المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الأدلة على مشروعية المساجد الحسية من آثار الصحابة والتابعين] - المشروع والممنوع في المسجد - محمد العرفج

[محمد بن علي العرفج]

الفصل: ‌[الأدلة على مشروعية المساجد الحسية من آثار الصحابة والتابعين]

«يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا» .

[الأدلة على مشروعية المساجد الحسية من آثار الصحابة والتابعين]

ما أثر عن الصحابة والتابعين في مشروعية عمارة المساجد لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لأصحابه رضوان الله عليهم، فحين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتخلفوا عن مشاركته في عمارة المسجد، بل ساهموا في توسعة المسجد مرات متعاقبة، وكان لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمارة المساجد مكانة في نفوس أصحابه، فأنشأوا المساجد وعمروها في أماكن مختلفة، ومواقع متعددة أشير إلى بعض مساهمات الصحابة والتابعين في هذا المجال، فمن ذلك:

(1)

بناء أبي بكر الصديق مسجدا بفناء داره وذلك قبل الهجرة، مما يعد أول ما بني من المساجد في الإسلام، فعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار وبكرة وعشية، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره،

ص: 14

فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين) .

(2)

بناء عمار بن ياسر مسجدا يصلي فيه، وهو أول ما بني في الإسلام بالمدينة، فقد ذكر الجراعي بعض الروايات التي تفيد أن أول من اتخذ مسجدا في بيته يصلي فيه عمار بن ياسر. وأشار إلى سبق أبي بكر لعمار في بناء المسجد، فيكون المراد أن عمار بنى أول مسجد في الإسلام بالمدينة.

(3)

مشاركة الصحابة رضوان الله عليهم في بناء مسجد قباء، وهو المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في قوله تعالى:{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] ومسجد قباء كان أسس بالمدينة أول يوم، فإنه بني قبل مسجد النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم. ولقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاركه صحابته الكرام ببناء مسجد قباء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول

ص: 15

مَنْ وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر فوضع حجرا إلى جانب حجر رسول الله، ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى حجر أبى بكر، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه إلى جنب حجر عمر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ليضع كل رجل حجره حيث أحب» .

(4)

المشاركة في بناء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: فعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم إلى المدينة فنزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم إنه أرسل إلى ملأ بني النجار فجاءوا متقلدين بسيوفهم. قال: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد. قال: فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاءوا فقال صلى الله عليه وسلم: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا» قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. قال أنس: فكان فيه ما أقول: كان فيه نخل وقبور

ص: 16

المشركين وخرب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت قال: فصفوا النخل قبلة وجعلوا عضادتيه حجارة، ولم يكتف عمر ببناء المسجد الأقصى فقط، بل أمر ببناء مسجد عند كل كنيسة.

بالإضافة إلى إنشاء المساجد فقد كان للصحابة والتابعين جهود مشكورة في أعمال التوسعة للمساجد القائمة، وسأقتصر على ذكر بعض التوسعات في المساجد الثلاثة فقط.

أولا: المسجد الحرام: بادر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون إلى توسعة المسجد الحرام كلما اقتضت الحاجة لذلك، فكانت أول توسعة للمسجد الحرام في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم في عهد عثمان رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير، ثم توالت التوسعات من حكام المسلمين من أمويين وعباسيين ومماليك وعثمانيين.

ثم بعد ذلك تعاقب على توسعته وعمارته حكام المسلمين على مر التاريخ، فعمَّره المماليك ثم العثمانيون، حتى كانت العمارة والتوسعة العملاقة في العهد السعودي والتي لم

ص: 17

تتوقف حتى الآن، وآخرها توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله، وهي مستمرة ومتجددة لا تتوقف.

ثانيا: المسجد النبوي: كما قام صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون بتوسعة المسجد الحرام فلم يقصروا في عمارة وتوسعة المسجد النبوي الشريف فأول توسعة للمسجد النبوي الشريف كانت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، حينما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى توسعة المسجد، فبادر عثمان بن عفان رضي الله عنه بالقيام بتكليف هذه التوسعة، فعن قتادة رضي الله عنه قال: كانت بقعة إلى جانب المسجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«من يشتريها ويوسعها في المسجد وله مثلها في الجنة» فاشتراها عثمان فوسعها في المسجد، وفي عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه احتاج المسجد إلى بعض الإصلاحات، فجدده أبو بكر رضي الله عنه، وفي خلافة عمر بن الخطاب قام عمر رضي الله عنه بتوسعته وبنائه سنة سبع عشرة للهجرة.

وفي عهد عثمان رضي الله عنه جدده عثمان تجديدا

ص: 18

كاملا سنة تسع وعشرين هجرية وزاد فيه زيادة كبيرة، فزاد فيه من ناحية القبلة ومن الغرب، وزاد فيه من الشمال أيضا، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، وطلى الجدران بالقصة أو الجبس، وجعل عمده من الحجارة بدل اللبن، وسقفه بخشب الساج، وفتح نوافذ في أعلى الجدار قرب السقف.

ثم بعد ذلك توالت التوسعات وتحسين العمارة على أيدي الحكام المسلمين من أمويين وعباسيين وغيرهم، حتى أعاد الخليفة الوليد بن عبد الملك بناءه فيما بين سنتي ثمان وثمانين وإحدى وستين هجرية، وذلك على أيدي واليه في المدينة عمر بن عبد العزيز، فزاد فيه من جهة الشرق والغرب والشمال، وأدخل فيه حجر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وكان البناء من الحجارة المنقوشة، وجعل سواريه من الحجارة المطابقة، وحشيت بعمد الحديد. إلى أن جاءت التوسعة السعودية الكبيرة وآخرها توسعة خادم الحرمين الشريفين العملاقة جزاه الله عن المسلمين خيرا.

ثالثا: المسجد الأقصى: لا شك أن أول من بنى المسجد الأقصى بعد الفتح

ص: 19

الإسلامي هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ولقد اهتم الخلفاء والملوك ببناء المسجد الأقصى وعمارته في مختلف العصور، وبقي عامرا حتى احتله اليهود فهدموا كثيرا من المباني الإسلامية، وأحرقوا المسجد وأقاموا الحفريات حوله نسأل الله تعالى أن يخلصه من أيديهم.

ص: 20