المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الْفَصْل الثَّالِث   فِي الْأَدِلَّة على هَذَا الْمُخْتَار وَمَا اعْترض بِهِ عَلَيْهَا - تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد

[صلاح الدين العلائي]

الفصل: ‌ ‌الْفَصْل الثَّالِث   فِي الْأَدِلَّة على هَذَا الْمُخْتَار وَمَا اعْترض بِهِ عَلَيْهَا

‌الْفَصْل الثَّالِث

فِي الْأَدِلَّة على هَذَا الْمُخْتَار وَمَا اعْترض بِهِ عَلَيْهَا وَمَا اسْتدلَّ بِهِ الْمَانِع لذَلِك مَعَ الْجَواب عَنهُ

وَالْكَلَام فِي أَطْرَاف

الطّرف الأول فِي الْأَدِلَّة على أَن النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه يدل على فَسَاده من جِهَة الشَّرْع وَذَلِكَ من النَّص وَالْإِجْمَاع والمعقول

أما النَّص فعلى وَجْهَيْن أَحدهمَا مَا يَشْمَل المنهيات عَنْهَا كلهَا بِعُمُومِهِ وَذَلِكَ فِي الحَدِيث الَّذِي روته عَائِشَة رض أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من أحدث فِي ديننَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد اتفقَا عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعند مُسلم أَيْضا فِي رِوَايَة أُخْرَى من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد وَهَذِه الرِّوَايَة أخص بالمطلوب من الرِّوَايَة الأولى وَالرَّدّ هُنَا بِاتِّفَاق أَئِمَّة اللُّغَة والْحَدِيث بِمَعْنى الْمَرْدُود كالخلق بِمَعْنى الْمَخْلُوق

وَكَذَلِكَ أَيْضا جَاءَ فِي حَدِيث العسيف قَوْله صلى الله عليه وسلم الماية شَاة وَالْخَادِم رد عَلَيْك أَي مَرْدُود عَلَيْك وَالرَّدّ صرف الشَّيْء ورجعه إِمَّا بِذَاتِهِ أَو

ص: 111

بِحَالَة من حالاته وَيُقَال للْمَرْأَة الْمُطلقَة مَرْدُودَة ورديد الدَّرَاهِم مَا زيف مِنْهَا ورد

وَالْمرَاد بِالْأَمر هُنَا شَرعه صلى الله عليه وسلم وَطَرِيقه بِدَلِيل الرِّوَايَة الأولى الْمُتَّفق عَلَيْهَا وَلَا شكّ فِي أَن الْمنْهِي عَنهُ لَيْسَ من الدّين فَكَانَ مردودا والمردود هُوَ المفسوخ الَّذِي لَا يعْمل بِهِ وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَهُوَ نقيض المقبول وَالصَّحِيح يُقَال رد عِبَارَته إِذا لم يقبلهَا وَكَذَلِكَ رد دَعَاهُ ورد كَلَام الْخصم إِذا أبْطلهُ وَلِهَذَا يُقَال للكتب المصنفة فِي إبِْطَال كَلَام أهل الْبدع كتب الرَّد عَلَيْهِم فَيكون اللَّفْظ حَقِيقَة فِي الْقدر الْمُشْتَرك دفعا للاشتراك وَالْمجَاز اللَّذين هما على خلاف الأَصْل فَإِذا ورد مُجَردا عَن الْقَرِينَة وَجب حمله على كلا الْمَعْنيين إِذْ لَو لم يكن لَكَانَ إِمَّا أَن لَا يحمل على وَاحِد مِنْهُمَا أَو على أَحدهمَا معينا أَو مُخَيّرا وَالْأول بَاطِل بالإتفاق وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل اللَّفْظ وَالثَّانِي أَيْضا بَاطِل لِأَن الْحمل على أحد مدلولي اللَّفْظ المتساويين لعَينه من غير دَلِيل تَرْجِيح من غير مُرَجّح وَكَذَلِكَ الثَّالِث أَيْضا لِأَن الْحمل على التَّخْيِير إِنَّمَا يجْرِي فِيمَا يتساوى فِيهِ المعنيان وَهنا ليسَا متساويين لما سنبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى

وَاعْترض على هَذَا الدَّلِيل بِوُجُوه

أَحدهَا أَنه من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يُفِيد إِلَّا الظَّن وَهَذِه الْمَسْأَلَة من أُمَّهَات مسَائِل أصُول الْفِقْه فَلَا يحْتَج فِيهَا إِلَّا بالقاطع وَهَذَا الإعتراض قديم أوردهُ القَاضِي أَبُو بكر على هَذَا الحَدِيث هُنَا

وَثَانِيها أَن الضَّمِير عَائِد إِلَى الْفَاعِل وَمعنى الْكَلَام من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فالفاعل رد أَي مَرْدُود وَمعنى كَونه مردودا أَنه غير مثاب

ص: 112

ثَالِثهَا أَنه وَإِن عَاد إِلَى الْمَفْعُول لكنه مَحْمُول على مَا لَا يكون مَقْبُولًا أَي لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ثَوَاب وَلَا يلْزم من نفي الْقبُول نفي الصِّحَّة ويترجح الْحمل على هَذَا الْمَعْنى لما فِيهِ من التَّعْمِيم لشمُول جَمِيع الصُّور الْمنْهِي عَنْهَا بِخِلَاف مَا إِذا حمل على نفي الصِّحَّة فَإِنَّهُ يخرج عَنهُ كل فعل مَنْهِيّ عَنهُ حكم بِصِحَّتِهِ كَالطَّلَاقِ فِي الْحيض وَالذّبْح بسكين مَغْصُوب وَالْبيع وَقت النداء وَالصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة والأماكن الْمَكْرُوهَة إِلَى مَا لَا ينعد كَثْرَة فَكَانَ الْحمل على نفي الْقبُول أرجح وَهَذَانِ الإعتراضان ذكرهمَا الْآمِدِيّ بأخصر من هَذَا التَّقْرِير

وَرَابِعهَا قَالَه الإِمَام فَخر الدّين فِي الْمَحْصُول إِن الطَّلَاق فِي زمن الْحيض يُوصف بأمرين أَحدهمَا أَنه غير مُطَابق لأمر الله تَعَالَى وَالثَّانِي انه سَبَب للبينونة

أما الأول فَالْقَوْل بِهِ إِدْخَال فِي الدّين مَا لَيْسَ مِنْهُ فَلَا جرم كَانَ ردا وَأما الثَّانِي فَلم قلت إِنَّه لَيْسَ من الدّين حَتَّى يلْزم مِنْهُ أَن يكون ردا فَإِن هَذَا عين الْمُتَنَازع فِيهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْآمِدِيّ أَيْضا بِعِبَارَة مختصرة وأصل هَذَا الإعتراض للْإِمَام الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى

ص: 113

وَالْجَوَاب عَن الأول نمْنَع أَن هَذَا الحَدِيث لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن بل أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ لإِجْمَاع الْأمة على صِحَّتهَا وتلقيهم إِيَّاهَا بِالْقبُولِ تفِيد الْعلم النظري كَمَا يُفِيد الْخَبَر المحتف بالقرائن وَهَذَا هُوَ اخْتِيَار الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَق الاسفراييني وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَقَررهُ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح وَقد ذكرته بدلائله فِي مُقَدّمَة نِهَايَة الْأَحْكَام

سلمنَا أَنه لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن لَكِن لَا نسلم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة مِمَّا يطْلب فِيهَا الْعلم بل هِيَ ظنية ويكتفى فِيهَا بِالظَّنِّ الرَّاجِح

سلمنَا أَنَّهَا علمية لَكِن إِذا انْضَمَّ هَذَا الحَدِيث إِلَى مَا يَأْتِي بعده أَفَادَ مَجْمُوع ذَلِك الْعلم إِن شَاءَ الله تَعَالَى

وَعَن الثَّانِي أَن عود الضَّمِير إِلَى الْفِعْل أولى لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه أقرب مَذْكُور وَالثَّانِي أَن عوده إِلَى الْفَاعِل يسْتَلْزم أَن يكون الْمَرْدُود هُنَا أُرِيد بِهِ الْمجَاز لِأَن حمله على الْفَاعِل بِمَعْنى أَنه غير مثاب يكون مجَازًا بِخِلَاف مَا إِذا حمل على نفس الْفِعْل لِأَن رده يكون حَقِيقَة وخصوصا إِذا حمل على نفي الصِّحَّة والإعتداد بِهِ وَعدم ترَتّب أَثَره عَلَيْهِ

وَعَن الثَّالِث أَن نفي الْقبُول يلْزم مِنْهُ نفي الصِّحَّة لِأَن الْقبُول ترَتّب الْغَرَض الْمَطْلُوب من الشَّيْء على الشَّيْء يُقَال قبل فلَان عذر فلَان إِذا ترَتّب على عذره الْغَرَض الْمَطْلُوب من محو جِنَايَته وَلِهَذَا أَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِنَفْي الْقبُول حَيْثُ المُرَاد نفي الصِّحَّة مثل

ص: 114

لَا يقبل الله صَلَاة بِغَيْر طهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول وَقَوله لَا يقبل صَلَاة حَائِض إِلَّا بخمار أَي من بلغت سنّ الْمَحِيض وَأَمْثَاله

لَا يُقَال فقد وَردت أَحَادِيث نفي فِيهَا الْقبُول وَهِي صَحِيحَة

كَالْعَبْدِ إِذا أبق لم تقبل لَهُ صَلَاة وَمن أَتَى عرافا وشارب الْخمر وَغَيره لأَنا نقُول قَامَ هُنَا دَلِيل من خَارج على الصِّحَّة ففسرنا الْقبُول فِيهَا بلازمه وَهُوَ ترَتّب الثَّوَاب وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يُفَسر بلازمه فِي كل الصُّور إِذا لم يقم دَلِيل من خَارج على صِحَة مَا حكم برده أَو نفي عَنهُ الْقبُول

سلمنَا أَن نفي الْقبُول لَا يلْزم مِنْهُ نفي الصِّحَّة لَكِن لَا نسلم تعين الْحمل عَلَيْهِ فِي قَوْله فَهُوَ رد بل حمله على نفي الصِّحَّة أولى لوَجْهَيْنِ

ص: 115

أَحدهمَا أَنه هُوَ حَقِيقَة اللَّفْظ أَو هُوَ أقرب إِلَى الْحَقِيقَة كَمَا بَينا من قبل

وَثَانِيهمَا أَنه أَكثر فَائِدَة لِأَن الْحمل على نفي الصِّحَّة يلْزم مِنْهُ نفي الْقبُول دون الْعَكْس وَالْحمل على الْأَكْثَر فَائِدَة أولى أَو هُوَ الْمُتَعَيّن

وَأما الذّبْح بالسكين الْمَغْصُوب وَطَلَاق الْحَائِض وَمَا ذكر مَعهَا فَهُوَ غير مُعْتَبر وَلَا نقض بهَا علينا لِأَن النَّهْي فِيهَا كلهَا لأمر خارجي لَا لعينها فالآتي بذلك الْفِعْل المقترن بِهَذَا الْخَارِجِي لم يَأْتِ بِهِ مرتكبا لمنهي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بل بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره

وَعَن الرَّابِع أَن الطَّلَاق فِي الْحيض غير وَارِد لما أَشَرنَا إِلَيْهِ آنِفا وَلَا يردهُ الإِمَام فَخر الدّين بِعَيْنِه لكنه جَاءَ بِهِ على وَجه الْمِثَال وَمرَاده التَّعْمِيم فِي كل الصُّور بِأَن يُقَال مثلا بيع الرِّبَوِيّ مُتَفَاضلا من هَذِه الْحَيْثِيَّة غير مُطَابق لأمر الله وَأما ترَتّب أَثَره عَلَيْهِ فَذَاك أَمر آخر وَهُوَ مَحل النزاع

فَيُقَال فِي جَوَابه الحَدِيث مصدر بِلَفْظ من الَّتِي هِيَ من صِيغ الْعُمُوم فَيعم ذَلِك كل عمل لَيْسَ على طَرِيق الشَّرْع بالحكم عَلَيْهِ أَنه مَرْدُود ورد الْوَاقِع مُتَعَذر فَيتَعَيَّن صرفه إِلَى آثاره ويعم جَمِيع الْآثَار المترتبة عَلَيْهِ والنقض بالمنهي عَنهُ لغيره غير وَارِد لما بَيناهُ وَالله أعلم

الْوَجْه الثَّانِي من الْأَحَادِيث مَا جَاءَت مُخْتَصَّة بِبَعْض الصُّور الْمنْهِي عَنْهَا فَمِنْهَا حكمه صلى الله عليه وسلم على الْمُسِيء صلَاته بِالْعدمِ فِي قَوْله إرجع فصل فَإنَّك لم تصل

ص: 116

وَلَا معنى للعدم إِلَّا الْبطلَان وَعدم الإعتداد بهَا وَلَا يُقَال لَو كَانَت بَاطِلَة لم يقره عَلَيْهَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم حَتَّى أكملها غير مرّة لأَنا نقُول كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يظنّ بِهِ تحسن صلَاته لمُجَرّد الْإِنْكَار عَلَيْهِ وتربص بِهِ حَتَّى يفرغ لمصْلحَة التَّعْلِيم

وروى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فِي قصَّة المواقع أَهله فِي نَهَار رَمَضَان أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ وصم يَوْمًا مَكَانَهُ وَذَلِكَ دَلِيل على فَسَاد الصَّوْم بارتكاب الْمنْهِي عَنهُ

وَمِنْهَا حكمه صلى الله عليه وسلم على الْبيُوع الْمنْهِي عَنْهَا بِالرَّدِّ والإبطال كَمَا فِي حَدِيث فضَالة رض أُتِي النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَام خَيْبَر بقلادة فِيهَا ذهب وخرز ابتاعها رجل بِتِسْعَة دَنَانِير أَو سَبْعَة فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لَا حَتَّى تميز بَينهمَا فَرده حَتَّى ميز بَينهمَا رَوَاهُ مُسلم وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن عَليّ رض أَنه فرق بَين

ص: 117

وَالِدَة وَوَلدهَا فَنَهَاهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن ذَلِك ورد البيع

وَفِي الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم عَن أبي سعيد أَن أم سَلمَة رضي الله عنها بعثت بصاعين من تمر عَتيق واشترت بهما صَاع عَجْوَة فقدمته إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَتَنَاول مِنْهُ تَمْرَة ثمَّ سَأَلَ عَنهُ فَأَخْبَرته بِمَا صنعت فَألْقى التمرة وَقَالَ ردُّوهُ ردُّوهُ التَّمْر بِالتَّمْرِ مثلا بِمثل الحَدِيث وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن أبي الْمنْهَال اشْتريت أَنا وَشريك لي شَيْئا يدا بيد ونسيئة فجَاء الْبَراء بن عَازِب

ص: 118

فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ فعلته أَنا وشريكي زيد بن أَرقم قَالَ فسألنا النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن ذَلِك فَقَالَ أما مَا كَانَ يدا بيد فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَة فَردُّوهُ

وَفِي الْمُوَطَّأ مُرْسلا أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَمر السعدين أَن يبيعا آنِية من الْمغنم من ذهب أَو فضَّة فباعا كل ثَلَاثَة بأَرْبعَة عينا فَقَالَ لَهما أربيتما فَردا

وَلَا يُقَال لَو كَانَ النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد لم يتعاط الصَّحَابَة رضي الله عنهم هَذِه الْعُقُود لأَنا نقُول يحْتَمل أَن يكون من فعلهَا مِنْهُم لم يبلغهُ النَّهْي وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر أَو الْمُتَعَيّن

ص: 119

لِأَنَّهُ لَا يظنّ بهم الْإِقْدَام على الْمنْهِي عَنهُ وَمَوْضِع الدّلَالَة من هَذِه الْأَحَادِيث إبِْطَال النَّبِي صلى الله عليه وسلم تِلْكَ الْبيُوع وَالظَّاهِر أَن ذَلِك لارتكاب الْمنْهِي عَنهُ فِيهَا

وَمِنْهَا قَوْله صلى الله عليه وسلم إِن الله إِذا حرم على قوم أكل شَيْء حرم عَلَيْهِم ثمنه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد

وَهَذَا يتَضَمَّن الدَّلِيل على أَن البيع الْفَاسِد لَا يَتَقَرَّر أصلا بِوَجْه مَا إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لما حرم التَّصَرُّف فِي الثّمن مُطلقًا فَهَذَا يخْتَص بِالرَّدِّ على من يَقُول إِن العقد الْفَاسِد يقر فِي بعض الصُّور أَو أَن النَّهْي يَقْتَضِي الصِّحَّة إِلَى غير ذَلِك من الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة

وَأما الْإِجْمَاع فقد تَوَاتر عَن الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم من وُجُوه عديدة الِاسْتِدْلَال بِالنَّهْي عَن الْفساد وَالْحكم على الْمنْهِي عَنهُ بفساده فِي وقائع كَثِيرَة يَقْتَضِي مجموعها الْقطع بذلك لاستعمالها على الْمَعْنى الْكُلِّي الْمشَار إِلَيْهِ وَلم ينْقل عَن أحد مِنْهُم إِنْكَار ذَلِك وَلَا ذهَاب إِلَى صِحَة فَكل مَنْهِيّ عَنهُ أصلا فَكَانَ فِي ذَلِك إِجْمَاع مِنْهُم على أَن النَّهْي للْفَسَاد

فَمن الأول إِنْكَار عَليّ رض على ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا

ص: 120

فِي نِكَاح الْمُتْعَة واستدلاله على بُطْلَانه بنهي النَّبِي صلى الله عليه وسلم

وَقَالَ ابْن عمر رضي الله عنهما كُنَّا نخابر وَلَا نرى بذلك بَأْسا حَتَّى زعم رَافع ابْن خديج أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم نهى عَنْهَا فتركناها

ص: 121

وَاسْتدلَّ على بطلَان نِكَاح الْكِتَابِيَّة بقوله تَعَالَى {وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن} وَأنكر عبَادَة بن الصَّامِت على مُعَاوِيَة رضي الله عنهما بيع الذَّهَب بِالْفِضَّةِ نَسِيئَة وَاسْتدلَّ بنهي النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن ذَلِك فَرد النَّاس تِلْكَ الْبيُوع الَّتِي تبايعوها يَوْمئِذٍ على الْوَجْه الْمنْهِي عَنهُ والقصة فِي صَحِيح مُسلم وَكَذَلِكَ أَيْضا فعل أَبُو الدَّرْدَاء مَعَ مُعَاوِيَة رضي الله عنهما رَوَاهُ النَّسَائِيّ

ص: 122

وَأنكر معمر بن عبد الله رض على غُلَامه بيع الْحِنْطَة بِالشَّعِيرِ وَأمره برده وَاسْتدلَّ بنهي النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا مثلا بِمثل رَوَاهُ مُسلم

وَفِي مُصَنف ابْن أبي شيبَة

عَن حبيب بن أبي ثَابت قَالَ كنت جَالِسا مَعَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَأَتَاهُ رجل فَقَالَ إِنَّا نَأْخُذ الأَرْض من الدهاقين فأعتملها بيَدي وبقري فآخذ حَقي وأعطيه حَقه فَقَالَ لَهُ خُذ رَأس مَالك وَلَا ترد عَلَيْهِ شَيْئا وَاسْتدلَّ بنهي النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن المخابرة

ص: 123

وَعَن إِسْمَاعِيل الشَّيْبَانِيّ قَالَ بِعْت مَا فِي رُؤُوس النّخل إِن زَاد فَلهم وَإِن نقص فَعَلَيْهِم فَسَأَلت ابْن عمر رضي الله عنهما فَقَالَ نهى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن ذَلِك

وَأما حكمهم بِفساد الْعِبَادَة أَو العقد عِنْد ارْتِكَاب الْمنْهِي عَنهُ فيهمَا فَمَا لَا يُحْصى كَثْرَة كَقَوْل حُذَيْفَة رض للَّذي رَآهُ يُصَلِّي وَلَا يحسن الرُّكُوع وَالسُّجُود مَا صليت مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة وَلَو مت وَهَذِه صَلَاتك لمت على غير الْفطْرَة وَقَالَ بِلَال رض لآخر مثل ذَلِك

ص: 124

وَأمر الْمسور بن مخرمَة رجلا لم يتم رُكُوعه وَسُجُوده بِإِعَادَة الصَّلَاة وَصلى عمر رض بالمغرب فَلم يقْرَأ فِيهَا فَأَعَادَ الصَّلَاة وَصلى أَيْضا وَهُوَ جنب سَاهِيا فَأَعَادَ وَكَذَلِكَ قَالَ عَليّ وَابْن عمر رضي الله عنهما

وَقَالَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ مَا أُبَالِي كَانَا مصرورين فِي نَاحيَة ثوبي أَو نازعاني فِي صَلَاتي يَعْنِي الْغَائِط وَالْبَوْل

ص: 125

وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رض الصَّائِم فِي السّفر كالمفطر فِي الْحَضَر

وَقَالَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما إِذا جَامع الْمُعْتَكف بَطل اعْتِكَافه واستأنف

وَقضى عمر وَعلي وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن عَمْرو رضي الله عنهم بِفساد حج من جَامع وَهُوَ محرم وَثَبت عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {فَلَا رفث} قَالَ هُوَ الْجِمَاع

وَقَالَ ابْن أبي جبلة كَانُوا يفرقون بَين السبايا فَيَجِيء

ص: 126

أَبُو أَيُّوب رضي الله عنه فَيجمع بَينهم يَعْنِي بَين الوالدة وَوَلدهَا فِي الْقِسْمَة وَأَبُو أَيُّوب هُوَ الرَّاوِي عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَوْله من فرق بَين وَالِدَة وَوَلدهَا فرق الله بَينه وَبَين أحبته يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ

ورد عمر رض نِكَاح من تزوج بِغَيْر ولي وَفرق بَينهمَا فِي غير مَا قصَّة وعزر فِي بَعْضهَا الزَّوْج وَتزَوج رجل امْرَأَة على خَالَتهَا فَضَربهُ عمر رض وَفرق بَينهمَا وَقَالَ ابْن عمر نِكَاح العَبْد بِغَيْر إِذن سَيّده زنا وَكَانَ يضْرب الْحَد فِيهِ وَسُئِلَ عَن الْمُتْعَة فَقَالَ لَا نعلمها إِلَّا السفاح

ص: 127

وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن الزبير رضي الله عنهما

هِيَ الزِّنَا وَقَالَ عمر رض لَا أُوتى بِرَجُل تمتّع إِلَّا رَجَمْته وَقضى هُوَ وَعلي رضي الله عنهما فِي امْرَأَة تزوجت فِي عدتهَا أَن يفرق بَينهمَا وَقَالَ عَليّ وَابْن عَبَّاس رضي الله عنهما بِبُطْلَان بيع الْوَلَاء وهبته إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تعداده وَلَا يُقَال إِن ذَلِك كَانَ مِنْهُم دلَالَة خَاصَّة دلّت على

ص: 128

الْفساد فِي هَذِه الصُّور الْخَاصَّة بِأَعْيَانِهَا لأَنا نقُول الأَصْل عدم تِلْكَ الْأَدِلَّة كَيفَ وَإِن شَيْئا مِنْهَا لم يُوجد وَلَيْسَ إِلَّا المناهي الْوَارِدَة مِنْهَا فِي الْكتاب وَالسّنة فَالظَّاهِر أَن مُسْتَند الصَّحَابَة رضي الله عنهم فِي فَسَاد هَذِه القضايا كلهَا هُوَ النَّهْي الْوَارِد فِيهَا كَمَا فِي الصُّور الْمُتَقَدّمَة أَولا

وَبِالْجُمْلَةِ كَمَا يعلم إِجْمَاعهم على أَن الْأَمر الْمُطلق للْوُجُوب باستقراء استدلالهم فِي بعض الْمَوَاضِع بِهِ ومسارعتهم إِلَى الِامْتِثَال واعتقاد الْوُجُوب فِي سائرها كَذَا يعلم إِجْمَاعهم على أَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد باستقراء أَحْوَالهم

فَمن عول على هَذِه الطَّرِيقَة فِي أَن الْأَمر للْوُجُوب يلْزمه ذَلِك هُنَا إِذْ لَا فرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ وَمن لم يعول على ذَلِك فيهمَا يحْتَج عَلَيْهِ بِأَن ذَلِك إِجْمَاع مِنْهُم لِأَن هَذِه القضايا شاعت بَينهم وذاعت من غير نَكِير مَعَ مَا علم من عَادَتهم وَأَنَّهُمْ لَا يقرونَ على بَاطِل

وَبِهَذَا يخرج الْجَواب عَمَّا قَالَه الْغَزالِيّ وَغَيره أَن هَذَا حكم من بعض الصَّحَابَة فَلَا يَصح إِسْنَاده إِلَى جَمِيعهم لأَنا إِنَّمَا أسندناه إِلَى الْكل بطرِيق الْفِعْل من بعض وَالرِّضَا وَالْإِقْرَار من البَاقِينَ كَمَا اسْتدلَّ بِمثل ذَلِك فِي إِثْبَات الْقيَاس والتعبد بِخَبَر الْوَاحِد وأمثالهما

وَاعْترض فَخر الدّين فِي الْمَحْصُول وَأَتْبَاعه بعده على هَذَا بِأَنَّهُ لَا نسلم أَن الصَّحَابَة رجعُوا فِي فَسَاد شَيْء من المنهيات إِلَى مُجَرّد النَّهْي

وَسَنَد الْمَنْع أَنهم حكمُوا فِي كثير من المنهيات بِالصِّحَّةِ فَلَو قيل بِأَن

ص: 129

تمسكهم فِي فَسَاد تِلْكَ الصُّور لمُجَرّد النهى لزم أَن يكون تخلف الحكم عَن هَذِه الصُّور الَّتِي قيل فِيهَا بِالصِّحَّةِ لمَانع هَذَا على خلاف الظَّاهِر وَالْأَصْل عَدمه بِخِلَاف مَا إِذا قُلْنَا بِأَن النَّهْي لمجرده لَا يَقْتَضِي الْفساد فَإِن حكمهم بِالْفَسَادِ فِي تِلْكَ الصُّور يكون لدَلِيل مُنْفَصِل وَلَيْسَ فِيهِ ترك للظَّاهِر فَكَانَ هَذَا أولى

وَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن الصُّور الَّتِي حكمُوا فِيهَا بِالصِّحَّةِ مَعَ وُرُود النَّهْي لَيْسَ النَّهْي عَن شَيْء مِنْهَا لعَينه وَلَا لوصفه اللَّازِم فَلَا يتَوَجَّه بهَا نقض بل جَمِيع تِلْكَ الصُّور الَّتِي فِيهَا لأمر خارجي مجاور وَالْمُدَّعى أَن الصَّحَابَة رضي الله عنهم حكمُوا بِالْفَسَادِ فِي كل مَنْهِيّ عَنهُ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم وَهَذَا غير منتقض بِصُورَة من الصُّور حكم فِيهَا بِالصِّحَّةِ بل أَن من الْمنْهِي عَنهُ لغيره مَا أفتى فِيهِ بَعضهم بِالْفَسَادِ أَيْضا لكنه لم يتَّفق عَلَيْهِ بل خُولِفَ فِيهِ أما صُورَة من الصُّور المحتج لَهَا حكم فِيهَا صَحَابِيّ بِالصِّحَّةِ فَذَلِك لَا يُوجد وَمن ادَّعَاهُ فَعَلَيهِ الْبَيَان

قَوْلهم أَن الحكم بِالْفَسَادِ يكون لدَلِيل مُنْفَصِل قُلْنَا نقطع بِأَن حكمهم بِهِ لمُجَرّد النَّهْي كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي الصُّور الْمُتَقَدّمَة وَغَيرهَا

قَوْلهم أَنَّهَا أَخْبَار آحَاد قُلْنَا هِيَ متواترة فِي الْمَعْنى كشجاعة عَليّ وَوُجُود حَاتِم وأمثالهما كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِيمَا تقدم وكل هَذِه الصُّور الَّتِي ذَكرنَاهَا مروية الْأَسَانِيد فِي كتب الْأَئِمَّة فَهَذَا الْوَجْه وَحده كَاف بالمطلوب مُسْتَقل بإثباته وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

ص: 130

وَأما الْمَعْقُول فَمن وُجُوه

الأول أَن النَّهْي اقْتِضَاء كف عَن فعل وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لمقصود دَعَا الشَّارِع إِلَى طلب ذَلِك الْكَفّ أَو لَا لمقصود

لَا جَائِز أَن يُقَال أَنه لَا لمقصود

أما على أصُول الْمُعْتَزلَة فَلِأَنَّهُ عَبث والعبث قَبِيح وَلَا يصدر من الشَّارِع

وَأما على أصُول أهل السّنة فَإنَّا وَإِن جَوَّزنَا خلو أَفعَال الله تَعَالَى عَن الحكم والمقاصد غير أَنا نعتقد أَن الْأَحْكَام الْمَشْرُوعَة لَا تَخْلُو عَن حِكْمَة ومقصود رَاجع إِلَى العَبْد لَكِن لَا بطرِيق الْوُجُوب بل بِحكم الْوُقُوع تفضلا فالإتفاق وَاقع على أَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا تَخْلُو من الْحِكْمَة وَسَوَاء ظَهرت لنا أَو لم تظهر وَبِتَقْدِير تَسْلِيم خلو بعض الْأَحْكَام عَن الْحِكْمَة فَلَا شكّ أَنه نَادِر وَالْغَالِب عدم خلوها عَن الْحِكْمَة وإدراج مَا وَقع عَلَيْهِ النزاع تَحت الْغَالِب هُوَ الأولى فَإِذا بَطل أَن يكون ذَلِك لَا لمقصود تعين أَن يكون لمقصود من الْحِكْمَة مُعْتَبر

فَالْأَمْر يعْتَمد الْمصلحَة الْخَالِصَة أَو الراجحة وَالنَّهْي يعْتَبر الْكَفّ عَن الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة فَلَو قيل بِصِحَّة الْمنْهِي عَنهُ لَكَانَ سَببا للحكمة الْمَطْلُوبَة مِنْهُ فإمَّا أَن يكون مَقْصُود النَّهْي راجحا على مَقْصُود الصِّحَّة أَو مُسَاوِيا أَو مرجوحا لَا جَائِز أَن يكون مرجوحا إِذْ الْمَرْجُوح لَا يكون مَطْلُوبا مَقْصُودا فِي نظر الْعُقَلَاء وَالْغَالِب من الشَّارِع إِنَّمَا هُوَ التَّقْرِير

ص: 131

لَا التَّغْيِير وَمَا لَا يكون مَقْصُودا فَلَا يرد طلب الْكَفّ لأَجله وَإِلَّا كَانَ الطّلب خليا عَن الْحِكْمَة وَهُوَ مُمْتَنع كَمَا سبق

وبمثل ذَلِك يمْتَنع أَن يكون مُسَاوِيا وَلما فِيهِ أَيْضا من التَّرْجِيح بِغَيْر مُرَجّح فَلم يبْق إِلَّا أَن يكون راجحا على مَقْصُود الصِّحَّة وَيلْزم من ذَلِك امْتنَاع الصِّحَّة وَعدم ترَتّب آثاره وَإِلَّا كَانَ الحكم بِالصِّحَّةِ خليا عَن حِكْمَة ومقصود ضَرُورَة كَون مقصودها مرجوحا وَذَلِكَ مُمْتَنع كَمَا سبق وَهُوَ الْمَطْلُوب

هَذِه طَريقَة الإِمَام سيف الدّين الْآمِدِيّ فِي تَقْرِير هَذَا الدَّلِيل وغالبه عين كَلَامه

وَقَررهُ الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ بطريقة أُخْرَى وَهِي أَن الْمنْهِي عَنهُ لَا يجوز أَن يكون منشئا للْمصْلحَة الْخَالِصَة أَو الراجحة وَإِلَّا لَكَانَ النَّهْي منعا من تِلْكَ الْمصلحَة وَأَنه لَا يجوز يَعْنِي على الْوَجْه الْمُتَقَدّم من قَول أهل السّنة أَن أَحْكَام الشَّرْع كلهَا أَو غالبها معللة بالمصالح وَالْحكم

وَلِهَذَا كَانَت الْمُنَاسبَة عِلّة فِي الْقيَاس وَلَكِن ذَلِك لَيْسَ على وَجه الْوُجُوب بل على وَجه التفضل وَالْإِحْسَان فَلَزِمَ أَن يكون الْمنْهِي عَنهُ أحد أُمُور ثَلَاثَة وَهُوَ أَن يكون منشأ الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة أَو المساوية

وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوليين يجب الحكم بِالْفَسَادِ لِأَنَّهُ إِذا لم يفْسد الحكم أصلا كَانَ عَبَثا والعاقل لَا يرغب فِي الْعَبَث ظَاهرا فَلَا يقدم عَلَيْهِ فَكَانَ القَوْل بِالْفَسَادِ

ص: 132

سعيا فِي إعدام تِلْكَ الْمفْسدَة

وعَلى التَّقْدِير الثَّالِث وَهُوَ التَّسَاوِي يكون الْفِعْل أَيْضا عَبَثا وَهُوَ مَحْذُور عِنْد الْعُقَلَاء فَالْقَوْل بِالْفَسَادِ يُفْضِي إِلَى دفع الْمَحْذُور فَوَجَبَ القَوْل بِهِ

هَذَا مَا قَرَّرَهُ ابْن الْخَطِيب وَذكره على وَجه الْمُعَارضَة من جَانب الْخصم الْقَائِل بِأَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد فِي الْعُقُود أَيْضا وفخر الدّين لَا يَقُول بذلك إِلَّا فِي الْعِبَادَات فأورد هَذَا الدَّلِيل مَعَ غَيره على وَجه الْمُعَارضَة وَلم يعْتَرض عَلَيْهِ مَعَ أَنه اعْترض على غَيره من أَدِلَّة الْمعَارض

وَاسْتدلَّ غَيره لبُطْلَان التَّسَاوِي المفضي إِلَى الْعَبَث بِأَنَّهُ إِذا تَسَاوَت الْمصلحَة والمفسدة لَا تبقى فَائِدَة مَطْلُوبَة فِي إِيجَاب فعله كَمَا لَا فَائِدَة فِي إِيجَاب تَركه لِأَن الْأَوَامِر كلهَا مُشْتَمِلَة على الْمصَالح أما الْخَالِصَة كالإيمان وَنَحْوه أَو الراجحة كالجهاد فَإِنَّهُ وَإِن تضمن إتعاب النُّفُوس واذهابها غَالِبا وَإِتْلَاف الْأَمْوَال فالمصلحة الْمَقْصُودَة بِهِ من إعلاء كلمة الْإِيمَان ومحو الْكفْر وتأمين الْمُسلمين فِي دِيَارهمْ وَغير ذَلِك راجحة على تِلْكَ الْمَفَاسِد وَكَذَلِكَ النواهي جَمِيعًا متضمنة لدرء الْمَفَاسِد أما الْخَالِصَة كالكفر وَالظُّلم وأشباههما أَو الراجحة كشرب الْخمر فَإِنَّهُ وَإِن تضمن مَنَافِع فالمفسدة الْخَالِصَة مِنْهُ راجحة على تِلْكَ الْمَنَافِع كَمَا قَالَ تَعَالَى {وإثمهما أكبر من نفعهما} فإيجاب

ص: 133

أحد المتساويين أَو تَحْرِيمه من غير مُرَجّح يكون عَبَثا فِي نظر الْعُقَلَاء كَمَا فِي إِبْدَال دِرْهَم بدرهم مثله من غير مَقْصُود مُعْتَبر وَالتِّجَارَة المتساوية ربحا وخسارة وأمثالهما عَبث والعبث على الله تَعَالَى محَال أما على أصُول الْمُعْتَزلَة فَظَاهر وَأما على أصلنَا فبالنظر إِلَى مَا أجْرى الله عَادَته بِهِ من رِعَايَة الْمصَالح فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة

وَقرر بعض الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرين هَذَا الدَّلِيل على وَجه آخر بعد ذكر تِلْكَ الْمُقدمَات وَهُوَ أَنه إِذا ثَبت أَن الْمنْهِي عَنهُ مُشْتَمل على الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة يجب أَن لَا يكون صَحِيحا لوَجْهَيْنِ

أَحدهمَا أَن القَوْل بِالصِّحَّةِ يُفْضِي إِلَى حُصُول تِلْكَ الْمفْسدَة وَالْقَوْل بِالْفَسَادِ يُفْضِي إِلَى لَا حُصُولهَا وَاحْتِمَال حُصُول تِلْكَ الْمفْسدَة مَرْجُوح بِالنِّسْبَةِ إِلَى احْتِمَال لَا حُصُولهَا فِي نظر الشَّرْع لما سبق والمفضي إِلَى الْمَرْجُوح مَرْجُوح والمفضي إِلَى الرَّاجِح رَاجِح فَالْقَوْل بِالصِّحَّةِ مَرْجُوح بِالنِّسْبَةِ إِلَى القَوْل بِالْفَسَادِ وَلَا يَعْنِي بِكَوْن النَّهْي للْفَسَاد سوى هَذَا

وَثَانِيهمَا الْقيَاس على جَمِيع المناهي الْفَاسِدَة وَالْجَامِع أَن القَوْل بِالْفَسَادِ سعي فِي إعدام تِلْكَ الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة بِالْكُلِّيَّةِ

وَهَذِه الطَّرِيقَة الْأَخِيرَة ذكرهَا الْقَرَافِيّ على وَجه آخر وَهُوَ

ص: 134

الْوَجْه الثَّانِي من وُجُوه الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة وَهُوَ أَن الْمنْهِي عَنهُ فِي الْعِبَادَات غير الْمَأْمُور بِهِ فَإِذا أَتَى بالمنهي عَنهُ لم يَأْتِ بالمأمور بِهِ وَمن لم يَأْتِ بالمأمور بِهِ بَقِي عُهْدَة التَّكْلِيف

وَهَذَا هُوَ المعني بقولنَا إِن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد فِي الْعِبَادَات وَأما فِي الْمُعَامَلَات فَلِأَن النَّهْي يعْتَمد وجود الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة فِي الْمنْهِي عَنهُ فَلَو ثَبت الْملك وَالْإِذْن فِي التَّصَرُّف لَكَانَ ذَلِك تقريرا لتِلْك الْمفْسدَة والمفسدة لَا يَنْبَغِي أَن تقرر وَإِلَّا لما ورد النَّهْي عَنْهَا والمقدر وُرُود النَّهْي عَنْهَا هَذَا خلف وَقِيَاسًا على الْعِبَادَات

وَهَذَا وَإِن كَانَ قَرِيبا من الْوَجْه الأول لكنه مُغَاير لَهُ فِي الْحَقِيقَة

وَقد اعْترض على الْوَجْه الأول بِأَن غَايَته أَن النَّهْي يُنَاسب نفي الصِّحَّة إِلَّا أَنه لَا يلْزم من ذَلِك نفي الصِّحَّة إِلَّا أَن يتَبَيَّن لَهُ شَاهد بالإعتبار وَإِذا تبين لَهُ شَاهد بالإعتبار يكون الْفساد لَازِما من جِهَة الْقيَاس لَا من لفظ النَّهْي وَلَا من مَعْنَاهُ

وَهَذَا السُّؤَال وَارِد على أَصْحَاب الطَّرِيقَة الأولى

وَأما من اعْتمد فِي ذَلِك الْقيَاس على الْعِبَادَات أَو على المناهي الَّتِي قيل بفسادها فَعَلَيْهِم اعتراضان آخرَانِ أَيْضا

أَحدهمَا أَن الْقيَاس على المناهي الَّتِي حكم فِيهَا بِالْفَسَادِ إِنَّمَا يتم إِذا كَانَ قَائِل ذَلِك لم يعْتَمد فِي القَوْل بِالْفَسَادِ إِلَّا مُجَرّد النَّهْي فَأَما إِذا كَانَ ذَلِك لدَلِيل خارجي من نَص أَو إِجْمَاع فَلَا يرد عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك لِأَنَّهُ لم يحكم بِالْفَسَادِ لمُجَرّد النَّهْي

ص: 135

وَثَانِيهمَا ابداء الْفَارِق بَين الْمَقِيس والمقيس عَلَيْهِ

قَالَ ابْن الْخَطِيب فِي الْمَحْصُول المُرَاد من الْفساد فِي الْعِبَادَات أَنَّهَا غير مجزئة وَالْمرَاد بِهِ فِي بَاب الْمُعَامَلَات أَنه لَا يُفِيد سَائِر الْأَحْكَام وَإِذا اخْتلف الْمَعْنى لم يتَوَجَّه أَحدهمَا نقضا على الآخر

وَقرر بعض أَتْبَاعه هَذَا الْكَلَام أبسط من هَذَا فَقَالَ مَا ذكرنَا من الدَّلِيل الدَّال على فَسَاد الْعِبَادَة الْمنْهِي عَنْهَا لم يُوجد بِتَمَامِهِ فِي الْمُعَامَلَات فَلَا يرد نقضا وَلَا يَصح قِيَاس الْعُقُود على الْعِبَادَات وَوجه الْفرق انا عنينا بِفساد الْعِبَادَة الْمنْهِي عَنْهَا عدم إجزائها عَن الْمَأْمُور بِهِ ودللنا على ذَلِك بِأَن قُلْنَا الْآتِي بِالْعبَادَة الْمَأْمُور بهَا تَارِكًا للْمَأْمُور بِهِ فَوَجَبَ أَن يبْقى فِي عُهْدَة الْوَاجِب وَهَذَا الدَّلِيل غير مَوْجُود فِي الْمُعَامَلَات ضَرُورَة أَنه لم يُؤمر بِالْبيعِ على وَجه مَخْصُوص حَتَّى أَن من أَتَى بِالْبيعِ على خلاف ذَلِك الْوَجْه كَانَ تَارِكًا للْمَأْمُور بِهِ لِأَن تعلق الْأَمر وَالنَّهْي بِعَين وَاحِدَة محَال

وَمن الْمَعْلُوم أَن هَذَا الدَّلِيل لم يُوجد فِي الْمُعَامَلَات وَمَعَ ظُهُور هَذَا الْفرق لَا يَصح قياسها على الْعِبَادَات

وَاعْترض آخَرُونَ بِالنَّقْضِ بالصور الَّتِي نهي عَنْهَا وَحكم فِيهَا بِالصِّحَّةِ كَبيع الْحَاضِر للبادي وَنَحْوه

وَأجَاب الْآمِدِيّ عَن الإعتراض الأول بِأَنا لم نقض بِالْفَسَادِ لوُجُود مَا يُنَاسب الْفساد حَتَّى يفْتَقر إِلَى شَاهد بالإعتبار وَإِنَّمَا قضينا بِالْفَسَادِ لعدم

ص: 136

الْمُنَاسب الْمُعْتَبر بِمَا بَيناهُ من استلزام النَّهْي لذَلِك وَلَا يخفى أَن هَذَا الْجَواب غير متين

وَالْحق أَن مُجَرّد النَّهْي إِذا كَانَ على ظَاهره للتَّحْرِيم مُنَاسِب للْفَسَاد لما يشْتَمل الْمنْهِي عَنهُ من الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة وَشَاهد ذَلِك بالإعتبار الْمَوَاضِع الْمنْهِي عَنْهَا الَّتِي اتّفق على القَوْل بِالْبُطْلَانِ فِيهَا كَبيع الملاقيح والمضامين وَنِكَاح ذَوَات الْمَحَارِم وَمَا لَا يُحْصى كَثْرَة

وَقَوْلهمْ أَن الْفساد لَازم من الْقيَاس لَا من معنى النَّهْي جَوَابه أَن الْقيَاس الْمُنَاسب إِنَّمَا اعْتمد فِي كَون النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه يدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ لَا أَن نفس الْمُنَاسب هُوَ الْمُقْتَضِي للْفَسَاد

وَالْفرق بَين المقامين وَاضح وَهَذَا السُّؤَال بِعَيْنِه أوردهُ بَعضهم على الِاحْتِجَاج لاقْتِضَاء الْفساد بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدّم من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد فَقَالَ الْمُقْتَضِي للْفَسَاد هُوَ هَذَا الحَدِيث نَفسه لَا مُجَرّد النَّهْي وَجَوَابه مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا

وَقَوْلهمْ إِن الحكم بِالْفَسَادِ لدَلِيل خارجي تقدم الْجَواب عَنهُ وَأما الْفرق بَين الصُّور الْمُتَّفق على القَوْل بفسادها من المنهيات وَبَين بَقِيَّة الصُّور فَيُقَال فِي الْجَواب عَنْهَا أَن الفارقين طَائِفَتَانِ إِحْدَاهمَا الْحَنَفِيَّة الَّذين فرقوا بَين الْمنْهِي عَنهُ لعَينه والمنهي عَنهُ لوصفه وَسَيَأْتِي الْكَلَام مَعَهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبَيَان تناقضهم وَأَنه لَا فرق بَين الْقسمَيْنِ

ص: 137

والفريق الثَّانِي كالغزالي وَالْإِمَام فَخر الدّين وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ الَّذين فرقوا بَين الْعِبَادَات والعقود واعتمدوا الْفرق الَّذِي تقدم ذكره عَنْهُم

فَجَوَابه أَن الْفساد فِي الْجَمِيع هُوَ عدم ترَتّب الْآثَار على الْمنْهِي عَنهُ فأثر النَّهْي فِي الْعِبَادَات عدم بَرَاءَة الذِّمَّة وأثره فِي الْمُعَامَلَات عدم إِفَادَة الْملك وتنوع الْأَثر لَا يَقْتَضِي اخْتِلَاف الْجِنْس فَإِن النَّهْي عَن الْمُعَامَلَات عِنْدهم على حد وَاحِد وآثاره مُخْتَلفَة فِيهَا كَمَا أَن آثَار صِحَّتهَا مُخْتَلفَة أَيْضا فأثر البيع الصَّحِيح الْملك فِي الْعين وَفِي الْإِجَارَة الْملك فِي الْمَنْفَعَة وَفِي النِّكَاح التَّمَكُّن من الْوَطْء وَفِي الْقَرَاض الْأَمَانَة على المَال وَاسْتِحْقَاق النَّصِيب فَفِي كل موطن أثر يُخَالف الآخر وَلم يمنعهُم ذَلِك الِاخْتِلَاف من جعل الْجَمِيع شَيْئا وَاحِدًا فَكَذَلِك الْعِبَادَات مَعَ الْعُقُود

وَتَفْسِير الْفساد فِي الْجَمِيع بِعَدَمِ ترَتّب آثارها عَلَيْهَا وَإِن كَانَت الْآثَار مُخْتَلفَة فيجمعها مُسَمّى الْأَثر كَمَا يجمع الْحَيَوَانَات كلهَا مُسَمّى الحيوانية وَهِي مُخْتَلفَة فِي نَفسهَا

وَهَذَا ذكره صَاحب تَنْقِيح الْمَحْصُول وَتَبعهُ عَلَيْهِ الْقَرَافِيّ وزيفه الْأَصْفَهَانِي فِي شرح الْمَحْصُول وَقَالَ أَنه ضَعِيف جدا

وَلَيْسَ كَمَا ذكر لِأَنَّهُ إِذا أمكن تَفْسِير لفظ الْفساد بِمَا يَشْمَل جَمِيع الصُّور

ص: 138

وينتظمها بِمَعْنى كلي يشْتَرك الْكل فِيهِ كَانَ أولى من تَفْسِيره لمعنيين مُخْتَلفين لِأَنَّهُ يكون حِينَئِذٍ مُشْتَركا لفظيا والتواطؤ خير مِنْهُ

وَأما النَّقْض بالصور الَّتِي حكم فِيهَا بِالصِّحَّةِ مَعَ وُرُود النَّهْي فقد تقدم أَن تِلْكَ جَمِيعهَا من الْمنْهِي عَنهُ لغيره المجاور لَهُ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَالْبيع على بيع الْغَيْر وَالْمُدَّعى والمستدل لَهُ غير هَذَا الْقسم فَلَا يتَوَجَّه النَّقْض بِهِ

وَلَو سلم على وَجه التنزل أَن الصِّحَّة وجدت فِي مَنْهِيّ عَنهُ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم فغايته أَن الْفساد تخلف لدَلِيل مُنْفَصِل وَلَا يلْزم من تخلف الحكم عَن الْمَدْلُول عِنْد قيام مَانع تخلفه فِي جَمِيع الصُّور وَهَذَا ظَاهر لَا ريب فِيهِ

تَنْبِيه ذكر الأرموي فِي الْحَاصِل على هَذَا الدَّلِيل الْعقلِيّ الْمُتَقَدّم سؤالا ضَعِيفا إِلَى الْغَايَة رام بِهِ إِبْطَاله حَيْثُ لم يعْتَرض عَلَيْهِ ابْن الْخَطِيب فَقَالَ اشْتِمَال الْفِعْل على الْمفْسدَة لَا يمْنَع كَونه مُفِيدا للْحكم وَقَررهُ الْقَرَافِيّ بِأَن السَّبَب الشَّرْعِيّ لَيْسَ من شَرطه أَن يكون مَشْرُوعا مَأْذُونا فِي مُبَاشَرَته فَإِن الزِّنَا سَبَب للرجم وَالسَّرِقَة سَبَب للْقطع والحرابة سَبَب للْقَتْل إِلَى غير ذَلِك

ص: 139

من الْأَحْكَام الْكَثِيرَة والمعني بِعَدَمِ الْفساد هُوَ ترَتّب الْأَحْكَام على الْمنْهِي عَنهُ والأسباب قد تكون كَذَلِك كَمَا فِي النَّظَائِر الْمَذْكُورَة

وَجَوَاب هَذَا أَن الحكم الْمُتَرَتب على الْفِعْل الْمحرم قد يكون حكما رتب فِي أصل الشَّرْع على التَّحْرِيم كالقطع فِي السّرقَة وَأَمْثَاله وَلَا نزاع فِي هَذَا أصلا حَتَّى ينْقض بِهِ إِنَّمَا النزاع فِي الحكم الْمُتَرَتب على الْفِعْل الْمَأْذُون فِيهِ شرعا إِذا وَقع ذَلِك الْفِعْل على وَجه محرم كَالْبيع الْفَاسِد وَالنِّكَاح الْفَاسِد وأشباههما هَل يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَا كَانَ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حَالَة وُقُوعه على الْوَجْه الْمَأْذُون فِيهِ شرعا أم لَا وَإِنَّمَا يرد النَّقْض بِشَيْء من هَذَا الْقسم وَقد بَينا أَنه لَا يُوجد ذَلِك مجمعا عَلَيْهِ فِي الْمنْهِي عَنهُ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم حَالَة الْقُدْرَة على الإحتراز عَن الْمنْهِي عَنهُ وان النَّقْض بِصِحَّة الْمنْهِي عَنهُ لغيره لَا يرد

واحترزنا بِحَالَة الْقُدْرَة عَن الصَّلَاة يُغير مَاء وَلَا تُرَاب على قَول من لَا يُوجب إِعَادَتهَا كمالك والمزني وَأَشْبَاه ذَلِك فَهَذَا الْجَواب على مَا فهمه الْقَرَافِيّ من كَلَام صَاحب الْحَاصِل وَقَررهُ بِهِ وَيحْتَمل أَن لَا يكون ذَلِك مُرَاده بل يَعْنِي أَنه لَا يشْتَرط فِي الْفِعْل الْمَأْذُون فِيهِ تعرية من الْمفْسدَة من كل وَجه وَأَن يكون مصلحَة خَالِصَة بل قد يشْتَمل على

ص: 140

مفْسدَة مَا وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ إِفَادَة الحكم كغالب التكاليف الْمُشْتَملَة على إتعاب الْبدن وإنفاق المَال وَنَحْو ذَلِك

وَجَوَاب هَذَا أَن هَذِه الْمَفَاسِد منغمرة فِي جنب الْمصَالح الْحَاصِلَة من تِلْكَ الْأَفْعَال الراجحة على تِلْكَ الْمَفَاسِد وَنحن لم نشترط فِي الْفِعْل خلو عَن الْمفْسدَة من كل وَجه بل عَن الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة فَأَما المرجوحة فَلَا اعْتِبَار بهَا وَلَا نقض حِينَئِذٍ وَإِن صَاحب الْحَاصِل بِكَلَامِهِ الْمُتَقَدّم النَّقْض بالمنهي عَنهُ لغيره كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فقد تقدم الْجَواب عَنهُ وَأَنه غير مَحل النزاع وَسَيَأْتِي تَقْرِير ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبَيَان الْفرق بَينه وَبَين مَا نَحن فِيهِ

الْوَجْه الثَّالِث من الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة أَن فعل الْمنْهِي عَنهُ مَعْصِيّة إِذْ الْكَلَام فِي النَّهْي الَّذِي للتَّحْرِيم وَحُصُول الثَّوَاب على الْعِبَادَة والإعتداد بهَا مقربة إِلَى الله تَعَالَى وَحُصُول الْملك فِي الْعُقُود وَصِحَّة التَّصَرُّف كلهَا نعم وَالْمَعْصِيَة تناسب الْمَنْع من النِّعْمَة وَقد اقْترن الحكم بِالْفَسَادِ بصور كَثِيرَة جدا من المناهي والمناسبة مَعَ الإقتران دَلِيل بِاتِّفَاق القائسين فَفِي تَعْمِيم القَوْل بِأَن النَّهْي للْفَسَاد فِي كل مَنْهِيّ عَنهُ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم إِعْمَال للأدلة الْمُنَاسبَة مَعَ الإقتران وَفِي ترك القَوْل بذلك إبِْطَال لَهما فَكَانَ القَوْل بذلك وَاجِبا

الرَّابِع أَن الْمنْهِي عَنهُ قَبِيح ومحرم إِذْ الْكَلَام فِيهِ وَالْمحرم لَا يكون مَشْرُوعا وَمَا لَا يكون مَشْرُوعا لَا يكون صَحِيحا لِأَن كل صَحِيح مَشْرُوع فالمنهى عَنهُ لَا يكون صَحِيحا فَإِذا النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد

وَاعْترض الإِمَام الْغَزالِيّ على هَذَا الْوَجْه بِأَنَّهُ إِن عنيتم بالمشروع كَونه مَأْمُورا أَو مَنْدُوبًا أَو مُبَاحا فَذَلِك محَال ولسنا نقُول بِهِ وان عنيتم كَونه عَلامَة للْملك

ص: 141

أَو الْحل أَو حكم من الْأَحْكَام فَفِيهِ وَقع النزاع فَلم ادعيتم استحالته فَجَاز أَن يكون غير مَشْرُوع وَإِذا وَقع تترتب عَلَيْهِ الْأَحْكَام كَمَا تترتب على الصَّحِيح كَمَا قد فعل فِي الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَنَحْوهَا

وَيُمكن الْجَواب عَن ذَلِك بِأَن المُرَاد الْمَشْرُوع الْأَعَمّ من ذَلِك وَهُوَ كل مَا رتب الشَّارِع عَلَيْهِ آثاره لِأَن الصِّحَّة وَالْفساد من تَصَرُّفَات الشَّارِع وَكَذَلِكَ تَرْتِيب الْآثَار على الْفِعْل والمنهي عَنهُ لَيْسَ بمشروع فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَثَره والنقض بِصِحَّة الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة تقدم الْجَواب عَنهُ وَأَنه غير وَارِد

الْخَامِس لَو لم يكن النَّهْي للْفَسَاد لَكَانَ كل مَوضِع مَنْهِيّ عَنهُ قيل بفساده كَبيع الْحر وَنِكَاح ذَوَات الْمَحَارِم وَالصَّلَاة مَعَ مُلَابسَة النَّجَاسَة الَّتِي لَا يُعْفَى عَنْهَا وَأَشْبَاه ذَلِك يجب أَن يكون لقَرِينَة مُنْفَصِلَة دلّت على ذَلِك الْفساد لَكِن الأَصْل عدمهَا وَالظَّاهِر أَن الْفساد مُسْتَند إِلَى مُجَرّد النَّهْي وَإِلَّا كَانَت الْقَرِينَة تذكر وَلَو فِي بعض الصُّور فَوَجَبَ أَن يكون النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد لذَلِك

السَّادِس وَهُوَ خَاص بالعبادات أَن الْعِبَادَة إِنَّمَا تكون صَحِيحَة إِذا كَانَت مُوَافقَة لِلْأَمْرِ أَو مسقطة للْقَضَاء على مَا سبق من الإختلاف وكل مِنْهُمَا إِنَّمَا يكون بإمتثال الْأَمر المستدعي لاسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَفعل الْمنْهِي عَنهُ مَعْصِيّة فَلَا يكون سَببا لاسْتِحْقَاق الثَّوَاب بل الْعَذَاب مترتب عَلَيْهِ فَلَو كَانَ فعل

ص: 142

الْمنْهِي عَنهُ سَببا لسُقُوط التَّعَبُّد أَو الْقَضَاء لزم أَن يكون الْفِعْل الْوَاحِد طَاعَة ومعصية مَعًا وَهُوَ محَال

السَّابِع ذكره التبريزي فِي التَّنْقِيح وَهُوَ خَاص فِي الْحَقِيقَة بِالْعُقُودِ إِن النَّهْي لَا بُد لَهُ من فَائِدَة وَلَيْسَت إِلَّا الْفساد لِأَن طلب الْكَفّ إِمَّا لمفسدة فِي الْفِعْل أَو لعدم فَائِدَة فِيهِ أَو لفائدة فِي الإمتناع وَدَلِيل الْحصْر أَنا لَو فَرضنَا انْتِفَاء هَذِه الْأَقْسَام كلهَا للَزِمَ أَن يكون الْفِعْل مُشْتَمِلًا على الْمصلحَة خَالِيا من الْمفْسدَة فَيكون مَطْلُوبا لَا مَنْهِيّا عَنهُ وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَثَبت الْحصْر

وَحِينَئِذٍ نقُول لَا يجوز أَن يكون لعدم الْفَائِدَة فَإنَّا فرضناه مُفِيدا لأحكامه وَلَا للمفسدة لِأَنَّهَا كَانَت تنشأ إِمَّا من نفس العقد أَو بِوَاسِطَة ترَتّب الْأَحْكَام عَلَيْهِ وَالْأول بَاطِل لِأَن صِيغ الْمُعَامَلَات لَا مفْسدَة فِيهَا وَلِهَذَا لَا يَأْثَم بهَا فِي مُعظم الْبياعَات وَالثَّانِي بَاطِل لِأَن الْمفْسدَة لَو نشأت من الحكم لما ثَبت الحكم وَلِأَن الحكم وضع شَرْعِي والشارع لَا يضع الْمَفَاسِد وَلَا يجوز حمله على فَائِدَة فِي الِامْتِنَاع فَإِن الِامْتِنَاع عَمَّا فِيهِ فَائِدَة وَهِي ترَتّب الحكم على رَأْي الْخصم لَا فَائِدَة فِيهِ

فَإِن قيل فَائِدَته الِابْتِلَاء والامتحان قُلْنَا ذَلِك فَائِدَة الِامْتِنَاع لأصل النَّهْي وَنحن نطلب فَائِدَة فِي الِامْتِنَاع عَن الْفِعْل ليَكُون النَّهْي عَنهُ معقولا وَلِأَن النَّهْي ظَاهر فِي التَّحْرِيم وَالِاعْتِبَار يُنَافِي التَّحْرِيم لِأَنَّهُ تَمْكِين الْمُكَلف من تَحْصِيل حكمه بِدَلِيل جَمِيع الْأَحْكَام الْمجمع على اعْتِبَارهَا هَذَا خُلَاصَة مَا قَالَه التبريزي

ص: 143

وَالْمَنْع مُتَوَجّه عَلَيْهِ فِي قَوْله إِن صِيغ الْمُعَامَلَات الْمنْهِي عَنْهَا لَا مفْسدَة فِيهَا وَقَوله أَنه لَا يَأْثَم بهَا فِي مُعظم الْبياعَات على مَا لَا يخفى

الثَّامِن وَهُوَ أَيْضا يخْتَص بِالْعُقُودِ أَن النَّهْي عَنْهَا مَعَ ربط الحكم بهَا وترتيب آثارها عَلَيْهَا يُفْضِي إِلَى التَّنَاقُض وَذَلِكَ من وَجْهَيْن

أَحدهمَا أَن النَّهْي عَنْهَا لم يرد إِلَّا لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة على مَا تقدم فَلَو أفادت الْمَقْصُود عِنْد الْإِقْدَام عَلَيْهَا لَكَانَ ذَلِك باعثا للنفوس على تعاطيها وَالنَّهْي عَنْهَا لما فِيهَا من الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة يمْنَع من الْإِقْدَام عَلَيْهَا فيتناقض من قبل الشَّرْع الْبَاعِث والصارف وَذَلِكَ محَال وَمَا أدّى إِلَى الْمحَال محَال فَيجب القَوْل بِالْفَسَادِ نفيا لذَلِك الْمحَال

وَثَانِيهمَا أَن نصبها سَببا لترتب آثارها عَلَيْهَا تَمْكِين من التوسل بهَا وَالنَّهْي عَنْهَا منع من ذَلِك التوسل فَيُؤَدِّي أَيْضا إِلَى التَّنَاقُض وَفِيه مَا ذَكرْنَاهُ وَهَذَا الْوَجْه أمتن من السَّابِع الْمُتَقَدّم قبله ذكره الشَّيْخ موفق الدّين فِي الرَّوْضَة والأنباري فِي شرح الْبُرْهَان

ص: 144

التَّاسِع أَن النَّهْي عَن الشَّيْء يدل على تعلق الْمفْسدَة بِهِ كَمَا تقدم غير مرّة وَفِي الْقَضَاء بالإفساد للمنهي عَنهُ وَعدم تَرْتِيب آثاره عَلَيْهِ إعدام لتِلْك الْمفْسدَة بِالْكُلِّيَّةِ بأبلغ الطّرق بِخِلَاف مَا إِذا قيل بِالصِّحَّةِ أَو بترتب أَثَره عَلَيْهِ فَإِن فِي ذَلِك تبقية لآثار الْمفْسدَة فَكَانَ الأول أولى أَو هُوَ الْمُتَعَيّن

الْعَاشِر مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الإِمَام الشَّافِعِي فِي كَلَامه الْمُتَقَدّم وَذكره أصرح من ذَلِك فِي مَوضِع آخر وَهُوَ أَن الْعُقُود إِنَّمَا تفِيد إِذا جرت على وفْق الشَّرْع لما تمهد فِيهَا من الشُّرُوط وقيدت بِهِ من الْقُيُود وَمنع الْخلق من كثير مِمَّا كَانُوا يتعاطونه فِيهَا ويرضون بِهِ قبل الشَّرْع فَأَشْبَهت الْعِبَادَات حِينَئِذٍ

وَتوقف الحكم بترتب آثارها عَلَيْهَا حَتَّى ترد على وفْق الْمَشْرُوع وَإِذا لم يكن كَذَلِك بقيت الْأَمْوَال والأبضاع على أَصْلهَا من التَّحْرِيم وَلَا تنْتَقل إِلَّا إِذا وَقعت على الْوَجْه الْمَشْرُوع فَمَا لم تكن كَذَلِك يحكم بفسادهما استنادا إِلَى أصل التَّحْرِيم وَهَذَا حسن بَالغ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

الطّرف الثَّانِي فِي أَن دلَالَة النَّهْي على الْفساد حَيْثُ حكمنَا بِهِ لَيْسَ ذَلِك من جَوْهَر اللَّفْظ وموضوع اللُّغَة بل متلقى من الشَّرْع

وَجَمِيع الْأَدِلَّة الَّتِي قدمناها إِنَّمَا تَقْتَضِي كَون ذَلِك مأخوذا من جِهَة الشَّرْع وَقد تقدم أَن جمَاعَة من الْأَئِمَّة ذَهَبُوا إِلَى أَن ذَلِك مُسْتَفَاد من مَوْضُوع النَّهْي اللّغَوِيّ

ص: 145

وَالدَّلِيل على بطلَان قَوْلهم إِن فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ سَوَاء كَانَ عبَادَة أَو مُعَاملَة لَا معنى لَهُ سوى سلب أَحْكَامه عَنهُ وَانْتِفَاء ثمراته الْمَقْصُودَة عَنهُ وَخُرُوجه عَن كَونه سَببا مُفِيدا لَهَا فَلَو دلّ النَّهْي عَن الشَّيْء على فَسَاده من حَيْثُ اللُّغَة لَكَانَ فِي اللَّفْظ مَا يدل لُغَة على انْتِفَاء ثمراته عَنهُ وَاللَّازِم بَاطِل فالملزوم كَذَلِك

أما الْمُلَازمَة فظاهرة وَأما انْتِفَاء اللَّازِم فَلِأَن معنى النَّهْي فِي اللُّغَة اقْتِضَاء الْكَفّ عَن الْفِعْل وَلَيْسَ انْتِفَاء الْأَحْكَام عَنهُ عين ذَلِك وَلَا جزؤه وَلَا لَازِما لَهُ من حَيْثُ اللُّغَة لِأَنَّهُ لَو قَالَ وَاحِد لَا تبع غلامك فَإنَّك إِن بِعته ثَبت حكم البيع وانتقل الْملك فِيهِ إِلَى المُشْتَرِي لم يكن ذَلِك متناقضا من حَيْثُ اللُّغَة وَلَو كَانَ النَّهْي عَن الشَّيْء لعَينه مقتضيا لفساده من مَوْضُوع اللُّغَة لَكَانَ ذَلِك متناقضا

وَأَيْضًا فَإِن الصِّحَّة عبارَة عَن ترَتّب الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة على الْفِعْل الْمَأْذُون فِيهِ وَالْفساد مَعْنَاهُ عدم ترتبها وَالْأَحْكَام إِنَّمَا هِيَ مُتَلَقَّاة من الشَّرْع فَقبل الشَّرْع لَا يكون النَّهْي دَالا على فَسَاد وَلَا صِحَة والموضوعات اللُّغَوِيَّة مُتَلَقَّاة عَن الْعَرَب قبل الشَّرْع فَلَيْسَ الْفساد مستفادا من مَوْضُوع النَّهْي لُغَة

وَاحْتج الْقَائِل بذلك بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا اسْتِدْلَال الصَّحَابَة رضي الله عنهم وَمن بعدهمْ من الْعلمَاء على الْفساد فِي المنهيات بِالنَّهْي عَنْهَا فَدلَّ على فهمهم ذَلِك لَهُ من حَيْثُ اللُّغَة

ص: 146

وَأجَاب ابْن الْحَاجِب وَغَيره عَن ذَلِك بِمَنْع أَنهم فَهموا ذَلِك من مَوْضُوع اللُّغَة بل إِنَّمَا فَهموا الْفساد من جِهَة الشَّرْع كَمَا تقدم وَفِي هَذَا الْجَواب نظر إِذْ يُقَال عَلَيْهِ فَيلْزم أَن يكون الشَّارِع نقل النَّهْي عَن مَوْضُوعه فِي اللُّغَة وَالْأَصْل عدم النَّقْل

وَيُمكن أَن يُقرر الْجَواب على وَجه آخر وَهُوَ أَنه دَار الْأَمر فِي اسْتِدْلَال الصَّحَابَة وَالْعُلَمَاء بعدهمْ على الْفساد بِالنَّهْي على الْوَجْه الْمُتَقَدّم بَين أَن يكون فَهموا ذَلِك من حَيْثُ اللُّغَة أَو من حَيْثُ الشَّرْع وَالِاحْتِمَال الثَّانِي أولى للْجمع بَين ذَلِك وَبَين مَا ذَكرْنَاهُ من الدَّلِيل الدَّال على أَن ذَلِك لَيْسَ من مَوْضُوع اللَّفْظ

وَقَوْلهمْ انه يلْزم مِنْهُ النَّقْل يُجَاب عَنهُ بِأَن ذَلِك إِنَّمَا يلْزم إِذا كَانَ الْفساد مستفادا من لفظ النَّهْي بطرِيق الْمُطَابقَة أما إِذا كَانَ بطرِيق التضمن أَو الِالْتِزَام كَمَا تقدم تَقْرِيره فَلَا يلْزم النَّقْل إِذْ لم يتَغَيَّر مَوْضُوع اللَّفْظ

ص: 147

الْوَجْه الثَّانِي أَن الْأَمر يَقْتَضِي الصِّحَّة من حَيْثُ اللُّغَة وَالنَّهْي نقيض الْأَمر لِأَنَّهُ مشارك لَهُ فِي الطّلب والاقتضاء ومخالف لَهُ فِي طلب التّرْك فَلَا بُد وَأَن يَقْتَضِي نقيض الصِّحَّة وَهُوَ الْفساد ضَرُورَة كَون النَّهْي مُقَابلا لِلْأَمْرِ وَأَنه يجب أَن يكون حكم أحد المتقابلين مُقَابلا لحكم الآخر وَهَذَا الدَّلِيل اسْتدلَّ بِهِ جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين على أَن النَّهْي يدل على الْفساد مُطلقًا وَبَعْضهمْ جعله دَلِيلا من جِهَة الْقَائِلين بِهِ لُغَة كَابْن الْحَاجِب وَأَتْبَاعه لِأَنَّهُ أخص بِهَذَا الْمُدعى من جِهَة الدّلَالَة اللفظية وَزَاد بَعضهم فِي تَقْرِيره أَن الْعَرَب من شَأْنهَا أَن تحمل الشَّيْء على نقيضه كَمَا تحمله على نَظِيره بِدَلِيل إعمالهم لَا الَّتِي هِيَ لنفي الْجِنْس عمل أَن المثبتة وَهِي نقيضها وَأجِيب عَن ذَلِك بِوُجُوه أَحدهَا منع أَن الْأَمر يدل على الْإِجْزَاء الَّذِي هُوَ الصِّحَّة

وَثَانِيها لَو سلم أَنه يدل عَلَيْهِ فَلَا نسلم أَن يدل على الْأَجْزَاء من حَيْثُ اللُّغَة بل من حَيْثُ الشَّرْع كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي النَّهْي

وَثَالِثهَا أَنه لَا يلْزم من دلَالَة الْأَمر على الصِّحَّة دلَالَة النَّهْي على الْفساد إِذْ لَا يلْزم اشْتِرَاك المتقابلات فِي جَمِيع اللوازم بل جَازَ أَن يَكُونَا ضدين ويشتركا فِي لَازم وَاحِد فَقَط وَلَو لم يكن ذَلِك إِلَّا فِي مُجَرّد الضدية كَانَ كَافِيا فَإِن السوَاد وَالْبَيَاض ضدان وهما مشتركان فِي الرُّؤْيَة والحدوث وكونهما عرضا وَغير ذَلِك

وَرَابِعهَا أَنا وَإِن سلمنَا انه يلْزم من ذَلِك تقَابل حكميهما فَإِنَّمَا يلْزم مِنْهُ أَن النَّهْي لَا يكون مقتضيا للصِّحَّة لَا أَنه يَقْتَضِي الْفساد لِأَن شَأْن النقيض

ص: 148

أَن يثبت لَهُ نقيض حكم نقيضه كَمَا أَن الْوَاجِب يُعَاقب عَلَيْهِ فَمَا لَيْسَ بِوَاجِب لَا يُعَاقب عَلَيْهِ فَيكون اللَّازِم هُنَا أَن النَّهْي لَا يدل على الْإِجْزَاء لِأَنَّهُ نقيض مَا دلّ عَلَيْهِ الْأَمر أما دلَالَته على الْفساد فَلَيْسَ نقيض الْإِجْزَاء بل أَمر آخر هَكَذَا قرر الْجَواب صَاحب الْمَحْصُول وَغَيره وَفِيه نظر لِأَن الْأَمر وَالنَّهْي ضدان وليسا نقيضين لِأَنَّهُمَا ثبوتيان وَأحد النقيضين لابد وَأَن يكون عدميا وَإِذا كَانَا ضدين وَسلم لُزُوم ضد الصِّحَّة فالمنوع الأولى كَافِيَة فِي رد هَذَا الِاسْتِدْلَال وخصوصا منع كَون الْأَمر يَقْتَضِي الْإِجْزَاء لُغَة بل ذَلِك مستقى من الشَّرْع أَيْضا وَالله أعلم

الطّرف الثَّالِث فِي أَدِلَّة الْقَائِلين بِأَن النَّهْي لَا يَقْتَضِي الْفساد وَقد تنوعت عباراتهم فِي الِاحْتِجَاج لذَلِك وحاصلها يرجع إِلَى ثَلَاثَة أوجه

الْوَجْه الأول لَو دلّ النَّهْي على الْفساد لَكَانَ ذَلِك لدَلِيل يَقْتَضِيهِ وَالدَّلِيل إِمَّا عَقْلِي أَو نقلي والنقلي إِمَّا إِجْمَاع أَو نَص وَالنَّص إِمَّا متواتر أَو آحَاد

ص: 149

وَلم يثبت شَيْء من ذَلِك جَمِيعه وَلَا دلَالَة لَهُ من جِهَة الْعقل أَيْضا لما سَيَأْتِي فَلم يكن النَّهْي دَالا عَلَيْهِ

الثَّانِي أَن النَّهْي إِمَّا أَن يدل على الْفساد دلَالَة لفظية أَو معنوية وهما باطلتان فَالْقَوْل بِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْفساد بَاطِل أما بطلَان الدّلَالَة اللفظية فَلِأَنَّهَا إِمَّا أَن تكون بِحَسب اللُّغَة أَو مستفادة من جِهَة الشَّرْع وَالْأول بَاطِل لما تقدم وَلِأَن البدوي الْعَارِف باللغة غير الْعَارِف بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة إِذا سمع لفظ النَّهْي لم يفهم مِنْهُ سوى الْمَنْع من الْفِعْل وَلَا يخْطر بِبَالِهِ الْفساد قطّ وَلَو كَانَ مَوْضُوعا لَهُ لُغَة لم يكن كَذَلِك

وَالثَّانِي أَيْضا بَاطِل لما تقدم أَن الأَصْل عدم النَّقْل وَأَيْضًا فَلِأَنَّهُ لَو كَانَ مَوْضُوعا للْفَسَاد من جِهَة الشَّرْع لزم ترك مُقْتَضى اللَّفْظ فِي الصُّور الَّتِي اسْتَعْملهُ فِيهَا وَلم يَتَرَتَّب على ذَلِك النَّهْي فَسَاد كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَالذّبْح بسكين مَغْصُوبَة وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا بِخِلَاف مَا إِذا لم نقل بِأَنَّهُ يدل على الْفساد فانه فِي الصُّور الَّتِي قيل فِيهَا بِفساد الْمنْهِي عَنهُ يكون ذَلِك لأمر زَائِد على مَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ وَلم يتَعَرَّض لَهُ اللَّفْظ بِنَفْي وَلَا إِثْبَات وَلَا شكّ فِي أَن هَذَا أولى

وَأَيْضًا لَو كَانَ مَوْضُوعا للْفَسَاد لُغَة أَو شرعا للَزِمَ من ذَلِك التَّنَاقُض إِذا صرح بِالصِّحَّةِ مَعَ صَرِيح النَّهْي كَمَا إِذا قَالَ مثلا لَا تتوضأ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوب وَلَا تذبح بسكين مَغْصُوب وَإِن فعلت ذَلِك صحت طهارتك وحلت الذَّبِيحَة

ص: 150

وَلَا تطلق حَالَة الْحيض فَإِن فعلت نفذ طَلَاقك وَلَا تطَأ جَارِيَة الإبن فَإِن استولدتها دخلت فِي ملكك إِلَى غير ذَلِك من الصُّور الَّتِي لَا استبعاد فِي صِحَّتهَا وَالْقَوْل فِيهَا بِعَدَمِ التَّنَاقُض وَذَلِكَ بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ حرمت عَلَيْك الطَّلَاق وأمرتك بِهِ أَو أبحته لَك وَحرمت عَلَيْك استيلاد جَارِيَة الإبن وأوجبته عَلَيْك فَإِن ذَلِك متناقض غير مَعْقُول

وَبِهَذَا أَيْضا تَنْتفِي الدّلَالَة المعنوية لِأَن شَرطهَا اللُّزُوم وَمَفْهُوم الْفساد غير لَازم لمَفْهُوم التَّحْرِيم الَّذِي هُوَ مَدْلُول اللَّفْظ إِذْ لَو كَانَت الدّلَالَة الإلتزامية مَوْجُودَة لما صَحَّ إثْبَاته مَعَ نَفْيه لِأَن إِثْبَات الْمَلْزُوم مَعَ التَّصْرِيح بِنَفْي اللَّازِم غير صَحِيح

الْوَجْه الثَّالِث لَو دلّ النَّهْي على الْفساد لثبت الْفساد حَيْثُمَا وجد النَّهْي عملا بِالدَّلِيلِ وَاللَّازِم بَاطِل بِدَلِيل صِحَة الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْمَغْصُوب والأماكن الْمَكْرُوهَة وَصِحَّة البيع وَقت النداء وَأَمْثَاله فَلَزِمَ من ذَلِك أَن النَّهْي لَا دلَالَة لَهُ لمجرده على الْفساد

وَالْجَوَاب عَن الأول انا بَينا فِيمَا تقدم دلَالَة النَّص وَالْإِجْمَاع وَالْعقل على أَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد وَحصل بِحَمْد الله تَعَالَى الِانْفِصَال عَن كل مَا أعترض بِهِ علينا وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الَّذِي عول عَلَيْهِ الإِمَام الْغَزالِيّ فِي أَن النَّهْي لَا يَقْتَضِي الْفساد فِي الْعُقُود ثمَّ ذكر من أَدِلَّة الْقَائِلين بذلك بعض مَا تقدم وَاعْترض عَلَيْهَا بِمَا ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ وَقد أجبنا عَنهُ

ص: 151

وَعَن الثَّانِي أَنا نسلم أَنه لَا يدل النَّهْي على الْفساد بِحَسب وضع اللُّغَة لَكِن مَا الْمَانِع أَن يدل عَلَيْهِ دلَالَة لفظية بِحَسب وضع الشَّرْع

قَوْله يلْزم مِنْهُ النَّقْل وَالْأَصْل خِلَافه قُلْنَا تقدم أَنه إِنَّمَا يلْزم النَّقْل إِذا كَانَت دلَالَته بِحَسب الْمُطَابقَة فَأَما بطرِيق التضمن أَو الإلتزام فَلَا وَدلَالَة النَّهْي على الْفساد بِحَسب اللُّزُوم سلمنَا أَن ذَلِك بطرِيق الْمُطَابقَة لَكِن قد يُصَار إِلَى النَّقْل عِنْد قيام الدَّلِيل على ذَلِك والأدلة الْمُتَقَدّمَة قد تقررت على أَنه للْفَسَاد فَيجب الْمصير إِلَى القَوْل بِالنَّقْلِ لِئَلَّا يلْزم ترك الدَّلِيل الَّذِي مُخَالفَته أَشد من مُخَالفَة الأَصْل

قَوْلهم ثَانِيًا يسْتَلْزم جعله حَقِيقَة فِي الْفساد ترك مُقْتَضى الدَّلِيل فِي الصُّور الَّتِي نهي عَنْهَا وَلم يقل بفسادها وَذَلِكَ مَحْذُور قُلْنَا نعم لكنه يلْتَزم عِنْد قيام الدّلَالَة عَلَيْهِ وَهَذَا كَمَا قَالُوا إِن النَّهْي حَقِيقَة فِي التَّحْرِيم وَثَبت اسْتِعْمَاله فِي الْكَرَاهَة فِي صور كَثِيرَة عِنْد قيام دَلِيل على ذَلِك وَأما قَوْلهم ثَالِثا أَنه يلْزم التَّنَاقُض إِذا صرح فِيهِ بِالصِّحَّةِ فَعَنْهُ أجوبة أَحدهَا أَن الْمُلَازمَة على قسمَيْنِ ظنية وقطعية فدلالة الإلتزام تَنْقَسِم كَذَلِك إِلَى هذَيْن الْقسمَيْنِ وَيكون دلَالَة النَّهْي على الْفساد ظنية كَمَا نقُول فِي الْمَفْهُوم وَغَيره انه دلَالَة الِالْتِزَام وَهِي دلَالَة ظنية لِأَن الْمُلَازمَة ظنية وَحِينَئِذٍ فَلَا يناقضها

ص: 152

قَوْلهم لَا استبعاد فِي أَن يَقُول الشَّارِع لَا تبع الرِّبَوِيّ مُتَفَاضلا فان فعلت ثَبت الْملك لِأَن هَذَا إِشَارَة إِلَى الِاحْتِمَال وَمن ادّعى الظَّن فقد الْتزم الِاحْتِمَال لِأَن الدّلَالَة الظنية لَا تعرى عَنهُ وَلكنهَا تكون راجحة عَلَيْهِ فَلَا يعْمل عمله كَيفَ وَهُوَ هُنَا أَضْعَف الِاحْتِمَالَات لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على مُجَرّد عدم إلاستبعاد وَلَا يخفى ضعفه

وَثَانِيها انه لَا نسلم أَنه لَا يعد متناقضا إِذا قَالَ حرمت عَلَيْك الطَّلَاق فِي الْحيض لعَينه وَلَكِن إِذا أوقعته نفذ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَضع الشَّرْعِيّ نعم لَا يعد متناقضا إِذا قَالَ حرمت عَلَيْك الطَّلَاق حَالَة الْحيض وَإِذا أوقعته نفذ لاحْتِمَال أَن يكون التَّحْرِيم لأمر خارجي وَهُوَ تَطْوِيل الْعدة وَأما إِذا قَالَ لعَينه فَلَا نسلم عدم التَّنَاقُض وكلامنا إِنَّمَا هُوَ فِي الْمنْهِي عَنهُ لعَينه

وَثَالِثهَا أَنا لَو سلمنَا ذَلِك وَأَنه لَا يعد متناقضا وَإِن كَانَ النَّهْي عَنهُ لعَينه لَكِن لَا نسلم أَن ترك مُقْتَضى اللَّفْظ الظَّاهِر الدّلَالَة لقَرِينَة أَو صَرَاحَة من الْمُتَكَلّم يكون مناقضا لكَلَامه كَمَا أَن اللافظ بِاللَّفْظِ الْعَام وبأسماء الْعدَد مَعَ التَّخْصِيص لَهَا وَالِاسْتِثْنَاء مِنْهَا لَا يعد متناقضا ومتهافتا فِي كَلَامه فَكَذَلِك هُنَا

قَوْلهم إِثْبَات الْمَلْزُوم مَعَ التَّصْرِيح بِنَفْي اللَّازِم غير صَحِيح قُلْنَا لَا نسلم ذَلِك لما تقدم أَنَّهَا دلَالَة ظنية فَتقدم عَلَيْهَا الدّلَالَة الصَّرِيحَة إِذا كَانَت مُعَارضَة لَهَا

ص: 153

وَالْجَوَاب عَن الثَّالِث أَن الْقَائِلين بتعميم الْفساد فِي جَمِيع صور النَّهْي سَوَاء كَانَ لعَينه أَو لغيره كأحمد بن حَنْبَل والظاهرية لَا يرد عَلَيْهِم نقض شَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ لأَنهم طردوا قَوْلهم فِي ذَلِك كُله وَقد الْتزم هَذِه الطَّرِيق بعض الْأُصُولِيِّينَ فِي تصانيفه وَذكر أَن الْجَواب الصَّحِيح وَلَيْسَ كَذَلِك

وَأجَاب آخَرُونَ عَن ذَلِك بِأَن القَوْل بِالصِّحَّةِ فِي هَذِه الصُّور إِنَّمَا كَانَ لدَلِيل خارجي قَامَ بهَا فَلَا يلْزم من ذَلِك نقض كَمَا فِي تَخْصِيص الْعَام وَالْخُرُوج عَن حَقِيقَة الْأَمر من الْوُجُوب إِلَى النّدب وَحَقِيقَة النَّهْي من التَّحْرِيم إِلَى الْكَرَاهَة لأدلة دلّت على ذَلِك فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع الْخَاصَّة وَلم يلْزم بذلك نقض الأَصْل وَلَا إبِْطَال دلَالَته من أَصْلهَا

ثمَّ أَشَارَ بَعضهم إِلَى تِلْكَ الْأَدِلَّة فِي كثير من الصُّور كَقَوْلِه صلى الله عليه وسلم لَا تلقوا الجلب فَمن تلقى شَيْئا من ذَلِك فأشتراه فصاحبه إِذا أَتَى السُّوق بِالْخِيَارِ فإثبات الْخِيَار فِيهِ للْبَائِع دَلِيل على أَن البيع صَحِيح وَلَا شكّ أَن الْمَوَاضِع الَّتِي قيل فِيهَا بِالصِّحَّةِ مَعَ وجود النَّهْي كَثِيرَة جدا فِي الْعِبَادَات والعقود والإيقاعات وَغَيرهَا كَمَا تقدم ذكر كثير مِنْهَا وَسَيَأْتِي وَيحْتَاج سالك هَذِه الطَّرِيق إِلَى دَلِيل يخص كل وَاحِد مِنْهَا وَهُوَ مُتَعَذر قطعا

ص: 154

فَالْجَوَاب الصَّحِيح عَن ذَلِك كُله مَا سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ غير مرّة وَهُوَ أَن النَّهْي فِي هَذِه جَمِيعهَا لَيْسَ لعين الْمنْهِي عَنهُ وَلَا لوصفه اللَّازِم بل لغيره المجاور لَهُ وَلَا يَقْتَضِي النَّهْي فِي هَذَا الْقسم الْفساد كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيق ذَلِك وَبَيَان الْفرق بَين المقامين إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالْمُدَّعى الَّذِي استدللنا عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ القسمان الْأَوَّلَانِ فَلَا يرد النَّقْض بِغَيْرِهِمَا فَإِن قيل لَا فرق قُلْنَا سنبين ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى

وَأما من فرق بَين الْعِبَادَات والمعاملات فقد احْتج الإِمَام الْغَزالِيّ بِمَا تقدم أَن النَّهْي يضاد كَون الْمنْهِي عَنهُ قربَة وَطَاعَة وَالْأَمر وَالنَّهْي يتضادان فَلَا يكون الْمنْهِي عَنهُ قربَة وَلَا امتثالا فَيدل النَّهْي فِي الْعِبَادَات على الْفساد بِخِلَاف الْعُقُود إِذْ لَا تضَاد بَين تَحْرِيم الْعُقُود وَبَين جعلهَا سَببا للْملك وَالتَّصَرُّف كَمَا تقدم فَلم يكن دَالا على الْفساد

وَحَاصِل ذَلِك أَن النَّهْي إِنَّمَا يدل على الزّجر فَقَط وَذَلِكَ من خطاب التَّكْلِيف وَأما الصِّحَّة وَالْفساد فهما من خطاب الْوَضع وَلَا إِشْعَار لَهُ بهما

وَهَذَا الدَّلِيل هُوَ عين الْمُدعى لأَنا نقُول النَّهْي دَال على الزّجر وَالْفساد جَمِيعًا وَقد دللنا عَلَيْهِ بِمَا تقدم وَإِن كَانَت دلَالَته على الْفساد بطرِيق الاستلزام فَذَلِك كَاف فِي الْمَطْلُوب

ص: 155

ثمَّ إِن الَّذِي احْتج بِهِ الإِمَام فَخر الدّين على أَنه لَا يدل عَلَيْهِ فِي الْعُقُود يرد عَلَيْهِ فِي الْعِبَادَات بِأَن يُقَال لَو دلّ النَّهْي على عدم إجزائها فإمَّا أَن يدل عَلَيْهِ بِلَفْظِهِ أَو بِمَعْنَاهُ وكل مِنْهُمَا بَاطِل وَلَا استبعاد فِي أَن يَقُول الشَّارِع مثلا نهيتك عَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة وَإِن فعلتها أَجْزَأت عَنْك وَصحت وَعَن الصَّوْم يَوْم النَّحْر وَإِن صمت فِيهِ صَحَّ وَكَذَلِكَ النَّقْض أَيْضا بِالْعُقُودِ الْمنْهِي عَنْهَا وَهِي صَحِيحَة رد مثله فِي الْعِبَادَات كالضوء بِالْمَاءِ الْمَغْصُوب وَالصَّلَاة فِي الثَّوْب الْحَرِير وأمثالهما فَمَا يكون جَوَابا لَهُ عَن ذَلِك يُجَاب بِهِ أَيْضا فِي الْمُعَامَلَات

وَنحن قد طردنا القَوْل فِي الْبَابَيْنِ فَسَادًا وَصِحَّة وفرقنا بَين مَا يَقْتَضِي الْفساد مِنْهُمَا وَمَا لَا يَقْتَضِيهِ فَإِن جنح إِلَى الْفرق الْمُتَقَدّم بَين الْمَوْضِعَيْنِ فِي تَفْسِير الْفساد أَعنِي بَين الْعِبَادَات والعقود أُجِيب بِمَا تقدم من تَفْسِير الْفساد بِمَعْنى كلي يشملهما

وَقَوْلهمْ إِن النَّهْي لَا يُنَافِي إِفَادَة الْملك وَصِحَّة التَّصَرُّف مَمْنُوع بِمَا تقدم من الْأَدِلَّة الدَّالَّة على تنافيهما وَإِن سلم أَنه لَا يُنَافِي ذَلِك قطعا فَهُوَ يُنَافِيهِ ظَاهرا وَذَلِكَ كَاف على مَا تقدم غير مرّة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

ص: 156