الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القرآن والعلوم:
وللقرآن وجه اجتماعي من حيث تأثيره في العقل الإنساني، وهو معجزة التاريخ العربي خاصة، ثم هو بآثاره النامية معجزة أصلية في تاريخ العلم كله على بسيط هذه الأرض، من لدن ظهر الإسلام إلى ما شاء الله، لا يذهب بحقها اليوم أنها لم تكن قبل إلا سببًا، فإن في الحق ما يسع الأشياء وأسبابها جميعًا.
وليس يرتاب عاقل -ممن يتدبرون تاريخ العلم الحديث، ويستقصون في أسباب نشأته، ويتشبثون عند الخاطر من ذلك إذا أقدموا عليه؛ وعند الرأي إذا قطعوا به- أنه لو لم يكن القرآن الكريم لكان العالم اليوم غير ما هو في كل ما يستطيل به، وفي تقدمه وانبساط ظل العقل فيه وقيامه على أرجائه، وفي نموه واستبحار عمرانه، فإنما كان القرآن أصل النهضة الإسلامية وهذه كانت على التحقيق هي الوسيلة في استبقاء علوم الأولين وتهذيبها وتصفيتها، وإطلاق العقل فيما شاء أن يرتع منها1، وأخذه على ذلك بالبحث والنظر والاستدلال والاستنباط، وتوفير مادة الروية عليه بما كان سببًا في طلب العلم للعمل، ومزاولة هذا لذاك، إلى صفات أخرى ليس هذا موضع بسطها -وإن لها لموضعًا متى انتهينا إلى بابها من الكتاب- وهذا كله كان أساس التاريخ العلمي في أوروبا. فما من
1 كان العلم عند الأمم التي انطوت قبل الإسلام مما لا يستطيعه إلا طبقات تمتاز به وتبينها الأمم من نفسها كما تبين سائر الطبقات الإلهية، من الملوك والكهنة والأبطال وغيرهم، الذين هم آلهة الأمة، أو أبناء آلهتها، أو الواسطة إلى الآلهة، فكانت العلوم من خصائص الكهنة عند المصريين والأشوريين، وفي أبناء الأشراف خاصة عند الغرناطيين والرومان، وفي طائفة من الشبان يقع عليهم الاختيار عند الهنود واليونان.
وكانت الدنيا القديمة على ذلك أو نحوه لا يصلح العلم إلا أن يكون نظرًا وجدالًا بين طائفة تتنافس فيه. لا لشيء إلا لأنه عملها وبه وزن أقدارها. ومتى كانت المنافسة ضيقة محصورة لا يشايع الناس عليها بعلم ولا يصوبون فيها ولا يخطئون فهي منافسة أهواء وشهوات ونزعات، يكون فيها العلم سلمًا تحطم منها تحت كل قدم ثقيلة درجة.
فلما جاء الإسلام حث على طلب العلم وعلى النظر والاعتبار والاستنتاج؛ وجعل شعار دعوته مثل قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} وقوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ؛ وترادفت أخبار الحث على طلب العلم فيه وفي كلام النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال عليه الصلاة والسلام: "اطلبوا العلم ولو في الصين" فكان هذا سببًا في إطلاق الحرية العلمية للناس جميعًا، وخاصة أهل الأخلاق منهم الذين هم الطبقة الوسطى في كل أمة، والذين بهم قوام الأمة: إذ يحملون ما فوقهم ويمنعون عما تحتهم، وبذلك نضجت المنافسات العلمية وآتت ثمارها، وأفضى الأمر في العلوم إلى ما وقع من الامتحان والاختبار؛ ثم الاختراع والاستنتاج.
وهذا كله لم يعرفه أساتذة اليوم "الأوروبيون" إلا في القرن السادس عشر للميلاد؛ وهم قد أخذوه وأخذوا معه كثيرًا من الفضائل الاجتماعية عن المسلمين وعلمائهم، لا يكابر في ذلك منصفوهم وذوو الأحلام منهم، وإلى الله ترجع الأمور.
موضع في هذا "الأساس" القائم إلا وأنت واجد من دونه قطعة من الآداب الإسلامية أو العقول الإسلامية، أو الحضارة الإسلامية، فالقرآن من هذا الوجه إنما هو الباب الذي خرج منه العقل الإنساني المسترحل، بعد أن قطع الدهر في طفولة وشباب.
وكل دين سماوي فإنما هو طور من أطوار النمو في هذا العقل الإنساني يستقبل به الزمن درجات جديدة في نشأته الأرضية، فما التاريخ كله إلا مقياس عقلي درجاته وأرقامه هذه العصور المختلفة التي يستعين العقل منها مقدار زيادته من مقدار نقصانه.
أما من وجه آخر فإن القرآن إنما هو الدرجة الأبدية التي أجاز عليها العالم في انتقاله من جهة إلى جهة1. وإنا لمستيقنون أن هذه الدرجة هي نفسها التي سيجيز عليها العالم كرة أخرى {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} .
وأما إن هذا القرآن معجزة التاريخ العربي خاصة وأصل النهضة الإسلامية، فذلك بين من كل وجوهه؛ غير أننا سنقول في الجهة التي تتصل بنشأة العلوم، إذ هي سبيل ما نحن فيه من هذا الفصل، وقد أومأنا إلى بدء تاريخ التدوين العلمي وبعض أسبابه في باب الرواية من الجزء الأول من تاريخ آداب العرب، فنقتصر هنا على موجز من أسباب النشأة العلمية.
اختلف المسلمون في قراءة القرآن لعهد عثمان رضي الله عنه كما تقدم في موضعه، وبدأت ألسنة الحضريين ومن في حكمهم من ضعاف الفطرة العربية؛ تجنح إلى اللحن وتزيغ عن الوجه في الإعراب؛ وجعل ذلك يفشو بين المسلمين بعد أن اضطرب كلام العرب فداخله الشيء الكثير من المولد والمصنوع؛ وذهب أهل الفتن يتأولون عن معاني القرآن ويحرفون الكلم عن مواضعه، وخيف على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي الأصل الثاني بعد القرآن؛ ثم فشا الجهل بأمور الدين، وضعف عامة الناس عن حمل العلم وطلبه، واقتصروا من ذلك على أن يفزعوا إلى العلماء بالمسألة فيما يحدث لهم وما يرجون أن يتفقوا فيه، واقتصروا من ذلك على أن يفزعوا إلى العلماء بالمسألة فيما يحدث لهم وما يرجون أن يتفقوا فيه، ثم تباينت آراء العلماء واختلفت أفهامهم فيما يستنبطون من الأحكام وما يتأولون لها من الكتاب والسنة، واختلط أمر الناس، وأقبلت عليهم الفتن كقطع الليل، وامتدت إليهم كأعناق السيل، فكان ذلك كله ما بعث العلماء أن يفترقوا على جهات القرآن؛ حياطة لهذا الدين.
وقيامًا بفروض الكفاية2، يستقبل بعضهم بعضًا بالرفد والمعاونة، ويأخذون على أطراف الأمر كله، وهو أمر لم يكن أكثره على عهد الصحابة رضي الله عنهم يوم كان العلم فروعًا قليلة، إذ كانت الأعلام بينة لائحة، وطريق الإسلام لا تزال فيها آثار النبوة واضحة، ومن ثم جعلت العلوم تنبع من القرآن ثم
1 أي: من المشرق إلى المغرب.
2 كل علم نافع فهو في الشريعة الإسلامية فرض كفاية: إن لم يوجد في الأمة من يتحقق به أثمت الأمة جميعًا، وإن قام به البعض سقط عن الباقين. ولا يعرف مثل هذا الأصل الاجتماعي في غير الإسلام، ولم ترتق الأمم الحديثة إلا به، فإن لكل علم رجالًا ينقطعون له، يحيون به ويموتون عليه، وهم درجات تبنى في تاريخ الإنسانية، فالإسلام كما ترى يفرض على أهله أن يبنوا في هذه الإنسانية، والأمم تفعل ذلك تطوعًا وللحاجة، وبهذا يكون الإسلام أصلًا في التشريع الاجتماعي. وما عداه كالفرع.
تستجيش وتتسع، وأخذ بعضها يمد بعضًا.
قال أحد العلماء: "فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحريز كلماته، ومعرفة مخارج حروفه، وعددها، وعدد كلماته وآياته وسوره وأحزابه وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته، والتعليم عند كل عشر آيات؛ إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة، من غير تعرض لمعانيه، ولا تدبر لما أودع فيه فسموا القراء!
"واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبني من الأسماء والأفعال والحروف العامة وغيرها، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال. واللازم والمعتدي، ورسوم خط الكلمات وجميع ما يتعلق به، حتى إن بعضهم أعرب مشكله، وبعضهم أعربه كلمة"1.
"واعتنى المفسرون بألفاظه، فوجدوا منه لفظًا يدل على معنى واحد، ولفظًا يدل على معنيين، ولفظًا يدل على أكثر، فأجروا الأول على حكمه، وأوضحوا معنى الخفي منه، وخاضوا في ترجيع أحد محتملات ذي المعنيين أو المعاني، وأعمل كل منهم فكره، وقال بما اقتضاه نظره".
"واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية والشواهد الأصلية والنظرية، فاستنبطوا منه، وسمعوا هذا العلم بأصول الدين"2.
"وتأملت طائفة منهم معاني خطابه، فرأت منها ما يقتضي العموم ومنها ما يقتضي الخصوص، إلى غير ذلك، فاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز".
"وتكلموا في التخصيص والأخبار والنص والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه والأمر والنهي والنسخ، إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة واستصحاب الحال والاستقراء، وسموا هذا الفن أصول الفقه".
"وأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام وسائر الأحكام؛ فأسسوا أصوله، وفرعوا فروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطًا حسنًا، وسموه بعلم الفروع، وبالفقه أيضًا".
"وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السالفة، والأمم الخالية، ونقلوا أخبارهم، ودونوا أخبارهم ووقائعهم، حتى ذكروا بدء الدنيا وأول الأشياء؛ وسموا ذلك بالتاريخ3 والقصص".
1 توسع النحاة وأهل اللغة في شواهد القرآن ونقبوا عنها واستعرضوا لها ما انتهى إليهم من كلام العرب، فلا يعرف في تاريخ العلوم اللسانية قاطبة شواهد تبلغ عدتها أو تقاربها أو تكون منها على نسبة متكافئة، فإن مبلغ ما أحصوه من شواهد القرآن فيما ذكروا ثلاثمائة ألف بيت من الشعر، ولعمر أبيك إنها لمعجزة في فنها ولو بلغت الشواهد نصف هذا القدر لكانت المعجزة كاملة.
2 وهو الذي يقال له اليوم علم التوحيد.
3 يجهل كثير من الناس أصل تسمية كتب الوقائع والأحداث وما إليها بالتاريخ، إنما هو أصلها، فكانت في مبدأ أمرها مقصورة على ما في القرآن من أخبار الأولين وقصصهم، ثم أطلقت التسمية فاستعملوها فيما اتسع من هذا العلم، وهو استعمال تواضع عليه أهل القرن الثاني للهجرة، أما في القرن الأول فلم يكن يعرف من معنى "التاريخ" إلا التوقيت، أي: تعيين الوقت.
"وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ التي تقلقل قلوب الرجال، فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد والتحذير والتبشير وذكر الموت والميعاد والحشر والحساب والعقاب والجنة والنار فصولًا من المواعظ وأصولًا من الزواجر، فسموا بذلك الخطباء والوعاظ".
"وأخذ قوم مما في آية المواريث من ذكر السهام وأربابها وغير ذلك علم الفرائض، واستنبطوا منها من ذكر النصف والربع والسدس والثمن حساب الفرائض".
"ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالة على الحكم الباهرة في الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبروج غير ذلك، فاستخرجوا منه علم المواقيت"1.
"ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ، وبديع النظم، وحسن السياق، والمبادئ والمقاطع والمخالص والتلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك، واستنبطوا منه المعاني والبيان والبديع".
انتهى تحصيلًا.
وإنما أوردنا هذا القول لنكشف لك عن معنى عجيب في هذا الكتاب الكريم، فهو قد نزل في البادية على نبي أمي وقوم أميين لم يكن لهم إلا ألسنتهم وقلوبهم، وكانت فنون القول التي يذهبون فيها مذاهبهم ويتواردون عليها، لا تجاوز ضروبًا من الصفات، وأنواعًا من الحكم، وطائفة من الأخبار والأنساب، وقليلًا مما يجري هذا المجرى، فلما نزل القرآن بمعانيه الرائعة التي افتن بها في غير مذاهبهم، ونزع منها إلى غير فنونهم، لم يقفوا على ما أريد به من ذلك، بل حملوه على ظاهره وأخذوا منه حكم زمانهم، وكان لهم في بلاغته المعجزة مقنع، وما دري عربي واحد من أولئك لم جعل الله في كتابه هذه المعاني المختلفة، وهذه الفنون المتعددة، التي يهيج بعضها النظر، ويشحذ بعضها الفكر، ويمكن بعضها اليقين، ويبعث بعضها على الاستقصاء، وهي لم تكن تلتئم على ألسنتهم من قبل؟ بيد أن الزمان قد كشف بعدهم عن هذا المعنى، وجاء به دليلًا بينًا منه على أن القرآن كتاب الدهر كله؛ وكم للدهر من أدلة على هذه الحقيقة ما تبرح قائمة؛ فعلمنا من صنيع العلماء أن القرآن نزل بتلك المعاني، ليخرج للأمة من كل معنى علمًا برأسه، ثم يعمل الزمن عمله فتخرج الأمة من كل علم فروعًا، ومن كل فرع فنونًا إلى ما يستوفى في هذا الباب على الوجه الذي انتهت إليه العلوم في الحضارة الإسلامية؛ وكان سببًا في هذه النشأة الحديثة من بعد أن استدار الزمان وذهبت الدنيا مستدبرة
1 قال بعض المتأخرين: إن الميقات "أي: العلم الذي تعرف به أزمنة الليالي والأيام وأحوالها ومقاديرها لإيقاع العبادات في أوقاتها" مشار إليه في القرآن بقوله تعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} قال: فإن عدد "رفيع" أي: بحساب الجمل: ثلاثمائة وستون وهي عدد درج الليل والنهار. "قلنا": وإذا أطلق حساب الجمل في كلمات القرآن كشف منه كل عجائب العصور وتواريخها وأسرارها. ولولا أن هذا خارج عن غرض الكتاب لجئنا منه بأشياء كثيرة من القديم والحديث.
وأنشأ الله القرون والأجيال لتبلغ هذه الحادثة أجلها ويتناهى بها القضاء، وإن من شيء إلا عند الله خزائنه، ولكنه سبحانه وتعالى بقوله:{وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} .
ولقد كانت النهضة العلمية في زمن بني أمية قائمة بأكثر العلوم الإسلامية التي مرت الإشارة إليها، حتى امتهد أبو جعفر المنصور؛ ثم الرشيد من بعده للنهضة العباسية الكبرى التي نشأت من جمع كلمة أهل الفقه والحديث بعد انشقاقهم زمنًا وافتراق الكلمة بينهم، ومن إقبال الناس على الطلب والاستيعاب، فكان ذلك تهيئة لانشقاق علوم الفلسفة والكلام وما إليها وظهور أهلها وانحياز السنة عنها جانبًا، ثم اجتماعها على مناظرتها؛ فإن المنصور1 لما حج في سنة 163هـ لقيه مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه بمنى على ميعاد، بعد الذي كان مما أنزل به جعفر بن سليمان عامل المنصور على المدينة من الضرب بالسوط وانتهاك الحرمة وإزالة الهيبة2، قال مالك رحمه الله:"ثم فاتحني "يعني المنصور" فيمن مضى من السلف والعلماء، فوجدته أعلم الناس بالناس؛ ثم فاتحني في العلم والفقه فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا عليه وأعرفهم بما اختلفوا فيه، حافظًا لما روى، واعيًا لما سمع، ثم قال لي: يا أبا عبد الله، ضع هذا العلم ودون منه كتبًا، وتجنب شدائد عبد الله بن عمر، ورخص عبد الله بن عباس، وشواذ ابن مسعود، واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رضي الله تعالى عنهم، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك، ونبثها في الأمصار، ونعهد إليهم أن لا يخالفوها ولا يقضوا بسواها. فقلت: أصلح الله الأمير، إن أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يرون في علمهم رأينا. فقال أبو جعفر: "يحملون عليه وتضرب عليهم هاماتهم بالسيف وتقطع ظهورهم بالسياط! " فتعجل بذلك وضعها، فسيأتيك محمد ابني "المهدي" العام القابل إن شاء الله إلى المدينة ليسمعها منك، فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء الله! ".
ثم قدم المهدي على مالك، وقد وضع أجزاء كتابه "الموطأ" فأمر بانتساخها وقرئت على مالك. إلى أن كانت سنة 174هـ فخرج الرشيد حاجا، ثم قدم المدينة زائرًا، فبعث إلى مالك فأتاه فسمع منه كتابه ذلك، وحضره يومئذ فقهاء الحجاز والعراق والشام واليمن، ولم يتخلف من رؤسائهم أحد إلا وحضر الموسم مع الرشيد، وسمع وسمعوا من مالك موطأه كله، ثم أنكروا عليه مسألة فناظروه فيها، حتى إذا كشف لهم عن وجهها وأبان فيها طريق الرواية والتأويل صاروا إلى الرضى بقوله والتصديق لروايته والتسليم لتأويل ما تأول.
لا جرم كان هذا سببًا في اجتماع كلمة الفقهاء، إن لم يكن ديانة فسياسة، ولم يؤثر من بعدها
1 كان المنصور هذا مع تقدمه في الفقه وبراعته في العلوم الإسلامية ذا بصر بالفلسفة والصناعة الفلكية، مؤثرًا لأهل هذه الصناعة؛ وفي أيامه ترجمت طائفة من جياد الكتب، وكان هو أول من أمر بترجمة كتب الفلك والمنطق فقام بالأولى محمد بن إبراهيم الفزاري وأخرج الثانية كاتبه البليغ المشهور عبد الله بن المقفع، فله على العلم كما رأيت يدان.
2 وكان ذلك لأمر بلغ جعفرًا عن مالك، إذ قيل إنه كان يفتي بأن أيمان البيعة لا تحل لبني العباس ولا تلزم الناس؛ لأنهم يبايعون لهم مخافة واستكراهًا.
عن جماعة أهل العراق ما كانوا يستطيلون به على أهل الأمصار الأخرى، من عرض الدعوة وتطويل الحديث. وتخطئة من لا يليهم أو يواليهم؛ وقد كانوا قبل ذلك يربونهم1 ويضيقون عليهم متنفسهم من العلم، ويرون أن هذا العلم عراقي، وأن ليس الأمر مع غيرهم بحيث إذا هو جد فيه رأى المادة مؤاتية وبلغ منه مثل الذي بلوغه وكان دركه حقيقًا بأن يسمى عندهم دركًا، ولعل ذلك جاءهم في الأصل من قبل العربية وأهلها، فقد علمت من "باب الرواية" كيف كانوا يبسطون ألسنتهم ويتنبلون بعلمهم ويذهبون بأنفسهم؛ إذ لم يكن في الأرض أعلم منهم بالعربية؛ ولا أوثق في روايتها، ولا أجمع لأصولها، ولا أصح في ذلك كله2.
ولسنا نريد أن نخوض في الكشف عن مبدأ انتشار العلوم النظرية والعلل الباعثة عليها، ومن كان مع أهلها من الخلفاء ومن كان عليهم فلذلك موضع في كتاب التاريخ هو أملك به وأوفى، غير أننا نوثق الكلمة في أن القرآن الكريم هو كان سبب العلوم الإسلامية ومرجعها كلها بأنه ما من علم إلا وقد نظر أهله في القرآن وأخذوا منه مادة علمهم أو مادة الحياة له، فقد كانت سطوة الناس في الأجيال الأولى من العامة وأشباه العامة شديدة على أهل العلوم النظرية، إلا أن يجعلوا بينها وبين القرآن نسبًا من التأويل والاستشهاد والنظر، أو يبتغوا بها مقصدًا من مقاصده، أو يريغوا معنى من معاني التفقه في الدين والنظر في آظار الله، إلى ما يشبه ذلك مما يكون في نفسه صلة طبيعية بين أهل العقول والبحث وأهل القلوب والتسليم3.
1 يقال فلان لم يزل يسأل فلانًا حتى أرباه بالمسألة، وذلك إذا سأله حتى ضايقه كأنما أصابه بالربو، وهو عسر النفس.
2 مما يذكرونه من صنع الرشيد للفقهاء وعلومهم، هذا الخبر الذي يروى عن زاهد وقته وعالم دهره عبد الله بن المبارك المتوفى سنة 182هـ: وذلك أن الرشيد حين قدم الرقة؛ لقي عبد الله هذا، فلما هم بالقيام من عنده -وكان قد زاره في داره- قال ابن المبارك: يا أمير المؤمنين، إني أخشى أن يكون العلم قد ضاع قبلك كما ضاع عندنا، فقال الرشيد: أجل، إنه ما قلت. ثم لما قدم الرشيد العراق كان أول ما ابتدأ فيه النظر: أن كتب إلى الأمصار كلها، وإلى أمراء الأجناد: أما بعد، فانظروا من التزم الأذان عندكم، فاكتبوه في ألف من العطاء، ومن جمع القرآن وأقبل على طلب العلم وعمر مجالس العلم ومقاعد الأدب، فاكتبوه في ألفي دينار من العطاء، ومن جمع القرآن وروى الحديث وتفقه في العلم واستبحر، فاكتبوه في أربعة آلاف دينار من العطاء؛ وليكن ذلك بامتحان الرجال السابقين لهذا الأمر من المعروفين به من علماء عصركم وفضلاء دهركم، فاسمعوا قولهم وأطيعوا أمرهم فإن الله تعالى يقول:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} . وهم أهل العلم.
قال ابن المبارك: فما رأيت عالمًا ولا قارئًا للقرآن ولا سابقًا للخيرات ولا حافظًا للمحرمات في أيام بعد أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه.
وهذا الخبر وإن كان إلى المبالغة ما هو، ولكنه في أصله حقيق بالتصديق، فإن مناقب الرشيد رحمه الله كثيرة لا تضيق من دونه، وقد صحت الرواية بأنه ما اجتمع على باب خليفة قبله ما اجتمع على بابه من الشعراء وأهل الأدب، وقد كانت يتفقدهم ويتقدم في طلبهم ويحظيهم ويفضل عليهم، وما هذه الرواية إلا بسبيل من تلك، ولتلك أقرب إلى الحق وأعلق بأسباب الزمن.
3 مما نورده تفكهة وبيانًا لاعتقاد العامة من أهل العقول، أيام كان القلب أكبر من العقل، ما رواه المسعودي: أن أبا خليفة الفضل بن الحباب الجمحي المتوفى سنة 305هـ "وكان فصيحًا معربًا لا يتكلف الإعراب بل صار=
وما يزال أثر ذلك ظاهرًا في فواتح الكتب العلمية لذلك العهد على اختلافها فما تستفتح من كتاب إلا أصبت في مقدمته غرضًا من تلك الأغراض التي أشرنا إليها، أو ما يصلح أن يكون غرضًا منها1؛ ثم هو أمر ليس أدل على تحقيقه من كتب التفسير، فإنه لا يعرف في تاريخ العالم كله -من لدن أرخ الناس- كتاب بلغت عليه الشروح والتفاسير والأقوال والمصنفات المختلفة ما بلغ من ذلك على القرآن الكريم ولا شبيهًا به ولا قريبًا منه، حتى فسرته الروافض بالجفر، على فساد ما يزعمون وسخافة ما يقولون، وعلى سوء الدعوى فيما يدعون من علم باطنه بما وقع إليهم من ذلك الجفر2
= له كالطبع لدوام استعماله إياه من عنفوان حداثته، خرج مع بعض أصحابه متفكهين إلى نهر من أنهار البصرة وقد غيروا ظواهر زيهم كيلا يعرفهم الناس، وكان ذلك أيام المبادئ وهي الأيام التي يثمر فيها التمر والرطب فكبسونه في القواصر "أوعية التمر" تمرًا؛ وتكون حينئذ البساتين مشحونة بالرجال ممن يعمل في التمر من الأكرة "الزراع" وغيرهم، فلما أكلوا قال بعضهم لأبي خليفة غير مكن له خوفًا أن يعرفه من حضر من العمال في النخل: أخبرني "أطال الله بقاءك" عن قول الله عز وجل: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} هذه الواو ما موقعها من الإعراب؟ قال أبو خليفة: موقعها رفع، وقوم "قوا" هو أمر للجماعة من الرجال. قال له: كيف تقول للواحد من الرجال وللاثنين؟ قال: يقال للواحد من الرجال: ق، وللاثنين قيا، وللجماعة قوا. قال: كيف تقول للواحدة من النساء، وللاثنين، وللجماعة منهن؟ قال أبو خليفة: يقال للواحدة قي، وللاثنتين قيا، وللجماعة قين. قال: فأسألك أن تعجل بالعجلة: كيف يقال للواحد من الرجال والاثنين والجماعة وللواحدة من النساء والاثنين والجماعة منهن؟ قال أبو خليفة "وهو ينطق" عجلان: ق، قيا، قوا، قي، قيا، قين.
وكان بالقرب منهم جماعة من الأكرة، فلما سمعوا ذلك استعظموه، وقالوا: يا زنادقة، أنتم تقرءون القرآن بحرف الدجاج..؟ وغدوا عليهم فصفعوهم؛ فما تخلص أبو خليفة والقوم الذين كانوا معه من أيديهم إلا بعد كد طويل. وتروى هذه النادرة على وجه آخر، ولكن رواية المسعودي أملح؛ وكلتا الروايتين إلى مآل واحد، وفي رواية أخرى يقول الرجل العاصي:"إنهم زنادقة يقرءون القرآن على صياح الديكة".
وروى ابن الأنباري في "طبقات الأدباء": أن محمد بن المستنير المعروف بقطرب المتوفى سنة 206هـ لما صنف كتابه في التفسير؛ أراد أن يقرأه في الجامع؛ فخاف من العامة وإنكارهم عليه؛ لأنه ذكر فيه مذهب المعتزلة؛ فاستعان بجماعة أصحاب السلطان ليتمكن من قراءته في الجامع. والأخبار من مثل ذلك غير قليلة.
1 ومن ذلك أن "حكم الشارع" صار عند المتأخرين أحد المبادئ العشرة لكل فن.
2 قال ابن قتيبة "في تأويل مختلف الحديث": هو جلد جفر ادعوا أنه قد كتب لهم الإمام فيه كل ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم القيامة، ثم أورد أمثلة من تفسبرهم، فمن ذلك قولهم في قول الله عز وجل:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} : إنها عائشة رضي الله عنها. وفي قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} : أنه طلحة والزبير، وقولهم في آية الخمر والميسر: إنهما أبو بكر وعمر. وفي آية الجبت والطاغوت: إنهما معاوية وعمرو بن العاص. إلخ إلخ، وكان بعض أهل الأدب يقول: ما أشبه تفسير الرافضة للقرآن إلا بتأويل رجل من أهل مكة للشعر، فإنه قال ذات يوم: ما سمعت بأكذب من بني تميم زعموا أن قول القائل:
بيت زرارة محتب بفنائه
…
ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
أنه في رجال منهم. قيل له: فما تقول أنت فيهم؟ قال: البيت بيت الله، وزرارة الحجر. قيل: فمجاشع؟ قال: زمزم جشعت بالماء. قيل: فأبو الفوارس؟ قال: أبو قيس. قيل: فنهشل؟ قال: نهشل أشدها. وفكر ساعة ثم قال: نهشل مصباح الكعبة؛ لأنه طويل أسود، فذلك نهشل. ا. هـ.
والمراد بالجفر رق صنع من جلد البعير. ومن أراد الاتساع في معرفته فليرجع إلى ما نقله صاحب كشف الظنون في معنى علم الجفر والجامعة وأهل هذا العلم=
واستنبط منه غيرهم إشارات من الغيب بضروب من الحساب، كهذا الذي ينسبونه إلى الحسن بن علي رضي الله عنه من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في رؤياه ملوك بني أمية رجلًا رجلًا، فساءه ذلك، فأنزل الله عليه ما يسري عنه من قوله في القرآن:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} قالوا: يعني بألف شهر مدة الدولة الأموية! فقد كانت أيامها خالصة ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر مجموعها ألف شهر سواء1 وحتى زعم بعضهم أن الكلمات التي في أوائل السور إنما تحتوي مدد أعوام وأيام لتواريخ أمم سالفة، وإن فيها تاريخ ما مضى وما بقي مضروبًا بعضها في بعض، إلا كثير من مثل هذا مما يخطئه الحصر، وإنما أشرنا إلى بعضه لغرابته؛ ولأن أغرب ما فيه أنه عند أهله من بعض ما يفسر به القرآن2.
= وقد كشف ابن خلدون في مقدمته من فصل ابتداء الدول والأمم عن شيء من مسمى هذا الجفر، ونقل إنه كان جلد ثور صغير. وأن هارون العجلي روى ما فيه عن جعفر الصادق وكتبه في كتاب سماه الجفر، قال: وكان فيه تفسير القرآن وما في باطنه من غرائب المعاني.
وعندنا أن كل ذلك موضوع وباطل، وأن الكلام فيه أسلوب من أساليب القصص وضرب من التهويل والمبالغة، ولا نظن أن علم ما كان وما يكون شيء يسعه أو يسع الرمز إليه جلد ثور، إلا أن يكون هذا الثور هو الذي قيل فيه إنه كان يحمل الأرض قديمًا على أحد قرنيه!
1 ومن أعجب ما وقفنا عليه، أن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي أمر في حلب بصنع منبر لبيت المقدس قبل فتحه وانتزاعه من أيدي الإفرنج بنيف وعشرين سنة. قال صاحب "الروضتين" بعد أن ذكر أن هذا قد يكون كرامة له: ثم يحتمل أن يكون "رحمه الله" وقف على ما ذكره أبو الحكم بن برجان الأندلسي في تفسيره، فإنه أخبر عن فتح القدس والسنة التي فتح فيها، وعمر نور الدين إذ ذاك إحدى عشرة سنة، وقد رأيت أنا ذلك في كتابه: ذكر تفسير أول سورة الروم، أن البيت المقدس استولت عليه الروم عام سبع وثمانين وأربعمائة، وأشار أنه يبقى بأيديهم إلى تمام خمسمائة وثلاث وثمانين سنة، قال: ونحن في عام اثنتين وعشرين وخمسمائة، فلم يستبعد نور الدين "رحمه الله" لما وقف عليه أن يمتد عمره إليه، فهيأ أسبابه حتى منبر الخطابة فيه، تقربًا إلى الله تعالى بما يبديه من طاعته ويخفيه، قال: وهذا الذي ذكره أبو الحكم الأندلسي في تفسيره من عجائب ما اتفق لهذه الأمة المرحومة، وقد تكلم عليه شيخنا أبو الحسن علي بن محمد في تفسيره الأول فقال: وقع في تفسير أبي الحكم الأندلسي في أول سورة الروم إخبار عن فتح بيت المقدس، وأنه ينزع من أيدي النصارى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. قال لي بعض الفقهاء: إنه استخرج ذلك من فاتحة السورة. قال: فأخذت السورة وكشفت عن ذلك فلم أره أخذ ذلك من الحروف، وإنما أخذه فيما زعم من قوله تعالى:{غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ} .
فبنى الأمر على التاريخ كما يفعل المنجمون ثم ذكر أنهم يغلبون في سنة كذا على ما تقتضيه دوائر التقدير. قلنا: وكيفما كان الأمر فإنه لمعجزة.
2 أما المتصوفة ومن يقلدون علم الباطن فلا حصر لمذاهبهم وأقوالهم في تفسير القرآن. وبخاصة المتأخرين منهم لهم في ذلك المزاعم العريضة مما يخرج عن أن يكون من علم الناس فإلى الله أمره. وقد ذكر الشيخ محيي الدين بن العربي في "الفتوحات" عند تفسير قوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} أن قوله: {أحْصَيْنَاه} يدل على أنه تعالى ما أودع فيه إلا علومًا متناهية مع كونها خارجة عن الحصر لنا. قال: وقد سألت بعض العلماء بالله تعالى: هل يصح لأحد حصر "أمهات" هذه العلوم؟ فقال: نعم، هي مائة ألف نوع وتسعة وعشرون ألف نوع وستمائة نوع، كل نوع منها يحتوي على علوم لا يعلمها إلا الله تعالى. ا. هـ بنصه.
قلنا: قد ألف بعض علماء القوم كتابًا سماه "تنبيه الأغنياء، على قطرة من بحر علوم الأولياء" كانت هذه=
وقد أوردنا في باب الرواية من التاريخ أن أبا علي الأسواري القاص البليغ، فسر القرآن بالسير والتواريخ ووجوه التأويلات، فابتدأ في تفسير سورة البقرة، ثم لبث يقص ستا وثلاثين سنة، ومات ولم يختمه، وكان ربما فسر الآية الواحدة في عدة أسابيع لا يني ولا يتخلف، وليس في هذا الخبر شيء من المبالغة أو التزيد، بل عسى أن يكون الأمر مع أهل التحقيق والاطلاع أبلغ منه، وهذه كتب التفسير التي عدها صاحب "كشف الظنون" وسرد أسماءها في كتابه، تبلغ ثلاثمائة ونيفًا، والرجل إنما عد بعضها كما يقول. وأنت فلا يذهبن عنك أن كل كتاب منها فإنما هو في المجلدات الكثيرة إلى مائة مجلد، وإلى ما يفوق المائة أحيانًا، فقد رأينا في بعض كتب التراجم أن أبا بكر الأدفوي المتوفى سنة 388هـ صنف "كتاب الاستغناء" في تفسير القرآن في مائة مجلد، وكان منفردًا في عصره بالإمامة في أنواع من القراءات والعربية وفنون كثيرة من العلم، وذكر الفيلسوف "أرنست رنان" أنه وقف على ثبت يدل على أنه قد كان في إحدى مكاتب الأندلس التي أحرقت تفسير القرآن في ثلاثمائة مجلد. وذكر الشعراني في كتابه "المنن" تفسيرًا قال إنه في ألف مجلد.
وهذا كله غير ما أفرد بالتصنيف من الكتب والرسائل التي لا تحصى في مسائل من القرآن وفي مشكله وغريبه ومجازه ومعانيه وضميره وشواهده وأسلوب نظمه والمتشابه من آياته وأمثاله وحروفه وإعرابه وأسمائه وأعلامه وناسخه ومنسوخه وأسباب نزوله، إلى كثير في مثل ذلك مما خفيت فيه أقلام العلماء، بحيث لا يعلم إلا الله وحده كم يبلغ ما وضع لخدمة كتابه الكريم؛ ولا يعلم الناس من ذلك إلا أنه معجزة من معجزات التاريخ العلمي في الأرض لم يتفق له في ذلك شبيه من أول الدنيا إلى اليوم، ولن يتفق.
وقد استخرج بعض علمائنا من القرآن ما يشير إلى مستحدثات الاختراع وما يحقق بعض غوامض العلوم الطبيعية، وبسطوا كل ذلك بسطًا ليس هو من غرضنا فنستقصي فيه1 على أن هذا ومثله إنما
= القطرة فيه زهاء ثلاثة آلاف علم، فترى ما عسى أن يكون البحر؟ اللهم إن السلامة في الساحل، ولكن لبعض المحققين من مشايخ الصوفية دقائق في تفسير لا تتفق لغيرهم لسمو أرواحهم ونور بواطنهم ومنهم كان الإمام السلطان الحنفي صاحب المقام المشهور في القاهرة. سمعه يومًا شيخ الإسلام البلقيني يفسر آية فقال: لقد طالعت أربعين تفسيرًا فما وجدت فيها شيئًا من تلك الدقائق. ويزعم الشيعة أن عليا رضي الله عنه أملى ستين نوعًا من أنواع علوم القرآن وذكر لكل نوع منها مثالًا يخصه، وأن ذلك في كتاب يروونه عنه من طرق عدة وهو في أيديهم إلى اليوم وذلك وإن كان قريبًا فيما يعطيه ظاهره؛ غير أنه بالحيلة على تقريبه من الحقيقة صار أبعد منها وأمحض في الزعم.
1 من ذلك طريقة التصوير الشمسي بإمساك الظل، وهي في قوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} فتأمل قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ} فإن هذه الحروف تكاد تنطق بأن هذا الأمر سيكون لا محالة. ومنها كشفهم أن مادة الكون هي الأثير، والله تعالى يقول في بدء الخلق:{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} ومنها حققوه من أن الأرض انفتقت من النظام الشمسي، والله تعالى يقول في السموات والأرض:{كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} ومنها ثبوت أنه لولا الجبال لاضطربت دورة الأرض؛ وذلك لقوله تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} ، ومنها تحقيق أن كل شيء حي فهو من الماء وأن للجماد=
يكون فيه إشارة ولمحة ولعل متحققًا بهذه العلوم الحديثة لو تدبر القرآن وأحكم النظر فيه وكان بحيث لا تعوزه أداة الفهم ولا يلتوي عليه أمر من أمره
…
لاستخرج منه إشارات كثيرة تومئ إلى حقائق العلوم وإن لم تبسط من أنبائها، وتدل عليها وإن لم تسمها بأسمائها، بل وإن في هذه العلوم الحديثة على اختلافها لعونًا على تفسير بعض معاني القرآن والكشف عن حقائقه، وإن فيها لجمامًا وذرية لمن يتعاطى ذلك؛ يحكم بها من الصواب ناحية، ويحرز من الرأي جانبًا؛ وهي تفتق لها الذهن، وتؤاتيه بالمغرفة الصحيحة على ما يأخذ فيه، وتخرج له البرهان وإن كان في طبقات الأرض، وتنزل عليه الحجة وإن كانت في طباق السماء.
ولا جرم أن هذه العلوم ستدفع بعد تمحيصها واتصال آثارها الصحيحة بالنفوس الإنسانية إلى غاية واحدة، وهي تحقيق الإسلام، وأنه الحق الذي لا مرية فيه، وأنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وأنه لذلك هو الدين الطبيعي للإنسانية؛ وسيكون العقل الإنساني آخر نبي في الأرض؛ لأن الذي جاء بالقرآن كان آخر الأنبياء من الناس، إذ جاءهم بهذا الدين الكامل، ولا حاجة بالكمال الإنساني لغير العقول ينبه إليه بعضها بعضًا، ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض!.
وقد أشار القرآن إلى نشأة هذه العلوم وإلى تمحيصها وغايتها على ما وصفناه آنفًا، وذلك قوله تعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ولو جمعت أنواع العلوم الإنسانية كلها ما خرجت في معانيها من قوله تعالى: {فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} هذه آفاق، وهذه آفاق أخرى، فإن لم يكن هذا التعبير من الإعجاز الظاهر بداهة فليس يصح في الأفهام شيء.
ذلك وأن من أدلة إعجاز هذا الكتاب الكريم أن يخطئ الناس في بعض تفسيره على اختلاف العصور، لضعف وسائله العلمية ولقصر حبالهم أن تعلق بأطراف السموات أو تحيط بالأرض، ثم تصيب الطبيعة نفسها في كشف معانيه؛ فكلما تقدم النظر، وجمعت العلوم، ونازعت إلى الكشف والاختراع، واستكملت آلات البحث، ظهرت حقائقه الطبيعية ناصعة حتى كأنه غاية لا يزال عقل الإنسان يقطع إليها، حتى كأن تلك الآلات حينما توجه لآيات السماء والأرض توجه لآيات القرآن أيضًا {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .
ذلك هو الأمر في العلوم الألى ثم الله ينشئ النشأة الآخرة.
= حياة قائمة التبلور، وذلك قوله تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} ومنها ما كشفوه من تلاقح النبات وأنه أزواج، والله تعالى يقول:{فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} ويقول: {مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ} .
والكلام في مثل هذا يطول، ولا ريب عندنا أن تحقيقه سيكون موضع كتاب الإعجاز الذي يخرجه المستقبل برهانًا للإنسانية على حقيقة دين الإنسانية فلندعه لأهله "عفا الله عنا وعنهم" وعسى أن يكون لنا من دعائهم في الرحمة والمغفرة ما لهم من دعائنا في العون والتوفيق، إنه من تعليق المؤلف. قال مصححه: ولا يفوتني في هذا المقام أن أنبه إلى المعاني الدقيقة التي وفق إليها الدكتور عبد العزيز إسماعيل في كتابه "الإسلام والطب الحديث" وكان الرافعي من المعنيين به، كما كان عونًا له ومددًا في كثير من شواهد كتابه "أسرار الإعجاز".