الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثالثة: ((في تقرير عدالة الصحابة
رضي الله عنهم) .
والذي ذهب إليه جمهور السلف والخلف، أن العدالة ثابتة لجميع الصحابة رضي الله عنهم، وهي الأصل المستصحب فيهم، إلى أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لما يوجب الفسق مع علمه، وذلك مما لم يثبت صريحاً عن أحد منهم، بحمد الله فلا حاجة إلى البحث عن عدالة من ثبتت له الصحبة ولا الفحص عنها بخلاف من بعدهم.
وهذه المسألة عظيمة الجدوى، والحاجة إليها ماسة في أصول الدين وأصول الفقه جميعاً.
أما في أصول الدين: فبالنظر إلى الإمامة وشرايطها وبماذا تنعقد ومن يصح أن يكون إماماً، ومن الذي يعتبر قوله في الحل والعقد.
وأما في أصول الفقه: فلأن الصحابة نقلة الشريعة، ولم تصل إلى الأمة إلا من جميعهم، فمتى تطرق الطعن إلى أحد منهم حصل التشويش في أصول الشريعة ولم يبق بأيدينا والعياذ بالله متمسك بشيء منها وتوجهت المطاعن لأهل الزيغ والشبه في الدين، وأدى ذلك إلى الإنحلال بالكلية، كما سيأتي بيانه إن شاء الله، ولا محذور أصعب من هذا، ولذلك لا تجد المخالفين في هذه المسألة إلا شذوذاً لا يعتد بهم من أهل البدع ومن في قلبه مرض.
فمنهم من زعم أن حكمهم –أعني الصحابة- في العدالة كحكم غيرهم يجب البحث عنها ومعرفة ما في حق كل واحد منهم1.
1هذا القول نقله الإمام الآمدي. ونسبه السخاوي إلى أبي الحسين بن القطان.
انظر: أحكام الأحكام 1/274، فتح المغيث 3/103.
ومنهم من زعم أن الأصل في كل واحد منهم العدالة، لكن في أول الأمر فأما بعدما ظهرت بينهم الفتن فلا، بل حالهم فيما بعد ظهور الفتن كحال غيرهم لأن الفاسق منهم غير متعين1.
وذهب جمهور المعتزلة إلى أن من قاتل علياً رضي الله عنه فهو فاسق مردود الرواية والشهادة لخروجه على الإمام الحق2.
ومنهم من زعم أنه لا تقبل رواية كل من الفريقين ولا شهادته لأنا لا نقطع بفسق أحد الفريقين، وهو غير متعين فلا يتميز العدل عن الفاسق فيعتذر القبول3.
ومنهم من قال: إذا انفرد أحد الفريقين بالرواية أو الشهادة كان مقبولاً، لأن أصل العدالة ثابتة له، وقد شككنا في زوالها، فلا تزال بالشك كما في المياه، فأما إذا شاركه في ذلك مخالفه حيث لا يثبت إلا بهما، فلا يثبت بهما شيء لأن فسق أحد الفريقين معلوم قطعاً من غير تعيين، فيعارض ذلك تعين العدالة المستصحب كما في الإنائين إذا تيقن نجاسة أحدهما وهذا مذهب واصل بن عطاء.
ومنهم من شك في فسق عثمان وقتلته رضي الله عنه4.
وقال بعض المصنفين: أما قتلة عثمان رضي الله عنه فلا شك في فسقهم، لعدم التأويل الحامل لهم على ذلك، وهذا لا يحتاج إليه فيما
1 فتح المغيث 3/104.
2 وهو رأي واصل بن عطاء. انظر الفرق بين الفرق ص 120.
3 انظر التقييد والإيضاح ص 302.
4 الملل للشهرستاني 1/73.
نحن فيه بحمد الله، لأنه ليس في قتلة عثمان رضي الله عنه من ثبتت له الصحبة أصلاً، ولا من يذكر فيهم سوى محمد بن أبي بكر، وهو لا صحبة له ولا رؤية أيضاً، لأنه ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر.
وجميع ما تقدم من هذه الأقوال الشاذة باطلة، والحق ما ذهب إليه الجمهور الأعظم من القول المتقدم أولا، إلا أن الإمام المازري لم يعم به جميع الصحابة بل قال:
لسنا نعني به كل من رآه اتفاقاً أو زاراه لماماً أو ألمّ به لغرض وانصرف عن قريب، لكن إنما نريد به الصحابة الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وأولئك هم المفلحون.1
وهذا قول غريب يخرج كثيراً من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم لهم بالعدالة أصلاً كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص، وأشباههم ممن وفد عليه صلى الله عليه وسلم ولم يقم إلا أياماً قلائل ثم انصرف.
وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد أو الإثنين ولم يدر مقدار صحبته من أعراب القبائل.
فالقول بالتعميم هو الذي عليه الجمهور، وإن كان بعض الأدلة التي نذكرها تظهر اختصاصها بالذين أشار إليهم المازري، فغيرها يقتضي تعميم الحكم للجميع، ومجموعها يرجع إلى وجوه:
أحدها: ثناء الله عليهم ومدحه إياهم ووصفه لهم بكل جميل، قال الله تعالى:
1 الإصابة 1/10-11 حيث أشار الحافظ إلى اعتراض بعض الفضلاء لقول المارزي منهم العلائي، ونقل عنه الرد الوارد هنا.
والمراد بالذين اتبعوهم بإحسان، من جاء بعد السابقين الأولين من الصحابة رضي الله عنهم.
قاله جماعة من المفسرين2.
قالوا: وهم من أسلم بعد الحديبية وبيعة الرضوان إلى آخر زمنه صلى الله عليه وسلم3.
ويؤيد ذلك أن الآيات كلها فيما يتعلق بالمتخلفين عن النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين في غزوة تبوك. فأتبع الله ذلك بفضيلة الصحابة4 الذين غزو معه صلى الله عليه وسلم وقسمهم إلى السابقين الأولين ومن بعدهم. ثم أتبع ذلك بذكر الأعراب وأهل البوادي الذين في قلوبهم نفاق أو لم يرسخوا في الإسلام. فقال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ} .. الآية5.
فدل على أن المراد بالذين اتبعوهم بإحسان هم بقية الذين تأخر إسلامهم. فشملت الآية جميع الصحابة6.
1 سورة التوبة الآية: 100.
2 فتح القدير 2/398.
3 المصدر السابق.
4 انتهى السقط هنا.
5 سورة التوبة آية 101.
6 قال الشوكاني: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. وهم المتأخرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة، وليس المراد بهم التابعين اصطلاحاً. فتح القدير 2/398.
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه، فمن ادعى بعد ذلك في أحد منهم أنه قد سخط عليه، لزمه بيان ذلك بدليل قاطع عن الله تعالى، ولا سبيل إلى ذلك.
قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم} .. إلى آخر الآية1.
وهي أيضاً شاملة لجميع الصحابة رضي الله عنهم. لأن كل من أقام معه صلى الله عليه وسلم ساعة ثبت إتصافه بأنه ممن معه فكان المدح في الآية شاملاً للكل رضي الله عنهم.
وقال الله تعالى في وصف المهاجرين: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ}
إلى قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} 2.
ثم مدح الأنصار بقوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ} .. الآية إلى آخرها3.
ثم ذكر من أسلم بعدهم بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا} .. الآية4.
1 سورة الفتح الآية 29.
2 سورة الحشر آية 8.
3 السورة السابقة آية 9.
4 السورة السابقة آية 10.
والظاهر أن المراد بها من تأخر إسلامه وصحبته منهم، كما في الآية المتقدمة، بدليل قوله:{جَاءُوا} بلفظ الماضي، فهو أولى من حمله على التابعين، لما فيه من التجوز بلفظ الماضي عن الاستقبال.
وقال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} الآية، وهي خاصة بأهل بيعة الرضوان منهم. بخلاف الآيات المتقدمة فإنها تعم جميع الصحابة رضي الله عنهم. ولكنها –أعني هذه الآية- مفيدة التمسك بها في حق من لابس الفتن من أهل الحديبية. فقد تقدم فيهم الخلاف مطلقاً. والله سبحانه وتعالى أخبر أنه قد رضي عمن بايع تحت الشجرة فيستصحب هذا الحكم فيهم إلى أن يتبين خلافه عن الله تعالى، كما تقدم قريباً.
واحتج جماعة من المصنفين بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} .. الآية1.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الوسط. العدل"2.
وبقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} 3 الآية.
1 سورة البقرة الآية 143.
2 حديث صحيح. رواه البخاري في صحيحه.
انظر فتح الباري 8/171، 13/316، تفسير ابن كثير 1/190 للنظر في طرقه المتعددة.
3 سورة آل عمران الآية 110.
وأعترض بعضهم على ذلك. بأن المراد بالآيتين جميع الأمة إلى قيام الساعة فلا يتخصص بها بعضهم لما يلزم في ذلك من إستعمال اللفظ في معنيين مختلفين. وهوالمجموع من حيث هو مجموع الأمة، وعصر الصحابة دون غيرهم.
ويمكن الجواب عنه بوجهين:
أحدهما: إلتزام جواز استعمال اللفظ في المعنيين بناء على جواز التمسك به في الحقيقة والمجاز جميعاً. وهو مذهب الشافعي كما في حمل اللفظ المشترك على كلا المعنيين.
وثانيهما: أن دلالة الآيتين وإن كان شاملاً لجميع الأمة، فهي متضمنة الثناء عليهم بأنهم خير أمة، ووصفهم بالعدالة في الآية الأولى. وقد خرج من هذا الوصف من بعد الصحابة بالإجماع على أنه لا بد من معرفة ذلك فيهم بالبحث عن أحوالهم. فبقي في الصحابة على مقتضى الآية. وإذا كانت الآية الأخرى متضمنة وصف الأمة كلهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس. فلا ريب في أن الصحابة رضي الله عنهم أولى الناس بالاتصاف بذلك وأعلاهم رتبة فيه. فلا أعدل ممن ارتضاه الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته والسبق إليه. ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منه.
الوجه الثاني من الأدلة:
ثناء النبي صلى الله عليه وسلم وإخباره بما منحهم الله تعالى من كونهم خير القرون من أمته وأفضلها وإن أحداً ممن يأتي بعدهم لا يبلغ أدنى جزء من شأنهم ولو أنفق ملء الأرض ذهباً في سبيل الله.
ففي الصحيحين من طريق عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
7-
"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"1.
ومن حديث زهدم الجرمي عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
8-
"خير الناس قرني الذي أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قال عمران: فلا أدري أذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. متفق عليه – أيضاً2.
ورواه الترمذي من حديث الأعمش عن علي بن مدرك عن هلال إبن يساف عن عمران رضي الله عنه3.
وأخرج مسلم أيضاً من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1 رواه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ومسلم في باب فضل الصحابة رضي الله عنهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
فتح الباري 7/3، صحيح مسلم 16/86.
2 رواه البخاري بلفظ: "خير أمتي قرني". ومسلم بلفظ: "إن خيركم قرني".
فتح الباري 7/3، صحيح مسلم 16/87.
3 باب ما جاء في القرن الثالث. وقال عقبه: هكذا روى محمد بن فضيل هذا الحديث عن الأعمش عن علي بن مدرك عن هلال بن يساف. وروى غير واحد من الحفاظ عن الأعمش عن هلال بن يساف ولم يذكروا علي بن مدرك، وهو أصح عندي من حديث محمد بن فضيل. تحفة الأحوذي 6/470.
9-
"خيركم قرني. ثم الذين يلونهم. قال: فلا أدري ذكر مرتين أو ثلاثاً
…
الحديث" 1.
وفي مسند أحمد بن حنبل من طريق عاصم بن أبي النجود عن خيثمة، والشعبي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
10-
"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.. الحديث"2. وإسناده صحيح.
وروينا من حديث أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني ثنا صدقة بن خالد ثنا عمرو بن شراحيل عن بلال بن سعد عن أبيه رضي الله عنه قال: قلنا:
11-
"يا رسول الله، أي أمتك خير؟ قال: أنا وأقراني. ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثاني. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثالث"3.
وسعد هذا هو ابن تميم مشهور من الصحابة. وابنه بلال من فضلاء التابعين. وعمرو بن شراحيل وثقه ابن حبان ولم يتكلم فيه أحد. وصدقة بن خالد احتج به البخاري. وأبو مسهر مشهور من رجال الصحيحين.
وقد رواه معلى بن منصور عن صدقة بن خالد أيضاً ولفظه:
1 متفق عليه. واللفظ الذي أورده المؤلف هو لفظ رواية عمران بن حصين. أما رواية أبي هريرة فلفظه: "خير أمتي القرن الذي بُعثت فيه..".
انظر: فتح الباري 5/258، صحيح مسلم 16/86.
2 المسند 4/267.
3 رواه الطبراني في الكبير 6/54، وقال الهيثمي:"رجاله ثقات". 10/19.
وانظر: فتح الباري 7/7.
12-
"قيل يا رسول الله أي التابعين خير. قال: انا وأصحابي.." وذكر بقيته.
وهذا يؤيد ما تقدم من أن المراد بالتابعين الصحابة الذين تبعوه في الإسلام، دون المعني الاصطلاحي فإنه متأخر.
وروى أبو نعيم الفضل بن دكين وغيره. عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن جعدة بن هبيرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
13-
"خير الناس قرني الذين أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.."1.
وجعدة بن هبيرة هو إبن أم هانئ، أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنه2.
أثبت له ابن عبد البر وجماعة الصحبة3.
قال يحيى بن معين: لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً4.
والأول أظهر.
وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من وجوه عديدة أنه قام بالجابية خطيباً فقال:
1 رواه ابن أبي شيبة والطبراني. عن عبد الله بن إدريس عن أبيه عن جده.
قال الحافظ ابن حجر: "رجاله ثقات. إلا أن جعدة مختلف في صحبته". وقال الهيثمي: "إدريس بن يزيد الأودي لم يسمع من جعدة".
قلت: وفي إسناده أبي نعيم. داود الأودي، قال فيه الحافظ: ضعيف. أما جعدة فقد أثبت المزي صحبته والحافظ ابن عبد البر وكذلك ابن حجر.
انظر: الاستيعاب 1/240، المصنف 12/176، المعجم الكبير 2/320، تهذيب التهذيب 2/81، الإصابة 1/236، فتح الباري 7/7، مجمع الزوائد 10/20.
2 وهم الحافظ العلائي هنا إذ خلط بين جعدة الأشجعي راوي الحديث وهو صحابي باتفاق. وبين جعدة المخزومي وهو إبن أم هانئ، وليس له تعلق بالحديث، وقد اختلف في صحبته، وذكره الحافظ لأجل ذلك في القسم الثاني.
3 الاستيعاب 1/240.
4 التاريخ 2/83، جامع التحصيل 185، تهذيب التهذيب 2/82.
14-
"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في مثل مقامي هذا فقال: أكرموا أصحابي فإنهم خياركم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"1. وذكر الحديث.
فهذا الحديث مستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي بعض ما تقدم من ألفاظه ما يقتضي دخول من رآه صلى الله عليه وسلم في أنه متصف بهذه الخيرية.
وقد روى الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء بن زبر عن عبد الله بن عامر اليحصبي أنه سمع واثلة بن الأسقع رضي الله عنه يقول:
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
15-
"لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني.. الحديث"2. وإسناده صحيح.
وقال صلى الله عليه وسلم:
16-
"فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً، ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه". متفق عليه3.
وفي حديث عبد الرحمن بن سالم بن عويم بن ساعدة عن جده رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
1 رواه عبد الرزاق في مصنفه.
والترمذي في جامعه. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقد رواه ابن المبارك عن محمد بن سوقه. وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
المصنف 11/241، تحفة الأحوذي 6/383.
2 قال الهيثمي:
رواه الطبراني من طرق ورجال أحدها رجال الصحيح. مجمع الزوائد 10/20.
3 رواه البخاري في كتاب الفضائل.
ومسلم في باب تحريم سبّ الصحابة.
فتح الباري 7/1، صحيح مسلم 16/93.
17-
" إن الله اختارني واختار لي أصحاباً، وجعل لي منهم وزراء وأنصاراً، فمن سبهم فعليه لعنة الله"1.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
18-
"إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه وبعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه صلى الله عليه وسلم يقاتلون عن دينه".
وروى السدي عن أبي مالك عن إبن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:
{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} .
قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم2.
وروى سنيد المصيصي ثنا حجاج عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
19-
"لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس. وقال: الناس خير وأنا وأصحابي خير"3.
1 رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.
المستدرك 3/632.
2 تفسير ابن كثير 3/369.
3 رواه الطيالسي في مسنده وأحمد والطبراني باختصار شديد.
قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح.
قلت: لكنه مرسل. لأن أبا البختري لم يسمع من أبي سعيد الخدري.
قال إبن أبي حاتم: لم يدرك أبا ذر ولا أبا سعيد ولا زيد بن ثابت.
انظر: مسند الطيالسي 293. مسند الإمام أحمد 3/22، المراسيل ص76، جامع التحصيل 222، مجمع الزوائد 6/250.
وصدق أبا سعيد عليه. زيد بن ثابت ورافع بن خديج رضي الله عنهما1.
وفي مسند البزار بسند غريب عن جابر رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
20-
"إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين"2.
الحديث والآثار في هذا المعنى كثيرة.
والخير هنا اسم جنس مضاف، أو ضيغة أفعل مضافة. فتعم جميع أنواع الخير. فمتى جعل أحد من الصحابة في التعديل كمن بعده حتى ينظر في عدالته ويبحث عنها لم يكن خيراً ممن بعده مطلقاً.
فإن قيل هذه الأحاديث معارضة بما روي في حق الأمة من الفضل، كقوله عليه السلام:
21-
"وددت أنّا قد رأينا إخواننا. قالوا يا رسول الله. أولسنا إخوانك. قال أنتم أصحابي. وإخواننا الذين لم يأتوا بعد". أخرجه مسلم3، وروى معناه من عدة طرق.
وفي معجم الطبراني من حديث الأوزاعي حدثني أسيد بن عبد الرحمن حدثني صالح بن جبير حدثني أبو جمعة رضي الله عنه قال:
1 أنظر تمام القصة في المسند 3/22.
2 قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.
وقال البزار: لا نعلمه عن جابر إلا بهذا الإسناد ولم يشارك عبد الله بن صالح في روايته هذه عن نافع بن يزيد أحداً نعلمه.
كشف الأستار 3/289، مجمع الزوائد 10/16.
3 رواه في باب استحباب إطالة الغرة. صحيح مسلم 3/138.
22-
"تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فقلنا يا رسول الله أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: نعم قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني"1.
وصالح بن جبير وثقه إبن معين وغيره2.
وقد رواه عنه أيضاً معاوية بن صالح ولفظه:
23-
"قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجراً". وذكر بقيته كما تقدم.
وفي حديث لأبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
24-
"فإن من ورائكم أيام الصبر للعامل منهم في ذلك الزمان أجر خمسين رجلاً، قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلاً منا أو منهم، قال: بل أجر خمسين رجلاً منكم".
رواه أبو داود والترمذي. وإسناد حسن3.
وروى الترمذي أيضاً من حديث حماد بن يحيى الأبح عن ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1 قال الهيثمي: رواه أحمد وأيو يعلى والطبراني بأسانيد، وأحد أسانيد أحمد رجاله ثقات. وقال الحافظ إبن حجر: أخرجه أحمد والدارمي وصححه الحاكم.
مجمع الزوائد 10/66، الإصابة 4/33.
2 وقال الذهبي: وثقه إبن معين وليس بالمعروف. انتهى وسيأتي توجيه المؤلف لهذه الرواية.
انظر: تاريخ الدارمي ص: 133، ميزان الاعتدال 2/291.
3 رواه أبو داود في كتاب الملاحم 11/493، والترمذي في تفسير سورة المائدة 8/424 وقال عقبه: هذا حديث حسن غريب. وعند ابن كثير 2/109 عن الترمذي حسن غريب صحيح.
25 -
" أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أو آخره"1.
وحماد بن يحيى وثقه إبن معين2.
قلنا: ذهب بعضهم إلى أنه لا يلزم من تفضيل مجموع القرن الأول على من بعده تفضيل كل فرد فرد من القرن الأول، على كل فرد فرد ممن بعدهم ورأو أن في آخر الزمان من يكون أفضل من بعض آحاد الصحابة رضي الله عنهم.
وهذا اختيار ابن عبد البر والقرطبي للجمع بين جميع الأحاديث، واستثنى إبن عبد البر أهل بدر والحديبية للتنصيص على فضلهم على كل هذه الأمة.
والحق الذي ذهب إليه الأكثرون أن فضيلة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم والفوز برؤيته لا يعدل بعمل. وأن من منحه الله تعالى ذلك فهو أفضل ممن جاء بعده على الإطلاق لوجوه:
أحدها: مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم.
وثانيها: فضيلة السبق إلى الإسلام.
وثالثها: فضيلة الذب عن حضرته صلى الله عليه وسلم.
ورابعها: فضيلة الهجرة معه أو إليه أو النصرة له.
وخامسها: ضبطهم الشريعة، وحفظهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسادسها: تبليغهم إياه إلى من بعدهم.
وسابعها: السبق بالنفقة في أول الإسلام.
1 رواه في باب الأمثال 8/170، وقال عقبه: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ويروى عن عبد الرحمن بن مهدي أنه كان يثبت حماد بن يحيى الأبح. وكان يقول هو من شيوخنا.
وقال الحافظ: حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة.
فتح الباري 7/6، وانظر كشف الأستار 3/319.
2 التاريخ الكبير 2/133، وسيأتي رد المؤلف على هذا التوثيق.
وثامنها: إن كل فضل وخير وعلم وجهاد ومعروف عُمل في هذه الشريعة إلى يوم القيامة، فحظهم منه أجل ونوالهم منه أجزل. لأنهم سنوا سنن الخير وفتحوا أبوابه. ونقلوا معالم الدين وتفاصيل الشريعة إلى من بعدهم. وقد قال صلى الله عليه وسلم:
26-
"من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة"1.
وقال صلى الله عليه وسلم:
27-
"من دعى إلى هدى كان له من الأجور مثل أجر من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً "2.
فهم مساهمون لجميع هذه الأمة في كل أجر يحصل لها إلى يوم القيامة، مع ما اختصوا به مما تقدم ذكره.
وأما الأحاديث التي ذكرت:
فحديث "وددت أني رأيت إخواني" لا يلزم منه أن يكونوا أفضل من أصحابه. كيف والأخوة العامة كانت حاصلة أيضاً للصحابة رضي الله عنهم بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} ، وأيضاً فالصحبة فيها قدر زائد على الأخوة. لما يوجد غالباً بين الأخوة من العداوة بخلاف الصحبة.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "للعامل منهم أجر خمسين رجلاً منكم" فلا حجة فيه. لأنه لا
1 رواه مسلم في كتاب الزكاة. وكذلك النسائي.
صحيح مسلم 7/102. سنن النسائي 5/76.
2 رواه مسلم في كتاب العلم. صحيح مسلم 16/227.
يلزم من ثبوت زيادة الأجر في بعض الأعمال ثبوت الفضيلة المطلقة.
وأيضاً فالأجر إنما يكون تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل الذي ترتب الأجر عليه. لا في غيره من الأعمال، فيكون عمل المؤمن في آخر الزمان من قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. أرجح مما يترتب على مثل ذلك العمل من الصدر الأول1.
وأما الذي فاز به الصحابة رضي الله عنهم من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم والجهاد بين يديه ونقل السنن عنه، فإنه لا يتفق مثله لأحد ممن بعدهم قطعاً، فلا يقع التفاضل فيه. فيبقى لهم من غير مشاركة لهم في مثله. وبه استقرت الفضيلة لهم على من بعدهم. فهذا أشد ما يُجاب به عن هذا الحديث.
وحديث أبي جمعة: لم تتفق الروايات فيه على لفظ: هل أحد خير منا؟ بل قد تقدم رواية معاوية بن صالح له "هل من قوم أعظم منا أجراً"، ومعاوية بن صالح أحفظ من أسيد بن عبد الرحمن. فروايته أرجح. ويتأول الحديث على ما ذكرناه آنفاً بالنسبة إلى بعض الأعمال التي يمكن وقوعها من الطائفتين، دون ما أختص به الصدر الأول من الصحبة.
وأما حديث: "أمتي كالمطر"، فحماد بن يحيى الأبح وإن وثقه إبن معين2.
فقد قال فيه أبو زرعة: ليس بالقوي3.
1 انظر قول الحافظ ابن حجر في هذا الموضوع.
فتح الباري 7/6.
2 التاريخ 2/133.
3 الجرح والتعديل 1/2/152 عن أبي زرعة أنه قال: ليس بقوي.
وذكره البخاري في كتاب الضعفاء، وقال: يهم في الشيء بعد الشيء1.
وقال الجوزجاني: روى عن الزهري حديثاً معضلاً2.
وقال إبن عدي: بعض حديثه لا يتابع عليه. وذكر من جملة حديثه حديث أنس هذا3. وهو شاذ أو منكر لتفرد حماد بن يحيى به دون أصحاب ثابت البناني، ولا يحتمل منه مثل هذا التفرد.
ثم على تقدير صحته فهو مؤل على أن المؤمنين في آخر الزمان إذا أقاموا الذين وتمسكوا به. وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفتن والهرج وكثرة المعاصي. كانوا في ذلك غرباً. فزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال أوائل الصحابة عند كثرة المشركين، وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم4.
أو يكون ذلك إشارة إلى أيام نزول عيسى بن مريم عليه السلام ومقامه بالأرض حيث تظهر البركات وينشر العدل ويذهب الفساد في تلك الأيام. وهي من أواخر أزمان هذه الأمة.
فلا يكون في ذلك تفضيل أهل ذلك العصر على الصدر الأول، ولا مساواتهم بل بالنسبة إلى ما ذكرناه، كيف والأحاديث الثابتة في تفضيل الصحابة على من بعدهم صريحة لا تحتمل التأويل، وهي أصح وأكثر من هذه الأحاديث المحتملة، فلا تكون معارضة لها، وبالله التوفيق.
1 التاريخ الكبير 1/2/24.
2 تهذيب التهذيب 3/22.
3 الكامل 2/663.
4 انظر ما ذكره الحافظ حول هذا الموضوع في فتح الباري 7/7.
الوجه الثالث:
الإجماع على ذلك ممن يعتد به على أحد الوجهين:
أما على أنه لا اعتداد بأهل البدع في الإجماع والخلاف، فإنه لم يخالف في عدالة الصحابة من حيث الجملة أحد من أهل السنة، وإنما الخلاف عن المعتزلة والخوارج وأمثالهم.
وأما على أن ندرة المخالف مع كثرة المجمعين لا يمنع إنعقاد الإجماع، إن ثبت أن أحداً من أهل البدع، خالف في ذلك.
والطريق الأولى أقوى، ولا فرق في هذا بين من لابس الفتن من الصحابة ومن لم يلابسها.
قال ابن الصلاح:
أجمع العلماء الذين يعتمد بهم في الإجماع على عدالتهم أيضاً إحساناً للظن بهم، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله تعالى أباح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة.
فهذا الوجه وحده كاف في رد قول المخالفين، والله أعلم.
الوجه الرابع:
إنما يكتفي في التعديل بأخبار الواحد منا وتزكيته مع أنه لا يعلم إلا بعض الظواهر، ومع عدم عصمته عن الكذب، فكيف لا يكتفي بتزكية علام الغيوب الذي لا يعزب عن علمه مثال ذرة في الأرض ولا
1 علوم الحديث لابن الصلاح ص 265.
في السماء، وقد أحاط علمه بما سيقع منهم من الفتن والحروب، وأنزل مدحهم والثناء عليهم قرآناً يتلى مستمراً ما بقيت الدنيا، وذلك يقتضي أن الثناء عليهم ومدحهم وتعديلهم مسترماً لا يتغير، وكذلك أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم ما يقع بينهم، وأخبر بذلك إما على وجه الإجمال كقوله صلى الله عليه وسلم:
28-
"أرى مواقع الفتن بين يبوتكم كمواقع المطر" 1، ونحو ذلك.
(او تفصيلاً في بعض القضايا، كمن أسر إليه ذلك، كحذيفة رضي الله عنه2، ولم يكن ذلك مانعاً له صلى الله عليه وسلم من الثناء على جميع الصحابة ووصفهم بأنهم خير القرون ونحو ذلك) 3 مما تقدم.
وهذا مع عصمته صلى الله عليه وسلم عن وقوع الكذب في أخباره وبراءته من المداهنة لأحد منهم، فكل هذا يقتضي أن ما وقع بينهم بعده صلى الله عليه وسلم لم يحط من رتبتهم شيئاً ألبتة.
فأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الحوض:
29-
"ليختلجن رجال من دوني أعرفهم فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول:
1 رواه البخاري في صحيحه باب آطام المدينة بلفظ:
إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع المطر. فتح الباري 4/94.
2 يشير المؤلف إلى حديث حذيفة الذي يقول فيه: لقد حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان وما يكون حتى تقوم الساعة.
وفي الصحيحين أن أبا الدرداء قال لعلقمة: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره..؟
يعني حذيفة. هكذا قال الحافظ.
انظر الإصابة 1/317.
3 ساقط من النسخة الأمريكية.
سحقاً" 1.
وفي رواية:
"فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ}
…
الآية. فإنه محمول على من ارتد بعده صلى الله عليه وسلم ثم مات على ذلك. بدليل قوله: فيؤخذ بهم ذات الشمال.
وكذلك في الرواية الأخرى: إنهم لم يزالوا مرتيدين على أعقابهم منذ فارقتهم
…
الحديث.
وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم قد شهد للعشرة رضي الله عنه بأنهم من أهل الجنة، وقال:
30-
"لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار"2.
ولما قال حاطب، 3وقد شكاه، ليدخل حاطب النار.
قال له النبي صلى الله عليه وسلم:
31-
"كذب إنه شهد بدراً، وما يدريك أن الله تعالى إطلع على أهل بدر، فقال: إعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"4.
وقد علم القتال الواقع بين علي وطلحة والزبير رضي الله عنهم، وأن كثيراً من أهل بدر وبيعة الرضوان شهدوا الحروب في تلك الفتن مع قطع النبي صلى الله عليه وسلم لهم بأنهم لا يدخلوا النار، وشهادته للعشرة بأنهم في
1 رواه البخاري في كتاب الرقاق 11/464.
ومسلم في الفضائل 15/35.
2 صحيح مسلم 16/58.
3 هكذا في الأصل.
وفي صحيح مسلم 16/57 أن عبداً لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطباً.
4 المصدر السابق.
الجنة، وقد أخبر الزبير بما سيقع بينه وبين علي رضي الله عنهما من القتال.
فتعين أن يكون المراد بالذين يختلجون دونه أهل الردة1.
الوجه الخامس:
أن من اشتهر بالإمامة في العلم والدين، كمالك والسفيانين والشافعي والبخاري ومسلم، وأمثالهم لا يحتاج إلى التعديل، ولا البحث عن حاله بالإتفاق، وهو عمل مستمر لا نزاع فيه.
فالصحابة رضي الله عنهم أولى بذلك، لما تواتر عنهم واشتهر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأولاد وقتل الآباء والأولاد والأقرباء والأهل، ومفارقة الأوطان والأموال.
كل ذلك في موالاة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته لله خالصاً.
ثم ما كانوا عليه دائماً من إشتدادهم في أمور الدين بحيث لا تأخذهم فيه لومة لائم، ومواظبتهم على نشر العلم وفتح البلاد، وتدويخ الأمصار، فيا لله العجب كيف يداني أحداً من هؤلاء من بعدهم فضلاً عن مساواتهم، حتى إنه يحتاج الواحد منهم إلى الكشف عن حاله وتزكيته أو يكون ما صدر عنه عن إجتهاد أو تأويل قادحاً في عدالته وحاطاً له عن علو مرتبته العلية.
إن هذا القول الأعمى في البصيرة، وتوصلاً إلى الطعن في الشريعة والقدح في الدين وإلقاء الشبهة فيه.
ولذلك رد الله تعالى كلام من تكلم فيهم على القادحين، فكان ذلك سبباً لحط مرتبتهم ومقتضياً
1 انظر المستدرك 3/366، البداية والنهاية 7/240.
لجرحهم وفسقهم، ولله الحمد والمنة.
فهذه الأوجه الخمسة كل منها مقتضي للقطع بعدالة الصحابة رضي الله عنهم، والأخير مختص بمن أكثر صحبته صلى الله عليه وسلم وأقام معه مدة، وهاجر معه أو إليه بخلاف الوجه الثاني، فإن من أحاديثه ما هو عام لكل من رآه ولو لحظة، بحيث يعد من الصحابة بل ربما يقال بأنه شامل لكل من كان في عصره من المسلمين وإن لم يثبت له صحبة ولا رؤية.
لكن خرج هؤلاء بالإجماع على أنه لا بد من معرفة عدالتهم بطريقها كمن بعدهم، فتبقى فيمن ثبت له الصحبة أو الرؤية على عمومه وبالله التوفيق.
وأما المخالفون في هذا المقام فقد تعلقوا بقصص كثيرة مما طعن فيه بعض الصحابة على بعض، ونقل منها بعض المصنفين قطعة كبيرة وهي منقسمة إلى:
ما لا يصح عنهم أصلاً.
وإلى ما قد صح، وله محامل صحيحة وتأويلات سائغة.
كقول عائشة في زيد بن أرقم رضي الله عنهما.
32-
"أبلغوا زيداً إنه قد أحبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب"1.
1 أورده عبد الرزاق في مصنفه عن امرأة أبي إسحاق أنها دخلت على عائشة.
ورواه الدارقطني بسنده عن يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية قالت: خرجت أنا وأم محبة، وقال عقبه: أم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما.
وقال ابن عبد البر في الإستذكار: هذا الخبر لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولا هو مما يحتج به عندهم. والحديث منكر اللفظ لا أصل له.
انظر: المصنف 8/184، سنن الدارقطني 3/52، سنن البيهقي 5/330، الإجابة ص 153.
وقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه وقد قيل له إن أبا محمد يزعم:
33-
"إن الوتر واجب"1.
فقال: كذب أبو محمد2.
وأبو محمد هذا من الصحابة رضي الله عنهم ونحو ذلك.
فالأمر فيه بين والخطب هين لسهولة تأويلها وإنها لا تعارض نصوص الكتاب والسنة المشهورة.
وأما الذي أولع به أكثر أهل البدع وهو الفتن والحروب التي كانت بينهم، فقطعوا على كل من قاتل علياً رضي الله عنه من أهل الجمل وصفين بالفسق، واستثنى بعضهم من ذلك عائشة طلحة والزبير رضي الله عنهم. قال: لأنهم تابوا من ذلك دون معاوية ومن كان معه.
ولهم في ذلك أقوال كثيرة تقدم بعضها. ويقشعر القلب من سماعها، ثم يعضدون ذلك بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من تحريم الدماء، وذكر ما يترتب على سفكها.
ولأهل السنة عن ذلك أجوبة كثيرة مجملة ومفصلة، وحاصل الإجمالية ترجع إلى وجهين:
1 رواه مالك في الموطأ وعبد الرزاق في مصنفه وأبو داود في سننه.
تنوير المحالك 1/110، المصنف 3/5، عون المعبود 4/294.
2 كذب أبو محمد، أي أخطأ.
وسماه كذباً لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق. وهذا الرجل ليس بمخبر، وإنما قاله باجتهاد أداه إلى أن الوتر واجب.
والإجتهاد لا يدخله الكذب، وإنما يدخله الخطأ.
عون المعبود 4/295.
أحدهما: أن ذلك كان من كل منهم بناء على الإجتهاد منه في ذلك والتأويل المسوغ له للأقدام عليه، ومع هذا فلا يكون شيء من ذلك قادحاً في عدالتهم. لأن جميع تلك الوقائع إن كانت مما يسوغ فيه الإجتهاد فظاهر لأنه حينئذ إن قلنا إن كل مجتهد مصيب فلا يتوجه تخطئته إلى أحد من الفريقين.
وإن قلنا المصيب واحد والثاني مخطئ، فالمخطئ في إجتهاده معذور غير آثم، فلا يخرجه خطؤه عن العدالة.
وإن لم يكن ذلك مما يسوغ فيه الإجتهاد فالمخطئ كان متأولاً فيما فعله.
وإن كان تأوله خطأ فلا يخرج بذلك عن العدالة، كيف وإن عدالتهم ثابتة بما تقدم من الأدلة القطعية، فيستصحب ولا يُزال بالشك والوهم.
لا سيما مع ما تقدم من ثناء الله تعالى عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم مع العلم بما يصدر منهم.
ومما يؤيد أن ذلك من المجتهد فيه قعود جماعة من الصحابة رضي الله عنهم عن الكون مع أحد الفريقين، كسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة وغيرهم لأنه خفي عليهم الأمر.
وروي أن علياً رضي الله عنه دعى سعد بن أبي وقاص إلى أن يكون معه فقال له:
34-
"أعطني سيفاً يعرف الحق من الباطل، أو قال: المحق من المبطل، وكان علي رضي الله عنه مع أن الحق معه يغبط سعدً رضي الله عنه بذلك، فكان يقول:
35-
"لله در منزل نزله سعد بن مالك، إن كان ذنباً فذنب صغير، وإن كان أجر فأجر عظيم1.
1 تذكرة الحفاظ 1/22.
وقال علي رضي الله عنه أيضاً غير مرة1:
36-
"إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير يوم القيامة ممن قال الله تعالى فيهم {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} .
والآثار في ذلك كثيرة معروفة في كتب أهل التاريخ.
الوجه الثاني:
إن كلما قدح به المبتدعة في الصحابة الذين أسقطوا عدالتهم يتصور عليهم مثله في الصحابة الذين لم يقدحوا في عدالتهم.
فإن تأولوا أفعال من وافقوا على عدالته وحسنوا لهم المخارج في أمورهم كانوا مقابلين بمثله فيمن خالفونا في عدالته، ولا يجدون فارقاً قاطعاً بين الطائفتين بالنسبة إلى انقداح التأويل وإحسان الظن بهم. وانسداد ذلك في حق الجميع. وحينئذ يؤدي إلى أحد أمرين لا بدّ منهما:
إما التأويل وإحسان الظن في حق الجميع، وهو المطلوب.
وإما إسقاط عدالة الجميع، وذلك أمر عظيم خارق للإجماع القطعي. فإن الأمة كلها ممن يُعتبر بأقوالهم أجمعوا على أنه لا يصح إسقاط عدالة جميع الصحابة كيف وإن ذلك يؤدي إلى هدم الدين وإزالة ما بأيدينا من أمور الشريعة، معاذ الله من ذلك.
وأما من تقدمت الحكاية عنه. بأن كل من لا بس الفتن فهو ساقط العدالة، فهو قول باطل ممن لا يُعتد به.
ونظيره إكفار الخوارج كل
1 شذرات الذهب 1/43.
الفئتين، فلا يرجع هذا القول إلا على قائله. ونسأله الله السلامة من الأهواء المضلة.
فإن قيل: أنتم وإن تأولتم. فإن تأويلكم لا يزيح الشك في أفعالهم، والشك في أفعالهم يلزم منه الشك في عدالتهم.
قلنا: الإجماع الذي حكيناه من إمتناع إسقاط عدالة جميع الصحابة، حجة قاطعة في أن هذا الشك غير مؤثر. فإذا انضم ذلك إلى ما تقدم من الأدلة الدالة على عدالتهم، واستصحبنا ذلك في كل1 فرد منهم كان هذا الشك مندفعاً. كيف ونحن إنما نتأول تأويلاً في كلّ قصة. هو الظاهر المستفاد ظهوره منها كما سيأتي بيان بعضه إن شاء الله تعالى قريباً.
وهذا أمر معمول به –أعني استصحاب العدالة- وأنها لا ترفع بالشك في حق من ثبتت عدالته بشاهدين وشهادتهما لم يفد إلا الظن المجرد. بجريان ذلك في حق من هو مقطوع بعدالته بتعديل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى.
وبهذا يتبين أنه ليس المعنى بعدالة كل واحد من الصحابة رضي الله عنهم أن العصمة له ثابتة والمعصية عليه مستحيلة. ولكن المعنى بهذا أن روايته مقبولة وقوله مصدق ولا يحتاج إلى تزكية كما يحتاج غيره إليها؛ لأن استصحاب الحال لا يفيد إلا ذلك.
هذا ما يتعلق بالطريق الإجمالي. وأما التفصيلي:
فلأئمتنا المتقدمين فيه مصنفات مستقلة، ويطول الكلام به هنا إن تعرضنا للجميع. ولكن نشير إلى فصل موجز يتعلق بوقعة الجمل
1 سقط من نسخة كراتشي ما بعد كلمة ((كل)) قدر ثلاث ورقات. وانتهى السقط عند عبارة ((رواية غيره)) .
لندفع به الطعن عن مثل طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم ويكون ذلك مثالاً لغيره.
وهو أن المصيبة بعثمان رضي الله عنه كانت عظيمة. ولم يكن خطر ببال علي ولا غيره من الصحابة رضي الله عنهم أن يُقتل. ولكن ظنوا أن الخوارج الذين حاصروه أعتبوه في شيء وأن الأمر يؤدي إلى تسكين وسلامة. فلما وقع قتله بغتة كان منكراً مهولاً. ولم يكن في قتله بحمد الله أحد ممن ثبتت الصحبة له كما تقدم.
فأعجل الأمر الصحابة رضي الله عنهم عن القيام على قاتليه بغتة لشوكتهم حينئذ. ورأو المبادرة إلى نصب إمام يجمع الكلمة أولاً. ولم يكن بدّ من متابعة علي رضي الله عنه. لأنه حينئذ أفضل الموجودين بالاتفاق وأحقهم بالإمامة. لسابقته وفضله وشجاعته وغير ذلك. فاجتمعوا عليه وبايعوه وتخلف عنه أهل الشام فلم تجتمع الكلمة عليه ولا انتظم الأمر انتظاماً تاماً يتمكن به علياً رضي الله عنه من الإقادة بدم عثمان رضي الله عنه من قاتليه وقد انضموا إليه. فلو أقاد من أحدهم لتفرق1 بذلك قبائلهم كلها. وكثرت الفتن وزاد الهرج.
فرأى علي رضي الله عنه أن يؤخر ذلك إلى أن تجتمع الكلمة ويتمكن من إقامة الحق من غير فتنة. ورأى طلحة والزبير رضي الله عنهما ومن قام معهما أنهم قد وقعوا في أمر عظيم من خذلان عثمان رضي الله عنه والسكوت عنه إلى أن قتل. وأن ذلك لا يمحوه إلا القيام على قاتليه وطلب الإقادة منهم. ولم يكن عندهم ما رآه علي رضي الله عنه من خوف زيادة الفتنة من قبائلهم مانعاً من المبادرة إلى الطلب بدم عثمان.
فوقع ما قدره الله تعالى مع اجتهاد كل من الطائفتين ليقضي الله
1 في الأمريكية: لنفرت.
أمراً كان مفعولا. قدر وقوعه في الأزل. وإن كان اجتهاد علي رضي الله عنه أقرب إلى الحق. وإن أكثر من قام مع طلحة والزبير ممن ليست له صحبة. لم يكن مقصده باطناً للاجتهاد الذي هو مأخذ طلحة والزبير.
بدليل أن مروان بن الحكم كان من جملة من معهما وهو الذي باشر قتل طلحة رضي الله عنه. فالمقصود أن الصحابة رضي الله عنهم إنما قاموا مجتهدين فيما نقلوه والإثم منحط عن المجتهد إذا استفرغ جهده. لا فرق فيه بين الدماء وغيرها.
وذلك يرفع سمة النقص والغض عن أكابر الصحابة رضي الله عنهم. وبسط الكلام يطول به المقام ويخرج عن المقصود. وفي جميع ما تقدم كفاية لمن نور الله قلبه، ولم يمل به الهوى إلى الانحراف. وبالله التوفيق.
وأما معاوية رضي الله عنه وإن كانت فئته باغية على علي رضي الله عنه بنصّ النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال:
37-
"تقتل عماراً الفئة الباغية"1.
فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم بما أطلعه الله عليه أن معاوية سيملك، وقال له:
38-
"إن ملكت فاعدل"2.
1 الحديث صحيح. رواه الإمام البخاري في كتاب الصلاة. باب التعاون في بناء المسجد، ولفظه:"ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار".
ورواه الإمام مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، بلفظ ما في المخطوط.
قال الحافظ ابن حجر: "روى حديث تقتل عماراً الفئة الباغية جماعة من الصحابة. ذكرهم ثم قال: وغالب طرقها صحيحة أو حسنة".
انظر: فتح الباري 1/541-543، صحيح مسلم 18/41.
2 قال الحافظ ابن حجر: "وفي مسند أبي يعلى عن سويد بن شعبة عن عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن معاوية قال:
"اتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فلما توضأ نظر إليّ فقال: يا معاوية إن وليت أمراً فاتق الله واعدل. فما زلت أظن أني مبتلى". سويد فيه مقال، وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر.
قال الإمام السيوطي: "أخرج إبن أبي شيبة والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمير قال:
قال معاوية: ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معاوية إذا ملكت فأحسن". قال السيوطي: قد ورد في فضله أحاديث قلما تثبت".
انظر: مجمع الزوائد 9/356، الإصابة 3/433، تاريخ الخلفاء 194.
وعلم أيضاً ببغيه في قتال علي رضي الله عنه. ومع ذلك دعى له في الحديث الذي رواه يونس بن سيف عن الحارث بن زياد عن أبي رهم السمعي عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
39-
"اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب"1.
وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صدّق معاوية في الوتر بركعة واحدة، وقال:
40-
"أصاب إنه فقيه"2.
وروى عنه أنه "قصّر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص"3.
1 قال الهيثمي:
رواه البزار وأحمد والطبراني. وفيه الحارث بن زياد، ولم أجد من وثقه ولم يرو عنه غير يونس بن سيف، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف".
قلت: الحديث ضعيف قد يرتقي إلى الحسن لغيره بالشواهد والمتابعات. وقد صرّح الإمام السيوطي بأنه ورد في فضل أبي سفيان أحاديث قلما تثبت. والله أعلم.
انظر: فضائل الصحابة للإمام أحمد 2/913، مسند الإمام أحمد 4/127، مجمع الزوائد 9/356.
2 رواه البخاري في صحيحه. باب ذكر معاوية بن أبي سفيان.
فتح الباري 7/103.
3 رواه البخاري في باب الحلق والتقصير عند الإحلال.
ومسلم في باب جواز تقصير المعتمر من شعره.
فتح الباري 3/561، صحيح مسلم بشرح النووي 8/231.
وكذلك روى أيضاً عن معاوية:
جرير بن عبد الله البجلي، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية بن خديج، والسائب بن يزيد، وجماعة غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
وكل ذلك بعدما وقع منه من قتال علي رضي الله عنه.
واتفق أئمة التابعين بعدهم على الرواية عنه وقبول ما رواه هو وعمرو بن العاص، وكل من قام معهما في الفتنة، فكان ذلك إجماعاً سابقاً على قول من قدح فيهم حتى أن جعفر بن محمد بن علي روى عن القاسم بن محمد عن معاوية حديثاً1.
وقال محمد بن سيرين:
كان معاوية رضي الله عنه لا يتهم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم2.
قال الإمام أبو بكر البيهقي:
كل من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ممن صحبه أو لقيه فهو ثقة، لم يتهمه أحد ممن يحسن علم الرواية فيما روى.
ومما يتصل بذلك أيضاً:
الكلام في سمرة بن جندب رضي الله عنه.
1 الحديث رواه الطبراني في الكبير 19/332، وفيه:
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: "إن صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً".
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد 2/67.
2 وروى عن ابن عباس مثله. المعجم الكبير 19/310.
فقد تعرض إليه بعضهم لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ولأبي هريرة ولآخر كان معهما1 في بيت.
40-
"آخركم موتاً في النار" وكان آخرهم موتاً سمرة.
ولأنه ولي البصرة لزياد بن أبيه ثم لمعاوية أيضاً.
وكان يكثر القتل.
وقد روى شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه أنه قال:
41-
"حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتين في الصلاة.. الحديث"2.
وأن عمران بن حصين أنكر ذلك، فكتبوا في ذلك إلى أبي بن كعب فكتب بصدق سمرة، ويقول:
42-
"إن سمرة حفظ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم3.
وروى عاصم بن سليمان عن محمد بن سيرين أن ابن عباس رضي الله عنهما أمر الناس بزكاة الفطر فأنكروا ذلك عليه، فأرسل إلى سمرة بن جندب فقال له:
1 ذكر الحافظ ابن حجر أنه أبا محذورة.
الإصابة 2/79.
2 رواه الترمذي وقال:
حديث حسن.
وابن ماجه في باب في سكتتي الإمام. والطبراني في الكبير.
انظر: تحفة الأحوذي 2/79، سنن ابن ماجه 1/275، المعجم الكبير 7/254، تحفة الأشراف 4/69.
3 الإستيعاب 2/78.
أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بها. قال: بلى. قال: فما منعك أن تعلم أهل البلدة.
فلو لم يكن سمرة عند ابن عباس بالمحل الأعلى، لما سأله واستشهد به.
وقال عبد الله بن صبيح عن ابن سيرين:
43-
"كان سمرة فيما علمت عظيم الأمانة صدوق الحديث يحب الإسلام وأهله"1.
وأما حديث: "آخركم موتاً في النار".
فقد وقع مصداقه بأن سمرة رضي الله عنه أصابه في آخر عمرة كزاز فكان يعالج منه بأن يغلي له قدر مملوء ماء حاراً، فيقعد عليها يستدفئ ببخارها فسقط فيها وهي أشد ما تكون حراراة، فمات.
فلم يكن مراده صلى الله عليه وسلم إلا نار الدنيا2.
وأما قتله الناس:
فإنما كان يقتل الخوارج المارقين الذي أكفروا الصحابة وقاتلوا الناس3، ولم يكن يقتل أحداً إذا ظفر به رضي الله عنه.
وقد ذكر جماعة من أئمة الأصول في هذا الموضع قصة أبي بكرة، ومن جلد عمر رضي الله عنه في قذف المغيرة بن شعبة وأن ذلك لم يقدح في عدالتهم. لأنهم إنما أخرجوا ذلك مخرج الشهادة ولم يخرجوه مخرج القذف، وجلدهم عمر رضي الله عنه باجتهاده، فلا يجوز رد أخبارهم بل هي كغيرها من أخبار بقية الصحابة رضي الله عنهم.
1 الإستيعاب 2/78.
2 المصدر السابق.
3 تهذيب الأسماء 1/236.
((فصل))
والذي نختتم به الكتاب في هذا المعنى أمر مهم أولع فيه الحنفية في كتبهم ومناظراتهم يفضي إلى خلل عظيم في الإسلام، وذلك يتعلق بأمرين:
أحدهما: في حق أبي هريرة رضي الله عنه على الخصوص، وأن التهمة تطرقت إلى رواياته لكثرة ما روى، ولأنه أنكر عليه جماعة من الصحابة1.
والثاني: فيما يتعلق بأخبار من ليس من فقهاء الصحابة، وإنما يقدم عليها القياس عند المعارضة، ويكون التأويل متطرقاً إليها بخلاف أخبار الفقهاء منهم، وجعلوا هذين الأمرين عمدة لهم في رد كثير من الأحاديث التي صحت على خلاف مذهبهم. والله الموعد.
كما ثبت هذا اللفظ عن أبي هريرة رضي الله عنه، لما قيل له إنه يكثر الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد بالغ بعضهم حتى حكى أبو الحسين بن القطان من أصحابنا عن عيسى بن أبان أنه نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
44-
"يخرج من أمتي ثلاثون دجالاً
…
الحديث".
وأن علياً قال:
1 انظر صحيح الإمام مسلم 16/52.
أنا أشهد أن أبا هريرة منهم.
ونقله عن إبن أبان جماعة من غلاة الحنفية ولكن أبو بكر الرازي منهم. أنكر هذا عن عيسى بن أبان، وقال:
هو كذب على عيسى، ووضعه من لا يرجع إلى دين ولا مرؤة، ولا يتحاشى من الكذب في التثبت.
والذي نقله الرازي عن إبن أبان أنه قال:
يقبل من حديث أبي هريرة ما لم يرده القياس، ولم يخالف نظايره من السنة المعروفة، إلا أن يكون شيء من ذلك قبله الصحابة والتابعون، وذلك لكثرة ما أنكر الناس من حديثه. وشكهم في أشياء من روايته.
قال إبراهيم النخعي:
كانوا لا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان في ذكر الجنة والنار، ولم يقبل ابن عباس روايته في الوضوء مما مست النار، وقال:
45-
"أنتوضأ بالحميم وقد أغلي على النار".
فقال له أبو هريرة:
يا ابن أخي إذا جاءك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال1.
قال عيسى بن أبان: فلم يرد ابن عباس رواية أبي هريرة لمعارض لها عنده – يعني نسخ الوضوء مما مست النار-، وإنما ردها بالقياس – وكانت عائشة رضي الله عنهما تمشي في الخف الواحد، وتقول:
"لأخشن أبا هريرة".
1 مخالفة ابن عباس لأبي هريرة أخرجه البزار في مسنده.
مسند البزار 6/68 ل ب. المعتبر 1/169.
يعني في روايته المنع من ذلك1.
وأنكرت عليه أيضاً:
46-
حديث: "ولد الزنا شر الثلاثة".
وعارضته بقوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} 2.
وقالت لابن أخيها:
لا تعجب من هذا وكثرت حديثه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثاً لو عده العاد أحصاه3.
قال:
وقد أنكر ابن عمرو وغيره من الصحابة عليه كثرة حديثه، ولم يأخذوا بكثير من رواياته حتى يسألوا غيره.
وقال أبو بكر الرازي بعد سياقه هذا الكلام:
لم يظهر من الصحابة من التثبت في حديث غير أبي هريرة مثل ما ظهر منهم في حديثه.
فدل ذلك على أنه متى غلط الراوي وظهر من السلف التثبت في روايته كان ذلك مسوغاً للإجتهاد في مقابلته بالقياس وشواهد الأصول.
ثم ذكر أن عمر رضي الله عنه قال لأبي هريرة لما بلغه أنه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء لا تعرف:
1 الإجابة ص 125.
وقال ابن عبد البر: لم يلتفت أهل العلم إلى ذلك، لأن السنن لا تعارض بالرأي.
2 المصدر السابق ص 119.
3 فتح الباري 6/567، صحيح مسلم 16/53، وليس فيهما قول عائشة: لا تعجب من هذا.. الخ.
"لئن لم تكف عن هذا لألحقنك بجبال دوس"1.
ثم ذكر الرازي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
47-
"من يبسط ردائه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئاً سمعه مني. قال أبو هريرة: فبسطت نمرة كانت عليّ حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، فما نسيت شيئاً سمعته منه"2.
وأجاب عن ذلك: بأن هذا لو كان كذلك لكانت هذه فضيلة اختص بها من بين الصحابة، ولعرفوا له ذلك واشتهر بها حتى كانوا يرجعون إليه ويقدمون روايته على3 رواية غيره، ولم يقع ذلك. بل كانوا ينكرون كثرة روايته.
وأيضاً كيف يكون ذلك وقد روى حديث:
48-
"لا عدوى ولا طيرة"4. ثم نسيه.
وروى حديث:
49-
"لا يورد ممرض على مصح". وأنكر أن يكون حديثاً بالخبر الأول5.
1 رواه الرامهرمزي. عن عثمان رضي الله عنه.
وابن كثير عن عمر بلفظ لتتركن الحديث.
المحدث الفاصل ص 554، البداية والنهاية 8/106.
2 رواه الإمام مسلم في فضائل أبي هريرة، صحيح مسلم 16/52.
3 انتهى السقط في نسخة كراتشي عند هذه العبارة.
4 رواه الإمام البخاري في كتاب الطب، باب الجذام.
ومسلم في كتاب السلام.
فتح الباري 10/158، صحيح مسلم 14/214.
5 انظر صحيح مسلم 14/215، وفيه خبر إنكاره للحديث الأول.
وسيأتي رد المؤلف بعد قليل.
قال: على أنه لو صح الحديث في بسطه النمرة، لكان محمولاً على ما سمعه في ذلك المجلس خاصة دون غيره.
ثم ذكر بعد ذلك توقى من توقى من الصحابة رضي الله عنهم في الرواية وتقليلهم منها.
قال: وهذا يدل على أن كثيراً1 من الصحابة رضي الله عنهم أشفقوا على حديث النبي صلى الله عليه وسلم من أن يدخله خلل أو وهم.
وإذا كان السهو والغلط جائزين على الرواة ثم ظهر من السلف إنكار لكثرة الرواية على بعضهم، كان ذلك سبباً لاستعمال الرأي والإجتهاد2 فيما يرويه وعرضه على الأصول والنظاير3.
"رد المؤلف على أبي بكر الرازي" 4
وهذا الفصل كما تراه ظاهر الضعف، مقتض لرد كثير من السنة الثابتة لمجرد الظن الفاسد. وليس في شيء مما ذكروه ما يقتضي توقفاً في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ولا تطرق تهمة إليه. معاذ الله من ذلك أنّى وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالحرض على الحديث لمّا قال له:
50-
"من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أحد قبلك لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله". أخرجه البخاري5.
وروى في كتاب التاريخ له من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن مالك بن أبي عامر قال:
1 في الأمريكية: على أن كبراء الصحابة.
2 في الأمريكية: لاستعمال الرأي والاجتهاد.
وكذلك نسخة كراتشي.
3 انتهى الاعتراض.
4 انتهى الاعتراض.
5 رواه البخاري في باب الحرص على الحديث. فتح الباري 1/193.
51-
"كنت عند طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فدخل عليه رجل فقال:
يا أبا محمد والله ما ندري أهذا اليماني – يعني أبا هريرة – أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، أو هو يقول على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل؟
فقال: والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم. إنا كنا أغنياء لنا بيوتات وأهلون. وكنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار ثم نرجع. وكان مسكيناً لا مال له ولا أهل. يده مع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان يدور معه حيثما دار. فما نشك أنه قد علم مالم نعلم، وسمع ما لم نسمع، ولن نجد أحداً فيه خير يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل"1.
وروى حفص بن غياث عن أشعث عن مولى لطلحة قال:
52-
"كان أبو هريرة جالساً في مسجد الكوفة، فمر رجل بطلحة رضي الله عنه2.
فقال: قد أكثر أبو هريرة.
فقال طلحة: قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا".
وفي تاريخ البخاري أيضاً من طريق إسماعيل بن أمية عن محمد بن قيس بن مخرمة عن أبيه:
53-
"أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه فسأله عن شيء فقال: عليك بأبي هريرة فإنا بتنا أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ندعوا الله فجلس إلينا فسكتنا فقال:
1 التاريخ الكبير 2/3/132 مع اختلاف يسير.
ورواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
انظر المستدرك 3/511.
2 الإصابة 4/208.
عودوا للذي كنتم فيه. قال: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا ثم دعى أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي هذان وأسألك علماً لا ينسى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين. فقلنا يا رسول لاله ونحن لا نسألك علماً لا ينسى. قال: سبقكما بها الغلام الدوسي1.
وروى هشيم عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن بن إبن عمر أنه مر بأبي هريرة رضي الله عنه وهو يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث من تبع جناز فقال:
54-
"أنشدك الله يا أبا هريرة أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قال: اللهم نعم. لم يكن يشغلني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس الردى ولا صفق بالأسواق، لقد كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها".
فقال إبن عمر:
55-
"يا أبا هريرة قد كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه".
وهذا إسناد صحيح.
وأصل القصة في صحيح مسلم وفيه أن إبن عمر قال حينئذ: لقد فرطنا في قراريط كثيرة2.
1 رواه الحاكم في كتاب معرفة الصحابة وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وتعقبه الإمام الذهبي وقال: حماد ضعيف – يعني حماد بن شعيب الذي روى عن إسماعيل بن أمية.
المستدرك 3/508.
2 صحيح مسلم باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها. والحاكم في كتاب معرفة الصحابة بنحو ما ذكره المؤلف.
صحيح مسلم 3/13، المستدرك 3/510.
وقال إبن أبي الزناد عن أبيه عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه فيعرفه بعضهم. ثم يحدثهم الحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه حتى فعل ذلك مراراً.
قال: فعرفت يومئذ أنا أبا هريرة أحفظ الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه البخاري في تاريخه أيضاً1.
وقال شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه قال:
56-
"قدمت المدينة فإذا أبو أيوب يحدث عن أبي هريرة. فقلت: تحدث عن رجل وقد كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إنه قد سمع2.
(ولأن) 3 أحدث عنه أحب إلي من أن أحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: وممن روى عنه أيضاً من الصحابة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبو أمامة سهل بن حنيف4.
قال البخاري:
روى عنه نحو ثمانمائة نفس من صاحب وتابع من أهل العلم.
1 انظر: المستدرك 3/511.
ولم أقف عليه في التاريخ الكبير للإمام البخاري.
2 رواه الحاكم في المستدرك 3/512. ويحمل كلام أبي أيوب على أن الراوي قد يغلظ بزيادة أو نقصان، فيرى أنه لو أخطأ مع راو مثله خير من الخطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3 ما بين القوسين من المستدرك.
4 الإصابة 4/205.
وهذا يقتضي إجماع الأمة كلها على قبول روايته وعدم التوقف فيها1.
قال أبو صالح:
57-
"كان أبو هريرة رضي الله عنه من أحفظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن بأفضلهم"2.
وقال حماد بن زيد ثنا عمرو بن عبيد الأنصاري قال: ثنا أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم.
58-
"أن مروان بن الحكم دعا أبا هريرة، فأقعدني خلف السرير فجعل يسأله وجعلت أكتب، حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به، فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر"3.
قلت:
وهذا كله نتيجة بسط ردائه الذي أشار إليه أبو بكر الرازي، وفي كلامه ما يقتضي تضعيفه. وليس كما ذكر لأنه ثابت في الصحيحين.
وفي بعض طرقه الثابت قال:
59-
"حضرت من النبي صلى الله عليه وسلم مجلساً فقال: من يبسط ردائه حتى
1 الإصابة 4/205.
وقال الحاكم رحمه الله بلغ عدد من روى عن أبي هريرة من الصحابة ثمانية وعشرين رجلاً.
فأما التابعون فليس فيهم أجل ولا أشهر وأشرف وأعلم من أصحاب أبي هريرة.
المستدرك 3/513.
2 التاريخ الكبير 2/3/133.
3 أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.. المستدرك 7/510.
أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه فلن ينسى شئياً سمعه مني؟ فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه ثم قبضتها إلي. فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئاً بعده سمعته منه "1.
أخرجاه في الصحيحين من طريق إبن عيينة عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة.
ورواه البخاري أيضاً من طريق إبن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلت:
60-
"يا رسول الله إني أسمع منك حديثاً كثيراً فأنساه، قال: ابسط ردائك فبسطه فغرف بيديه ثم قال: ضمه. فضممته فما نسيت حديثاً قط"2.
فهاتان الروايتان مصرحة بأن عدم نسيانه لم يكن مختصاً بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس. بل هو شامل لجميع ما سمعه منه في ذلك المجلس وغيره.
وقول الرازي لو كان كذلك لاشتهر به بين سائر الصحابة، ولم يتثبت في حديثه. يقال عليه إنه غير لازم لأن القضية لم تكن بحضور جمع يسمع الحديث منهم. ولم يعرف ذلك إلا من جهته. وقد شهدوا له بالحفظ كما تقدم عن جماعة منهم، ولم يتثبت أحد منهم في حديثه. ولو وقع في بعض ذلك شيء من واحد منهم كان على وجه الاحتياط. كما في قصة أبي بكر رضي الله عنه مع المغيرة في ميراث الجدة3.
1 رواه الإمام مسلم. في فضائل أبي هريرة.
صحيح مسلم 16/52.
2 كتاب العلم. فتح الباري 1/215.
وانظر كلام الحافظ ابن حجر.
3 رواه الإمام مالك في الموطأ باب ميراث الجدة.
والترمذي وقال عقبه: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه في سننه. وأورده الذهبي في ترجمة الصديق رضي الله عنه مستدلاً به على أنه كان أول من احتاط في قبول الأخبار.
وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح بثقة رجاله، إلا أن صورته مرسل، فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصديق ولا يمكن شهوده للقصة.
الموطأ 1/335، تحفة الأحوذي 6/277، سنن ابن ماجه 2/909، تذكرة الحفاظ 1/3، التلخيص الحبير 3/82.
وقصة عمر رضي الله عنه مع أبي موسى في الإستئذان ثلاثاً1.
ولا يلزم من ذلك تطرق ريبة إليهما.
وكذلك فعل إبن عمر في حديث أبي هريرة في إتباع الجنازة، وقد سلم له أنه كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغيبون في أشغالهم2.
وأما قول عمر رضي الله عنه:
"لألحقنك بجبال دوس"، فلم ثبت عنه3.
وقد ولاه عمر رضي الله عنه البحرين مع عدم مداهنته4.
وقال له عثمان رضي الله عنه:
61-
"حفظ الله عليك دينك، كما حفظت علينا ديننا".
1 أخرجه البخاري في باب التسليم والاستئذان ثلاثاً.
ومسلم في باب الإستئذان من كتاب الأدب.
فتح الباري 11/2611، صحيح مسلم 14/130.
2 رواه البخاري في باب فضل اتباع الجنائز.
ومسلم في باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها.
فتح الباري 3/192. صحيح مسلم 7/14.
3 وروى عن عثمان أنه قال مثل هذا القول في أبي هريرة.
ويرى الحافظ إبن كثير أن هذا القول محمول على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس غير مواضعها. وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص. وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك.
انظر المحدث الفاصل ص 574، البداية والنهاية 8/106، السنة قبل التدوين ص 460.
4 ثم طلبه عمر مرة أخرى ليستعمله فأبى.
انظر الإصابة 4/210.
وإنما عمر رضي الله عنه كان يحب إقلال الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ويوصي بذلك كثيراً من الصحابة. أخذاً بالتوقي والإحتياط وحذراً من زيادة أو نقصان يقعان من الراوي وهو لا يشعر، والروايات عنه بذلك ثابتة. فلم يكن ذلك مختصاً بأبي هريرة دون غيره.
وأما نقض الرازي ذلك بنسيانه حديث:" لا عدوى" فلا يلزم لأنه لم يصرح بأنه نسيه.
وربما كتمه في ذلك الوقت لمصلحة رآها في الحاضرين يومئذ.
ولو سلم أنه نسيه فلا يلزم منه دوام نسيانه، بل ربما تذكره بعد ذلك.
وفي إجماع العلماء كافة على قبول قول أبي هريرة وتلقيه منه غنية ورد على إبن أبان ومن تبعه في رأيه. والله ولي التوفيق.
وأما الكلام في أفراد الصحابة الذين لم يشتهروا بالعلم، وأن حديثهم لا يقبل منه إلا ما وافق القياس، فهو كما تقدم في الضعف، وعلى خلاف ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم.
فقد ثبت عن ابن عباس أن عمر رضي الله عنه سأل عن إملاص المرأة، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال:
62-
"كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة.. الحديث".
رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم1.
وأخرجوا أيضاً بسند صحيح أن عمر رضي الله عنه كان يقول:
1 أبو داود في باب دية الجنين.
والنسائي في باب قتل المرأة بالمرأة.
والحاكم في كتاب معرفة الصحابة.
وتكلم عليه الحافظ الزركشي في كتابه المعتبر.
انظر: عون المعبود 12/314، سنن النسائي 8/21، المستدرك 3/575، المعتبر 1/164.
63-
"الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً. حتى قال له الضحاك بن سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه أنْ ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع عمر رضي الله عنه إليه"1.
وصححه إبن حبان أيضاً.
ولما أفتى إبن مسعو رضي الله عنه بإجتهاده أن المفوضة إذا مات عنها زوجها قبل الدخول لها مهر المثل والميراث، وقام معقل بن سنان الأشجعي رضي الله عنه فأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ذلك في بروع بنت واشق. فرح به ابن مسعود كثيراً، ولولا قبول روايته لم يفرح به.
وكل هذه الأمور على خلاف القياس، والصحابة الرواة لها لم يشتهروا بالقصة بل ولا بطول الصحبة، فليس لما قالوه وجه مع قبول الصحابة رضي الله عنه ذلك.
وأيضاً إذا كان الصحابي عدلاً مأموناً فلا فرق فيما رواه بين ما يوافق القياس وما يخالفه. وإن كانت التهمة تتطرق إليه فيما يخالف القياس، فهي متطرقة إلى ما يوافقه أيضاً. ويكون حكمه حكم سائر الرواة من غير الصحابة ممن يتهم بسوء الحفظ، وقلة الإتقان ومعاذ الله من ذلك.
ولا ريب في أن فتح هذا الباب في الصحابة يشوش الشريعة ويدخل الشك في السنن، ويطرق أهل البدع كالرافضة وغيرهم إلى القدح في الدين والتشكيك فيه والتلبيس على ضعفاء المؤمنين. وكل
1 رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح.
عون المعبود 8/144، تحفة الأشراف 4/202، ابن ماجه 2/883، تحفة الأحوذي 6/292، تحفة الطالب 236.
مقالة أدت إلى هذه المفاسد فهي فاسدة، لا سيما والإجماع العملي منعقد قبل قائلها وهي غنية عن الإطالة في ردها، والله ولي التوفيق.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. تم.
آخر الكتاب تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، ووافق الفراغ من نسخه من نسخة المصنف في تاسع عشر جمادى الأول سنة ست وسبعمائة وسبعين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.