المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بَاحِثًا عَنْ وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ أُمْهِلَ وَتُرِكَ، وَمَتَى ظَهَرَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ - تفسير المنار - جـ ١٠

[محمد رشيد رضا]

الفصل: بَاحِثًا عَنْ وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ أُمْهِلَ وَتُرِكَ، وَمَتَى ظَهَرَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ

بَاحِثًا عَنْ وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ أُمْهِلَ وَتُرِكَ، وَمَتَى ظَهَرَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُعْرِضًا عَنِ الْحَقِّ دَافِعًا لِلزَّمَانِ بِالْأَكَاذِيبِ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ وَاللهُ أَعْلَمُ اهـ.

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ

لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ بَرِئَ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَاهَدَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ، وَأَمْهَلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَسِيحُونَ فِي الْأَرْضِ أَحْرَارًا آمِنِينَ، وَأَمَرَهُ تَعَالَى بِالْأَذَانِ الْعَامِ إِلَى النَّاسِ فِي يَوْمِ عِيدِ النَّحْرِ مِنَ الْمَوْسِمِ الْعَامِّ بِبَرَاءَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَدَعَوْتِهِمْ إِلَى التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ، وَعَدَاوَةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْذَارِهِمْ سُوءَ عَاقِبَةِ الْإِعْرَاضِ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الْمُعَاهِدِينَ الَّذِينَ نُبِذَتْ إِلَيْهِمْ عُهُودُهُمْ مَنْ وَفَّوْا بِعَهْدِهِمْ، وَلَمْ يَنْقُصُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَحَدًا مِنْ أَعْدَائِهِمْ، فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ عَهْدِهِمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى النَّبْذِ وَالتَّوْقِيتِ فِيهِ، وَعَوْدِ حَالَةِ الْحَرْبِ مَعَهُمْ بَعْدَ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي وُقِّتَتْ بِهَا الْعُهُودُ، وَهُوَ مُنَاجَزَةُ الْمُشْرِكِينَ بِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِتَالِ الْمَعْرُوفَةِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ مَنْ قَتْلٍ وَأَسْرٍ وَحَصْرٍ وَقَطْعِ طُرُقِ الْمُوَاصَلَاتِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَجِيرُ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَهُ بِإِجَارَتِهِ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ الْعَمَلِيَّةِ تَعْظِيمُ شَأْنِ الْعُهُودِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَعُدَّ الْوَفَاءُ بِهَا مِنْ أُصُولِ الْبِرِّ، وَمُقْتَضَى الْإِيمَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَةِ الْبِرِّ وَأَهْلِهِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (2: 1‌

‌7

7) بَعْدَ ذِكْرِ الْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَكَمَا قَالَ فِي الْوَصَايَا الْأَسَاسِيَّةِ لِهَذَا الدِّينِ مِنْ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (17: 34) إِلَى آيَاتٍ أُخْرَى ذَكَّرْنَا قَارِئَ تَفْسِيرِنَا بِهَا فِي مَوَاضِعَ مِنْهُ بِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ الْعَهْدِ - وَالْمُنَاسِبُ مِنْهَا لِمَا هُنَا مَا وَرَدَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ مِنْ وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَتَحْرِيمِ الْخِيَانَةِ كَالْآيَةِ 56 و58 وَفِي مَعْنَاهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ حَسْبُكُ مِنْهَا حَدِيثُ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ

ص: 163

مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا

وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا.

وَلَمَّا كَانَ لِلْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ كُلُّ هَذَا الشَّأْنِ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ نَبْذُ عُهُودِ الْمُشْرِكِينَ مِمَّا قَدْ يَظُنُّ بَادِيَ الرَّأْيِ أَنَّهُ مُخِلٌّ بِهِ، أَوْ مِمَّا قَدْ يَظُنُّ قَلِيلُ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ نُصُوصِهِ بِالْفَهْمِ الصَّحِيحِ أَنَّ هَذَا النَّبْذَ نَاسِخٌ لِوُجُوبِهِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ لِلْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَتَأْكِيدِهِ كَانَ مُقَيَّدًا بِحَالِ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَ آخَرُونَ مِثْلَ هَذَا فِي آيَاتِ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، بَلْ كَانَ هَذَا النَّبْذُ مِمَّا يَفْتَحُ بَابَ الدَّسِّ أَوِ الطَّعْنِ لِلْمُنَافِقِينَ وَالتَّأْوِيلِ لِلْمُرْجِفِينَ فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ، وَقَدْ يَعْظُمُ عَلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَيَخْفَى عَلَيْهِمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تِلْكَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي هِيَ نُصُوصٌ فِي أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ مِنْ فَضَائِلِ الدِّينِ الْأَسَاسِيَّةِ - لَمَّا كَانَ كُلُّ مَا ذُكِرَ كَمَا ذَكَرَ - بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لَنَا فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَمَا بَعْدَهُمَا كَوْنَ هَذَا النَّبْذِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي وَلَا يُجَافِي شَيْئًا مِنْ تِلْكَ النُّصُوصِ الْمُحْكَمَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَامَلَةٌ لِلْأَعْدَاءِ بِمِثْلِ مَا عَامَلُوا بِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ بِدُونِهِ فَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ؟ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ الْمُشْرَبِ لِمَعْنَى التَّعَجُّبِ، وَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رَسَخَ خُلُقُ الْوَفَاءِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ عُرْضَةً لِقَبُولِ كَلَامِ الْمُنَافِقِينَ فِي إِنْكَارِ النَّبْذِ، وَالْمَعْنَى: بِأَيَّةِ صِفَةٍ وَأَيَّةِ كَيْفِيَّةٍ يَثْبُتُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مِنَ الْعُهُودِ عِنْدَ اللهِ يُقِرُّهُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم يَفِي لَهُمْ بِهِ وَتَفُونَ بِهِ اتِّبَاعًا لَهُ - وَحَالُهُمِ الَّذِي بَيَّنَتْهُ الْآيَةُ التَّالِيَةُ تَأْبَى ثُبُوتَ ذَلِكَ لَهُمْ؟ - إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ اسْتَثْنَى تَعَالَى هَؤُلَاءِ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ وَجْهَ انْتِفَاءِ ثُبُوتِ الْعَهْدِ لِغَيْرِهِمْ بِأَيَّةِ صِفَةٍ تَثْبُتُ بِهَا الْعُهُودُ بَيْنَ النَّاسِ، وَهُمُ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمْ فِي الْآيَةِ الرَّابِعَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِمْ فِي تَفْسِيرِهَا، وَزَادَ هُنَا: عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَيْ: بِجِوَارِهِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُوَ مِمَّا يَقْتَضِي تَأْكِيدَ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ الْعَهْدِ بِشُرُوطِهِ الْمُبَيَّنَةِ هُنَاكَ وَهُنَا.

وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ - الَّذِينَ كَانُوا وَأَنْتُمْ عَلَى الْعَهْدِ الْعَامِّ، بِأَلَا تَمْنَعُوهُمْ وَلَا يَمْنَعُوكُمْ مِنَ الْحَرَمِ، وَلَا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ - عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهِيَ قَبَائِلُ بَنِي بَكْرٍ، الَّذِينَ كَانُوا دَخَلُوا فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَعَقْدِهِمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَكُنْ نَقَضَهَا إِلَّا هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَنُو الدِّيلِ مَنْ بَكْرٍ، فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ الْعَهْدِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ نَقَضَ عَهْدَهُ مَنْ بَنِي بَكْرٍ إِلَى مُدَّتِهِ.

ص: 164

ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُمْ بَعْضُ بَنِي بَكْرٍ مِنْ كِنَانَةَ مِمَّنْ كَانَ أَقَامَ عَلَى عَهْدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِي نَقْضِ مَا كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنَ الْعَهْدِ مَعَ قُرَيْشٍ. وَإِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ اللهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِإِتْمَامِ الْعَهْدِ لِمَنْ كَانُوا عَاهَدُوهُ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَا اسْتَقَامُوا عَلَى عَهْدِهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ إِنَّمَا نَادَى بِهَا عَلِيٌّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَا مِنْ خُزَاعَةَ كَافِرٌ يَوْمَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ فَيُؤْمَرُ بِالْوَفَاءِ لَهُ بِعَهْدِهِ مَا اسْتَقَامَ عَلَى عَهْدِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ سَاكِنِي مَكَّةَ كَانَ قَدْ نَقَضَ الْعَهْدَ وَحُورِبَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ اهـ. وَهُوَ رَدٌّ لِلرِّوَايَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ أَيْ: فَمَهْمَا يَسْتَقِمْ لَكُمْ هَؤُلَاءِ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ، أَوْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ مُدَّةَ اسْتِقَامَتِهِمْ لَكُمْ، إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْغَدْرُ وَنَقْضُ الْعَهْدِ مِنْ قِبَلِكُمْ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ قَطْعَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَحَارِمِهِ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا الْغَدْرُ وَنَقْضُ الْعُهُودِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ، فَالظَّاهِرُ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَعَاهِدِينَ الْمَذْكُورِينَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ هُنَالِكَ، وَإِنَّمَا أُعِيدَ ذِكْرُ اسْتِثْنَائِهِمْ لِتَأْكِيدِهِ بِشَرْطِهِ الْمُتَضَمِّنِ لِبَيَانِ السَّبَبِ

الْمُوجِبِ لِلْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَيْهِ مَرْعِيَّةً مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إِلَى نِهَايَةِ مُدَّتِهِ، وَهَذَا زَائِدٌ عَلَى مَا هُنَالِكَ مِنْ وَصْفِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْقُصُوا مِنْ شُرُوطِ الْعَهْدِ شَيْئًا، وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَحَدًا، وَتَمْهِيدٌ لِبَيَانِ اسْتِبَاحَةِ نَبْذِ عُهُودِ الَّذِينَ لَا يَسْتَقِيمُونَ لِلْمُعَاهِدِ لَهُمْ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْغَدْرِ حَتَّى إِذَا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ أَحْلَافِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ وَقَوْلِهِ الْمُفَسِّرِ لَهُ: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَالْمَعْنَى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَرَّبْتُمْ وَفَاءَهُمْ عَهْدٌ مَشْرُوعٌ عِنْدَ اللهِ مَرْعِيٌّ بِالْوَفَاءِ عِنْدَ رَسُولِهِ، وَالْحَالُ الْمَعْهُودُ مِنْهُمُ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ أَنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ فِي الْقُوَّةِ وَالْغَلَبِ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً؟ فَالِاسْتِفْهَامُ وَاحِدٌ، وَوَجْهُ إِنْكَارِ الْعَهْدِ وَنَفْيِهِ فِيهِ مُقَيَّدٌ بِهَذِهِ الْحَالِ، وَإِنَّمَا أُعِيدَتْ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ لِلْفَصْلِ الْمَذْكُورِ.

يُقَالُ ظَهَرَ عَلَيْهِ: غَلَبَهُ وَظَفِرَ بِهِ، وَأَصْلُهُ عَلَاهُ، وَأَظْهَرَهُ عَلَيْهِ أَعْلَاهُ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ فَوْقَهُ وَمِنْهُ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (9: 33) وَكَذَا أَعْلَمَهُ بِهِ. وَرَقَبَ الشَّيْءَ رَعَاهُ وَحَاذَرَهُ

ص: 165

وَانْتَظَرَهُ، قَالَ فِي الْأَسَاسِ: وَرَقَبَهُ وَرَاقَبَهُ: حَاذَرَهُ؛ لِأَنَّ الْخَائِفَ يَرْقُبُ الْعِقَابَ وَيَتَوَقَّعُهُ وَمِنْهُ، فُلَانٌ لَا يُرَاقِبُ اللهَ فِي أُمُورِهِ: لَا يَنْظُرُ إِلَى عِقَابِهِ فَيَرْكَبُ رَأْسَهُ فِي الْمَعْصِيَةِ. وَبَاتَ يَرْقُبُ النُّجُومَ وَيُرَاقِبُهَا كَقَوْلِكَ: يَرْعَاهَا وَيُرَاعِيهَا اهـ. وَالْإِلُّ: الْقَرَابَةُ. وَالذِّمَّةُ وَالذِّمَامُ الْعَهْدُ الَّذِي يُلْزِمُ مَنْ ضَيَّعَهُ الذَّمَّ كَمَا فِي الْأَسَاسِ، وَكَانَ خَفْرُ الذِّمَامِ وَنَقْضُ الْعَهْدِ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعَارِ، هَذَا أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ الْمَأْثُورَةِ فِي تَفْسِيرِهَا هُنَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْإِلَّ اسْمُ اللهِ عز وجل، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَرْقُبُونَ اللهَ فِي نَقْضِ عَهْدِهِمْ، وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ إِلٍّ وَإِيلٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَشَقِيقَتَيْهَا السُّرْيَانِيَّةِ وَالْعِبْرَانِيَّةِ،

وَهُوَ اسْمُ إِلَهٍ مِنْ آلِهَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ كَمَا بَيَّنَاهُ بِالتَّفْصِيلِ فِي فَصْلِ الْمَسَائِلِ الْمُتَمِّمَةِ لِلْآيَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي مُحَاجَّةِ إِبْرَاهِيمَ لِقَوْمِهِ فِي أَرْبَابِهِمْ وَشِرْكِهِمْ [ص47 وَمَا بَعْدَهَا ج 7 ط الْهَيْئَةِ] وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ تَفْسِيرُ الْإِلِّ بِالْحِلْفِ وَالْعَقْدِ وَالْعَهْدِ وَهِيَ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى.

وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الرِّوَايَاتِ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي ثُمَّ قَالَ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَمَرَ نَبِيَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِقَتْلِهِمْ بَعْدَ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَحَصْرِهِمْ وَالْقُعُودِ لَهُمْ عَلَى كُلَّ مَرْصَدٍ - أَنَّهُمْ لَوْ ظَهَرُوا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَرْقُبُوا فِيهِمْ إِلًّا، وَالْإِلُّ اسْمٌ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ وَهِيَ: الْعَهْدُ وَالْعَقْدُ، وَالْحِلْفُ، وَالْقَرَابَةُ وَهُوَ أَيْضًا بِمَعْنَى اللهِ فَإِذَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ تَشْمَلُ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةَ، وَلَمْ يَكُنِ اللهُ خَصَّ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى، فَالصَّوَابُ أَنْ يَعُمَّ ذَلِكَ كَمَا عَمَّ بِهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَعَانِيهَا الثَّلَاثَةَ فَقَالَ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ اللهَ، وَلَا قَرَابَةً وَلَا عَهْدًا وَلَا مِيثَاقًا. وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْقَرَابَةِ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:

أَفْسَدَ النَّاسَ خُلُوفٌ خُلِّفُوا

قَطَّعُوا الْإِلَّ وَأَعْرَاقَ الرَّحِمْ

بِمَعْنَى قَطَعُوا الْقَرَابَةَ، وَقَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ:

لَعَمْرُكَ إِنَّ إِلَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ كَإِلِّ السَّيْفِ مِنْ رَأْلِ النَّعَامِ

وَأَمَّا مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْعَهْدِ فَقَوْلُ الْقَائِلِ:

وَجَدْنَاهُمْ كَاذِبًا إِلُّهُمْ

وَذُو الْإِلِّ وَالْعَهْدِ لَا يَكْذِبُ

وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى مَعْرِفَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الْإِلَّ وَالْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَالْيَمِينَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الذِّمَّةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ التَّذَمُّمِ مِمَّنْ لَا عَهْدَ لَهُ وَالْجَمْعُ: ذِمَمٌ. وَكَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ يَقُولُ: عَنَى بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَهْلَ الْعَهْدِ الْعَامِّ اهـ.

ص: 166