الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلا قسمين: تدليس الإسناد وتدليس التسوية، ويتفرع عن الأول: تدليس العطف وتدليس الحذف. وأما تدليس التسوية فيدخل في القسمين ..... " (1).
وقد قسم اللكنوي التدليس إلى تسعة أقسام ونبه على أن بعض الأقسام تدخل في القسم الأول تدليس الإسناد. (2)
المبحث الثاني: تدليس الإسناد
المطلب الأول: تعريفه
هو المراد بالتدليس عند الإطلاق، وهو أهم صوره وأشهرها وأكثرها وجوداً، وهو أن يروي غير الصحابي عمن سمع منه - أو عمن حصل له من اللقاء به ما يظن معه حصول السماع - ما لم يسمعه منه من حديثه، حاذفاً الواسطة، قاصداً إيهام السماع بإحدى طرق الإيهام. وهو بتعبير آخر: أن يروي الشيخ حديثاً فيسمعه بعض تلامذته عنه، لا منه، أي يسمعه بواسطة وليس من الشيخ مباشرة، ثم بعد ذلك يرويه عن ذلك الشيخ موهماً سماعه إياه منه بحذف الواسطة والتعبير بإحدى الطرق الموهمة للسماع، وهذا النوع من التدليس فيه إخفاء الانقطاع.
وعرف ابن الصلاح تدليس الإسناد بقوله:"أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه قد لقيه وسمعه منه"(3).
وكذا عرفه الخطيب البغداي في كفايته (4) والنووي (5) وابن كثير (6)،وابن جماعة (7) غيرهم.
وعرفه الحافظ العراقي بقوله:"وهو أن يسقط اسم شيخه الذي سمع منه ويرتقي إلى شيخ شيخه أو من فوقه فيسند ذلك إليه بلفظ لا يقتضي اتصال بل بلفظ موهم له كقوله عن فلان أو أن فلانا أو قال فلان موهما بذلك أنه سمعه ممن رواه عنه وإنما يكون تدليسا إذا كان المدلس قد
(1) توضيح الأفكار، الصنعاني 1/ 376.
(2)
ظفر الأماني في مختصر الجرجاني ص380.
(3)
المقدمة ص66.
(4)
الكفاية ص361.
(5)
تقريب النواوي بشرحه تدريب الراوي 1/ 1/222.
(6)
اختصار علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث ص46.
(7)
المنهل الروي ص 72.
عاصر المروي عنه أو لقيه ولم يسمع منه أو سمع منه ولم يسمع منه ذلك الحديث الذي دلسه عنه " (1).
وعلق الحافظ العراقي على تعريف ابن الصلاح بقوله:"إن الذي ذكره المصنف في حد التدليس هو المشهور عن أهل الحديث"(2).
وزاد ابن جماعة في تعريفه:"ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر"(3).
وسار عامة أهل المصطلح على هذا التعريف فجعلوا ما يرويه الراوي عمن "سمع منه" أو "عاصره" ما لم يسمعه منه موهماًَ أنه سمعه منه، بمرتبة واحدة وعدوه تدليساً. وذهب ابن القطان، وابن عبد البر، والعلائي، وابن حجر، والسخاوي، والسيوطي، وغيرهم إلى التفريق بينهما -كما سيأتي-واعترض الحافظ ابن حجر عليه (التعريف) بكونه (غير مانع)،إذ قال في معرض الاعتراض على تعريف ابن الصلاح للتدليس:((وقوله:"عمن عاصره" ليس من التدليس في شيء، وانما هو: المرسل الخفي .... وقد ذكر ابن القطان في أواخر "البيان" (4) له تعريف التدليس بعبارة غير معترضة قال:"ونعني به أن يروي المحدث عمن قد سمع منه ما لم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه، والفرق بينه وبين الإرسال، هو أن الإرسال: روايته عمن لم يسمع منه ولما كان في حديثه ما سمع منه جاءت روايته عنه بما لم يسمعه منه كأنها إيهام لسماعه ذلك الشيء فلذلك سمي
تدليساً "،وهو صريح في التفرقة بين التدليس والإرسال، وأن التدليس مختص بالرواية عمن له عنه سماع بخلاف الإرسال -والله أعلم - وابن القطان في ذلك متابع لابي بكر البزار (5)،وقد حكى شيخنا كلامهما ثم قال:"إن الذي ذكره المصنف في حد التدليس هو المشهور عن أهل الحديث وإنه إنما حكى البزار وابن القطان لئلا يغتر به" (6). قلت - والقائل ابن حجر-لا غرو هنا بل كلامهما هو الصواب، على ما يظهر لي في التفرقة بين التدليس والمرسل الخفي، وإن كانا مشتركين في الحكم هذا ما يقتضيه النظر وأما كون المشهور عن أهل الحديث خلاف ما قالاه ففيه
(1) شرح الفية الحديث، العراقي ص80.
(2)
التقييد والإيضاح ص 97 -
(3)
المنهل الروي ص 72.
(4)
هو ابن القطان الفاسي في كتابه "بيان الوهم والإيهام"،وينظر شرح الألفية للعراقي ص80،وفتح المغيث للسخاوي1/ 170.
(5)
ينظر شرح الألفية للعراقي ص80،وفتح المغيث للسخاوي1/ 170.
(6)
شرح الألفية للعراقي ص 80.
نظر؛ فكلام الخطيب في باب التدليس من "الكفاية" يؤيد ما قاله ابن القطان، قال الخطيب:"التدليس متضمن للإرسال لا محالة، لإمساك المدلس عن ذكر الواسطة وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمعه فقط وهو الموهن لأمره فوجب كون التدليس متضمناً للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا لم يذم العلماء من أرسل وذموا من دلس (1) " أ. هـ كلام الحافظ. (2)
وتمام كلام الخطيب:" والتدليس يشتمل على ثلاثة أحوال تقتضي ذم المدلس وتوهينه فأحدها
ما ذكرناه من إيهامه السماع ممن لم يسمع منه وذلك مقارب الإخبار بالسماع ممن لم يسمع منه" (3).
قال الحافظ: ((قلت: والذي يظهر من تصرفات الحذاق منهم أن التدليس مختص باللقي، فقد أطبقوا على أن رواية المخضرمين مثل: قيس بن أبي حازم وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل المرسل لا من قبيل المدلس. وقد قال الخطيب في باب المرسل من كتابه الكفاية:
لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس وهو: رواية الراوي عن من لم يعاصره أو لم يلقه، ثم مثل للأول بسعيد بن المسيب وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم وللثاني بسفيان الثوري وغيره عن الزهري. ثم قال: والحكم في الجميع عندنا واحد)). انتهى.
فقد (بين) الخطيب في ذلك أن من روى عمن لم يثبت لقيه ولو عاصره مرسل لا مدلس. والتحقيق فيه التفصيل وهو: أن من ذكر التدليس أو الإرسال إذا ذكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه، فهو تدليس أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي. أو عمن لم يدركه، فهو مطلق الإرسال ".
أي: إن الحافظ فرق بين المعاصرة واللقاء في ذلك، وعد الأولى تدليسا والثانية إرسالا خفياً، قال السخاوي:" فخرج باللقاء المرسل الخفي فهما وإن اشتركا في الانقطاع فالمرسل يختص بمن روى عمن عاصره ولم يعرف أنه لقيه كما حققه شيخنا تبعاً لغيره على ما سيأتي في بابه قال وهو الصواب لإطباق أهل العلم بالحديث "(4).
وقال السيوطي:"والفرق بينه وبين الإرسال أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه، قال العراقي: والقول الأول هو المشهور وقيده شيخ الإسلام (5) بقسم اللقاء وجعل قسم المعاصرة إرسالاً خفياً."(6).
وقال العلائي:"قال ابن عبد البر: اختلفوا في حديث الرجل عمن لم يلقه، مثل مالك عن سعيد بن المسيب والثوري عن إبراهيم النخعي فقالت فرقة: هذا تدليس، لأنهما لو شاءا لسميا من حدثهما كما فعلا في الكثير مما بلغهما عنهما، قالوا: وسكوت المحدث عمن حدثه مع علمه به دلسة، قال أبوعمر-يريد ابن عبد البر- فإن كان هذا تدليساً فما أعلم أحداً من العلماء سلم منه في قديم الدهر ولا حديثة اللهم إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان فإنهما ليس يوجد لهما شيء من هذا لا سيما شعبة. وقالت طائفة ليس هذا بتدليس وإنما هذا إرسال، وكما جاز أن يرسل سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وهو لم يسمع منهم ولم يسم أحد من أهل العلم ذلك تدليساً، كذلك مالك في سعيد بن المسيب انتهى كلامه.
والقول الأول ضعيف؛ لأن التدليس أصله التغطية والتلبيس وإنما يجيء ذلك فيما أطلقه الراوي عن شيخه بلفظ موهم للاتصال وهو لم يسمعه منه فأما إطلاقه الرواية عمن يعلم أنه لم يلقه أو لم يدركه أصلاً فلا تدليس في هذا يوهم الاتصال وذلك ظاهر وعليه جمهور العلماء والله أعلم " (7).
وقد اختلف أهل المصطلح في هذا (المرسل الخفي) اختلافاً واسعاً، وكلُّ له أدلته، ولا مجال للزيادة ههنا، وإنما أقول: إن الحافظ ابن حجر رحمه الله لم يخترع هذا المصطلح من قبل نفسه بل سُبق إليه كما مر، وإنما الخلاف وقع في تنزيل المصطلح تطبيقياً، لأن الحافظ ابن حجر محدث وأصولي، فأراد أن يضبط الألفاظ على طريقة المناطقة، لأنه رأى أن القول في التدليس: هو رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، أو عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره بينهم عمومٌ
(1) الكفاية ص375.
(2)
النكت على ابن الصلاح ص 242.وقد جعل المحققان عبارة:" ولهذا لم يذم العلماء من أرسل وذموا من دلس" من كلام الحافظ ابن حجر، والصواب انه من كلام الخطيب كما هو في الكفاية.
(3)
الكفاية ص375.
(4)
فتح المغيث 1/ 183.
(5)
يريد ابن حجر.
(6)
تدريب الراوي 1/ 224.
(7)
جامع التحصيل ص97.