المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌لماذا الاهتمام بالقراءات القرآنية - المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته

[أحمد مختار عمر]

الفصل: ‌لماذا الاهتمام بالقراءات القرآنية

‌لماذا الاهتمام بالقراءات القرآنية

؟

القراءات القرآنية هي الوجوه المختلفة التي سمح النبيّ صلى الله عليه وسلم بقراءة النص القرآني بها قصدًا للتيسير، والتي جاءت وفقًا للهجة من اللهجات العربية القديمة. وقد تكفل الزركشي (1) بالتفرقة بين القرآن والقراءات بقوله:"القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان. فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كِتبة الحروف، أو كيفيتها، من تخفيف وتثقيل وغيرهما".

كما تكفل ابن الجزري ببيان الحكمة في تعدد القراءات في النص المصحفي (2)، فقال:"فأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بها، والتهوين عليها وتوسعة، ورحمة، وخصوصية لفضلها، وإجابة لقصد نبيها حيث أتاه جبريل فقال له: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال صلى الله عليه وسلم: أسأل الله معافاته ومعونته. إن أمتي لا تطيق ذلك، ولم يزل يردد المسألة حتى بلغت سبعة أحرف"، وبعد أن استشهد ابن الجزري ببعض الأحاديث الصحيحة استمر في بيان الحكمة قائلاً: "إن الأنبياء عليهم السلام كانوا يبعثون إلى قومهم الخاصين بهم، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الخلق: أحمرها وأسودها، عربيّها وعجميّها. وكانت العرب الذين نزل القرآن بلغتِهم لغاتُهم مختلفة، وألسنتهم شتى، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها، أو من حرف إلى آخر. بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك، ولا بالتعليم والعلاج، ولاسيما الشيخ والمرأة، ومن لم يقرأ

(1)(البرهان 1/318)

(2)

(النشر 1/22)

ص: 16

كتابًا. فلو كلفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع".

وزاد ابن قتيبة (1) الأمر تفصيلاً، فقال:" فكان من تيسيره أن أمره الله أن يقرئ كل قوم بلغتهم فالهذلي يقرأ: عتى حين والأسدي يقرأ: تِعْلَمون والتميمي يهمز، والقرشي لا يهمز، والآخر يقرأ: وإذا قيل لهم، وغيض الماء بإشمام الضم ولو أن كل فريق من هؤلاء أُمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلاً وناشئًا وكهلاً لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه".

وحديث نزول القرآن على سبعة أحرف من الأحاديث التي قبلها العلماء واشتهرت بينهم، وتناقلها الثقات جيلا عن جيل (انظر: تفسير الطبري 1/25، والنشر1/12، ولطائف الإشارات 1/31 وغيرها) . وقد روي أن عثمان بن عفان حينما صعد المنبر وسأل من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ" أن يقوم- قام الكثيرون حتى لم يحصوا، فعقب عثمان قائلاً: وأنا أشهد معهم (2) .

وإذا كان العلماء قد اختلفوا في تحديد المراد بالأحرف، والمراد بالسبعة، وهل هي على سبيل الحصر، أو للتعبير عن الكثرة، فإنهم لم يختلفوا في أن الأحرف السبعة ليست هي القراءات السبع التي اختارها ابن مجاهد. يقول ابن الجزري: "لا يجوز أن يكون المراد من الأحرف السبعة هؤلاء السبعة القراء المشهورين - وإن كان يظنه بعضهم- لأن هؤلاء السبعة لم يكونوا قد

(1)(تأويل مشكل القرآن ص30)

(2)

انظر النشر 1/21، والإتقان 1/45

ص: 17

خلقوا ولا وجدوا" (1) .وقد وجه كثير من العلماء اللوم لابن مجاهد لاقتصاره من بين القراء على سبعة، وإيقاعه الناس في الوهم والتلبيس، ولذا يقول السيوطي: "مسبِّع السبعة فعل ما لا ينبغي، وجعل الأمر مشكلا على العامة باختياره، فظن كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الحديث. وليته إذ اختار نقص عن السبعة أو زاد عليها ليزيل الشبهة" (2) .

وإذا كان المشتغلون بالقراءات، المدونون لها قد وقفوا موقفًا متحفظًا من بعض القراءات، فما ذاك إلا لأنهم لاحظوا وقوع بعض القراء في التخليط، وبعض آخر في التفريط، فنخلوا هذه القراءات وميزوا بينها من ناحيتي الإسناد، والمتن. وتحدََّدت هذه المعايير على يد ابن الجزري (توفي 833هـ) في شروط ثلاثة هي:

1-

موافقة العربية ولو بوجه.

2-

موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً.

3-

صحة سند القراءة (3) .

وإذا كان كثير من الأصوليين والفقهاء قد تبعوا ابن مجاهد في اختياره، أو زادوا على السبعة ثلاثة، فهناك كثيرون آخرون رفضوا المفاضلة بين القراءات على أساس تصنيف أصحابها إلى سبعة أو عشرة أو غير ذلك، وفاضلوا بينها على أساس المعايير الثلاثة السابقة، ولذا يقول القسطلاني: "فإذا اجتمعت هذه الثلاثة في قراءة وجب قبولها، وحرم ردها سواء كانت

(1)(النشر1/24)

(2)

(الإتقان 1/80)

(3)

(1/10-12)

ص: 18

عن السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين" (1) . ويقول ابن الجزري:"وقد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ممن هو أعلى مرتبة وأجل قدرًا من هؤلاء السبعة"(2) .

وإذا كان هذا هو رأي المحققين من الفقهاء والقراء والأصوليين الذين نظروا إلى القراءة باعتبارها وسيلة تعبُّد، وطريق تقرُّب، وشرطًا لصحة الصلاة، ومصدرًا للتشريع والتحريم والتحليل - فهناك إلى جانبهم فريق اللغويين الذين نظروا إلى القراءة نظرة مغايرة، لأن هدفهم مختلف، وغايتهم من قبول القراءة ليست العبادة أو الصلاة بها، إنما هي مجرد إثبات حكم لغوي أو بلاغي. ولذا فقد وضعوا شرطًا واحدًا لصحة الاستدلال اللغوي بالقراءة، وهو صحة نقلها عن القارئ الثقة حتى ولو كان فردا، سواء رويت القراءة بطريق التواتر، أو الآحاد، وسواء كانت سبعية، أو عشرية، أو أكثر من ذلك. بل إن ابن جني في مقدمة كتابه المحتسب كان حريصًا على وضع القراءة الشاذة على قدم المساواة مع القراءة السبعية، وذلك بقوله: إنه "نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف بالرواية من أمامه وورائه، ولعله أو كثيرًا منه مساوٍ في الفصاحة للمجتمع عليه"(3)، ويقول في مكان آخر: إنه لا يصح العدول عن المسمى شاذا، لأن الرواية تنميه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) . والقراءة- من زاوية الاستشهاد اللغوي البحت- نص عربيّ، رواه أو قرأ به من يوثق في عربيته، ولهذا فهي- حتى على فرض اختلاف العلماء في صحة التعبد والصلاة بها-

(1)(اللطائف 1/68،69)

(2)

(النشر 1/37)

(3)

(1/32)

(4)

(السابق 1/32، 33)

ص: 19

تحقق شرط اللغوي، وهو النقل عن العربي الثقة، حتى ولو كان فردًا، بل إن السيوطي يصرح بما هو أكثر من ذلك حين ينفي اشتراط العدالة في العربي الذي يستشهد بكلامه.

ومن هذا يتضح أن جمعنا القراءات القرآنية من مصادرها المتعددة، وتقديم ألفاظها في معجم هجائي لم نقصد به الترويج لها ليقرأ المسلمون بها في الصلاة، أو يتعبدوا بها، كما لم نقصد به أن تنافس النص المصحفي المتداول بأشكاله المحددة في شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي.

ولما كانت غايتنا من إثبات القراءات هنا غاية معجمية لا تتجاوز إثبات وجود اللفظ في اللغة، أو ضبط نطقه، أو ذكر معناه، أو غير ذلك من النتائج الجزئية التي لا تعمم حكمًا، ولا تبني قاعدة، فلا يفسد هذه الغاية أن تكون القراءة هي النموذج الوحيد المنقول إلينا، إذ لم يشترط أحد من اللغويين لحجية النص في مثل هذه الحالة كثرة أو قلة.

وإذا كان جمع عثمان المسلمين على مصحف إمام قد أزال الفرقة بينهم، ووحد كلمتهم، وألزمهم بالصلاة والتعبد بنصوصه- فإنّ ذلك لم يلغ ما سجله المسلمون من قراءات على اعتبار أنها - في أضعف حالاتها - تعد نصوصًا لغوية موثقة، وكلامًا عربيًا فصيحًا. وما خالف رسم المصحف من هذه القراءات لا يخرج - حتى في أدنى درجاته- عن أن يكون من باب التفسير، أو الشرح اللغوي الذي كان يسجله بعض الصحابة القراء أو بعض المتلقين عنهم. فلماذا نحرم المسلمين من هذا النوع الموثق من التفسير؟، وإذا كان جمهور العلماء يحظر التعبد بالقراءات التي لم تتوفر فيها الشروط الثلاثة السابق ذكرها، فهناك غايات أخرى كثيرة تروى من أجلها كل القراءات، وتفهرس، وتشرح من مثل ما يأتي:

ص: 20

1-

أن القراءات القرآنية، وطرق التلاوة للنص القرآني تعد المثال الحي الوحيد لطرق نطق الفصحى قديمًا وحديثًا. وكثيرا ما يحتاج اللغوي عند وصف صوت من الأصوات، أو ظاهرة صوتية معينة إلى الاستهداء بنطق المجيدين من قُرّاء القرآن. أما باقي المصادر اللغوية فقد وردتنا مكتوبة لا منطوقة، وكثيرًا ما أوقعت طريقة الكتابة العربية في التصحيف والتحريف.

2-

اشتمال القراءات القرآنية على شواهد لغوية سكتت المعاجم عن ذكرها. وربما كان أظهر مثال لذلك قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} (الأنعام: 91)، من الفعل الثلاثي المخفف. ولكن يشيع في لغة العصر الحديث استخدام كلمة:"التقدير" من الفعل المضعف"قدَّر"، بمعنى عظَّم أو احترم. ونفتش في المعاجم القديمة عن هذا الاستعمال فلا نجد، وتسعفنا القراءات القرآنية فتمدنا بالشاهد، وهو قراءة الحسن وعيسى الثقفي:"وما قدَّروا الله"، قال في الكشاف: وقرئ بالتشديد على معنى: وما عظّموه كنه تعظيمه.

3-

أنه يمكن اتخاذ القراءات القرآنية مرتكزًا لتحقيق التيسير، ودليلاً لتصحيح كثير من العبارات والاستعمالات الشائعة الآن، والتي يتحرج المتشددون من استعمالها. ومن أمثلة ذلك:

أ- ضبط الفعل "تَوَفَّى" بالبناء للمعلوم. ورغم أن الاستعمال الفصيح هو بناؤه للمجهول فقد جاءت القراءة القرآنية مصححة للنطق الحديث. وذلك في قوله تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} (الحج: 5)، فقد قرأها الأعمش وغيره:"وَمِنْكُمْ مَنْ يَتَوَفَّى"، قال النحاس في "إعرابه القرآن"(1)، وأبو حيان في "البحر المحيط" (2) : أي يستوفي أجله.

(1)(2/390)

(2)

(6/353)

ص: 21

ب- تخفيف كلمات مثل "أمسية"، و"أضحية"، و"أمنية". وقد ورد التخفيف في بعض القراءات، مثل:{تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} (البقرة: 111)، {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} (النساء: 123) ، {إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} (الحج: 52) .

ج- ويمثل باب العدد مشكلة كبيرة للمتعلم العربي، فتارة يخالف (تذكيرًا وتأنيثًا) ، وتارة يوافق، وغير ذلك. وتزداد المشكلة بالنسبة للعدد من ثلاثة إلى عشرة، لأن تمييزه جمع، ولابد من رد الجمع إلى مفرده للحكم بالتذكير أو التأنيث. ويحل المشكلة أن يُنصح المتكلم بأن يقدم المعدود ويؤخر العدد، وحينئذٍ تجوز له المطابقة لأنه نعت، والمخالفة لأنه عدد. وقد جاء بالوجهين قوله تعالى:{وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً} (الواقعة: 7) ، حيث قرئ كذلك "وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثلاثًا"(1) .

د- يشيع في العصر الحديث استعمال "كِلا" مع المثنى المؤنث المجازي التأنيث، مثل:"كلا الدولتين"، و"كلا الصحيفتين" وقد جاءت القراءة القرآنية لتصحح هذا الاستعمال، وذلك في قوله تعالى:{كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} ، فقد قرأها ابن مسعود:"كِلا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا"، قال في البحر (2) :"أتى بصيغة التذكير لأن تأنيث الجنتين مجازي".

هـ- تذكر كتب النحو أن من مواضع كسرة همزة "إنّ" وقوعها مفعولا للقول ولكن كثيرًا من المتحدثين يفتحونها الآن. وقد جاء الفتح في بعض القراءات، مثل قراءة المطوعي: {وَلَئِنْ قُلْتَ إنَّكُمْ مَبْعُوثونَ مِنْ بَعْدِ

(1)(مختصر ابن خالويه/15)

(2)

(6/124)

ص: 22

الْمَوْتِ00 ((هود: 7) . قال في البحر (1) : "لأن قلت في معنى: ذكرت". ويجوز أن يكون على تقدير حرف الجر. وحذف حرف الجر قياسي مع "أن".

4-

من الممكن ضم القراءات القرآنية المتواترة والشاذَّة، وإعادة الدراسة لبعض الأبواب الصرفية المضطربة، مثل: أبواب الفعل الثلاثي المجرد. فمن المعروف أن أبواب هذا الفعل تتوزع بين الكسر والفتح والضم في كل من الماضي والمضارع دون ضابط صارم. وأكثر الأبواب شيوعًا في اللغة العربية ما كان بفتح العين في الماضي وضمها أو كسرها في المضارع (طبقًا لقاعدة المخالفة) . ولكن المتحدث يقف حائرًا- إن لم يرجع إلى المعجم- في كثير من الأحيان، هل يخالف إلى الكسر؟ أو الضم؟.

ومن أمثلة القراءات القرآنية ما يسمح بفتح باب الاختيار في حركة المخالفة، فنكسر أو نضم حسب ما شاع على ألسنة المثقفين، وقبله العرف اللغوي الحديث. وقد وردت الأفعال الآتية –وغيرها كثير- بالكسر والضم:

* {ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} (طه: 97) .

* {فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} (المؤمنون: 66) .

* {وَيَومَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} (الفرقان: 17) .

* {وَيَومَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللهِ إِلَى النَّار} (فصلت: 19) .

* {لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (الفرقان: 67) .

* {فَلَمَّا أن أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا} (القصص: 19) .

* {عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} (سبأ: 3) .

(1)(5/205)

ص: 23

5-

بعض القراءات غير المشهورة لا تقل قبولاً- من ناحية المعنى- عن المشهورة ومن أمثلة ذلك:

أ - قراءة الزهري: {وأوفوا بعهدي أُوَفِّ بعهدكم} (البقرة: 40)، وقد عقب ابن جني على هذه القراءة بقوله:"ينبغي أن يكون قرأ بذلك، لأن فعَّلت أبلغ من أفعلت فيكون على: أوفوا بعهدي أبالغ في توفيتكم، كأنه ضمان من الله سبحانه أن يعطي الكثير في مقابل القليل"(1) .

ب- قراءة ابن مسعود: {كلما ردوا إلى الفتنة رُكِّسوا فيها} (النساء: 91) . قال ابن جني: "وجه ذلك أنه شيء بعد شيء، وذلك لأنهم جماعة. فلما كانوا كذلك وقع منه شيء بعد شيء فطال، فلاقى به لفظ التكثير والتكرير، كقوله تعالى:{وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ} (2) .

ج- قراءة: {لا يكادون يُفْقِهون قولاً} (الكهف: 93)، والمشهور "يَفْقَهون". قال الطبري: والصواب عندي من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان، في قراءة الأمصار غير دافعة إحداهما الأخرى. وذلك أن القوم الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر جائز أن يكونوا لا يكادون يَفْقهون قول غيرهم، وجائز أن يكونوا مع كونهم كذلك لا يكادون يُفْقهون غيرهم لعلة بلسانهم أو بمنطقهم" (3) .

(1)(المحتسب 1/81)

(2)

(المحتسب1/ 194)

(3)

(16/14)

ص: 24

6-

من العلماء من أقام تعدد القراءات مقام تعدد الآيات، وتعدد المعاني وعدَّ ذلك ضربًا من ضروب البلاغة، يبتدئ من جمال هذا الإيجاز، وينتهي إلى كمال الإعجاز. (1)

ولا تقف أهمية القراءات عند قيمتها اللغوية، بل تضيف إلى ذلك قيمتها الدينية الكبيرة، وعلى سبيل المثال:

1-

بعض القراءات يعد من باب التفسير اللغوي لبعض الألفاظ، مما يكون له الأفضلية على غيره من التفسيرات، أو يلقي ضوءًا على المعنى المراد من اللفظ، ومن ذلك:

أ- {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} (يوسف: 36)، قرأها ابن مسعود وأبيّ:"أعصر عنبًا".

ب- {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} (مريم: 90)، قرأها ابن مسعود:"يتصدّعن منه".

ج- {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} (الأنبياء: 98) ، قرأها أُبيّ وعلي وعائشة وغيرهم، "حطب جهنم".

د- {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} (النور: 27)، قرأها أبيّ وابن عباس وابن مسعود وغيرهم:"حتى تستأذنوا".

هـ- {كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} (القارعة: 5)، قرأها ابن مسعود:"كالصوف المنفوش".

2-

بعض القراءات قد يبنى عليه حكم فقهي، أو يؤدي إلى استنباط هذا الحكم. ومن ذلك:

(1)(مناهل العرفان 1/142)

ص: 25

أ- قوله تعالى في سورة المائدة: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (المائدة: 38) . وقد جاءت قراءة ابن مسعود لتحديد اليد التي يبدأ بقطعها، وهي:"فاقطعوا أيمانهما".

ب- قوله تعالى في نفس السورة: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} (المائدة: 89) ، وقد قرأ ابن مسعود، وأبيّ وغيرهما:"فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، فدلت القراءة على شرط التتابع.

ج- قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ} (المائدة: 6) . فقراءة حفص بنصب "أرجلكم"، عطفًا على الوجوه والأيدي. وبذلك تكون الأرجل داخلة في الأعضاء المغسولة. أما قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة وغيرهم، فإنها بكسر"أرجلكم"، بالعطف على "الرءوس"، فتكون الأرجل داخلة في المسح مع الرأس. وقد قال الفقهاء إن القرآن نزل بالمسح على الرأس والرجل أوَّلاً، ثم عادت السُّنَّة إلى الغسل. ومنهم من قال إن المسح - في قراءة الجر - للخُفّ، والغسل - في قراءة النصب - لغيره.

د- وجاءت قراءة: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطَّهَّرنَ} مع {حتى يَطْهُرنَ} (البقرة: 222) لتفيد الجمع بين الحكمين المختلفين. فالحائض لا يقربها زوجها حتى تطهُر بانقضاء الحيض، وتَطَّهَّر بالاغتسال، فلابد من الطهرين كليهما في جواز قربان النساء. وهو مذهب الشافعي ومن وافقه.

ص: 26

3-

كثير من القراءات يكمل بعضها بعضًا، أو يفسر بعضها بعضًا. فكما أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، فكذلك القراءات يفسر بعضها بعضًا، ويفسر بعضها بعض القرآن. ونضرب لذلك الأمثلة القليلة الآتية:

أ- يقول تعالى متحدثًا عن فئة من اليهود: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، وَرَاعِنَا. لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} (النساء: 46) . فكانوا يسكتون على {راعنا} لتوهم أنهم يريدون "الرعاية" مع أن قصدهم "الرعونة". ولذا جاءت قراءة الحسن وابن محيصن كاشفة نية اليهود حينما نونت كلمة {راعنًا} ، وهذا واضح من قول بقية الآية:{لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} .

ب- قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} (آل عمران: 161)، وهناك قراءة سبعية {وما كان لنبيّ أن يُغَلّ} - بالبناء للمجهول. فمعنى الأولى: أن يَخُون أصحابه بأخذ شيء من الغنائم خفية. ومعنى الثانية: أن يُخَوَّن– بالبناء للمجهول. وقد جاء في الأثر أن أحد المنافقين قال يوم بدر حين فقدت قطيفة حمراء من الغنيمة: خاننا محمد وغلّنا، فأكذبه الله عز وجل. ولا شك أن القراءتين يكمل بعضهما بعضًا.

ج- قال تعالى: {فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَاّ بِمَا عَلِمْنَا} (يوسف: 81) ، وحيث لم يكن الأخ سارقًا في الحقيقة، وإنما كان متهمًا بالسرقة، جاءت القراءة التالية لتدل على هذا المعنى، وهي:{قالوا يا أبانا إن ابنك سُرِّقَ} بالبناء للمجهول.

ومع اقتناعنا بأن القراءات جميعها تتساوى في ضرورة الاهتمام بها، والتوفر على دراستها، فإننا لم نشأ أن نحرم مستخدم المعجم من التمييز بين درجات القراءات، فذكرنا أمام كل قراءة درجة المصدر الذي وردت فيه. وسوف نزيد هذه النقطة تفصيلاً حين الحديث عن منهجنا في ذلك.

ص: 27

ولا يعني وصف المراجع بعض القراءات بأنها شاذة، وفصلها في معجمنا عن القراءات السبع، والثلاث التي فوق السبع، والأربع التي فوق العشر - لا يعني هذا التقليل من قيمتها أو وضعها في درجة أقل بالنسبة لغيرها من القراءات، وإنما هو اتباع لتصنيف القدماء، واستخدام لمصطلحاتهم، وإن كان لفظ "الشاذ" قد ترك ظلالاً خاطئة، وأوقع بعض العلماء في وهم كنا في غنًى عنه، مما اضطر عالما متقدما، هو ابن الجزري إلى إزالة هذا الوهم بقوله: إن إطلاق بعضهم على ما لم يكن من القراءات السبع شاذًا إطلاق غير موفق، فإن كثيرا مما روي عن غير السبعة أصح من كثير مما روي عنهم.

ولعلنا نرد للقراءات الشاذة بعض قيمتها حين نشير إلى الحقائق الآتية:

1-

أن كثيرًا مما وصفه العلماء بالشذوذ ذكروا أنه من قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم، مثل: فمن اتبع هُدَيّ، الحي القَيّام، ومِنْ عِنْدِه علم الكتاب، ما وَدَعك ربك. (1) .

2-

أن من أشهر من وصفت قراءتهم بالشذوذ عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وعلى بن أبي طالب، وكلنا يعرف قيمة هؤلاء في مجال تسجيل القرآن وحفظه. وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل فليقرأه قراءة ابن أم عبد"(ابن مسعود)، وفى حديث آخر:"استقرئوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبيّ بن كعب"(2) .

3-

وأضيف إلى ذلك أن ستة من السبعة يتصل إسنادهم بأُبيّ، وثلاثة منهم يتصل إسنادهم بابن مسعود.

(1) المحتسب 1/76،151،358، 2/364

(2)

لقد وضع العلماء ضوابط للقراءات المتواترة تتلخص في قول ابن الجزري في طيبة النشر:

فكل ما وافق وجه نحوي

وكان للرسم احتمالا يحوى

وصح إسناداً هو القرآن

فهذه الثلاثة الأركان

وما خرج عن هذه الأركان فهو شاذ بالإجماع. والشذوذ شيء وقيمة الرجال شيء آخر (اللجنة العلمية)

ص: 28