الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ أَمَرَ بِقَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ سِرًّا.
وَقَالَ ابْنُ عَائِشَةَ: سَمِعْتُ مَوْلًى لِبَنِي دَارِمٍ قَالَ: قُلْتُ لِبَشِيرٍ الرَّحَّالِ: مَا تَسَرُّعُكَ إِلَى الْخُرُوجِ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيَّ بَعْدَ أَخْذِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَسَنٍ، فَأَتَيْتُهُ، فَأَمَرَنِي بِدُخُولِ بَيْتٍ فَدَخَلْتُهُ فَإِذَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ مَقْتُولا، فسقطت مغشيًا علي، فلما أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لا يَخْتَلِفَ فِي أَمْرِهِ سَيْفَانِ إِلا وَكُنْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ لِلرَّسُولِ الَّذِي مَعِي مِنْ قِبَلِهِ: لا تُخْبِرُهُ بِمَا أَصَابَنِي فَيَقْتُلَنِي.
وَيُقَالُ: إِنَّ الْمَنْصُورَ سَقَى السم غير واحد منهم.
أحداث سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ:
تُوُفِّيَ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَأَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ قَتْلا، وَالأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَأُنَيْسُ بْنُ أَبِي يَحْيَى الأَسْلَمِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ ثَوْبَانَ، وَالْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ فِي سِجْنِ الْمَنْصُورِ، وَرُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ الأَسْلَمِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى عَفْرَةَ، وَعَمْرُو بْنُ ميمون بن مهران الجريري، محمد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدِّيبَاجُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فِي قَوْلٍ، وَيَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ الذِّمَارِيُّ، وَنَصْرُ بْنُ حَاجِبٍ الخراساني، ويحيى بن سعيد أبو حيان التميمي.
وَفِيهَا بَالَغَ رِيَاحٌ وَالِي الْمَدِينَةِ فِي طَلَبِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ. فَعَزَمَ عَلَى الظُّهُورِ، فَدَخَلَ مَرَّةً الْمَدِينَةَ خُفْيَةً.
فَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَابْنَ أَبِي ذِئْبٍ وَعَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ جَعْفَرٍ قَدْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: مَا تَنْتَظِرُ بِالْخُرُوجِ، وَاللَّهِ مَا نَجِدُ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةَ أَشْأَمَ عَلَيْهَا مِنْكَ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ، أخْرُجْ وَحْدَكَ، فَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِ أَنَّ رِيَاحًا طَلَبَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَبَنِي عَمِّهِ وَجَمَاعَةً مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ لَيْلَةً، قَالَ رَاوِي الْقِصَّةِ: إِنَّا لَعِنْدَهُ، إِذْ سَمِعْتُ التَّكْبِيرَ فَقَامَ رِيَاحٌ فَاخْتَفَى وَخَرَجْنَا نَحْنُ فَكَانَ ظُهُورُ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ وَخَمْسِينَ رَجُلا، فَمَرَّ بِالسُّوقِ ثُمَّ مَرَّ بِالسِّجْنِ، فَأَخْرَجَ مَنْ فِيهِ، وَدَخَلَ دَارَهُ وَأَتَى عَلَى حِمَارِهِ وَذَلِكَ في أول رجب، ثم أمر بِرِيَاحٍ وَابْنَيْ مُسْلِمٍ فَحُبِسُوا بَعْدَ أَنْ مَانَعَ أَصْحَابُ رِيَاحٍ بَعْضَ الشَّيْءِ. وَلَمَّا خَطَبَ مُحَمَّدٌ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى،
ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ كَانَ مَنْ أَمْرِ هَذَا الطَّاغِيَةِ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكُمْ مِنْ بِنَائِهِ الْقُبَّةَ الْخَضْرَاءَ الَّتِي بَنَاهَا مُعَانَدَةً لِلَّهِ فِي مُلْكِهِ وَتَصْغِيرًا لِكَعْبَةِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ حِينَ قَالَ:{أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْقِيَامِ فِي هَذَا الدِّينِ أَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ قَدْ فَعَلُوا وَفَعَلُوا فَاحْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا1.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ: كَانَ الْمَنْصُورُ يَكْتُبُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عن أحسن قُوَّادُهُ يَدْعُونَهُ إِلَى الظُّهُورِ وَيُخْبِرُونَهُ أَنَّهُمْ مَعَهُ فَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: لَوِ الْتَقَيْنَا لَمَالَ إِلَيَّ القواد كلهم، وقد خرج معه مثل ابن عجلان وعبد الحميد بن جعفر.
قال مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: خَرَجَ ابْنُ عَجْلانَ مَعَهُ فَلَمَّا قُتِلَ وَوَلِيَ الْمَدِينَةَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَتَوْهُ بِابْنِ عَجْلانَ فَكَلَّمَهُ جَعْفَرٌ كَلامًا شَدِيدًا وَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ الْكَذَّابِ وَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ. فلم ينطق إلا أنه حرك شفتيه، فقال مَنْ حَضَرَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا: أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، إِنَّ ابْنَ عَجْلانَ فَقِيهُ الْمَدِينَةِ وَعَابِدُهَا، وَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَيْهِ وَظَنَّ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ الرِّوَايَةُ، وَلَمْ يَزَالُوا يَرْغَبُونَ إِلَيْهِ حَتَّى تَرَكَهُ، وَلَزِمَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ضَيْعَةً لَهُ وَاعْتَزَلَ فِيهَا، وَخَرَجَ أَخَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَمْ يُقْتَلا، عَفَا عَنْهُمَا الْمَنْصُورُ. وَاخْتَفَى جَعْفَرٌ الصَّادِقُ وَذَهَبَ إِلَى مَالٍ لَهُ بِالْفَرْعِ مُعْتَزِلا لِلْفِتْنَةِ2 رحمه الله، ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا اسْتَعْمَلَ عُمَّالَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنَ الْوُجُوهِ إِلا نَفَرٌ، مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنْذِرٍ الْخُرَّمِيَّانِ، وَخُبَيْبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَالَ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ مَالِكًا اسْتُفْتِيَ فِي الْخُرُوجِ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فِي أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما بايعتم مكروهين وَلَيْسَ عَلَى مُكْرَهٍ يَمِينٌ، فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَى مُحَمَّدٍ وَلَزِمَ مَالِكٌ بَيْتَهُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ السجستاني: كان سفيان الثوري يَتَكَلَّمُ فِي عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ لِخُرُوجِهِ مَعَ مُحَمَّدٍ وَيَقُولُ: إِنْ مَرَّ بِكَ الْمَهْدِيُّ وَأَنْتَ فِي الْبَيْتِ فَلا تَخْرُجْ إِلَيْهِ حَتَّى يجتمع عليه الناس.
1 راجع تاريخ الطبري "7/ 558".
2 يعني بالفتنة هنا: هذا البلاء أو الابتلاء، وفي القرآن الكريم يقول الله جل وعلا:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} .
وَذَكَرَ سُفْيَانُ صِفِّينَ فَقَالَ: مَا أَدْرِي أَخْطُأوا أَمْ أَصَابُوا.
وَقِيلَ: أَرْسَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وقد شاخ ليبايعه فقال: يا ابن أَخِي، أَنْتَ وَاللَّهِ مَقْتُولٌ، كَيْفَ أُبَايِعُكَ؟ فَارْتَدَعَ النَّاسُ عَنْهُ قَلِيلا، فَأَتَتْهُ حَمَّادَةُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَتْ: يَا عَمِّ، إِنَّ إِخْوَتِي قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى ابْنِ خَالِهِمْ فَلا تُثَبِّطْ عَنْهُ النَّاسَ فَيُقْتَلَ ابْنُ خَالِي وَإِخْوَتِي، فَأَبَى إِلا أَنْ يَنْهَى عَنْهُ، فَيُقَالُ: إِنَّهَا قَتَلَتْهُ، فَأَرَادَ مُحَمَّدٌ الصَّلاةَ عَلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: يُقْتَلُ أَبِي وَتُصَلِّي عَلَيْهِ، فَنَحَّاهُ الْحَرَسُ وَصَلَّى مُحَمَّدٌ. ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَعْمَلَ عَلَى مَكَّةَ الْحَسَنَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَلَى الْيَمَنِ الْقَاسِمَ بْنَ إِسْحَاقَ، فَقُتِلَ الْقَاسِمُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الشَّامِ مُوسَى بْنَ عَبْدَةَ لِيَذْهَبَ إِلَيْهَا وَيَدْعُو إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُتِلَ مُحَمَّدٌ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ مُوسَى. وَكَانَ مُحَمَّدٌ شَدِيدَ الأَدَمَةِ1 جَسِيمًا فِيهِ تَمْتَمَةٌ2.
وَرَوَى عَبَّاسُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُ قَالُوا: لَمَّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ قَالَ الْمَنْصُورُ لِإِخْوَتِهِ: إِنَّ هَذَا الأَحْمَقُ -يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ، وَكَانَ فِي سِجْنِهِ- لا يزال يطلع له الرأي الجيد فَادْخُلُوا عَلَيْهِ فَشَاوِرُوهُ وَلا تُعْلِمُوهُ أَنِّي أَمَرْتُكُمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ جَمِيعًا، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: لِأَمْرٍ مَا جِئْتُمْ وَمَا جَاءَ بِكُمْ جَمِيعًا وَقَدْ هَجَرْتُمُونِي مِنْ دَهْرٍ؟ قَالُوا: اسْتَأْذَنَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَذِنَ لَنَا. قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ فَمَا الْخَبَرُ؟ قَالُوا: خرج مُحَمَّد. قال: فما ترون ابن سلامة صانعا، يعني المنصور، قَالُوا: لا نَدْرِي. قَالَ: إِنَّ الْبُخْلَ قَدْ قَتَلَهُ فَمُرُوهُ أَنْ يُخْرِجَ الأَمْوَالَ وَيُعْطِي الأَجْنَادَ فَإِنْ غَلَبَ فَمَا أَوْشَكَ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ مَالُهُ.
قَالَ: وَجَهَّزَ الْمَنْصُورُ عِيسَى بْنَ مُوسَى لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ وَكَتَبَ إِلَيْهِ: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} إِلَى قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 33-34] الآيَةَ. وَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَذِمَّتُهُ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ إِنْ تُبْتَ وَرَجَعْتَ أُؤَمِّنُكَ وَجَمِيعَ أَهْلِ بَيْتِكَ وَأَفْعَلُ لَكَ وَأُعْطِيكَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَمَا سَأَلْتَ مِنَ الْحَوَائِجِ3، فَكَتَبَ جَوَابَهُ إِلَى الْمَنْصُورِ: مِنَ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ {طسم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُوا عَلَيْكَ} إِلَى قَوْلِهِ {مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 1-5] وَأَنَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مِنَ الأَمَانِ مِثْلَ مَا عَرَضْتَ علي، فإن
1 شديد الأدمة: يعني شديد السمرة فهو آدم.
2 يعني يتردد في الكلام ولا يكاد يفهم.
3 ولمزيد من البيان راجع: تاريخ الطبري "7/ 566".
الْحَقَّ حَقُّنَا، وَإِنَّمَا ادَّعَيْتُمْ هَذَا الأَمْرَ بِنَا، ثُمَّ ذَكَرَ شَرَفَهُ وَأُبُوَّتَهُ حَتَّى إِنَّهُ قَالَ: فَأَنَا ابْنُ أَرْفَعِ النَّاسِ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ، وَابْنُ أَهْوَنِهِمْ عَذَابًا فِي النَّارِ، وَأَنَا ابْنُ خَيْرِ الأَخْيَارِ، وَابْنُ خَيْرِ الأَشْرَارِ، وَابْنُ خَيْرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَابْنُ خَيْرِ أَهْلِ النَّارِ، وَأَنَا أَوْفَى بِالْعَهْدِ مِنْكَ لِأَنَّكَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَهْدِ وَالأَمَانِ مَا أَعْطَيْتَهُ رِجَالا قَبْلِي، فَأَيَّ الأَمَانَاتِ تُعْطِينِي! أَمَانُ ابْنِ هُبَيْرَةَ، أَمْ أَمَانُ عَمِّكَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، أَمْ أَمَانُ أَبِي مُسْلِمٍ. فَأَجَابَهُ الْمَنْصُورُ1: جَلَّ فَخَرَكَ بِقَرَابَةِ النِّسَاءِ، لِتَضِلَّ بِهِ الْغَوْغَاءُ، لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ النِّسَاءَ كَالْعُمُومَةِ بَلْ جَعَلَ الْعَمَّ أَبًا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ كَذَا فَأَمْرُهُ كَذَا، وَلَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم وَلَهُ أَعْمَامٌ أَرْبَعَةٌ فَأَجَابَ اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا أَبِي، وَأَبَى اثنان، أحدهم أَبُوكَ، فَقَطَعَ اللَّهُ وِلايَتَهُمَا مِنْهُ، وَلا يَنْبَغِي لَكَ وَلا لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَفْخَرَ بِأَهْلِ النَّارِ. وَفَخْرُكَ بِأَنَّكَ لَمْ تَلِدْكَ أَمَةٌ فَتَعَدَّيْتَ طَوْرَكَ وفخرت على من هو خير منك إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم-وَمَا خِيَارُ بَنِي أَبِيكَ إِلا بَنُو إِمَاءٍ، مَا وُلِدَ فِيكُمْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَهُوَ لأُمِّ وَلَدٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ جَدِّكَ، وَمَا كَانَ فِيكُمْ بَعْدَهُ مِثْلُ ابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَجَدَّتُهُ أَمُّ وَلَدٍ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِيكَ، وَلا مِثْلُ ابْنِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّكُمْ بَنُو رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] وَلَكِنَّكُمْ بَنُو ابْنَتِهِ، وَأَمَّا مَا فَخَرْتَ بِهِ مِنْ عَلِيٍّ، وَسَابِقَتِهِ، فَقَدْ حَضَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ الْوَفَاةُ فَأَمَّرَ غَيْرَهُ بِالصَّلاةِ، ثُمَّ أَخَذَ الناس رجل بعد رجل فلم يأخذوه، كان فِي سِتَّةِ أَهْلِ الشُّورَى فَتَرَكُوهُ، ثُمَّ قُتِلَ عُثْمَانُ وَهُوَ بِهِ مُتَّهمٌ، وَقَاتَلَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَأَبَى سَعْدٌ بَيْعَتَهُ وَأَغْلَقَ دُونَهُ بَابَهُ، ثُمَّ طَلَبَهَا بِكُلِّ وَجْهٍ، وَقَاتَلَ عَلَيْهَا، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ عَسْكَرُهُ، وَشَكَّ فِيهِ شِيعَتُهُ قَبْلَ الْحُكُومَةِ، ثُمَّ حَكَّمَ حَكَمَيْنِ رَضِيَ بِهِمَا وَأَعْطَاهُمَا عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ، فَاجْتَمَعَا عَلَى خَلْعِهِ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ حَسَنٌ فَبَاعَهَا مِنْ مُعَاوِيَةَ بِدَرَاهِمَ وَثِيَابٍ وَلَحِقَ بِالْحِجَازِ، وَأَسْلَمَ شِيعَتَهُ بِيَدِ مُعَاوِيَةَ وَدَفَعَ الأَمْرَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، وَأَخَذَ مَالا مِنْ غَيْرِ وَلائِهِ2، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فِيهَا شَيْءٌ فَقَدْ بِعْتُمُوهُ. ثم خرج الحسين بن عَلِيٍّ عَلَى ابْنِ مَرْجَانَةَ فَكَانَ النَّاسُ مَعَهُ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ، ثُمَّ خَرَجْتُمْ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ فَقَتَلُوكُمْ وَصَلَّبُوكُمْ حَتَّى قُتِلَ يَحْيَى بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَلِيٍّ بِخُرَاسَانَ، وَقَتَلُوا رِجَالَكُمْ وَأَسَرُوا الصِّبْيَةَ وَالنِّسَاءَ، وَحَمَلُوكُمْ بِلا وِطَاءٍ فِي الْمَحَامِلِ إلى الشام حتى
1 وانظر تاريخ ابن الأثير "5/ 538".
2 يعني عبيد الله بن زياد، وأمه مرجانة.
خَرَجْنَا عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ فَطَلَبْنَا بِثَأْرِكُمْ وَأَدْرَكْنَا بِدِمَائِكُمْ وَفَضَّلْنَا سَلَفَكُمْ فَاتَّخَذْتُمْ ذَلِكَ عَلَيْنَا حُجَّةً. وَظَنَنْتُ إِنَّمَا ذَكَرْنَا أَبَاكَ وَفَضَّلْنَاهُ لِلتَّقْدِمَةِ مِنَّا لَهُ عَلَى حَمْزَةَ وَالْعَبَّاسِ وَجَعْفَرٍ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَنْتُ، وَلَقَدْ خَرَجَ هَؤُلاءِ مِنَ الدُّنْيَا سَالِمِينَ، مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِمْ بِالْفَضْلِ، وَابْتُلِيَ أَبُوكُمْ بِالْقِتَالِ وَالْحَرْبِ، فَكَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ تَلْعَنُهُ كَمَا تَلْعَنُ الْكَفَرَةَ فِي الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَاحْتَجَجْنَا لَهُ وَذَكَرْنَا فَضْلَهُ –رضي الله عنه.
وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ أَخْرَجَ مِنَ السِّجْنِ بِالْمَدِينَةِ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدٍ الْقَسْرِيَّ، فَرَأَى الْقَسْرِيُّ أَنَّ الأَمْرَ ضَعِيفٌ، فَكَتَبَ إِلَى الْمَنْصُورِ فِي أَمْرِهِ، فَبَلَغَ مُحَمَّدًا فَحَبَسَهُ.
قَالَ ابن عسار: ذَبَحَ ابْنُ حُضَيْرٍ أَحَدُ أَعْوَانِ مُحَمَّدٍ رِيَاحَ بْنَ عُثْمَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَأَمَّا ابْنُ مُعَاوِيَةَ فَلَمَّا مَضَى إِلَى مَكَّةَ كَانَ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا وَسَبْعَةِ أَفْرَاسٍ فَقَاتَلَ السَّرِيَّ أَمِيرَ مَكَّةَ فَقُتِلَ سَبْعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ السَّرِيِّ، فَانْهَزَمَ السَّرِيُّ وَدَخَلَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ مَكَّةَ فَخَطَبَ وَنَعَى إليهم المنصور، ودعا لمحمد، ثم بعد أيام أتاه كتاب محمد يأمره باللحاق به، فجمع جموعًا تقدم بها على محمد، فَلَمَّا كَانَ بقَدِيدَ بَلَغَهُ مَصْرَعُ مُحَمَّدٍ فَانْهَزَمَ إلى البصرة فلحق بإبراهيم بن عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى قَتَلَ إِبْرَاهِيمَ.
وَنَدَبَ الْمَنْصُورُ لقتال محمد ابن عَمِّهِ عِيسَى بْنِ مُوسَى وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لا أُبَالِي أَيُّهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ، فَجَهَّزَ مَعَ عِيسَى أَرْبَعَةَ آلافِ فَارِسٍ، وَفِيهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ السَّفَّاحِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى "فَنْدَ" كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي خِرَقِ الْحَرِيرِ يَتَأَلَّفُهُمْ، فَتَفَرَّقَ عَنْ مُحَمَّدٍ خَلْقٌ، وَسَارَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِتَلَقِّي عيسى والتحيز إليه، فاستشار محمد بْنِ جَعْفَرٍ فَقَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِضَعْفِ جَمْعِكَ وَقِلَّتِهِمْ، وَبِقُوَّةِ خَصْمِكَ وَكَثْرَةِ جُنْدِهِ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَلْحَقَ بِمِصْرَ، فَوَاللَّهِ لا يَرُدُّكَ عَنْهَا رَادٌّ فَيُقَاتِلُ الرَّجُلُ بِمِثْلِ رِجَالِهِ وَسِلاحِهِ، فَصَاحَ جُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "رَأَيْتُنِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ"1. ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا اسْتَشَارَ: هل يخندق على نفسه،
1 "إسناده صحيح": أخرجه أحمد في مسنده "1/ 271" من طريق سريج عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن الأعمى عُبَيْد الله بْن عَبْد الله بْن عُتْبَة بن مسعود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يوم أحد فقال:"رأيت في سيفي ذي الفقار فلا، فأولته فلا يكون فيكم، ورأيت أني مردف كبشًا، فأولته كبش الكتيبة، ورأيت أني في درع حصينة، فأولتها المدينة، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، فَبَقَرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَبَقَرٌ والله خير، فكان الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم".
وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء "6/ 411".
فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ رَأْيُ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا تيَقَّنْ قُرْبَ عِيسَى بْنِ مُوسَى مِنْهُ، حَفَرَ خَنْدَقَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَحَفَرَ فِيهِ بِيَدِهِ تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وَعَنْ عُثْمَانَ الزُّبَيْرِيِّ قَالَ: اجْتَمَعَ مَعَ مُحَمَّدٍ جَمْعٌ لَمْ أَرَ أَكْثَرَ مِنْهُ، إِنِّي لأَحْسَبُنَا قَدْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ، فَلَمَّا دنا منا عِيسَى خَطَبَنَا مُحَمَّدٌ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ قَرُبَ مِنْكُمْ فِي عَدَدٍ وَعُدَدٍ، وَقَدْ حَلَلْتُكُمْ مِنْ بَيْعَتِي، فَمَنْ أَحَبَّ فَلْيَنْصَرِفْ، قَالَ: فَتَسَلَّلُوا حَتَّى بَقِيَ فِي شِرْذِمَةٍ1. وَخَرَجَ النَّاسُ من المدينة بأولادهم إلى الأَعْوَصِ وَالْجِبَالِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ عِيسَى، بَلْ جَهَّزَ خَمْسَمِائَةٍ إِلَى ذِي الْحَلِيفَةِ يُمْسِكُونَ طَرِيقَ مَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ، ثُمَّ رَاسَلَهُ يَدْعُوهُ إِلَى الطَّاعَةِ وَأَنَّ الْمَنْصُورَ قَدْ أَمَّنَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: إِيَّاكَ أَنْ يَقْتُلَكَ مَنْ يَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ فَتَكُونَ شَرَّ قَتِيلٍ، أَوْ تَقْتُلُهُ فَيَكُونَ أَعْظَمَ لِوِزْرِكَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عِيسَى: لَيْسَ بَيْنَنَا إِلا الْقِتَالُ، فَإِنْ أَبَيْتَ إِلا الْقِتَالَ نُقَاتِلُكَ عَلَى ما قاتل عليه خير آبائك، علي طلحة وَالزُّبَيْرُ عَلَى نَكْثِ بَيْعَتِهِمْ لَهُ2.
وَعَنْ "مَاهَانَ" مولى قحطبة قال: لما سرنا إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَانَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُصْعَبٍ طَلِيعَةً فَطَافَ بِعَسْكَرِنَا حَتَّى حَزَّرَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ عَنَّا فَرُعْبِنَا مِنْهُ، حَتَّى جَعَلَ عِيسَى وَحُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ يَقُولانِ: فَارِسٌ وَاحِدٌ يَكُونُ طَلِيعَةً لِأَصْحَابِهِ! فَلَمَّا كَانَ عَنَّا مَدَّ الْبَصَرَ نَظَرْنَا إِلَيْهِ مُقِيمًا لا يَزُولُ، فَقَالَ حُمَيْدٌ: وَيْحَكُمُ انْظُرُوا، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ فَارِسَيْنِ، فَوَجَدَا دَابَّتَهُ عَثُرَتْ بِهِ فَتَقَوَّسَ الْجَوْشَنُ فِي عُنُقِهِ فَقَتَلَهُ، فأخذ اسلبه وَرَجَعَا بِتَنُّورٍ مُذَهَّبٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ. قِيلَ كَانَ لِمُصْعَبٍ جَدَّهُ أَمِيرُ الْعِرَاقِ. ثُمَّ إِنَّ عِيسَى أَحَاطَ بِالْمَدِينَةِ فِي أَثْنَاءِ شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ دَعَا مُحَمَّدٌ إِلَى الطَّاعَةِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ سَاقَ بِنَفْسِهِ فِي خَمْسِمِائَةٍ فَوَقَفَ بِقُرْبِ السُّورِ فَنَادَى: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ دِمَاءَ بَعْضِنَا عَلَى بَعْضٍ، فَهَلُمُّوا إِلَى الأَمَانِ، فَمَنْ جَاءَ إِلَيْنَا فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُ أَوِ الْمَسْجِدَ أَوْ أَلْقَى سِلاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ صَاحِبِنَا فَإِمَّا لَنَا وَإِمَّا لَهُ، قَالَ فَشَتَمُوهُ، فَانْصَرَفَ يَوْمَئِذٍ فَفَعَلَ مِنَ الْغَدِ كَذَلِكَ، ثُمَّ عَبَّأَ جَيْشَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَزَحَفَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ ظَهَرَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمَّا الْتَحَمَ الْحَرْبُ نَادَى: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَنِي أَنْ لا أُقَاتِلَ حَتَّى أَعْرِضَ عَلَيْكَ الأَمَانَ، فَلَكَ الأَمَانُ عَلَى نَفْسِكَ وَمَنِ اتَّبَعَكَ، وَتُعْطَى مِنَ الْمَالِ كَذَا وَكَذَا، فَصَاحَ: أَلْهُ عَنْ هَذَا، فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لا يُثْنِينِي عَنْكُمْ فزع،
1 انظر المصدر السابق في السير للمصنف.
2 راجع تاريخ الطبري "7/ 585"، وسير أعلام النبلاء "6/ 412".
ولايقربني مِنْكُمْ طَمَعٌ، ثُمَّ تَرَجَّلَ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ: فَإِنِّي لأَحْسَبُهُ قَتَلَ يَوْمَئِذٍ بِيَدِهِ سَبْعِينَ رَجُلا1.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: دَعَا عِيسَى عَشَرَةً مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ مِنْهُمُ الْقَاسِمِ بْنُ حَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: فَجِئْنَا سُوقَ الْحَطَّابِينَ، فَدَعَوْنَاهُمْ فَسَبُونَا وَرَشَقُونَا بِالنَّبْلِ، وَقَالُوا: هَذَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَنَا وَنَحْنُ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُمُ الْقَاسِمُ: وَأَنَا ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَكْثَرُ مَنْ ترَوْنَ مَعِي بَنُو رَسُولِ اللَّهِ، وَنَحْنُ نَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَحَقْنِ دِمَائِكُمْ، وَرَجَعْنَا، فَأَرْسَلَ عِيسَى حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ فِي مِائَةٍ2. وَجَعَلَ مُحَمَّدٌ سُتُورَ الْمَسْجِدَ دَرَائِعَ لِأَصْحَابِهِ، وَكَانَ مَعَ الأَفْطَسِ عَلَمٌ أَصْفَرُ فِيهِ صُورَةٌ حَيَّةٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ: كُنَّا يَوْمَئِذٍ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ، ثُمَّ لَقِينَا عِيسَى فَتَبَارَزَ جَمَاعَةٌ.
وَعَنْ مَسْعُودٍ الرَّحَّالِ قَالَ: شَهِدْتُ مَقْتَلَ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ، فَإِنِّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ3، وَأَنَا مُشْرِفٌ مِنْ سَلْعٍ، إِذْ نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى قَدْ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ فَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَاجِلٌ عَلَيْهِ قَبَاءُ أَبْيَضُ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ الْفَارِسُ، فَقَتَلَهُ الرَّاجِلُ وَرَجَعَ، ثُمَّ بَرَزَ آخَرُ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى، فَبَرَزَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ ثَالِثٌ فَقَتَلَهُ، فَاعْتَوَرَهُ أَصْحَابُ عِيسَى يَرْمُونَهُ، فَأَثْبَتُوهُ، فَأَسْرَعَ فَمَا وَصَلَ إِلَى أَصْحَابِهِ حَتَّى خَرَّ صَرِيعًا، وَدَامَ الْقِتَالُ مِنْ بَكْرَةٍ إِلَى الْعَصْرِ، وَطَمَّ أَصْحَابُ عِيسَى الْخَنْدَقَ، وَجَاءَتِ الْخَيْلُ، وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، فَاغْتَسَلَ وَتَحَنَّطَ، ثُمَّ جَاءَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، فَقُلْتُ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَالَكَ بِمَا تَرَى طَاقَةٌ، فَاخْرُجْ تَلْحَقْ بِالْحَسَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِمَكَّةَ، فَإِنَّ مَعَهُ جُلَّ أَصْحَابِكَ، فَقَالَ: لَوْ رُحْتُ لَقُتِلَ هَؤُلاءِ، فَوَاللَّهِ لا أَرْجِعُ حَتَّى أَقْتُلُ أَوْ أُقْتَلُ، وَأَنْتُ مِنِّي في سعة فاذهب حيث شئت4.
1 راجع سير أعلام النبلاء "6/ 412".
2 تاريخ الطبري "7/ 587".
3 وقال ياقوت في معجم البلدان: أحجار الزيت: موضع بالمدينة قريب من الزوراء، وهو موضع صلاة الاستسقاء.
وقال العمراني: أحجار الزيت: موضع بالمدينة داخلها.
4 تاريخ الطبري "7/ 589-591".
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: رَأَيْتُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ جُبَّةٌ مُمَشَّقَةٌ وَهُوَ عَلَى بِرْذَوْنٍ، وَابْنُ خُضَيْرٍ يُنَاشِدُهُ اللَّهَ إِلا مَضَى إِلَى الْبَصْرَةِ، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: وَاللَّهِ لا تُبْلَوُنَّ بِي مَرَّتَيْنِ، وَلَكِنِ اذْهَبْ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ1.
فَقَالَ: وَأَيْنَ الْمَذْهَبُ عَنْكَ؟ ثُمَّ مَضَى فَأَحْرَقَ الدِّيوَانَ وَقَتَلَ رِيَاحًا فِي الْحَبْسِ، ثُمَّ لَحِقَ مُحَمَّدًا بِالثَّنِيَّةِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
وَقِيلَ: قَتَلَ مَعَ رِيَاحٍ أَخَاهُ عَبَّاسَ بْنَ عُثْمَانَ، وَكَانَ مُسْتَقِيمَ الطَّرِيقَةِ، فَعَابَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى الْعَصْرَ وَعَرْقَبَ فَرَسَهُ، وَعَرْقَبَ بَنُو شُجَاعٍ دَوَابَّهُمْ، وَكَسَرُوا أَجْفَانَ سُيُوفِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ بَايَعْتُمُونِي وَلَسْتُ بِمُبَايِعٍ حَتَّى أُقتَلَ، ثُمَّ أَنَّهُ حَمَلَ وَهَزَمَ أَصْحَابَ عِيسَى مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ أَصْحَابُ عِيسَى مِنْ نَاحِيَةِ بَنِي غِفَارٍ، وَجَاءُوا مِنْ خَلْفِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَنَادَى مُحَمَّدٌ حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ: إِنْ كُنْتَ فَارِسًا فَابْرُزْ، فَلَمْ يبرزَ له، وجعل حميد يدعو بن خُضَيْرٍ إِلَى الأَمَانِ، وَيَشُحُّ بِهِ عَنِ الْمَوْتِ، وَهُوَ يَشُدُّ عَلَى النَّاسِ بِسَيْفِهِ مُتَرَجِّلا، وَخَالَطَ النَّاسَ، فَجَاءَتْهُ ضَرْبَةٌ عَلَى أَلْيَتِهِ، وَأُخْرَى عَلَى عَيْنِهِ فَخَرَّ، وَقَاتَلَ مُحَمَّدٌ عَلَى جُثَّتِهِ حَتَّى قُتِلَ، وَعَهِدَ الَّذِينَ دَخَلُوا الْمَدِينَةَ مِنْ نَاحِيَةِ بَنِي غِفَارٍ فَنَصَبُوا عَلَمًا أَسْوَدَ عَلَى الْمَنَارَةِ، وَدَخَلَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ فِي زُقَاقٍ أَشْجَعَ، فَهَجَمَ عَلَى مُحَمَّدٍ فَقَتَلَهُ وَهُوَ غَافِلٌ، وَأَخَذَ رَأْسَهُ، وَقَتَلَ مَعَهُ جَمَاعَةً.
وَقِيلَ: جَاءَتْ مُحَمَّدًا ضَرْبَةٌ عَلَى أُذُنِهِ، فَبَرَكَ وَجَعَلَ يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ: وَيْحَكُمْ إِنَّ نَبِيَّكُمْ مَظْلُومٌ، فنزل حميد فحز رأسه.
وقيل: كان مُحَمَّدٍ سَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذُو الْفَقَارِ2، فَقَدَّ النَّاسُ بِهِ، وَجَعَلَ لا يُقَارِبُهُ أَحَدٌ إِلا قَتَلَهُ، فَجَاءَهُ سَهْمٌ فَوَجَدَ الْمَوْتَ، فَكُسِرَ السَّيْفُ.
وَرَوَى عَمْرٌو مَوْلَى الْمُتَوَكِّلِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَخْدِمُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ، قَالَ: كَانَ مَعَ مُحَمَّدٍ يَوْمَئِذٍ ذُو الْفَقَارِ، فلما أحسن الْمَوْتَ أَعْطَى السَّيْفَ رَجُلا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ: خُذْ هَذَا السَّيْفَ فَإِنَّكَ لا تَلْقَى أَحَدًا مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ إِلا أَخَذَهُ مِنْكَ وَأَعْطَاكَ حَقَّكَ، فَبَقِيَ السَّيْفُ عِنْدَهُ حَتَّى وَلِيَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَدِينَةَ فأخبر عنه،
1 وراجع تاريخ ابن الأثير "5/ 547".
2 سَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذو الفقار: بفتح الفاء: سمي بذلك لأنه كانت فيه حفر صغار حسان، والسيف المفقر: الذي فيه حزوز مطمئنة عن متنه.
فَدَعَاهُ وَأَعْطَاهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ وَأَخَذَ السَّيْفَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى مُوسَى فَجَرَّبَهُ عَلَى كَلْبٍ، فَانْقَطَعَ السَّيْفُ1.
وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: رَأَيْتُ الرَّشِيدَ بِطُوسَ مُتَّقلِدًا سَيْفًا فَقَالَ: أَلا أُرِيكَ ذَا الْفَقَارِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَسْلُلُ سَيْفِي هَذَا قَالَ: فَرَأَيْتُ فِيهِ ثَمَانِيَ عَشْرَة فَقَارَةَ.
وَكَانَ مَصْرَعُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ فِي رَابِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ هَذِهِ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: عَاشَ ثَلاثًا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: أَذِنَ عِيسَى فِي دَفْنِهِ، وَأَمَرَ بِأَصْحَابِهِ فَصُلِبُوا مَا بَيْنَ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى دَارِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقِيلَ: لَمَّا خَرَجَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مَعَ مُحَمَّدٍ، كَانَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ يَنْهَاهُ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ جَعْفَرٌ يَقُولُ لَهُ: هُوَ وَاللَّهِ مَقْتُولٌ.
وَبَعَثَ عِيسَى بْنُ مُوسَى بِالرَّأْسِ إِلَى الْعِرَاقِ، ثُمَّ طِيفَ بِهِ فِي الْبُلْدَانِ، وَقَبَضَ عِيسَى عَلَى أَمْوَالِ بَنِي الْحَسَنِ.
وَحَدَّثَ أَيُّوبُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: لَقِيَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رُدَّ عَلَيَّ قَطِيعَتِي عَيْنِ أَبِي زِيَادٍ آكُلُ مِنْهَا، قَالَ: إِيَّايَ تُكَلِّمُ هَذَا الْكَلامَ! وَاللَّهِ لَأُزْهِقَنَّ نَفْسَكَ. قَالَ: فَلا تَعْجَلْ عَلَيَّ، فَقَدْ بَلَغْتُ ثَلاثًا وَسِتيِّنَ سَنَةً، وَفِيهَا مَاتَ أَبِي وَجِدِّي وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، فِرْقَ لَهُ، فَلَمَّا مَاتَ الْمَنْصُورُ رَدَّ الْمَهْدِيُّ عَلَى أَوْلادِ أَبِي جَعْفَرٍ عَيْنِ أَبِي زِيَادٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الزُّبَيْرِيُّ: لَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدٌ، مَضَى أَخُوهُ مُوسَى وَأَبِي وَأَنَا وَرَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَأَتَيْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ سِرْنَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَدَخَلْنَاهَا لَيْلا، فَمُسِكْنَا وَأُرْسِلْنَا إِلَى الْمَنْصُورِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى أَبِي قَالَ: هِيهِ أَخَرَجْتَ مَعَ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِهِ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ أَمَرَ بِمُوسَى فَضُرِبَ بِالسِّيَاطِ، ثُمَّ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِي، فَكَلَّمَهُ فِيَّ عَمُّهُ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ وَقَالَ: ما
1 راجع: تاريخ الطبري "7/ 596".
أَحْسَبُهُ بَلَغَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كُنْتُ غُلامًا تَبَعًا لِأَبِي، فَضُرِبْتُ خَمْسِينَ سَوْطًا، ثُمَّ حُبِسْتُ حَتَّى أَخْرَجَنِي الْمَهْدِيُّ.
وَقِيلَ: بَلْ قَتَلَ عُثْمَانُ لِأَنَّهُ سَأَلَهُ أَيْنَ الْمَالُ؟ قَالَ: دَفَعْتُهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُحَمَّدٍ رحمه الله، فَسَبَّهُ، فَجَاوَبَهُ عُثْمَانُ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ1.
وَقِيلَ: قَالَ لَهُ: أَنْتَ الْخَارِجُ عَلَيَّ؟ قَالَ: بَايَعْتُ أَنَا وَأَنْتَ رَجُلا بِمَكَّةَ، فَوَفَّيْتُ أَنَا، وَغَدَرْتَ أَنْتَ.
وَاسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيَّ، فَثَارَتْ عَلَيْهِ السُّودَانُ بِالْمَدِينَةِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ جُنْدِهِ انْتَهَبَ شَيْئًا مِنَ السُّوقِ، فَاجْتَمَعَ الرُّؤَسَاءُ إِلَى ابْنِ الرَّبِيعِ فَكَلَّمُوهُ، فَلَمْ يُنكِرْ وَلا غَيَّرَ، ثُمَّ اشْتَرَى جُنْدِيٌّ مِنْ لَحَّامٍ وَأَبَى أَنْ يُوَفِّيهِ الثَّمَنَ وَشَهَرَ سَيْفَهُ عَلَى اللَّحَّامِ، فَطَعَنَهُ اللَّحَّامُ بِشَفْرَتِهِ فِي خَاصِرَتِهِ فَسَقَطَ، فَتَنَادَى الْجَزَّارُونَ وَالسُّودَانُ عَلَى الْجُنْدِ وَهُمْ يَذْهَبُونَ إِلَى الْجُمْعَةِ، فَقَتَلُوهُمْ بِالْعُمُدِ، فَهَرَبَ ابْنُ الرَّبِيعِ بِاللَّيْلِ، وَهَذَا تَمَّ فِي آخِرِ الْعَامِ2.
وكان رؤوس السُّودَانِ ثَلاثَةٌ: وَثِيقٌ وَيَعْقِلُ وَرَمَقَةَ، فَخَرَجَ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ مِنَ السِّجْنِ، فَخَطَبَ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الطَّاعَةِ، فَسَكَنَ النَّاسُ، وَرَجَعَ ابْنُ الرَّبِيعِ وَقَطَعَ يَدَ وَثِيقٍ وَأَيْدِي ثَلاثَةٍ مَعَهُ.
بِنَاءُ بَغْدَادَ:
فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُسِّسَتْ مَدِينَةُ السَّلامِ "بَغْدَادُ" وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى مَدِينَةُ الْمَنْصُورِ.
سَارَ الْمَنْصُورُ يَطْلُبُ مَوْضِعًا يَتَّخِذُهُ بَلَدًا، فَبَاتَ لَيْلَةً، وَكَانَ فِي مَوْضِعِ الْقَصْرِ بَيْعَةُ قِسٍّ، فَطَابَ لَهُ الْمَبِيتُ، وَأَقَامَ يَوْمًا فَلَمْ يَرَ إِلا ما يجب، فقال: ها هنا ابْنُوا فَإِنَّهُ طَيِّبٌ، وَتَأْتِيهِ مَادَّةُ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ وَالأَنْهَارِ، فَخَطَّ بَغْدَادَ، وَوَضَعَ أَوَّلَ لَبِنَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، ابْنُوا على بركة الله، وذلك بعد أن بعث رِجَالا لَهُمْ فَضْلٌ يَتَطَلَّبَانِ مَوْضِعًا، ثُمَّ وَقَعَ الاخْتِيَارُ عَلَى هَذِهِ الْبُقْعَةِ، وَسَأَلَ رَاهِبًا هُنَاكَ عن أمر
1 تاريخ الطبري "7/ 607".
2 وراجع: تاريخ خليفة "ص/ 276"، وتاريخ الطبري "7/ 517-552"، والنجوم الزاهرة "1/ 446"، والبداية والنهاية "10/ 80".
الأَرْضِ وَصِحَّتِهَا وَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ فِي كُتُبِكُمْ أنه يبنى ها هنا مَدِينَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ يَبْنِيهَا مِقْلاصٌ، قَالَ: فَأَنَا كنت أدعى بذلك لما بنى مدينة "الرَّافِقَةُ" قَالَ لَهُ رَاهِبٌ: إِنَّ إِنْسَانًا يَبْنِي هُنَا مَدِينَةً يُقَالُ لَهُ مِقْلاصٌ، قَالَ: أَنَا هُوَ، فَبَنَاهَا عَلَى نَحْوٍ مِنْ بَغْدَادَ، لَكِنَّهَا أَصْغَرُ.
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُجَالِدٍ قَالَ: أَحْضَرَ الْمَنْصُورُ الصُّنَّاعَ وَالْفَعَلَةَ مِنَ الْبِلادِ، وَأَحْضَرَ الْمُهَنْدِسِينَ وَالْحُكَمَاءَ وَالْعُلَمَاءَ، وَكَانَ مِمَّنْ أَحْضَرَ حَجَّاجَ بْنَ أَرْطَأَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَرُسِمَتْ لَهُ بِالرَّمَادِ، بِسُورِهَا، وَأَبْوَابِهَا، وَأَسْوَاقِهَا، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ عَلَى ذَلِكَ الرَّسْمِ.
وَرَوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ المنصور قال لذلك الراهب: أيرد أَنْ أَبْنِي هُنَا مَدِينَةً، فَقَالَ: إِنَّمَا يَبْنِيهَا مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الدَّوَانِيقِ، فَضَحِكَ وَقَالَ: أَنَا هُوَ، وَاخْتَطَّهَا وَوَكَّلَ بِهَا أَرْبَعَةَ قُوَّادٍ، وَوَلَّى أَبَا حَنِيفَةَ الْقِيَامَ بِعَمَلِ الآجُرِّ.
وَقِيلَ: كَمُلَ سُورُهَا فِي أَرْبَعِ سِنِينَ. وَكَانَتِ الْبُقْعَةُ مَزْرَعَةً تُدْعَى الْمُبَارَكَةُ، لِسِتِّينَ نَفْسًا، فَعَوَّضَهُمُ الْمَنْصُورُ وَأَعْطَاهُمْ فَأَرْضَاهُمْ، وَجَدُّوا فِي الْبِنَاءِ بَعْدَ انْقِضَاءِ فِتْنَةِ ابْنِ حَسَنٍ.
وَقِيلَ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مَدِينَةٌ مُدَوَّرَةٌ سِوَاهَا، عَمَلَ فِي وَسَطِهَا دَارَ الْمَمْلَكَةِ بِحَيْثُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي قَصْرِهِ كَانَ جَمِيعُ أَطْرَافِ الْبَلَدِ إِلَيْهِ سَوَاءً، وَقَدْ تَمَّ بِنَاؤُهَا الْمُهِمُّ فِي عَامٍ، وَسَكَنَهَا وَنَقَلَ إِلَيْهَا خَزَائِنَهُ وَبُيُوتَ الْمَالِ.
وَقِيلَ: سِعَتُهَا مِائَةٌ وثلاثون جريبًا، وأنفق عَلَيْهَا ثَمَانِيَةَ عَشْرَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
قَالَ بَدْرٌ الْمُعْتَضِدِيُّ: قَالَ لَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: انْظُرُوا كَمْ سِعَةُ مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ، فَحَسَبْنَا فَإِذَا هِيَ ميلين مكسرين في ميلين.
وقيل مسافة مَا بَيْنَ كُلِّ بَابٍ وَبَابٍ أَلْفٌ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ، وَكَانَ فِي هَذَا الْوَقْتِ رَخَاءُ الأَسْعَارِ بِالْعِرَاقِ حَتَّى بِيعَ الْكَبْشُ بِدِرْهَمٍ وَالْحَمَلُ بِأَرْبَعَةِ دَوَانِيقَ1، وَالتَّمْرُ سِتُّونَ رَطْلا بِدِرْهَمٍ، وَالزَّيْتُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلا بِدِرْهَمٍ، وَالسَّمْنُ ثَمَانِيَةٌ بِدِرْهَمٍ.
قَالَ أبو نعيم: أنا رأيت ينادى في جباية كِنْدَةَ: لَحْمُ الْغَنَمِ سِتُّونَ رَطْلا بِدِرْهَمٍ، وَالْعَسَلُ عشرة بدرهم.
1 الدانق: سدس الدرهم "ج" دوانق: وداونيق.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلُّ بَغْدَادَ مَبْنِيَّةٌ بِالآجُرِّ، اللَّبِنَةُ ذِرَاعٌ فِي ذِرَاعٍ، زِنَتُهَا مِائَةُ رَطْلٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ رَطْلا، وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ، بَيْنَ الْبَابِ وَالْبَابِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ بُرْجًا، وَعَلَيْهَا سُورَانِ، ثُمَّ بُنِيَ الْجَامِعُ وَالْقَصْرُ، وَكَانَ فِي صَدْرِ الْقَصْرِ إيوان طوله عشرون ذراعًا، وعليه الْقُبَّةُ الْخَضْرَاءُ ارْتِفَاعُهَا ثَمَانُونَ ذِرَاعًا. سَقَطَ رَأْسُهَا لَيْلَةَ مَطَرٍ وَرَعْدٍ عَظِيمٍ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وعشرين وثلاثمائة.
وكان يَدْخُلُ هَذِهِ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ رَاكِبًا سِوَى الْمَنْصُورِ وَابْنِهِ.
قَالَ الصُّولِيُّ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ: ذَرْعُ بَغْدَادَ يَعْنِي الْجَدِيدَةَ قَالَ: ذَرْعُ الْجَانِبَيْنِ ثَلاثَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفَ جَرِيبٍ. وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الصُّولِيِّ: إِنَّهَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ ثَلاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ جُرَيْبٍ وَسَبْعُمِائَةٍ.
ثُمَّ قال الصولي: وذكر ابن طَاهِرٍ أَنَّ عَدَدَ حَمَّامَاتِهَا كَانَتْ ذَلِكَ الْوَقْتِ سِتِّينَ أَلْفًا. وَقَالَ أَقَلُّ مَا يُدَبَّرُ كُلَّ حَمَّامٍ خَمْسَةُ أَنْفُسٍ، وَذَكَرَ أَنَّ بِإِزَاءِ كُلِّ حمام خمسة مساجد.
فلت: كَذَا نَقَلَ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ1، وَمَا أَعْتَقِدُ أَنَا هَذَا قَطُّ وَلا عُشْرَ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ الْخَطِيبُ: حَدَّثَنِي هِلالُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: كُنْتُ بِحَضْرَةِ جَدِّي إِبْرَاهِيمَ بْنِ هِلالٍ الصَّابِي، فَقَالَ تَاجِرٌ فَذَكَرَ أَنَّ بِبَغْدَادَ الْيَوْمَ ثَلاثَةُ آلافِ حَمَّامٍ، فَقَالَ جَدِّي: سُبْحَانَ اللَّهِ! هَذَا سُدُسُ مَا كُنَّا عَدَدْنَاهُ وَحَصَرْنَاهُ زَمَنَ الْوَزِيرِ الْمُهَلَّبِيِّ، ثُمَّ كَانَتْ فِي دَوْلَةِ عَضُدِ اللَّهِ خَمْسَةَ آلافٍ وَكَسْرًا.
وَنَقَلَ ابْنُ خِلِّكَانَ2 أَنَّ اسْتِكْمَالَ بَغْدَادَ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَهِيَ بَغْدَادُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ عَلَى دِجْلَةِ، وَبَغْدَادُ الْيَوْمَ هِيَ الْجَدِيدَةُ الَّتِي فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَفِيهَا دَارُ الْخِلافَةِ، وَقَدْ كَانَ السَّفَّاحُ بَنَى عِنْدَ الأَنْبَارِ مَدِينَةَ الْهَاشِمِيَّةَ وَسَكَنَهَا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الأَنْبَارِ وَبِهَا تُوُفِّيَ.
* خُرُوجُ إِبْرَاهِيمَ. وَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن حسن، أَخُو مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورِ بِالْبَصْرَةِ.
قَالَ مُطَهِّرُ بْنُ الْحَارِثِ: أَقْبَلْنَا مَعَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَكَّةَ نُرِيدُ البصرة، ونحن عشرة
1 تاريخ الأعيان "1/ 117".
2 يعني في وفيات الأعيان "2/ 154-290".
أَنْفُسٍ، فَدَخَلْنَاهَا، ثُمَّ نَزَلْنَا عَلَى يَحْيَى بْنِ زِيَادِ بْنِ حَسَّانٍ النَّبَطِيِّ1.
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: اضْطَرَّنِي الطَّلَبُ بِالْمَوْصِلِ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى مَوَائِدَ أَبِي جَعْفَرٍ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَهَا يَطْلُبُنِي، فَتَحَيَّرْتُ، وَلَفَظَتْنِي الأَرْضُ، فَجَعَلْتُ لا أَجِدُ مَسَاغًا، وَوَضَعَ عَلَيَّ الطَّلَبَ وَالأَرْصَادَ، وَدَعَا يَوْمًا النَّاسَ إِلَى غَدَائِهِ، فَدَخَلْتُ فِي النَّاسِ، وَأَكَلْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَقَدْ كَفَّ الطَّلَبُ2.
وَقَدْ جَرَتْ لِإِبْرَاهِيمَ أُمُورٌ فِي اخْتِفَائِهِ، وَرُبَّمَا وَقَعَ بِهِ بَعْضُ الأَعْوَانِ فَيَصْطَنِعَهُ وَيُطْلِقَهُ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَبَرُوتِ أَبِي جَعْفَرٍ، ثُمَّ اخْتَفَى بِالْبَصْرَةِ، فَجَعَلَ يَدْعُو النَّاسَ فَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ لِشَدَّةِ بُغْضِهِمْ لِلْمَنْصُورِ لِبُخْلِهِ وَعَسْفِهِ.
قَالَ ابْن سَعْدٍ3: لَمَّا ظَهَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَغَلَبَ عَلَى الْحَرَمَيْنِ وَجَّهَ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَدَخَلَهَا فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ فَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَبَيَّضَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَنَزَعُوا السَّوَادَ، وَخَرَجَ مَعَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ جماعة كثيرة. ثُمَّ تَأَهَّبَ لِحَرْبِ الْمَنْصُورِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: بَايَعَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ مُرَّةَ، وَعَفُوُّ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، وَعُمَرُ بْنُ سَلَمَةَ الْهُجَيْمِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الرَّقَاشِيُّ، وَنَدَبُوا لَهُ النَّاسَ، فَأَجَابَ طَائِفَةٌ حَتَّى قَارَبُوا أَرْبَعَةَ آلافٍ، وَشُهِرَ أَمْرُهُ، وَقَالُوا لَهُ: لَوْ نَهَضْتَ إِلَى وَسَطِ الْبَصْرَةِ أَتَاكَ مَنْ أَتَاكَ، فَنَزَلَ فِي دَارِ أَبِي مَرْوَانَ النَّيْسَابُورِيِّ.
قَالَ عَفُوُّ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ: أَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ يَوْمًا وَهُوَ مَرْعُوبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ بِكِتَابِ أَخِيهِ أَنَّهُ ظَهَرَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ، فَوَجَمَ لَهَا وَاغْتَمَّ، فَأَخَذْتُ أُسَهِّلُ عَلَيْهِ وَأَقُولُ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ أَمْرُكَ، مَعَكَ مَضَّاءُ التَّغْلِبِيُّ وَالطُّهَوِيُّ وَالْمُغِيرَةُ، وَأَنَا وَجَمَاعَةٌ، فَنَخْرُجُ إِلَى السِّجْنِ فِي اللَّيْلِ فَنَفْتَحُهُ، وَيُصْبِحُ مَعَكَ خَلْقٌ مِنَ النَّاسِ، فَطَابَتْ نَفْسُهُ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَنْصُورَ فَجَهَّزَ جَيْشًا إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ الْكُوفَةَ لِيَكْتَفِي شَرَّ الشِّيعَةِ وَفَتْقَهُمْ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْحَذَّاءُ: أَلْزَمَ الْمَنْصُورُ النَّاسَ بِالسَّوَادِ، فَكُنْتُ أَرَاهُمْ يَصْبُغُونَ ثِيَابَهُمْ بِالْمِدَادِ، يَعْنِي السُّوقَةَ، ثُمَّ جَعَلَ يَحْبِسُ أَوْ يَقْتُلُ كُلَّ مَنْ يَتَّهِمُهُ بِالْكَوْفَةِ. وَكَانَ ابْنُ ماعز
1 سير أعلام النبلاء "6/ 413".
2 انظر المصدر السابق "6/ 413".
3 في الطبقات الكبرى "5/ 441".
الأَسَدِيُّ يُبَايِعُ لِإِبْرَاهِيمَ بِالْكَوْفَةِ سِرًّا. وَقَتَلَ الْمَنْصُورُ جَمَاعَةً كَثِيرَةً عَسْفًا وَظُلْمًا. وَكَانَ بِالْمَوْصِلِ أَلْفَا فَارِسٍ لِمَكَانِ الْخَوَارِجِ، فَطَلَبَهُمُ الْمَنْصُورُ، فَلَمَّا كَانُوا بَبَاخَمْرًا اعْتَرَضَ أَهْلُهَا الْعَسْكَرَ، وَقَالُوا: لا نَدَعُكُمْ تُجَاوِزُونَا لِتَنْصُرُوا أَبَا جَعْفَرٍ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَاتِلُوهُمْ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَمْسُمِائَةٍ1.
وَأَمَّا أَمِيرُ الْبَصْرَةِ سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَتَهَاوَنَ فِي أَمْرِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى عَجَزَ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ، فَبَقِيَ كُلَّمَا قِيلَ لَهُ: إِبْرَاهِيمُ خَارِجٌ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَى قَوْلِ أَحَدٍ، فَلَمَّا خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ جَعَلَ أَصْحَابُهُ يُنَادُونَ سُفْيَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ: اذْكُرْ بَيْعَتَكَ فِي دَارِ الْمَخْزُومِيِّينَ، فَيُقَالُ: كَانَ مُدَاهِنًا لِإِبْرَاهِيمَ مِمَّا فِي قَلْبِهِ عَلَى الْمَنْصُورِ.
وَكَانَ ظُهُورُ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ فِي اللَّيْلِ، فَصَارَ إِلَى مَقْبَرَةِ بَنِي يَشْكُرَ فِي بِضْعَةَ عَشَرَ فَارِسًا، وَقَدِمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَبُو حَمَّادٍ الأَثْرَمُ فِي أَلْفَيْنِ، فَنَزَلَ الرَّحْبَةَ، فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ أَوَّلَ شَيْءٍ أَصَابَ دَوَابَّ أُولَئِكَ الْعَسْكَرِ وَأَسْلِحَتَهُمْ، فَتَقَوَّى بِهَا، ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فِي الْجَامِعِ، فَتَحَصَّنَ مِنْهُ سُفْيَانُ فِي دَارِ الإِمَارَةِ، وَأَقْبَلَ الْخَلْقُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَيْنِ نَاصِرٍ وَنَاظِرٍ: ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ بِالأَمَانِ، وَدَخَلَ إِبْرَاهِيمُ الدَّارَ، وَعَفَا عَنِ الْجُنْدِ، وَقَيَّدَ سُفْيَانَ بِقَيْدٍ خَفِيفٍ، فَأَقْبَلَ لِحَرْبِهِ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَأَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، فِي سِتِّمِائَةٍ، فَنَدَبَ إِبْرَاهِيمُ مَضَّاءَ بْنَ جَعْفَرٍ فِي خَمْسِينَ مِنْ بَيْنِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَهَزَمَهُمْ مَضَّاءٌ، وَجُرِحَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَوَجَدَ إِبْرَاهِيمُ فِي بَيْتِ الْمَالِ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَفَرَّقَهَا عَلَى أَصْحَابِهِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ، وَجَهَّزَ الْمُغِيرَةَ فِي خَمْسِينَ مُقَاتِلا إِلَى الأَهْوَازِ، فَقَدَّمَهَا وَقَدْ صَارَ مَعَهُ نَحْوُ الْمِائَتَيْنِ. وَكَانَ عَلَى الأَهْوَازِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُصَيْنِ، فَالْتَقَى الْمُغِيرَةَ فَانْكَسَرَ ابْنُ الْحُصَيْنِ، وَغَلَبَ الْمُغِيرَةُ عَلَى الأَهْوَازِ. ثُمَّ أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ الْمَسِيرَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَبَعَثَ إِلَى فَارِسٍ عَمْرَو بْنَ شَدَّادٍ، فَسَارَ إِلَيْهِ مِنْ رَامَهُرْمُزَ يَعْقُوبُ بْنُ الْفَضْلِ، فَاتَّفَقَا وَغَلَبَا عَلَى إِقْلِيمِ فَارِسٍ، فَلَوْ تَوَجَّهَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى إِقْلِيمِ فَارِسٍ لَتَمَّ لَهُ الأَمْرُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى وَاسِطٍ هَارُونَ بْنَ سَعْدٍ الْعِجْلِيَّ عِنْدَمَا قَدِمَ إِلَيْهِ مِنَ الْكُوفَةِ فَسَارَ إِلَى وَاسِطٍ، فَجَهَّزَ الْمَنْصُورُ لِحَرْبِهِ عامر بن إسماعيل المسلمي فِي خَمْسَةِ آلافٍ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا حَرْبٌ وَوَقْعَاتٌ2. وَقَدْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ وَاسِطَ وَالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ الْكَائِنَةِ عَدَدٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ تَوَادَعَ الْفَرِيقَانِ وَكَلُّوا، فَلَمَّا قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ كَمَا سَيَأْتِي، سَارَ هارون بن
1 ذكره في سير أعلام النبلاء "6/ 414".
2 راجع تاريخ الطبري "7/ 637"، وتاريخ ابن الأثير "5/ 564".
سَعْدٍ الْعِجْلِيُّ رَاجِعًا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَتُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا، نَعَمْ، وَبَقِيَ إِبْرَاهِيمُ سَائِرَ شَهْرِ رَمَضَانَ يُنْفِذُ عُمَّالَهُ إِلَى الْبِلادِ، حَتَّى أَتَاهُ نَعْيُ1 أَخِيهِ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ، قَبْلَ الْعِيدِ بِثَلاثٍ، فَفُتَّ فِي عَضُدِهِ وبُهِتَ لِذَلِكَ، وَخَرَجَ يَوْمَ العيد إلى الْمُصَلَّى فَصَلَّى بِالنَّاسِ، يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ وَالانْكِسَارُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا بَلَغَهُ خُرُوجُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ، مَا فِي عَسْكَرِي إِلا أَلْفَا رَجُلٍ! فَرَّقْتُ عَسَاكِرِي، مَعَ ابْنِي بِالرَّيِّ ثَلاثُونَ أَلْفًا، وَمَعَ مُحَمَّدِ بْنِ أَشْعَثَ بِأَفْرِيقِيَّةَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَمَعَ عِيسَى بْنِ مُوسَى بِالْحِجَازِ سِتَّةُ آلافٍ، وَلَئِنْ سَلِمْتُ مِنْ هَذِهِ لا يُفَارِقُنِي ثَلاثُونَ أَلْفَ فَارِسٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ أَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ عِيسَى مِنَ الْحِجَازِ مَنْصُورًا، فَوَجَّهَهُ عَلَى النَّاسِ لِحَرْبِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَتَبَ إِلَى سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ فَقَدِمَ إِلَيْهِ مِنَ الرَّيِّ.
قَالَ سَلْمٌ: فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَى الْمَنْصُورِ قَالَ لِي: خَرَجَ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ، فَاعْمِدْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَلا يُرْعِبُكَ جَمْعُهُ فَوَاللَّهِ إِنَّهُمَا جَمَلا بَنِي هَاشِمٍ الْمَقْتُولانِ فَابْسُطْ يَدَكَ وَثِقْ2.
وَكَتَبَ سَلْمٌ إِلَى الْبَصْرَةِ يُلاطِفُهُمْ فَلَحِقَتْ بِهِ بَاهِلَةُ، فَاسْتَحَثَّ الْمَنْصُورُ ابْنَهُ لِيُجَهِّزَ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ إِلَى الأَهْوَازِ، فَسَارَ بِأَرْبَعَةِ آلافِ فَارِسٍ، فَفَرَّ مِنْهُ الْمُغِيرَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَدَخَلَ خَازِمٌ الأَهْوَازَ فَأَبَاحَهَا ثَلاثًا، لِكَوْنِهِمْ نَزَعُوا الطَّاعَةَ، وكث الْمَنْصُورُ لا يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ ليلة.
قال حجاج بن قتيبة بن مسلم: دَخَلْتُ عَلَى الْمَنْصُورِ تِلْكَ الأَيَّامِ وَقَدْ جَاءَهُ فَتْقُ الْبَصْرَةِ وَفَارِسَ وَوَاسِطَ وَالْمَدَائِنِ وَهُوَ مُطْرِقٌ يَتَمَثَّلُ:
وَنَصَّبْتُ نَفْسِي لِلرَّمَاحِ دَرِيَّةً
إِنَّ الرَّئِيسَ لِمِثْلِ ذَاكَ فَعُولُ
وَمَا أَظُنُّهُ يَقْدِرُ عَلَى السِّلاحِ، لِلْفُتُوقِ الْمُحِيطَةِ بِهِ، وَلِمِائَةِ أَلْفِ سَيْفٍ كَامِنَةٍ يَنْتَظِرُونَ صَيْحَةً فَيَثِبُونَ، فَوَجَدْتُهُ صَقْرًا أَحْوَذِيًّا3 مُشَمِّرًا، قَدْ قَامَ إِلَى مَا نَزَلَ بِهِ من النوائب يمرسها ويعركها.
1 نعي أخيه: يعني موته.
2 انظر تاريخ الطبري "7/ 639".
3 الأحوذي: يعني المشمر في الأمور القاهر لها لا يند عليها منها شيء والسريع في كل ما أخذ فيه، والعالم بالأمر.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَدِينِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ إِبْرَاهِيمَ إِلَى بِاخَمْرَا1 فَعَسْكَرْنَا بِهَا، فَأَتَانَا لَيْلَةً، فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا نَطُوفُ فِي عَسْكَرِنَا، قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتِ طَنَابِيرَ وَغِنَاءً، فَرَجَعَ، ثُمَّ أَتَانِي لَيْلَةً أُخْرَى، فَانْطَلَقْنَا فَسَمِعْنَا مِثْلَ ذَلِكَ فَرَجَعَ وَقَالَ: مَا أَطْمَعُ فِي نَصْرِ عَسْكَرٍ فِيهِ مِثْلُ هَذَا.
وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَحْصَى دِيوَانَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِائَةُ أَلْفِ مُقَاتِلٍ.
وَقَالَ آخَرُ: بَلْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ آلافٍ، وَهَذَا أَشْبَهُ. وَكَانَ مَعَ عِيسَى بْنِ مُوسَى خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى طَلائِعِهِ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ فِي ثَلاثَةِ آلافٍ. وَأَمَّا إِبْرَاهِيمَ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَسْلُكَ غَيْرَ الدَّرْبِ، فَيَبْغَتَ الْكُوفَةَ، فَقَالَ: بل أبيت عِيسَى.
وَعَنْ هُرَيْمٍ قَالَ: قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ: إِنَّكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ عَلَى الْمَنْصُورِ حَتَّى تَأْتِي الْكُوفَةَ، فَإِنْ صَارَتْ لَكَ بَعْدَ تَحَصُّنِهِ بِهَا، لَمْ تَقُمْ لَهُ بَعْدَهَا قَائِمَةٌ، وَإِلا فَدَعْنِي أَسِيرُ إِلَيْهَا فَأَدْعُو إِلَيْكَ سِرًّا، ثُمَّ أَجْهَرُ، فَإِنَّهُمْ إِنْ سَمِعُوا دَاعِيًا أَجَابُوهُ، وَإِنْ سَمِعَ الْمَنْصُورُ هَيْعَةً بِأَرْجَاءِ الْكُوفَةِ طَارَ إِلَى حُلْوَانَ، فَقَالَ: لا نأمن أن تجيبك مِنْهُمْ طَائِفَةٌ فَتَطَأُ خَيْلُ الْمَنْصُورِ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، فَتَكُونُ قَدْ تَعَرَّضَتْ لِمَأْثَمٍ2، فَقُلْتُ: خَرَجْتَ لِقِتَالِ الْمَنْصُورِ، وَأَنْتَ تَتَوَقَّى قَتْلَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ؟ أَلَيْسَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُوَجِّهُ السَّرِيَّةَ فَتُقَاتِلُ، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ نَحْوُ مَا كَرِهْتَ فَقَالَ: أُولَئِكَ مُشْرِكُونَ، وَهَؤُلاءِ أَهْلُ قِبْلَتِنَا.
وَلَمَّا نَزَلَ "بَاخَمْرَا" كَتَبَ إِلَيْهِ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ: إِنَّكَ قَدْ أَصْحَرْتَ وَمِثْلُكَ أَنْفَسُ بِهِ عَلَى الْمَوْتِ، فَخنْدِقْ عَلَى نَفْسِكَ، فَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَفْعَلْ، فَقَدْ أَعْرَى الْمَنْصُورُ عسكره، فخف في طائفة حتى تأتيه فتأخذه بِقَفَاهُ، فَعَرَضَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى قُوَّادِهِ فَقَالُوا: نُخَنْدِقُ عَلَى نُفُوسِنَا وَنَحْنُ ظَاهِرُونَ عَلَيْهِمْ وَاللَّهِ لا نَفْعَلُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَأْتِيهِ وَهُوَ فِي أيْدِينَا مَتَى أَرَدْنَا؟ وَقَالَ آخَرُ: لَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ: إِنَّ الصَّفَّ إِذَا انْهَزَمَتْ تَعْبِئَتُهُ تَدَاعَى، فَاجْعَلْنَا كَرَادِيسَ، فَإِنِ انْهَزَمَ كُرْدُوسٌ ثَبَتَ كُرْدُوسٌ، فَتَنَادَى أَصْحَابُهُ: لا لا، إِلا تَعْبِئَةَ أَهْلِ الشَّامِ وَقِتَالِهِمْ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
1 إلى باخمرا: قال ياقوت في معجم البلدان: باخمرا موضع بين الكوفة وواسط وهو إلى الكوفة أقرب. قالوا: بين باخمرا والكوفة سبعة عشرى فرسخًا، بها كانت الوقعة بين أصحاب أبي جعفر المنصور وإبراهيم بن عبد الله بْنُ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه فقتل إبراهيم هناك.
2 سير أعلام النبلاء "6/ 416"، وتاريخ الطبري "7/ 644".
الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} [الصف: 4] .
وَقَالَ آخَرُ: أَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ فَقُلْتُ: إِنَّهُمْ مُصْبِحُوكَ بِمَا يَسُدُّ عَلَيْكَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ فِي السِّلاحِ وَالْكُرَاعِ، وَإِنَّمَا مَعَكَ رِجَالٌ عُرَاةٌ، فَدَعْنَا نُبَيِّتُهُمْ، فَقَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ الْقَتْلَ. فَقُلْتُ: تُرِيدُ الْمُلْكَ وَتَكْرَهُ القتل، والتقوا بـ"باخمرا"، وَهِيَ عَلَى يَوْمَيْنِ مِنَ الْكُوفَةِ، فَاشْتَدَّ الْحَرْبُ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَكَانَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، فَانْهَزَمَ الْجَيْشُ، فَنَاشَدَهُمْ عِيسَى بْنُ مُوسَى اللَّهَ تَعَالَى، وَمَرَّ النَّاسُ، فَثُبِتَ عِيسَى فِي مِائَةِ فَارِسٍ مِنْ خَوَاصِّهِ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ تَنَحَّيْتَ فَقَالَ: لا أَزُولُ حَتَّى أُقْتَلَ أَوْ أَفْتَحَ، وَلا يُقَالُ انْهَزَمَ.
وَعَنْ عِيسَى قَالَ: لَمَّا رَأَى الْمَنْصُورُ تَوْجِيهِي إِلَى إِبْرَاهِيمَ قال: إن المنجمين يزعمون إنك لاقيه ثُمَّ يَفِيءُ إِلَيْكَ أَصْحَابُكَ فَكَانَ كَمَا قَالَ؛ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا مَعِي ثَلاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ غُلامِي: عَلامَ تَقْفُ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لا يَنْظُرُ إِلَيَّ أَهْلُ بَيْتِي مُنْهَزِمًا، ثُمَّ كَانَ أَكْثَرُ مَا عِنْدِي أَنْ أَقُولَ لِمَنْ مَرَّ بِي مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ: أَقْرِئُوا أَهْلَ بَيْتِي السَّلامَ، وَقُولُوا: إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِدَاءً أَفْدِيكُمْ بِهِ أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسِي، وَقَدْ بَذَلْتُهَا، لَكُمْ فأنا لكذلك، إِذْ عَمَدَ ابْنَا سُلَيْمَانَ لِإِبْرَاهِيمَ فَخَرَجَا مِنْ وَرَائِهِ فَنَظَرَ أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ فَإِذَا الْقِتَالُ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَكَرُّوا، فَرَكِبْنَا أَعْقَابَهُمْ فَلَوْلا ابْنَا سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ لافْتَضَحْنَا، وَكَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ أَنَّ أَصْحَابَنَا لَمَّا انْهَزَمُوا اعْتَرَضَ لَهُمْ نَهْرٌ دُونَ ثِنْيَتَيْنِ عَالِيَتَيْنِ، فَحَالَتَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفُرَاتِ، وَلَمْ يَجِدُوا مَخَاضَةً، فَكَرُّوا رَاجِعِينَ بِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ، فَثَبَتَ هُوَ فِي نَحْوٍ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ. وَقِيلَ: بَلْ ثَبَتَ فِي سَبْعِينَ رَجُلا، ثُمَّ حَمَلَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ فِي طَائِفَةٍ مَعَهُ، وَقَاتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، حَتَّى إِنَّ الْفَرِيقَيْنِ قَتَلُوا بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَجَعَلَ حُمَيْدٌ يَبْعَثُ بالرؤوس إِلَى بَيْنِ يَدَيْ عِيسَى، وَثَبَتُوا عَامَّةَ يَوْمِهِمْ يَقْتَتِلُونَ، إِلَى أَنْ جَاءَ سَهْمُ غَرْبٍ لا يُدْرَى مَنْ رَمَى بِهِ، فَوَقَعَ فِي حَلْقِ إِبْرَاهِيمَ، فَتَنَحَّى عَنْ مَوْقِفِهِ، فَأَنْزَلُوهُ، وَهُوَ يَقُولُ:{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب: 38] . أَرَدْنَا أمرًا وأراد الله غيره، فاجتمع عليه أصحاب يَحْمُونَهُ، فَأَنْكَرَ حُمَيْدٌ اجْتِمَاعَهُمْ، وَأَمَرَ فَحَمَلُوا عَلَيْهِ، فقاتلوا أشد قتلا يَكُونُ، حَتَّى انْفَرَجُوا عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَنَزَلَ أَصْحَابُ حُمَيْدٍ، فَاحْتَزُّوا رَأْسَ إِبْرَاهِيمَ، وَأُتِيَ بِهِ عِيسَى، فَنَزَلَ وَسَجَدَ لِلَّهِ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْمَنْصُورِ، وَذَلِكَ لِخَمْسِ بَقَيْنَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، وَعُمْرُهُ ثمان وأربعون سنة1.
1 تاريخ الطبري "7/ 646-647".
وَقِيلَ: كَانَ عَلَيْهِ قَبَاءٌ زَرَدٌ، فَآذَاهُ الْحَرُّ، فَحَلَّ إِزَارَهُ، وَحَسَرَ عَنْ صَدْرِهِ، فَأَصَابَتْ صَدْرَهُ نَشَّابَةٌ، فَاعْتَنَقَ فَرَسَهُ، وَكَرَّ رَاجِعًا، وَوَصَلَ أَوَائِلُ الْمُنْهَزِمِينَ مِنْ عَسْكَرِ الْمَنْصُورِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَتَهَيَّأَ الْمَنْصُورُ لِلْهَرَبِ، وَأَعَدَّ النَّجَائِبَ لِيَذْهَبَ إِلَى الرَّيِّ، فَيُقَالَ: إِنَّ نُوبِخْتَ الْمُنَجِّمَ دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: الظَّفَرُ لَكَ، وَسَيُقْتَلُ إِبْرَاهِيمُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَقَالَ: احبِسْنِي عِنْدَكَ، فَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ إِبْرَاهِيمُ وَإِلا فَاقْتُلْنِي، فَبَاتَ طَائِرَ اللُّبِّ، فَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ أُتِيَ بِرَأْسِ إِبْرَاهِيمَ، فَتَمَثَّلَ بَيْتَ مُعَقِّرٍ الْبَارِقِيِّ:
فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى
كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالإِيَّابِ الْمُسَافِرُ1
قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: صَلَّى إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِيدَ بِالنَّاسِ أَرْبَعًا، وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ وَهُشَيْمٌ ويزيد ابنا هَارُونَ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ شُعْبَةُ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجَاهِرُ فِي أَمْرِهِ وَيَأْمُرُ بِالْخُرُوجِ2.
وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: مَا كَانَ بِالْبَصْرَةِ أَحَدٌ إِلا وَقَدْ تَغَيَّرَ أَيَّامَ إِبْرَاهِيمَ إِلا ابْنَ عَوْنٍ.
وَحَدَّثَنِي مَيْسُورُ بْنُ بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الْوَارِثِ يَقُولُ: فَأَتَيْنَا شُعْبَةَ فَقُلْنَا: كَيْفَ ترى؟ قال: أرى أَنْ تَخْرُجُوا وَتُعِينُوهُ، فَأَتَيْنَا هِشَامَ بْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَلَمْ يُجِبْنَا بِشَيْءٍ، فَأَتَيْنَا سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ فَقَالَ: مَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَدْخُلَ رَجُلٌ مَنْزِلَهُ، فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ دَاخِلٌ قَاتَلَهُ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: ثنا خلاد بن يزيد الْبَاهِلِيُّ سَمِعَ شُعْبَةَ بْنَ الْحَجَّاجِ يَقُولُ: بَاخَمْرَا بَدْرٌ الصُّغْرَى3.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الآجُرِّيُّ: هِيَ وَقْعَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَهِيَ بِإِزَاءِ هَزَابَانَ دَاخِلَ الصَّحْرَاءِ.
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَلَمَّا قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ، هَرَبَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بَحْرًا وَبَرًّا، وَاسْتَخْفَى النَّاسُ، وَقُتِلَ مَعَهُ بَشِيرٌ الرَّحَّالُ الأَمِيرُ، وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ: خَرَجَ مع إبراهيم خلق، وجميع أهل واسط،
1 البيت من البحر الطويل وهو منسوب لمعقر بن أوس بن حمار البارقي ابن دريد كما في الاشتقاق "ص/ 481"، والآمدي في المؤتلف والمختلف "128".
2 راجع تاريخ خليفة "422".
3 سير أعلام النبلاء "6/ 417".