الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: تدليس الشيوخ
المطلب الأول: تعريفه:
وهو أن يروي الراوي عن الشيخ، فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه، بما لم يشتهر به، أو بما لم يعرف به أصلاً؛ فإما أن يُجْهَل - بسبب ذلك - الشيخ المراد تعيينه، أو توافق تسميته تسمية غيره من الثقات أو الكبار أو المشاهير فيوهم ذلك أنه المراد بكلامه.
…
وعرفه العراقي:"بأن يصف المدلس شيخه الذي سمع ذلك الحديث منه بوصف لا يعرف به من اسم كنيته أو نسبة إلى قبيلة أو بلد أو صنعة أو نحو، ذلك كي يوعر الطريق إلى معرفة السامع له"(1). وعلق الحافظ العسقلاني على هذا التعريف بقوله:"ليس قوله مما لا يعرف به قيدا، بل إذا ذكره بما يعرف به إلا أنه لم يشتهر به كان ذلك تدليساً"(2).وهو تعقب متجه، والله أعلم. وعرفه السيوطي بقوله:" تدليس الشيوخ بأن يسمي شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف "(3). وفي هذا القسم من التدليس تضييع للمروي عنه وتوعير لطريق معرفته على من يطلب الوقوف على حاله وأهليته كما قال الإمام ابن الصلاح (4).
…
ويختلف تدليس الشيوخ باختلاف الأغراض فمنهم من يدلس شيخه لكونه ضعيفا أو متروكا حتى لا يعرف ضعفه إذا صرح باسمه ومنهم من يفعل ذلك لكونه كثير الرواية عنه كي لا يتكرر ذكره كثيرا أو لكونه متأخر الوفاة قد شاركه فيه جماعة فيدلسه للإغراب أو لكونه أصغر منه أو لشيء بينهما.
…
وينبغي الاعتناء بمعرفة أسماء الرواة الذين كانوا يتعاطون هذا النوع من التدليس، فإنه يورد ريبة في كل شيخ لأحدهم غير معروف، وكذلك يورد ريبة في روايته عن حافظ ثقة شهير له أصحاب يلازمونه وتفرد عنه بالحديث ذلك المدلس، دونهم، فحينئذ يقوم الاحتمال على أن يكون المسمى بذلك الاسم راوياً آخر غير ذلك الحافظ الشهير، وقد يكون مجروحاً أو مجهولاً، ولكن ذلك المدلس دلس اسمه عمداً، غيَّره ليوافق اسم الحافظ المشهور ليوهم أنه هو شيخه في ذلك الحديث. ومن الكتب المُساعدة على كشف هذا النوع من التدليس (موضح أوهام الجمع
(1) شرح الفية الحديث، العراقي ص83 وينظر المقدمة، ابن الصلاح ص68،واختصار علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث، ابن كثير ص47،والنكت على ابن الصلاح، ابن حجر ص244،وفتح المغيث، السخاوي 1/ 175،وتدريب الراوي، السيوطي1/ 228.
(2)
النكت ص 244.
(3)
تدريب الروي 1/ 228.
(4)
المقدمة ص68.وينظر شرح الفية الحديث، العراقي ص84.
والتفريق) للخطيب البغدادي. ومما يجدر التنبيه عليه: أن هذا النوع من التدليس لا علاقة له بالاتصال والانقطاع، فحقه أن يذكر في كتب المصطلح في أبواب أسماء الرواة وكناهم وألقابهم، ولكن جرت عادة المصنفين في هذا الفن بذكر أنواع التدليس مجتمعة في موضوع الاتصال والانقطاع غالباً؛ ولذلك - أو لغيره - يذكرون هذا النوع في أبوابها.
…
ومن أهم أضرار تدليس الأسماء، ما نبه عليه ابن دقيق العيد رحمه الله: فقال: (فيه -أي تدليس اسم الشيخ الثقة- مفسدة من جهة أنه قد يخفى فيصير الراوي المدلس مجهولاً لا يُعرف فيسقط العمل بالحديث مع كونه عدلاً في نفس الأمر)(1).
…
وعقب عليه الحافظ ابن حجر في (النكت) فقال:" وقد نازعته في كونه يصير مجهولاً عند الجميع، لكن من مفسدته أن يوافق ما يدلَّس به شهرة راو ضعيف يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه، فيصير الحديث من أجل ذلك ضعيفاً وهو في نفس الأمر صحيح؛ وعكس هذا في حق من يدلس الضعيف ليخفي أمره فينتقل عن رتبة من يُرَدُّ خبره مطلقاً إلى رتبة من يتوقف فيه. فإن صادف شهرة راو ثقة يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه فمفسدته أشد؛ كما وقع لعطية العوفي في تكنيته محمد بن السائب الكلبي أبا سعيد، فكان إذا حدث عنه يقول: حدثني أبو سعيد فيوهم أنه أبو سعيد الخدري الصحابي رضي الله عنه لأن عطية كان لقيه وروى عنه؛ وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدليس الشيوخ وأما ما عدا ذلك من تدليس الشيوخ، فليس فيه مفسدة تتعلق بصحة الإسناد وسقمه، بل فيه مفسدة دينية فيما إذا كان مراد المدلس إيهام تكثير الشيوخ لما فيه من التشبع ونظيره في تدليس الإسناد أن يوهم العلو وهو عنده بنزول"(2).
…
ومن أهم أسباب تدليس الشيوخ: أن يكون الشيخ المدلَّس اسمُه: مجروحاً أو مجهولاً أو صغيراً أو قريباً أو تكون أحاديثه مشهورة متداولة قد سمعها أكثر الحاضرين في مجلس المدلس، أو مجلس غيرِه، أو يكون المدلس مكثراً عن ذلك الراوي فيغير تسميته دفعاً للتكرار.
…
وبعبارة أخرى: سبب تدليس الإسناد إرادة إخفاء حقيقة الراوي وإيهام أن الحديث لراو آخر غيره؛ إما بسبب صغره أو قربه أو رغبة الناس عن حديثه أو كراهته أو الخوف من ذكره عند من يعاديه أو كذبه أو تركه أو ضعفه، وذلك أن قوماً سمعوا الحديث من ضعفاء لهم أسماء أو كنى مشهورة عرفوا بها فلو صرحوا بأسمائهم المشهورة وكناهم المعلومة لم يُشتغَل بحديثهم فأتوا
(1) نقله الحافظ ابن حجر في النكت ص251،والصنعاني في توضيح الأفكار 1/ 372.
(2)
النكت على ابن الصلاح ص 251.
بالاسم الخامل وبالكنية المجهولة ليبهموا الأمر ولئلا يعرف ذاك الراوي وضعفه فيزهد في حديثهم. تدليس البلاد:
…
ومما يلتحق بتدليس الشيوخ تدليس البلاد، قال الحافظ ابن حجر:"ويلتحق بتدليس الشيوخ، ومثاله ما إذا قال المصري: (حدثني فلان بالأندلس) وأراد موضعاً بالقرافة؛ أو قال: (بزقاق حلب) وأراد موضعاً بالقاهرة؛ أو قال البغدادي: (حدثني فلان بما وراء النهر) وأراد نهر دجلة، أو قال: (بالرقة) وأراد بستاناً على شاطئ دجلة؛ أو قال الدمشقي: (حدثني فلان بالكرك) وأراد كرك نوح، وهو بالقرب من دمشق"(1).وحكْمه الكراهة، لأنه يدخل في باب التشبع بغير المُعطى، وإيهام الرحلة في طلب الحديث (2). وهم إنما يفعلون تدليس البلاد لإيهام الرحلة أو ليكون البلد المتوهَّم قرينة تُوْهم أن شيخ ذلك المدلس، أو شيخ شيخه، هو أحد مشاهير محدثي ذلك البلد المتوهَّم، مع أنه - في الحقيقة - غيره ولكنه يشاركه في التسمية، دون البلد. وذهب العلامة اللكنوي في ظفر الأماني إلى اعتبار تدليس البلاد قسيماً لتدليس الشيوخ وليس فرعاً منه. وجعله (تدليس البلاد) مندرجاً تحت تدليس الإسناد فخالف فيه جمهور أهل المصطلح، والأصوب هو ما نص عليه الإمام ابن حجر من جعله ملحقاً بتدليس الشيوخ، وهو ما سار عليه عامة علماء المصطلح، والله أعلم (3).
…
ومن يتأمل في أسباب تدليس البلاد: يجد أن غرض من يفعل هذا النوع من التدليس قد اتضح مما تقدم، وهو إخفاء حقيقة موضع التحمل وإيهام أنه موضع آخر؛ إما لإيهام الرحلة أو إيهام السماع من راو شهير من أهل ذلك البلد المراد توهم السماع فيه أو إيهام قدم السماع أو غير ذلك.
…
من تحمل تحملاً سيئاً وحدث عن ذلك السماع وهو يظنه جيداً كافياً للرواية عنه تكُلم في سماعه، فإن أتى بما ينكر عليه ضُعف، فإن أوهم أنه سماع حسن فهو مدلس أو متساهل، وأما إن جزم بأنه حسن وهو يعلم الحال ويميز الفرق بين السماعين السيئ والجيد فهو كاذب.
(1) النكت على ابن الصلاح ص262،وينظر فتح المغيث، السخاوي1/ 184،وتوضيح الأفكار، الصنعاني 1/ 373.
(2)
اينظر ما سبق.
(3)
ظفر الأماني في مختصر الجرجاني ص380.