المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الْفَصْل السَّادِس فِي لواحق وتتمات يذيل بهَا مَا تقدم وَفِيه تَنْبِيهَات الأول - تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد

[صلاح الدين العلائي]

الفصل: ‌ ‌الْفَصْل السَّادِس فِي لواحق وتتمات يذيل بهَا مَا تقدم وَفِيه تَنْبِيهَات الأول

‌الْفَصْل السَّادِس

فِي لواحق وتتمات يذيل بهَا مَا تقدم وَفِيه تَنْبِيهَات

الأول أَن هَذِه الْمَسْأَلَة وَإِن كَانَت جزئية فَهِيَ من الْقَوَاعِد الْكِبَار الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا من الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة مَا لَا يُحْصى وَقد اضْطَرَبَتْ فِيهَا الْمذَاهب وتشعبت الآراء وتباينت المطالب كَمَا بَيناهُ فِيمَا تقدم ثمَّ إِن كل الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين قد تنَاقض فِيهَا قَوْلهم وَلم يطردوا أصلهم الَّذِي اختاروه فِيهَا سوى الإِمَام الشَّافِعِي وَمن تَابعه

أما الْحَنَفِيَّة فقد تبين آنِفا تنَاقض طريقهم فِيهَا وَمَا ينْقض بِهِ عَلَيْهِم من الْمَوَاضِع الَّتِي قَالُوا فِيهَا بِالْبُطْلَانِ وَلَيْسَ ثمَّ سوى مُجَرّد النَّهْي عَن ذَلِك الشَّيْء لوصفه اللَّازِم كَنِكَاح الْمُتْعَة وَالنِّكَاح بِغَيْر شُهُود وَبيع الملاقيح والمضامين وضربة الغائص وَنَحْوهَا وكصلاة من عَلَيْهِ أَربع فوائت وَصَلَاة الرجل المحاذي للْمَرْأَة إِلَى غير ذَلِك

وَأما الْحَنَابِلَة وان طردوا القَوْل بِالْبُطْلَانِ فِي جَمِيع المناهي حَتَّى الْمُجَاورَة فقد نقضوا ذَلِك بتنفيذ الطَّلَاق فِي الْحيض وَفِي طهر جَامعهَا فِيهِ وإرسال الطَّلَاق الثَّلَاث دفْعَة وحلت ذبح شَاة الْغَيْر عُدْوانًا

والظاهرية وَإِن طردوا القَوْل بِالْفَسَادِ فِي هَذِه الصُّور أَيْضا فقد انْتقض قَوْلهم بِوَطْء الْحَائِض فَإِنَّهُ محرم وَمَعَ ذَلِك رتبوا عَلَيْهِ أَثَره من تَكْمِيل الْمهْر وَثُبُوت الْإِحْصَان وَغير ذَلِك

ص: 201

وَأما الْمَالِكِيَّة فقد قَالُوا إِن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد وطردوا ذَلِك إِلَّا فِي البيع الْفَاسِد إِذا وجد أحد الْأُمُور الْأَرْبَعَة الْمُتَقَدّم ذكرهَا فانهم حكمُوا فِيهَا بِالْملكِ للْمُشْتَرِي ورتبوا على الْفَاسِد بعض مَا يَتَرَتَّب على الصَّحِيح من الْآثَار

وَقد اعْترف الْقَرَافِيّ وَغَيره بِأَن الْمَالِكِيَّة لم يطردوا أصلهم فِي هَذَا الْموضع لَكِن زَاد الْقَرَافِيّ فِي شرح التَّنْقِيح فَذكر أَن الْحَنَفِيَّة طردوا أصلهم فِي قَوْلهم انه يدل على الصِّحَّة وان الشَّافِعِي وَاحْمَدْ بن حَنْبَل طردوا اصلهما فِي القَوْل بِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْفساد وَقد تبين آنِفا أَن الْحَنَفِيَّة والحنابلة لم يطردوا أصولهم فِي ذَلِك

وَأما الشَّافِعِي فَلم ينْتَقض قَوْله فِي الْمَسْأَلَة بِصُورَة أصلا لِأَنَّهُ قَالَ بِالْفَسَادِ فِي الْمنْهِي عَنهُ لعَينه أَو لوصفه اللَّازِم وان الْمنْهِي عَنهُ لغيره المجاور لَهُ لَا يَقْتَضِي فَسَادًا بل إِن دلّ دَلِيل من خَارج على فَسَاده فَذَاك لِمَعْنى آخر غير الْمنْهِي كَمَا بَينا فِي مَسْأَلَة التَّفْرِيق بَين الوالدة وَوَلدهَا فَكل فَكل مَوضِع ورد فِيهِ النَّهْي وَلم يقل الشَّافِعِيَّة بفساده لَا يرجع النَّهْي إِلَى عينه وَلَا إِلَى وَصفه اللَّازِم وَكلما رَجَعَ النَّهْي فِيهِ إِلَى أحد هذَيْن قَالَ فِيهِ بِالْفَسَادِ فقد طرد اصله فِي الْمَوَاضِع كلهَا مَعَ صِحَّته واعتضاده بالأدلة الراجحة حَسْبَمَا بَيناهُ فِيمَا تقدم وَللَّه الْحَمد والمنه

فَإِن قيل هَذَا منتقض بقَوْلهمْ فِي ذبح شَاة الْغَيْر عُدْوانًا أَنَّهَا تحل أكلهَا قُلْنَا وان سلم إِن النَّهْي رَاجع فِي هَذِه الصُّورَة إِلَى وصفهَا اللَّازِم فَعَنْهُ جوابان

ص: 202

أَحدهمَا أَن الْمُعْتَبر فِي حل الذَّبِيحَة كَون المذكي من أهل الذَّكَاة والآلة الَّتِي يذبح بهَا واما التَّعَدِّي بذلك فَذَاك أَمر خَارج لَا تعلق لَهُ بِأَصْل الذَّكَاة وَهِي بَاقِيَة على ملك مَالِكهَا والمتعدي بِالذبْحِ يلْزمه مَا نقص من قيمتهَا بالذكاة

فَلَو قَالَ الشَّافِعِي بِدُخُولِهَا فِي ملك الذَّابِح مَعَ ضَمَانهَا بِالْقيمَةِ كَانَ قد رتب على النَّهْي القَوْل بِالصِّحَّةِ فَإِن هَذَا هُوَ الْمُرَتّب على الْفِعْل الْمنْهِي عَنهُ فِي هَذَا الْموضع وَأما الْحل وَالتَّحْرِيم فَأمر آخر غير مُخْتَصّ بِهَذِهِ الصُّورَة وَهَذَا بِخِلَاف ذَكَاة الْمَجُوسِيّ والذكاة بِالسِّنِّ وَالظفر فان النَّهْي لما ورد فِي هَذِه الصُّور رَاجعا إِلَى الْوَصْف اللَّازِم قَالَ الشَّافِعِي بِفساد الذَّكَاة وَعدم الْحل طردا لأصله

الثَّانِي أَنا وان سلمنَا أَنه رتب فِي هَذِه الصُّورَة على الْمنْهِي عَنهُ أَثَره من الصِّحَّة فَذَاك لدَلِيل خارجي وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي قصَّة الْمَرْأَة الَّتِي ذبحت شَاة أَخِيهَا بِغَيْر إِذْنه وَأمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم بإطعامه الْأُسَارَى وَلم يَجْعَلهَا ميتَة فَكَانَ هَذَا الدَّلِيل مقدما على الْقَاعِدَة الْعَامَّة كَمَا فِي أَمْثَاله وَلَا يلْزم مِنْهُ بطلَان الْقَاعِدَة من اصلها وَلَا تنَاقض القَوْل بِغَيْر دَلِيل وَالله اعْلَم

الثَّانِي ذكر الْقَرَافِيّ فِي كِتَابه الْقَوَاعِد مسالة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَفرق بَينهَا وَبَين صَوْم يَوْم النَّحْر بِمَا تقدم ذكره

ص: 203

ثمَّ أورد على ذَلِك انه لَو نذر الصَّلَاة فِي الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة لم ينْعَقد نَذره كَمَا لَا ينْعَقد نذر الصَّوْم يَوْم النَّحْر عِنْد الشَّافِعِيَّة والمالكية

فَأَما أَن يُقَال النَّهْي عَن الْوَصْف لَا يتَعَدَّى إِلَى الأَصْل فِي الْجَمِيع كَمَا قَالَت الْحَنَفِيَّة أَو يُقَال بتعديه إِلَى الأَصْل فِي الْكل كالحنابلة فان هذَيْن المذهبين طرفا نقيض فِي تَعْمِيم القَوْل بِالْفَسَادِ وَالْقَوْل بِالصِّحَّةِ وَمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ متوسط بَينهمَا فَيحْتَاج إِلَى الْفرق بَين الصُّور

ثمَّ ذكر الْقَرَافِيّ رحمه الله فرقين أَحدهمَا بَين صَوْم يَوْم النَّحْر وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة بِأَن النَّهْي إِذا توجه إِلَى عبَادَة مَوْصُوفَة دلّ على أَن تِلْكَ الْعِبَادَة عرية عَن الْمصلحَة الكائنة فِي الْعِبَادَة الَّتِي لَيست مَوْصُوفَة بِهَذِهِ الصّفة الْخَاصَّة والأوامر تتبع الْمصَالح فَإِذا ذهبت الْمصلحَة ذهب الطّلب وَحِينَئِذٍ لَا يبْقى الصَّوْم قربَة

وَأما الصَّلَاة فِي الْمَغْصُوب فَلم يَأْتِ النَّهْي عَنْهَا لكَونهَا صَلَاة إِنَّمَا ورد النَّهْي عَن مُطلق الْغَصْب وَجَاء فِي هَذِه الصَّلَاة صفة لَهَا بِحَسب الْوَاقِع مَعَ جَوَاز انفكاكها فِي غير هَذِه الصُّورَة فَبَقيت الصَّلَاة بِحَالِهَا مُشْتَمِلَة على مصلحَة الْأَمر فَكَانَ الْأَمر ثَابتا فَكَانَت قربَة

وَثَانِيهمَا بَين الْعُقُود وَالصَّلَاة فِي الْمَغْصُوب بِأَن انْتِقَال الْأَمْلَاك فِي

ص: 204

الْمُعَاوَضَات يعْتَمد الرِّضَا لقَوْله صلى الله عليه وسلم لَا يحل مَال امْرِئ مُسلم إِلَّا بِطيب نَفسه وَمن عقد على الرِّبَوِيّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا لم تطب نَفسه إِلَّا بِالْعقدِ الْمُشْتَمل على الزِّيَادَة فان ألغيت الزِّيَادَة وَصحح العقد بِدُونِهَا لم يكن رَاضِيا بذلك فَلم يحصل شَرط العقد بِخِلَاف الصَّلَاة فِي الْمَغْصُوب فانه وجد فِيهَا الْأَمر بجملته وَالنَّهْي مُقَارن لَهُ خَارج عَنهُ كَمَا تقدم تَقْرِيره فَأعْطِي كل وَاحِد مِنْهُمَا حكمه كَمَا إِذا سرق فِي صلَاته وَهَذَا الْفرق رَاجع فِي الْحَقِيقَة إِلَى مَا تقدم وَكَذَلِكَ الَّذِي قبله لَكِن بِعِبَارَة أُخْرَى

الثَّالِث تقدم أَن الإِمَام الْغَزالِيّ رحمه الله اخْتَار فِي الْمُسْتَصْفى أَن النَّهْي عَن الْعُقُود لَا يدل على فَسَادهَا خلاف مَا اخْتَارَهُ فِي كتبه الْفِقْهِيَّة ثمَّ قَالَ فِي آخر كَلَامه فَإِن قيل قد حمل بعض المناهي فِي الشَّرْع على الْفساد دون الْبَعْض فَمَا الفيصل

قُلْنَا النَّهْي لَا يدل على الْفساد وانما يعرف فَسَاد العقد وَالْعِبَادَة بِفَوَات شَرطه وركنه وَيعرف الشَّرْط أما بِإِجْمَاع كالطهارة فِي الصَّلَاة وَستر الْعَوْرَة

ص: 205

واستقبال الْقبْلَة وَأما بِنَصّ وَأما بِصِيغَة النَّفْي كَقَوْلِه لَا صَلَاة إِلَّا بِطهُور وَلَا نِكَاح إِلَّا بِشُهُود فَذَلِك ظَاهر فِي النَّفْي عِنْد انْتِفَاء الشَّرْط وَأما بِالْقِيَاسِ على مَنْصُوص فَكل نهي تضمن ارتكابه الْإِخْلَال بِالشّرطِ فَيدل على الْفساد من حَيْثُ الْإِخْلَال بِالشّرطِ لَا من حَيْثُ النَّهْي وَشرط الْمَبِيع أَن يكون مَالا مُتَقَوّما مَقْدُورًا على تَسْلِيمه معينا أما كَونه مرئيا فَفِي اشْتِرَاطه خلاف وَشرط الثّمن أَن يكون مَالا مَعْلُوم الْقدر وَالْجِنْس وَلَيْسَ من شَرط النِّكَاح الصَدَاق فَلذَلِك لم يفْسد بِكَوْن النِّكَاح على خمر أَو خِنْزِير أَو مَغْصُوب وان كَانَ مَنْهِيّا عَنهُ وَلَا فرق بَين الطَّلَاق السّني والبدعي فِي النّفُوذ وان اخْتلفَا فِي التَّحْرِيم

فان قيل فَلَو قَالَ قَائِل كل نهي يرجع إِلَى عين الشئ فَهُوَ دَلِيل على الْفساد دون مَا يرجع إِلَى غَيره فَهَل يَصح

قُلْنَا لَا لِأَنَّهُ لَا فرق بَين الطَّلَاق فِي حَالَة الْحيض وَالصَّلَاة فِي حَالَة الْحيض وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فَإِنَّهُ إِن أمكن أَن يُقَال لَيْسَ مَنْهِيّا عَن الطَّلَاق لعَينه وَلَا عَن الصَّلَاة لعينها بل لوُقُوعه فِي حَالَة الْحيض ووقوعها فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة أمكن تَقْرِير مثله فِي الصَّلَاة فِي حَال الْحيض فَلَا اعْتِمَاد إِلَّا على فَوَات الشَّرْط

هَذَا كُله كَلَام الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى وَهُوَ غير لَائِق لمنصبه فِي الْعلم

ص: 206

وتحقيقه فَإِن النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي حَال الْحيض لَيْسَ لأمر خارجي بل هُوَ رَاجع إِلَى ذَات الصَّلَاة ليَكُون العَبْد عِنْد مُنَاجَاة ربه على أكمل أَحْوَاله بِخِلَاف الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَالطَّلَاق فِي الْحيض لما بَيناهُ فِيمَا تقدم

وَقَوله فِي أَن معيار الْفساد فَوَات الشَّرْط سبقه إِلَيْهِ القَاضِي أَبُو بكر بن الباقلاني وَذكره ظابطا لذَلِك وَمِنْه أَخذ الإِمَام الْغَزالِيّ وناقض بِهِ مَا قَرَّرَهُ فِي كتبه الْفِقْهِيَّة كَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ ثمَّ أَنه يرد عَلَيْهِ فِي اعْتِبَار هَذَا الظابط الْمَوَاضِع الَّتِي قَالَ بفسادها مَعَ أَنه لم يُوجد فِيهَا سوى مُجَرّد النَّهْي كالنهي عَن بيع وَشرط وَعَن بيع مَا لم يقبض وَعَن بيع الطَّعَام حَتَّى يجْرِي فِيهِ الصاعان وَغير ذَلِك مِمَّا لم يرد فِيهِ صِيغَة نفي وَلم يقم دَلِيل من نَص أَو إِجْمَاع على شَرْطِيَّة الْفَائِت فَإِذا ادّعى فِيهِ الشّرطِيَّة حَتَّى يصير الْفساد ناشئا عَن فَوَات الشَّرْط كَانَ ذَلِك تحكما لتخصيصه ذَلِك بِبَعْض المناهي دون الْبَعْض من غير دَلِيل فَالَّذِي يثبت على السّير ضابطا للْفَسَاد وَعَدَمه مَا قدمْنَاهُ من رُجُوع النَّهْي إِلَى ذَات الْمنْهِي أَو وَصفه اللَّازِم أَو رُجُوعه إِلَى الْخَارِج المجاور لَهُ وَهُوَ الَّذِي اعْتَبرهُ الإِمَام الشَّافِعِي رض فَقيل أَنه نَص على ذَلِك صَرِيحًا وَقيل بل هُوَ مَأْخُوذ من مَعَاني كَلَامه وَمَفْهُوم من تَصَرُّفَاته وَالله أعلم

الرَّابِع تقدم فِي نقل الْمذَاهب فِي أصل الْمَسْأَلَة أَن من الْعلمَاء من فرق بَين مَا إِذا كَانَ النَّهْي يخْتَص بالمنهي عَنهُ كَالصَّلَاةِ فِي الْبقْعَة النَّجِسَة فَيَقْتَضِي الْفساد وَبَين مَا لَا يخْتَص بِهِ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَمِنْهُم من فرق بَين مَا يخل بِرُكْن أَو شَرط فَيَقْتَضِي الْفساد دون مَا لَا يخل بِوَاحِد مِنْهُمَا

وَمِنْهُم من قَالَ أَن رَجَعَ النَّهْي إِلَى عين الْمنْهِي أَو وَصفه اللَّازِم كَانَ الْفساد وَإِلَّا فَلَا فيتصدى النّظر هُنَا أَن هَذِه الْعبارَات هَل ترجع إِلَى

ص: 207

معنى وَاحِد أَو هِيَ متباينة فتعد أقوالا كَمَا فَعَلْنَاهُ هُنَاكَ الَّذِي يظْهر من كَلَام الْمَازرِيّ أَن كل ذَلِك رَاجع إِلَى معنى وَاحِد

وَلِهَذَا عبر إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن الَّذِي يرجع إِلَى ذَات الْمنْهِي عَنهُ بِالَّذِي يخْتَص بالمأمور بِهِ وَظَاهر كَلَام ابْن برهَان وَغَيره التَّفْرِقَة بَينهمَا وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح فقد تقدم قَول الْغَزالِيّ وَغَيره أَن مُجَرّد النَّهْي عَن الشَّيْء لَا يَقْتَضِي فَسَاده مَا لم تثبت شَرْطِيَّة ذَلِك الْمنْهِي عَنهُ بِدَلِيل آخر فَلَا تلازم عِنْدهم بَينهمَا

وَكَذَلِكَ قَالَت الْحَنَفِيَّة فِي الْمنْهِي عَنهُ لوصفه اللَّازِم أَنه لَا يَقْتَضِي إِلْحَاق شَرط بالمأمور بِهِ وَكَذَلِكَ لاخْتِصَاص بالشَّيْء قد لَا يكون شرطا فِيهِ كاجتناب النَّجَاسَة فِي الصَّلَاة على قَول الْمَالِكِيَّة فَإِن ذَلِك مَأْمُور بِهِ وَهُوَ مَنْهِيّ عَن مُلَابسَة النَّجَاسَة فِي بدنه وثيابه حَالَة الصَّلَاة وَمَعَ ذَلِك فَلَيْسَ شرطا فِي صِحَة الصَّلَاة على الْإِطْلَاق عِنْدهم حَتَّى تصح صَلَاة من صلى بِنَجَاسَة نَاسِيا أَو جَاهِلا وَهُوَ القَوْل الْقَدِيم للشَّافِعِيّ وَكَذَلِكَ ستر الْعَوْرَة على أحد الْقَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء فَإِن ستر الْعَوْرَة مِنْهُم من جعل الْأَمر بِهِ عَاما فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا فَلَا اخْتِصَاص لَهُ بِالصَّلَاةِ وَمِنْهُم من جعله مُخْتَصًّا بِالصَّلَاةِ لقَوْله تَعَالَى {خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد}

وعَلى هَذَا يَنْبَنِي وجوب الْإِعَادَة على من صلى عَارِيا فَمن أوجب الْإِعَادَة قَالَ ستر الْعَوْرَة من خَصَائِص الصَّلَاة فَيَقْتَضِي النَّهْي عَن عَدمه فَسَادهَا وَمن يَقُول لَا تجب الْإِعَادَة لَا يَجعله من خصائصها فَظهر بِهَذَا أَنه لَا يلْزم من اخْتِصَاص النَّهْي بالشَّيْء كَون ذَلِك شرطا فِيهِ

ص: 208

وَهَذَا إِنَّمَا يَجِيء على غير الرَّاجِح من مَذْهَب الشَّافِعِي

أما على القَوْل الصَّحِيح الَّذِي هُوَ الْمُخْتَار فِيمَا تقدم فَلَا فرق بَين ذَلِك جَمِيعه وَالْكل يَقْتَضِي الْفساد لما تقرر أَن النَّهْي عَن الشَّيْء لوصفه يَقْتَضِي إِلْحَاق شَرط بِهِ وَالله أعلم

الْخَامِس ذكر الإِمَام الْمَازرِيّ فِي شرح الْبُرْهَان عَن شَيْخه وَأَظنهُ أَبَا الْحسن اللَّخْمِيّ قولا بالتفصيل فِي المنهيات لم أظفر بِهِ حَتَّى وصلت إِلَى هُنَا وَهُوَ مباين لما تقدم من الْمذَاهب ويتحصل مِنْهُ زِيَادَة قَول آخر فِي المسالة وَهُوَ أَن مَا كَانَ النَّهْي عَنهُ لحق الْخلق فَإِنَّهُ لَا يدل على الْفساد وَجعل هَذَا التَّفْصِيل طَرِيقا إِلَى صِحَة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لِأَن النَّهْي عَنْهَا لحق الْخلق وتزول الْمعْصِيَة بِإِسْقَاط الْمَالِك حَقه وبالإذن لَهُ بِخِلَاف مَا هُوَ حق الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يسْقط بِإِذن أحد وَلَا بإسقاطه

وَاحْتج لذَلِك بِأَن التصرية تَدْلِيس لَا يحل فِي البيع بِإِجْمَاع وَالنَّهْي عَنهُ عَائِد إِلَى المخلوقين لما فِيهِ من الْإِضْرَار بهم والشارع لم يبطل البيع المقترن بِهِ بل أثبت فِيهِ الْخِيَار للْمُشْتَرِي فَلم يقتض التَّحْرِيم فَسَاد العقد لما كَانَ لحق الْخلق

ص: 209

وَهَذَا القَوْل غَرِيب جدا وَمُقْتَضَاهُ بِأَن النَّهْي فِي الْعِبَادَات يَقْتَضِي الْفساد مُطلقًا لِأَن جَمِيع مناهيها لحق الله تَعَالَى وَالتَّفْصِيل إِنَّمَا هُوَ فِي غَيرهَا وَيرد عَلَيْهِ صور كَثِيرَة مِمَّا قيل فِيهَا بِالْفَسَادِ وَالنَّهْي فِيهَا لحق الْخلق كَالْبيع المقترن بِالشّرطِ الْمُفْسد وَالْأَجَل الْمَجْهُول وخصوصا عِنْد الْمَالِكِيَّة فِي البيع على بيع أَخِيه والمترتب على النجش وأمثال ذَلِك وَلَا يثبت لَهُ هَذَا الْمَعْنى على السبر إِلَّا فِي صور قَليلَة كصورة التصرية الَّتِي ذكرهَا وَالْبيع وَقت النداء فانه فَاسد على الْمَشْهُور من مَذْهَبهم وَالنَّهْي عَنهُ لحق الله تَعَالَى لما فِيهِ من ترك الْجُمُعَة فَإِن قيل الْفساد فِي تِلْكَ الْعُقُود جَاءَ مِمَّا يلْزم فِيهَا من أكل المَال الْبَاطِل

قُلْنَا وَذَاكَ أَيْضا رَاجع إِلَى حق الْآدَمِيّ وَعند التَّحْقِيق كل مَنْهِيّ يتَعَلَّق بالخلق فَللَّه تَعَالَى فِيهِ أَيْضا حق وَهُوَ امْتِثَال أمره وَنَهْيه لَكِن من المناهي مَا يتمحض الْحق فِيهِ لله سُبْحَانَهُ وَمِنْهَا مَا يجْتَمع فِيهِ الحقان وَمُقْتَضى هَذِه الطَّرِيقَة أَيْضا عدم التَّفْرِقَة بَين الْمنْهِي عَنهُ لعَينه والمنهي عَنهُ لغيره وَيلْزمهُ حِينَئِذٍ إبِْطَال الصَّلَاة فِي الْأَمَاكِن الْمَكْرُوهَة كالحمام وأعطان الْإِبِل لِأَن النَّهْي فِيهَا لحق الله تَعَالَى إِلَى غير ذَلِك من الصُّور وَالله سبحانه وتعالى أعلم

آخر كتاب تَحْقِيق المُرَاد فِي أَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد

ص: 210

قَالَ مُؤَلفه شيخ الْإِسْلَام مفتي مصر وَالشَّام بَقِيَّة الْمُجْتَهدين صَلَاح الدّين خَلِيل العلائي الشَّافِعِي تغمده الله برحمته فرغت مِنْهُ كِتَابَة وتصنيفا فِي أَوَائِل شهر شعْبَان سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسبع مائَة بِبَيْت الْمُقَدّس حماه الله تَعَالَى وَللَّه الْحَمد والْمنَّة لَا تحصي ثَنَاء عَلَيْهِ وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم

وَافق الْفَرَاغ من تَعْلِيقه بِبَيْت الْمُقَدّس حماه الله تَعَالَى منتصف شهر رَجَب الْفَرد من شهور سنة سبع وَثَمَانمِائَة على يَد أَضْعَف عباد الله وأحوجهم إِلَى رَحْمَة مَوْلَاهُ ورضوانه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الوَاسِطِيّ الشَّافِعِي غفر الله لَهُ ولوالديه وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين آمين

ص: 211