورواية جرير عن منصور رواها أحمد [4/ 179] في ترجمة أبي الحكم أو

ص: 107

الحكم بن سفيان من المسند عنه عن منصور عن مجاهد عن ابن الحكم أو الحكم بن سفيان الثقفى قال: "رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ونضح على فرجه".

ورواية عمار بن رزيق عن العباس الدورى [رواها النسائي (1/ 86)](1): ثنا الأحوص بن جواب ثنا عمار بن رزيق عن منصور.

ورواية زكريا بن أبي زائدة رواها ابن ماجه [1/ 157، رقم 461] عن أبي بكر ابن أبي شيبة:

ثنا محمد بن بسر ثنا زكريا بن أبي رائدة قال: قال منصور: حدثنا مجاهد عن الحكم بن سفيان الثقفى: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثم أخذ كفا من ماء فنضح به فرجه".

ورواه أبو داود [1/ 43، رقم 166] عن محمد بن كثير قال:

أنا سفيان عن منصور عن مجاهد عن سفيان بن الحكم الثقفى أو الحكم بن سفيان قال: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا بال يتوضأ وينتضح"، قال أبو داود: وافق سفيان جماعة على هذا الإسناد يعنى عن الحكم دون ذكر أبيه قال: وقال بعضهم: الحكم أو ابن الحكم.

رواه البيهقى [1/ 161] من طريق أحمد بن سيار: ثنا محمد بن كثير به مثله، ثم قال: كذا رواه الثورى ومعمر وزائدة عن منصور

ورواه شعبة كلما أخبرنا أبو الحسن المقرى ثنا الحسن بن محمد بن إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب ثنا حفص بن عمر ثنا شعبة عن منصور عن مجاهد عن رجل

(1) ساقط من الأصل.

ص: 108

يقال له: الحكم أو أبو الحكم من ثقيف عن أبيه "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثم أخذ حفنة من ماء فانتضح بها".

قال البيهقى [1/ 161]: رواه وهيب عن منصور ورواه أبو عوانة وروح بن القاسم وجرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان مسندا ولم يذكروا أباه.

قال أبو عيسى: سألت محمد -يعنى البخارى- عن هذا الحديث فقال: الصحيح ما روى شعبة ووهيب وقالا: عن أبيه وربما قال ابن عيينة في هذا الحديث: عن أبيه اهـ.

قلت: وقد اختلف في هذا نظر أبي زرعة وأبي حاتم فصحح أبو زرعة قول من رواه عن الحكم مسندا، وصحح أبو حاتم قول من قال عن الحكم عن أبيه كما قال البخارى، حكى ذلك ابن أبي حاتم في العلل [1/ 46، رقم 103]، فقال: سمعت أبا زرعة يقول في حديث رواه جرير عن منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان أو أبي الحكم بن سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نضح فرجه.

ورواه الثورى عن منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه وهيب عن منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان عن أبيه، ورواه ابن عيينة عن منصور وابن أبي نجيح عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن أبيه فقال أبو زرعة: الصحيح مجاهد عن الحكم بن سفيان وله صحبة، وسمعت أبي يقول: الصحيح مجاهد عن الحكم بن سفيان عن أبيه ولأبيه صحبة اهـ.

ورواية ابن عيينة خرجها أبو داود [1/ 43، رقم 167] عن إسحاق بن إسماعيل عنه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن أبيه قال: "رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بال ثم نضح فرجه".

ص: 109

ورواه البيهقى من طريق إبراهيم بن أبي طالب عن ابن أبي عمر عن سفيان به، وذكر أن ابن عيينة مرة قال: هكذا عن أبيه، ومرة لم يذكر أباه.

وأما حديث أبي هريرة فرواه الترمذى [1/ 71، رقم 50] عن نصر بن على وأحمد بن عبيد اللَّه السلمى قال:

ثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة عن الحسن بن على الهاشمى عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جاءنى جبريل فقال: يا محمد، إذا توضأت فانتضح".

وقد ذكره المصنف في حرف الجيم وعزاه للترمذى وابن ماجه مع أنه عند ابن ماجة [1/ 157، رقم 643] بدون قوله: "جاءنى جبريل" ولفظه: "قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إذا توضأت فانتضح".

وقد ذكره المصنف كذلك في حرف "إذا" وعزاه له وحده وهو عند ابن ماجه عن الحسين بن سلمة اليحمدى عن سلم بن قتيبة.

ورواه أبو نعيم في تارلخ أصبهان [2/ 48]:

حدثنا عبد اللَّه بن جعفر بن أحمد ثنا إسماعيل بن عبد اللَّه ثنا عبد اللَّه بن عمر ثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة حدثني الحسن بن على الهاشمى به عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "قال لى جبريل عليه السلام: يا محمد إذا توضأت فانتضح". وقال الترمذى هذا حديث غريب سمعت محمد -يعنى البخارى- يقول: الحسن بن على الهاشمى منكر الحديث.

ورواه ابن حبان في الضعفاء [1/ 235]:

أخبرنا ابن قحطبة ثنا الحسين بن سلمة بن أبي كبشة ثنا سلم بن قتيبة به مرفوعا: "أخبرنى جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إذا توضأت فانتضح"،

ص: 110

ذكره ابن حبان في ترجمة الحسن بن على الهاشمى، وقال: روى المناكير عن المشاهير فلا يحتج به إلا فيما يوافق الثقات.

وأما حديث جابر فقال ابن ماجه [1/ 157، رقم 464]:

حدثنا محمد بن يحيى ثنا عاصم بن على ثنا قيس عن ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر قال: "توضأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فنضح فرجه" وقيس بن عاصم ضعيف.

وأما حديث ابن عباس فقال الدارمى [1/ 194، رقم 711]:

أخبرنا قبيصة أنبأنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ونضح فرجه".

ورواه البيهقى [1/ 162] من طريق عباس الدورى ثنا قبيصة به ثم قال البيهقى: تفرد قبيصة عن سفيان بقوله في الحديث: "ونضح".

ورواه جماعة عن سفيان دون هذه الزيادة ثم روى من طريق الأعمش عن سعيد بن جبير أن رجلا أتى أبن عباس فقال: إنى أجد بللا إذا قمت أصلى فقال ابن عباس: انضح بكاس من ماء، وإذا وجدت من ذلك شيئًا فقل: هو منه.

وأما حديث أبي سعيد فذكره الترمذى في الباب [1/ 71 تحت حديث رقم 51] ولم أقف الآن على حديث البراء الذي ذكره الشارح.

59/ 89 - "أَتانى جبريلُ فقالَ: يا محمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فإِنَّك ميِّتٌ وأحْبِبْ مَن شِئْتَ فإِنَّك مُفَارِقَهُ واعْمَلْ ما شِئتَ فإِنَّك مجْزيٌّ بِه واعْلَمْ أنَّ شَرفَ المؤمنِ قِيامُهُ باللَّيلِ وعزَّهُ اسْتِغناؤُه عَنِ النَّاسِ".

الشيرازى في الألقاب (ك. هب) عن سهل بن سعد (هب) عن جابر (حل) عن على

ص: 111

قال الشارح: وهو ضعيف لضعف زافر.

قلت: كلام الشارح فيه اختصار مجحف بل هو فاسد لدلالته على أن جميع طرقه التي ذكرها الصنف فيها زافر بن سليمان كأنه اضطرب فيه فرواه بعدة أسانيد وليس كذلك، وإنما هو في سند حديث سهل بن سعد وحده لا في حديث جابر وعلى عليه السلام.

والحديث أورده ابن الجوزى في الموضوعات [2/ 108] وتعقبه المصنف بما ذكر حاصله الشارح في الكبير، والحق أنه حديث حسن كما قال جمع من الحفاظ وله مخرجون وأسانيد لم يذكرها المصنف في استدراكه على ابن الجوزى، وقد ذكرتها في مستخرجى على مسند الشهاب والحمد للَّه.

60/ 93 - "أَتانِى مَلَكٌ فسلَّمَ عليَّ، نَزَل من السَّمْاء لَمْ يَنْزِلْ قبلَها فَبَشَّرَنِى أنَّ الحسَنَ والحسينَ سيِّدا شَباب أهْل الجنَّةِ وأنَّ فاطِمَةَ سَيدةُ نِساءِ أهلِ الجنَّةِ". ابن عساكر عن حذيفة.

قال الشارح: ورواه عنه أيضًا النسائي وغيره.

وقال في الكبير: ورواه عنه أيضًا النسائي خلافا لما أوهمه صنيع المؤلف من أنه لم يخرجه أحد من الستة، ورواه بمعناه الحاكم وقال: صحيح وأقره الذهبى.

قلت: استدراك الشارح باطل من جهة وجواب من أخرى، فبطلانه من جهة عزو الحديث إلى النسائي، فإنه لم يخرجه ولا هو من موضوع كتابه، وصوابه من جهة من الحديث في أحد الأصول الستة وهو سنن الترمذى، وكونه في مستدرك الحاكم والعزو إليه أولى من العزو إلى تاريخ ابن عساكر، وإن لم يكن هو عندهما باللفظ الذي ذكره، لكنه لمصلحة تقوية الحديث يعزى إليهما مع ابن عساكر كما يصنعه المؤلف في كثير من الأحاديث.

ص: 112

قال الترمذى [5/ 660، رقم 3781]:

حدثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن إسحاق بن منصور قالا: حدثنا محمد بن يوسف عن إسرائيل عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة قال: "سألتنى أمى متى عهدك تعنى بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: ما لى به عهد منذ كذا وكذا فنالت منى، فقلت لها: دعينى آتى النبي صلى الله عليه وسلم فأصلى معه المغرب وأسأله أن يستغفر لى ولكِ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب فصلى حتى صلى العشاء ثم انفتل فتبعته فسمع صوتى فقال: من هذا حذيفة؟.

قلت: نعم، قال: ما حاجتك غفر اللَّه لك ولأمك؟ هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم على ويبشرنى بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" قال الترمذى: حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل.

قلت: قد ورد من حديث غيره كما سيأتى.

ورواه أبو نعيم في الحلية [4/ 190] عن أبي بكر بن خلاد:

ثنا محمد بن غالب بن حرب ثنا الحسن بن عطية البزار ثنا إسرائيل بن يونس به، وفيه:"فأتيته وهو يصلى المغرب فصلى حتى صلى العشاء، ثم انصرف وخرج من المسجد فسمعت بعوض عرض له في الطريق فتأخرت، ثم دنوت فسمع النبي صلى الله عليه وسلم نقيضى من خلفه فقال: من هذا؟ قلت: حذيفة، فقال: ما جاء بك يا حذيفة؟ فأخبرته، فقال: غفر اللَّه لك ولأمك، يا حذيفة أما رأيت العارض الذي عرض؟ قلت: بلى، قال: ذاك ملك لم يهبط إلى الأرض قبل الساعة استأذن اللَّه في السلام على وبشرنى بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة".

قال أبو نعيم: تفرد به ميسرة عن المنهال عن زر وخالف قيس بن الربيع إسرائيل عن ميسرة عن عدى بن ثابت عن زر.

ص: 113

ورواه أبو الأسود عبد اللَّه بن عامر مولى بنى هاشم عن عاصم عن زر عن حذيفة مختصرا.

قلت: لم ينفرد به ميسرة بل رواه غيره كما سيأتى.

ورواه الخطيب [6/ 371] من طريق حسين بن محمد المرورى: ثنا إسرائيل به مختصرا بلفظ: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" ولم يذكر نزول الملك.

وقال الحاكم في المستدرك [3/ 151، رقم 4721]:

حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن على بن عفان العامرى ثنا إسحاق بن منصور السلولى ثنا إسرائيل عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن زر عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "نزل ملك من السماء فاستأذن اللَّه أن يسلم عَلَيَّ لم ينزل قبلها فبشرنى أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة".

قال الحاكم [3/ 151، رقم 4722]: تابعه أبو مرى الأنصارى عن المنهال:

أخبرنا على بن عبد الرحمن بن عيسى ثنا الحسين بن الحكم الجيزى ثنا الحسن ابن الحسين العرنى ثنا أبو مرى الأنصارى عن المنهال بن عمرو عن زر عن حبيش عن حذيفة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "نزل من السماء ملك فاستأذن اللَّه أن يسلم عَلَيَّ لم ينزل قبلها فبشرنى أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة"، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.

61/ 94 - "اتَّبِعُوا العُلَماءَ فإنَّهُم سُرُجُ الدُّنيا ومصَابِيحُ الآخِرَةِ". (فر) عن أنس

قال الشارح: وهو ضعيف لضعف القاسم بن إبراهيم الملطى.

قلت: فيه انتقاد على المصنف والشارح، أما المصنف: فإنه أورد الحديث في

ص: 114

ذيل الموضوعات وحكم بوضعه، فقال بعد أن أورده من عند الديلمى من طريق القاسم بن إبراهيم الملطى:

حدثنا لوين المصيصى ثنا مالك بن أنس عن الزهرى عن أنس به ما لفظه: القاسم بن إبراهيم الملطى قال الدارقطنى: كذاب، وقال الخطيب: روى عن لوين عن مالك عجائب من الأباطيل، وقال في الميزان: أتى بطامة لا تطاق ثم ذكر حديثا باطلا في الصفات ثم قال: وهذا باطل وضلال اهـ.

وأما الشارح فإنه قال في الكبير: فيه القاسم بن إبراهيم الملطى قال الذهبى: قال الدارقطنى: كذاب وأقره ابن حجر، وجزم المؤلف في زيادادت الموضوعات بوضعه فإيراده له هنا إخلال بشرطه اهـ.

ثم اقتصر في الصغير على أنه ضعيف بعد الاعتراف بأنه موضوع وهذا لا يجور، ثم لا يخفى ما في قوله: وأقره ابن حجر فإنه كلام لا معنى له في مثل هذا المقام.

62/ 95 - "أَتَتْكُمُ المنيَّةُ راتبةً لازمةً إِمَّا بِشَقَاوةٍ وإمَّا بسَعَادةِ".

ابن أبي الدنيا في ذكر الموت (هب) عن زيد السلمى مرسلا

قلت: قال ابن أبي الدنيا:

حدثنا جعفر الآدمى ثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن أبان عن زيد السلمى "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا آنس غفلة أو غرة يعنى من أصحابه نادى فيهم بصوت رفيع أتتكم المنية. . . " الحديث.

ورواه أبو نعيم في الحلية [7/ 304] في ترجمة سفيان بن عيينة.

ص: 115

63/ 97 - "أَتُحبُّ أنْ يَلينَ قَلْبُكَ وتُدْرِكَ حَاجَتَك، ارْحَم اليِتيمَ وامْسَحْ رأْسَه وأَطْعِمْه مِنْ طَعَامِكَ يَلِن قَلبُك وتُدْرِك حاجَتَك".

(طب) عن أبي الدرداء.

قال الشارح في الكبير: قال المنذرى: رواه الطبرانى من رواية بقية وفيه راوٍ لم يسم وبقية مدلس، وروى أحمد بسند قال الهيثمى تبعا لشيخه العراقى: صحيح: "أن رجلا شكا إلى المصطفى قسوة قلبه فقال له: امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين".

قلت: حديث أبي الدرداء هذا حديث طويل وله عند الطبرانى طريقان طريق فيه بقية والمبهم، وطريق ليس فيه بقية، وقد ذكره الحافظ المنذرى في موضعين في الترغيب [3/ 349، رقم 14] في كفالة اليتيم وقال:. . . ما نقله عنه الشارح، وذكر جملة منه في الترغيب في لزوم المساجد وقال: رواه الطبرانى في الكبير والأوسط والبزار، وقال: إسناده حسن وهو كما قال رحمه اللَّه تعالى اهـ.

وكذلك فعل الحافظ الهيثمى ذكره في باب ما جاء في الأيتام كما هنا وقال: رواه [8/ 160] الطبرانى وفيه راو لم يسم، وبقية مدلس، وذكره في باب لزوم المساجد منه جملة وقال: رواه الطبرانى في الكبير والأوسط والبزار، وقال: إسناده حسن قال الهيثمى: قلت: ورجال البزار كلهم رجال الصحيح اهـ.

قلت: قال أبو نعيم في الحلية [1/ 214]:

حدثنا سليمان بن أحمد هو الطبرانى ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا عبد الرزاق (ح)

وحدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا بشر بن الحكم ثنا عبد الرراق ثنا معمر عن صاحب له: أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان رضى اللَّه

ص: 116

عنه: يا أخى اغتنم صحتك وفراغك قبل أن ينزل بك من البلاء ما لا يستطيع العباد رده واغتنم دعوة المبتلى، ويا أخى وليكن المسجد بيتك، فإنى سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"إن المسجد بيت كل تقى، وقد ضمن اللَّه عز وجل لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والراحة والجواز على الصراط إلى رضوان الرب عز وجل"، ويا أخى ارحم اليتيم وادنه منك وأطعمه من طعامك، فإنى سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل يشتكى قساوة قلبه، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أتحب أن يلين قلبك؟ فقال: نعم، قال: ادن اليتيم منك وامسح رأسه وأطعمه من طعامك فإن ذلك يلين قلبك وتقدر على حاجتك" الحديث.

ثم قال أبو نعيم: رواه ابن جابر والمطعم بن المقدام عن محمد بن واسع أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان مثله.

قلت: رواية المطع خرجها القضاعى في مسند الشهاب [1/ 177، رقم 72] من طريق الربيع بن ثعلب: ثنا إسماعيل بن عياش عن المطعم بن المقدام وغيره عن محمد بن واسع قال: كتب أبو الدرداء فذكره مختصرا.

ورواه أبو الليث في التنبيه من طريق عبد الرحمن بن محمد المحارابى عن ليث ابن أبي سليم عن بعض أشياخه قال: بلغ أبا الدرداء أن سلمان الفارسي رضي الله عنهما اشترى خادما، فكتب إليه يعاتبه في ذلك، فكان في كتابه:"يا أخى تفرغ للعبادة قبل أن ينزل بك من البلاء ما لا تستطيع معه العبادة، واغتنم دعوة المؤمن المبتلى وارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك فإنى شهدته يوما -يعنى النبي صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل يشكو إليه قساوة قلبه فقال: "أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ قال: نعم، قال: ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك. . . " الحديث.

وقول الشارح: وروى أحمد. . . إلخ ينتقد عليه فيه أمران: أحدهما: أنه

ص: 117

لم يذكر صحابى الحديث وهو غير مرضى، والحديث قال أحمد [2/ 263]:

حدثنا بهز ثنا حماد بن سلمة عن أبي عمران عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال: "امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين"، بل ينبغى ذكر صحابى الحديث وصحابيه أبو هريرة رضي الله عنه.

ثانيهما: قوله: بسند، قال الهيثمى تبعا لشيخه العراقى: صحيح، فإن الهيثمى لم يقل: صحيح وإنما قال: رجاله رجال الصحيح، وفرق بين قولنا: صحح وقولنا: رجاله رجال الصحيح، لأن الأول يفيد أنه صحيح لا علة له بخلاف الثانى، فإن السند قد يكون رجاله رجال الصحيح وهو غير صحيح لوجود العلة أو الشذوذ فيه، وهذا الحديث كذلك فإنه وإن كان رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمى، إلا أنه (1) ليس بصحيح كما زعم المناوى لوجود العلة فيه، وهو كون أبي عمران لم يسمعه من أبي هريرة وإنما رواه عن رجل عن أبي هريرة والرجل مبهم لا يعرف فالسند غير صحيح.

وقد بين ذلك الطبرانى في روايته فإنه خرج الحديث في مكارم الأخلاق فقال [ص 350 رقم 107]:

حدثنا يوسف بن يعقوب القاضى ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن سلمة عن أبي عمران الجونى عن رجل عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال: "إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم" وقد ذكره المصنف بهذ اللفظ فيما سيأتى وعزاه للطبرانى في المكارم والبيهقى في الشعب فكتب عليه الشارح: "في سنده راو مجهول"، وحقه أن يقول:"راو لم يسم"، لأن المجهول في الاصطلاح من لا يعرف بجرح ولا عدالة وإن كان مذكورا باسمه ونسبه، والمبهم الذي لم يسم قد يكون

(1) في الاصل: "فإنه"، والصواب ما أثبتناه لتستقيم الجملة واللَّه أعلم.

ص: 118

معروفا بالجرح أو العدالة، إذا عينته رواية أخرى أو بينت اسمه.

64/ 98 - "اتَّخَذَ اللَّه إِبْراهيمَ خَليلًا، ومُوسى نجيا، واتَّخَذَنِى حَبِيبًا ثُمَّ قَالَ: وعِزَّتى وجَلالِى لأُوثِرَنَّ حَبِيبى عَلَى خَلِيْلِى ونَجِيي".

(هب) عن أبي هريرة

قلت: رواه ابن الجوزى في الموضوعات [1/ 290] من طريق إبراهيم بن الجنيد:

ثنا ابن أبي مريم ثنا مسلمة بن على الخشنى ثنا زيد بن واقد عن القاسم بن مخيمرة عن أبي هريرة به.

ثم قال ابن الجورى: لا يصح، تفرد به مسلمة وهو متروك، وتعقبه المصنف بأن البيهقى أخرجه في الشعب [2/ 185، رقم 1494]، وبأن مسلمة من رجال ابن ماجه، وهذا تعقب لا يفيد فإن في رجال ابن ماجه الكذابين والوضاعين، والبيهقى لم يوف بما قال: من أنه لا يخرج في كتبه حديثا يعلم أنه موضوع، على أنه علق ذلك بعلمه، وكم خرج من حديث موضوع لظنه أنه غير موضوع، ومسلمة المذكور في سند هذا الحديث مع كونه انفرد به فإنه اضطرب في إسناده، فمرة قال: كما سبق ومرة قال: عن زيد بن واقد حدثنى خالد بن عبد اللَّه بن الحسين حدثنى أبو هريرة به.

ورواه الديلمى في مسند الفردوس إلا أن يكون سقط من كلا السندين رجل، وعلى كل فتفرد مسلمة به يوهنه أو يدل على وضعه.

65/ 99 - "اتَّخِذُوا السَّراوِيلاتِ فِإنَّها من أَسْتَر ثِيَابكُم، وحصِّنُوا بها نِسَاءَكم إِذا خَرَجْنَ".

(عق. عد) والبيهقى في الأدب عن على

ص: 119

قلت: سيأتى في حديث "اللهم اغفر للمتسرولات من أمتى" فإن هذا قطعة منه.

66/ 100 - "اتَّخِذُوا السُّودانَ، فإن ثلاثةً مِنهُم مِن سَاداتِ أَهلِ الجنَّة: لُقمَانُ الحكِيمُ والنَّجَاشِيُّ وِبِلَال المُؤذِّنُ".

(حب) في الضعفاء (طب) عن ابن عباس

قال الشارح: ضعيف لضعف عثمان الطرائفى.

قلت: بل موضوع كما قال ابن الجوزى فإنه أورده في الموضوعات [2/ 232] من طريق ابن حبان في الضعفاء [1/ 180] ثم من رواية عثمان بن عبد الرحمن الطرائفى: ثنا أبين بن سفيان عن خليفة بن سلام عن عطاء عن ابن عباس به.

ثم قال: لا يصح أبين يقلب الأخبار وعثمان لا يحتج به، وتعقبه المصنف بأن عثمان وثق وأن له شاهدا من حديث واثلة مرفوعا:"خير السوادن ثلاثة لقمان وبلال ومهجع مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"، رواه الحاكم [3/ 284، رقم 5242] وقال: صحيح الإسناد.

ومن حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر مرفوعا: "سادة السودان أربعة لقمان الحبشى والنجاشى وبلال ومهجع" اهـ.

ولا يخفى ما فيه فإن الشاهد بعد ثبوته بعيد عن المشهود له، إذ ليس فيه الأمر باتخاذ السودان ولا ما يشير إليه، ثم أى ارتباط لتعليل اتخاذهم بأن منهم ثلاثة من سادات أهل الجنة، ولو كان ذلك علة للاتخاذ لكان أولى منهم البيض لأن منهم آلافا بل آلاف الآلاف من سادات أهل الجنة، ثم ما معنى اتخاذهم هل اتخاذ نسائهم زوجات؟ فإنه معارض بما ورد في النهى عن السواد وأنه لون مشوه، أو اتخاذهم عبيدا وإماء، فإنه يستدعى استرقاقهم دون موجب شرعى وذلك لا يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ثم فيه إساءة لهم وإهانتهم، وذلك

ص: 120

يعارض التعليل بكون الثلاثة منهم سادات أهل الجنة، ثم هو أيضًا معارض بما ورد في ذمهم وأن الأسود إنما هو لبطنه وفرجه، وأنه إذا جاع سرق وإذا شبع زنى.

والمقصود: أن الخبر منكر باطل لا يجور أن ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم، أما الشاهد الذي ذكره المصنف فلا شيء فيه مما ينكر، إذ فيه الإخبار بفضيلة الأشخاص الثلاثة وأنهم سادة السودان وخيرهم، وهذا حق لا إشكال فيه بخلاف حديث الترجمة فهو باطل موضوع كما قال ابن الجوزى واللَّه أعلم.

67/ 101 - "اتَّخِذُوا الدِّيكَ الأَبيضَ فإِنَّ دارًا فيها ديِكٌ أبيضُ لا يَقرَبُهَا شَيْطَانٌ ولَا سَاحرٌ ولا الدُّوَيْرَاتُ حَوْلَهَا". (طس) عن أنس

قلت: قال الطبرانى:

حدثنا أحمد بن على الأبار ثنا محمد بن محص عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أنس به، ومحمد بن محص وضاع كما قال الدارقطنى وغيره، فالحديث كذب موضوع ولذلك ينتقد على المصنف في إيراده، وعلى الشارح في سكوته عنه، لاسيما وقد نقل في الكبير عن الحافظ الهيثمى [5/ 117] أنه قال: فيه محمد بن محص العكاشى وهو كذاب فكان حقه أن يذكر ذلك ولو باختصار في الصغير.

68/ 102 - "اتَّخِذُوا هَذِهِ الحمامَ المقَاصِيصَ [في بيوتكم] (1) فَإِنَّها تُلِهى الجنَّ عَن صِبْيَانِكم".

الشيرارى في الألقاب، (خط. فر) عن ابن عباس، (عد) عن أنس

(1) هذه الزيادة من فيض القدير.

ص: 121

قال الشارح: [خط] في ترجمة اليشكرى، (فر) عن ابن عباس.

قال الشارح: وضعفه الخطيب وغيره، (عد) عن أنس، قال الشارح: من حديث عثمان بن مطر، وعثمان قال الذهبى: يروى الموضوعات.

قلت: فيه انتقاد على المصنف والشارح، أما المصنف فإنه أقر ابن الجورى على حكمه على حديث ابن عباس بأنه موضوع ثم أورده هنا، وأما الشارح فمن وجوه: الأول: قوله عن الخطيب: أنه خرج الحديث في ترجمة اليشكرى لغو لا فائدة فيه إلا تسويد الورق، فإن المراد منه تعيين الترجمة للرجوع إليها ونظر الحديث فيها، وذكر هذه النسبة بدون اسم صاحبها إحالة على مراجعة الثمانية آلاف ترجمة التي يحتوى عليها تاريخ الخطيب، مع أن الرجل الذي خرج الخطيب الحديث في ترجمته لا يعرف باليشكرى، وإنما يعرف بالميمونى، فإن الخطيب قال [5/ 279]: محمد بن زياد اليشكرى الطحان يعرف بالميمونى، فلو قال الشارح: في ترجمة الميمونى لكان ذلك لغوا لا فائدة فيه أيضًا مع عدم ذكر الاسم فكيف وقد ذكر النسبة التي لا يعرف الرجل بها؟.

الثانى: قوله: وضعفه الخطيب وغيره، فإن الخطيب لم يضعفه ولم يتكلم

عليه، وإنما تكلم على روايه ونقل أقوال أهل الجرح فيه.

الثالث: أن الشارح ذكر في الكبير خلاف ما ذكره في الصغير، فإنه قال: قضيته أن مخرجه الخطيب خرجه ساكتا عليه والأمر بخلافه، فإنه عقبه بنقله عن أحمد وابن معين وغيرهما: أن محمد بن زياد كان كذابا يضع الحديث، وقال ابن حجر: فيه محمد بن زياد اليشكرى كذبوه، وفي الميزان: كذاب وضاع ثم أورد له هذا الخبر، ثم قال في حديث أنس الذي رواه ابن عدى: فيه عثمان بن مطر، قال في الميزان عن ابن حبان بعد ما ساق له هذا الخبر: يروى الموضوعات عن الأثبات ومن ثم حكم ابن الجوزى [3/ 12] بوضعه

ص: 122

وتبعه المؤلف في مختصر الموضوعات ساكتا عليه، وحكاه عنه في الكبير وأقره، فكان ينبغى حذفه من هذا الكتاب وفاء بشرطه.

وممن جزم بوضعه ابن عراق والهندى وغيرهما اهـ.

فهذا جزم من الشارح بأن الحديث موضوع فكيف يقول بعد هذا في الشرح الصغير: إنه ضعيف؟ لاسيما مع نسبة ذلك إلى الخطيب والخطيب برئ منه، ثم إن قوله: قضيته أن مخرجه الخطيب خرجه ساكتا عليه. . . إلخ باطل من وجهين: أحدهما: أنه لا معنى له كما سبق التنبيه على نظيره، فإن الذي ينقل الحديث ثم يسكت عليه أو يتكلم هو الذي يصنف في الحديث، أما من يصنف في الرجال فإنه يتكلم على الرجال جرحا وتعديلا، ويورد الحديث في ترجمة الرجل ليستدل به على حاله، لأنه من أحاديث الرجل تعرف عدالته وعدمها لا أنه يورد الحديث ليقره ويسكت عليه أو ليتكلم عليه وينكره، فكلام الشارح في هذا يدل على بعده عن الفن وعدم معرفته لقواعده وأصوله.

ثانيهما: أنه على تسليم ذلك فإن الخطيب لم يتكلم على الحديث لا بتضعيف ولا غيره كلما سبق، بل قال ما نصه [5/ 279]: محمد بن زياد اليشكرى الطحان يعرف بالميمونى حدث عن ميمون بن مهران فنسب إليه، رواه عنه الربيع بن ثعلب وزياد بن يحيى وغيرهما:

أخبرنا محمد بن على بن الفتح ثنا على بن عمر الحافظ ثنا أبو طلحة أحمد بن محمد بن عبد الكريم ثنا زياد بن يحيى أبو الخطاب ثنا محمد بن زياد ثنا ميمون ابن مهران عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "اتخذوا الحمام المقاصيص فإنها تلهى الجن عن صبيانكم".

أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق أخبرنا هبة اللَّه بن محمد بن حبشى الفراء ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: سمعت يحيى بن معين يقول: كان ببغداد قوم يضعون الحديث كذابون منهم محمد بن زياد كان يضع الحديث، أخبرنا

ص: 123

الجوهرى أخبرنا محمد بن العباس ثنا محمد بن قاسم الكوكبى ثنا إبراهيم بن عبد اللَّه بن الجنيد قال: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن زياد الطحان ليس بشيء كذاب، الذي يروى عن ميمون بن مهران ما يروى.

أخبرنا عبيد اللَّه بن عمر الواعظ ثنا أبي ثنا عبد اللَّه بن سليمان يعنى الوراق ثنا عبد اللَّه بن أحمد قال: وسألته -يعنى أباه- عن محمد بن زياد كان يحدث عن ميمون بن مهران قال: كذاب خبيث أعور يضع الحديث.

أخبرنا أحمد بن أبي جعفر أخبرنا محمد بن عدى البصرى في كتابه ثنا أبو عبيد محمد بن على الآجرى قال: سألت أبا داود عن محمد بن زياد الميمونى قال: سمعت أحمد بن حنبل قال: ما كان أجرأه يقول: حدثنا ميمون بن مهران أخبرنا على بن محمد بن الحسن المالكى أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان الصفار ثنا محمد بن عمران الصيرفى ثنا عبد اللَّه بن على المدينى قال: سألت أبي عن محمد بن زياد صاحب ميمون بن مهران قال: كتبت عنه كتابا فرميت به وضعفه جدا، ثم أطال الخطيب في مثل هذه النقول عن المجرحين لصاحب الترجمة ولم يتعرض للحديث.

69/ 103 - "اتَّخِذُوا الغَنَمَ فإِنَّ فِيهَا بَرَكة".

(طب. خط) عن أم هانئ، ورواه (هـ) بلفظ:"اتخذى غنما فإنها بركة"

قلت: الحديث رواه باللفظ الأول أحمد في مسنده فالعزو إليه أولى، قال أحمد [6/ 424]:

حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن أم هانئ قالت: قال رسول اللَّه: "اتخذوا الغنم فإن فيها بركة" وهذا سند على شرط الصحيح، والمصنف اقتصر على تحسينه ولعله لأجل من وقع قبل أبي معاوية في سند

ص: 124

من عزاه إليهما وهما الطبرانى [24/ 427، رقم 1039] والخطيب [7/ 11]، لكن يعكر عليه أن سنده عند ابن ماجه على شرط الصحيح أيضًا، فإنه قال [2/ 773، رقم 2304]: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع عن هشام بن عروة به.

وهذا سند كالشمس.

ثم إن الشارح قال في الكبير: ورواه أحمد، قال الهيثمى بعدما عزاه لأحمد فيه موسى بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة لم أعرفه اهـ.

وهذا يوهم أن المتن الذي ذكره الهيثمى وعزاه لأحمد مثل المتن المذكور في الكتاب، فيلزم عليه الاستدراك على الحافظ الهيثمى بأنه ذكر حديثا في الزوائد وهو ليس من الزوائد لوجوده في سنن ابن ماجه وليس كذلك، بل الذي سوغ للنور الهيثمى ذكره في الزوائد كونه بسياق آخر وهو:"اتخذى غنما يا أم هانئ فإنها تروح بخير وتغدو بخير"، وهذا السياق هو الذي في سنده الرجل المذكور، فإن أحمد قال [6/ 343]:

حدثنا إبراهيم بن خالد حدثنى رباح عن معمر عن أبي عثمان الجحشى عن هوسى أو فلان بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة عن أم هانئ، أما لفظ الحديث المذكور في الكتاب فسنده عن أبي معاوية عن هشام عن أبيه عنها كما سبق.

70/ 105 - "اتَّخِذْهُ مِنْ وَرقٍ ولا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا" يعنى الخاتم. (3) عن بريدة

قال الشارح: وهو حسن لشواهده.

وقال في الكببر: قال الترمذى: حديث غريب، قال ابن حجر: وفيه عبد الرحمن بن مسلم أبو طيبة، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن حبان: يخطئ ومع ذلك صححه -يعنى بإخراجه إياه في الصحيح- فدل على

ص: 125

قبوله له، وأقل درجاته الحسن ولذلك رمز المؤلف لحسنه، لكن ضعفه النووى في المجموع وشرح مسلم وتبعه جمع من الفقهاء.

قلت: كذا وقع في النسخة عبد الرحمن بن مسلم وصوابه عبد اللَّه، أما الحديث فضعيف كما قال الترمذى والجمهور لا كما قاله الحافظ والمصنف، فإن أبا طيبة لا يحتج به لخطئه، وما كان كذلك لا يكون حديثه حسنا إذا انفرد فكيف إذا خالف، فإن هذا الحديث رواه غيره فخالفه فيه.

قال البخارى في الأدب المفرد [ص 341، رقم 1025]:

حدثنا إسماعيل حدثنى سليمان عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده خاتم من ذهب فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فلما رأى الرجل كراهيته ذهب فألقى الخاتم وأخذ خاتما من حديد فلبسه وأتى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هذا شر هذا حلية أهل النار فرجع فطرحه ولبس خاتما من ورق فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم".

وهذا الموافق للحديث الصحيح في الفضة: "ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا".

وقد روى الإمام أحمد في مسنده حديث بريدة بالقصة التي رواها به أهل السنن الثلاثة لكنه لم يذكر لفظ حديث الترجمة فقال [5/ 359]:

حدثنا يحيى بن واضح وهو أبو تميلة عن عبد اللَّه بن مسلم عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه قال: "رأى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في يد رجل خاتما من ذهب فقال: مالك ولحلى أهل الجنة، قال: فجاء وقد لبس خاتما من صفر، فقال: أجد منك ريح أهل الأصنام، قال: فمما أتخذه يا رسول اللَّه؟ قال: من فضة".

على أن القصة سواء من حديث بريدة وحديث أبي سعيد يعارضها حديث آخر فيه نفس القصة، ولكنه يوافق حديث أبي سعيد في إباحة الفضة وعدم التقييد

ص: 126

المذكور، قال البخارى في الأدب المفرد [ص 342، رقم 1026]:

حدثنا عبد اللَّه بن صالح قال: حدثنا الليث عن عمرو بن الحارث عن بكر بن سوادة عن أبي النجيب عن أبي سعيد قال: "أقبل رجل من البحرين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فلم يرد وفي يده خاتم من ذهب وعليه جبة حرير، فانطلق الرجل محزونا فشكى إلى امرأته، فقالت: لعل برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جبتك وخاتمك فألقهما ثم عد، ففعل فرد السلام وقال: جئتك آنفا فاعرضت عنى، قال: كان في يدك جمر من نار، فقال: لقد جئت إذن بجمر كثير، قال: إنما جئت به ليس بأحد أغنى من حجارة الحرة ولكنه متاع الحياة الدنيا قال: فبماذا أتختم به؟ قال: بحلقة من ورق أو صفر أو حديد".

فالحديثان أعنى حديث أبي سعيد وعبد اللَّه بن عمرو وإن تعارضا في الحديد فقد اتفقا في إباحة الورق من غير تقيد وهما مرافقان لحديث "فالعبوا بها لعبا"، والجمبع مخالف لحديث عبد اللَّه بن مسلم أبي طيبة الذي لا يحتج به فكيف يكون حسنا، بل ضعيف ساقط كما ترى واللَّه أعلم.

71/ 106 - "أتَدْروُنَ مَا العَضْهُ؟ نَقْلُ الحدِيثِ مِن بَعْضِ النَّاسِ إِلى بَعضٍ ليُفْسِدُوا بَيْنَهُمْ". (خد. هق) عن أنس

قال الشارح في الكبير: رمز المصنف لحسنه وليس كما قال، فقد أعله الذهبى في المهذب متعقبا على البيهقى، فقال: فيه سنان بن سعد وهو ضعيف.

قلت: سنان بن سعد ويقال: سعد بن سنان وثقه ابن معين وأحمد بن صالح وابن حبان، وقال غيرهم: حديثه حسن، فلأجل هذا مع شاهده الصحيح المخرج في صحيح مسلم حسنه المصنف، فقد روى مسلم في صحيحه [4/ 2012، رقم 2606/ 102] من حديث ابن مسعود قال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم-

ص: 127

قال: "ألا أنبئكم ما العَضْهُ (1) هي النميمة القالة بين الناس" الحديث، وقد خرجه الطحاوى في فصل تكلم فيه على معنى العَضْهُ مع حديث الترجمة أيضًا فاسمعه.

قال الطحاوى في مشكل الآثار [5/ 168، رقم 2390] باب بيان مشكل ما روى عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أخذه على أصحابه في بيعته إياهم أن لا يعضه بعضهم بعضا:

حدثنا إسماعيل بن يحيى المزنى ثنا الشافعى قال: ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن عبادة بن الصامت قال: "أخذ علينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ستا كما أخذ على النساء: أن لا تشركوا باللَّه ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا يعضه بعضكم بعضا ولا تعصونى في معروف (2) أمرتكم به، فمن أصاب منكم منهن واحدة فعجلت عقوبته فهي كفارته، ومن تأخرت عقوبته فأمره إلى اللَّه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له".

قال الطحاوى: فتأملنا قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ولا يعضه بعضكم بعضا" لنقف على المراد به فوجدنا المزنى قد حدثنا قال: حدثنا الشافعى رحمه الله قال: من كذب على أخيه فقد عضهه، ووجدنا أبا قرة محمد بن حميد قد

(1) قال الشيخ محمد فؤاد عبد الباقى في تعليقه على صحيح مسلم (4/ 2012): هذه اللفظة رووها على وجهين: أحدهما "العِضَة" بكسر العين وفتح الضاد المعجمة على وزن العدة والزنة، والثانى:"العَضْهُ" بفتح العين وإسكان الضاد على وزن الوجه، وهذا الثانى هو الأشهر في روايات بلادنا، والأشهر في كتب الحديث، وكتب غريبه، والأول أشهر في كتب اللغة. ونقل القاض أنه رواية أكثر شيوخهم وتقدير الحديث -واللَّه أعلم-: ألا أنبئكم ما العضه؟ الفاحش الغليظ التحريم اهـ بنصه.

(2)

كتب في الأصل بسقوط الواو هكذا "معرف".

ص: 128

حدثنا قال: سمعت سعيد بن كئير بن عفير يقول: العاضهة الساحرة قال: وأنشدنا في ذلك:

أعوذ بربى من العاضها

ت في عقد مستعضه العاضه

قال: ثم وجدنا في ذلك ما هو أعلى من هذين القولين وهو ما قد حدثنا به يزيد ابن سنان قال: حدثنا بشر بن عمر الزهرانى وأبو داود الطيالسي واللفظ لبشر قالا: حدثنا شعبة قال: أنا أبو إسحاق -يعنى السبيعى- عن أبي الأحوص قال: قال عبد اللَّه -يعنى ابن مسعود-: إن محمدا صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة الفارقة بين الناس"، ووجدنا أبا أمية قد حدثنا قال: أنا سليمان بن عبد اللَّه الرقى ثنا عبيد بن عمير عن زيد بن أبي أنيسة عن أبي الأحوص عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "العضه هي النميمة الفارقة بين الناس" ووجدنا يزيد قد حدثنا قال: حدثنا حبان بن هلال ثنا عبد العزيز ابن مسلم القسملى أنا إبراهيم الحميرى عن أبي الأحوص عن عبد اللَّه قال: "كنا نقول في الجاهلية أن العضه هو السحر، وإن العضه فيكم اليوم القالة، قيل: وحسب الرجل من الكذب أن يحدث بكل ما سمع"، ووجدنا يونس قد حدثنا قال: حدثنا ابن وهب أخبرنى عبد اللَّه بن لهيعة عن عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعيد عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون ما العضه؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: هو نقل الحديث من بعض الناس إلى بعض ليفسدوا بينهم" اهـ المراد منه.

وقال البيهقى في السنن [10/ 246، 247]:

أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ أخبرنى عبد اللَّه بن سعد ثنا إبراهيم بن أبي طالب ثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يحدث قال: سمعت أبا الأحوص يحدث عن عبد اللَّه بن

ص: 129

مسعود رضي الله عنه قال: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس"، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم قال:"إن الرجل ليصدق حتى يكتب عند اللَّه صديقا دان الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللَّه كذابا"، قال البيهقى: وأخبرنا أبو الحسن على بن محمد المقرئ أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب ثنا أحمد بن عيسى ثنا ابن وهب أخبرنى بن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس به. فالحديث بالنظر إلى حديث ابن مسعود صحيح وإنما اقتصر المصنف على تحسينه بالنظر إلى سنده مع اعتبار شاهده.

72/ 107 - "أَتْرِعُوا الطُّسُوسَ وَخَالِفُوا المَجُوسَ". (هب. خط. فر) عن ابن عمر

قال الشارح في الكبير: وضعفه البيهقى وقال: في إسناده من يجهل، وقال ابن الجوزى: حديث لا يصح وأكثر رواته ضعفاء ومجاهيل، لكنه ورد بمعناه خبر جيد رواه القضاعى في مسند الشهاب عن أبي هريرة بلفظ:"أجمعوا وضوءكم جمع اللَّه شملكم"، وقال الحافظ العراقى: إسناده لا بأس به، وروى البيهقى عن أبي هريرة مرفوعا:"لا ترفعوا الطسوس حتى تطف، اجمعوا وضوءكم جمع اللَّه شملكم".

قلت: حديث ابن عمر رواه الديلمى من طريق الخطيب فسندهما واحد، فإن الديلمى قال: أخبرنا أحمد بن سعد، أخبرنا أحمد بن على إذنا وهو الخطيب فذكره بإسناده، والخطيب رواه [5/ 9] في ترجمة أحمد بن محمد بن زكريا أبي العباس النسوى فقال:

أخبرنا الحسن بن أبي طالب وعبيد اللَّه بن أبي الفتح قالا: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن زكريا النسوى ثنا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل

ص: 130

ابن إبراهيم الخيام ثنا أبو هارون سهل بن شازويه الحافظ ثنا جلوان بن سمرة البَانِبى حدثنا عصام أبو مقاتل النحوى عن عيسى بن موسى غنجار عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر به.

وأما حديث أبي هريرة الذي ذكره الشارح، فقال القضاعى [1/ 408، رقم 702]:

أخبرنا هبة اللَّه بن إبراهيم الخولانى أنا الحسن بن على الصوفى ثنا فاروق بن عبد الكبير الخطابى أنا أبو على هشام بن على السيرافى ثنا محمد بن سليمان ابن محمد بن كعب أبو عمر الصباحى ثنا عيسى بن شعيب عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا ترفعوا الطست حتى يطف، اجمعوا وضوءكم جمع اللَّه شملكم".

ورواه الديلمى في مسند الفردوس من طريق ابن لال قال [5/ 179، رقم 7537]:

حدثنا ابن حمدان ثنا محمد بن غالب ثنا محمد بن سليمان بن محمد بن به مثله، فلفظ حديث أبي هريرة واحد عند القضاعى والبيهقى في الشعب وغيرهما وهو يبين المعنى من حديث ابن عمر.

73/ 108 - "أَتَرِعُونَ عَنْ ذِكْرِ الفَاجرِ أَنْ تذْكُروه؟ فاذْكُروه يَعْرِفُهُ النَّاسُ". (خط) في رواة مالك عن أبي هريرة

قال الشارح: وقال -يعنى الخطيب-: تفرد به الجارود وهو منكر الحديث اهـ.

وقال في الكبير: وقضية تصرف المصنف أن مخرجه الخطيب خرجه ساكتا عليه

ص: 131

والأمر بخلافه، بل قال: تفرد به الجارود، وهو كما قال البخارى: منكر الحديث، وكان أبو أسامة يرميه بالكذب هذا كلام الخطيب، فنسبته لمخرجه واقتطاعه من كلامه ما عقبه به من بيان حاله غير مرضى، وقد قال في الميزان: إنه موضوع، ونقله عنه في الكبير وأقره عليه، لكن نقل الزركشى عن الهروى في كتاب "ذم الكلام": أنه حسن باعتبار شواهده التي منها ما ذكره المصنف في الحديث بعده.

قلت: هذا خبط وتخليط عجيب من الشارح رحمه الله وبيانه من وجوه: الأول: في قوله تفرد به الجارود، فإن الجارود في مسند حديث بهز ابن حكيم عن أبيه [عن] جده المذكور بعد هذا لا في سند حديث أبي هريرة، أما حديث أبي هريرة فمروى من طريق أحمد بن سليمان الحرانى ثنا مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة به.

الثانى: أن هذا الحديث بالنظر إلى سنده موضوع بلا خلاف من أحد من أهل الحديث، والكلام الذي نقله عن الزركشى هو في الحديث الذي بعده وفي ترجمة أحمد بن سليمان الحرانى من الميزان [1/ 102، رقم 401]، قال الذهبى عن حديثه هذا: إنه موضوع.

الثالث: أن الخطيب لم يقل شيئًا مما نقله عنه الشارح في كتاب الرواة عن مالك، بل قال ذلك بمعناه لا بلفظه في التاريخ [7/ 262]، في ترجمة الجارود بن يزيد النيسابورى راوى حديث بهز بن حكيم الآتى بعده، فالشارح أدخل إسنادا في إسناد ونسب كلاما مذكورا في كتاب إلى كتاب آخر، وسيأتى نص كلام الخطيب في الحديث الذي بعده.

ص: 132

74/ 109 - "أتَرِعُوَن عَن ذِكْرِ الفاجرِ؟ متى يعرِفُه الناسُ؟ اذكروا الفاجر بما فيه يحذَرُه الناسُ".

ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، والحكيم في نوادر الأصول. والحاكم في الكنى، والشيرازى في الألقاب. (عد. طب. هق. خط) عن بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده.

قال الشارح: في ترجمة محمد بن القاسم المؤدب عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.

وقال في الكبير عند ذكر المخرجين: والحاكم أبو عبد اللَّه في كتاب الكنى والألقاب. . . إلخ.

قلت: في كلام الشارح أمران، أحدهما: أن كتاب الكنى ليس هو لأبي عبد اللَّه الحاكم وإنما هو لأبي أحمد الحاكم، وهو أكبر من أبي عبد اللَّه بل هو شيخه، واسمه محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الكرابيسى النيسابورى الحافظ الكبير، مات سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، وكتابه هذا هو أعظم كتاب ألف في بابه وأوسع، وأما الحاكم أبو عبد اللَّه فهو محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن حمدويه الضبى النيسابورى المعروف بابن البيع، الحافظ الكبير صاحب المستدرك على الصحيحين، وتاريخ نيسابور، والمعرفة، والإكليل، والمدخل، والأربعين، ومناقب الشافعى وغيرها، المتوفى سنة خمس وأربعمائة.

ثانيهما: أن الخطيب روى هذا الحديث [1/ 382] في ترجمة محمد بن أحمد أبي عبد اللَّه البرزاطى، وفي ترجمة محمد بن القاسم أبي بكر المؤدب [3/ 188]، وفي ترجمة الحسن بن أحمد بن حفص أبي القاسم الحرانى [7/ 268]، وفي ترجمة الجارود بن يزيد النيسابورى [7/ 262]، فتخصيص

ص: 133

محمد بن القاسم المؤدب بالذكر لا فائدة فيه لاسيما والخطيب أطال في طرق الحديث والكلام عليه في ترجمة الجارود الذي يقولون إنه انفرد به، فلو اقتصر على ذكر عزوه إلى ترجمته لكان له وجه وجيه، أما إلى ترجمة محمد ابن القاسم المؤدب فلا.

أما الحديث فرواه الجارود بن يزيد، قال: لقيت بهز بن حكيم في الطواف فحدثنى عن أبيه عن جده قال: "قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم" فذكره.

رواه عن الجارود جماعة منهم مولى سعيد بن عبد الرحمن وأبو شجاع أحمد ابن محمد الصيدلانى، ومحمد بن سعيد الجلاب، ومحمد بن عبد الملك بن رنجويه، وسلمة بن شبيب وقطن بن إبراهيم النيسابورى وآخرون.

ومن طريق هؤلاء رواه الحكيم في نوادر الأصول [2/ 64]، والبيهقى في السنن [10/ 210]، والخطيب في عدة مواضع، وابن عدى [(2/ 173، 174)، (3/ 289)]، والعقيلى [1/ 202]، وابن حبان في الضعفاء [1/ 220]، والحاكم في تاريخ نيسابور وغيرهم ممن ذكر المصنف، ثم طعنوا فيه. فقال العقيلى: ليس له أصل من بهز ولا من حديث غيره، ولا يتابع عليه يعنى الجارود من طريق يثبت.

وقال الدارقطنى في العلل: هذا الحديث من وضع الجارود، وسرقه منه جماعة منهم: عمرو بن الأزهر وعمرو كذاب، ومنهم سليمان بن عيسى وكان كذابا دجالا، فرواه عن الثورى عن بهز، ومنهم العلاء بن بشر، رواه عن سفيان بن عيينة عن بهز، وابن عيينة لم يسمع من بهز، وغير لفظه فقال:"ليس لفاسق غيبة".

وقال البيهقى في السنن: هذا حديث يعرف بالجارود بن يزيد، وأنكره عليه أهل العلم بالحديث.

ص: 134

سمعت أبا عبد اللَّه الحافظ يقول: سمعت أبا عبد اللَّه محمد بن يعقوب الحافظ غير مرة يقول: كان أبو بكر الجارود إذا مر بقبر جده في مقبرة الحسين بن معاذ يقول: يا أبت، لو لم تحدث بحديث بهز بن حكيم لزرتك.

قال البيهقى: وقد سرقه منه جماعة من الضعفاء فرووه عن بهز بن حكيم، ولم يصح فيه شيء، وقال أيضا في شعب الإيمان: هذا يعد في أفراد الجارود، وقد روى عن غيره وليس بشيء، ثم روى عن الحاكم حديث العلاء ابن بشر عن سفيان بن عيينة الآتى بلفظ:"ليس لفاسق غيبة"، ثم قال: قال أبو عبد اللَّه الحاكم: هذا غير صحيح ولا معتمد.

قال البيهقى: وهذا إن صح فإنما أراد به فاجرا معلنا بفجوره أو هو ممن يشهد في أمور الناس ويتعلق به بشيء من الديانات فيحتاج إلى بيان حاله لئلا يعتمد عليه اهـ.

وقال ابن حبان: الجارود يروى عن الثقات ما لا أصل له، فذكر هذا الحديث وأسند عن أحمد بن حنبل أنه قال: هذا حديث منكر اهـ.

وأطال ابن عدى في تضعيفه، وأخرجه أيضا عن سليمان بن عيسى بن نجيح السجزى عن سفيان الثورى عن بهز بن حكيم به، ثم قال: وسليمان هذا ممن يضع الحديث، وهذا عن الثورى باطل.

وأخرجه أيضا من رواية عمرو بن الأزهر العتكى الواسطى عن بهز بن حكيم، ونقل تضعيف عمرو بن الأزهر عن البخارى والنسائى، قال: وكل من روى هذا الحديث فهو ضعيف اهـ.

وقال الخطيب: روى أيضا عن سفيان الثورى والنضر بن شميل ويزيد بن حكيم عن بهز، ولا يثبت عن واحد منهم ذلك، والمحفوظ أن الجارود تفرد برواية هذا الحديث.

ص: 135

قلت: وهذا من الكلام الذي لا يعقل، إذ كيف يتفرد به مع رواية هؤلاء، ثم ما تمالأ عليه هؤلاء الحفاظ هو من التقليد المذموم الذي يتبع فيه الآخر الأول بدون روية ولا تأمل، فالجارود تابعه جماعة منهم من هو متهم يحتمل أن يكون سرقه، ومنهم من هو ضعيف لا يتحمل ذلك ولا يصل به الحال إلى سرقة الحديث، ومنهم من هو مستور وإنما ضعف بسبب روايته هذا الحديث كما فعلوا في غيره مما جعلوه علامة على ضعف كل من رواه، كالعلاء بن بشر، ومنهم من هو ثقة كمكى بن إبراهيم وعبد الوهاب بن همام عن معمر عن بهز، قال القضاعى في مسند الشهاب [2/ 202، رقم 1185]:

أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عبد اللَّه الكوفى أنا أحمد بن إبراهيم بن أبي حصين الهمدانى ثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمى ثنا جُعْدُبة بن يحيى ثنا العلاء بن بشر عن سفيان بن عيينة عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "ليس لفاسق غيبة".

وقال ابن عدى [5/ 221]:

ثنا العباس بن أحمد البرتى وغيره ثنا جعدبة بن يحيى به، ثم قال: والعلاء ابن بشر هذا لا يعرف وله تمام خمسة أحاديث لا يتابع عليها.

وروى الخطيب [7/ 262] عن عمر بن مدرك قال: كنا في مجلس مكى بن إبراهيم فقام رجل فقال: يا أبي، أسكن هاهنا رجل يقال له الجارود روى عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده:"أترعون عن ذكر الفاجر" الحديث؟ فقال: ما تنكرون من هذا إن الجارود رجل غنى كثير الصدقة مستغن عن الكذب، هذا معمر قد تفرد عن بهز بن حكيم بأحاديث.

ثم روى الخطيب [7/ 263] عن أحمد بن سيار قال: روى الجارود بن يزيد

ص: 136

عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا: "أترعون عن ذكر الفاجر" الحديث، وأنكر عليه، وقد سمعت يوسف -وكان طلّابة- يذكر أنه رأى هذا الحديث في كتاب مكى بن إبراهيم، قال: وامتنع أن يحدث به، فقيل له في ذلك فقال: أما ترى ما لقى فيه الجارود.

وقال الطبرانى في المعجم الصغير [1/ 357، رقم 598]:

حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن أبي السرى العسقلانى حدثنى أبي حدثنى عبد الوهاب ابن همام أخو عبد الرزاق ثنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: خطبهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: "حتى متى ترعون عن ذكر الفاجر؟ هتكوه حتى يحذره الناس".

ثم قال الطبرانى: لم يروه عن معمر إلا عبد الوهاب.

قلت: وقد وثقه يحيى بن معين وابن حبان، ولذلك حكم الحافظ الهيثمى في الزوائد بأن هذا الطريق حسن، وقد ورد أيضًا من حديث عمر بن الخطاب، ذكر ابن طاهر المقدسى في الكلام على أحاديث الشهاب أنه رواه يوسف بن أبان عن الأبرد بن حاتم: أخبرنى منهال السراج عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه مرفوعا قال: وطريقه غير معروف.

ومن حديث على بن أبي طالب عليه السلام بلفظ: "ليس للفاسق غيبة"، رواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان [2/ 240]:

ثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر ثنا محمد بن يعقوب ثنا إبراهيم بن سلام المكى ثنا ابن أبي فديك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرفوعا به.

ومن حديث أنس بلفظ: "من ألقى جلباب الحياء" وسيأتى الكلام عليه إن شاء اللَّه في حرف "الميم".

ص: 137

وورد معناه أيضا من حديث أبي سعيد الخدرى، رواه البيهقى في الزهد من حديث عبد المؤمن بن خالد الحنفى قاضى مرو عن عبد اللَّه بن بريدة عن يحيى ابن يعمر عن أبي سعيد الخدرى قال:"قام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فينا خطيبًا" فذكر حديثا، وفيه:"واشهدوا على المحسن بأنه محسن وعلى المسئ بأنه مسئ". وفي الصحيح من حديث أنس مرفوعا: "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، أنتم شهداء اللَّه في الأرض"(1).

وقد قال هذا صلى الله عليه وسلم بعد أن مرت جنارة فأثنى عليها أصحابه خيرا، فقال:"وجبت، وجبت، وجبت"، ثم مرت جنارة أخرى فأثنى عليها [أصحابه] شرًا فقال:"وجبت، وجبت، وجبت" فسئل عن ذلك فذكره.

فهذا شاهد صحيح لأصل الحديث الذي أنكروه واستبعدوا وروده من جهة ما فيه إباحة الغيبة والإذن بها في حق الفاجر المعلن بفجوره واللَّه أعلم.

75/ 110 - "اتْرُكُوا التُّرْكَ ما تَرَكُوكُمْ، فَإِن أوْلَ من يَسْلِبُ أُمتَّى ملْكَهُم ومَا خَوَّلَهُم اللَّهُ بَنَوُ قَنْطُورَاءَ". (طب)

قال الشارح: وكذا في الأوسط والصغير عن ابن مسعود.

وقال في الكبير: قال الهيثمى: فيه مروان بن سالم متروك، وذكره في موضع آخر وقال: فيه عثمان بن يحيى الغرقسانى ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ. وقال السمهردى: المقال إنما هو في سند الكبير أما الأوسط والصغير فإسنادهما حسن ورجالهما موثقون اهـ. وبه يعرف أن اقتصار المؤلف على العزو للكبير غير جيد، وكيفما كان لم يصب ابن

(1) انظر صحيح مسلم (2/ 655، رقم 949/ 60).

ص: 138

الجورى حيث حكم بوضعه، وقد جمع الضياء فيه جزءًا.

قلت: وقع في هذا ما يتعقب به على النورين الهيثمى والسمهودى والشارح، وذلك في أمور، الأول: أن الحافظ الهيثمى ذكر الحديث في كتاب الجهاد، وقال: رواه الطبرانى في الأوسط وفيه مروان بن سالم وهو متروك، ثم أعاده في كتاب الفتن وقال: رواه الطبرانى في الكبير والأوسط، وفيه عثمان ابن يحيى الغرقسانى، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ.

فهذا يفيد أن له عند الطبرانى طريقين، مع أن سنده عند الطبرانى مشتمل على الرجلين معا.

قال الطبرانى [10/ 223، رقم 10389]:

حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمى ثنا عثمان بن يحيى الغرقسانى حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن مروان بن سالم عن الأعمش عن زيد بن وهب وشقيق بن سلمة عن عبد اللَّه بن مسعود به.

الثانى: أن قول النور السمهودى: المقال إنما هو في سند الكبير أما الأوسط والصغير فإسنادهما حسن متعقب من وجهين، أحدهما: أن هذا الحديث لا وجود له في المعجم الصغير.

ثانيهما: أن سنده في الكبير والأوسط واحد على ما يظهر من صنيع الحافظ الهيثمى والسخاوى وغيرهما، وعلى فرض تغايرهما ففى الكبير مروان بن سالم، وفي الأوسط عثمان بن يحيى وهو غير معروف.

الثالث: قول الشارح: وبه يعرف أن اقتصار المؤلف على العزو للكبير غير جيد كلام مردود، فإن الإحاطة والاستقصاء في العزو غير لازم ولا مطلوب، بل هو خارج عن مقدرة العبد لا سيما في كل حديث بالنسبة لكل كتاب، وإنما

ص: 139

ذلك في الأصول الستة التي دائرتها محصورة وأحاديثها مرتبة مبوبة، ومجموعة محصية وإلا لما سلم حافظ من مثل هذا التعقب، فإنه لا يكاد يعزى حديثًا لكتاب أو عشرة إلا وقد يوجد في غيرها، فالتعقب بمثل هذا من اللغو الذي يجب أن يصون المرء عنه نفسه.

الرابع: قوله: وقد جمع الضياء فيه جزءًا اختصار فاسد مفيد لعكس الحقيقة، ومخبر بخلاف الواقع، موقع في الغرر والغلط، فإنه يفيد أن حديث:"اتركوا الترك ما تركوكم" له طرق متعددة أفردها الحافظ ضياء الدين المقدسى بجزء مخصوص وليس كذلك، بل جزؤه مفرد لأحاديث خروج الترك وهى كثيرة هذا منها، والشارح أخذ ذلك من كلام الحافظ السخاوى، فإنه قال بعد الكلام على الحديث وذكر شواهده: وبعضها يشهد لبعض ولا يسوغ معها الحكم عليه بالوضع، وقد جمع الحافظ ضياء الدين المقدسى جزءًا في خروج الترك سمعناه اهـ.

أما الحديث فإن ابن الجوزى أخرجه من طريق أحمد بن محمد الأزهر:

ثنا يحيى بن معن بن منصور ثنا سلمة بن حفص السعدى ثنا عمار بن غيلان عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود مرفوعا: "اتركوا الترك ما تركوكم" وقال: موضوع.

قال ابن حبان: سلمة يضع الحديث، قال: وقد جربت على أحمد بن محمد ابن الازهر الكذب اهـ.

وتعقبه المصنف بأن أبا الشيخ رواه في كتاب الفتن عن إسحاق بن أيوب الواسطى: ثنا يحيى به، فزالت تهمة ابن الازهر وبان له طريقا آخر ليس فيه واحد منهما.

ص: 140

ثم ذكر الطريق السابقة من عند الطبرانى، ثم استشهد له بالحديث الذي خرجه أبو داود في سننه [4/ 109، رقم 4302] من حديث رجل من الصحابة مرفوعا: "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم"، وسيأتى في حرف "الدال"، وبما رواه الطبرانى [19/ 375، رقم 882]:

حدثنا يحيى بن أيوب العلاف ثنا أبو صالح الحرانى حدثنا ابن لهيعة عن كعب ابن علقمة التنوخى عن حسان بن كريب الحِمْيَرى قال: سمعت ذا الكلاع سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "اتركوا الترك ما تركوكم".

قلت: وهذا الحديث خرجه الديلمى في مسند الفردوس [1/ 146، رقم 364] من طريق الطبرانى، لكن ذكر أوله بسند آخر وهو أن الطبرانى قال [19/ 376، رقم 883]:

حدثنا أحمد بن عمر القطوانى ثنا عبد الأعلى بن حماد ثنا بشر بن السرى ثنا ابن لهيعة به، وفيه قصة ومتنه:"تاركوا الترك ما تركوكم"، ولذلك أورده في حرف "التاء".

وقد ذكره الحافظ الهيثمى في الزوائد بلفظ [5/ 304]: "اتركوا" وقال: رواه الطبرانى وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف اهـ.

وعلى كل حال فحكم ابن الجوزى بوضعه خطأ، لكنه معذور إذ لم يقع له إلا من تلك الطريق المشتملة على الوضاعين.

76/ 111 - "اتْرُكُوا الحَبَشةَ ما تَرَكُوكُم، فإِنَّه لا يَسْتَخْرِجُ كَنْز الكَعْبةِ إِلا ذو السُّويْقَتِينِ مِنَ الحبَشَةِ". (د. ك) عن ابن عمرو

قال الشارح: صححه الحاكم واعترض.

ص: 141

وقال في الكبير: رمز المصنف لصحته اغترارًا بتصحيح الحاكم وهو وهم، فقد أعله الحافظ عبد الحق بأن فيه زهير بن محمد شيخ أبي داود، كان سيء الحفظ، لا يحتج بحديثه.

قلت: في هذا أمور، الأول: أن زهير بن محمد ليس شيخا لأبي داود كما زعم الشارح، بل روى أبو داود عنه بواسطتين فقال [4/ 111، رقم 4309]:

حدثنا القاسم بن أحمد البغدادى ثنا أبو عامر -يعنى العقدى- عن زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عبد اللَّه بن عمرو به.

الثانى: أن زهير بن محمد من رجال البخارى ومسلم وقد وثقه جماعة، وإنما تكلموا في رواية أهل الشام عنه خاصة، لأنه وقعت في روايتهم عنه المناكير، حتى قال أحمد: كان زهير الذي يروى عنه أهل الشام زهير آخر غير هذا، اتفقا في الاسم واسم الأب، قال البخارى: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح.

وكذا قال الأثرم عن أحمد وراد أنه قال: أما رواية أصحابنا عنه فمستقيمة، عبد الرحمن بن مهدى وأبي عامر العقدى.

قلت: وهذا الحديث من رواية هذين الرجلين عنه فهو من أصح حديثه، أما رواية أبي عامر فتقدمت عند أبي داود.

وكذلك رواه الحاكم [4/ 453] من طريقه.

وأما رواية عبد الرحمن بن مهدى فرواها عنه أحمد في مسنده [5/ 371]، إلا أنه أبهم صحابيه فقال: عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن رجل من

ص: 142

أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

الثالث: أن الحديث صححه الحاكم وأقره الذهبى، وصححه أيضا غيره.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد اتفقا جميعا على إخراج حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة"(1).

قلت: والشطر الأول ورد أيضا من طرق أخرى كما سبق ويأتى.

الرابع: أن عبد الحق كثير الأغلاط والأوهام في أحكامه حتى تعقبه الحافظ ابن القطان بكتابه العجيب النفيس "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام" فأجاد، بل جل كتب عبد الحق مشتملة على الأوهام، سواء في العزو أو في الكلام على الرجال وحكم الأحاديث، فإنه كان لا يحسن التصرف ولا يصيب عين الصواب في ذلك في كثير من أقواله فلا ينبغى الاعتماد على قوله والتعقب به على غيره.

77/ 112 - "اتْرُكُوا الدُّنيا لأَهِلهَا، فإِنَّه مَنْ أَخَذ مِنْهَا فَوقَ ما يكِفيهِ أخَذَ من حَتْفِهِ وهُوَ لا يَشْعُرُ". (فر) عن أنس

قال الشارح: وفيه من لا يعرف.

قلت: قال الديلمى [1/ 146، رقم 363]:

أخبرنا والدى أخبرنا محمد بن الحسين الفورجورى ثنا أبو العباس بن حاخان الصرام أخبرنا موسى بن جعفر بن محمد البزاز ثنا عبد العزيز بن محمد الجارى ثنا عبد اللَّه بن عمرو بن أبي سعيد الوراق ثنا محمد بن عبد المجيد حدثنى أبو

(1) البخارى (2/ 182، رقم 1591)، مسلم (4/ 2232، رقم 2909/ 57).

ص: 143

الفيض ختن الأوزاعى عن الأوزاعى عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس به بلفظ: "اتركوا الدنيا لأهلها"، ثلاثا والباقى سواء.

78/ 113 - "اتَّقِ اللَّهَ فيمَا تَعْلَمُ". (تخ. ت) عن زيد بن سلمة الجعفى

قال الشارح في الكبير: وكذا رواه الطبرانى من حديث أنس بن أشوع عن زيد بن سلمة، قال الترمذى في العلل: سألت عنه البخارى فقال: سعيد بن أشوع لم يسمع من يزيد، فهو عندى مرسل، وقال المؤلف في الكبير: منقطع.

قلت: فيه أمور، أحدها: أن صحابى الحديث اسمه يزيد بن سلمة بزيادة "الياء" في أوله، خلافا لما وقع في المتن والشرحين الكبير والصغير.

ثانيها: أن الراوى عنه اسمه سعيد بن أشوع، كما وقع في كلام الشارح أخيرا لا أنس كما ذكره أولا.

ثالثها: ما نقله عن الترمذى في العلل، قد ذكر نحوه في الجامع عقب رواية الحديث، فالعزو إليه أولى.

قال الترمذى في العلم من سننه [5/ 49، رقم 2683]:

ثنا هناد ثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن ابن أشوع عن يزيد بن سلمة الجعفى قال: قال يزيد بن سلمة: "يا رسول اللَّه إنى أسمع منك حديثا كثيرا أخاف أن يُنْسِى أوله آخره، فحدثنى بكلمة تكون جماعا قال: "اتق اللَّه فيما تعلم".

قال الترمذى: هذا حديث ليس إسناده بمتصل هو عندى مرسل، ولم يدرك عندى ابن أشوع يزيد بن سلمة، وابن أشوع اسمه سعيد بن أشوع اهـ.

ورواه البيهقى في الزهد [ص 333، رقم 894] من طريق حسن بن عطية عن

ص: 144

أبي الأحوص به مثله، ثم قال البيهقى: وكذلك قاله شهاب بن عباد عن أبي الأحوص، ثم أسنده من طريق يوسف بن يعقوب [ص 334، رقم 895]: ثنا أبو الوليد ثنا أبو الأحوص.

ومن طريق إسماعيل بن الفضل [ص 334، رقم 895]:

ثنا هناد بن السرى ثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن ابن أشوع عن يزيد بن سلمة به، قال وفي رواية أبي الوليد ثنا سعيد بن مسروق عن سعيد بن أشوع.

79/ 114 - "اتَّق اللَّهَ في عُسْرِك ويُسْرِك". أبو قرة الزبيدى في سننه عن طليب بن عرفة

قال الشارح: له وفادة ولم يرو عنه إلا ابنه كليب وهما مجهولان، ذكره الذهبى كابن الأثير، وبه يعرف ما في رمز المؤلف لحسنه.

قلت: قال ابن الأثير: طليب بن عرفة بن عبد اللَّه بن ناشب، قدم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فسمعه يقول:"اتق اللَّه في عسرك ويسرك"، لم يروه عنه غير ابنه كليب بن طليب، وكليب ابنه مجهول، حديثه عند أبي قرة موسى بن طارق عن المثنى بن الصباح عن كليب عن أبيه اهـ.

وبه يعرف ما في نقل الشارح عن ابن الأثير من أنه قال: وهما مجهولان، فإن ابن الأثير لم يقل ذلك، ولا يقال مثله في الصحابى لأن جهالته لا تضر. وأصل عبارة ابن الاثير لابن عبد البر في الاستيعاب [2/ 323، رقم 1298] بنصها.

ثم إن أبا قرة موسى بن طارق هذا يمنى زبيدى، روى عن موسى بن عقبة وابن جريج وعبيد اللَّه بن عمر وأخيه عبد اللَّه، ونافع بن أبي نعيم وجماعة، وعنه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وصامت بن معاذ الجندى وطائفة،

ص: 145

كان قاضيا بزبيد، وصنف، وجمع، وألف، وأثنى عليه أحمد بن حنبل، وقال أبو حاتم: محله الصدق.

وأثنى عليه ابن حبان، وروى له النسائى، وسننه المخرج منها هذا الحديث مرتبة على الأبواب في مجلد، ذكر الحافظ أنه وقف عليه، وأنه لا يقول في حديثه: حدثنا، إنما يقول: ذكر فلان، وقد سئل الدارقطنى عن ذلك فقال: كانت أصابت كتبه علة فتورع أن يصرح بالإخبار اهـ.

قلت: ورأيت ابن أبي الدنيا يستعمل ذلك كثيرا في كثير من مصنفاته التي رأيت منها أصولا عتيقة، ثم رأيت الديلمى يسند تلك الأحاديث فيصرح فيها بالتحديث، ويصنع نحو ذلك على قلة أبو نعيم في تاريخ أصبهان، فيقول: حدث فلان ولا يقول: حدثنا، ويصنع فيها الديلمى مثل ما تقدم، فاللَّه أعلم. ثم إن أبا قرة لم يذكر أحد تاريخ وفاته، وإنما قال الحافظ في التقريب: إنه من الطبقة التاسعة، وهى في اصطلاح كتابه الطبقة الصغرى من أتباع التابعين كالشافعى وأبي داود الطيالسى وعبد الرزاق.

80/ 115 - "اتَّق اللَّهَ حَيثُما كُنتَ وأَتْبِعِ السَّيئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخَالِقِ النَّاسَ بخُلقٍ حسنٍ".

(حم. ت. ك. هب) عن أبي ذر (حم. ت. هب) عن معاذ، ابن عساكر عن أنس

قلت: الحديث رواه ميمون بن أبي شبيب واختلف عليه فيه، فرواه سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عنه عن أبي ذر، ورواه ليث والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عنه عن معاذ بن جبل، وهكذا رواه وكيع عن سفيان الثورى أيضا. ورواه إسماعيل بن عمرو البجلى عن أبي مريم قال: حدثنى الحكم وحبيب

ص: 146

ابن أبي ثابت عنه عن معاذ أيضا.

فأما رواية سفيان عن حبيب عن ميمون عن أبي ذر فرواها عنه عبد الرحمن بن مهدى وأبو نعيم الفضل بن دكين ويحيى بن سعيد وقبيصة ومحمد بن كثير.

فرواية عبد الرحمن بن مهدى خرَّجها الترمذى [4/ 355، رقم 1987] والطبرانى في مكارم الأخلاق [ص 317، رقم 13] وأبو نعيم في الحلية [4/ 378] والقضاعى في مسند الشهاب [2/ 379، رقم 652]، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح.

ورواية أبي نعيم خرَّجها الدارمى [2/ 415، رقم 2791] والخرائطى في مكارم الأخلاق [1/ 9، رقم 3] والبيهقى في الزهد [ص 236، رقم 874] وابن عمشليق في جزئه وغيرهم.

ورواية يحيى بن سعيد رواها عنه أحمد [5/ 177]، ورواية قبيصة ومحمد بن كثير خرَّجها الحاكم [1/ 54، رقم 178] وقال: صحيح على شرط الشيخين، ورواية الليث عن حبيب عن ميمون عن معاذ خرجها أحمد [5/ 236].

ورواية الأعمش خرَّجها الطبرانى في الصغير [1/ 192]، ورواية وكيع عن سفيان خرَّجها الترمذى [4/ 356 بعد رقم 1987] عن محمود بن غيلان عنه، ثم قال محمود: والصحيح حديث أبي ذر.

ورواية إسماعيل بن عمرو البجلى خرجها أبو نعيم في الحلية [4/ 376]، وقد ذكرت أسانيد الجميع ومتونهم في المستخرج على مسند الشهاب.

وقد انتقد جمع من الحفاظ حكم الترمذى والحاكم بصحة هذا الحديث، لأنه منقطع الإسناد، لأن ميمون بن أبي شبيب لم يصح سماعه من أحد من

ص: 147

الصحابة، وبأنه لم يخرج له البخارى في صحيحه، وإنما روى له مسلم في مقدمة الصحيح وبأنه اضطرب فيه فقال عن أبي ذر مرة وعن معاذ أخرى، وأرسله مرة فلم يذكر صحابيه، وصحح الدارقطنى هذا المرسل، وكل هذا لا يخدش في وجه الحديث.

أما كون البخارى لم يحتج به فهذا يخص الحاكم وحده في شرطه لا مدخل له في صحة الحديث.

وأما الاضطراب فمدفوع بسماعه الحديث من الرجلين، فحدث به عن كل واحد منهما كما يقع لكثير في كثير من الأحاديث، وكذلك الإرسال فإن الثقة قد يرسل ما هو موصول عنده لغرض من الأغراض، وإنما يبقى النظر في مسألة الانقطاع وعدم السماع من الصحابة، وهى دعوى مجردة ممن قالها، فالرجل ثقة غير موصوف بتدليس، وقد حدث عن جماعة من الصحابة وأدرك زمانهم، بل مات قبل كثير من صغار الصحابة ومن عَمَّرَ منهم كأنس رضى اللَّه عنه، فإن ميمونًا مات سنة ثلاث وثمانين، وتأخرت وفاة جماعة من الصحابة بعد هذا إلى قبيل المائة، فلقاؤه لمن روى عنهم ممكن من جهة التاريخ والمعاصرة، فلا يمكن دفعه إلا بحجة ظاهرة تقاوم هذا الأصل المنبنى عليه صحة أغلب الأحاديث.

ثم لا يخفى ما على هذا الحديث من نور النبوة وطلاوة الأحاديث الصحيحة.

أما حديث أنس فقال ابن الأبار في معجم أصحاب الصدفى:

أخبرنى أبو محمد عبد الحق بن محمد بن على الزهرى إذنا عن الحافظ السلفى عن أبي على الصدفى قال: قرأت على أبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازى أنا أبو الحسن على بن إبراهيم الحرفى ثنا أبو محمد الحسن بن رشيق ثنا أبو عبد اللَّه محمد بن حفص بن عمر البصرى ثنا عبيد اللَّه بن محمد بن عائشة

ص: 148

ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: "بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن فقال يا معاذ: اتق اللَّه وخالق الناس بخلق حسن وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة قال: قلت: يا رسول اللَّه، لا إله إلا اللَّه من الحسنات؟ قال: هى من كبر الحسنات"، وهذا من البلاغات الأربعة التي ذكرها مالك في الموطإ [ص 563، رقم 1] واشتهر أنها لم توجد موصولة.

81/ 116 - "اتّق اللَّه ولا تَحْقِرَنَّ من المعروفِ (1)، ولو أنْ تُفرغَ من دَلْوِك في إناءِ المُسْتَسْقِى، وأنْ تَلقى أخَاك وَوَجْهُك إليهِ منْبسِطٌ، وإيَّاك وإسبالَ الإزارِ فإنَّ إسبالَ الإزارِ من المخيلة ولا يُحِبُّها اللَّه، وإن امْرؤٌ شَتَمَك وعيَّرك بأمرِ ليس هُوَ فِيكَ فلا تعيِّرهُ بأمرٍ هُوَ فيه، ودعْهُ يكُونُ وبالُهُ عَليهِ وأجْرُهُ لكَ، ولا تَسُبَّنَّ أحدًا".

رواه الطيالسى عن جابر بن سليم الهجيمى

قال الشارح في الكبير: وقضية صنيع المؤلف تدل على أن الحديث لم يخرجه أحد أشهر من الطيالسى وأنه تفرد به والأمر بخلافه، فقد خرجه بمخالفة في الترتيب عن جابر المذكور أئمة أجلاء مشاهير منهم أحمد وأبو داود والنسائى والبغوى والباوردى وابن حبان والطبرانى وأبو نعيم والبيهقى والضياء في المختارة وغيرهم بلفظ:"اتق اللَّه ولا تحقرن من المعروف شيئا. . . " الحديث.

قال النووى في رياضه: رواه أبو داود والترمذى بالإسناد الصحيح ورمز المصنف لصحته.

قلت: فيه أمور أحدها: أن لفظ الحديث عند من استدركهم الشارح من المخرجين ليس مصدرًا بحرف "اتق اللَّه" بل بحروف أخرى كما اعترف

(1) هكذا في الأصل، وفي المطبوع من الفيض:". . . من المعروف شيئًا".

ص: 149

الشارح بذلك بقوله: بمخالفة في الترتيب.

والمصنف يعزو الحديث غالبًا لمن هو عنده مصدَّر بالحرف المذكور، كما نبهنا على هذا مرارًا، نعم هو عند أحمد [5/ 63] مصدَّر بحرف "اتق اللَّه" فيستدرك به عليه.

ثانيها: أن النسائى لم يخرجه في المجتبى أصلًا.

ثالثها: أن الترمذى وإن روى أصل الحديث إلا أنه لم يذكر من اللفظ المذكور هنا حرفًا واحدا فإنه قال [5/ 72، رقم 2722]:

حدثنا الحسن بن على ثنا أبو أسامة عن أبي غفار المثنى بن سعيد الطائى عن أبي تميمة الهجيمى عن جابر بن سليم قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السلام قال: لا تقل عليك السلام ولكن قل السلام عليك"، وذكر قصة طويلة، هذا حديث حسن صحيح.

فهذا وان كان من جملة الحديث المذكور هنا لأن في أوله قصة هذا منها -أعنى المذكور في الجامع الصغير- إلا أن الترمذى لم يسقه فلا يصح أن يعزى إليه.

والحديث رواه أيضا ابن أبي الدنيا في مكارم الاخلاق، والخرائطى فيها [(1/ 120، رقم 93)، (1/ 150، رقم 123)] أيضا، والقضاعى في مسند الشهاب [2/ 85، رقم 935] مختصرا وقد ذكرت متونه وأسانيده في المستخرج عليه.

82/ 117 - "اتَّقِ اللَّه يا أبَا الوليدِ، لا تأتِ يومَ القيامةِ ببعيرٍ تحملُه له رُغَاءٌ أو بقرةٍ لها خوار أو شاةٍ لهَا ثُؤَاجٌ".

(طب) عن عبادة بن الصامت

قال الشارح في الكبير: وكذا رواه ابن عساكر ورمز المصنف لحسنه وهو تقصير إذ هو أعلى، فقد قال الحافظ الهيثمى: رجاله رجال الصحيح، ورواه الشافعى

ص: 150

والبيهقى عن طاوس مرسلا.

قلت: لا يلزم من كون السند رجاله رجال الصحيح أن يكون الحديث صحيحا بل قد يكون ضعيفا كما تقدَّم قريبًا، ثم إن البيهقى خرجه [4/ 158] عن طاوس موصولا لا مرسلا فقال:

أخبرنا أبو الحسن بن عبدان أنبأنا أحمد بن عبيد ثنا الحسن بن العباس الرازى ثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن عبادة: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعثه إلى الصدقة فقال: يا أبا الوليد اتق [اللَّه] لا تأت يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثؤاجٌ فقال: يا رسول اللَّه إن ذلك لكائن؟ قال: إى والذي نفسى بيده إن ذلك لكذلك إلا من رحم اللَّه، قال: فوالذي بعثك بالحق لا أعمل على شيءٍ أبدا أو قال: على اثنين".

83/ 118 - "اتَّق المحَارِمَ تكن أعْبدَ النَّاسِ، وارضَ بما قَسَم اللَّه لك تَكُن أغنى النَّاسِ، وأحْسِنْ إلى جَارك تَكنْ مُؤمِنًا، واحببْ للنَّاسِ ما تُحِبُّ لنفْسك تكن مُسْلمًا، ولا تُكْثِرِ الضَّحِكَ فإنَّ كثرةَ الضحكِ تميتُ القلَبَ".

(حم. ت. هب) عن أبي هريرة

قلت: قال أحمد [2/ 310]:

حدثنا عبد الرراق ثنا جعفر بن سليمان عن أبي طارق عن الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من يأخذ من أمتى خمس خصال فيعمل بهن أو يعلمهن من يعمل بهن قال: قلت: أنا يا رسول اللَّه، قال: فأخذ بيدى فعدهن فيها ثم قال: اتق المحارم" وذكره.

وقال الترمذى [4/ 551، رقم 2305]:

حدثنا بشر بن هلال الصواف ثنا جعفر بن سليمان به، ثم قال: غريب لا

ص: 151

نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان، والحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئا هكذا روى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلى بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وروى أبو عبيدة القاضى عن الحسن هذا الحديث من قوله: ولم يذكر فيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ورواه الخرائطى في مكارم الأخلاق [1/ 242، رقم 227] من طريق سيار بن حاتم ثنا جعفر بن سليمان به.

ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق إسحاق بن إبراهيم عن جعفر بن سليمان به ثم قال: غريب من حديث الحسن تفرد به جعفر عن أبي طارق.

قلت: ولم يعرف لأبي طارق راو غيره ولا عرف إلا في هذا الحديث فيما يظهر. لكن الحديث ورد من طريق آخر عن أبي هريرة من رواية مكحول عن واثلة عنه، وسأذكره إن شاء اللَّه في حرف الكاف في حديث "كن ورعا تكن أعبد الناس"، وكذلك حديث على وأبي ذر في الباب.

85/ 119 - "اتَّقِ دعوةَ المظلومِ فإنَّما يسألُ اللَّه تعالى حقَّه وإنَّ اللَّه تَعَالى لَنْ يمنعَ ذا حقٍّ حقَّهُ". (خط) عن على

قال الشارح في الكبير: ورواه عنه أيضا أبو نعيم من طريقه وعنه أورده الخطيب، فعزو المصنف للفرع وإهماله الأصل غير صواب، ثم قضية صنيعه أن مخرجه الخطيب خرجه وأقره والأمر بخلافه، فإنه أورده في ترجمة صالح ابن حسان وذكر أن ابن معين قال: إنه ليس بشيء، وأن البخارى ذكر أنه منكر الحديث، والنسائى قال: متروك، وأبو حاتم: ضعيف، فإهماله لذلك واقتصاره على عزوه لمخرجه من سوء التصرف، ثم إن فيه منصور بن أبي الأسود أورده الذهبى في الضعفاء والمتروكين وقال: صدوق من أعيان

ص: 152

الشيعة اهـ. وبه عرف اتجاه رمز المؤلف لضعفه.

قلت: هذا من غث الكلام ورديئه بل هو ضرب من الهذيان، فالمصنف وضع كتابه لسرد متون الأحاديث على سبيل الاختصار والاقتصار على المرفوع دون سبب الورود، ولذلك رمز إلى المخرجين ولم يذكر أسماءهم كاملة رغبة في الاختصار، فكيف ينتقد عليه بأنه لم يذكر جملة من الجرح والتعديل نحو سطرين أو ثلاثة في حق رجل من رجال الحديث؟ ثم إن هذا لم يقع له في حديث واحد من الكتاب من أوله إلى آخره، ولو حصل ذلك منه في بعضها لأمكن أن يتعقب عليه في غيرها فإلزامه بما التزم عدم ذكره في كتابه من العبث الذي يجل عنه منصب العقلاء فضلا عن الفضلاء.

ثم إن هذا ساقط من أصله من وجهين: أحدهما: أن الخطيب لم يذكر ذلك لأجل تضعيف الحديث حتى يجب على المصنف نقله، وإنما ذكره لأجل معرفة حال الرجل المترجم، والحديث إنما ذكره تبعا للترجمة وتتمة لها كما نبهنا عليه غير مرة.

ثانيهما: أن المصنف قد أتى بمضمن ذلك ومحصله، فرمز للحديث بعلامة الضعف كما ذكر ذلك الشارح أخيرا، فلم يبق لذكر كلامه الأول وجه أصلا سوى تسويد الورق، وكذلك التعرض لذكر منصور بن أبي الأسود بعد اعتراف الذهبى بأنه صدوق، فإنه لا معنى له في الكلام على تضعيف الحديث، وإيراد الذهبى إياه في الضعفاء لمعنى آخر لا يمس بالحديث وإنما يمس بالنحلة والأهواء، ثم إلزام المصنف بالعزو إلى أبي نعيم دون الخطيب ونسبته إلى سوء التصرف من سوء التصرف، فإنه إلزام بما لا يلزم ولا هو من أصول الفن ولا شروط العزو ولا سبق الشارح إلى مثله، وكأنه أخذ ذلك بالقياس على الأصول الستة والقياس كله باطل وهذا أبطله لأنه تكليف بما لا يطاق لو كان

ص: 153

الحديث عند أبي نعيم على شرط الكتاب، فكيف وهو على غير شرطه!، فإن أوله عند أبي نعيم:"يا على اتق دعوة المظلوم"، وهذا على ترتيب الكتاب وشرطه يذكر في حرف الياء لا في حرف الهمزة فانتقاد الشارح إن أفاد شيئا فإنما يفيد أن في نفسه شيئا على المصنف فلذلك التزم انتقاده بحق أو باطل، فكان أكثر انتقاده وبالا عليه واظهارا لقصوره لا لقصور المصنف، هذا مع أن الشارح رحمه اللَّه تعالى لولا كتب المصنف لما ذهب في هذا الفن ولا جاء، فمن كتبه يتعقبه ومن علمه يتجيش عليه، فالكل منه وإليه غايته الانتهاء بعدها إلى مجمع الزوائد وكتب الحافظ العراقى وأين هى من الاحتواء على جميع أحاديث الكتاب لولا الجامع الكبير للمصنف الذي يرشد الشارح إلى المتون ويدله على مواضعها من الكتب والحديث رواه أبو نعيم في ترجمة جعفر الصادق عليه السلام من الحلية [3/ 202] قال:

حدثنا فاروق الخطابى ثنا عباس بن الفضل الإسفاطى (ح).

وحدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربى (ح).

وحدثنا عبد اللَّه بن جعفر ثنا إسماعيل بن عبد اللَّه قالوا: أخبرنا سعيد بن سليمان ثنا منصور بن أبي سليمان الأسود ثنا صالح بن حسان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على عليهم السلام قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "يا عليُّ اتق دعوة المظلوم. . . "(1) الحديث.

وقال: تفرد به منصور عن صالح عن جعفر.

واقتصر الخطيب على الطريق الثالث لأبي نعيم فقال [9/ 301، 302]:

أخبرنا أبو نعيم الحافظ ثنا عبد اللَّه بن جعفر بن أحمد بن فارس ثنا إسماعيل ابن عبد اللَّه بن مسعود العبدى ثنا سعيد بن سليمان به.

(1) وهو في المطبوع بلفظ: "اتق يا على. . . ".

ص: 154

86/ 123 - "اتَّقوا اللَّه وأَصلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم فإنَّ اللَّه تَعالى يُصْلِحُ بَيْنَ المُؤْمِنينَ يومَ القِيامَةِ". (ع. ك) عن أنس

قلت: هذا قطعة من حديث طويل اقتصر المصنف على آخره، قال الحاكم [4/ 576، رقم 7818]:

ثنا أبو منصور محمد بن القاسم العتكى ثنا أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن أنس القرضى ثنا عبد اللَّه بن بكر السهمى أنبأنا عباد بن شيبة الحبطى عن سعيد ابن أنس عن أنس قال: "بينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال له عمر: ما أضحكك يا رسول اللَّه بأبى أنت وأمى؟!، قال: رجلان من أمتى جثيا بين يدى رب العزة فقال أحدهما: يارب خذ لى مظلمتى من أخى فقال اللَّه تبارك وتعالى للطالب: فكيف تصنع ولم يبق من حسناته شيء؟ قال: يا رب فليحمل من أوزارى، قال: وفاضت عينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال: إن ذلك اليوم عظيم يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم، فقال اللَّه تعالى للطالب: ارفع بصرك فانظر في الجنان، فرفع رأسه، فقال: يارب أرى مدائن من ذهب وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأى نبي هذا؟ أو لأى صديق هذا؟ أو لأى شهيد؟، قال: هذا لمن أعطى الثمن، قال: يا رب ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك قال: ياربِّ فإنى قد عفوت عنه، قال اللَّه عز وجل: فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عند ذلك: اتقوا اللَّه وأصلحوا ذات بينكم. . . "، الحديث.

ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن قال [ص 66، رقم 116]:

حدثنا أبو موسى هارون بن سفيان ذكر عبد اللَّه بن بكر السهمى به مثله.

ص: 155

وقال: "حتى بدت نواجذه" بدل: "ثناياه"، وقال:"أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب" والباقى سواء.

وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، فتعقبه الذهبى باأن عبادا ضعيف وشيخه لا يعرف اهـ.

وذكر في الميزان [2/ 366، رقم 4120] عن البخارى أنه قال: لا يتابع عليه.

87/ 124 - "اتَّقُوا اللَّه فِيما مَلكتْ أيمَانُكُمْ". (خد) عن على

قلت: قال البخارى في الأدب المفرد [ص 156، 158]:

ثنا محمد بن سلام قال: أخبرنا محمد بن فضل عن مغيرة عن أم موسى عن على صلوات اللَّه عليه قال: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة الصلاة اتقوا اللَّه فيما ملكت أيمانكم".

ورواه أيضا [ص 68، رقم 156] بمعناه فقال:

حدثنا حفص بن عمر ثنا عمر بن الفضل ثنا نعيم بن يزيد ثنا على بن أبي طالب صلوات اللَّه عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ثقل قال: "يا على ائتنى بطبق أكتب فيه ما لا تضل أمتى فخشيت أن يسبقنى فقلت: إنى لأحفظ من ذراعى الصحيفة وكان رأسه بين ذراعه وعضدى يوصى بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم وقال كذلك حتى فاضت نفسه، وأمره بشهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله من شهد بهما حرم على النار".

88/ 125 - "اتَّقُوا اللَّه في الصَّلاةِ وَمَا مَلكَتْ أيمَانكُمْ". (خط) عن أم سلمة

قال الشارح في الكبير: رمز المصنف لضعفه.

ص: 156

قلت: رواه الخطيب من طريق عبد اللَّه بن المبارك البغدادى:

ثنا همام بن يحيى عن قتادة عن أبي الخليل صالح عن أم سلمة به، وهؤلاء من رجال الصحيح، وإن كان همام بن يحيى فيه مقال، لكنه منقطع فإن أبا الخليل لم يدرك أم سلمة، بل ولا رواه عنها وإنما حصل السقط في سند الخطيب.

فقد رواه ابن سعد في الطبقات [2/ 2/ 44] عن يزيد بن هارون وعفان بن مسلم قالا:

حدثنا همام بن يحيى عن قتادة عن أبي الخليل عن سفينة عن أم سلمة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الموت جعل يقول: الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم".

قال يزيد: فجعل يقولها، وما يفيض بها لسانه، وقال عفان: فجعل يتكلم بها وما يفيض لسانه.

ورواه البغوى في التفسير من طريق أبي عبيد القاسم بن سلام أبا يزيد به مثله، ومع هذا فهو منقطع أيضا لأن أبا الخليل لم يدرك سفينة.

ورواه الطحاوى في مشكل الآثار [8/ 226، رقم 3203] من وجه آخر عن قتادة، فأسقط ذكر أبي الخليل قال الطحاوى:

ثنا الربيع بن سليمان المرادى ثنا أسد بن موسى ثنا أبو عوانة عن قتادة عن سفينة مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: "كانت عامة وصية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغر بها في صدره وما يفيض بها لسانه"، وقد حدث به قتادة عن أنس كما سيأتى بعد حديث في المتن.

ص: 157

89/ 127 - "اتَّقُوا اللَّه فِى الصَّلَاة، اتَّقُوا اللَّه في الصَّلاةِ، اتَّقُوا اللَّه في الصَّلاةِ اتَّقوا اللَّه فيما مَلكَتْ أَيمَانُكُمْ، اتَّقُوا اللَّه فِيمَا ملكَتْ أيمانُكُم، اتَّقُوا اللَّه فِي الضَّعِيفَينِ: المرْأةُ الأرْملَةُ والصبِيُّ اليتِيمُ". (هب) عن أنس

قال الشارح: رمز المصنف لحسنه لكن فيه بشر بن منصور الحناط، أورده الذهبى في المتروكين وقال: هو مجهول قبل المائتين.

قلت: بشر بن منصور الحناط بالمهملة والنون خرج له ابن ماجه، وروى عنه أبو سعيد الأشج قال: وكان ثقة، وروى عنه أيضا عبد الرحمن بن مهدى وهو لا يروى إلا عن ثقة، ولهذا قال الحافظ في التقريب [ص 124، رقم 705]: إنه صدوق، وقد قيل: إنه بشر بن منصور السليمى وهو أيضا صدوق زاهد عابد، فالحديث حسن كما قال المصنف لا سيما وقد ورد عن أنس من طريق آخر على شرط الصحيح مختصرا رواه ابن سعد [2/ 2/ 44]، والطحاوى في مشكل الآثار [8/ 226، رقم 3202] والدينورى في المجالسة وغيرهم من حديث سليمان التيمى عن قتادة عن أنس قال: "كانت عامة وصية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت، الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يغرغر بها في صدره وما كاد يفيض بها لسانه"، إلا أنه وقع عند الدينورى خاصة منقطعا، لأنه قال عن سليمان التيمى عن أنس، وكذا وقع في بعض الروايات عند الطحاوى (1).

90/ 129 - "اتَّقُوا اللَّه وصِلُوا أرحَامَكُمْ". ابن عساكر عن ابن مسعود

قال الشارح: بسند ضعيف ورواه الطبرانى باللفظ (المزبور) عن جابر وزاد

(1) انظر مشكل الآثار (8/ 244، 225، رقم 3199، 3200، 3201، 3202).

ص: 158

"فإنه ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم".

ورواه ابن جرير وعبد بن حميد عن قتادة وزاد: "فإنه أبقى لكم في الدنيا وخير لكم في الآخرة"، وبذلك يصير حسنا.

قلت: حديث جابر ساقط شبه موضوع، رواه الطبرانى في الأوسط قال:

حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمى ثنا أحمد بن محمد بن طريف البجلى ثنا أبي عن محمد بن كثير الكوفى حدثنى جابر الجعفى عن أبي جعفر محمد بن على بن حسين عن جابر بن عبد اللَّه قال: "خرج علينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونحن مجتمعون فقال: يا معشر المسلمين اتقوا اللَّه وصلوا أرحامكم، فإنه ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم، وإياكم وعقوق الوالدين، فإن ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام، واللَّهِ لا يجده عاق ولا قاطع رحم، وإياكم والبغى، فإنه ليس من عقوبة أسرع من عقوبة بغى ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء إنما الكبرياء للَّه رب العالمين، والكذب كلمة إثم إلا ما نفعت به مؤمنا ودفعت به عن ذنب، وإن في الجنة لسوقا ما يباع فيها ولا يشترى ليس فيها إلا الصور فمن أحب صورة من رجل أو امرأة دخل فيها".

فهذا كما ترى فيه محمد بن كثير الكوفى وهو كذاب متهم، وكذلك جابر الجعفى فهو لا يصلح أن يكون شاهدا فضلا عن رافع للضعيف إلى درجة الحسن، ثم إن حديث ابن مسعود أصله في مسند أحمد [1/ 401] بسياق آخر، لفظه:"إنكم مفتوح عليكم ومنصورون ومصيبون فمن أدرك ذلك منكم فليتق اللَّه وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر وليصل رحمه" الحديث.

ورواه جماعة ذكرت أسانيدهم في رفض اللى بتواتر حديث "من كذب على".

ص: 159

91/ 132 - "اتَّقُوا الحَجَرَ الحَرَامَ في الُبنْيَانِ فإنَّه أسَاسُ الخَرابِ". (هب) عن ابن عمر

قال الشارح: قال ابن الجوزى: حديث لا يصح.

قلت: الحديث رواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان في موضعين [2/ 155، 331]، والقضاعى في مسند الشهاب [1/ 388، رقم 664]، والخطيب في التاريخ [5/ 106]، والديلمى في مسند الفردوس [1/ 129، رقم 299] من طريق أبي نعيم كلهم من رواية أحمد بن يونس الضبى:

ثنا معاوية بن يحيى عن الأوزاعى عن حسان بن عطية عن ابن عمر به، وقد ذكرت أسانيدهم في المستخرج على مسند الشهاب.

وابن الجوزى أعله بأن معاوية ضعيف وحسان لم يسمع من ابن عمر.

قال الشارح في الكبير: لكن له طرق وشواهد اهـ.

وليس كما قال، فليس له إلا هذا الطريق الواحد ولا شاهد له أيضًا في خصوص هذا المعنى.

92/ 133 - "اتَّقوا الحديثَ عنى إِلَّا ما عَلمْتُمْ فَمَنْ كَذَبَ عَلىَّ مُتَعَمِّدا فَلْيتَبَّوأْ مَقْعدَه مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قاَلَ فِى القرآنِ بِرَأيِه فَليتبوأْ مَقْعدَه مِنَ النَّارِ". (حم. ت) عن ابن عباس

قال الشارح في الكبير: رمز المصنف لحسنه اغترارا بالترمذى، قال ابن القطان: وينبغى أن يضعف إذ فيه سفيان بن وكيع، قال أبو زرعة: متهم بالكذب لكن أبن أبي شيبة رواه بسند صحيح قال أعنى ابن القطان: فالحديث صحيح من هذا الطريق لا من الطريق الأول اهـ. وبه يعرف أن المصنف لم يصب في ضربه صفحا عن عزوه لابن أبي شيبة مع صحته عنده، وممن جرى

ص: 160

على سنن ابن القطان في تضعيف رواية الترمذى الصدر المناوى فقال: فيه شيخ الترمذى سفيان بن وكيع ضعيف، وأقول: فيه عند أحمد عبد الأعلى الثعلبى أورده الذهبى في الضعفاء وقال: ضعفه أحمد وأبو زرعة.

قلت: فيه أمور، أحدها: أن ابن القطان ضعف رواية الترمذى تعقبًا عليه لأنه حسن الحديث مع أنه رواه عن سفيان بن وكيع وهو ضعيف فتعقبه في محله، وإن كان ابن القطان قد بين أن المتن صحيح من جهه أخرى.

أما الشارح فتعقبه فاسد، لأن المصنف عزا الحديث لأحمد والترمذى ورمز لحسنه باعتبار المتن المروى بسند المعزو إليهما بعا، وأحمد ليس عنده سفيان بن وكيع بل قال:

حدثنا أبو الوليد ثنا أبو عوانة عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.

ثانيها: أن قوله: وأقول فيه عند أحمد عبد الأعلى. . . إلخ استدراك باطل أيضا فإن عبد الأعلى موجود في سند الترمذى أيضا، فإن الترمذى قال [5/ 199، رقم 2951]:

حدثنا سفيان بن وكيع ثنا سويد بن عمرو الكلبى ثنا أبو عوانة عن عبد الأعلى به.

بل الظاهر أن عبد الأعلى هذا انفرد به عن سعيد بن جبير، ولم يروه عنه غيره، فقد رواه الترمذى [5/ 199، رقم 2950] مختصرا عن محمود بن غيلان ثنا بشر بن السرى ثنا سفيان عن عبد الأعلى به مقتصرا على آخره وهو قوله: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" ثم قال (ت): حسن صحيح.

ورواه الدارمى [1/ 88، رقم 232] عن محمد بن عيسى: ثنا أبو عوانة عن

ص: 161

عبد الأعلى به مقتصرا على قوله: "من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".

وكذلك رواه الطحاوى في مشكل الآثار [1/ 358، رقم 392] من طريق عفان عن أبي عوانة.

ورواه أحمد [1/ 233] عن عفان عن أبي عوانة مقتصرا على ذكر القرآن فقط.

ورواه الطحاوى [1/ 358، رقم 393] عن محمد بن زكريا: ثنا يحيى أبو شريح ثنا الفريابى ثنا سفيان عن عبد الأعلى به مقتصرا على: "من كذب على متعمدا. . . " الحديث.

وكذلك رواه الواحدى في أسباب النزول من طريق ليث بن حماد: ثنا أبو عوانة عن عبد الأعلى به.

فابن أبي شيبة الذي صحح ابن القطان حديثه [8/ 575، رقم 6304] ما رواه إلا من طريقه كما يظهر، وإذا كان كذلك فحكمه بصحته متعقب، لأن غايته الحسن، وقد صحح الطبرى والحاكم والترمذى في النسخة التي نقلنا عنها حديثه لكنه لا يرتقى إلى لرجة ذلك، وإنما غايته الحسن كما فعل المصنف.

ثالثها: أن الشارح أقر ابن القطان على صحة المتن فلا معنى للتعقب بضعف سند الترمذى.

93/ 134 - حديث "اتَّقُوا الدُّنيا واتَّقُوا النِّساءَ فإنَّ إبليسَ طلَّاعٌ رصَّاد، وَمَا هُوَ بِشيْءٍ من فُخُوخِهِ بأوثق لصَيْدِهِ في الأتقِياء مِنَ النِّساءِ". (فر) عن معاذ

ص: 162

قال الشارح: بإسناد ضعيف.

قلت: قال الديلمى [1/ 130، رقم 301]:

أخبرنا عبدوس أخبرنا على بن إبراهيم عن محمد بن يحيى عن أحمد بن سعيد عن هشام بن عمار عن محمد بن شعيب عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل به.

سعيد بن سنان متروك منكر الحديث.

94/ 135 - "اتَّقُوا الظُّلمَ فإِنَّ الظُّلمَ ظُلُمَاتٌ يَومَ القِيامةِ". (حم. طب. هب) عن ابن عمر

قال الشارح في الكبير: قال الهيثمى: في سند (حم وطب): عطاء بن السائب وقد اختلط، وبقية رجاله رجال الصحيح.

قال الشارح: وأورده البيهقى من طريقين في أحدهما مالك بن يحيى اليشكرى ساقه الذهبى في الضعفاء وقال: جرحه ابن حبان، وفي الأخرى عمرو بن مرزوق، أورده الذهبى في ذيل الضعفاء وقال: غير ثقة، وقال الدارقطنى: كثير الوهم، وبما تقرر يعرف ما في رمز المؤلف لصحته من المجازفة.

قلت: الحديث له عن ابن عمر طرق تعددة منها:

طريق عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر رواها أحمد [2/ 92] والطبرانى وأبو محمد البخارى في مسند أبي حنيفة، وعطاء بن السائب ثقة عابد زاهد روى له البخارى مقرونا.

وهذا الحديث قد رواه غيره فهو على شرط البخارى.

ومنها طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "الظلم ظلمات يوم القيامة" قال البخارى في صحيحه [2/ 169، رقم 2247]: باب الظلم ظلمات يوم القيامة:

ص: 163

ثنا أحمد بن يونس ثنا عبد العزيز به.

وقال مسلم في صحيحه [4/ 1996، رقم 2579/ 57]:

حدثنى محمد بن حاتم ثنا شبابة ثنا عبد العزيز الماجشون به.

ورواه من هذا الوجه أيضا أبو داود الطيالسى [ص 257، رقم 1890] وأحمد [2/ 137] والترمذى [4/ 377، رقم 2030] والقضاعى [1/ 98، رقم 110] وآخرون.

ومنها طريق: محمد بن جعفر عن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعا "إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة، وإياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم قطعوا به أرحامهم وسفكوا دماءهم".

ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة غير عبد اللَّه بن عمر منهم جابر بن عبد اللَّه وأبو هريرة وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص والمسور بن مخرمة ومعاذ بن جبل والهرماس بن زياد (1).

فحديث جابر ذكره المصنف بعد هذا.

وحديث أبي هريرة رواه البخارى في الأدب المفرد [ص 170، 487] والحاكم في المستدرك [1/ 12، رقم 28] بلفظ: "إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش فإن اللَّه لا يحب الفاحش المتفحش" الحديث.

وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.

وحديث عبد اللَّه بن عمرو رواه الطيالسى [ص 300، رقم 2272] وأحمد [2/ 159] والدارمى [2/ 313] والحارث بن أبي أسامة وأبو الشيخ في التوبيخ

(1) في الأصل: "زيد" والصواب ما أثبتناه، وانظر: أسد الغابة (ت 5362)، والإصابة (ت 8966)، والإستيعاب (ت 2736)، واللَّه أعلم.

ص: 164

والحاكم في المستدرك [1/ 11، رقم 26] والقضاعى في مسند الشهاب [1/ 399، رقم 685] وغيرهم من طرق بألفاظ منها عند الحارث: "اتقوا اللَّه وإياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة".

وحديث المسور رواه أبو القاسم البغوى والطبرانى في الأوسط والكبير [20/ 25، رقم 29] من طريق يحيى بن عبد الحميد الحمانى:

حدثنى سليمان بن بلال عن قيس بن عبد الملك بن قيس بن مخرمة عن المسور ابن مخرمة مرفوعا: "إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة". وحديث معاذ رواه الطبرانى في الأوسط مثل الذي قبله وزاد "وإياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، الشح أمرهم بالقطيعة فقطعوا أرحامهم وأمرهم بسفك الدماء فسفكوا دماءهم"، وفي سنده من لا يعرف.

وحديث الهرماس رواه الطبرانى في الأوسط والكبير [22/ 204، رقم 538] ولفظه "إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة وإياكم والظلم فإنه ظلمات يوم القيامة وإياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح حتى سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم".

وفي الباب عن غير هؤلاء أيضا حتى عده المصنف من الأحاديث المتواترة، وبما تقرر عرف أن الشارح هو صاحب المجازفة مع تحامل وظلم للمصنف والظلم ظلمات يوم القيامة.

95/ 137 - "اتَّقُوا القدرَ فإنه شعبةٌ من النَّصْرَانيةِ". ابن أبي عاصم (طب. عد) عن ابن عباس

قلت: أخرجه أيضا أبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين فقال:

حدثنا أبو بكر محمد بن عبد اللَّه الشافعى ثنا أحمد بن أبي عمران ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ثنا القاسم بن حبيب التمار عن نزار بن حيان قال: قال

ص: 165

عكرمة: قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: "قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. . . " به، ونزار ابن حيان قال ابن حبان: يأتى عن عكرمة بما ليس من حديثه حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لذلك فبطل الاحتجاج به، روى المعافى بن عمران ثنا القاسم بن حبيب عن نزار عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا:"اتقوا القدر فإنه شعبة من النصرانية"، قال ابن عباس:"اتقوا هذا الإرجاء فإنه شعبة من النصرانية"، وذكر ابن عدى في الكامل [5/ 194] في ترجمة ابنه على بن نزار حديثه عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا:"صنفان من أمتى ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية" ثم قال: هذا الحديث أحد ما أنكر على علِى بن نزار وعلى والده.

قلت: ومن ضعف الرجل وانفراده يعرف أنه ليس للحديث أصل عن النبي صلى الله عليه وسلم.

96/ 141 - "اتَّقُوا المَجْزُومَ كما يُتَّقَى الأسَدُ". (تخ) عن أبي هربرة

قال الشارح: رمز المصنف لحسنه وقال في الشرح الكبير: رمز لصحته.

قلت: اضطرب الشارح في حكاية ما فعل المصنف في رمزه لهذا الحديث فاللَّه أعلم أى ذلك كان، غير أن الحديث رواه البخارى في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد فقال: روى إبراهيم بن حمزة عن الدراوردى عن محمد بن أبي الزناد قال: إبراهيم هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد كان يطلب مع أبيه عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا المجزوم"، وقال لنا على:

حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان عن أبي الزناد ولم يصح الحديث، كذا قال ولم يصرح بعلة ذلك، وقال أيضا في

ص: 166

ترجمة محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بن عفان: قال لى على: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرنى محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا هام ولا صفر وفر من المجزوم كما تفر من الأسد".

وقال لى الأويسى:

حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن مشيخة لهم من أهل الصلاح ممن أدرك حدثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وهذا أصح مرسل عنده عجائب يعنى محمد بن عبد اللَّه ابن عمرو ثم قال: قال إبراهيم بن حمزة حدثنا الدراوردى عن محمد بن أبي الزناد عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث على (1) اهـ.

وقد تكلم الخطيب [2/ 306] في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد على هذا الحديث وساق كلام البخارى فقال:

أخبرنا محمد بن الحسين القطان أخبرنا على بن إبراهيم المستملى ثنا أبو أحمد ابن فارس حدثنا البخارى قال: وروى إبراهيم بن حمزة عن الدراوردى عن محمد بن أبي الزناد عن الأعرج عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "اتقوا المجزوم"، قال الخطيب: وفي موضعين من هذا الحديث خطأ رواية الدراوردى عن أبي الزناد، والثانى: رواية محمد بن عبد الرحمن عن جده أبي الزناد وقد ذكر أن محمدا لم يروه عن جده وأن الواقدى انفرد بالرواية عن محمد، وقد روى حديث الدراوردى هذا غير البخارى عن إبراهيم بن حمزة على الصواب:

أخبرناه الحسن بن أبي بكر أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد اللَّه القطان ثنا

(1) انظر التاريخ الكبير (1/ 155).

ص: 167

إسماعيل بن إسحاق ثنا إبراهيم بن حمزة ثنا عبد العزيز بن محمد -يعنى الدراوردى- عن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بن عفان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر واتقوا المجزوم كما يتقى الأسد".

قال: وأخبرنا على وعبد الملك ابنا بشران قالا:

حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن إسحاق الفاكهى بمكة ثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة حدثنا يحيى بن محمد الحارثى ثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عبد اللَّه ابن عمرو مثله سواء.

وأخبرنا القاضى أبو العلاء الواسطى حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن عثمان المزنى بواسط أخبرنا أبو يعلى الموصلى ثنا عبد الرحمن بن سلام ثنا عبد العزيز ابن محمد عن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بنحوه.

فاتفق على بن المدينى ويحيى بن محمد الحارثى وعبد الرحمن بن سلام الجمحى وإسماعيل بن إسحاق عن إبراهيم بن حمزة على أن الحديث عند الدراوردى عن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان وهو المعروف بالديباج عن أبي الزناد وهو الصحيح اهـ.

ومحمد بن عبد اللَّه بن عمرو ذكره الذهبى في الميزان [3/ 593، رقم 7744] وقال: وثقه النسائى وقال مرة: لا بأس به، وقال البخارى: لا يكاد يتابع على حديثه، حدثنا على حدثنا الدراوردى أخبرنى محمد بن عبد اللَّه بن عمرو عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة بالحديث مرفوعا.

قال: ورواه ابن أبي الزناد عن أبيه عن حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال البخارى: وهذا بانقطاعه أصح.

ص: 168

قلت: وهذا كله بالنسبة لهذا الإسناد، وإلا فقد صححه البخارى موصولا من جهة أخرى فقال في صحيحه [7/ 164، رقم 5707]:

ثنا عفان ثنا سليم بن حيان ثنا سعيد بن ميناء قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجزوم فرارك من الأسد" قال الحافظ: لم أقف عليه من حديث أبي هريرة إلا من هذا الوجه ومن وجه آخر عند أبي نعيم في الطب لكنه معلول، وأخرج ابن خزيمة في كتاب التوكل له شاهدا من حديث عائشة ولفظه:"لا عدوى وإذا رأيت المجزوم ففر منه".

قلت: لم يستحضر الحافظ ما سبق عند البخارى والخطيب.

وله طريق آخر عن أبي هريرة أيضا وهو معلول بوجود المبهم فيه فلعله هو الذي يعنيه الحافظ لكنه أبعد في عزوه إلى طب أبي نعيم وهو في مسند أحمد [2/ 443]:

حدثنا وكيع ثنا النهاس عن شيخ بمكة عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "فر من المجزوم فرارك من الأسد".

فسكوت الشارح على الحديث وضربه صفحا عن جميع هذا ليس بجيد كما يقول هو في مثل هذا عن المصنف.

97/ 143 - "اتَّقوا النَّارَ ولو بِشقِّ تمرةٍ".

(ق. ن) عن عدى بن حاتم، (حم) عن عائشة، البزار (طس) والضياء عن أنس، البزار عن النعمان بن بشير وعن أبي هريرة، (طب) عن ابن عباس وعن أبي أمامة

قال الشارح: وهو متواتر.

قلت: أورده المصنف في الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة وقال:

ص: 169

أخرجه الشيخان عن عدى بن حاتم (1)، وأحمد [6/ 137] عن ابن مسعود وعائشة، والبزار (2) عن أبي بكر الصديق وأنس والنعمان بن بشير وأبي هريرة، والطبرانى [12/ 163، رقم 12771] عن ابن عباس وأبي أمامة (3) وعبد اللَّه بن مخمر وفضالة بن عبيد وابن عساكر عن ابن عمر، وابن جرير في تفسيره من مرسل عروة بن الزبير وقتادة: وسعيد بن منصور في سننه من مرسل الحسن اهـ.

قلت: وورد أيضا من حديث جرير بن عبد اللَّه وعلى بن أبي طالب وعبد اللَّه ابن معقل، وقد أوردت كثيرا من أسانيده وطرقه في المستخرج على مسند الشهاب ونستقصيها بحول اللَّه في "الإلمام بالمتواتر من حديثه عليه الصلاة والسلام".

98/ 146 - "اتَّقُوا بيتًا يُقالُ له الحمَّامُ فَمَن دَخله فَليَسْتَتِرْ". (طب. ك. هب) عن ابن عباس

قال الشارح في الكبير: قال (ك): صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبى في التلخيص مع أن فيه عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ أورده الذهبى في الضعفاء وقال: قال البخارى: لا يتابع على حديثه، وقال أبو حاتم: صدوق، ورواه عنه البزار، وقال عبد الحق: هو أصح حديث في هذا الباب، وأما ما أخرجه أبو داود والترمذى فلا يصح منه شيء، وقال في المطامح: ليس في شأن الحمام ما يعول عليه إلا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم في صفة

(1) أخرجه البخارى (3/ 283 رقم 1417)، ومسلم (2/ 704، رقم 1016/ 67).

(2)

أخرجه البزار كما في كشف الأستار (1/ 442، رقم 933) عن أبي بكر، و (رقم 934) عن أنس، و (رقم 935) عن النعمان، و (رقم 937) عن أبي هريرة.

(3)

المعجم الكبير (8/ 313، رقم 8017).

ص: 170

عيسى: "كأنما خرج من ديماس" وقد ألف فيه بعضهم مؤلفا حافلا جمع فأوعى.

قلت: في هذا أمور، أحدها ما نقله عن الذهبى عن البخارى من قوله في عبد العزيز بن يحيى: لا يتابع على حديثه ليس بصحيح، بل هو تحريف نشأ عن عدم إتقانه لمسائل الفن ومعرفته بدقائقه، فالذهبى قال [2/ 638، رقم 5137]: روى عنه أبو داود وأبو زرعة والفريابى قال أبو حاتم: صدوق وقال البخارى في الضعفاء:

قال لى عبد العزيز بن يحيى: ثنا عيسى بن بدر بن خليل الأسدى عن سلمة ابن عطية الفقيمى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من جلال اللَّه على العباد إكرام ذى الشيبة المسلم ورعاية القرآن لمن استرعاه اللَّه إياه وطاعة الإمام القاسط" ثم قال البخارى: لا يتابع عليه، قال الذهبى: قلت: في إسناده سلمة ضعيف اهـ.

فالبخارى قال: لا يتابع عليه يعنى الحديث المذكور، ولم يقل على حديثه مطلقا، لأن عدم متابعة على سائر حديثه تدل على أنه ساقط هالك بمرة، بخلاف عدم متابعته على الحديث الواحد، فظن الشارح أنه لا فرق بينهما فجاء بطامة لا تطاق، لا سيما وقد تعقب الذهبى البخارى بقوله: سلمة ضعيف كأنه يقول: إن العلة منه لا من عبد العزيز بن يحيى، فأعرض الشارح عن ذكر ذلك أيضا، وعن نقل الذهبى عن ابن عدى أنه قال: لا بأس برواياته، ثم إن الرجل وثقه أيضا أبو داود وذكره ابن حبان في الثقات [8/ 397] وقال ابن الحذاء: لا بأس برواياته، فالرجل ثقة على شرط الصحيح.

ثانيها: أن عبد العزيز المذكور لم ينفرد به بل توبع عليه وورد الحديث من غير طريقه، قال الحكيم الترمذى في نوادر الأصول [1/ 643] في الأصل الحادى

ص: 171

والثلاثين ومائة (1):

حدثنا محمد بن موسى الحرشى ثنا يحيى بن عثمان التيمى قال: حدثنا عبد اللَّه بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "اتقوا بيتا يقال له الحمام قيل: يا رسول اللَّه إنه يذهب الوسخ ويذكر النار، فقال: إن كنتم لا بد فاعلين فادخلوه مستترين" وهذا السند ضعيف من أجل يحيى بن عثمان التيمى، على أن ابن حبان قد ذكره في الثقات ولكنه يفيد عدم انفراد عبد العزيز بن يحيى به الذي رواه عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن ابن طاوس وعن أيوب السختيانى عن طاوس به، لكن فيه عند الحاكم [4/ 228] "قالوا: يا رسول اللَّه إنه يذهب الدرن وينفع المريض قال: فمن دخله فليستتر" ورواه البزار في مسنده بلفظ "احذروا بيتا يقال له الحمام قالوا: يا رسول اللَّه إنه ينفى الوسخ، قال: فاستتروا".

قال الحافظ المنذرى [1/ 144، رقم 6]: ورواته كلهم محتج بهم في الصحيح، وكأنه عنده من غير طريق عبد العزيز بن يحيى لأنه من رجال أبي داود والنسائى لا من رجال الصحيح، وكذا قال النور الهيثمى في الزوائد [1/ 278]: رجال البزار رجال الصحيح، فهو ممن يعين جزما أنه عنده من غير طريقه فهو طريق ثالث صحيح، أما قول البزار: إن الناس رووه عن طاوس مرسلا فلا يضر لأن الثقة إذا وصل فقوله مقبول لا يضره إرسال من أرسل.

ثالثها: ما نقله عن عبد الحق، وصاحب المطامح من إطلاق الضعف على جميع أحاديث الحمام ليس بصحيح، فقد صحح منها ابن حبان والحاكم نحو ثلاثة أحاديث وأقرهما جمع من الحفاظ، ونقل ذلك الشارح فيما يأتى عند ذكر تلك الأحاديث في حرف الحاء وحرف الميم.

(1) هو في الأصل الثلاثين ومائة من المطبوع.

ص: 172

رابعها: قال الشارح في خطبة كتابه النزهة الزهية في أحكام الحمام الشرعية والطبية ما نصه: لما رأيت احتياج الخاص والعام وكل مدنى بالطبع إلى دخول الحمام ولم أطلع في أحكامه على تاليف يشفى الأوام، ولا على ما يبرد الخاطر عند تصادم الأفهام لقلة كلام أئمتنا الشافعية في هذا المقام كما قال النووى شيخ مشايخ الإسلام، جمعت هذه التحفة السنية وسميتها النزهة الزهية.،. إلخ، فلعله وقف على هذا المؤلف بعد ذلك أو قصد بالبعض نفسه.

99/ 147 - "اتَّقُوا زَلَّةَ العالمِ وانْتَظروا فَيْئَتهُ".

الحلوانى (عد. هق) عن كثير بن عبد اللَّه ابن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده

قلت: كثير بن عبد اللَّه قال الشافعى وأبو داود: ركن من أركان الكذب، وقال الدارقطنى وغيره: متروك، وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة.

والحديث رواه البيهقى [10/ 211] بمعناه موقوفا على معاذ، فروى من طريق الزهرى: حدثنى أبو إدريس عائذ اللَّه بن عبد اللَّه الخولانى أنه أخبره يزيد بن عميرة صاحب معاذ أن معاذا رضى اللَّه عنه قال: وراءكم فتن يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والحر والعبد والرجل والمرأة والكبير والصغير فيوشك قائل أن يقول: فما للناس لا يتبعونى، وقد قرأت القرآن، واللَّه ما هم بمتبعى حتى أبتاع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن ما أبتدع ضلالة، واحذروا زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على فم الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق قال: قلت له: وما يدرينى يرحمك اللَّه أن الحكيم يقول كلمة الضلالة وأن المنافق يقول كلمة الحق؟ قال: اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي تقول: ما هذه؟ ولا ينئينك ذلك منه،

ص: 173

فإنه لعله أن يراجع ويلقى الحق إذا سمعه فإن على الحق نورا، قال البيهقى: فأخبر معاذ أن زيغة الحكيم لا توجب الإعراض عنه ولكن يترك من قوله ما ليس عليه نور فإن على الحق نورا يعنى واللَّه أعلم دلالة من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس على بعض هذا، ثم أسند حديث الترجمة فقال:

أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان أنبانا أحمد بن عبيد الصفار ثنا تمتام ثنا محمد بن إسحاق المسيى ثنا عبد اللَّه بن نافع عن كثير بن عبد اللَّه به، ثم قال: وكذلك رواه معن بن عيسى عن كثير اهـ.

ورواه أيضا الديلمى في مسند الفردوس [1/ 132، رقم 307] من طريق الحلوانى الذي عزاه إليه المصنف عن محمد بن خالد ومن طريق ابن السنى: ثنا عبدان ثنا دحيم عن عبد اللَّه بن نافع كلاهما عن كثير به.

100/ 148 - "اتَّقُوا دعوةَ المظلومِ فإنَّها تُحْمَلُ على الغَمَامِ، يقولُ اللَّه: وعزتى وجلالى لأَنصُرَنَّكَ ولو بعد حينٍ".

(طب) والضياء عن خزيمة بن ثابت

قال الشارح في الكبير: قال الهيثمى: فيه من لم أعرفه، وأقول: فيه سعد ابن عبد الحميد أورده الذهبى في الضعفاء وقال: فحش خطؤه، قاله ابن حبان، وضعفه غيره أيضا ولم يترك، لكن قال المنذرى: لا بأس بإسناده في المتابعات.

قلت: سعد بن عبد الحميد كتب عنه ابن معين وقال: لا بأس به وكذلك قال صالح جزرة وعلم عليه الذهبى علامة الصحيح، ولكن في سنده من لا تعرف له ترجمة كما قال الهيثمى [10/ 152] فقد أخرجه البخارى في التاريخ الكبير [1/ 186، رقم 573] في ترجمة محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت فقال: قال سعد بن عبد الحميد حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن عمران بن إبراهيم بن

ص: 174

محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه سمع خزيمة بن محمد عن أبيه عن جده خزيمة ابن ثابت به.

وقال الدينورى في المجالسة:

حدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد ثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر به.

وقال الدولابى في الكنى [2/ 123]:

حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا سعد بن عبد الحميد به.

وقال الطبرانى في مكارم الأخلاق [ص 359، رقم 126]:

حدثنا حفص بن عمر بن الصباح الرقى ثنا سعد بن عبد الحميد به.

101/ 150 - "اتَّقُوا دعوةَ المظلومِ وإنْ كَان كَافِرًا فإِنَّها لَيْسَ دُونهَا حِجَابٌ". (حم. ع) والضياء عن أنس

قال الشارح في الكبير: واتفق عليه الشيخان بدون "الكافر".

قلت: ليس هذا بصواب فإنه يفيد أن الشيخين اتفقا على حديث أنس بدون ذكر "الكافر" وليس كذلك، بل الذي عندهما حديث ابن عباس (1) في قصة معاذ لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وفيه هذا اللفظ خطابا لمعاذ، وقد اختصره البخارى في كتاب المظالم [3/ 357، رقم 1496] فقال:

حدثنا يحيى بن موسى ثنا وكيع ثنا زكريا بن إسحاق المكى عن يحيى بن عبد اللَّه ابن صيفى عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال: اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين اللَّه حجاب".

(1) انظر صحيح مسلم (1/ 50، رقم 19/ 29).

ص: 175

أما حديث أنس فقال أحمد [3/ 153]:

حدثنا يحيى بن إسحاق قال: أخبرنى أبو عبد اللَّه الأسدى قال: سمعت أنى ابن مالك به.

102/ 151 - "اتَّقُوا فِرَاسةَ المؤمنِ فإنَّهُ ينظرُ بِنورِ اللَّه عز وجل".

(تخ. ت) عن أبي سعيد الحكيم وسمويه (طب. عد) عن أبي أمامة، ابن جرير عن ابن عمر

قلت: قال البخارى في التاريخ:

ثنا الفريابى ثنا سفيان عن عمرو بن قيس الملائى عن عطية عن أبي سعيد به.

ورواه في موضع آخر [7/ 354، رقم 1529] عن أحمد بن سليمان ثنا مصعب بن سلام عن عمرو بن قيس.

وقال الترمذى [5/ 298، رقم 3127]:

حدثنا محمد بن إسماعيل ثنا أحمد بن أبي الطيب ثنا مصعب بن سلام به.

ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

ورواه الحسن بن عرفة في جزئه وابن أبي حاتم وابن جرير في تفسيرهما والخطيب في التاريخ [7/ 242] والقشيرى في الرسالة كلهم من طريق محمد ابن كثير الكوفى عن عمرو بن قيس به.

ثم رواه الخطيب [3/ 191] من طريق موسى بن زياد عن محمد بن كثير فقال:

عن سفيان عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد مرفوعا في قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75] قال: للمتفرسين.

ثم قال الخطيب: كذا قال في هذا الحديث عن محمد بن كثير عن سفيان عن

ص: 176

عمرو بن قيس والأول المحفوظ، وهو غريب من حديث عطية العوفى عن أبي سعيد لا نعلم رواه عنه غير عمرو بن قيس وتفرد به محمد بن كثير عن عمرو وهو وهم، والصواب ما رواه سفيان عن عمرو بن قيس الملائى قال: كان يقول: "اتقوا فراسة المؤمن. . . " الحديث.

قلت: وليس شيء مما قال بواقع فعمرو بن قيس لم يتفرد به عن عطية ومحمد ابن كثير لم يتفرد به عن عمرو، والحديث ليس بوهم.

أما عمرو بن قيس فقد تابعه أبو حنيفة وابن أبي ليلى عن عطية فرواه ابن خَسْرُو في مسند أبي حنيفة من طريق الحسن بن رشيق أنا محمد بن جعفر أنا صالح بن محمد عن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه عن عطية العوفى به.

ورواه أبو نعيم في الطب النبوى من طريق الحسن بن أبي جعفر: ثنا يحيى بن الحسين عن ابن أبي ليلى عن عطية به.

وأما محمد بن كثير فقد تابعه مصعب بن سلام كما سبق عند البخارى، والترمذى ومحمد بن مروان كما رواه ابن مردويه في تفسيره، وسفيان الثورى كما سبق عند البخارى أيضا من رواية الفريابى عنه لا من رواية محمد بن كثير التي حكم عليها الخطيب بأنها غير محفوظة، مع أن الحديث قد ورد من وجه آخر عن محمد بن كثير عن سفيان أيضا، فذكر ابن بشكوال في الصلة أنه قرأ بخط أبي مروان عبد الملك بن زيادة اللَّه الطبنى في شيوخه الذين لقيهم بالمشرق قال:

أخبرنى الشيخ الجليل أبو حفص عمر بن زاهر وكتبته من خطه قال: أنا أبو عمران موسى بن عيسى بن أبي حاج الفاسى الفقيه في داره بالقيروان قال: حدثنا أبو الحسن بن الفاسى الفقيه قال: قال لنا حمزة بن محمد الكنانى حين دخلت عليه أنا وأبو موسى عيسى بن سعادة وأبو محمد الأصيلى ووجدناه نازلا في درج مسجد يقال له مسجد ابن لهيعة في حضر موت فقال: من هؤلاء؟

ص: 177

قيل له: مغاربة، فوقف فسلمنا عليه ثم رجع فقعد فنظر في وجوهنا وقال: ما أرى إلا خيرا حدثونا عن محمد بن كثير عن سفيان الثورى عن عمرو بن قيس الملائى عن عطية العوفى عن أبي سعيد الخدرى أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللَّه" وتلا {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75] فهذا يدل على أن الحديث مشهور عن محمد بن كثير عن سفيان وأنها المحفوظة، وأن من قال عن محمد بن كثير عن عمرو فروايته منقطعة وقد تكون متصلة فتكون الأولى من قبيل المزيد في متصل الأسانيد.

وأما حكم الخطيب على المرفوع بالوهم فمردود أيضا بوروده مرفوعا من حديث أبي أمامة وثوبان وابن عمر وغيرهم، وقد تبع ابن الجوزى الخطيب فأورد الحديث في الموضوعات [3/ 146] وقال: تفرد به محمد بن كثير وهو ضعيف جدا اهـ.

وقد علمت أن محمد بن كثير لم ينفرد به وقد مشاه ابن معين وكان يحسن القول فيه وينسب الضعف الواقع في روايته إلى الرواة عنه.

وحديث أبي أمامة رواه الحكيم في نوادر الأصول [2/ 221] في الأصل الثامن والعشرين ومائتين (1) وأعاده في الأصل الرابع والثلاثين ومائتين قال في كل منهما:

حدثنا إبراهيم بن عبد الحميد الحلوانى ثنا عبد اللَّه بن صالح ثنا معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة به.

ورواه أيضا أبو نعيم في الحلية [6/ 118]، والبيهقى في الزهد [ص 193، رقم 359]، والقضاعى في مسند الشهاب [1/ 387، رقم 663]، والخطيب

(1) هو في الأصل السابع والعشرين ومائتين.

ص: 178

في التاريخ [5/ 99]، وابن عبد البر في كتاب العلم [1/ 677، رقم 1197]، كلهم من طريق عبد اللَّه بن صالح به.

وقد أوردت أسانيدهم إليه في مستخرجى على مسند القضاعى.

وأورده ابن الجوزى في الموضوعات أيضا [3/ 147] وأعله بعبد اللَّه بن صالح وقال: إنه ليس بشيء، وهذا من مجازفاته فإن عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث عالم مكثار صدوق ثبت في كتابه، وإنما أتى من قبل الإكثار ووجود غفلة كانت فيه فتكلم فيه لأجل ذلك، وحديثه حسن لاسيما فيما لم ينفرد به.

وحديث ابن عمر رواه ابن جرير [14/ 46] عن أحمد بن محمد الطوسى:

ثنا الحسن بن محمد ثنا الفرات بن السائب ثنا ميمون بن مهران عن ابن عمر به.

ورواه أبو نعيم في الحلية [4/ 94] في ترجمة ميمون بن مهران من طريق أحمد بن محمد بن عمر اليمامى: ثنا عمارة بن عقبة ثنا فرات بن السائب به.

ثم قال: غريب لم نكتبه إلا من هذا الوجه، واغتر بذلك ابن الجوزى فأورده في الموضوعات [3/ 145] أيضا وأعله بالفرات واليمامى وقال: كلاهما متروك، واليمامى قد بينت رواية ابن جرير براءته منه إذ رواه من مخير طريقه، فيبقى الفرات وإذ لم ينفرد به بل وردت له شواهد من أحاديث جماعة من الصحابة فلا يضر وجوده في السند، وقد ورد أيضا من حديث ثوبان أخرجه ابن جرير [14/ 46] وأبو نعيم في الحلية [4/ 81] ومن حديث أبي هريرة أخرجه ابن الجوزى [3/ 147] وقد أوردت أسانيدهما في المستخرج مع بعض الآثار.

103/ 152 - "اتَّقُوا مَحاشَّ النِّساءِ". سمويه (عد) عن جابر

ص: 179

قلت: أخرجه أيضا الديلمى في مسند الفردوس قال:

أخبرنا أبو على الحداد أخبرنا أبو نعيم أخبرنا ابن فارس ثنا سمويه ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ثنا ابن أبي فديك عن على بن أبي على عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: "قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. . . " به.

وعلى بن أبي على هو اللهبى المدنى متروك هالك متهم، قال الحاكم: يروى عن ابن المنكدر أحاديث موضوعة وقال أبو حاتم والنسائى والعقيلى [3/ 240، رقم 1239]: متروك، وقال أحمد والبخارى وأبو زرعة: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء وقال البغوى: ضعيف الحديث روى عن ابن المنكدر معاضيل، وضعفه النقاش وابن الجارود والساجى والخطيب وابن السمعانى وآخرون، وقال أبو نعيم: روى عن ابن المنكدر مناكير، وأوردوا من مناكيره عنه هذا الحديث.

104/ 153 - "اتَّقُوا هَذِهِ المذَابِحَ يعنى المحَارِيبَ". (طب. هق) عن ابن عمرو

وعزا الشارح قوله: "يعنى المحاريب" إلى الديلمى في الفردوس وغيره وعبارته عقب الحديث "اتقوا هذه المذابح"، قال الديلمى وغيره: يعنى المحاريب. وعبارته في الكبير: قال في الفردوس وغيره: يعنى المحاريب، ثم قال في الكلام على عزو الحديث: رمز المصنف لحسنه قال الهيثمى: فيه عبد الرحمن ابن مغراء وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن المدينى في روايته عن الأعمش وليس هذا منها اهـ.

وقال المصنف: حديث ثابت وهو على رأى أبي زرعة ومتابعيه صحيح وعلى رأى ابن عدى حسن، والحسن إذا ورد من طريق ثان ارتقى إلى الصحة اهـ.

ص: 180

وهو غير صواب، فقد تعقبه الحافظ الذهبى في المهذب على البيهقى فقال: هذا خبر منكر تفرد به عبد الرحمن بن مغراء وليس بحجة اهـ، وحينئذ فإثبات الحكم بصحته بفرض ما فهمه المؤلف لا يصار إليه.

هذا كلام الشارح وسبق له انتقاد على المصنف في الكلام [على] معنى الحديث فقال: ووقع للمصنف أنه جعل هذا نهيا عن اتخاذ المحاريب في المساجد والوقوف فيها، وقال: خفى على قوم كون المحراب بالمسجد بدعة وظنوا أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في زمنه ولا في زمن أحد من خلفائه، بل حدث في المائة الثانية مع ثبوت النهى عن اتخاذه، ثم تعقب قول الزركشى أن اتخاذه جائز لا مكروه، ولم يزل عمل الناس عليه بلا نكير بأنه لا نقل في المذهب فيه وقد ثبت النهى عنه، أقول: وهذا بناء منه على ما فهمه من لفظ الحديث أن مراده بالمحراب ليس إلا ما هو المتعارف في المسجد الآن ولا كذلك، فإن ابن الأثير نص على أن المراد بالمحاريب في الحديث صدور المجالس قال: ومنه حديث أنس: "كان يكره المحاريب"، أى: لم يكن يحب أن يجلس في صدور المجالس ويرتفع على الناس، واقتفاه في ذلك جمع جازمين به رلم يحكوا خلافه، منهم الحافظ الهيثمى وغيره ثم نقل نحو هذا عن الحرانى والزمخشرى.

وهو كلام عجيب مشتمل على أوهام ومجازفات سواء في الصناعة الحديثية أو في المعنى، أولى ذلك: أن عزوه تفسير المذابح بالمحاريب إلى الديلمى في الفردوس باطل من وجهين:

أحدهما: أن ذلك تفسير من راوى الحديث إما صحابيه أو تابعيه لا من مخرجه والحديث مروى بذلك التفسير في معجم الطبرانى المتوفى قبل ولادة الديلمى بنحو مائة سنة وكذلك هو عند البيهقى [2/ 49].

ص: 181

ثانيهما: أنه لا وجود لهذا الحديث في فردوس الديلمى، ولا في مسنده لولده فالعزو إليه أيضا باطل.

الثانى: أن تعقبه تحسين المصنف للحديث بمجرد قول الذهبى: إنه منكر، مجازفة ظاهرة، فإن قول الذهبى ليس هو بمجرده حجة ولا هو أولى من قول المصنف بدون حجة، والمصنف قد بين دليله وهو توثيق من وثق عبد الرحمن، وكذا قول الحافظ الهيثمى [8/ 60] فإنه بمعنى تحسين المصنف، لأنه أثبت أن هذا الحديث ليس من رواية عبد الرحمن عن الأعمش وهو أشد ضعفا في الأعمش، وقد كان أبو خالد الأحمر يحسن الثناء عليه وكذا وكيع، وزاد الأحمر أنه ثقة وقال أبو زرعة: صدوق وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه أيضا الخليلى، على أن الذهبى نفسه قال فيه: ما به بأس إن شاء اللَّه تعالى وهذا حال رواة الصحيح لا رواة الحسن فحكم المصنف للحديث في غاية الصواب.

الثالث: أن تعقبه على المصنف حمله الحديث على المحاريب المتعارفة في المساجد تعقب باطل ومجازفة ظاهرة لأمرين:

أحدهما: أن الأحاديث مصرحة بذلك معينة لمحارب المساجد دون صدور المجالس، وبها استدل المصنف لا بمجرد فهمه، فقد استدل بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه [2/ 59] من حديث موسى الجهنى مرفوعا:"لا تزال أمتى بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى"، وما رواه ابن أبي شيبة [15/ 65] عن عبيد بن أبي الجعد قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد يعنى الطاقات وبما رواه أيضا عن أبي ذر مثله، وبما رواه البزار [1/ 210، رقم 416] بسند رجاله موثقون عن عبد اللَّه بن مسعود أنه كره الصلاة في المحراب وقال: إنما كانت للكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب -يعنى أنه كره الصلاة في الطاق-

ص: 182

وروى ابن أبي شيبة عن على عليه السلام نحوه وبآثار أخرى عن جماعة من التابعين منهم الحسن والنخعى وسالم بن أبي الجعد وأبو خالد الوالدى فهذه آثار صريحة في إرادة محارب المساجد لا صدور المجالس.

ثانيهما: أن ما اعتمد عليه من كلام ابن الأثير في النهاية نقل في غير محله فإن ابن الأثير تكلم على مطلق لفظ المحراب لا على خصوص ما في هذه الأحاديث فإنه قال: المحراب الموضع العالى المشرف وهو صدر المجلس أيضا ومنه سمى محراب المسجد وهو صدره وأشرف موضع فيه ومنه حديث أنس رضى اللَّه عنه أنه كان يكره المحاريب، أى لم يكن يحب أن يجلس في صدر المجلس ويترفع على الناس، والمحاريب جمع محراب هذا كلام ابن الأثير.

فاعجب لأوهام الشارح وتعسفاته.

105/ 159 - "أَثْبَتُكُمْ على الصِّراطِ أشدُّكم حبا لأهلِ بَيِتى ولأصحَابِى". (عد. فر) عن على

قال الشارح: وكذا أبو نعيم عن على وإسناده ضعيف.

قلت: بل موضوع في سنده القاسم بن بهرام كذاب، وكذا الحسين بن علوان وهو وضاع مشهور.

106/ 162 - "اثْنَانِ لا يَنْظُرُ اللَّه إِليهِمَا يومَ القِيامةِ قَاطِعُ الرحِم وجارُ السوءِ"(فر) عن أنس

قلت: قال الديلمى [1/- 502، رقم 1680]:

أخبرنا ثابت بن بنجير بن منصور بن على الصوفى عن جعفر بن محمد الأبهرى

ص: 183

عن أحمد بن محمد بن مهدى الأهوازى عن محمد بن على بن بكير التسترى عن أحمد بن داود عن محمد بن مهدى البصرى عن أبيه عن أبان عن أنس به، وهو حديث باطل ومهدى البصرى كذاب وضاع.

107/ 164 - "اثنان لا تُجَاوِزُ صَلاتُهما رُءُوسَهُمَا: عبدٌ أَبَقَ مِنْ مَوَاليه حَتَّى يرجِعَ وامرَأةٌ عصتْ زوجَها حتَّى ترجِعَ". (ك) عن ابن عمر

قال الشارح في الكبير: قال (ك): صحيح، ورده الذهبى بأنه من حديث بكر بن بكار وهو ضعيف.

قلت: الذي في نسختنا من المستدرك عدم تعرض الحاكم لهذا الحديث بل خرجه [4/ 173] وسكت عليه، وكذلك الذهبى لم يتعقبه بشيء بل سكت كما في نسختنا أيضا من تلخيصه وقد نقله الحافظ المنذرى في الترغيب [3/ 29، 59] وقال: رواه الطبرانى بإسناد جيد والحاكم ولم يحك أنه صححه، وتلك عادته فيما سكت الحاكم عليه، فكأن الشارح رأى تعقبا لغير الذهبى على الحاكم فظن أن كل حديث في المستدرك ينص الحاكم على صحته وأن كل تعقب عليه منقول عن الذهبى واللَّه أعلم.

108/ 167 - "اثنانِ يُعَجِّلُهُما اللَّه في الدُّنيا: البَغْيُّ، وعُقوقُ الوالِدِينِ". (تخ. طب) عن أبي بكرة

قلت: قال الطبرانى:

حدثنا فضيل بن محمد الملطى ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ثنا محمد بن عبد العزيز الراسبى ثنا سعد مولى أبي بكر ثنا عبيد اللَّه بن أبي بكرة عن أبيه به.

ص: 184

وعن الطبرانى أسنده أبو نعيم في تاريخ أصبهان [2/ 99] ورواه أيضا إسحاق ابن راهويه في مسنده عن أبي نعيم به وهو شيخ البخارى.

109/ 168 - "أَثِيبُوا أخَاكُم ادْعُوا لَهُ بالبركةِ، فإنَّ الرجلَ إذا أكلَ طَعامَه وَشَرب شرابَه ثمَّ دُعِيَ لَهُ بالبركةِ فذاك ثوابُه مِنْهُم". (د. هب) عن جابر

قال الشارح في الكبير: رمز المصنف لحسنه وفيه ما فيه، إذ فيه فليح بن سليمان المدنى أورده الذهبى في الضعفاء والمتروكين وقال: قال ابن معين والنسائى: غير قوى ولعله باعتبار شواهده.

قلت: هذا وهم من وجوه: أحدها: أن الحديث ليس فيه فليح بن سليمان أصلا قال أبو داود [3/ 367، رقم 3853]:

حدثنا محمد بن بشار ثنا أبو أحمد ثنا سفيان عن يزيد أبي خالد الدالانى عن رجل عن جابر بن عبد اللَّه قال: "صنع أبو الهيثم بن التيهان للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلما فرغوا قال: أثيبوا أخاكم. . . " الحديث.

ثانيها: أن فليح بن سليمان على فرض وجوده في الحديث فهو [من] رجال الصحيحين الذين احتج بهم الشيخان وقد أكثر البخارى من إخراج أحاديثه فلا لوم على المصنف إذا صحح حديثه فضلا عن تحسينه لو كان موجودا في سند الحديث، والواقع بخلاف ذلك.

ثالثها: أن الذي ينبغى أن يعل به الحديث هو جهالة تابعيه والراوى عنه يزيد ابن عبد الرحمن أبو خالد الدالانى فإنه كان كثير الوهم فاحش الخطأ كما قال ابن حبان، لكن وثقه مع ذلك جماعة ووصفوه بالصدق.

والحديث له طريق آخر من حديث ابن عمر، قال أبو نعيم في تاريخ أصبهان [1/ 84]:

ص: 185

حدثنا محمد بن على بن حبيش ثنا عبد اللَّه بن أبي داود السجستانى ثنا أحمد ابن محمد بن الحسين بن حفص ثنا خلاد بن يحيى ثنا يوسف بن ميمون الصباغ عن عطاء عن ابن عمر قال: دعى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى طعام هو وأصحابه فلما طعموا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أثيبوا أخاكم قالوا: وما إثابته؟ قال: تدعون اللَّه له فإن في الدعاء إثابة له".

110/ 178 - "اجْتَنِبُوا دَعواتِ المظلُوم مَا بَينهَا وبين اللَّه حَجِابٌ". (ع) عن أبي سعيد وأبي هريرة معا

قال الشارح: وزاد المصنف معا دفعا لتوهم أن الواو بمعنى أو.

قلت: ليس كذلك بل زادها لإفادة أن السند إليهما واحد وأن التابعى رواه عنهما معا لا أنه مروى بسندين سند عن أبي سعيد وسند عن أبي هريرة هذا هو المتبع المعروف، ولم يقع في الأسانيد عن فلان أو فلان بأو التي للشك إلا نادرا بل أندر من النادر فلا يذكر لفظ "معا" لدفع ذلك التوهم الموهوم.

والحديث رواه البخارى في التاريخ [7/ 139، رقم 624] عن أبي سعيد الخدرى وحده فقال:

قال عبد اللَّه بن محمد ثنا عبيد اللَّه ثنا إسرائيل عن فراس عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا دعوات المظلوم. . . " وللحديث طرق كثيرة تقدم بعضها في "اتقوا".

111/ 181 - "اجْثُوا عَلَى الرُّكبِ ثُمَّ قُولُوا يا ربِّ يا ربِّ" أبو عوانة والبغوى عن سعد.

قال الشارح: وفي سنده اختلاف.

قلت: رواه أيضا العقيلى [3/ 308، رقم 1320] في الضعفاء في ترجمة عامر بن خارجة من طريق ابن عائشة عن حفص بن النضر السلمى: ثنا عامر

ص: 186

ابن خارجة عن جده أن قوما شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قحط المطر فقال: "اجثوا على الركب وقولوا: يا رب يا رب" ففعلوا فسقوا، ونقل العقيلى عن البخارى أنه قال: في إسناده نظر، وذكر ابن حبان عامرا في الثقات لكنه قال: يروى عن جده حديثا منكرا في المطر.

112/ 187 - "اجعلُوا من صلاتِكم في بيوتِكم لا تتَّخِذُوها قُبُورًا".

(حم. ق. د) عن ابن عمر (ع) والرويانى والضياء عن زيد بن خالد ومحمد بن نصر في الصلاة عن عائشة

قال الشارح في الكبير: ومع وجود الحديث في الصحيحين لا حاجة لعزوه لغيرهما اللهم إلا أن يكون قصده إثبات تواتره.

قلت: كلام الشارح هذا من اللغو الذي لا معنى له سوى تسويد الورق فالكتاب موضوع على طريقة الصناعة الحديثية المقتضية للإطالة في العزو والتخريج، وبيان ما للحديث من الطرق المفيدة لفوائد صناعية منها تقوية الحديث وبيان شهرته وعلى هذا مدار الكتاب من أول حديث فيه إلى آخره، ثم إن قوله: اللهم إلا أن يكون قصده إثبات تواتره باطل لوجوه:

أحدها: أن قصده ليس هو ذلك، وإنما قصده الإشارة إلى جميع من خرجه وما له من الطرق بحسب ما بلغ إليه حفظه واطلاعه، ولو كان قصده بذلك الإشارة إلى تواتره لكان أربعة أخماس الكتاب متواترا لأن غالب أحاديثه كذلك.

ثانيها: أن الحديث ليس بمتواتر.

ثالثها: أن المتواتر لا يثبت بثلاثة طرق بل أقلها على رأى المصنف عشرة، وهو رأى مرجوح في نظرنا ونظر أهل الحق، بل العبرة في ذلك على حصول العلم اليقينى كما هو مقرر في محله.

ص: 187

ثم إن الحديث له طريق آخر لم يشر إليه المصنف أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان [1/ 319] قال:

حدثنا أبو محمد بن حيان ثنى إسماعيل بن عبد اللَّه ثنا زياد بن هشام بن جعفر ثنا عبد اللَّه ثنا سفيان الثورى عن عبدة بن أبي لبابة عن سويد بن غفلة عن أبي ذر وأبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم. . . ".

113/ 190 - "أجِلُّوا اللَّه يَغْفِرْ لكُم". (حم. ع. طب) عن أبي الدرداء.

قال الشارح: إسناده حسن، ونقل في الكبير عن الحافظ الهيثمى أنه قال: فيه أبو العذراء مجهول وبقية رجال أحمد وثقوا.

قلت: هذا تناقض، فإن ما في سنده رجل مجهول لا يحكم بأنه حسن، ثم إنه مع جهالة أبي العذراء فيه اختلاف بالوصل والإرسال والانقطاع، فرواه أحمد [5/ 199] عن موسى بن داود ثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن عمير بن هانئ عن أبي العذراء عن أبي الدرداء به، وزاد قال ابن ثوبان يعنى: أسلموا.

ورواه أبو نعيم [1/ 226] من وجه آخر عن عمير بن هانئ عن أبي العذراء فقال: عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال أبو نعيم:

حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا عباس بن الوليد بن صبح الدمشقى ثنا مروان بن محمد الطاطبرى ثنا مسلمة المعدل عن عمير بن هانئ عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أجلوا اللَّه يغفر لكم"، قال مروان: معنى قوله: "أجلوا اللَّه" أى أسلموا له.

قال أبو نعيم: تفرد به مسلمة وهو من أهل دارى عن عمير مجودا.

ص: 188

ورواه ابن ثوبان عن عمير مثله دون أم الدرداء.

قلت: وقد اختلف فيه على ابن ثوبان أيضا، فرواه البخارى في التاريخ [الكنى ص 63، رقم 558] عن محمد بن المثنى:

ثنا موسى ثنا عبد الرحمن بن ثابت ابن ثويان عن عمير بن هانئ عن أبي العذراء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا: "أجلوا اللَّه عز وجل يغفر لكم" أى أسلموا، هكذا ذكره البخارى في ترجمة أبي العذراء ولم يقل فيه شيئًا لكن قال أبو حاتم: إنه مجهول وكأنه أخذ ذلك من سكوت البخارى، ثم قال أبو نعيم في الحلية: وهذا الحديث شبيه بما ثبت عنه يعنى أبا الدرداء مما رواه الأعمش وعبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات لا يشرك باللَّه شيئا دخل الجنة فقال أبو الدرداء. وإن زنا وإن سرق فقال: نعم وإن زنا وإن سرق رغم أنف أبي الدرداء".

114/ 191 - "أجْمِلوا في طَلبِ الدُّنيا فإنَّ كُلا مُيسَّرٌ لمِا كُتِبَ له منها".

(هـ. ك. طب. هق) عن أبي حميد الساعدى

قال الشارح: إسناده صحيح.

وقال في الكبير: قال الحاكم: على شرطهما، وأقره الذهبى لكن فيه هشام بن عمار أورده هو -أعنى الذهبى- في ذيل الضعفاء، وقال: قال أبو حاتم: صدوق تغير فكان كلما لقن تلقن، وقال أبو داود: حدث بأرجح من أربعمائة حديث لا أصل لها، وإسماعيل بن عياش أورده في الضعفاء وقال: مختلف فيه وليس بقوى، وعمارة بن غزية أورده في الذيل أيضا وقال: ثقة، ضعفه ابن حزم.

قلت: هشام بن عمار صدوق، وثقه ابن معين والجمهور، وإسماعيل بن

ص: 189

عياش يضعف في روايته عن غير أهل بلده، وبعد هذا فالرجلان إنما هما في سند ابن ماجه [2/ 724، رقم 2142] لا في سند جميع من عزاه إليهم المصنف.

فإن الحاكم رواه [2/ 3، رقم 2133] عن أبي العباس الأصم:

ثنا الربيع بن سليمان ثنا عبد اللَّه بن وهب أنبأنا سليمان بن بلال حدثنى ربيعة ابن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد الأنصارى عن أبي حميد الساعدى به.

ومن طريق الأصم رواه البيهقى [5/ 264] أيضا.

ورواه أبو نعيم في الحلية [3/ 265] عن جعفر بن محمد الأحمسى:

ثنا أبو الحصين بن يحيى الحمانى ثنا سليمان بن بلال به، ثم قال: هذا حديث ثابت مشهور من حديث ربيعة رواه عمارة بن غزية والدراوردى عنه مثله اهـ.

فسقط كل ما هول به الشارح.

ثم إن الحديث مع هذا له طرق أخرى من حديث جماعة من الصحابة أوردتها بأسانيدها في مستخرجى على مسند الشهاب.

115/ 192 - "أجْوَعُ الناسِ طالبُ العلمِ، وأشْبَعُهُم الذي لا يَبْتَغِيهِ".

أبو نعيم في العلم، (فر) عن ابن عمر

قلت: الحديث رواه أبو نعيم أيضا في تاريخ أصبهان [1/ 259]، فقال:

حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا ابن الجارود ثنا الحسن ثنا عفان ثنا محمد بن الحارث عن ابن البيلمانى عن أبيه عن ابن عمر قال: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم، أى الناس أجوع؟ قال: طالب العلم، قال: فأيهم أشبع؟ قال: الذي لا يبتغيه".

ص: 190

ومن طريق أبي نعيم أسنده الديلمى في مسند الفردوس.

ورواه أيضا ابن حبان في الضعفاء [2/ 264، 265]:

ثنا محمد بن يعقوب الخطيب بالأهواز ثنا عبد اللَّه بن محمد بن الحارث به.

قال الحافظ في زهر الفردوس: محمد بن الحارث وشيخه ضعيفان.

قلت: بل وضاعان، والحديث كذب موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم لا يليق بجزالة ألفاظه لأنه غير متناسق الأطراف ولا متناسب المعنى.

116/ 193 - "أجَيبُوا هذِه الدَّعْوةَ إِذَا دُعِيتُم لَهَا". (ق) عن ابن عمر.

قلت: هو من رواية نافع عنه، وقد رواه عن نافع جماعة بألفاظ منهم عمر ابن محمد العمرى وموسى بن عقبة وأيوب السختيانى ومحمد بن عبد الرحمن ابن يحيى وغيرهم.

وقد ذكر الكثير من طرقه مع الكلام على معانيه وأحكامه الطحاوى في مشكل الآثار أواخره (1).

117/ 194 - "أَجِيبُوا الدَّاعِيَ ولا تَردُّوا الهدَّيةَ ولا تَضْرِبُوا المسْلِمينَ".

(حم. خد. طب. هب) عن ابن مسعود.

قال الشارح: وإسناد أحمد صحيح.

قلت: هذا يفيد أن سند البخارى ليس بصحيح مع أن الأمر بخلاف ذلك، فالشارح يأخذ عبارة الحافظ الهيثمى في الزوائد كما هى ويضعها في شرحه مع

(1) أخرجه الطحاوى (8/ 25، رقم 3022، 3023) و (8/ 26، رقم 3024، 3025) و (8/ 27، رقم 3026، 3027).

ص: 191

عزو الحديث في متنه إلى أصول غير الأصول التي يعزو إليها الحافظ الهيثمى في الزوائد الذي احترز بقوله: سند أحمد صحيح عن سند الطبرانى لا عن سند البخارى والبيهقى المذكورين في الجامع الصغير.

والحديث رواه أحمد [1/ 404] والبخارى في الأدب المفرد [ص 68، 157] كلاهما عن محمد بن سابق: ثنا إسرائيل عن الأعمش عن شقيق أبي وائل عن عبد اللَّه به.

ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن محمد بن سابق أيضا، إلا أنه وقع كما عندى في زوائده للحافظ نور الدين الهيثمى [4/ 52] بخطه: عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي وائل، وإبراهيم غلط في هذا الإسناد ولعله سبق قلم عن الحافظ نور الدين.

ثم رواه الحارث عن أبي غسان: ثنا إسرائيل عن الأعمش بإسناده نحوه، إلا أنه قال:"ولا تضربوا الناس".

ومن هذا الطريق رواه الطحاوى في مشكل الآثار [8/ 29، رقم 3031] عن فهد عن أبي غسان، لكن وقع في الأصل المطبوع عن الأعمش عن عبد اللَّه، وهو سقط عن قلم الناسخ غالبا.

ورواه ابن حبان في روضة العقلاء عن محمد بن صالح الطبرى:

ثنا عبد اللَّه بن عمران الأصبهانى ثنا يحيى بن الضريس ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا سفيان الثورى عن الأعمش عن أبي وائل به.

ومن هذا الوجه رواه أبو نعيم في الحلية [7/ 128] عن محمد بن عيسى الأديب:

ثنا محمد بن إبراهيم بن زياد ثنا عبد اللَّه بن عمران به، ثم قال: غريب عن حديث الثورى تفرد به يحيى بن الضريس.

ص: 192

118/ 195 - "أجيفُوا أبْوَابكُم، واكفِئُوا آنيتَكُم، وأوْكئُوا أسْقِيتكمْ، وأطْفئُوا سُرُجَكُمْ فإنَّهم لَمْ يُؤْذنْ لهم بالتَّسورِ عليكم". (حم) عن أبي أمامة.

قال الشارح: وإسناده صحيح خلافا لقول المؤلف: حسن.

وقال في الكبير: قال الهيثمى: رجاله ثقات، ورمز المؤلف لحسنه غير حسن بل حقه الرمز لصحته.

قلت: الحديث في سنده فرج بن فضالة، قال أحمد [5/ 262]:

حدثنا أبو النضر ثنا الفرج ثنا نعمان قال: سمعت أبا أمامة به، وفرج بن فضالة قال أبو داود: يحدث عن الثقات أحاديث مناكير، وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال ابن المدينى: هو وسط وليس بالقوى، وقال البخارى ومسلم: منكر الحديث، وضعفه النسائى وغيره، وقال أبو حاتم: صدوق يكتب حديثه ولا يحتج، وفيه كلام كثير يطول ذكره، فكيف يحكم بصحته؟!

ومن العجيب أن الحافظ الهيثمى قال [8/ 111]: رجاله ثقات غير الفرج بن فضالة، وقد وثق اهـ.

فأسقط الشارح منه ذكر الفرج بن فضالة واعتمد على الباقى في الانتقاد.

119/ 197 - "أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلى اللَّه تعالى أدْوَمُها وإِنْ قلَّ". (ق) عن عائشة

قلت: في الباب عن أم سلمة وغيرها، وقد استوعبت طرقه في المستخرج على مسند الشهاب.

ص: 193

120/ 198 - "أحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّه أنْ تَموتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّه".

(حب) وابن السنى في عمل يوم وليلة (طب. هب) عن معاذ

قال الشارح: إسناده صحيح.

وقال في الكبير: قال الهيثمى بعد ما عزاه للطبرانى: فيه خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، ضعفه جمع ووثقه أبو زرعة، وبقية رجاله ثقات، والمؤلف رمز لصحته تبعا لابن حبان.

قلت: لا يلزم من وجود الرجل المذكور في سند الطبرانى [20/ 106، رقم 208] أن يكون في سند غيره كما قدمته وهو الواقع هنا أيضا، فإن ابن حبان وابن السنى روياه من طريق آخر، قال ابن السنى [ص 3، رقم 2]:

حدثنى محمد بن عبد اللَّه بن الفضل ثنا محمود بن خالد ثنا الوليد بن مسلم عن أبي ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل رضى اللَّه عنه قال: "آخر كلمة فارقت عليها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول اللَّه أخبرنى بأحب الأعمال إلى اللَّه عز وجل، قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر اللَّه تعالى".

وكذلك رواه ابن أبي [الدنيا] والبزار، وأشار الحافظ المنذرى [2/ 395، رقم 6] إلى صحته.

وفي الباب عن عبد اللَّه بن بسر، قال البغوى الكبير في الجعديات:

أخبرنا على بن الجعد أخبرنا إسماعيل بن عياش أخبرنا عمرو بن قيس السكونى عن عبد اللَّه بن بسر المازنى قال: "جاء أعرابى إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا

ص: 194

رسول اللَّه أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: ألا تفارق الدنيا إلا ولسانك رطب من ذكر اللَّه تعالى".

ورواه الترمذى وابن ماجه وابن حبان [3/ 99، رقم 818] والحاكم بنحوه وقال: صحيح الإسناد.

121/ 200 - "أحَبُّ الأَعْمَال إِلى اللَّه بعد أَدَاء الفَرائضِ إِدْخَالُ السُّرورِ على المُسْلِمِ". (طب) عن ابن عباس

قال الشارح في الكبير: لم يرمز له المصنف بشيء، قال الهيثمى: فيه إسماعيل بن عمر البجلى، وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وقال الحافظ العراقى: سنده ضعيف.

قلت: للحديث طريق آخر، قال الدينورى في المجالسة:

ثنا محمد بن غالب تمتام ثنا إسحاق بن كعب مولى بنى هاشم ثنا عبد الحميد أبي سليمان الأزرق عن سكين بن أبي سراج عن عبد اللَّه بن دينار عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أى العباد أحب إلى اللَّه عز وجل؟، قال: أنفعهم للناس، وإن من أحب الأعمال إلى اللَّه عز وجل سرورا تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضى عنه دينا أو تسد عنه جوعته، ولأن أمشى مع أخ لى في حاجة أحب إلى من اعتكاف شهرين في المسجد، ومن كفَّ غضبه ستر اللَّه عورته، ومن كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه لأمضاه ملأ اللَّه قلبه أمنا وإيمانا، ومن مشى مع أخ له في حاجة حتى يثبتها ثبت اللَّه قدمه يوم تزل الأقدام".

وسكين بن أبي سراج ضعيف، وقد اضطرب فيه فمرة قال: هكذا عن عبد اللَّه بن دينار عن ميمون بن مهران عن ابن عباس، ومرة قال: عن عمرو

ص: 195

ابن دينار عن عبد اللَّه بن عمر.

كذلك أخرجه أبو الشيخ في التوبيخ [ص 122، رقم 94] قال:

حدثنا إبراهيم بن محمد بن على ثنا السرى بن مهران ثنا أبو معاوية عن عبد الرحمن بن قيس ثنا سكين بن أبي سراج ثنا عمرو بن دينار عن ابن عمر: "أن رجلا جاء إلى رسول اللَّه عني فقال: يا رسول اللَّه، أى الناس أحبُّ إلى اللَّه؟ وأى الأعمال أحب إلى اللَّه؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى اللَّه أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى اللَّه سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة".

وقال الطبرانى في الصغير [2/ 106، رقم 861]:

ثنا محمد بن عبد الرحيم الشافعى البصرى ثنا القاسم بن هاشم السمسار ثنا عبد الرحمن بن قيس الضبى ثنا سكين بن أبي سراج به مطولا مثل لفظ ابن عباس.

وللحديث طريق آخر عن ابن عمر أسنده الذهبى [3/ 582، رقم 7684] من طريق جعفر بن محمد بن عون السمسار: ثنا محمد بن صالح فيروز التميمى ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر، قلت:"يا رسول اللَّه أى الناس أحب إلى اللَّه؟ قال: أنفعهم للناس، قلت: فأيّ الأعمال أحب إلى اللَّه؟ قال: سرور تدخله على مسلم" الحديث، ثم قال الذهبى: موضوع على مالك، قال: ولمحمد بن صالح حديث آخر عن نافع عن ابن عمر باطل أيضا.

قلت: محمد بن صالح لم ينفرد به بل تابعه موسى بن محمد البلقاوى عن مالك أيضا، وموسى وضاع يسرق الحديث فلعله سرقه من محمد بن صالح أو هو الذي وضع إسناده وسرقه منه الآخر، قال أبو نعيم في الحلية [6/ 348]:

حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر ثنا على بن رستم ثنا الهيثم بن خالد ثنا

ص: 196

موسى بن محمد الموقرى ثنا مالك عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر قال: "قيل يا رسول اللَّه أى العباد أحب إلى اللَّه؟ قال: أنفع الناس للناس، قال: فأى العمل أفضل؟ قال: إدخال السرور على قلب المؤمن قيل: وما سرور المؤمن؟ قال: إشباع جوعته وتنفيس كربته وقضاء دينه" الحديث.

ثم قال أبو نعيم: غريب من حديث مالك لم نكتبه إلا من حديث الهيثم عن الموقرى ورواه بعض الكذابين من حديث عبد اللَّه بن دينار عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق وفي قضاء الحوائج [ص 58 رقم 36] معا عن على بن الجعد عن محمد بن يزيد عن بكر بن خنيس عن عبد اللَّه بن دينار عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال:"قيل يا رسول اللَّه من أحب الناس إلى اللَّه؟ قال: أنفعهم للناس وإن أحب الأعمال إلى اللَّه سرور تدخله على مؤمن تكشف عنه كربا أو تقضى عنه دينا" الحديث، ومحمد بن يزيد يسرق الحديث أيضا.

ورواه الحاكم في المستدرك من وجه آخر عن ابن عباس مطولا من طريق محمد ابن معاوية ثنا مصادق بن زياد المدينى قال: سمعت محمد بن كعب القرظى يحدث عن ابن عباس به ثم أسنده الحاكم من وجه آخر من طريق أبي المقدام هشام بن زياد ثنا محمد بن كعب القرظى به مطولا، وسأذكره إن شاء اللَّه في حديث "إن أشرف المجالس".

ثم قال الحاكم: هذا حديث قد اتفق هشام بن زياد النضرى ومصادق بن زياد المدينى على روايته عن محمد بن كعب القرظى وتعقبه الذهبى فقال: هشام متروك، ومحمد بن معاوية كذبه الدارقطنى فبطل الحديث اهـ.

وفي الباب عن أبي هريرة وسيأتى في أفضل الأعمال إن شاء اللَّه تعالى.

ص: 197

122/ 202 - "أحبُّ الأعمالِ إلى اللَّهِ الحبُّ في اللَّه والبُغْضُ في اللَّه". (حم) عن أبي ذر

قال الشارح في الكبير: قال ابن الجوزى: حديث لا يصح ويزيد بن أبي زياد أحد رجاله قال ابن المبارك: ارم به، وسوار العنبرى قال فيه الثورى: ليس بشيء اهـ. وبه يعرف أن تحسين المصنف له ليس في محله.

قلت: الحديث ليس فيه سوار العنبرى إنما فيه راو لم يسم قال أحمد:

حدثنا حسين ثنا يزيد يعنى ابن عطاء عن يزيد يعنى ابن أبي زياد عن مجاهد عن رجل عن أبي ذر قال: خرج إلينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: "أتدرون أى الأعمال أحب إلى اللَّه عز وجل؟ قال قائل: الصلاة والزكاة، وقال قائل: الجهاد، قال: إن أحب الأعمال إلى اللَّه عز وجل الحب في اللَّه والبغض في اللَّه".

وكذلك رواه أبو داود في سننه [4/ 198، 4599]:

حدثنا مسدد حدثنا خالد بن عبد اللَّه ثنا يزيد بن أبي زياد به بلفظ: "أفضل الأعمال. . . "، وسيأتى للمصنف، قال الحافظ المنذرى في تلخيص السنن: فيه يزيد بن أبي زياد الكوفى لا يحتج بحديثه [4/ 24، رقم 31] وقد خرج له مسلم متابعة، وفيه أيضا رجل مجهول اهـ.

ومع هذا فقد أورده في الترغيب والترهيب مصدر بـ "عن" التي هى في اصطلاحه للحسن والصحيح ثم قال: رواه أحمد وأبو داود وفي إسناده راو لم يسم فهو مع سكوت أبي داود سلف المصنف في تحسينه، وقد وهم ابن الجوزى في سوار العنبرى وهما فاحشا كما ذكره الحافظ في التهذيب.

ص: 198

123/ 206 - "أحبُّ الأَسْماءِ إِلى اللَّه عبدُ اللَّه وعبدُ الرَّحمنِ". (م. د. ت. هـ) عن ابن عمر

قلت: في الباب عن أنس وأبي وهب وأبي سبرة وغيرهم.

فحديث أنس رواه أبو يعلى [5/ 163، رقم 2778] بهذا اللفظ وفيه إسماعيل ابن مسلم المكى وهو ضعيف، وحديث أبي وهب رواه الدولابى في الكنى [1/ 112]:

أخبرنا النسائى عن قتيبة بن سعيد ثنا أبو أحمد البزاز ثنا محمد بن مهاجر الأنصارى عن عقيل بن شبيب عن أبي وهب، وكانت له صحبة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أحب الأسماء إلى اللَّه عبد اللَّه وعبد الرحمن".

ورواه البخارى في الأدب المفرد [ص 275، رقم 816] وفي التاريخ الكبير [الكنى رقم 749] وأبو داود [4/ 287، رقم 4950] والنسائى [6/ 218] من حديث أبي وهب المذكور بزيادة وسيأتى في حرف "التاء" في: "تسموا بأسماء الأنبياء".

وحديث أبي سبرة رواه الدولابى في الكنى [1/ 35] قال:

حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ ثنا أبي ثنا حماد بن سلمة عن الحجاج عن عمير بن سعد عن سبرة بن أبي سبرة أن أباه أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: "ما ولدك؟ فقال: عبد العزى والحارث وسبرة فغير رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عبد العزى، وقال: هو عبد اللَّه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خير الأسماء عبد اللَّه وعبد الرحمن والحارث، ودعا له ولولده" قال الحجاج: فلم يزالوا في شرف حتى اليوم.

ثم قال: حدثنا هلال بن العلاء حدثنا أبي ثنا عباد بن العوام ثنا حجاج عن

ص: 199

عمير بن سعد عن سبرة بن أبي سبرة الجعفى عن أبيه قال: "أتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: ما ولدك؟ فقلت: فلان وفلان وعبد العزى قال: بل هو عبد الرحمن، وإن من خير أسمائكم عبد اللَّه وعبد الرحمن والحارث".

ورواه أبو ذر الهروى في جزئه قال:

أخبرنا الحسن بن أبي الحسن أبو على الفقيه ثنا عبد اللَّه بن محمد أنا محمد ابن بكار حدثنا ابن وكيع عن أبي إسحاق الهمدانى عن خيثمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي وأنا غلام فقال له ما اسم ابنك هذا؟ قال اسمه: عزيز، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لا تسمه عزيز ولكن سمه عبد الرحمن فإن أحب الأسماء إلى اللَّه عز وجل عبد اللَّه وعبد الرحمن والحارث".

قلت: كذا وقع في الجزء ابن وكيع عن أبي إسحاق.

ورواه أحمد في مسنده [4/ 178]:

عن حسين بن محمد عن وكيع عن أبي إسحاق عن خيثمة بن عبد الرحمن بن سبرة أن أباه عبد الرحمن ذهب مع جده إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "ما اسم ابنك هذا؟ قال: عزيز، فقال: لا تسمه عزيزا" وذكره.

ورواه أيضا [4/ 178] عن وكيع عن أبيه عن أبي إسحاق.

ورواه أيضا عن سريج بن النعمان ثنا زياد أو عباد عن الحجاج عن عمير بن سعيد عن سبرة بن أبي سبرة عن أبيه: "أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما ولدك؟ قال: فلان وفلان وعبد العزى، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: هو عبد الرحمن، إن أحق أسمائكم، أو من خير أسمائكم إن سميتم عبد اللَّه وعبد الرحمن والحارث".

ص: 200

124/ 208 - "أحَبُّ الأَديانِ إِلَى اللَّه الحَنِيفيَّةُ السَّمْحَةُ". (حم. خد. طب) عن ابن عباس

قال الشارح: إسناده حسن.

وقال في الكبير: قال الهيثمى: فيه عبد اللَّه بن إبراهيم الغفارى منكر الحديث، وقال شيخه العراقى: فيه محمد بن إسحاق رواه بالعنعنة أى هو مدلس من الضعفاء، فلا يحتج إلا بما صرح فيه بالتحديث اهـ. قال العلائى: لكن له طرق، لا ينزل عن درجة الحسن بانضمامها، وقال ابن حجر في التخريج: له شاهد مرسل في طبقات ابن سعد، قال: وفي الباب عن أبي ابن كعب وجابر بن عبد اللَّه وابن عمر وأبي أمامة وأبي هريرة وغيرهم، وقال في الفتح: وفي المختصر إسناده حسن اهـ. وبه يعرف أن رمز المؤلف لصحته غير جيد.

قلت: الحديث ليس في سنده عبد اللَّه بن إبراهيم الغفارى، ولم يقل ذلك الحافظ الهيثمى كما حكاه عنه الشارح بل قال: رواه أحمد والطبرانى في الكبير والأوسط والبزار وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ولم يصرح بالسماع، ثم أورد بعده حديث أبي هريرة مثله بعد حديث آخر ذكره، ثم قال: رواه الطبرانى في الأوسط، وفيه عبد اللَّه بن إبراهيم الغفارى منكر الحديث اهـ.

فالشارح انتقل نظره من حديث ابن عباس إلى حديث أبي هريرة وسند الحديث عند أحمد هكذا [1/ 236]:

حدثنا يزيد بن هارون أنا محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس به.

ص: 201

وقال البخارى في الأدب المفرد [ص 109، رقم 228]: حدثنا صدقة أخبرنا يزيد بن هارون به.

ثم إن عنعنة ابن إسحاق لا تضر في مثل هذا الحديث المشهور من طرق كما ذكره الحافظ في كلامه الذي نقله الشارح، وقد ذكرت الكثير من طرقه بأسانيدها في مستخرجى على مسند الشهاب، فالحديث معها صحيح لا شك فيه.

125/ 213 - "أحبُّ الطَعَامِ إِلَى اللَّه ما كَثُرتْ عليه الأَيْدى". (ع. حب. هب) والضياء عن جابر

قال الشارح: بأسانيد حسنة صحيحة.

قال في الكبير: قال الهيثمى بعد ما عزاه للطبرانى وأبي يعلى: فيه عبد المجيد بن أبي رواد وفيه ضعف، وقال الزين العراقى: إسناده حسن اهـ. ولعله باعتبار تعدد طرقه وإلا فقد قال البيهقى عقب تخريجه: تفرد به عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج، وعبد المجيد أورده الذهبى في الضعفاء والمتروكين، وقال المنذرى: رواه أبو يعلى والطبرانى وأبو الشيخ في الثواب كلهم من رواية عبد المجيد بن أبي رواد وقد وثق، قال: لكن في الحديث نكارة اهـ. وبما تقرر عرف أن المؤلف لم يصب في رمزه لصحته بل قصاراه الحسن.

قلت: هذا تناقض عجيب من الشارح إذ يثبت في شرحه الكبير أن الحديث تفرد به عبد المجيد بن أبي رواد وأنه حسن لا صحيح، ثم يقول في شرحه الصغير أنه روى بأسانيد حسنة صحيحة، والواقع أنه ليس له إلا طريق واحد من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر.

ص: 202

وقد رواه الطبرانى أيضا في مكارم الأخلاق فقال [ص 372 رقم 2/ 161]:

حدثنا عبيد العجلى ثنا خلاد بن أسلم المروزى ثنا عبد المجيد به.

ورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان [2/ 96] عن أحمد بن موسى:

ثنا عبد اللَّه بن مفلح ثنا الحسين بن إسماعيل ثنا خلاد بن أسلم ثنا عبد المجيد به.

وكأن الشارح أخذ تعدد طرقه من قول الحافظ العراقى: إنه حسن، إذ ظن أنه ما حسنه مع وجود ابن أبي رواد في سنده إلا لتعدد طرقه وهو ظن باطل، بل الحافظ العراقى حكم بحسنه لأن عبد المجيد بن أبي رواد وثقه ابن معين وأبو داود وغيرهما، وقال الذهبى: صدوق مرجئ كأبيه، وغالب من تكلم فيه إنما هو لأجل الإرجاء، وذلك من خلط أهل الجرح والتعديل وعدم تحريرهم لأسباب الجرح في الرواية مما بيناه في "فتح الملك العلي"، فلهذا حسنه الحافظ العراقى لا لتعدد طرقه عن جابر.

نعم ورد من حديث أبي هريرة، قال أبو نعيم في تاريخ أصبهان [2/ 81]:

ثنا عبد اللَّه بن محمد حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن الحجاج ثنا مقدام بن داود المصرى ثنا النضر بن عبد الجبار ثنا ابن لهيعة عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أحب الطعام إلى اللَّه ما كثرت عليه الأيدى"، وهذا السند ضعيف لضعف المقدام بن داود وابن لهيعة.

126/ 218 - "أحبُّ عبادِ [اللَّه] (1) إلى اللَّه تعالى أحسنُهم خُلُقا"(2). (طب) عن أسامة بن شريك

(1) ساقطة من الأصل، والاستدراك من المعجم الكبير.

(2)

ليس الحديث هكذا في مسند أسامة من المعجم الكبير وإنما هو قطعة من حديث طويل رواه (1/ 181، رقم 471) والحديث كله ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما =

ص: 203

قلت: أخرجه الطبرانى أيضا في مكارم الأخلاق [ص 316، رقم 12] لكن بسياق آخر فقال:

حدثنا على بن عبد العزيز ثنا مسلم بن إبراهيم (ح)

وحدثنا أبو مسلم الكشى ثنا سليمان بن حرب قالا: حدثنا شعبة عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال: "قالوا يا رسول اللَّه: ما خير ما أعطى الناس؟ قال: إن الناس لم يعطوا شيئًا خيرًا من خلق حسن"(1).

وبهذا السياق رواه الخرائطى في مكارم الأخلاق [1/ 21، 11/ 10] من طريق سفيان بن عيينة عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال: "شهدت الأعاريب يسألون النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: ما خير ما أعطى العبد؟ " الحديث.

ورواه ابن حبان [1/ 121] والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

127/ 219 - "أَحبُّ بُيُوتِكم إلى اللَّهِ بيتٌ فيه يتيمٌ مُكْرَمٌ". (هب) عن عمر

قال الشارح: وفي إسناده ضعف شديد.

قلت: لأنه من رواية إسحاق بن إبراهيم الحنينى، قال الذهبى: صاحب أوابد اهـ.

لكنه ورد من وجه آخر من حديث أبي هريرة وسيأتى في حرف الخاء.

وحديث عمر هذا أخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية [6/ 337] قال:

= قوله: "أحسنهم خلقًا" فقط، والجملة الأولى من الحديث سؤال من الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم.

(1)

وبهذا السند والسياق رواه كذلك في المعجم الكبير (1/ 179، رقم 364).

ص: 204

حدثنا عبد اللَّه بن محمد ثنا محمد بن أحمد بن سليمان الهروى ثنا موسى بن سهل ثنا إسحاق الحنينى عن مالك عن يحيى بن محمد بن عجلان عن أبيه عن عمر به.

قال أبو نعيم: تفرد به الحنينى عن مالك.

وقال القضاعى في مسند الشهاب [2/ 229، رقم 1249]:

أخبرنا هبة اللَّه بن إبراهيم الخولانى ثنا القاسم بن عبيد اللَّه البغدادى ثنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن زيد ثنا فهد -يعنى ابن سليمان- ثنا الحنينى به.

128/ 220 - "أحبَّ اللَّه تعالى عبدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وسمحًا إِذا اشتَرى وسمحًا إِذا قَضَى وسمحًا إِذَا اقْتَضَى". (هب) عن أبي هريرة

قال الشارح: رمز المؤلف لحسنه، ولعله لاعتضاده وإلا فهو ضعيف.

قلت: هو على شرط الحسن كما قال المصنف، وهو في صحيح البخارى [4/ 359، رقم 2076] من حديث جابر بلفظ: "رحم اللَّه" وسيأتى في حرف الراء.

129/ 221 - "أحَبُّكُمْ إلى اللَّه أَقَلُّكُم طُعمًا وأخَفُّكُمْ بَدنَا". (فر) عن ابن عباس

قلت: قال الديلمى:

أخبرنا ابن خلف كتابة أخبرنا الحاكم ثنا محمد بن عامر ثنا مكى بن عبدان ثنا محمد بن يزيد ثنا حفص بن عمر الفقيه الزاهد ثنا أبو بكر بن عياش عن عباد عن عكرمة عن ابن عباس به.

ص: 205

130/ 223 - "أحبِبْ حَبيبَكَ هَوْنًا ما عَسَى أَنْ يكون بَغيضَكَ يومًا ما، وأَبْغِضْ بَغِيضَك هونًا ما عَسى أنْ يَكُونَ حَبيبَكَ يوما ما".

(ت. هب) عن أبي هريرة، (طب) عن ابن عمر، وعن ابن عمرو (قط) في الأفراد، (عد. هب) عن على (خد. هب) عن على موقوفا.

قلت: حديث أبي هريرة رواه الترمذى [4/ 360، رقم 1997] من طريق سويد بن عمرو الكلبى عن حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة به.

ثم قال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه.

وقد روى هذا الحديث عن أيوب بإسناد غير هذا، رواه الحسن بن أبي جعفر وهو حديث ضعيف أيضا بإسناد له عن على عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحيح هو عن على موقوفا.

ورواه ابن حبان في الضعفاء [1/ 351] من هذا الوجه أيضا، وقال في سويد ابن عمرو: إنه يضع المتون الواهية على الأسانيد الصحيحة لا يجوز الاحتجاج به بحال، وليس هو من حديث أبي هريرة، وإنما هو من قول على بن أبي طالب، وقد رفعه الحسن بن أبي جعفر عن أيوب عن حميد بن عبد الرحمن عن على وهو خطأ فاحش.

قلت: سويد بن عمرو لم ينفرد به بل ورد من غير طريقه، رواه ابن عدى [2/ 298] والخطيب في التاريخ [11/ 428] من طريق شيبان: ثنا الحسن بن دينار عن محمد بن سيرين به.

وقال ابن عدى: أجمع من تكلم في الرجال على ضعف الحسن بن دينار على

ص: 206

أنى لم أجد له حديثا جاوز الحد في الإنكار، وهو إلى الضعف أقرب اهـ.

وله مع هذا طريق ثالث، قال الطبرانى في الأوسط:

حدثنا محمد بن حنيفة الواسطى ثنا عمى أحمد بن محمد بن ماهان ثنا أبي ثنا عباد بن كثير عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به، وعباد بن كثير ضعيف.

وحديث عبد اللَّه بن عمر رواه الطبرانى وابن حبان في الضعفاء [1/ 152].

وابن الأعرابى والقضاعى [1/ 431، رقم 739] كلهم من رواية أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروى: ثنا عباد بن العوام ثنا جميل بن زيد عن ابن عمر به. وقال ابن حبان في عبد السلام بن صالح: إنه يروى في فضائل على العجائب لا يحتج به إذا انفرد.

قلت: وهذا الرجل ممن ظلمه أهل الجرح والتعديل لأجل تشيعه لأهل البيت، وقد وثقه أهل التحقيق منهم كما بينته في "فتح الملك العلى" وحديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رواه الطبرانى في الأوسط أيضا فقال:

حدثنا محمد بن هشام المستملى ثنا محمد بن كثير الفهرى ثنا ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد اللَّه بن عمرو به.

وحديث على المرفوع رواه أيضا تمام في فوائده والطوسى في مجالسه من طريق يحيى بن الفضل أبي زكريا العنزى:

ثنا أبو عامر العقدى ثنا هارون بن إبراهيم الأهوازى عن محمد بن سيرين عن حميد بن عبد الرحمن الحميرى عن على عليه السلام به مرفوعًا.

وهذا طريق غير الطريق الذي ذكره الترمذى وابن حبان سابقا.

وله طريق ثالث عنه مرفوعًا أيضا، قال القاضى عياض في معجمه:

ص: 207

أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد أنا القاضى يونس بن عبد اللَّه أنا جعفر بن أبي العرب ثنا على بن عثمان بن خطاب المعمر قال: سمعت على بن أبي طالب به مرفوعا، وعلى بن عثمان هو أبو الدنيا الأشج الكذاب الدجال.

أما الموقوف فقال البخارى في الأدب المفرد [ص 434، رقم 1328]:

ثنا عبد اللَّه قال: حدثنا مروان بن معاوية ثنا محمد بن عبيد الكندى عن أبيه قال: سمعت عليا يقول لابن الكواء: هل تدرى ما قال الأول؟ قال: "أحبب" وذكره.

وهذا يدل على كذب من رفع الحديث عن على لأنه نسبه إلى الأول، فدل على أنه عنده عن غير النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد ورد معنى هذا الكلام عن عمر رضى اللَّه عنه بعبارة أخصر من هذه، قال البخارى في الأدب المفرد [ص 434، رقم 1329]:

ثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر ثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضى اللَّه عنه قال: "لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا، فقلت: كيف ذاك؟ قال: إذا أحببت كلفت كلف الصبى، وإذا أبغضت أحببت لصاحبك التلف".

وقال الخطابى في العزلة:

أخبرنا ابن الأعرابى ثنا داود بن أيوب بن سليمان الأيلى حدثنا أبي ثنا بكر بن صدقة ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم به.

131/ 224 - "أحِبُّوا اللَّه لما يَغْذُوكم بِمَا به منْ نِعَمهِ، وأَحبُّونى لِحُبِّ اللَّه، وأحِبُّوا أَهل بيتى لِحُبى". (ت. ك) عن ابن عباس

قلت: رواه الترمذى [5/ 664، رقم 3789] عن أبي داود صاحب السنن،

ص: 208

ورواه الحاكم [3/ 149] من طريق صالح بن محمد الحافظ كلاهما عن يحيى ابن معين:

ثنا هشام بن يوسف عن عبد اللَّه بن سليمان النوفلى عن محمد بن على بن عبد اللَّه بن عباس عن أبيه عن ابن عباس به، وقال الترمذى: حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه.

وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

ورواه أبو نعيم في الحلية [3/ 211] من طريق عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين به، ثم قال: هذا حديث غريب بهذا اللفظ لا يعرف أحد رواه متصلا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من حديث على بن عبد اللَّه بن عباس، ولا عنه إلا من حديث هشام بن يوسف وهو قاضى صنعاء محتج بحديثه أحد الثقات، رواه عنه أيضا على بن بحر مثل رواية يحيى بن معين.

قلت: ورواه عنه أيضا إبراهيم بن موسى، قال البخارى في التاريخ [1/ 183، رقم 562]: قال لى إبراهيم بن موسى: أخبرنا هشام بن يوسف فذكره.

وقول أبي نعيم: إنه لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم متصلا إلا من حديث ابن عباس متعقب بوروده من حديث على وأبي ذر، قال أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى الفحام:

حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عبيد المنصورى قال: حدثنا عمر بن أبي موسى عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور عن على بن محمد حدثنى أبي محمد بن على ثنا أبي على بن موسى ثنا أبي موسى بن جعفر ثنى أبي جعفر ابن محمد حدثنى محمد بن على ثنى أبي على بن الحسين عن أبيه الحسن عن على عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم به.

ص: 209

وحديث أبي ذر رواه الطوسى في مجالسه من طريق أبي المفضل الشيبانى في كتبه:

ثنا عمر بن إسحاق بن أبي حماد بن حفص القاضى ثنا محمد بن المغيرة بن عبد الرحمن الحرانى ثنا أبو قتادة عبد اللَّه بن واقد التميمى ثنى شداد بن سعيد أبو طلحة الراسبى عن عنبسة بن عبد الرحمن عن رافع بن سحبان قال: حدثنى عبد اللَّه بن الصامت بن أخى أبي ذر قال: حدثنى أبو ذر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ملأ من أصحابه: "أيها الناس أحبوا اللَّه عز وجل" وذكره، وزاد:"فوالذى نفسى بيده لو أن رجلا طفق بين الركن والمقام صائما، وراكعا، وساجدا ثم لقى اللَّه عز وجل وهو غير محب لأهل بيتى لم ينفعه ذلك" الحديث.

132/ 225 - "أحِبُّوا العَربَ لِثَلاثٍ: لأني عَرَبيٌّ، والقُرآنُ عَربيٌّ، وكَلامُ أهل الجنَّةِ عَربيٌّ". (عق. طب. ك. هب) عن ابن عباس

قلت: الحديث رواه أيضا ابن الأنبارى في الوقف والابتداء فقال:

حدثنا أبو الحصين الكوفى حدثنا العلاء بن عمرو الحنفى ثنا يحيى بن يزيد الأشعرى عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس به.

ومن هذا الطريق رواه المذكورون في الكتاب وكذلك تمام في فوائده والحاكم في علوم الحديث (ص 162) في النوع الثامن والثلاثين.

وقال في المستدرك بعد هذا الطريق [4/ 87]: تابعه محمد بن الفضل عن ابن جريج:

حدثنا أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن بطة الأصبهانى ثنا عبد اللَّه بن محمد بن زكريا ثنا إسماعيل بن عمرو ثنا محمد بن الفضل عن ابن جريج به بلفظ:

ص: 210

"احفظونى في العرب لثلاث خصال لأنى عربى" الحديث.

ثم قال الحاكم: حديث يحيى بن يزيد عن ابن جريج حديث صحيح، وإنما ذكرت حديث محمد بن الفضل متابعا له، قال: والمتأول لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "كلام أهل الجنة عربى" متهاون باللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن شواهده بالوعيد منه صلى الله عليه وسلم لمن يختار الفارسية على العربية نطقا وكتابة، وقد روينا في ذلك أحاديث ثم ذكر بعضها.

وتعقبه الذهبى بأن يحيى ضعفه أحمد وغيره، وهو من رواية العلاء بن عمرو الحنفى، وليس بعمدة، وأما ابن الفضل فمتهم وأظن الحديث موضوعا اهـ.

وكذا فعل ابن الجوزى فأورده في الموضوعات [2/ 46]، ونقل عن العقيلى أنه قال [3/ 348]: منكر لا أصل له، وتعقبه المصنف بأن العلاء ذكره ابن حبان في الثقات، وقال صالح جزرة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: كتبت عنه وما أعلم له خيرا، وبأن له شاهدا رواه الطبرانى في الأوسط:

حدثنا مسعدة بن سعد ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا عبد العزيز بن عمران ثنا شبل بن العلاء عن أبيه عن جده عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أنا عربى والقرآن عربى ولسان أهل الجنة عربى"، لكن قال الذهبى في المغنى: شبل بن العلاء بن عبد الرحمن، قال ابن عدى: له مناكير اهـ.

قال الحافظ السخاوى [ص 22، رقم 320]: وحديث أبي هريرة مع ضعفه أصح من حديث ابن عباس.

133/ 229 - "احْبِسُوا عَلَى المؤْمِنِينَ ضَالَّتهم: العلْمَ". (فر) وابن النجار في تاريخه عن أنس

قلت: قال الديلمى [1/ 135، رقم 320]:

أخبرنا أبو نصر ظفر بن هبة اللَّه بن القاسم الكسائى المعروف بابن دحدويه

ص: 211

أخبرنا أبو منصور عبد اللَّه بن عيسى أخبرنا الحسين بن أحمد الصفار أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطى ثنا إبراهيم بن هانئ ثنا عمرو بن حكام عن بكر ابن خنيس عن زياد بن أبي حسان عن أنس به.

وإبراهيم بن هانئ فمن فوقه كلهم ضعفاء متروكون، فالحديث باطل.

134/ 231 - "احتَرِسُوا من الناسِ بسوءِ الظَّنِّ". (طس. عد) عن أنس

قال الشارح في الكبير: قال الهيثمى: تفرد به بقية بن الوليد وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات.

وقال المؤلف في الكبير: حسن وهو ممنوع، فقد قال ابن حجر في الفتح: خرجه الطبرانى في الأوسط من حديث أنس، وهو من رواية بقية بالعنعنة عن معاوية بن يحيى وهو ضعيف فله علتان، وصح من قول مطرف أخرجه مسدد.

قلت: لكنه ورد عن أنس من وجه آخر، أخرجه تمام في فوائده من حديث إبراهيم بن طهمان عن أبان بن أبي عياش عن أنس فبرئ منه بقية ومعاوية بن يحيى، أما قول مطرف الذي عزاه الحافظ لمسدد، فخرجه أيضا أحمد في كتاب الزهد له قال [ص 346، رقم 1356]:

حدثنا عفان وشريح قالا: حدثنا مهدى قال شريح عن غيلان عن مطرف أنه كان يقول: "احترسوا من الناس بسوء الظن".

ورواه البيهقى في سننه [10/ 129]، قال:

أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان ثنا إسحاق ابن الحسن الحربى ثنا عفان ثنا مهدى بن ميمون ثنا غيلان بن جرير قال: قال مطرف بن عبد اللَّه: فذكره.

ص: 212

قال البيهقى: ويروى ذلك عن أنس بن مالك مرفوعا، والحذر من أمثاله سنة متبعة اهـ.

قلت: وورد أيضا عن الحسن من قوله، وذلك مما يدل على أنه ليس من قول مطرف بل منقول متداول بين علماء ذلك العصر.

قال ابن سعد في الطبقات:

أخبرنا حجاج قال: حدثنا عمارة عن الحسن قال: "احترسوا من الناس بسوء الظن".

بل ورد عن عمر رضي الله عنه من قوله أيضا، قال الخطابى في العزلة:

حدثنا أحمد بن إبراهيم بن مالك ثنا السكونى محمد بن أيوب ثنا أبو الوليد الطيالسى ثنا الضحاك بن سيار النكرى عن أبي عثمان النهدى قال: قال عمر رضي الله عنه: "احترسوا من الناس بسوء الظن".

135/ 233 - "احتكارُ الطَّعَامِ بِمكَّةَ إِلْحَادٌ". (طس) عن ابن عمر

قال الشارح في الكبير: قال الهيثمى: فيه عبد اللَّه بن المؤمل، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه جمع اهـ. ولم يرمز له المؤلف بشيء، ومن زعم أنه رمز لحسنه لم يصب فقد حررته من خطه، وظاهر صنيعه حيث لم يعزه إلا للطبرانى أنه لم يعرف لغيره ممن هو أعلى والأمر بخلافه، فقد أخرجه الإمام البخارى في التاريخ الكبير عن يعلى بن أمية أنه سمع عمر يقول:"احتكار الطعام بمكة إلحاد"، وكان المصنف إنما عدل عنه لفهمه أن البخارى أشار إلى وقفه، وأنت تعلم أن هذا مما لا مجال للرأى فيه، فهو في حكم المرفوع، وأخرجه البيهقى مصرحا برفعه، فروى عن عطاء أن ابن عمر طلب رجلا فقالوا: ذهب يشترى طعاما، فقال: للبيت أو للبيع، فقالوا: للبيع،

ص: 213

قال: أخبروه أنى سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول، وذكره.

قلت: كلام الشارح هذا خطأ من تسعة وجوه:

الوجه الأول: أن المصنف لم يلتزم الاستقصاء والإحكام في العزو إلى جميع الكتب المخرج فيها الحديث.

والوجه الثانى: [](1) التي يستدرك بوجود الحديث فيها، ويعاب المحدث بعدم العزو إليها، لأن ذلك خاص بالأصول الستة بل بالصحيحين وحدهما.

الوجه الثالث: أن الحديث في التاريخ الكبير [7/ 255، رقم 1083] موقوفا على عمر وكتابه خاص بالمرفوع، فالاستدراك عليه به لا معنى له أصلا.

الوجه الرابع: أن قوله: "وكأن المصنف عدل عنه لفهمه أن البخارى أشار إلى وقفه" تعبير فاسد باطل، لأن البخارى لم يشر إلى وقفه، بل الخبر عنده موقوفا صريحا لا إشارة، فلا معنى لذكر الإشارة.

الوجه الخامس: أن قوله: "وأنت تعلم أنه لا مجال للرأى فيه فهو في حكم المرفوع" باطل أيضا، بل فيه مجال للرأى، أو يجوز أن يرى عمر رضي الله عنه في احتكار الطعام المنهى عنه أنه في مكة من جملة الإلحاد المذكور في الآية، لأن اللَّه تعالى يقول:{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} [الحج: 25] فيرى عمر رضى اللَّه عنه أن هذا من الظلم الذي هو إلحاد، فيخبر بذلك من رأيه واستنباطه.

الوجه السادس: وعلى فرض أنه لا مجال للرأى فيه، فلا يجوز أن يقال فيما كان كذلك قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، بل هو ممنوع محرم بالإجماع، وإنما يقال:

(1) هنا سقط من المخطوطة مقداره سطر، ولعله:"ليس التاريخ الكبير من الكتب التي يستدرك بوجود الحديث فيها".

ص: 214

موقوف له حكم الرفع، وكتاب المصنف خاص بالمرفوع صريحا، فلو فعل ما أشار به الشارح لكان كاذبا على النبي صلى الله عليه وسلم وحاشاه من ذلك.

الوجه السابع: أن الحديث الذي أورده المصنف من حديث ابن عمر والذي خرجه البخارى أثر عن والده عمر فهو حديث آخر ولو كان مرفوعا فضلا عن كونه موقوفا.

الوجه الثامن: أن الشارح استدل على أن أثر عمر له حكم الرفع بحديث ابن عمر المخرج عند البيهقى في الشعب [7/ 527، رقم 11221]، وإنما يستدل به لو كان الأثر الموقوف عن ابن عمر لا عن عمر، إذ الواقع أنه عند عمر موقوفا وعند ابن عمر مرفوعا فلا تلازم بين الخبرين.

الوجه التاسع: أن البخارى خرج حديث يعلى بن أمية الذي ذكره المصنف قبل هذا وعزاه إلى أبي داود [3/ 269، رقم 3447] وحده، فهناك كان للشارح أن يستدرك على المصنف لاتحاد المخرجين في الحديث لو ساغ له الاستدراك، فقد رواه البخارى عن أبي عاصم عن جعفر بن يحيى بن ثوبان قال:

حدثنى عمى عمارة بن ثوبان عن مسلم بن باذان سمع يعلى قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "احتكار الطعام بمكة إلحاد".

ثم قال البخارى: وقال لنا الحميدى:

ثنا يحيى بن سليم عن ابن خثيم عن عبيد اللَّه بن عياض بن عمرو القارى عن يعلى أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: "احتكار الطعام بمكة إلحاد".

136/ 235 - "احْثُوا في أَفْوَاهِ المدَّاحينَ التُّرابَ".

(هـ) عن المقداد بن عمرو (حب) عن ابن عمر، ابن عساكر عن عبادة بن الصامت

قال الشارح في الكبير: لم يرمز له المصنف بشيء، وقضية صنيع المؤلف أن

ص: 215

هذا لم يخرج في الصحيحين ولا أحدهما وإلا لما ضرب عنه صفحا وعزاه لغيره، لما هو متعارف بين القوم أنه ليس لمحدث أن يعزو حديثا في أحدهما ما يفيده لغيرهما وهو ذهول عجيب، فقد عزاه الحافظ العراقى إلى الديلمى ثم إلى مسلم وأبي داود وأحمد من حديث المقداد، وأعجب من ذلك أنه هو نفسه عزاه في الدرر إلى مسلم.

قلت: نعم هو ذهول عجيب، ولكن من الشارح لا من المصنف، فإن الشارح يعلم صنيع المصنف في كتابه المرتب على حروف المعجم في الحرف الأول والذي يليه، وأن ذلك يدعوه إلى تكرار الحديث مرارا عديدة بحسب الحروف المصدر بها عند مخرجيه، فيعزوه في كل حرف إلى من خرجه مصدر به.

وهذا الحديث عند مسلم [4/ 2297، رقم 3002/ 68] مصدر بلفظ آخر وهو: "إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب".

وأعجب من ذلك أن المصنف ذكره كذلك في حرف "إذا" وعزاه لأحمد [6/ 5] والبخارى في الأدب، ومسلم وأبي داود [4/ 255، رقم 4804] والترمذى [4/ 600، رقم 2339] كما سيأتى، فذهول الشارح وغفلته لا ينقضى تعجبى منهما.

وبعد فالحديث له طرق أخرى غير التي ذكرها المصنف، وقد استوعبتها في المستخرج على مسند الشهاب.

137/ 238 - "أُحدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ".

(خ) عن سهل بن سعد، (ت) عن أنس، (حم. طب) والضياء عن سويد بن عامر الأنصارى، أبو القاسم بن بشران في أماليه عن أبي هريرة.

ص: 216

قال الشارح في الكبير: وظاهر صنيع المصنف أن هذا مما تفرد به البخارى عن صاحبه وليس كذلك، بل رواه مسلم في الحج عن أنس بهذا اللفظ، وبه يعرف أن استقصاءه لمخرجيه لا اتجاه له، لأن ذلك إنما يحتاج إليه في حديث يراد تقويته لوهنه، وما اتفق عليه الشيخان في غاية الصحة والإتقان، وليس استيعاب المخرجين من دأبه في هذا الكتاب، فإنه يفعله كثيرا ويتركه أكثر حتى في الأحاديث المحتاجة للتقوية والاعتضاد، نعم لك أن تقول: حاول بذلك إدخاله في حيز المتواتر.

قلت: هذا بالهذيان أشبه منه بالكلام، وما فيه من الأغلاط شبيه بما سبق له في الحديثين قبله، بل في هذا الكلام رد منه على ما ذكره في حديث "احتكار الطعام بمكة إلحاد"، إذ اعترف هنا أن المصنف ليس من دأبه الاستقصاء وانتقد عليه هناك بعدم الاستقصاء فهو تناقض عجيب، ثم إن استدراكه بوجود الحديث في مسلم باطل من وجهين:

أحدهما: أنه في مسلم مصدر بحرف آخر ولفظه: "إن هذا جبل يحبنا ونحبه" وقد ذكره المصنف فيما سيأتى كذلك وعزاه للشيخين جميعا (1).

ثانيهما: أن الشارح ادعى في الحديث أنه متفق عليه ولكنه ذكر الاتفاق ملفقا، فالمصنف عزاه للبخارى من حديث سهل بن سعد، والشارح استدركه عليه بأنه في مسلم [2/ 1011، رقم 1393/ 504] من حديث أنس، فاعجب لهذا الهذيان.

138/ 240 - "أُحدٌ رُكْنٌ مِنْ أرْكَانِ الجَنَّةِ"(ع. طب) عن سهل بن سعد

قلت: الحديث رواه ابن عدى أيضا قال [4/ 176]:

(1) انظر صحيح البخارى (7/ 436، رقم 4083).

ص: 217

ثنا أحمد بن المثنى ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا عبد اللَّه بن جعفر أخبرنى أبو حازم عن سهل بن سعد به.

وأورده ابن الجوزى في الموضوعات وقال [1/ 148]: تفرد به عبد اللَّه بن جعفر وهو متروك.

وتعقبه المصنف بأن عبد اللَّه بن جعفر وإن كان ضعيفا لم يتهم بكذب، وقد روى له الترمذى وابن ماجه، قال: وقد تعقب الحافظ على المؤلف -يعنى ابن الجوزى- في حديث الديك، لما أعله به، فقال: عبد اللَّه بن جعفر والد على بن المدينى ضعيف، ولكن لم يبلغ أمره إلى أن يحكم على حديثه بالوضع.

ثم استشهد له المصنف بما رواه ابن ماجه [2/ 1040، رقم 3115] من طريق عبد اللَّه بن مكنف عن أنس مرفوعا: "إن أحدا جبل يحبنا ونحبه وهو على ترعة من ترع الجنة، وعير على الترعة من ترع النار" لكن عبد اللَّه بن مكنف ضعيف، واستشهد له بالحديث المذكور بعده في الكتاب.

139/ 241 - "أُحدٌ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحبُّه، على بابٍ من أبواب الجنَّةِ، وهذا عَيْرٌ يُبْغِضُنا ونُبْغضُه وإنه على بابٍ من أبواب النَّارِ".

(طس) عن أبي عبس بن جبر

قلت: قال الطبرانى: حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطى ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة (ح).

وأخبرنا جعفر بن أحمد بن سنان الواسطى ثنا على بن شعيب السمار قالا: حدثنى ابن أبي فديك ثنا عثمان بن إسحاق عن عبد المجيد بن عبد اللَّه بن أبي عبس عن أبيه عن جده به.

وقال أيضا في الأوسط:

ص: 218

ثنا محمد بن داود بن أسلم الصوفى ثنا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه المنكدرى ثنا ابن أبي فديك به. قال الطبرانى: تفرد به ابن أبي فديك.

140/ 243 - "احْذَرُوا فِرَاسَةَ المؤمِنِ فإِنَّهُ ينْظُرُ بِنُورِ اللَّه، وَيَنْطِقُ بِتَوفِيقِ اللَّه". ابن جرير عن ثوبان

قال الشارح في الكبير: وقضية صنيعه أن هذا لم يره مخرجا لأحد من المشاهير الذين وضع لهم الرموز، مع أن أبا نعيم والطبرانى خرجاه، ولعله ظهر له أن سند ابن جرير أمتن، فإن فرض أنه كذلك فكان ينبغى عزوه للكل.

قلت: قد مر قريبا للشارح انتقاد المصنف على استقصائه في العزو، وهنا يلومه على عدم الاستقصاء مع أن لومه باطل، فإنه أبا نعيم خرجه [4/ 81] بلفظ:"احذروا دعوة المؤمن وفراسته، فإنه ينظر بنور اللَّه وينطق بالتوفيق"، قال أبو نعيم:

حدثنا أبي ثنا محمد بن إسحاق الطبرى ثنا إبراهيم بن محمد ثنا سليمان بن سلمة ثنا مؤمل بن سعيد بن يوسف ثنا أبو العلاء أسد بن وداعة الطائى قال: حدثنى وهب بن منبه عن طاوس عن ثوبان به مرفوعا، ثم قال: غريب من حديث وهب، تفرد به مؤمل عن أسد اهـ.

وأما الطبرانى فخرج من حديث أبي أمامة بلفظ [8/ 121، رقم 7479]: "اتقوا فراسة المؤمن"، وقد سبق للمؤلف ذكره في الألف مع التاء وتكلمنا عليه.

141/ 244 - "احْذَرُوا زَلَّةَ العَالِمِ، فإِنَّ زَلَّتَه تُكَبْكِبُه في النَّارِ". (فر) عن أبي هريرة

قال الشارح في الكبير: لم يرمز له المصنف بشيء وهو ضعيف، لأن فيه

ص: 219

محمد بن ثابت البنانى، قال الذهبى: ضعفه غير واحد، ومحمد بن عجلان أورده في الضعفاء، وقال: صدوق ذكره البخارى في الضعفاء، وقال الحاكم: سيء الحفظ عن أبيه عجلان، وهو مجهول.

قلت: الشارح رجل بعيد عن علم الحديث، فلو لم يتعرض للجرح والتعديل والتصحيح والتضعيف لكان خيرا له، فإنه لا يعرف في هذا الباب ما يقول، فكل رجل يراه في الميزان يحسبه ضعيفا متروكا جهلا منه بقاعدة الميزان، بل وسائر كتب الجرح والتعديل، فمحمد بن عجلان ثقة صدوق صالح من رجال مسلم، وليس كل كلام في الرجل يدل على ضعفه، فإن أكثر الثقات المحتج بهم في الصحيحين متكلم فيهم، وما كاد أحد يسلم من كلام الناس حتى مالك والشافعى وأضرابهما، فمحمد بن عجلان وثقه ابن عيينة وأحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائى والواقدى والعجلى، وقال ابن سعد: كان عابدا ناسكا فقيها له حلقة في المسجد، وكان يفتى وروى عنه مالك والكبار، وأما والده عجلان فليس بمجهول بل هو معروف وقد روى له مسلم متابعة كابنه، وقال النسائى: لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات، والشارح رأى في الميزان عجلان بن إسماعيل بن سمعان عن أبي هريرة وعنه طلحة بن صالح مجهول كصاحبه اهـ، فظنه عجلان والد محمد وليس كذلك، فإن عجلان والد محمد لا يعرف أبوه وإنما يعرف بعجلان مولى فاطمة بنت عتبة، وأما محمد بن ثابت فلم يصرح في السند بأنه البنانى، بل قال الديلمى [1/ 132، رقم 307]:

أخبرنا أبي أخبرنا الميدانى أخبرنا الحسن بن على الخلال أخبرنا أبو بكر محمد ابن عبيد اللَّه السمين حدثنا الحسين بن على بن المغيرة عن محمد بن ثابت عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة به.

وفي الرواة محمد بن ثابت كثيرون فيهم ثقات وضعفاء فلا أدرى من أين جزم

ص: 220

الشارح بأن المذكور هنا هو البنانى.

142/ 245 - "احْذَرُوا الدُّنْيَا فإِنَّها أَسْحرُ مِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ" ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (هب) عن أبي الدرداء

قلت: قال الذهبى في الميزان [4/ 522، رقم 10172]: أبو الدرداء الرهاوى عن رجل له صحبة بحديث: "اتقوا الدنيا فهى أسحر من هاروت وماروت" لا يدرى من ذا والخبر منكر لا أصل له.

قال الحافظ في اللسان [7/ 44، رقم 416]: وهذا الحديث أخرجه البيهقى في الشعب [7/ 338، رقم 10504] من روايته عن أبي الدرداء، وأخرجه أيضا من طريق أخرى عن أبي الدرداء مرسلا وهو عند ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا [ص 54، رقم 132] من هذا الوجه اهـ.

فبهذا يعل الحديث لا بهشام بن عمار كما ذكره الشارح فإن هشام بن عمار ثقة صدوق إمام.

143/ 247 - "احْذَرُوا الشهوةَ الخفيةَ: العالمُ يحبُّ أن يُجْلَسَ إليه". (فر) عن أبي هريرة

قلت: قال الديلمى: ثنا عمر بن إبراهيم التاجر المعدل ثنا محمد بن جعفر بن الحسين بن محمد ثنا محمد بن على بن (1) حدثنا الفضل بن عبد اللَّه اليشكرى ثنا مالك بن سليمان ثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن محمد بن عجلان عن أبي صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "احذروا الشهوة الخفية، قالوا: يا رسول اللَّه وما الشهوة الخفية؟ قال:

(1) بياض في الأصل.

ص: 221

الرجل يتعلم العلم يحب أن يجلس إليه"، إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ضعيف والحديث منكر.

144/ 248 - "احْذَرُوا الشُّهْرَتَينِ: الصُّوفَ والخَزَّ".

أبو عبد الرحمن السلمى في سنن الصوفية (فر) عن عائشة

قلت: قال أبو عبد الرحمن السلمى:

حدثنا الحسين بن أحمد الصفار ثنا أحمد بن عيسى الوشا ثنا الربيع بن سليمان ثنا أسد بن موسى ثنا سفيان عن معمر عن الزهرى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.

وهو حديث باطل مفتعل ما حدث به الزهرى ولا معمر ولا سفيان.

145/ 249 - "احْذَرُوا صُفْرَ الوجوه، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُن مِنْ عِلَّةٍ أو سَهَرٍ فإنَّهُ مِنْ غِلٍّ فِى قُلُوبهِم للمسْلِمِينَ". (فر) عن ابن عباس

قال الشارح في الكبير: فيه زيد بن الحباب ذكر في اللسان عن ابن حبان أنه يخالف في حديثه، وأخرجه أيضا أبو نعيم في الطب بسند واه عن أنس، وبه يعرف أن قول ابن حجر: لم أقف له على سند إن أراد ثابت جيد فمسلم وإلا فقد علمت وروده.

قلت: أخذ الشارح هذا من كلام الحافظ السخاوى في المقاصد ولم يحسن إيراده، فإن الحافظ السخاوى أورد حديث ابن عباس هذا ثم قال [ص 66، رقم 34]: وأرده الديلمى وأبوه بلا سند عن أنس مرفوعا بلفظ: "إذا رأيتم الرجل أصفر الوجه من غير مرض ولا عبادة فذاك من غش للإسلام في قلبه"، وقال شيخنا -يعنى الحافظ-: إنه لم يقف له على أصل عنه وإن ذكره ابن القيم في الطب النبوى له فذاك بغير سند، قال السخاوى: قلت: قد ذكره

ص: 222

أبو نعيم في الطب من حديث حماد بن المبارك عن السدى بن شاهل عن الأوزاعى عن رجل عن أنس رفعه مثله سواء اهـ.

فالحافظ لم يرد ما قاله الشارح بل أراد أنه لم يقف له على سند أصلا، ومراده حديث أنس لا حديث ابن عباس، فإنه أورده في زهر الفردوس بإسناده الذي قال فيه الديلمى [1/ 323، رقم 1020]:

أخبرنا أبو ثابت بنجير بن منصور بن على الصوفى عن أبي محمد جعفر بن محمد بن الحسين الأبهرى عن صالح الحافظ عن أبي سعد أحمد بن محمد بن مهدى عن أحمد بن محمد بن الحسن البلخى عن رجاء بن نوح البلخى عن زيد بن الحباب عن عمران بن حدير عن عكرمة عن ابن عباس به.

ومن اللطائف قول الشارح: فإن أراد بسند جيد ثابت فمسلم أى وإن لم يرد ذلك فغير مسلم قوله أنه لم يقف عليه بل وقف عليه وادعى الجهل به فاعجب لغفلته رحمه الله.

146/ 250 - "احْذَرُوا البَغْى فإنَّه لَيْسَ مِنْ عُقوبةٍ هى أحضَرُ مِنْ عُقوبةِ البغِى". (عد) وابن النجار عن على

قلت: هذا حديث طويل اختصره المصنف عن ابن عدى أخرجه من طريق محمد بن الفرات عن ابن إسحاق عن الحارث عن على قال [6/ 138]: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "احذروا البغى فإنه ليس من العقوبة أسرع من عقوبة البغى، وصلوا أرحامكم فإننه ليس من ثواب أعجل من ثواب صلة الرحم، وإياكم واليمين الفاجرة فإنها تنزع الديار من أهلها بلقعا، وإياكم وعقوق الوالدين فإن ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا جار إزاره خيلاء إنما الكبرياء للَّه رب العالمين، والكذب كله إثم إلا ما نفعت

ص: 223

به مسلما أو دفعت به عن دين فلا بأس"، ومحمد بن الفرات كذبه أحمد وابن أبي شيبة، وقال البخارى: منكر الحديث وقال محارب بن دثار أحاديثه موضوعة.

147/ 252 - "أحْسَنُ النَّاسِ قراءةً الذي إذا قَرأ رَأيتَ أنَّهُ يخْشَى اللَّه".

محمد بن نصر في كتاب الصلاة (هب. خط) عن ابن عباس، السجزى في الإبانة (خط) عن ابن عمر (فر) عن عائشة

قال الشارح في الكبير: في سند حديث ابن عباس إسماعيل بن عمرو البجلى، قال الذهبى: ضعفوه، وفي سند حديث ابن عمر حميد بن حماد قال ابن عدى: يحدث عن الثقات بالمناكير، وفي سند حديث عائشة يحيى بن عثمان ابن صالح قال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه وابن لهيعة فيه لين، لكن بتعدد طرقه يتقوى فيصير حسنا، وظاهر صنيع المؤلف أن هذا لم يخرج في أحد الستة وإلا لما عدل عن عزوه إلى الغير، وقد قال مغلطاى وغيره: ليس لمحدث أن يعزو حديثا لغير أصحاب الكتب الستة وهو فيها إلا أن تكون فيه زيادة أو شبهها أما إذا لم يكن كذلك فلا يجوز إلا عند من لم يكن محدثا.

وقد خرجه ابن ماجه عن جابر بلفظ: "أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى اللَّه تعالى". قال الحافظ العراقى: وسنده ضعيف، وقد رواه البزار بسند كما قال الحافظ الهيثمى: رجاله رجال الصحيح، فحذفه الصحيح واقتصاره على المعلول من التقصير.

قلت: في هذا أمور الأول: حديث ابن عباس لم أجده في تاريخ الخطيب، وقد رواه أيضا أبو نعيم في الحلية [4/ 19]:

ص: 224

ثنا عبد اللَّه بن محمد بن زكريا ثنا إسماعيل بن عمرو ثنا مسعر بن كدام عن عبد الكريم المعلم عن طاوس عن ابن عباس قال: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس قراءة؟ قال: من إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى اللَّه"، قال أبو نعيم: غريب من حديث مسعر لم يروه عنه مرفوعا موصولا إلا إسماعيل.

الثانى: أن الشارح أعل حديث ابن عباس بإسماعيل بن عمرو البجلى وهو لم ينفرد به، بل ورد من غير طريقه، قال النقاش في فوائد العراقيين:

أخبرنا أبو على محمد بن أحمد بن الصداف ثنا أبو الفضل العباس بن أحمد بن الحسن الوشاء ثنا أحمد بن عمر الوكيعى ثنا قبيصة بن عقبة عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس به.

وقال أبو نعيم في الحلية [4/ 19]:

ثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا عباس بن أحمد بن الحسن الوشاء به، ثم قال: هذا حديث غريب من حديث الثورى عن ابن جريج عن عطاء تفرد به أحمد بن عمر عن قبيصة اهـ.

وله طريق آخر من رواية طاوس أيضا، قال الطبرانى في الكبير [11/ 7، رقم 10852]:

حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا أبي ثنا ابن لهيعة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس مرفوعا: "إن أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن يتحزن به".

الثالث: حديث ابن عمر قال الخطيب [3/ 208]:

أخبرنا على بن يعقوب القاضى ثنا على بن عمر بن محمد السكرى ثنا محمد ابن محمد بن يحيى الأزدى المقرئ ثنا محمد بن معمر النجرانى ثنا حميد بن حماد بن خوار ثنا مسعر بن كدام عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر قال:

ص: 225

"قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أى أحسن صوتا بالقرآن قال: من إذا قرأ رأيت أنه يخشى اللَّه عز وجل"، قال الخطيب: تفرد بروايته ابن خوار وخالفه إسماعيل بن عمرو عن مسعر عن عبد الكريم عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قلت: ابن خوار لم ينفرد به من حديث ابن عمر، بل رواه غيره كذلك، قال محمد بن نصر في قيام الليل:

ثنا محمد بن يحيى ثنا عثمان بن عمر أخبرنا مرزوق أبو بكر عن الأحول عن طاوس عن ابن عمر به.

وقال أبو نعيم في تاريخ أصبهان:

ثنا عبد اللَّه بن محمد بن عمر ثنا أبو العباس حاجب بن أركين الفرغانى ثنا أحمد بن محمد بن يحيى القطان ثنا عثمان بن عمر به.

وله طريق آخر أيضا ذكره ابن أبي حاتم في العلل [2/ 119، رقم 1850] من رواية محمد بن أمية الساوى عن عيسى بن موسى غنجار عن عبد اللَّه بن كيسان عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه سئل، من أحسن صوتا بالقرآن؟ فقال: أخوفهم للَّه"، لكن ذكر أنه سمع أباه يقول: هذا حديث غريب منكر ولم يبين علته.

قلت: فهو غير مقبول إذ الحديث كما ترى له طرق متعددة لا يجوز أن يكون معها غريبا منكرا.

الرابع: حديث عائشة أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان قال [2/ 58]:

ثنا أبي ثنا سعيد بن يعقوب أبو عثمان السراج ثنا ابن أشكب ثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصرى ثنا أبي ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن يزيد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن أحسن الناس قراءة الذي إذا قرأ رأيت أنه يخشى اللَّه".

ص: 226

الخامس: أن ابن ماجه لم يخرج الحديث باللفظ الذي ذكره الشارح، بل ذكره بلفظ آخر لا يدخل في هذا الموضوع على اصطلاح المؤلف كما مضى في غيره، قال ابن ماجه [1/ 425، رقم 1339]:

ثنا بشر بن معاذ الضرير ثنا عبد اللَّه بن جعفر المدينى ثنا إبراهيم بن إسماعيل ابن مجمع عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى اللَّه"، فالشارح ما أحسن لا في التعقب ولا في إيراد الحديث بلفظه على أن سنده أضعف من الأحاديث التي أوردها المصنف.

السادس: قول الشارح: وقد رواه البزار بسند كما قال الحافظ الهيثمى: رجاله رجال الصحيح فحذفه الصحيح واقتصاره على المعلول من التقصير كلام باطل لوجوه، أحدها: أن صنيعه يقتضى أن البزار خرج حديث جابر ولذلك لام المصنف على إعراضه عنه وإتيانه بالمعلول والواقع خلاف ذلك أعنى أن الحافظ الهيثمى لم يذكر حديث جابر في كتابه ولم يقل فيه ما نقله عنه الشارح ولا يمكن أن يذكره، لأن حديث جابر في سنن ابن ماجه وكتاب الهيثمى خاص بالزوائد التي لم تذكر في الكتب الستة.

ثانيها: أن الحافظ الهيثمى قال: رواه الطبرانى في الأوسط وفيه حميد بن حماد بن خوار وثقه ابن حبان وقال: ربما أخطأ، وبقية رجال البزار رجال الصحيح أى بعد حميد بن حماد.

ثالثها: أنه قال ذلك في حديث ابن عمر الذي ذكره المصنف لا في حديث آخر لم يذكره، فبطل قول الشارح من أصله، ونص الحافظ الهيثمى [7/ 170] عن ابن عمر قال:"سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس صوتا بالقرآن؟ قال: من إذا سمعت قراءته رأيت أنه يخشى اللَّه عز وجل" رواه الطبرانى في

ص: 227

الأوسط وفيه حميد. . . إلخ ما سبق فاعجب لتحقيق الشارح في أنقاله وانتقاداته.

148/ 254 - "أحسنوا إذا وُلِّيتم واعْفُوا عمَّا مَلكْتُم". الخرائطى في مكارم الأخلاق عن أبي سعيد

قال الشارح في الكبير: وفيه ضعف.

قلت: كان حقه أن يبين وجه ضعفه وهو أنه من رواية إسماعيل بن يحيى وهو كذاب مجمع على تركه، قال الخرائطى [1/ 413، رقم 712]:

حدثنا الحسين بن يزيد الجصاص ثنا إسماعيل بن يحيى ثنا مسعر عن عطية عن أبي سعيد به.

ومن طريق الخرائطى أسند القضاعى في مسند الشهاب، ورواه أيضا الديلمى في مسند الفردوس قال:

أخبرنا إسماعيل بن محمد القرمسانى ثنا عبد الواحد بن هبيرة ثنا على بن الحسن بن سعيد ثنا على بن مهرويه ثنا على بن القاسم ثنا الحسين بن يزيد الجصاص به.

149/ 255 - "أحْسِنوا جوارَ نِعَمِ اللَّه، لا تُنَفِّرُوها، فقلَّما زَالتْ عن قومٍ فعادتْ إليهِمْ". (ع. عد) عن أنس (هب) عن عائشة

قال الشارح في الكبير في حديث أنس: رواه البيهقى أيضا كلهم من حديث عثمان بن مطر [1/ 170] عن ثابت عن أنس ثم قال البيهقى: عثمان ضعيف وكذا قال الذهبى والهيثمى.

وحديث عائشة رواه البيهقى من طريق الوليد بن محمد الموقرى عن الزهرى

ص: 228

عن عروة عن عائشة، ثم قال البيهقى: الموقرى ضعيف، قال: ورواه خالد ابن إسماعيل المخزومى عن هشام عن أبيه عن عائشة وهو أيضا ضعيف.

قلت: حديث عائشة أخرجه أيضا ابن أبي الدنيا في الشكر [ص 65، رقم 2] قال:

ثنا صاحب بن الوليد ثنا الوليد بن محمد الموقرى عن الزهرى عن عروة عن عائشة قالت: "دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فرأى كسرة ملقاة فمسحها فقال: يا عائشة أحسنى جوار نعم اللَّه عز وجل فإنها قلما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع إليهم".

ورواه الحكيم الترمذى في نوادر الأصول [2/ 70] في الأصل السبعين ومائة (1) قال:

حدثنا على بن حجر ثنا الموقرى به، ثم قال الحكيم: فحسن المجاورة لنعم اللَّه من تعظيمها وهو من شكرها والرمى لها من الاستخفاف بها وذلك من الكفران، والكفور ممقوت مسلوب، وبلغنا أن امرأة أنجت صبيها بكسرة خبز ووضعتها في جحر فابتلى أهل ذلك الزمان بقحط فاضطرت المرأة من شدة الجوع إلى أن طلبت تلك الكسرة حتى وجدتها فأكلتها.

قلت: هذه الحكاية أخرجها ابن المبارك في كتابه الزهد [ص 51، 183] عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

أخبرنا بقية بن الوليد ثنا أبو سلمة الحمصى عن يحيى بن جابر الطائى قال: "قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إن امرأة من بنى إسرائيل أنجت صبيا لها بكسرة من خبز ثم جعلتها في جحر فسلط اللَّه عليها الجوع حتى أكلتها".

ثم أخرج ابن المبارك حديث الباب عن أبي الدرداء موقوفا عليه، قال:

(1) في الأصل التاسع والستين ومائة من المطبوع.

ص: 229

أخبرنا بقية حدثنى أبو سلمة الحمصى قال: قال أبو الدرداء: "أحسنوا مجاورة نعم اللَّه لا تملوها ولا تنفروها فإنها لقل ما نفرت عن قوم فعادت إليهم".

150/ 270 - "أَحْفُوا الشَّوَاربَ، وأَعْفُوا اللِّحى، وانتُفُوا الشَّعْرَ الذي في الآنافِ".

(عد. هب) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده

قال الشارح: قال الإمام أحمد: هذا اللفظ الأخير غريب وفي ثبوته نظر اهـ.

وقال في الشرح الكبير: ظاهر صنيعه يوهم أن مخرجيه خرجاه وسكتا عليه والأمر بخلافه، بل تعقبه البيهقى بقوله: قال الإمام أحمد. . . إلخ.

قلت: ظن الشارح أن الامام أحمد هو ابن حنبل فأطلق النقل عنه في شرحه الصغير وليس كذلك، بل المراد به البيهقى نفسه، فإن الراوى للكتاب عنه يصفه بذلك، لأنه يقول عن نفسه قال أحمد كما هو صنيع المتقدمين كلهم لا يقولون كما يقول المتأخرون: قلت، وراوى الكتاب يزيد فيه لفظة التعظيم وكثيرا ما تجد ذلك في سنن البيهقى أيضا.

151/ 271 - "أَحَقُّ ما صَلَّيتُم عَلَيه أطفَالِكمْ". الطحاوى (هق) عن البراء

قال الشارح في الكبير: رمز المؤلف لصحته وهو زلل فقد تعقبه الذهبى في المهذب فقال: ليث لين وعاصم لا يعرف فالصحة من أين؟! بل والحسن من أين؟!.

قلت: إنما الزلل من الشارح الذي يسارع إلى الانتقاد بغير تحقيق ولا بتحرير بل بمجرد التقليد والتوهم فالحديث عزاه المصنف للبيهقى والطحاوى أما البيهقى فرواه من طريق أحمد بن حازم [4/ 9]:

ص: 230

أنبأنا الفضل بن دكين حدثنا عبد السلام بن حرب عن ليث عن عاصم عن البراء بن عازب به، كذا وقع عنده عاصم وهو تحريف، فلذلك لم يعرفه الذهبى وإنما هو عامر الشعبى.

كذلك وقع عند الطحاوى (1) من رواية أبي أمية عن أبي نعيم به، ثم قال الطحاوى عقبه: وقد قال عامر الشعبى: إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد كان صلى على ابنه إبراهيم، ولم يقل ذلك إلا وقد ثبت. عنده ثم أسنده (1) من طريق سفيان عن جابر عن الشعبى، فاتضح أن المذكور في السند هو عامر الشعبى الإمام الثقة أحد كبار التابعين، وكون ليث فيه لين لا يخدش في صحة الحديث لاسيما وقد ورد من طرق أخرى. نعم ذكر البخارى في التاريخ [الكنى ص 10، رقم 62] أن جريرا رواه عن ليث عن أبي بكر الخزاعى عن البراء عن أبي بكر الصديق موقوفا عليه: "أحق ما صليتم عليه أطفالكم".

ورواه البيهقى من طريق هشام:

ثنا قتادة عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر الصديق رضى اللَّه عنه قال: "صلوا على أطفالكم فإنهم أحق من صليتم عليهم"، وهذا لا يضر المرفوع لما هو مقرر في محله من تقديم المرفوع إذا تعارضت الرواية فرفعه راو وأوقفه آخر، لأن الرفع زيادة من ثقة، على أن هذا نفسه له حكم الرفع، فإن أبا بكر رضى اللَّه عنه لم يكن ليحكم بأن الطفل أحق بالصلاة من غيره لو لم يكن ذلك عنده عن توقيف إذ الرأى يعطى أن المكلف أحق بالصلاة عليه والدعاء له لأنها شفاعة والطفل لم يجر عليه قلم فهو غير محتاج إلى الصلاة فضلا أن يكون أحق بها من المكلف.

(1) أخرجه في شرح معانى الآثار (1/ 508).

ص: 231

152/ 272 - "أُحِلَّ الذَّهَبُ والحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمَّتى وحُرِّم على ذُكُورهَا". (حم. ن) عن أبي موسى

قال الشارح في الكبير: وظاهر صنيع المؤلف أن النسائى تفرد به من بين الستة والأمر بخلافه، بل رواه الترمذى أيضا وقال: حسن صحيح وصححه البغوى وغيره.

قلت: الترمذى لم يخرجه بهذا اللفظ بل بلفظ: "حرم لباس الحرير على ذكور أمتى وأحل لإناثهم"(1) وقد ذكره المصنف في موضعه من حرف الحاء، وكتب عليه الشارح في الصغير: وقال الترمذى: حسن صحيح ونوزع، وذكر في الكبير من نازعه وأطال في ذلك وضرب عن جميعه هنا صفحا فهو الملوم المنتقد لا المصنف الحافظ المحقق.

153/ 274 - "احْلِفُوا باللَّه واصْدُقُوا، فإنَّ اللَّه يُحِبُّ أن يُحْلَفَ به". (حل) عن ابن عمر

قلت: قال أبو نعيم [7/ 267]:

ثنا محمد بن المظفر وعبد اللَّه بن محمد بن عثمان قالا: حدثنا معروف بن محمد بن زياد ثنا الفضل بن العباس الجرجانى ثنا عفان بن سيار عن مسعر عن وبرة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم به، ثم قال: تفرد به عفان عن مسعر، ولما نقل الشارح في الكبير قول أبي نعيم هذا زاد: وهو ضعيف، قال البخارى: لا يصح حديثه، ومعروف قال الذهبى: فيه طعن اهـ.

(1) انظر في جامع الترمذى (4/ 217، رقم 1720).

ص: 232

قلت: وليس هذا بصحيح فإن عفانا قال فيه أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات [8/ 522]، وقال البخارى: لا يعرف بكثرة حديث، وقال العقيلى [3/ 414، رقم 1455]: لا يتابع على رفع حديثه، وقد راجعت تاريخ البخارى [7/ 72، رقم 329] فوجدته لم يزد فيه على ما نقل عنه، ولفظه: عفان بن سيار الجرجانى لا يعرف بكثير حديث اهـ. فما نقله عنه الشارح تحريف محض منه.

وقال الثقفى في الثالث من الثقفيات:

ثنا القاضى أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشى ثنا أبو جعفر محمد بن على بن دحيم الشيبانى ثنا محمد بن أحمد بن عاصم الجرجانى ثنا أحمد بن يحيى بن عيسى ثنا عفان بن سيار به كما عند أبي نعيم، ثم قال: غريب من حديث مسعر لا أعرفه متصلا مرفوعا إلا من هذا الوجه.

ورواه الناس عن مسعر عن وبرة عن ابن عمر موقوفا من قوله.

ورواه عمر بن يحيى المقدمى عن مسعر عن وبرة عن همام عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قلت: هذا الطريق خرجه أبو نعيم [7/ 267] في ترجمة مسعر من الحلية لكن لفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم "لأن أحلف باللَّه وأكذب أحب إلى من أن أحلف بغير اللَّه وأصدق" ثم قال: تفرد به محمد بن معاوية عن عمر عن مسعر.

154/ 275 - "احلقُوه كُلَّه أو اتْركُوُه كُلَّه". (د. ن) عن ابن عمر

قال الشارح في الكبير: وصنيع المؤلف يفيد أنه لم يخرج في أحد الصحيحين وإلا لما عدل عنه وهو غريب، فقد خرجه مسلم تلو حديث النهى عن القزع بالسند الذي ذكره، وأخرجه أبو داود ولكنه لم يذكر لفظه بل قال بذلك، فلم

ص: 233

يتفطن له المؤلف، ومن ثم عزاه الحميدى كأبي مسعود الدمشقى إلى مسلم وتبعهما المزى في الأطراف.

قلت: بل الغريب فوق الغريب هو كلام الشارح المضحك وأن يلزم المصنف بالكذب على صحيح مسلم وعزو ما ليس فيه إليه، فمسلم روى من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد اللَّه عن عمر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر [3/ 1675، رقم 2120/ 113]"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع، قال: قلت لنافع: وما القزع؟ قال: يحلق بعض رأس الصبى ويترك بعض".

ثم رواه [3/ 1675 رقم 2120 م] من طريق أبي أسامة وابن نمير عن أبيه عن عبيد اللَّه مثله وجعل التفسير في حديث أسامة من قول عبيد اللَّه، ثم رواه [3/ 1675 رقم 2120 م] من طريق عثمان الغطفانى وروح عن عمر بن نافع بإسناد عبيد اللَّه مثله، ثم رواه [3/ 1675 رقم 2120 م] من طريق معمر عن اْيوب ومن طريق عبد الرحمن السراج عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فهل يعقل أن يكون قوله بذلك غير راجع إلى الحديث المذكور قبله، بل راجع إلى حديث آخر مذكور في سنن أبي داود إن هذا لعجب؟!.

155/ 279 - "أَخَافُ عَلَى أُمَّتى من بَعْدِى ثَلاثًا: حَيْفَ الأَئِمَّةِ، وإِيمانًا بالنُّجومِ، وتكذيبًا بالقَدَرِ". ابن عساكر عن أبي محجن الثقفى

قال الشارح في الكبير: قال الحافظ العراقى: إسناده ضعيف ولم يرمز المؤلف له، ووهم من زعم أنه رمز لحسنه لكنه أشار بتعدد طرقه إلى تقويته.

قلت: هذا سبق قلم من الشارح فإن المصنف لم يذكر له إلا مخرجا واحدا فأين هي الطرق المتعددة التي أشار بها إلى تقويته؟!.

والحديث أخرجه أيضا ابن عبد البر في العلم قال [2/ 795، رقم 1481]:

ص: 234

حدثنا عبد الوارث ثنا قاسم بن أصبغ ثنا إبراهيم بن إسحاق النيسابورى ثنا الحسين بن أبي زيد ثنا على بن يزيد الصدائى ثنا أبو سعد البقال عن أبي محجن قال: "أشهد على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال وذكره".

ومن هذا الطريق رواه أبو أحمد الحاكم وأبو نعيم في المعرفة، وأبو سعد البقال ضعيف ولم يدرك أبا محجن كما قال الحافظ.

156/ 288 - "اخْتِلافُ أُمَّتى رَحْمَةٌ".

نصر المقدسي في الحجة، والبيهقى في الرسالة الأشعرية بغير سند وأورده الحليمى والقاضى حسين وإمام الحرمين وغيرهم ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا.

قال الشارح: والأمر كذلك فقد أسنده البيهقى في المدخل وكذا الديلمى في الفردوس من حديث ابن عباس لكن بلفظ: "اختلاف أصحابى رحمة".

قلت: يعاب على المصنف رحمه اللَّه تعالى إيراده لهذا الحديث الموضوع الباطل الذي لا أصل له مع عدم وقوفه على مخرج له، ومن اعتمد على ذكرهم إياه لا ينبغى أن يعتبر بهم فإنهم قوم صناعتهم الفقه ولا دراية لهم بالحديث مطلقا، بل منهم من يورد الحديث الموضوع محتجا به في حكم، ثم يعزوه إلى الصحيحين، والبيهقى وإن كان حافظا إلا أن الروح الفقهية غالبة عليه مع ميل وتعصب، وما حمله على إيراده في الرسالة بدون إسناد إلا ذلك، أما ما ذكره الشارح من أن البيهقى والديلمى خرجاه فهو مع كونه بلفظ الصحابة لا بلفظ الأمة باطل مختلق مصنوع مركب ركيك لا يحل ذكره إلا على سبيل البيان لوضعه، قال الديلمى في حرف الميم من مسند الفردودس [4/ 447، رقم 6799]:

أخبرنا عبدوس أخبرنا الطوسى أخبرنا الأصم حدثنا بكر بن سهل ثنا عمرو بن

ص: 235

هشام البيروتى عن سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رفعه، "مهما أوتيتم من كتاب اللَّه فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، وإن لم يكن في كتاب اللَّه فسنة ماضية منى، فإن لم تكن سنة ماضية فما قال أصحابى، فإن أصحابى بمنزلة النجوم من السماء بأيهم اقتديتم اهتديتم، واختلاف أصحابى لكم رحمة" فهدا السند مظلم، جويبر هالك ساقط، وسليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدى [3/ 262]: عامة أحاديثه مناكير، وعمرو بن هاشم البيروتى فيه مقال، وبكر بن سهل ضعفه النسائي وما عرفت الطوسى المذكور في الإسناد هذا، وكتاب اللَّه تعالى وسنة نبيه التواترة ناطقة بذم الاختلاف فكيف يقبل نقل مجهول يجعل ذلك رحمة، ولكن حبك الشيء يعمى ويصم، فالتقليد المذموم وحب تصويبه، ورفع مناره هو الموقع في مثل هذا، نسال اللَّه العافية.

157/ 290 - "أَخَذْنَا فَأْلَكَ مِنْ فِيكَ".

(د) عن أبي هريرة، ابن السنى وأبو نعيم معا في الطب عن كثير بن عبد اللَّه عن أبيه عن جده (فر) عن ابن عمر

قال الشارح في الكبير: رمز: المؤلف لحسنه ولعله لاعتضاده وإلا فقد سمع القول في كثير على أن فيه أيضا من لا يخلو من مقال.

قلت: عجيب أن يعل الحديث بكثير، مع أن المصنف أورده من طريقين آخرين من حديث أبي هريرة وابن عمر، فهل ظن الشارح أن كثيرا موجود في جميع هذه الأسانيد أم ماذا؟! فحديث أبي هريرة قال فيه أبو داود [4/ 17، 3917]:

حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا وهيب عن سهيل عن رجل عن أبي هريرة: "أن

ص: 236

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سمع كلمة فأعجبته فقال: أخذنا فألك من فيك" وهذا سند على شرط الصحيح لولا وجود الرجل المجهول.

وحديث ابن عمر، قال البزار في مسنده:

ثنا أحمد بن محمد بن المعلى ثنا حفص بن عمارة ثنا المبارك بن فضالة عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لرجل سمع منه كلمة فأعجبته: "أخذنا فألك من فيك".

ومن هذا الطريق رواه الديلمى في مسند الفردوس وورد أيضا من حديث سمرة أخرجه الخلعى في فوائده من طريق محمد بن يونس:

ثنا عون بن عمارة ثنا السرى بن يحيى عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن فسمع عليا يوما وهو يقول: خضرة، فقال: يالبيك قد أخذنا فألك من فيك فاخرجوا بنا إلى خضرة، قال فخرجوا إلى خيبر فما سل فيها سيف إلا سيف على بن أبي طالب".

158/ 291 - "أُخِّرَ الكَلامُ في القَدَرِ لِشِرَارِ أُمَّتى في آخِرِ الزَّمَانِ". (طس. ك) عن أبي هريرة

قلت: رواه أيضا الدولابى في الكنى والأسماء قال [2/ 38]:

أخبرنى أحمد بن شعيب -يعنى النسائى- حدثنا الحسن بن إسحاق ثنا حفص ابن عمران الإمام أبو عمران ثنا عنبسة الحداد عن الزهرى عن سعيد وابن سلمة عن أبي هريرة به (1).

ومن هذا الوجه رواه الحاكم [2/ 473، رقم 3765] من طريق أبي عاصم (2)

(1) بلفظ: "أخر كلام قدرية لشرار. . . ".

(2)

الذي في المستدرك: "أبو قلابة"، "وليس أبا عاصم".

ص: 237

ثنا عنبسة عن الزهرى أنه تلا قول اللَّه تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ في ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} الآية إلى: {بِقَدَرٍ} فقال: حدثنا سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به، قال الحاكم: صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه، قال الذهبى في التلخيص: عنبسة ثقة لكن لم يرويا له كذا قال مع أنه أورد عنبسة في الميزان [3/ 302، 6514] فقال: عنبسة بن مهران البصرى الحداد عن الزهرى قال أبو حاتم: منكر الحديث، وروى عبد اللَّه بن رجاء: حدثنا عنبسة عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا: "أُخر الكلام في القدر لشرار هذه الأمة، ومراء في القرآن كفر"، ورواه ابن رجاء مرة أخرى فوقفه، وكذا رواه أبو عاصم النبيل بالوجهين، وقال سويد بن سعيد: ثنا أغلب بن تميم عن أبي خالد الخزاعى عن الزهرى قال: قال لى عمر بن عبد العزيز: رد على حديث النبي صلى الله عليه وسلم في القدر فقال: سمعت فلانا الأنصارى يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "أُخر الكلام في القدر لشرار هذه الأمة في آخر الزمان" فهذا أشبه، زاد الحافظ في اللسان [4/ 384، 1155]: وقال أبو داود: ليس بشيء، وقال البخارى: لا يتابع على حديثه حكاه العقيلى [3/ 365، 1403] وقال: أراد هذا الحديث ثم ساقه مرفوعا وموقوفا وأشار إلى أن الموقوف أشبه.

قلت: لكن البخارى لم يذكر في التاريخ ما حكاه عنه العقيلى، بل قال [7/ 38، 165]: عنبسة الحداد عن الزهرى روى عنه الضحاك بن مخلد أبو عاصم وعبد اللَّه بن رجاء البصرى اهـ. ولم يزد على ذلك.

أما ابن أبي حاتم فقال في كتاب الجرح والتعديل: عنبسة الحداد وهو عنبسة بن مهران وفرق بينهما بعض الناس وهو واحد روى عن الزهرى ومكحول، روى عنه عبد اللَّه بن رجاء المكى وأبو عاصم النبيل ومكى بن إبراهيم، سمعت أبي يقول ذلك، وروى أيضا عن السدى، سألت أبي عنه فقال: هو منكر

ص: 238

الحديث، أنا يعقوب بن إسحاق فيما كتب إلى قال: أنا عثمان بن سعيد الدارمى قال: قلت ليحيى بن معين: عنبسة بن مهران عن الزهرى، من عنبسة الذي يروى عنه يحيى بن المتوكل؟ فقال: لا أعرفه، قال ابن أبي حاتم: لأنه مجهول اهـ.

فهذا كله يخالف قول الذهبى في التلخيص: إنه ثقة، والظاهر أنه لم يظنه عنبسة بن مهران، لأنه وقع في المستدرك غير منسوب، وكذلك ظنه الحاكم -واللَّه أعلم- أنه غير ابن مهران، ثم إن الذهبى رجح في الميزان أنه موقوف، ثم عقبه رجح المرفوع من رواية الأنصارى فقال في كل منهما: أنه الأشبه فأتى بكلام مشتبه.

158/ 293 - "أَخْرِجُوا منْدِيلَ الغَمْرِ من بُيُوتِكم فإنه مَبِيتُ الخبيثِ وَمَجْلِسُهُ". (فر) عن جابر

قلت: قال الديلمى [1/ 141، رقم 343]:

أخبرنا محمد بن الحسين إذنا أخبرنا أبي أخبرنا ابن. . . (1) حدثنا عمير بن مرداس ثنا ابن بكير ثنا سعيد بن خيثم ثنا حوام بن عثمان عن أبي الزبير عن جابر به، قال الحافظ في الزهر: حرام متروك.

159/ 295 - "أَخْشَى ما خشيتُ على أمتى كِبَرَ البَطْنِ، ومُدَاوَمَةَ النَّوْمِ والكَسَلَ وضَعْفَ اليقينِ". (قط) في الأفراد عن جابر

قال الشارح في الكبير: ورواه الديلمى أيضا وفيه محمد بن قاسم الأزدى قال الذهبى: كذبه أحمد والدارقطنى.

(1) بياض في الأصل.

ص: 239

قلت: الديلمى رواه من طريق الدارقطنى فلا يعد مخرجا مستقلا، والدارقطنى رواه عن محمد بن القاسم الأزدى عن الحسن بن على بن محمد ابن المغيرة عن محمد بن ثابت عن النعمان بن زائدة والنعمان بن سالم عن أبي سفيان عن جابر به.

ومحمد بن القاسم الذي ذكر الشارح عن الذهبى أن أحمد والدارقطنى كذبه هو غير المذكور في السند، لأن ذلك قديم من رجال الترمذى وهذا شيخ للدارقطني الذي لم يدرك الترمذى فضلا عن رجاله، ولينظر في سند هذا الحديث.

160/ 297 - "اخْفِضِى ولا تَنْهِكِى، فإنه أنضرُ لِلْوجْهِ وأَحْظَى عند الزوج". (طب. ك) عن الضحاك بن قيس الفهرى

قلت: ذكر الشارح في الكبير كلاما على هذا الحديث لخصه من كلام الحافظ، إلا أنه لم يحسن إيراده وأتى فيه بما يوقع في الإيهام والالتباس فراجع كلام الحافظ في التلخيص الحبير [4/ 82، 1807] تستفد حقيقته، ومما لم يذكره الحافظ من طرق الحديث ما رواه الدولابى في الكنى قال [2/ 122]:

حدثنا معاوية بن صالح أبو عبيد اللَّه حدثنا محمد بن سلام الجمحى مولى قدامة بن مظعون ثنا زائدة بن أبي الرقاد أبو معاذ عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال: رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأم عطية: "إذا اخفضتى فأشمى ولا تنهكى فإنه أثرى للوجه" الحديث.

161/ 298 - "أخْلِصْ دينَك يكْفِكَ القليلُ من العملِ". ابن أبي الدنيا في الإخلاص (ك) عن معاذ

قال الشارح: رواه (ك) في النذر وقال: صحيح واعترض.

ص: 240

قلت: الحاكم رواه في الرقاق [4/ 306، رقم 7844] لا في النذر فقال:

حدثنا أبو العباس الأصم ثنا بحر بن نصر ثنا عبد اللَّه بن وهب أخبرنى يحيى بن أيوب عن عبيد اللَّه بن زحر عن الوليد بن عمران عن عمرو بن مرة الجملى عن معاذ بن جبل: "أنه قال لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: يا رسول اللَّه أوصنى، قال: أخلص" وذكره، قال (ك): صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الذهبى: قلت: لا ولما نقل الحافظ المنذرى في الترغيب [541، رقم 4] تصحيحه تعقبه بقوله: كذا قال، وعزاه الحافظ العراقى في المغنى إلى مسند الفردوس للديلمى، ثم قال: وإسناده منقطع مع أنه كما ترى في مستدرك الحاكم.

وكذلك رواه أبو نعيم في الحلية [1/ 244]:

ثنا محمد بن على ثنا أبو العباس بن أبي الطفيل ثنا يزيد بن موهب ثنا ابن وهب بسنده ومتنه، وسبب تعقّبهم على الحاكم أن عبيد اللَّه بن زحر ضعيف، قال يحيى بن معين: ليس بشيء وقال ابن المدينى: منكر الحديث، وقال الدارقطنى: ليس بالقوى بشيء، وقال أبو مسهر: صاحب كل معضلة وإن ذلك على حديثه لبين. وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الأثبات اهـ.

لكن الديلمى لم يروه من طريقه بل قال [1/ 527 رقم 1776]:

أخبرنا أبو العلاء أحمد بن نصر أخبرنا أبو محمد بن ساهلة ثنا صالح الحافظ إذنا ثنا القاسم بن أبي صبح ثنا إبراهيم بن الحسين ثنا النضر بن عبد الجبار ثنا إبراهيم بن خالد بن أبي عمران عن عمرو بن مرة به.

فبرئ عبيد اللَّه بن زحر منه لكن عمرو بن مرة لم يسمع من معاذ فبقى فيه الانقطاع.

إذنا ثنا القاسم بن أبي صبح ثنا إبراهيم بن الحسين ثنا النضر بن عبد الجبار ثنا إبراهيم بن خالد بن أبي عمران عن عمرو بن مرّة به.

فبرئ عبيد اللَّه بن زحر منه لكن عمرو بن مرّة لم يسمع من معاذ فبقى فيه الانقطاع

ص: 241

162/ 300 - "أَخْلِصُوا عبادةَ اللَّه تعالى وأَقيموا خمسكُم وأدّوا زكاةَ أموالِكم طَيِّبَة بها أنفُسكُم وصومُوا شهرَكُم وحجوا بيتكم تدخلوا جنةَ رِبّكم". (طب) عن أبي الدرداء

قال الشارح: وفيه ضعف.

وقال في الكبير: قال الهيثمى: فيه يزيد بن فرقد ولم يسمع من أبي الدرداء.

قلت: وعليه فكان حقه أن يقول في الصغير: وفيه انقطاع بدل قوله: وفيه ضعف.

163/ 301 - "اخلَعُوا نِعالكُم عندَ الطَّعامِ فإنها سنَّةٌ جميلةٌ". (ك) عن أبي عبس بن جبر

قال الشارح: وفيه ضعيف ومتروك.

قلت: الحديث ليس من مسند أبي عبس وإنما هو من مسند أنس، وقد نبّه الشارح على ذلك في الكبير فكان حقه ألا يغفله في الصغير.

قال الحاكم [3/ 351، رقم 5497]:

أخبرنى أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن أميّة القرشى بالساقة ثنا محمد بن أيوب ثنا سليمان بن النعمان الشيبانى ثنا يحيى بن العلاء حدثنى موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه عن أنس قال: دعا أبو عبس بن جبر الأنصارى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه لهم فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "اخلعوا نعالكم" الحديث.

قال الذهبى: يحيى وشيخه متروكان، ونقل في الميزان عن عبد الرزاق أنه قال: سألت وكيعًا عن يحيى بن العلاء فقال: أما رأيت فصاحته؟ قلت: على

ص: 242

ذلك ما تنكرون منه؟ قال: يكفى أنه روى عشرين حديثا في خلع النعل على الطعام.

164/ 305 - "أخْوَفُ مَا أخافُ على أمَّتِى كلُّ مُنَافِق عَليُم اللسانِ". (عد) عن عمر

قال الشارح في الكبير: بإسناد ضعيف، ورواه أيضا الطبرانى في الكبير، بل والإمام أحمد، قال السيد السمهودى: رواته محتجٌ بهم في الصحيح اهـ.

فعدل المصنف عن الحديث الصحيح إلى الرواية الضعيفة واقتصر عليها.

قلت: كلا لم يقتصر عليها ولم يعدل إلى الضعيفة إلا لشرط كتابه، فإن الحديث عند أحمد مصدر بـ "إن" في أوله، وقد ذكره المصنف في حرف "إن" وعزاه لأحمد ولكن الشارح لا يعقل.

قال أحمد [1/ 22]:

حدثنا أبو سعيد ثنا ديلم بن غزوان العبدى ثنا ميمون الكردى حدثنى أبو عثمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخوف ما أخاف على أمتى كل منافق عليم اللسان".

وقال أيضًا [1/ 44]:

حدثنا يزيد أنبأنا ديلم بن غزوان ثنا ميمون الكردى عن أبي عثمان النهدى قال: إنى لجالس تحت منبر عمر وهو يخطب الناس، فقال في خطبته: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أخوف" وذكره.

ثم إن ديلم بن غزوان وميمون الكردى ليس واحد منهما من رجال الصحيح وإن وثّقا، بل في كل منهما مقال فبطل نقل الشارح عن السمهودى بأن رواته مجمع عليهم في الصحيح.

ص: 243

والحديث رواه أيضًا عبد بن حميد في مسنده: ثنا محمد بن الفضل السدوسى ثنا ديلم بن غزوان به بلفظ: "إنما أخاف عليكم كل منافق عليم يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور".

[ورواه] الفريابى في جزء النفاق:

ثنا عبيد اللَّه بن عمر القواريرى وأبو عبد اللَّه محمد بن أبي بكر المقدمى قالا: حدثنا ديلم بن غزوان به، باللفظ المذكور هنا بدون "إن" في أوله.

ورواه أيضا من وجه آخر عن ميمون الكردى فقال:

حدثنا محمد بن المثنى ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا الحسن بن أبي جعفر ثنا ميمون الكردى عن أبي عثمان النهدى: سمعت عمر بن الخطاب في خطبته يقول: "حذرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كل منافق عليم اللسان"

وقال البزار في مسنده [1/ 97، رقم 168]:

حدثنا محمد بن عبد الملك القرشى ثنا ديلم بن غزوان ثنا ميمون الكردى به مثله.

وقد ذكر الذهبى في الميزان ميمون الكردى هذا وأورد له هذا الحديث من مسند أحمد لكنه ورد عن عمر من طرق أخرى مرفوعًا وموقوفًا.

قال البخارى في التاريخ الكبير [كنى ص 41، رقم 351]:

ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد ثنا أبو سويد وهو ابن المغيرة عن الحسن: أن الأحنف بن قيس قدم على عمر في وفد أهل البصرة فسرحهم واحتبس الأحنف حولًا ثم دعاه فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم حذّرنا كل منافق عليم اللسان، وإنى تخوفت أن تكون منهم وأنا أرجو ألّا تكون فالحق بأهلك.

وقال أبو أحمد الغطريفى في جزئه:

ثنا محمد بن هارون بن المجد ثنا أحمد بن الحسين بن خراش ثنا عارم

ص: 244

وهو محمد بن الفضل أبو النعمان ثنا حماد بن زيد به مثله، إلا أنه قال:"خوّفنا" بدل "حذرنا" وقال الفريابى:

حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسى ثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاحتسبنى عنده مدة فقال: يا أحنف إنى قد بلوتك وخبرتك فرأيت علانيتك حسنة وأنا أرجو أن تكون سريرتك على مثل علانيتك، وإنا كنا نتحدّث: إنما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم.

ورواه الفريابى من حديث عمران بن الحصين فقال: حدثنا عبيد اللَّه بن معاذ ثنا أبي حدثنا حسين المعلم عن أبي بريدة عن عمران بن حصين قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف عليكم بعدى كل منافق عليم اللسان".

165/ 306 - "أخوفُ ما أخافُ على أمتَّى الهَوَى وطُولُ الأملِ". (عد) عن جابر.

قلت: رواه أيضا الحاكم في التاريخ قال:

حدثنا محمد بن صالح بن هانى ثنا جعفر بن محمد بن سوار ثنا عبد اللَّه بن عمر بن الرماح ثنا على بن أبي على اللهبى عن ابن المنكدر عن جابر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف على أمتى الهوى وطول الأمل، أما الهوى فيصدّ عن الحق، وأما طول الأمل فينسى الآخرة"

ورواه الديلمى في مسند الفردوس من طريق الحاكم، وقال أحمد بن عبيد في مسنده:

أخبرنا تمّام ثنا محمد بن معاوية النيسابورى ثنا على بن أبي على به بلفظ "أخوف ما أخاف".

ورواه القشيرى في الرسالة من طريقه.

ص: 245

وقال البندهى في شرح المقامات:

أخبرنا عبد السلام بن أحمد بن إسماعيل المقرى أنا الإمام أبو عاصم الفضل ابن يحيى الفضيلى أنا عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أبي شريح ثنا أبو سهل محمد بن إبراهيم بن يزيد القاضى ثنا أبو عبد اللَّه محمد بن صالح بن سهل ثنا محمد بن عمرو ثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه الأويسى ثنا على بن أبي على اللهبى به، وزاد بعد قوله "وأما طول [الأمل] فينسى الآخرة وهذه الدنيا مرتحلة دائرة، وهذه الأخرة مرتحلة قادمة، ولكل واحدة منها بنون، فإن استطعتم أن تكونوا من بنى الآخرة ولا تكونوا من بنى الدنيا فافعلوا، فإنكم اليوم في دار عمل ولاحساب وأنتم غدًا في دار حساب ولا عمل" اهـ. وعلى بن أبي على اللهبى قال أحمد: له مناكير، وقال أبو حاتم والنسائى: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء ورقال الحاكم: يروى عن ابن المنكدر أحاديث موضوعة، وضعفة آخرون.

قلت: والظاهر، بل الواقع إن شاء اللَّه تعالى أنه أخذ هذا من كلام على عليه السلام وركَّب له الإسناد عن محمد بن المنكدر عن جابر، فقد قال أحمد في كتاب الزهد:

حدثنا وكيع قال: قال ابن أبي خالد عن زبيد قال: قال على عليه السلام وقال وكيع: وحدثنا يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن مهاجر العامرى عن على عليه السلام قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم اثنين: طول الأمل، واتباع الهوى، فأما طول الأمل فينسى الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، ألا وإن الدنيا قد ولّت مدبرة والآخرة مقبلة ولكل واحد منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل".

ص: 246

وقال أبو نعيم في الحلية [1/ 76]:

حدثنا أبو بكر الطلحى ثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمى ثنا عون بن سلام ثنا أبو مريم عن زبيد عن مهاجر بن عمير به مثله، ثم قال أبو نعيم: رواه الثورى وجماعة عن زبيد مثله عن على مرسلًا ولم يذكروا مهاجر بن عمير.

قال أبو نعيم: أفادنى هذا الحديث الدارقطنى عن شيخى، لم أكتبه إلا من هذا الوجه اهـ. ورواه ايضًا الدينورى في المجالسة.

166/ 307 - : أخُوكَ البِكرىَّ ولا تأمَنْهُ". (طس) عن عمر (د) وعن عمرو بن الفغواء

قلت: رواه من حديث الثانى أيضا أحمد والبخارى في التاريخ الكبير، فقال أحمد [5/ 289]:

حدثنا نوح بن يزيد أبو محمد أنا إبراهيم بن سعد حدثنيه ابن إسحاق عن عيسى بن معمر عن عبد اللَّه بن عمرو بن الفغواء الخزاعى عن أبيه قال: "دعانى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد أراد أن يبعثنى بمال إلى أبي سفيان يقسمه في قريش بمكّة بعد الفتح قال: فقال: التمس صاحبًا، قال: فجاءنى عمرو بن أميّة الضّمرى قال: بلغنى أنك تريد الخروج وتلتمسى صاحبًا، قلت: أجل قال: فأنا لك صاحب، فجئت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقلت: قد وجدت صاحبًا -وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: إذا وجدت صاحبًا فآذنى- قال: فقال من؟ قلت: عمرو بن أمية الضّمرى، قال: فقال: إذا هبطت بلاد قومه فأحذره فإنه قد قال القائل: "أخوك البكرى ولا تأمنه"، الحديث.

وقال البخارى [7/ 39، 172]:

قال نوح بن يزيد ثنا إبراهيم بن سعد سمع ابن إسحاق سمع عيسى بن معمر

ص: 247

عن عبد اللَّه بن عمرو بن الفغواء عن أبيه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أخوك البكرى ولا تأمنه".

167/ 308 - "أدِّ الأمانةَ إلى مَنْ ائَتَمَنَكَ ولا تَخُنْ مُن خَانَكَ".

(تخ. د. ت. ك) عن أبي هريرة (قط) والضياء عن أنس (طب) عن أبي أمامة (د) عن رجل من الصحابة (قط) عن أبيِّ بن كعب.

قلت: نقل الشارح في الكبير كلام الحفاظ في تعليل جميع هذه الطرق وختم ذلك بقوله: وقال ابن الجوزى: لا يصح من جميع طرقه.

ثم قال في شرحه الصغير: والمتن صحيح اتفاقا، فاعجب لهذا التناقض الغريب.

وقد قال الشافعى أيضًا: إنه ليس بثابت، وقال أحمد بن حنبل: إنه باطل لا يعرف من وجه يصح، وقال أبو حاتم: إنه منكر، وقال ابن ماجه والبيهقى والحافظ وتلميذه السخاوى وجماعة: طرقه كلها ضعيفة، فما أدرى بعد هذا من اتفق على صحة متنه؟ وقد اْوردت الحديث بأسانيده في مستخرجى على مسند الشهاب.

168/ 309 - "أدِّ ما افْتَرضَ اللَّه عَليْكَ تكُن مِنْ أعْبَدِ النَّاس، واجْتَنب مَا حرَّم اللَّه عَلَيْكَ تَكُن مِنْ أَوْرعَ النَّاسِ، وارْضَ بِمَا قَسمُه اللَّه لَكَ تكُنْ مِنْ أغْنَى النَّاسِ". (عد) عن ابن مسعود.

قال الشارح في الكبير: نقل ابن الجوزى عن الدارقطنى أنه قال: رفعه وهم والصواب وقفه.

ص: 248

قلت: في الباب عن على وأبي أمامة من حديث عليٍّ فقال الطوسى في الرابع من أماليه:

ثنا محمد بن محمد بن النعمان ثنا المظفر بن محمد البلخي ثنا محمد بن همّام أبو على ثنا حميد بن زياد ثنا إبراهيم بن عبيد بن حنَّان ثنا الربيع بن سليمان عن إسماعيل بن مسلم السكونى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدِّه على عليه السلام قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "اعمل بفرائض اللَّه تكن من أتقى الناس، وارضَ بقسم اللَّه تكن من أغنى الناس، وكفَّ عن محارم اللَّه تكن أورع الناس، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا، وأحسن مصاحبة من صاحبك تكن مسلمًا".

وأما حديث أبي أمامة فقال ابن أبي حاتم في العلل [2/ 110، رقم 1824]:

سألت أبي عن حديث رواه موسى بن سهل الرملى عن محمد بن زياد المقدسى عن يوسف بن جواد من أهل فلسطين قال: خرجنا نريد العزف فمررنا بحمص، فقيل لى: ها هنا رجل يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته فإذا هو أبو أمامة الباهلى، فسمعته يحدث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"أدِّ ما افترض اللَّه عليك تكن أعبد الناس وازهد فيما حرّم اللَّه عليك تكن أورع الناس وارضَ بما قسم اللَّه لك تكن أغنى الناس" قال أبي هذا حديث باطل اهـ.

كذا قال: وهو باطل ويقرب من هذا حديث أبي هريرة المعروف.

169/ 310 - "أدَّبنى ربِّى فَأَحْسَنْ تأدِيبى". ابن السمعانى في أدب الإملاء عن ابن مسعود.

قلت: أسند هذا الحديث الإمام الكبير العارف الشهير أبي أحمد الرفاعى في كتابه "حال أهل الحقيقة مع اللَّه" فقال: أخبرنا ابن العمّ الولى الصالح السيد سيف الدين عثمان قال: حدثنى أبو على ابن يحيى الرفاعى قال: حدثنى ابن

ص: 249

عمى حسن بن عسلة حدثنى النقيب يحيى بن ثابت قال: حدثنى أبي ثابت عن أبيه حازم عن أبيه على الحازم أبي الفوارس عن أبيه على أبي الفضائل عن أبيه رفاعة الحسن المكى نزيل إشبيلّية [عن] أبيه أبي القاسم محمد البغدادى نزيل مكة عن أبيه الحسن القاسم أبي موسى الرئيس عن أبيه الحسين عبد الرحمن الرضا المحدِّث القصيعى عن أبيه أحمد الأكبر عن أبيه موسى عن أبيه الأمير الكبير إبراهيم المرتضى عن أخيه على الرضا عن أبيه موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه زين العابدين على عن أبيه الحسين عن أبيه على عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أدَّبنى ربى فأحسن تأديبى" كذا أورد هذا السند مسلسلًا بالآباء فلينظر فيه (1).

170/ 311 - "أدِّبوا أولادَكُم على ثَلاثِ خِصالِ: حُبُّ نبيِّكم وحبُّ أهل بيته وقراءة القرآن فإنَّ حملةَ القرآن في ظل اللَّه يومَ لا ظلَّ إلَا ظلُّه مع أنْبيائِهِ وأصْفِيائِهِ".

أبو نصر عبد الكريم الشيرازى في فوائده (فر) وابن النجار عن على

قال الشارح في الكبير: لم يرمز المصنف له بشيء وهو ضعيف، لأن فيه صالح بن أبي الأسود له مناكير، وجعفر الصادق قال الذهبى في الكاشف عن القطان: في النفس منه شيء.

قلت: هذه غلطة شنيعة من الشارح وغفلة عظيمة راج عليه معها نصب

(1) قال ابن تيمية في مجموعة الرسائل الكبرى (2/ 336): معناه صحيح، ولكن لا يعرف له إسناد ثابت اهـ. وأورده السخاوى في المقاصد الحسنة (ص 73، رقم 45) بإسنادين غير هذا عن على رضي الله عنه ثم قال: وبالجملة فهو كما قال ابن تيمية: لا يعرف له إسناد ثابت اهـ. وانظر كشف الخفاء (1/ 70).

ص: 250

الذهبى، فهل أنت يا مناوى مجنون تعلّل الحديث بجعفر الصادق أحد كبار الأئمة وسادات الأمة وبحور العلم والمعرفة من آل البيت الأطهار؟! وتجعله في مصاف الضعفاء والمتروكين الذين يردُّ بهم الحديث، إن هذا لعجب بل الذهبى نفسه لم يصل إلى هذه الدرجة أن يضعِّف حديثا بوجود جعفر الصادق فيه، وإنما أورده في الميزان على زعم أنه يورد كل من تُكُلِّم فيه بحق أو بباطل ولذلك قال في الميزان: جعفر بن محمد بن على بن الحسين الهاشمى أبو عبد اللَّه أحد الأئمة الأعلام برٌّ صدوق كبير الشأن، وهو صادق في هذا ولكنه كذاب في قصده، بل غرضه الأكيد هو جلب الطعن فيه من إخوانه النواصب، وإدراج هذا الإمام في دفتر الضعفاء والمتروكين، فإنه ذكر فيه أيضا جميع الأئمة المشاهير المتبوعين من سادات أهل البيت رضي الله عنهم، كالإمام زيد بن على، والإمام على بن موسى الرضى والإمام موسى الكاظم، مع أنه ذكر في خطبة كتابه أنه سيورد كل من تكلم فيه ولا يتعرض لأحد من الأئمة المتبوعين، فهل هؤلاء ليسوا بأئمة؟ وهل هم غير متبوعين؟ وهؤلاء آلاف الآلاف من أتباعهم من الزيدية والإمامية موجودة في كل عصر، بل هذه الأمة بأجمعها مجمعة على جلالتهم وإمامتهم واعتقادهم والتبرك واستحضار الرحمات بذكرهم والثناء عليهم، فقبح اللَّه النواصب.

والحديث رواه ابن النجار في تاريخه من طريق أبي نصر عبد الكريم بن محمد الشيرازى المذكور قال:

حدثنا أبو معشر عبد اللَّه بن إبراهيم الواعظ الهمدانى حدثنا أبو بكر أحمد بن على بن لال الفقيه ثنا على بن محمد بن عامر النهاوندى ثنا على بن العباس بن الوليد المقانعى ثنا جعفر بن محمد بن الحسين الزهرى ثنا حسين بن الحسين ثنا صالح بن الأسود أو ابن أبي الأسود عن محارق بن عبد الرحمن عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على بن أبي طالب عليه السلام مرفوعًا به.

ص: 251

وقال الديلمى [2/ 468، رقم 3314]:

أنا والدى أنا أبو طاهر الأمين أنا المظفّر بن الحسينى السمسار ثنا على بن محمد ابن عامر النهاوندى به.

ويشهد له في كون حملة القرآن من أهل ظلّ العرش ما رواه أبو على بن شاذان في مشيخته قال:

حدثنا أبو الفوارس شجاع بن جعفر بن أحمد بن خالد الأنصارى الصوفى ثنا عياش بن محمد ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ثنا أبو عامر الأسلمى عن سهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "سبعة يظلهم اللَّه تَحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله إمام مقسط ورجل لقيته امرأة ذات جمال ومنصب فعرضت نفسها عليه فقال: إنّى أخاف اللَّه ربَّ العالمين، ورجل تعلم القرآن في صغره فهو يتلوه في كبره، ورجل تصدّق بصدقة بيمينه فأخفاها عن شماله، ورجل قلبه معلّق بالمساجد ورجل لقى رجلًا فقال له: إنِّى أحبّك في اللَّه، ورجل ذكر اللَّه بين يديه ففاضت عيناه خشيةً من اللَّه".

171/ 314 - "ادَرءَوا الحُدود بالشُّبهَاتِ وأقِيلُوا الكِرَامَ عَثَراتِهِم إلّا في حَدٍّ مِنْ حُدود اللَّه تعالى".

(عد) في جزء له من حديث أهل مصر والجزيرة عن ابن عباس. وروى صدره أبو مسلم الكجِّى وابن السمعانى في الذيل عن عمر بن عبد العزيز مرسلا، ومسدد في مسنده عن ابن مسعود موقوفًا.

قلت: مرسل عمر بن عبد العزيز لا يصح عنه لأنه مركّب في حكاية غريبة فكاهية باطلة لا توافق دين عمر بن عبد العزيز وفضله، والحكاية أسندها الرشاطى في الأنساب له من طريق أبي مسلم، الكجِّى وأسندها ابن الأبار في

ص: 252

معجم أصحاب الصدفى من طريق الرشاطى قال:

حدثنا الفقيه الحافظ قاضي القضاة أبو على حسين بن محمد الصدفى قراءةً منه علينا قال: ثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذرى إجازة، وأنبأنى شيخنا أبو بكر عن أبيه عنه قال: حدثنا أبو ذر ثنا أبو عبد اللَّه عبيد اللَّه بن محمد اْبى حمدان الحنبلى حدثنى أبو صالح محمد بن أحمد بن ثابت قال: أنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد اللَّه الكشِّى البصرى أنا محمد بن أبي بكر المقدمى ثنا محمد بن على السامى ثنا أبو عمران الجونى قال: قال عمر بن عبد العزيز: لأجلدن في الشراب كما فعل جدّى عمر بن الخطاب ثم أمر صأحب عَسَهِ وضمّ إليه صاحب خبر وقال لهما: إن وجدتما سكرانًا فأتيانى به، قال: فطافا ليلتهما حتى انتهيا إلى بعض الأسواق فإذا هما بشيخ حسن الشيبة بهى المنظر عليه ثياب حسنة مثلوِّث في ثيابه سكرًا وهو يتغنّى:

سقوْنى وقالوا لا تغنَّ ولو سقوا

جبال حنين ما سقوْنى لغنَّتِ

فحركاه بأرجلهما وقالا له: يا شيخ أما تستحى هذه الشيبة الحسنة من مثل هذه الحال؟!، فقال: ارفقا بي فإن إخوانا أحداث الأسنان شربت عندهم ليلتى هذه فلما عمل الشراب في أخرجونى فإن رأيتما أن تعفوا عنّى فافعلا، فقال صاحب العسس لصاحب الخبر: اكتم على أمره حتى أطلقه، قال: قد فعلتُ، قال: انصرف يا شيخ ولا تعد، قال: نعم وأنا تائب، فلما كان في الليلة الثانية طافا حتى انتهيا إلى الموضع فإذا هما بالشيخ على مثل حالته في المرة الأولى وهو يتغنّى:

إنما هّيج البلى

حين عضّ أسفرجلا

فرمانى وقال لى

كن لعينى مبتلا

ولقد قام لحظه

لى على القلب بالقلا

ص: 253

فحّركاه بأرجلهما وقالا له: يا شيخ أين التوبة منك؟ قال: ارفقا بي واسمعا منى: إن إخوانى الذين ذكرتهم لكم البارحة غدوا على في يومهم هذا وحلفوا لى أنه متى عمل الشراب فى لم يخرجونى، فعمل في وفيهم فخرجت وهم لا يعلمون، فإن رأيتما أن تزيدا في العفو فافعلا، فقال صاحب العسس لصاحب الخبر: اكتم على أمره حتى أطلقه، قال: قد فعلت، قال: انصرف يا شيخ، فانصرف الشيخ، فطافا في الليلة الثالثة حتى انتهيا إلى الموضع فإذا هما بالشيخ على مثل تلك الحالة يتغنى:

ارضَ عنى فطال ما قد سخطّتا

أنت ما زلت جافيًا قد عرفتَا

أنت مازلت جافيا لا وصولا

بل بهذا فدتك نفسى الفتا

ما كذا يفعل الكرام بنو النا

س بأحبابهم فلم كنت أنتَا

قال: فحركاه بأرجلهما وقالا له: هذه الثالثة ولا عفو، قال: أخطأتما، قالا: كيف؟ قال:

حدثنى محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين ليلة فإن تاب تاب اللَّه عليه، فإن شربها الثانية لم تقبل له صلاة أربعين ليلة فإن تاب تاب اللَّه عليه، فإن شربها الثالثة لم تقبل له صلاة أربعين ليلة فإن تاب تاب اللَّه عليه، فإن شربها الرابعة لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ثم إن تاب لم يتب اللَّه عليه وكان حقا على اللَّه أن يسقيه من طينة الخبال، فقال عمر بن الخطاب: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار في النار"، والعفو في الثالثة وفي الرابعة غير واجب، قال: فقال صاحب العسس لصاحب الخبر: هي محنة اكتمها على حتى أطلقه قال: قد فعلت، قال: انصرف، فلما كان في الليلة الرابعة طافا حتى انتهيا إلى الوضع فإذا بالشيخ على مثل تلك الحال وهو يتغنّى:

ص: 254

قد كنت أبكى وما حنت لهم إبل

فما أقول إذا ما حمِّل الثِّقلُ

كأننى بك نضو لا حراك له

تدعى وأنت عن الداعين مشتغل

فغلبوك بأيديهم هناك وقد

سارت بأحبابك المهرية الذلل

حتى إذ يئسوا من أن تجيبهم

عضّوا عليك وقالوا قد قضى الرجل

فحركاه بأرجلهما وقالا له: هذه الرابعة فلا عفو، قال: واللَّه ما أسألكما عفوًا بعدها فافعلا ما بدا لكما، قال: فحملاه فأوقفاه بحضرة عمر بن عبد العزيز وقضا عليه قصته من أولها إلى آخرها، فأمر عمر باستنكاهه فوجد منه رائحة، فأمر بحبسه حتى أفاق، فلما كان الغد أقام عليه الحد فجلده ثمانين جلدة فلما فرغ قال له عمر: انصف من نفسك ولا تعد، قال: يا أمير المؤمنين قد ظلمتنى، قال: وكيف؟ قال: إنى عبد وقد حددتنى حدّ الأحرار فاغتم عمر، وقال: أخطأت علينا وعلى نفسك ألا أخبرتنا أنك عبد فنحدّك حد العبيد؟ فلما رأى اهتمام عمر تشدد عليه قال: لا يسؤك اللَّه يا أمير المؤمنين، يكون لى بقية هذا الحد سلفا عندك لعلى أرفع إليك مرة أخرى، فضحك عمر حتى استلقى وكان قليل الضحك، وقال لصاحب عسسه وصاحب خبره: إذا رأيتما مثل هذا الشيخ في هيئته وحلمه وأدبه فاحملا أمره على الشبهة فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: ادرءوا الحدود بالشبهات".

قال ابن الآبار: هذا الخبر أورده الرشاطى كما سقته في باب الحنبلى من كتابه، وهو مما نقد ابن عطية في أشباه له عليه، واعتقد جميعها فكاهات نسبها إليه بل جعلها حكايات غثَة وقال: هي لغو وسفه لا يحل أن تقرأ في جوامع المسلمين على عمارة المساجد، وحكى أن في آخر هذه من ترخيص عمر بن عبد العزيز ما لا يليق بدينه وفضله، فاحتجّ هو بأن هذه الحكاية حدّثه بها أبو على قراءةً منه عليهم، قال: ولا محاباة أنه كان خيرًا منك وأورع أيها المنتقد، فهلّا تأدّبتَ معه لكن الهوى أعماك والتمكين في الدنيا أطغاك، وقد قرأتها على

ص: 255

شيخنا أبي الربيع الحافظ في مشيخة ابن حبيش من تأليفه، وحدثنى بها عنه قراءةً عليه عن أبي الحسن بن موهب عن العذرى، وبين الروايتين خلاف قليل اهـ.

قلت: والحديث من أصله ليس له طريق ثابت كما ذكر أقوال الحفّاظ بذلك الشارح في الكبير.

وذكر ابن حزم في المحلى [13/ 60، 64] بعض الآثار الواردة بذلك ثم قال: وهي كلها لا شيء، ثم بيّن عللها ثم قال: فحصل مما ذكرنا أن اللفظ الذي تعلّقوا به لا نعلمه روى عن أحد أصلًا وهو: "ادرءوا الحدود بالشبهات" لا عن صاحب ولا عن تابع وإنما جاء عن بعض الصحابة مما لم يصح: "ادرءوا الحدود ما استطعتم"، وهذا لفظ إن استعمل أدّى إلى إبطال الحدود جملة على كل حال، وهذا خلاف إجماع أهل الإسلام وخلاف الدين وخلاف القرآن والسنن، لأن كل أحد هو مستطيع أن يدرأ كل حد يأتيه فلا يقيمه، فبطل أن يستعمل هذا اللفظ وسقط أن تكون فيه حجّة.

وأما اللفظ الآخر في ذكر الشبهات فقد قلنا: لا نعرفه عن أحد أصلًا إلا ما ذكرت مما لا يجب أن يستعمل، ثم لا سبيل لأحد إلى استعماله لأنه ليس فيه بيان ما هي تلك الشبهات، فليس لأحد أن يقول في شيء يريد أن يسقط به حدًّا هذا شبهة إلا كان لغيره أن يقول: ليس بشبهة، ولا كان لأحد أن يقول في شيء لا يريد أن يسقط به حدًّا: ليس هذا شبهة إلا كان لغيره أن يقول: بل هو شبهة، ومثل هذا لا يحل استعماله في دين اللَّه تعالى.

172/ 318 - "ادفِنُوا موتَاكم وسْطَ قومٍ صَالِحيَن فإن الميت يتأذَّى بجارِ السوءِ كما يتأذى الحيُّ بجارِ السُّوءِ". (حل) عن أبي هريرة.

ص: 256

قلت: قال أبو نعيم في الحلية [6/ 354]:

ثنا أحمد بن عبيد اللَّه بن محمود ثنا محمد بن عمران بن الجنيد ثنا أبو أحمد شعيب بن محمد الهمدانى ثنا سليمان بن عيسى ثنا مالك عن عمّه أبي سهيل ابن مالك عن أبيه عن أبي هريرة به.

ثم قال: غريب من حديث مالك لم نكتبه إلا من حديث شعيب.

وأورده ابن الجوزى في الموضوعات من عند أبي نعيم ثم قال: لا يصح، سليمان كذّاب.

ورواه داود بن الحصين عن إبراهيم بن الأشعث عن مروان بن معاوية الفزارى عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة به مرفوعا، قال ابن حبّان: داود يحدّث عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات تجب مجانبة روايته والبليّة في هذا منه، قال: وهذا خبر باطل لا أصل له.

وتعقّبه المصنِّف بأن له شواهد فذكر ما أخرجه المالينى في المؤتلف والمختلف من حديث على عليه السلام قال: "أمرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن ندفن موتانا وسط قوم صالحين، فإن الموتى يتأذون بجار السوء كما يتأذّى به الأحياء".

وما أخرجه أيضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات لأحدكم الميّت فأحسنوا كفنه وعجّلوا إنجاز وصيّته وأعمقوا له في قبره وجنبوه جار السوء قيل: يا رسول اللَّه وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة؟ قال: هل ينفع في الدنيا؟ قالوا: نعم، قال: كذلك ينفع في الآخرة".

وما أخرجه الديلمى [1/ 134، رقم 317] أ:

أنبأنا والدى أنبأنا أبو الحسن على بن محمد بن أحمد الميدانى الحافظ ثنا أبو محمد الحسن بن على الجوهرى أنبأنا أبو حفص عمر بن محمد بن على بن يحيى الزيات ثنا أبو محمد عامر بن سيار بحلب ثنا عبد القدوس بن حبيب

ص: 257

الكلاعى عن ابن طاوس عن أبيه عن أم سلمة قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أحسنوا الكفن ولا تؤذوا موتاكم بعويل ولا تأخير وصيّة ولا بقطيعة وعجّلوا قضاء دينه واعدلوا به عن جيران السوء" وأخرجه أبو القاسم بن منده في كتاب الأهوال والإيمان بالسؤال (1).

قلت: غفل الحافظ السيوطى رحمه الله عن شاهد صحيح وجدته لهذا الحديث في الأدب المفرد للبخارى [ص 56، رقم 117] قال:

حدثنا صدقة أخبرنا سليمان بن حيان عن ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة قال: "كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إنى أعوذ بك من جار السوء في دار المقام فإن جار الدنيا يتحول" هكذا وقع الحديث عند البخارى.

ورواه الحاكم في المستدرك [1/ 532، رقم 1951] بلفظ: "اللهم إنى أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحوّل" وقال: على شرط مسلم ولم يخرّجاه.

ثم رواه [1/ 532، 1952] من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد المقبرى أيضا بلفظ: "استعيذوا باللَّه من جار المقامة فإن جار المسافر إذا شاء أن يزايل زال"، وبهذا اللفظ الأخير رواه أحمد في مسنده [2/ 345] إلا أنه قال:"تعوذوا" وهو عندى من تصرّف الرواة.

والصحيح ما رواه البخارى فإن دار المقامة في لسان الشارع هي الآخرة لا الدنيا، وأيضًا لا خصوصية للبادية على الحاضرة في هذا فالحديث كما عند البخارى يشير إلى سؤال مجاورة الصالحين في الدفن فيكون شاهدًا صحيحًا لحديث الباب واللَّه أعلم.

(1) انظر اللألئ المصنوعة (2/ 439).

ص: 258

173/ 322 - "أدْنَى مَا تَقْطَع فِيهِ يَد السَارِقِ ثَمن المجنِ".

الطحاوى، زاد الشارح في مسنده (طب) عن أيمن الحبشى.

قلت: الطحاوى ليس له مسند، وإنما خرّج الحديث في شرح معانى الآثار [3/ 163] فقال:

حدثنا فهد ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهانى أخبرنى معاوية بن هشام عن سفيان عن منصور عن مجاهد وعطاء عن أيمن الحبشى به، وزاد قال:"وكان يقوّم يومئذ دينارا".

174/ 328 - "أدُّوا العزائِمَ واقبَلُوا الرخصَ ودعُوا الناسَ فقد كفيتمُوهم". (خط) عن ابن عمر

قال الشارح: إسناده ضعيف لكن له شواهد.

قلت: لم أجد هذا الحديث في تاريخ الخطيب (1).

وقد رواه الحارث بن أبي أسامه في مسنده قال:

حدثنا الحسن بن قتيبة حدثنا سفيان عن العلاء بن المسيّب عن زيد بن أسلم قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أدوا الفرائض" وذكر مثله، والحسن بن قتيبة متروك.

175/ 329 - "أديموا الحجَّ والعمرةَ فإنهما ينفيانِ الفقر والذنوبَ كما ينفى الكيرُ خبثَ الحديدِ". (قط) في الأفراد (طس) عن جابر

قال في الكبير: قال الهيثمى: فيه عبد الملك بن محمد بن عقيل وفيه كلام

(1) قد أخرجه الخطيب في التاريخ (5/ 203، رقم 2677) من حديث الحسن عن ابن عمر.

ص: 259

ومع ذلك حديثه حسن.

قلت: وللحديث طريق آخر من حديث ابن عباس قال ابن شاهين في الترغيب:

ثنا الباغندى ثنا الحسن بن عثمان الزيادى ثنا شعيب بن صفوان عن الربيع بن الركين الفزارى عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أديموا الحجع والعمرة" الحديث مثله.

176/ 330 - "إذا أتَاك اللَّه مالًا فلْيُرَ أثرُ نَعَمِة اللَّه علَيكَ وكَرامَتُه". (3. ك) عن والد أبي الأحوص

قلت: هذا الحديث كاد [أن] يكون متواترًا بل هو متواتر، فقد ورد من حديث جماعة منهم: عمران بن حصين وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن عمر بن الخطاب وأبو سعيد الخدرى وأبو هريرة وأنس وجابر بن عبد اللَّه وزهير ابن أبي علقمة وعليّ بن زيد مرسلًا وبكر بن عبد اللَّه كذلك وغيرهم.

ورواه عن أبي الأحوص عن أبيه عبد الملك بن عمير وأبو إسحاق السبيعى وهو مشهور من حديثه، رواه عنه شريك وسفيان وزهير وإسماعيل بن أبي خالد وأبو بكر بن عيّاش وشُعبة والمسعودى ومعمر وإسرائيل وآخرون، وقد ذكرت أسانيد جميع هؤلاء من الصحابة والرواة عن أبي إسحاق في المستخرج على مسند الشهاب فأغنى عن إعادته.

177/ 332 - "إذا آخى الرجلُ الرجلَ فليسأَلْه عن اسمِهِ واسمِ أبيه وممن هو، فإنَّه أوْصَل للمودَّةِ".

ابن سعد (تخ. ت) عن يزيد بن نعامة الضبّى

قلت: ورواه أيضا الطبرانى وأبو نعيم في الحلية، أما الطبرانى فقال [22/ 244 رقم 637]:

ص: 260

حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمى والحسين بن إسحاق التسترى قالا: حدثنا يحيى الحمانى ثنا حاتم بن إسماعيل عن عمران بن مسلم القصير حدثنى سعيد ابن سليمان عن يزيد بن نعامه الضبى به.

وأما أبو نعيم فقال [6/ 181]:

حدثنا محمد بن أحمد المقرى ثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمى ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسعيد بن عمرو وضرّار بن صرد قالوا: حدثنا حاتم بن إسماعيل.

178/ 334 - "إذا آمنك الرجلُ على دَمِهِ فلا تَقْتُلْه". (حم. هـ) عن سليمان بن صرد

قال الشارح في الكبير: رمز المؤلف لصحّته وليس كما قال، ففيه عبد اللَّه بن ميسرة قال في الكاشف واهٍ، وفي الميزان عن البخارى: ذاهب الحديث.

وقال في الصغير: رمز المؤلف لصحّته وليس كما قال بل حسن.

قلت: كيف يحسّن ما صرح بأن فيه واهيا ذاهب الحديث.

أما المصنف فالظاهر أنه قلّد في تصحيحه الحافظ البوصيرى في زوائد ابن ماجه، فإن ابن ماجه قال [2/ 896 رقم 2689]:

حدثنا على بن محمد ثنا وكيع ثنا أبو ليلى عن أبي عكاشة عن رفاعة قال: دخلت على المختار في قصره فقال: قام جبريل من عندى الساعة فما منعنى من ضرب عنقه إلا حديث سمعته من سليمان بن صرد فذكره.

قال البوصيرى: إسناده صحيح ورجاله ثقات، لأن رفاعة بن شداد روى له النّسائي ووثّقه، وذكره ابن حبَّان في الثقات [4/ 240] وباقى رجال الإسناد على شرط مسلم اهـ.

وهي غفلة منه، فإن أبا ليلى هو عبد اللَّه بن ميسرة وهو ضعيف لم يخرّج له مسلم فكأن المصنف اعتمد على قوله.

ص: 261

179/ 337 - "إذَا أبردتُم إلى بريدًا فابْعثُوه حَسنَ الوجْه حَسنَ الاسم". البزار عن بريدة

قلت: ورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان [1/ 255] من مرسل لاحق بن حميد فقال:

ذكر عمران بن عبد الرحيم ثنا الحسن الجصّاص صاحب "أمثال مكة والمدينة" ثنا عامر بن يساف عن يحيى بن أبي كثير حدثنى لاحق بن حميد أو غيره قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "إذا أبردتم" وذكره.

180/ 338 - "إذَا أبِقَ العبدُ لَمْ تُقبلْ لَهُ صَلاةٌ". (م) عن جرير

قلت: هذا الحديث روى عن جرير مرفوعًا وموقوفًا وهما في مسند أحمد، وروى عنه بلفظ:"لم تقبل له صلاة"، وبلفظ:"فقد برئت منه الذمة"، "فقد كفر حتى يرجع إليهم"، والألفاظ الثلاثة كلها في مسند (1) أحمد، وصحيح مسلم [1/ 83، رقم (68/ 122)، (69/ 123)، (70/ 124)، وبعضها عند غيرهما كالنّسائى [8/ 204]، والدينورى والبيهقى [7/ 102]، والخطيب [4/ 368].

181/ 334 - "إذَا أتى أحَدُكُم أهلَهُ فليسَتِتْر وَلا يَتجرَّدِان تَجرُّدِ العِيَرْيِن".

(ش. طب. هق) عن ابن مسعود (هـ) عن عتبة بن عبد (ن) عن عبد اللَّه بن سرجس (طب) عن أبي أمامة

وقد ذكر الشارح ما في بعض هذه الطرق من الضعف ثم قال: فرمز المؤلف

(1) انظر مسند أحمد (4/ 362، 364، 365).

ص: 262

لحسنه إنما هو لاعتضاده وتقويه بكثرة طرقه وإلا فقد جزم الحافظ العراقى بضعف أسانيده.

وقال في الشرح الصغير: وهو حسن بشواهده لذاته وفاقا للعراقى وخلافا للمؤلف.

قلت: قابل بين الكلامين واعتبر، ففي الكبير صرّح بأن العراقى جزم بضعف جميع أسانيده وأن المصنف حسنّه، واعتذر له بأنه فعل ذلك لاعتضاده فنسب إليه أنه حسَّنه لغيره وإن لم يقل ذلك المصنف لا بالتصريح ولا بالإشارة، ثم رجع في الصغير فنسب إلى العراقى أنه حسنه لذاته خلافًا للمؤلف الذي حسّنه لغيره، وفي قوله حسّنه بشواهده لذاته عجب عجاب لا ينطق به من شمّ لعلم الحديث رائحة.

182/ 343 - "إذَا أتَى عليَّ يَومٌ لا أْزَدادُ فيه علمًا يقرُّبنى إلى اللَّه تَعَالى فَلا بُورِكَ لِي في طُلُوع شَمْسِ ذَلِكَ اليَوْمِ". (طس. عد. حل) عن عائشة

قلت: أخرجه أيضًا ابن عبد البر في العلم قال [1/ 259 رقم 318]:

حدثنا خلف بن القاسم ثنا الحسين بن جعفر ثنا يوسف بن يزيد ثنا المعلى بن عبد العزيز القضاعى ثنا بقية ثنا الحكم عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن عائشة مرفوعًا به مثله.

قال ابن عبد البر [1/ 260، رقم 319]: ورواه يزيد بن هارون قال:

حدثنا بقيّة ثنا الحكم بن عبد اللَّه عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن عائشة مرفوعًا: "كل يوم يمرّ عليَّ لا أزداد فيه علما يقربنى من اللَّه فلا بلّغنى اللَّه طلوع شمس ذلك اليوم".

وأخرجه أيضًا الخطيب [6/ 100] قال:

ص: 263

أخبرنى أبو الفرج الطناجيرى ثنا على بن عمر الختلى ثنا أبو القاسم عيسى بن سليمان ثنا داود بن رشيد ثنا إبراهيم بن الشماس ثنا بقية بن الوليد به.

أما أبو نعيم فرواه [8/ 188] في ترجمة ابن المبارك من الحلية من غير طريق بقية بل من روايته عن الحكم.

وقد أورده ابن الجوزى في الموضوعات [1/ 233] وأعلّه بالحكم المذكور لأنه كذاب.

183/ 345 - "إذَا أتَاكُم كَرِيمُ قومٍ فأْكِرُموهُ".

(هـ) عن ابن عمر، البزار وابن خزيمة (طب. عد. هب) عن جرر، البزار عن أبي هريرة (عد) عن معاذ وأبي قتادة (ك) عن جابر (طب) عن ابن عباس وعن عبد اللَّه بن ضمرة، ابن عساكر عن أنس وعن عدى بن حاتم، الدولابى في الكنى، وابن عساكر عن أبي راشد عبد الرحمن بن عبد بلفظ:"شريف قومه".

قلت: قد استقصى المؤلف في عزو هذا الحديث، وفاته من مخرجّيه جماعة منهم ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق [ص 61 رقم 71] وأبو نعيم في الحلية [6/ 205] والبيهقى في السنن [8/ 168] أيضا، والقضاعى في مسند الشهاب [1/ 443، رقم 760، 761، 762]، وأبو نعيم في المعرفة، والديلمى في مسند الفردوس [1/ 412 برقم 1355] من حديث جماعة من الصحابة وقد ذكرت أسانيد الجميع في المستخرج.

ثم إن من المخرجّين الذين ذكرهم المصنف الدولابى في الكنى [1/ 31] فزاد

ص: 264

الشارح في الشرحْين من عنده "والألقاب" وهو وهم فإن مصنَّف الدولابى في الكنى والأسماء لا في الألقاب.

184/ 346 - "إذَا جَاءُكُم (1) الزَّائِر فأكْرِمُوه". (هـ) عن أنس

قلت: الحديث أخرجه القضاعى في مسند الشهاب [1/ 445، رقم 763] من طريق الخرائطى ثم من رواية بقية ثنا يحيى بن مسلم عن أبي المقدام عن موسى ابن أنس عن أبيه به.

ورواه الديلمى في مسند الفردوس [1/ 413، رقم 1356] من طريق هلال بن العلاء: ثنا موسى بن أيوب ثنا بقية بن الوليد به.

وذكر ابن أبي حاتم في العلل أنه سأل أباه عن هذا الحديث فقال [2/ 342 رقم 2550]: إنه حديث منكر. ثم إن في عزو هذا الحديث إلى سنن ابن ماجه نظر فإنى لم أجده في نسختى من سنن ابن ماجه.

185/ 347 - "إِذَا أتَاكُم من تَرْضَوْنَ خُلقَهُ ودينهُ فزوِّجُوهُ إِنْ لا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتَنةٌ في الأرْضِ وَفسَادٌ عَرِيضٌ".

(ت. هـ. ك) عن أبي هريرة (عد) عن ابن عمر (ت. هق) عن أبي حاتم المزنى وماله غيره

قلت: حديث أبي حاتم أخرجه أيضا الدولابى في الكنى [1/ 25]:

ثنا العباس بن محمد الدورى ثنا يحيى بن معين قال: حدثنى حاتم بن إسماعيل عن عبد اللَّه بن هرمز الفدكى عن سعيد ومحمد ابنى عبيد عن أبي حاتم المزنى به.

(1) في المطبوع من الفيض: "إذا أتاكم. . ".

ص: 265

وأسنده الذهبى في ترجمة أبي على بن السكن من التذكرة من طريقه قال: حدثنا عبد الوهاب بن عيسى الحافظ أنا عبد الوهاب بن عيسى البغدادى ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا حاتم بن إسماعيل به ثم قال: أبو حاتم صحابى ما روى سوى هذا قاله أبو على.

186/ 349 - "إذا اتّسَعَ الثوبَ فتعطّفْ به على مِنْكَبِيكَ ثُمَّ صلِّ وإنْ ضَاقَ عْنْ ذلك فشد به حِقوْكَ ثم صلِّ بغير رداء".

(حم) والطحاوى زاد الشارح في مسنده عن جابر

قلت: قدمنا أن الطحاوى ليس له مسند وإنما خرجه في شرح معانى الآثار [1/ 382].

187/ 351 - "إذَا اجتمعَ الداعيان فأجبْ أقربَهما بابًا فإنَّ أقربَهما بابًا أقربَهُما جِوَارًا وإن سَبق أحدُهما فأَجِبْ الذي سَبَقَ".

(حم. د) عن رجل له صحبة

قال الشارح: وقد أشار المؤلف لحسنه غافلًا عن جزم الحافظ ابن حجر بضعفه وعن قول جمع: فيه أبو خالد الدالانى. قال ابن حبَّان: فاحش الوهم لا يجوز الاحتجاج به، لكن له شواهد في البخارى:"إن لى جارين فإلى أيّهما أهدى؟ قال: إلى أقربهما منك بابا".

قلت: وحيئذ فهو حسن كما قال المؤلف لأن الراوى الصدوق الموصوف بالوهم إذا ورد حديثه من طريق آخر زال ما يخشى من وهمه وخطئه.

والحديث رواه أيضا الطحاوى في مشكل الآثار [1/ 225، رقم 2797]:

ثنا على بن معبد ثنا إسحاق بن منصور ثنا عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن عن أبي العلاء الأودى عن حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 266

وحديث البخارى الذي استشهد به الشارح أخرجه في الهبات [3/ 208، رقم 2595] والأدب [8/ 13، رقم 6020] من حديث عائشة رضي الله عنها (1) ومن عيوب العزو عند أهل الحديث ذكر الحديث بدون صحابيه كما فعل الشارح.

188/ 362 - "إِذَا اجْتَمَعَ العَالِمُ والعَابدُ عَلَ الصِّرَاطِ قِيلَ للعَابِدَ ادْخُل الجنَّةَ وتنعَّم بعبادَتِكَ وقِيل للعالم قفْ هُنا فاشْفَع لمن احْبَبْتَ فإنَّك لا تَشْفَعُ لأحَدٍ إلا شُعِّعت، فَقَامَ الأَنْبِيَاءِ".

أبو الشيخ في الثواب (فر) عن ابن عباس

قال الشارح في الكبير: وكذا رواه أبو نعيم ومن طريقه أورده الديلمى، فلو عزاه له كان أولى، وقد رمز المؤلف لضعفه وذلك لأن فيه عثمان بن موسى عن عطاء، أورده الذهبى في الضعفاء وقال: له حديث لا يعرف إلا به، وفي الميزان له حديث منكر.

قلت: الديلمى رواه [1/ 396، رقم 1300] من طريق أبي الشيخ ثم من رواية حمزة بن عبيد اللَّه الثقفى: ثنا عثمان بن موسى ثنا أبو عمر القرشى قاضى البصرة حدثنا عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس به.

فعثمان بن موسى لم يروه عن عطاء كما قال الشارح، ثم إن الحديث الذي أشار إليه الذهبى ليس هو هذا، بل هو حديث ابن عباس مرفوعًا:"ملعون من أحفظ وكيله" كذلك قال العقيلى الذي أخذ كلامه الذهبى.

189/ 353 - "إذا أحبَّ اللَّه عَبْدًا ابْتَلاه لَيسَمعَ تَضرُّعَهُ".

(هب. فر) عن أبي هريرة (هب) عن ابن مسعود وكردوس موقوفا عليهما

(1) وأخرجه كذلك في كتاب الشفعة، باب أى الجوار أقرب (3/ 115، رقم 2259).

ص: 267

قلت: قال الديلمى:

أخبرنا أبي أخبرنا يوسف بن محمد بن يوسف الخطيب أخبرنا ابن رزقويه أخبرنا ابن السمّاك ثنا محمد بن أحمد بن البراء ثنا عبد الملك القرقساى ثنا على بن يونس عن يحيى بن عبيد اللَّه عن أبيه عن أبي هريرة

190/ 354 - "إذَا أحبَّ اللَّه قَومًا ابتَلاهُمْ". (طس. هب) والضياء عن أنس

قال الشارح: وهو صحيح.

وقال في الكبير: قال الهيثمى: رجال الطبرانى موثقون سوى شيخه اهـ.

وله طريق آخر فيها النعمان بن عدى متَّهم ومن طريقه أورده ابن الجوزى وحكم بوضعه، ورواه أحمد عن محمود بن لبيد وزاد:"فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع" قال المنذرى: رواته ثقات ولعل المؤلف أغفله سهوا.

قلت: لم يورد ابن الجوزى في الموضوعات هذا الحديث ولا حديثا في معناه أعلّه بالنعمان بن عدى، ولا للنعمان بن عدى ذكر في موضوعاته، بل ولا ذكر في كتب الضعفاء فما أدرى ما يقول الشارح؟!.

وفي الباب عن أبي عنبسة الخولانى، قال الدولابى في الكنى [1/ 46]:

حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد أبو زكريا الحمصي ثنا يمان بن عدى الحضرمى ثنا محمد بن زياد عن أبي عنبسة الخولانى قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن اللَّه إذا أراد بعبد خيرا ابتلاه فإذا ابتلاه اقتناه، قالوا: يا رسول اللَّه وما اقتناه؟ قال: لم يترك له مالا ولا ولدا".

وحديث محمود بن لبيد الذي ذكره خرجه أيضا ابن شاهين في الترغيب عن عبد اللَّه بن سليمان: ثنا محمد بن يحيى النيسابورى، ثنا يحيى بحر بن يحيى

ص: 268

ثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن عاصم بن عمر عن قتادة عن محمود بن لبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

191/ 355 - "إذا أحبَّ اللَّه عَبْدًا حَمَاه الدُّنيا كما يظلُّ أحدُكم يَحْمِى سقِيمَه الماءَ"(1).

(ت. ك. هب) عن قتادة بن النعمان

قال الشارح في الكبير: قال الحاكم: صحيح وأقرّه الذهبى، وقال الترمذى: حسن غريب، وقال المنذرى: حسن ولم يرمز له المؤلف بشيء.

قلت: لكن اختلف في سنده على محمود بن لبيد على أربعة أقوال، فقيل: عنه عن قتادة بن النعمان كما ذكره المصنّف هنا، وقيل: عنه عن أبي سعيد الخدرى، وقيل: عنه عن رافع بن خديج، وقيل: عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما القول الأول: فرواه أيضا عبد اللَّه بن أحمد في زوائد زهد أبيه [ص 26، رقم 57]:

حدثنى محمد بن المثنى أبو موسى ثنا محمد بن جهضم ثنا إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن قتادة ابن النعمان.

ورواه الحاكم [4/ 207، رقم 7464] من طريق عبد العزيز بن معاوية البصرى: ثنا محمد بن جهضم به.

ورواه الترمذى [4/ 381، برقم 2036] من طريق إسحاق بن محمد الفروى عن إسماعيل بن جعفر به.

وأما القول الثانى: فرواه الحاكم [4/ 208، رقم 7465] من طريق يحيى بن يحيى: أنبأنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو عن عاصم بن قتادة

(1) في فيض القدير "إذا أحبّ اللَّه عبدًا حماه من الدنيا كما يحمى أحدكم سقيمه الماء".

ص: 269

عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدرى مرفوعا: "إن اللَّه تعالى ليحمى عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه"، قال الحاكم: كذا قال عن أبي سعيد وفي حديث عمارة بن غزيّة: عن قتادة ابن النعمان والإسنادان عندى صحيحان.

وأما القول الثالث: فقال القضاعى [2/ 296، رقم 1397]:

أخبرنا محمد بن الحسن النيسابورى أنا القاضى أبو طاهر محمد بن أحمد ثنا موسى بن هارون ثنا هيثم بن خارجة عن إسماعيل بن عياش عن عمارة بن غزيّة عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج مرفوعًا مثل لفظ المصنف سواء.

وأما القول الرابع: فقال أحمد في المسند [5/ 428] والزهد [ص 26، رقم 56] معا ثنا أبو سعيد ثنا سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو عن عاصم ابن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه عز وجل ليحمى عبده المؤمن" الحديث مثل لفظ أبي سعيد الخدرى.

وقال الترمذى [4/ 381، برقم 2036]: ثنا على بن حجر ثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو به، وقال: إنه حديث مرسل اهـ.

وذكر ابن أبي حاتم في العلل [2/ 108، رقم 1820] عن أبيه أن هذه الرواية أصح.

وفي الباب عن أنس وحذيفة وقد ذكرتهما بإسناديهما في المستخرج على مسند الشهاب، ثم إن الشارح ختم كلامه في الصغير على هذا الحديث بقوله: ووهم ابن الجوزى، ولعل ذلك وهم من الشارح.

ص: 270