الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المدلسين: "وهذا كله في تدليس الراوي ما لم يتحمله أصلاً بطريق ما؛ فأما تدليس الإجازة والمناولة والوجادة بإطلاق " أخبرنا " فلم يعده أئمة الفن في هذا الباب، كما قيل في رواية أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب، وروايةِ مخرمة بن بكير بن الأشج عن أبيه، وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري، وشبه ذلك؛ بل هو إما محكوم عليه بالانقطاع أو يعد متصلاً؛ ومن هذا القبيل ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي عن الحافظ أبي الحسن الدارقطني أنه كان يقول فيما لم يسمع من البغوي: "قرئ على أبي القاسم البغوي حدثكم فلان" ويسوق السند إلى آخره، بخلاف ما هو سماعه فإنه يقول فيه: "قرىء على أبي القاسم وأنا أسمع"، أو "أخبرنا أبو القاسم البغوي قراءةً "، ونحو ذلك؛ فإما أن يكون له من البغوي إجازة شاملة بمروياته كلها فيكون ذلك متصلاً له، أو لا يكون كذلك فيكون وجادة؛ وهو قد تحقق صحة ذلك عنه؛ على أن التدليس في المتأخرين بعد سنة ثلاث مائة يقل جداً قال الحاكم: لا أعرف في المتأخرين من يُذكر به إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي) (1).
تدليس المتون:
وأضاف أبو المظفر السمعاني نوعاً آخر وهو تدليس المتون، قال:"وأما من يدلس في المتون فهذا مطرح الحديث مجروح العدالة وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه فكان ملحقاً بالكذابين ولم يُقبل حديثه"(2).وهو ما يسميه أهل المصطلح الإدراج.
المبحث الرابع: طبقات المدلسين:
المدلسون ليسوا بمرتبة واحدة فمنهم المقل، ومنهم المكثر، ومنهم بين ذلك، ومنهم من لم يدلس إلا نادراً، يقول العلائي:" ليعلم بعد ذلك أن هؤلاء كلهم ليسوا على حد واحد بحيث إنه يتوقف في كل ما قال فيه واحد منهم عن ولم يصرح بالسماع بل هم على طبقات "(3). وقسم الحافظ العلائي طبقات المدلسين إلى خمس طبقات هي (4):
…
الطبقة الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادرا جدا بحيث إنه لا ينبغي أن يعد فيهم، كيحيى
(1) جامع التحصيل ص 114.
(2)
قواطع الأدلة 2/ 323،وينظر ظفر الأماني، اللكنوي ص380.
(3)
جامع التحصيل ص 113،وطبقات المدلسين، ابن حجر ص13،وظفر الأماني، اللكنوي ص380.
(4)
جامع التحصيل ص 113،وطبقات المدلسين، ابن حجر ص13 - 16.
بن سعيد الأنصاري (1) وهشام بن عروة (2) وموسى بن عقبة (3).
…
الطبقة الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وخرجوا له في الصحيح وإن لم يصرح بالسماع وذلك إما لإمامته أو لقلة تدليسه في جنب ما روى أو لأنه لا يدلس إلا عن ثقة، كالزهري (4) وسليمان الأعمش (5) وإبراهيم النخعي (6) وإسماعيل بن أبي خالد (7) وسليمان التيمي (8) وحميد الطويل (9) والحكم بن عتيبة (10) ويحيى بن أبي كثير (11) وابن جريج (12) والثوري (13) وابن عيينة (14) وشريك (15) وهشيم (16).قال العلائي:"ففي الصحيحين وغيرهما لهؤلاء الحديث الكثير مما ليس فيه التصريح بالسماع، وبعض الأئمة حمل ذلك على أن الشيخين اطلعا على سماع الواحد لذلك الحديث الذي أخرجه بلفظ عن ونحوها من شيخه، وفيه تطويل، الظاهر أن ذلك لبعض ما تقدم آنفا من الأسباب، قال البخاري: لا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ولا عن سلمة بن كهيل ولا عن منصور وذكر مشايخ كثير لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسا ما أقل تدليسه"(17).
…
(1) تنظر ترجمته في التهذيب 11/ 221 - 224.
(2)
تنظر ترجمته في الميزان 4/ 301،والتهذيب 11/ 48.
(3)
تنظر ترجمته في الميزان 4/ 214،والتهذيب 10/ 360.
(4)
تنظر ترجمته في التهذيب 9/ 449.
(5)
تنظر ترجمته في لميزان 2/ 224،والتهذيب 4/ 222.
(6)
تنظر ترجمته في الميزان 1/ 74،والتهذيب 1/ 158.
(7)
ينظر ترجمته في التهذيب 1/ 291.
(8)
ينظر التهذيب 4/ 175،ومما يجدر التنبيه عليه أن الحافظ ابن حجر ذكر في تقريب أهل التدليس ص 37 سلمة بن تمام الشقري بدلا عن التيمي وترجمته في الميزان 4/ 188،والتهذيب 4/ 142.
(9)
الميزان 1/ 610،والتهذيب 2/ 38.
(10)
التهذيب 2/ 432.
(11)
ينظر الميزان 4/ 402،والتهذيب 11/ 268.
(12)
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي فقيه الحجاز مشهور بالعلم والثبت كثير الحديث ينظر الجرح والتعديل 5/ 356 وتهذيب الكمال 18/ 117 والتبيين ص139 وطبقات المحدثين ص41.
(13)
ينظر الميزان 2/ 169،والتهذيب 4/ 111.
(14)
ينظر الميزان 2/ 170،والتهذيب 4/ 117.
(15)
ينظر الميزان 2/ 270،والتهذيب 4/ 333.
(16)
هو ابن بشير، ينظر ترجمته في الميزان 4/ 306،والتهذيب 11/ 59.
(17)
جامع التحصيل ص 113.
الطبقة الثالثة: من توقف فيهم جماعة فلم يحتجوا بهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع وقَبِلَهم آخرون مطلقا كالطبقة التي قبلها: كالحسن (1) وقتادة (2) وأبي إسحاق السبيعي (3) وأبي الزبير المكي (4) وأبي سفيان طلحة بن نافع (5) وعبد الملك بن عمير (6).
…
الطبقة الرابعة: من إتُّفِقَ على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لغلبة تدليسهم وكثرته عن الضعفاء والمجهولين:
…
كابن إسحاق (7) وبقية (8) وحجاج بن أرطاة (9) وجابر الجعفي (10) والوليد بن مسلم (11)،وسويد بن سعيد (12).
…
الطبقة الخامسة: من قد ضُعِّفَ بأمر التدليس فرد حديثهم به لا وجه له إذ لو صرح بالتحديث لم يكن محتجا به كأبي جناب (13)،وأبي سعد البقال (14).
…
وقد سار الحافظ ابن حجر على نهج العلائي في تقسيمه الرواة الموصوفون بالتدليس على خمس مراتب في كتابه طبقات المدلسين، وزاد على ما ذكره الحافظ العلائي في تحصيله عددا من الرواة (15) وهذه المراتب هي:
الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادرا كيحيى بن سعيد الأنصاري (16).
الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة (17).
الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة بشيء من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ومنهم من رد حديثهم مطلقا ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي (18).
الرابعة: من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد (19).
الخامسة: من ضعف بأمر آخر سوى التدليس فحديثهم مردود ولو صرحوا بالسماع الا أن يوثق من كان ضعفه يسيرا كابن لهيعة.
أقول: وهذا التقسيم المذكور قد حرره الحافظ العلائي –كما مر – وقد أفرد أسماء المدلسين بالتصنيف علماء عدة؛ فمن القدماء الحسين بن علي الكرابيسي (20) صاحب الإمام الشافعي ثم النسائي (21) ثم الدارقطني ثم نظم الحافظ شمس الدين الذهبي في ذلك قصيدة ذكرت أسماء المدلسين (22) وزاد عليه تلميذه الحافظ أبو محمود أحمد بن المقدسي (23) من تصنيف العلائي شيئا كثيرا مما فات الذهبي ذكره، ثم ذيل حافظ العصر أبو الفضل بن الحسين الحافظ العراقي في هوامش كتاب العلائي أسماء وقعت له زائدة، ثم ضمها ولده العلامة قاضي القضاة ولي الدين أبو زرعة الحافظ ابن الحافظ (24) إلى من ذكرهم العلائي وجعله تصنيفا مستقلا، وزاد من تتبعه شيئا يسيرا جدا، وأفرد
(1) ذكر مصنفوا الطبقات في هذا الفن ثلاثة كلهم اسمه حسن: وهم الحسن البصري وترجمته الميزان 1/ 527،والتهذيب 2/ 263.،والحسن بن ذكوان وترجمته في الميزان 1/ 489، التهذيب 2/ 276. والحسن بن مسعود الدمشقي، الميزان 1/ 523. والحسن إذا أطلقت إنما يراد بها البصري –كما هو مقرر عند أهل الصنعة-.
(2)
هو السدوسي، ينظر الميزان 3/ 385،والتهذيب 8/ 351 ..
(3)
ينظر الميزان 3/ 270،والتهذيب 8/ 63.
(4)
ينظر الميزان 4/ 37،والتهذيب 9/ 440.
(5)
ينظر الميزان 2/ 342،والتهذيب 5/ 26.
(6)
ينظر الميزان 2/ 660،والتهذيب 6/ 411.
(7)
هو ابن يسار صاحب المغازي. ينظر الميزان 3/ 468،والتهذيب 9/ 38.
(8)
هو بن الوليد، ينظر الميزان 1/ 331،والتهذيب 1/ 473.
(9)
ينظر الميزان 1/ 458،والتهذيب 2/ 196.
(10)
ينظر الميزان 1/ 379،والتهذيب2/ 46.
(11)
جامع التحصيل ص 113.
(12)
ينظر الميزان 2/ 248،والتهذيب 4/ 272.
(13)
ينظر الميزان 7/ 171،والتهذيب 11/ 177.
(14)
ينظر الميزان 3/ 157،والتهذيب 4/ 79.
(15)
طبقات المدلسين ص 12 - 13.
(16)
تقدمت ترجمته.
(17)
تقدمت ترجمته.
(18)
تقدمت ترجمته.
(19)
تقدمت ترجمته.
(20)
قال الأزدي: ساقط لا يرجه اليه، تنظر ترجمته في الميزان 2/ 300.
(21)
كذا ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 1/ 460،والحافظ في النكت ص 261،والطبقات ص 13،ولم أقف عليه لحد الآن، وقد فات الدكتور فاروق حمادة ذكره في مصنفات النسائي.
(22)
ذكرها تقي الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، وكذا أشار إليها سبط بن العجمي في كتابه التبيين لأسماء المدلسين ص30،وذكر أن شيخه المقدسي ذكر له هذه القصيدة ولم يرها.
(23)
ينظر التبيين لأسماء المدلسين، سبط بن العجمي ص30.
(24)
هوالحافظ الإمام الفقيه الأصولي المفنن أبو زرعة أحمد بن الحافظ الكبير أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين اعتنى به والده فأسمعه الكثير من أصحاب الفخر وغيرهم واستملى على أبيه ولازم البلقيني والبرهان الابناسي وابن الملقن والضياء القزويني وغيرهم وبرع في الفنون وكان إماما محدثا حافظا فقيها محققا أصوليا صالحا صنف التصانيف مات سنة ست وعشرين وثمانمائة ينظر طبقات الحفاظ، السيوطي ص28.
المدلسين بالتصنيف من المتأخرين المحدث الكبير المتقن برهان الدين سبط بن عجمي (1) متقيداً بكتاب العلائي فزاد عليهم قليلا.
قال الحافظ ابن حجر:" فجميع ما في كتاب العلائي من الأسماء ثمانية وستون نفسا، وزاد عليهم ابن العراقي ثلاثة عشر نفسا، وزاد عليه سبط اثنين وثلاثين نفسا وزدت عليهما تسعة وثلاثين نفسا فجملة ما في كتابي هذا مئة واثنان وخمسون نفسا ومن عليه رمز أحد الستة فحديثه مخرج فيه"(2).
ولولا خشية الإطالة والإسهاب لسردت أسماء الرواة المدلسين، ولمن أراد ذلك فعليه مراجعتهم في تلك المصنفات العظيمة التي رتبت أسماءهم وعرّفت بهم، مما يغنينا عن التكرار (3).
قلت: وقد يُعترض على هذا التقسيم، كون العلائي قد أطلق وصف التدليس على بعض الرواة ممن عرف بالإرسال فقط ولم يعرف بالتدليس، وذهب إلى تأسيس قاعدة في عدم قبول الروايات المعنعنة لهؤلاء الرواة ما لم يصرحوا بالسماع، ثم سار عليها سبط بن العجمي وابن حجر العسقلاني وجل من جاء بعدهم إلى يوم الناس هذا.
وقد مر أنّ العلائي وابن حجر أصلاً للتفريق بين التدليس والمرسل الخفي، لكن دخل الدخل في تنزيل هذا التفريق على الرواة، حينما قسموا طبقات الرواة وفق ما أطلقه المتقدمون من عبارات، فمن قالوا فيه يدلس أو ذكره النسائي في المدلسين قالا عنه يدلس بمعنى (من روى عمن سمع ما لم يسمع)!
والمتقدمون كما هو مقرر يطلقون التدليس على معانٍ عدة ولا يقصرونه بمعناه عندنا اليوم، ومثاله:
أطلق ابن معين التدليس بمعنى رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع، فقال الدوري في تاريخه (سمعت يحيى يقول في حديث من "وسع على عياله"،قال: حدثنا أبو أسامة، عن جعفر الأحمر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، قلت ليحيى: قد رواه سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن
(1) في كتابه التبيين لأسماء المدلسين.
(2)
طبقات المدلسين ص 15.
(3)
ينظر جامع التحصيل، للعلائي، والتبين لأسماء المدلسين، سبط بن العجمي، وتعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، لأبن حجر العسقلاني، وطبقات المدلسين، له أيضاً وغيرها، وهي مطبوعة ومنتشرة بين طلبة العلم.
محمد، قال يحيى: إنما دلسه سفيان عن أبي أسامة. فقلت ليحيى: فلم يسمع سفيان من إبراهيم بن محمد بن المنتشر؟ فقال: بلى قد سمع منه؛ ولكن لم يسمع هذا سفيان بن عيينة من إبراهيم بن محمد بن المنتشر) (1).
ومنه أيضاً: ما ذكره الدوري بقوله: (سألت يحيى عن حديث هشيم عن أبي إسحاق عن أبي قيس عن هزيل قال قال عبد الله ما أبالي ذكري مسست أو أنفي فقلت له من أبو إسحاق هذا فقال يحيى: هشيم لم يلق أبا إسحاق السبيعي ولم يلق أيضا أبا إسحاق والذي يدلس عنه الذي يقال له أبو إسحاق الكوفي)(2).
ومنه: قول عبد الله بن أحمد بن حنبل: (قلت لأبي كم سمع هشيم من جابر الجعفي؟ قال: حديثين. قلت: فالباقي؟ قال: مدلسة)(3).
وقد أطلقوا التدليس على من روى عمن لم يلقه، وهو ما يسميه الحافظ المرسل الخفي، ومن ذلك قول الدوري:(سمعت يحيى يقول لم يلق يحيى بن أبي كثير زيدَ بن سلام وقدم معاوية بن سلام عليهم فلم يسمع يحيى بن أبي كثير أخذ كتابه عن أخيه ولم يسمعه فدلسه عنه)(4).
وقال ابن حبان في ترجمة سليمان بن موسى الأسدي: (وقد قيل إنه سمع جابراً وليس ذاك بشيء تلك كلها أخبار مدلسة)(5).
فهنا أطلق ابن معين عبارة تدليس على من عاصر ولم يسمع، وأطلقها ابن حبان على من يشك في معاصرته أصلاً، وسماه تدليساً، فالمتقدمون كانوا يتجوزون في هذه العبارات ولا مشاحة فيها عندهم، فهذا مثلا (سليمان بن موسى) وصفه ابن حبان بالتدليس ، ولو اطلع على هذا احدنا اليوم لوصفه بالتدليس وربما ضعف كل حديثه ما لم يصرح بسماعه، ولربما استدركه على العلائي وابن حجر؟؟ في حين أنّ ابن حبان أراد به الإرسال، وقد نص الأئمة كالبخاري وغيره على أنّه لم يسمع من جابر رضي الله عنه ولا غيره من الصحابة (6)،ولم يذكره أحد بالتدليس بتاتاً، فتأمل.
(1) تاريخ الدوري 3/ 452.
(2)
تاريخ الدوري 4/ 377.
(3)
العلل 1/ 255.
(4)
تاريخ الدوري 4/ 407.
(5)
مشاهير علماء الأمصار ص 79.
(6)
ينظر العلل الكبير للترمذي، وتهذيب الكمال 12/ 93،وجامع التحصيل ص 190.
ومنه قول ابن حبان في إسماعيل بن أوسط البجلي: (والي الكوفة لا يصح له صحبة لصحابي وتلك كلها أخبار مدلسة لا أعتمد على شيء منها)(1).
فالرجل ليس مدلساً، ولم يصفه أحد من الأئمة بالتدليس، لأنه لم يثبت له سماع أصلاً من الصحابة، وإنما حديثه من قبيل المرسل الخفي، فلا يطلب له سماع! وإنما يبحث عنه في كتب المراسيل.
لذا فلا يصح أن نصف كل من وصفه الأئمة بالتدليس بأنه مدلس –عندنا- بل يجب تدقيق النظر، ومن ذلك الإمام النسائي مثلا حينما يذكر راوياً في كتابه (المدلسين)،فلا يعني به أنه (يروي عمن سمع منه ما لم يسمع)،بل قد يريد به المرسل الخفي أو من يروي عمن لم يعاصر أصلا؟
وإن تعجب فعجب قول سبط ابن العجمي:" اعلم أنه لا يدخل في المدلسين القسم الذين أرسلوا، وقد ذكر منهم العلائي في كتاب المراسيل جملة وزدت أنا جملة ذكرتهم على هوامش كتابه، لكن الفرق بين التدليس وبين الإرسال الخفي أنّ الإرسال رواية الشخص عمن لم يسمع منه. قال أبو بكر البزار: إنّ الشخص إذا روى عمن لم يدركه بلفظ موهم فان ذلك ليس بتدليس على الصحيح المشهور"(2).
ثم تراه يذكر الحسن البصري –مثلاً- في كتابه التبيين ويقول:" من المشهورين بالتدليس "(3).
وكذا فعل العلائي من قبله (4) وابن حجر من بعده (5)،في حين أنّ الحافظ ابن حجر لما فرق بين المرسل الخفي والتدليس مثل للمرسل الخفي بالحسن البصري، فقال:" المرسل الخفي: ولا يعرفه إلا المدقق في هذه الصناعة، ومن أمثلته أنهم اختلفوا في سماع الحسن من أبي هريرة وورد في بعض الروايات: عن الحسن حدثنا أبو هريرة " فقيل أراد حدث أهل بلدنا وهذا إذا لم يقم دليل قاطع على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة لم يجز أن يضاف إليه" (6).
(1) مشاهير علماء الأمصار ص 163،وينظر أيضاً للمزيد الصفحات:(179و191و192و195).
(2)
التبيين في أسماء المدلسين ص 36.
(3)
المصدر نفسه.
(4)
جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص 161.
(5)
طبقات المدلسين ص 29.
(6)
النكت على ابن الصلاح 2/ 210.
ثم قال في التقريب:" ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرا ويدلس. قال البزار:"كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول حدثنا وخطبنا يعني قومه الذين حدثوا وخطبوا بالبصرة " (1).
واعترض عليه وعده بعض المتأخرين تناقضاً، كونه أطلق عليه التدليس وظاهر كلامه غير ذلك، والجواب عليه: أنما وصف ابن حجر له بالتدليس إنما جاء من ترجيحه أنّ الحسن البصري ثبت سماعه من أبي هريرة رضي الله عنه بالجملة (2) فما رواه عنه من قبيل التدليس إذ روى عنه ما لم يسمعه منه لذا فلا تناقض بين قوليه، والله أعلم.
فالصحيح أن الحسن البصري هو ممن يرسل فقط، ولا يعرف له تدليس (3)،وهذا يعني إلا يطلب له سماع فيما عنعنه وإلا صار حديثه كذباً – حاشاه - وإلا كيف يطلب سماع لمن لم يسمع؟!
وبناء على تفريق ابن حجر بين المرسل والمرسل الخفي والتدليس، فنرى أن تقسيم الرواة على هذه الطبقات الخمسة المذكورة فيه اضطراب وتداخل بين الأحكام، ونرى أن يقسم هؤلاء الرواة المذكورين على أقسام ثلاث فقط، حسب ما ذكره ابن حجر في معرض التعقب على ابن كلام الخطيب:(وقد قال الخطيب في باب المرسل من كتابه الكفاية:"لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس وهو: رواية الراوي عن من لم يعاصره أو لم يلقه، ثم مثل للأول بسعيد بن المسيب وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم وللثاني بسفيان الثوري وغيره عن الزهري. ثم قال: والحكم في الجميع عندنا واحد" (4). انتهى.
فقد (بين) الخطيب في ذلك أن رواية الراوي عمن لم يثبت لقيه ولو عاصره تُعَدُّ إرسالاً لا تدليساًُ.
والتحقيق فيه التفصيل وهو: أن من ذكر التدليس أو الإرسال إذا ذكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه فهو تدليس أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق الإرسال) (5).
(1) التقريب (1227).
(2)
التهذيب 2/ 235.
(3)
وقد كتب الدكتور حاتم الشريف العوني بحثاً نفيساً: (علاقة المرسل الخفي بالتدليس دراسة تطبيقية على مرويات الحسن البصري).
(4)
الكفاية ص 384.
(5)
النكت على ابن الصلاح 2/ 2.
فلابد من التفريق بين هذه الأقسام الثلاثة، إذ القسم الأول، (وهم من عاصر ولم يلق) فهؤلاء لا يبحث فيهم عن سماع الرواة في معنعناتهم، وإنما يبحث عن أصل سماعهم، هل سمعوا أم لا؟ الحسن البصري -مثلا-.
وأما القسم الثاني، فهم من ثبت تدليسهم، فهؤلاء على أنواع مختلفة، حسب اختلاف أنواع التدليس.
وأما القسم الثالث، فهم لم يدركوا أصلا أي لم يعاصروا من رووا عنهم، فهؤلاء لا يبحث عن سماعهم إذ عنعنوا، وإنما يبحث عنهم في كتب المراسيل.