المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌هل استجاب الله دعوة إبراهيم عليه السلام - تفسير القرآن الكريم - المقدم - جـ ١٠٢

[محمد إسماعيل المقدم]

فهرس الكتاب

- ‌ الزخرف [21 - 32]

- ‌تفسير قوله تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً)

- ‌تفسير قوله تعالى: (بل قالوا إن وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)

- ‌تفسير قوله تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير)

- ‌تفسير قوله تعالى: (قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتهم عليه آباءكم)

- ‌تفسير قوله تعالى: (فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين)

- ‌تفسير قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون

- ‌براءة إبراهيم هي كلمة التوحيد

- ‌تفسير قوله تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه)

- ‌ذكر خلاف المفسرين في فاعل جعل من قوله: (وجعلها كلمة)

- ‌معنى جعل كلمة التوحيد باقية في ذرية إبراهيم عليه السلام

- ‌هل استجاب الله دعوة إبراهيم عليه السلام

- ‌ترادف العقب والذرية والبنين

- ‌تفسير قوله تعالى: (بل متعت هؤلاء وآبائهم خير مما يجمعون)

- ‌الرد على زعم واقتراحات الكفار في هذه السورة

- ‌بيان فساد قول الاشتراكيين في التسوية بين الناس

الفصل: ‌هل استجاب الله دعوة إبراهيم عليه السلام

‌هل استجاب الله دعوة إبراهيم عليه السلام

؟

وقد بين تبارك وتعالى هنا أن الله لم يجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته؛ لأن إبراهيم عليه السلام كان دعا لذريته بأن يكونوا على التوحيد فقال: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم:40]، وقال:{وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة:128] يعني: أن ذريته خرج منهم مؤمنون وخرج منهم كافرون، سواء في بني إسرائيل أو في العرب؛ لأنهم من نسل إسماعيل عليه السلام.

فإذاً: بين الله سبحانه وتعالى هنا أنه لم يستجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته، وإنما استجابها في البعض وهم المؤمنون من ذريته؛ لأن كفار مكة الذين كذبوا بنبينا صلى الله عليه وسلم من عقبه بإجماع العلماء، وقد كذبوه صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنه ساحر، وكثير منهم مات على ذلك، وذلك في قوله عز وجل:(بل متعت هؤلاء وآباءهم)، يعني: متعت كفار مكة وآباءهم، (حتى جاءهم الحق ورسول مبين) هو محمد صلى الله عليه وسلم، (ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون) فكفار مكة من نسل إبراهيم من ذرية إسماعيل، ومع ذلك يثبت الله هنا أنهم كفروا ووصفوا النبي عليه السلام بالسحر، فدلت هذه الآية على أن تلك الدعوة لم تستجب في حق كل ذرية إبراهيم، وإنما في المؤمنين منهم.

وما دلت عليه آية الزخرف هذه من أن بعض عقب إبراهيم لم يجعل الله الكلمة المذكورة باقية فيهم دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة:{قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة:124] يعني: واجعل من ذريتي أئمة، {قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة:124] أي: الظالمين من ذرية إبراهيم، ففهم من ذلك أن من ذريته ظالمين، وقوله تعالى في الصافات:{وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات:113]، فالمحسن منهم هو الذي كلمة التوحيد باقية فيه، والظالم لنفسه المبين من ليس كذلك.

وقال تعالى في النساء: {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء:54 - 55].

وبين عز وجل في سورة الحديد أن غير المهتدين من ذريته كثيرون في قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:26].

وقوله هنا في هذه الآية الكريمة: (لعلهم يرجعون) أي: جعل الكلمة باقية فيهم لعل الزائغين الضالين منهم يرجعون إلى الحق بإرشاد المؤمنين المهتدين منهم؛ لأن الحق ما دام قائماً في جملتهم فرجوع الزائغين عنه إليه مرجو مأمول، لأن (لعل) تفيد الترجي، والترجي هنا بالنسبة لبني آدم؛ لأن الترجي هو أن يرجو الإنسان حصول شيء وهو لا يجزم بحصوله؛ لأنهم لا يعرفون من يصير إلى الهدى ومن يصير إلى الضلال، فالترجي هنا هو بالنسبة إلى بني آدم وليس بالنسبة لله سبحانه وتعالى.

ص: 12