المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَأَقُولُ: أَلْفَاظُ الْإِلِّ وَالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ وَالْيَمِينِ يَخْتَلِفُ مَفْهُومُهَا اللُّغَوِيُّ. وَقَدْ تَتَوَارَدُ - تفسير المنار - جـ ١٠

[محمد رشيد رضا]

الفصل: وَأَقُولُ: أَلْفَاظُ الْإِلِّ وَالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ وَالْيَمِينِ يَخْتَلِفُ مَفْهُومُهَا اللُّغَوِيُّ. وَقَدْ تَتَوَارَدُ

وَأَقُولُ: أَلْفَاظُ الْإِلِّ وَالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ وَالْيَمِينِ يَخْتَلِفُ مَفْهُومُهَا اللُّغَوِيُّ. وَقَدْ

تَتَوَارَدُ مَعَ هَذَا عَلَى حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ بِضُرُوبٍ مِنَ التَّخْصِيصِ، فَالْعَهْدُ مَا يَتَّفِقُ رَجُلَانِ أَوْ فَرِيقَانِ مِنَ النَّاسِ عَلَى الْتِزَامِهِ بَيْنَهُمَا لِمَصْلَحَتِهِمَا الْمُشْتَرِكَةِ، فَإِنْ أَكَّدَاهُ وَوَثَّقَاهُ بِمَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الْعِنَايَةِ بِحِفْظِهِ وَالْوَفَاءِ بِهِ سُمِّيَ مِيثَاقًا، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَثَاقِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْحَبْلُ وَالْقَيْدُ، وَإِنْ أَكَّدَاهُ بِالْيَمِينِ خَاصَّةً سُمِّي يَمِينًا، وَقَدْ يُسَمَّى بِذَلِكَ لِوَضْعِ كُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَمِينَهُ فِي يَمِينِ الْآخَرِ عِنْدَ عَقْدِهِ، وَالْيَمِينُ فِي الْأَصْلِ الْيَدُ الْمُقَابِلَةُ لِلشِّمَالِ، وَالْحَلِفُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنِ اسْتَعْمَلَ الْإِلَّ بِمَعْنَى الْعَهْدِ أَرَادَ بِهِ الْمُطْلَقَ مِنْهُ، وَمِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْحِلْفِ - بِالْكَسْرِ - وَهُوَ الْمُحَالَفَةُ أَصْلُهُ مِنْ مَادَّةِ الْحَلِفِ أَيِّ الْيَمِينِ. وَقَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ: إِنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي أَهْلِ الْعَهْدِ الْعَامِّ أَرَادَ بِهِمْ غَيْرَ مَنِ اسْتَثْنَاهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ وَالْآيَةِ الرَّابِعَةِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَشْمَلُ أَهْلَ الْعَهْدِ الَّذِينَ غَدَرُوا، وَيَشْمَلُ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ لِشِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ لَمْ يُرِيدُوا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ أَنْ يُقَيِّدُوا أَنْفُسَهُمْ مَعَهُمْ بِعَهْدِ سَلْمٍ مُطْلَقٍ وَلَا مُؤَقَّتٍ، فَإِنْ لَمْ يَشْمَلْهُمْ بِالنَّصِّ شَمِلَهُمْ بِالْحُكْمِ.

يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ أَيْ: يُخَادِعُونَكُمْ فِي حَالِ الضَّعْفِ بِمَا يَنْبِذُونَ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ الْعَذْبِ الَّذِي يَرَوْنَ أَنَّهُ يُرْضِيكُمْ سَوَاءٌ كَانَ عَهْدًا أَوْ وَعَدًا أَوْ يَمِينًا مُؤَكِّدًا لَهُمَا وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ الْمَمْلُوءَةُ بِالْحِقْدِ وَالضِّغْنِ أَنْ تُصَدِّقَ أَفْوَاهَهُمْ، يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ (4‌

‌8:

11) فَهُمْ إِنْ ظَهَرُوا عَلَيْكُمْ نَكَثُوا الْعُهُودَ، وَحَنِثُوا بِالْأَيْمَانِ، وَفَتَكُوا بِكُمْ جُهْدَ طَاقَتِهِمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ أَيْ: خَارِجُونَ مِنْ قُيُودِ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ مُتَجَاوِزُونَ لِحُدُودِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ فَالْفِسْقُ عَلَى مَعْنَاهُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ وَهُوَ الْخُرُوجُ وَالِانْفِصَالُ، يَقُولُونَ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرَتِهَا، وَيُفَسَّرُ فِي كُلِّ مَقَامٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ، وَإِنَّمَا وَصَفَ أَكْثَرَهُمْ بِالْفُسُوقِ؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ النَّاكِثُونَ النَّاقِضُونَ لِعُهُودِهِمْ، وَأَقَلُّهُمُ الْمُوفُونَ وَهُمُ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللهُ تَعَالَى، وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِقَامَةِ لَهُمْ مَا اسْتَقَامُوا لَهُمْ.

اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ

ص: 167

هَذَا بَيَانٌ مُسْتَأْنَفٌ لِمَنْ عَسَاهُ يَسْتَغْرِبُ غَلَبَةَ الْفِسْقِ وَالْخُرُوجِ مِنْ دَائِرَةِ الْفَضَائِلِ الْفِطْرِيَّةِ وَالتَّقْلِيدِيَّةِ عَلَى أَكْثَرِهِمْ حَتَّى مُرَاعَاةِ الْقَرَابَةِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ الْمَمْدُوحَيْنِ عِنْدَهُمْ، وَيَسْأَلُ عَنْ سَبَبِهِ، وَجَوَابُهُ: اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أَيْ: إِنَّهُمُ اسْتَبْدَلُوا بِآيَاتِ اللهِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ تَوْحِيدِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَعَلَى بَعْثِهِ لِلنَّاسِ، وَجَزَائِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَعَلَى الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْهِدَايَةِ، ثَمَنًا قَلِيلًا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَهُوَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعِيشَةِ، وَكَثِيرُهُ عِنْدَ كُبَرَائِهِمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنْ أُمَمِ الْحَضَارَةِ، وَمَا عِنْدَ أَغْنَى هَؤُلَاءِ قَلِيلٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا وَعَدَ اللهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ لَهُوَ خَيْرٌ وَأَبْقَى. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِآيَاتِ اللهِ تَعَالَى الْعُهُودُ وَالْأَيْمَانُ أَوْ مَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهَا مِنْ كِتَابِهِ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمَّا أَرَادَ حَمْلَ قُرَيْشٍ وَحُلَفَائِهَا عَلَى نَقْضِ عَهْدِ الْحُدَيْبِيَةِ صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا اسْتَمَالَهُمْ بِهِ فَأَجَابُوهُ إِلَيْهِ فَهُوَ الْمُرَادُ بِالثَّمَنِ الْقَلِيلِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَهْلَ الطَّائِفِ أَمَدُّوهُمْ بِالْمَالِ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا بَعْدَهُ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ بِفَاءِ السَّبَبِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِلَخْ. وَصَدَّ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا فَيُقَالُ: صَدَّ فُلَانٌ عَنِ الشَّيْءِ صُدُودًا بِمَعْنَى أَعْرَضَ عَنْهُ وَانْصَرَفَ فَلَمْ يَلْوِ عَلَيْهِ، وَمُتَعَدِّيًا فَيُقَالُ: صَدَّهُ عَنْهُ إِذَا صَرَفَهُ وَلَفَتَهُ عَنْهُ وَزَهَّدَهُ فِيهِ، أَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ بِالْقُوَّةِ، وَيَصِحُّ إِرَادَةُ الْمَعْنِيِّينَ هُنَا، أَيْ فَصَدُّوا بِسَبَبِ هَذَا الشِّرَاءِ الْخَسِيسَ، وَأَعْرَضُوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَمَا يَقْتَضِيهِ مِنَ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَصَدُّوا غَيْرَهُمْ وَصَرَفُوهُمْ عَنْهُ أَيْضًا، إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أَيْ: إِنَّهُمْ سَاءَ عَمَلُهُمُ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنِ اشْتِرَاءِ

الْكُفْرِ بِالْإِيمَانِ وَالضَّلَالَةِ بِالْهُدَى، وَالصُّدُودُ وَالصَّدُّ عَنْ دِينِ اللهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْحَقِّ.

لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً أَيْ: مِنْ أَجْلِ هَذَا الْكُفْرِ وَالصُّدُودِ، وَالصَّدِّ عَنِ الْإِيمَانِ لَا يَرْعَوْنَ فِي مُؤْمِنٍ يَظْهَرُونَ عَلَيْهِ، وَيَقْدِرُونَ عَلَى الْفَتْكِ بِهِ رَبًّا يُحَرِّمُ الْغَدْرَ، وَلَا قَرَابَةً تَقْتَضِي الْوُدَّ، وَلَا ذِمَّةً تُوجِبُ الْوَفَاءَ اتِّقَاءً لِلذَّمِّ؛ لِأَنَّ ذَنْبَ الْمُؤْمِنِ فِي هَذَا عِنْدَهُمْ كَوْنُهُ مُؤْمِنًا، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ عَهْدًا، وَلَا يَسْتَحِلُّ غَدْرًا، وَلَا يَقْطَعُ رَحِمًا، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ: إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوطٍ بِالظُّهُورِ وَالْغَلَبِ، وَلِأَنَّهُ يَشْمَلُ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَذَاكَ خَاصٌّ بِالْمُخَاطَبِينَ الَّذِينَ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ مَا كَانَ مِنَ الْحُرُوبِ وَالدِّمَاءِ، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ.

وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ لِحُدُودِ الْعُهُودِ مِنْ دُونِكُمْ، وَالْبَادِئُونَ لَكُمْ بِالْقِتَالِ كَمَا فَعَلُوا فِيمَا مَضَى، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِيمَا يَأْتِي، وَالْعِلَّةُ فِي اعْتِدَائِهِمْ وَتَجَاوُزِهِمْ هُوَ رُسُوخُهُمْ فِي الشِّرْكِ

ص: 168

وَكَرَاهَتُهُمْ لِلْإِيمَانِ وَأَهْلِهِ لَا لَكُمْ وَحْدَكُمْ، فَلَا عِلَاجَ لَهُمْ إِذًا إِلَّا الرُّجُوعُ عَنْ كُفْرِهِمْ وَالِاعْتِصَامُ مَعَكُمْ بِعُرْوَةِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، وَمَا تَقْتَضِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَفَضَائِلِ الْأَخْلَاقِ.

فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ هَذَا بَيَانٌ لِمَا سَيَكُونُ مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ تِلْكَ الْعَدَاوَةِ لِلْإِسْلَامِ

وَأَهْلِهِ، وَهُوَ لَا يَعْدُو أَمْرَيْنِ فَصَّلَهُمَا تَعَالَى، وَبَيَّنَ حُكْمَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، قَالَ: فَإِنْ تَابُوا عَنْ شِرْكِهِمْ وَصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ بِالْفِعْلِ، وَمَنْ يُرِيدُ الْإِيمَانَ أَوْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ، وَمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنْ نَقْضِ الْعُهُودِ وَخَفْرِ الذِّمَمِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ بِدُخُولِهِمْ فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، الَّذِي لَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ إِلَّا بِإِقَامَةِ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ أَيْ: فَهُمْ حِينَئِذٍ إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ لَهُمْ مَا لَكُمْ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْكُمْ، وَبِهَذِهِ الْأُخُوَّةِ يُهْدَمُ كُلُّ مَا كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِنْ عَدَاوَةٍ. وَهُوَ نَصٌّ فِي أَنَّ أُخُوَّةَ الدِّينِ تَثْبُتُ بِهَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، وَلَا تَثْبُتُ بِغَيْرِهِمَا مِنْ دُونِهِمَا، وَالثَّانِي مُقَيَّدٌ بِشَرْطِهِ وَهُوَ مِلْكُ النِّصَابِ مُدَّةَ الْحَوْلِ، وَالْكَلَامُ فِي جُمْلَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِمُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَهَلْ يَتَعَارَفُ الْإِخْوَانُ فِي الدِّينِ إِلَّا بِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَسَائِرِ الْمَعَاهِدِ، وَبِأَدَاءِ الصَّدَقَاتِ لِلْمُوَاسَاةِ بَيْنَهُمْ، وَلِإِقَامَةِ غَيْرِهَا مِنَ الْمَصَالِحِ؟ وَهَذِهِ الْأُخُوَّةُ أَوَّلُ مَزِيَّةٍ دُنْيَوِيَّةٍ لِلْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا مَحْرُومِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُخُوَّةِ الْعَظِيمَةِ، بَعْضُهُمْ حَرْبٌ لِبَعْضٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَّا مَا يَكُونُ مِنْ عَهْدٍ أَوْ جِوَارٍ قَلَّمَا يَفِي بِهِ الْقَوِيُّ لِلضَّعِيفِ دَائِمًا وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أَيْ: وَنُبَيِّنُ الْآيَاتِ الْمُفَصِّلَةَ لِلدَّلَائِلِ، الْفَاصِلَةِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَبَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْمُفَرِّقَةَ بَيْنَ الْفَضَائِلِ وَالرَّذَائِلِ، لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وُجُوهَ الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ، فَهُمُ الَّذِينَ يَعْقِلُونَهَا دُونَ الْجَاهِلِينَ مِنْ مُتَّبِعِي الظُّنُونِ وَالْمُقَلِّدِينَ.

رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دِمَاءَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قَالَ: افْتُرِضَتِ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ جَمِيعًا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا.

ص: 169

وَقَرَأَ: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ الصَّلَاةَ إِلَّا بِالزَّكَاةِ: وَقَالَ رَحِمَ اللهُ أَبَا بَكْرٍ مَا كَانَ أَفْقَهُهُ. وَرُوِيَ

عَنْ عَبْدِ اللهِ (أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ) قَالَ: أُمِرْتُمْ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَمَنْ لَمْ يُزَكِّ فَلَا صَلَاةَ لَهُ. وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَمَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ بَعْدَهُ: رَحِمَ اللهُ أَبَا بَكْرٍ مَا كَانَ أَفْقَهُهُ. يَعْنِي بِهَذَا قَوْلَهُ: وَاللهِ لَا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمَا.

وَفِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَبَاحِثُ: (الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ) أَنَّ الشَّرْطَ فِيهَا كَالشَّرْطِ فِي الْآيَةِ الْخَامِسَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِمُنَاسَبَةِ السِّيَاقِ، وَرَدَتْ تِلْكَ الْآيَةُ تَالِيَةً تِلْوَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ الشَّرْطِ فِيهَا الْأَمْرَ بِتَرْكِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ (5) وَوَرَدَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تِلْوَ إِثْبَاتِ رُسُوخِ الْمُشْرِكِينَ فِي كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ وَصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَكَوْنِهِ هُوَ الْبَاعِثُ لَهُمْ عَلَى قِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ ابْتِدَاءً ثُمَّ عَلَى نَقْضِ عُهُودِهِمْ، فَنَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ فِي جَوَابِ شَرْطِهَا فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَهَذِهِ أَجْلَبُ لِقُلُوبِهِمْ، وَأَشَدُّ اسْتِمَالَةً لَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ.

(الْمَبْحَثُ الثَّانِي) اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَا عَلَى كُفْرِ كُلٍّ مِنْ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَمَانِعِ الزَّكَاةِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُ تَعَالَى اشْتَرَطَ فِيهَا لِتَحَقُّقِ أُخُوَّةِ الْإِيمَانِ، وَالدُّخُولِ فِي جَمَاعَتِهِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: التَّوْبَةَ مِنَ الْكُفْرِ، وَإِقَامَ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ، فَانْتِفَاءُ أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ مَا جُعِلَتْ شَرْطًا لَهُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَتَفَصَّى بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا بِادِّعَاءِ أَنَّ الْعِبَارَةَ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الْإِسْلَامِ بِحُصُولِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ دُونَ انْتِفَائِهِ بِانْتِفَائِهَا فَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، وَأَرْجَعَ ذَلِكَ إِلَى مَا زَعَمَهُ مِنْ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِكَلِمَةِ " إِنْ " إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِلْزَامِ الْمُعَلِّقِ لِلْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ حُصُولًا لَا انْتِفَاءً، فَهُوَ لَا يَقْتَضِي انْعِدَامَهُ بِانْعِدَامِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُعَلِّقُ لَازِمًا أَعَمَّ فَيَتَحَقَّقُ بِدُونِ مَا جُعِلَ مَلْزُومًا لَهُ. وَهَذَا مِنَ الْجَدَلِيَّاتِ اللَّفْظِيَّةِ الْبَاطِلَةِ، فَلَيْسَ فِي الْمَقَامِ إِلَّا مَسْأَلَةُ الِاحْتِجَاجِ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، وَهُوَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ اللُّغَةِ كَمَا بَيَّنَاهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ، وَمَا أَوْرَدُوا عَلَى اطِّرَادِهِ مِنْ بَعْضِ النُّصُوصِ الَّتِي لَا يَظْهَرُ فِيهَا الْقَوْلُ بِالْمَفْهُومِ، فَمِنْهُ مَا سَبَبُهُ ضَعْفُ الْفَهْمِ، وَمِنْهُ مَا لَهُ سَبَبٌ خَارِجٌ عَنْ مَدْلُولِ اللُّغَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا (24: 33) بِنَاءً

عَلَى أَنَّ مَفْهُومَهُ عَدَمُ النَّهْيِ عَنْ إِكْرَاهِهِنَّ إِنْ لَمْ يُرِدْنَ التَّحَصُّنَ - وَهُوَ غَفْلَةٌ ظَاهِرَةٌ عَنْ كَوْنِ الْإِكْرَاهِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ، وَلَا يُعْقَلُ عِنْدَ عَدَمِهَا وَهُوَ بَذْلُ الْعِرْضِ، وَبَيْعُ الْبُضْعِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (4: 31) اسْتَشْكَلَ الْأَشَاعِرَةُ الْقَوْلَ بِمَفْهُومِهِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، وَمَا هُوَ بِمُشْكِلٍ إِلَّا مِنْ حَيْثُ يَكُونُ حُجَّةً لِخُصُومِهِمُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى عَدَمِ مَغْفِرَةِ الْكَبَائِرِ، وَمَا زَالَ الْمُتَعَصِّبُونَ لِلْمَذَاهِبِ يَجْنُونَ عَلَى اللُّغَةِ وَعَلَى نُصُوصِ

ص: 170

التَّنْزِيلِ لِإِبْطَالِ حُجَجِ خُصُومِهِمْ، عَلَى أَنَّ الْمُعَلِّقَ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ هُنَا أَخَصُّ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَهُوَ أَمْرَانِ: تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ، وَالْمُدْخَلُ الْكَرِيمُ. وَأَيْنَ هَذَا وَذَاكَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ مِنِ اشْتِرَاطِ شُرُوطٍ لِلِانْتِقَالِ مَنْ أَمْرٍ إِلَى ضِدِّهِ الْمُسَاوِي لِنَقِيضِهِ، أَيْ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ؟ هَلْ يُعْقَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ يَحْصُلُ بِحُصُولِ شُرُوطِهِ، وَإِقَامَةِ أَعْظَمِ أَرْكَانِهِ، وَلَا يَنْتَفِي بِانْتِفَائِهَا؟ أَلَا إِنَّهُ لَا يُعْقَلُ فِي حَالِ النَّظَرِ إِلَى الْحَقِيقَةِ نَفْسِهَا، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ لَا حِجَابَ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّهُ وَقَعَ بِالْفِعْلِ مِمَّنْ صَرَفَ بَصَرَهُ عَنْهَا وَأَرَادَ مَعْرِفَتَهَا بِالِاصْطِلَاحَاتِ الْجَدَلِيَّةِ، وَالتَّعَصُّبِ لِلْمَذَاهِبِ الْكَلَامِيَّةِ أَوِ الْفِقْهِيَّةِ.

وَالْحَقُّ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ مَا حَقَّقْنَاهُ فِي شَرْطِ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا هُنَا؛ لِأَنَّ الَّذِي أَوْرَدَ التَّفَصِّي الْمَذْكُورَ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ هُوَ إِمَامُ الْجَدَلِيِّينَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَنَقَلَهُ الْآلُوسِيُّ عَازِيًا إِيَّاهُ إِلَى بَعْضِ جُلَّةِ الْأَفَاضِلِ، وَفَصَّلَهُ بِأَوْسَعَ مِمَّا قَالَهُ الرَّازِيُّ، فَأَرَدْنَا أَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ يَغْتَرُّونَ عَادَةً بِكُلِّ مَبَاحِثِ هَؤُلَاءِ الْأَفَاضِلِ، وَالَّذِي دَعَا الرَّازِيَّ وَغَيْرَهُ إِلَى التَّفَصِّي مِنْ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى انْتِفَاءِ أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ بِانْتِفَاءِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ اسْتِشْكَالُهُ إِيَّاهُ بِالْفَقِيرِ الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَا تَقَعُ مِنْهُ، وَبِالْغَنِيِّ قَبْلَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ بِمُرُورِ الْحَوْلِ، وَأَجَابُوا عَنْهُ فِي حَالِ عَدَمِ تَسْلِيمِ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَيُكْتَفَى مِنْهُ بِأَنْ يُقِرَّ بِحُكْمِهَا وَيَلْتَزِمَهُ عِنْدَ وُجُوبِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذَا

الْمَقَامِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يُشْتَرَطُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْهَا وَدُخُولِهِمْ فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الْإِذْعَانُ لِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ بِالْإِجْمَالِ، وَلِفَرِيضَتَيِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ بِالتَّعْيِينِ وَالتَّفْصِيلِ، وَأَمَّا أَفْرَادُ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّمَا يُطَالَبُونَ بِكُلٍّ مِنْ فَرِيضَتَيِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ بِالْفِعْلِ عِنْدَ تَحَقُّقِ فَرَضِيَّتِهِمَا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا تُفْرَضُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ تُفْرَضُ عَلَيْهِ بَعْدَ حَوْلٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَمِثْلُهُ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ إِلَّا بِدُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَيَكْفِي فِي أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ قَبْلَ افْتِرَاضِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ عَلَيْهِمَا التَّوْبَةُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْإِقْرَارُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الْإِذْعَانِ لِمَا يَقْتَضِيَانِهِ مِنْ عَمَلٍ بَدَنِيٍّ وَنَفْسِيٍّ بِالْإِجْمَالِ كَمَا فَصَّلْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ أَيْضًا وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ.

(الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ) وَهُوَ لُغَوِيٌّ مَحْضٌ، أَنَّ لَفْظَ أَخٍ أَصْلُهُ أَخَوٌ وَمُثَنَّاهُ أَخَوَانِ، وَفِي لُغَةٍ: أَخَانِ. وَيُجْمَعُ عَلَى إِخْوَةٍ وَإِخْوَانٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِيهِمَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ فِي أُخُوَّةِ النَّسَبِ الْقَرِيبِ، أَيِّ الْأُخُوَّةِ مِنْ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا، وَالنَّسَبِ الْبَعِيدِ كَالْجِنْسِ وَالْقَبِيلَةِ، وَفِي أُخُوَّةِ الرَّضَاعِ، وَأُخُوَّةِ الدِّينِ، وَأُخُوَّةِ الصَّدَاقَةِ، وَقَدْ نَطَقَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِاسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْإِخْوَانِ فِي أُخُوَّةِ الدِّينِ وَمِثْلِهَا فِي الْمَوَالِي فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَجَاءَ فِي أُخُوَّةِ الْكُفْرِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (59: 11) إِلَخْ.

ص: 171

وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ جَمْعِ إِخْوَةٍ فِي أُخُوَّةِ الدِّينِ فَفِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (49: 10) وَسَائِرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي أُخُوَّةِ النَّسَبِ.

(الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ) هَذِهِ الْأُخُوَّةُ الدِّينِيَّةُ مِمَّا يَحْسُدُنَا عَلَيْهَا جَمِيعُ أَهْلِ الْمِلَلِ، فَهِيَ لَا تَزَالُ أَقْوَى فِينَا مِنْهَا فِيهِمْ تَرَافُدًا وَتَعَاوُنًا، وَعَاصِمَةً لَنَا مِنْ فَوْضَى الشُّيُوعِيَّةِ، وَأَثَرَةِ الْمَادِّيَّةِ وَغَيْرِهَا، عَلَى مَا مُنِيَتْ بِهِ شُعُوبُنَا مِنَ الضَّعْفِ وَاخْتِلَالِ النِّظَامِ، وَاخْتِلَافِ الْجِنْسِيَّاتِ وَالْأَحْكَامِ، وَلَقَدْ كَانَتْ فِي عَصْرِ السَّلَفِ الصَّالِحِ اشْتِرَاكِيَّةً اخْتِيَارِيَّةً أَوْسَطُ أَحْوَالِهَا مُسَاوَاةُ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ بِنَفْسِهِ، وَأَعْلَاهَا إِيثَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، قَالَ تَعَالَى فِي أَنْصَارِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَمُعَامَلَتِهِمْ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ

يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (59: 9) وَأَمَّا الْمُوَاسَاةُ بِمَا دُونَ الْمُسَاوَاةِ فَقَدْ كَانَتْ عَامَّةً فِي خَيْرِ الْقُرُونِ، ثُمَّ صَارَتْ تَضْعُفُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَلَا يَزَالُ لَهَا بَقِيَّةٌ صَالِحَةٌ بَيْنَ أَصْحَابِ الْأَخْلَاقِ الْمَحْمُودَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ هَذَا بَيَانٌ لِلْأَمْرِ الثَّانِي مِنْ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ. نَكْثُ الْغَزْلِ أَوِ الْحَبْلِ ضِدُّ إِبْرَامِهِ، وَهُوَ نَقْضُ فَتْلِهِ، وَحَلُّ الْخُيُوطِ الَّتِي تَأَلَّفَ مِنْهَا، وَإِرْجَاعُهَا إِلَى أَصْلِهَا، وَمِنْهُ: وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا (16: 92) وَالْأَيْمَانُ الْعُهُودُ، يَضَعُ كُلٌّ مِنَ الْعَاقِدَيْنِ لِلْعَهْدِ يَمِينَهُ فِي يَمِينِ الْآخَرِ، أَوْ مَا يُوَثَّقُ مِنْهَا بِالْقَسَمِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَنَكْثُ الْأَيْمَانِ هُنَا يُقَابِلُ فِيمَا قَبْلَهُ اسْتِقَامَتَهُمْ عَلَيْهَا، وَالطَّعْنُ فِي دِينِنَا فِي الْجُمْلَةِ التَّالِيَةِ يُقَابِلُ فِيمَا فَرَضَ تَوْبَتَهُمْ مِنَ الْكُفْرِ بِهِ بِدُخُولِهِمْ فِي جَمَاعَتِهِ، وَالْمَعْنَى: وَإِنْ نَكَثَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مَا أَبْرَمَتْهُ أَيْمَانُهُمْ أَوْ مَا أَقْسَمُوا عَلَيْهِ أَيْمَانَهُمْ مِنَ الْوَفَاءِ بَعْدَ عَهْدِهِمُ الَّذِي عَقَدُوهُ مَعَكُمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ أَيْ: عَابُوهُ وَثَلَبُوهُ بِالِاسْتِهْزَاءِ بِهِ، وَصَدِّ النَّاسِ عَنْهُ وَهُوَ الَّذِي عَابَهُ عَلَيْهِمْ فِي الْآيَاتِ الْمُقَابِلَةَ لِهَذِهِ، وَمِنْهُ الطَّعْنُ فِي الْقُرْآنِ وَفِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا كَانَ يَفْعَلُ شُعَرَاؤُهُمُ الَّذِينَ أَهْدَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دِمَاءَهُمْ، فَهَذَا الْعَطْفُ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ، وَإِيذَانٌ بِأَنَّ الطَّعْنَ فِي الْإِسْلَامِ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ نَكْثِ الْأَيْمَانِ، وَنَقْضِ السَّلْمِ وَالْوَلَاءِ، كَالْقِتَالِ وَمُظَاهَرَةِ الْأَعْدَاءِ، فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ تَقْيِيدَ حِلِّ قِتَالِهِمْ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ: ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا (9: 4) فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ فَقَاتِلُوهُمْ فَهُمْ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ أَيْ قَادَةُ أَهْلِهِ وَحَمَلَةُ لِوَائِهِ، فَوَضَعَ الِاسْمَ الظَّاهِرَ الْمُبَيِّنَ لِشَرِّ صِفَاتِهِمْ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِأَئِمَّةِ الكفرِ رُؤَسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَصَنَادِيدُهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يُغْرُونَهُمْ بِعَدَاوَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيَقُودُونَهُمْ لِقِتَالِهِ، وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ قَالَ هَذَا مِنْهُمْ أَبَا سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْلٍ وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ مِمَّنْ كَانَ قُتِلَ فِي بَدْرٍ أَوْ بَعْدَهَا، وَذَلِكَ

مِنَ الْغَفْلَةِ بِمَكَانٍ؛ لِأَنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ

ص: 172

تَبُوكَ وَبَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ (وَفِي أَثْنَائِهِ أَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ) ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ إِنَّمَا تَثْبُتُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ تَارِيخِ تَبْلِيغِهَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى الْخَوَارِجِ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْمُرْتَدِّينَ بِجَعْلِ الضَّمَائِرِ فِيهَا رَاجِعَةً إِلَى الَّذِينَ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِلَخْ. وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ إِذْ قَالَ فِي تَفْسِيرِ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ: فَقَاتِلُوهُمْ. فَوَضَعَ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ إِشْعَارًا بِأَنَّهُمْ إِذَا نَكَثُوا فِي حَالِ الشِّرْكِ تَمَرُّدًا وَطُغْيَانًا وَطَرْحًا لِعَادَاتِ الْكِرَامِ الْأَوْفِيَاءِ مِنَ الْعَرَبِ، ثُمَّ آمَنُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَصَارُوا إِخْوَانًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الدِّينِ، ثُمَّ رَجَعُوا فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَنَكَثُوا مَا بَايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَقَعَدُوا يَطْعَنُونَ فِي دِينِ اللهِ وَيَقُولُونَ: لَيْسَ دِينُ مُحَمَّدٍ بِشَيْءٍ، فَهُمْ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ، وَذَوُو الرِّيَاسَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِيهِ، لَا يَشُقُّ كَافِرٌ غُبَارَهُمْ. وَقَالُوا: إِذَا طَعَنَ الذِّمِّيُّ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ طَعْنًا ظَاهِرًا جَازَ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ الْعَهْدَ مَعْقُودٌ مَعَهُ عَلَى أَلَّا يَطْعَنَ، فَإِذَا طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ وَخَرَجَ مِنَ الذِّمَّةِ اهـ.

وَلَا أَدْرِي مَا الَّذِي حَمَلَ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى إِخْرَاجِ الْآيَةِ عَنْ ظَاهِرِهَا، حَتَّى إِنَّهُمْ رَوَوْا عَنْ عَلِيٍّ وَحُذَيْفَةَ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا قَالَا: مَا قُوتِلَ أَهْلُ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدُ. يَعْنُونَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ يَأْتُونَ بَعْدُ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمُ الدَّجَّالُ وَقَوْمُهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَصْحَابِ الْعُهُودِ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَيَدْخُلُ فِي حُكْمِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ حَالُهُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ كَحَالِهِمْ. فَكُلُّ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ عَدَاوَتِهِمْ بِنَكْثِ عُهُودِهِمْ، وَالطَّعْنِ فِي دِينِهِمْ فَيَجِبُ عَدُّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ وَلَهُمْ حُكْمُهُمْ، وَمَنْ لَمْ يَرَهُمْ أَهْلًا لِعَقْدِ الْعَهْدِ مَعَهُ عَلَى قَاعِدَةِ الْمُسَاوَاةِ فَهُوَ أَعْدَى وَأَظْلَمُ مِمَّنْ يَنْكُثُونَ الْأَيْمَانَ، وَذَلِكَ مَا نُشَاهِدُهُ مِنَ الْجَامِعَيْنِ بَيْنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى شُعُوبِنَا وَبِلَادِنَا، وَبَثِّ الدُّعَاةِ فِيهَا لِلطَّعْنِ فِي دِينِنَا، لِصَدِّنَا عَنْهُ، وَاسْتِبْدَالِ دِينِهِمْ بِهِ أَوْ جَعْلِنَا مُعَطَّلِينَ لَا دِينَ لَنَا.

وَقَدْ عَلَّلَ تَعَالَى الْأَمْرَ بِقِتَالِهِمْ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ أَيْ: إِنَّ عُهُودَهُمْ كَلَا عُهُودَ؛ لِأَنَّهَا مُخَادَعَةٌ لِسَانِيَّةٌ لَمْ يَقْصِدُوا الْوَفَاءَ بِهَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ (48: 11) فَهُمْ يَنْقُضُونَهَا فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ يَسْتَطِيعُونَ فِيهَا ذَلِكَ بِالظُّهُورِ أَوِ الْمُظَاهَرَةِ عَلَيْكُمْ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ " إِيمَانَ " بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهَا مَصْدَرُ آمَنَهُ إِيمَانًا بِمَعْنَى إِعْطَاءِ الْأَمَانِ. وَقَرَأَ هُوَ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَرَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ (أَئِمَّةَ) بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ، وَالْبَاقُونَ بِتَلْيِينِ الثَّانِيَةِ. وَأَمَّا قَلْبُهَا يَاءً فَلَيْسَ قِرَاءَةً وَلَا لُغَةً، بَلْ هُوَ لَحْنٌ لَا يَجُوزُ. كَمَا قَالُوا: لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ أَيْ: قَاتِلُوهُمْ رَاجِينَ بِقِتَالِكُمْ إِيَّاهُمْ أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ وَمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ مَنْ نَكْثِ أَيْمَانَهُمْ، وَنَقْضِ عُهُودِهِمْ، وَالضَّرَاوَةِ بِقِتَالِكُمْ كُلَّمَا قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنِ الْقِتَالِ اتِّبَاعًا لِهَوَى النَّفْسِ أَوْ إِرَادَةَ مَنَافِعَ الدُّنْيَا مِنْ سَلْبٍ وَكَسْبٍ وَانْتِقَامٍ مَحْضٍ بِالْأَوْلَى، وَتَقَدَّمَ

ص: 173

نَظِيرُهُ فِي تَفْسِيرِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (8: 57) وَهَذَا مِمَّا امْتَازَ بِهِ الْإِسْلَامُ عَلَى جَمِيعِ شَرَائِعِ الْأُمَمِ وَقَوَانِينهَا مِنْ جَعْلِ الْحَرْبِ ضَرُورَةً مُقَيَّدَةً بِإِرَادَةِ مَنْعِ الْبَاطِل، وَتَقْرِيرِ الْحَقِّ وَالْفَضَائِلِ.

وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ يَمِينَ الْكَافِرِ لَا تَنْعَقِدُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ عَلَيْنَا الْوَفَاءُ لِمَنْ وَفَّى بِهَا مِنْهُمْ وَاسْتَقَامَ عَلَى وَفَائِهِ وَالْآيَاتُ صَرِيحَةٌ فِي الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا نَفَاهَا عَنِ النَّاكِثِينَ، وَأَعْلَمَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا عَازِمِينَ عَلَى النَّكْثِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَهُوَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَيْمَانٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمَا كَانَ لَهُمْ نَكْثٌ وَقَدْ أَثْبَتَتْهُمَا لَهُمُ الْآيَةُ التَّالِيَةُ.

أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

لَعَلَّ اللهَ عَلِمَ أَنَّ فِي نَفْسِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كُرْهًا لِقِتَالِ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَظُهُورِ الْإِسْلَامِ لِأَمْنِهِمْ مِنْ ظُهُورِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَرَجَائِهِمْ فِي إِيمَانِهِمْ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ يَعْتَذِرُونَ لِأَنْفُسِهِمْ فِي سَرَائِرِهِمْ بِمَا لَيْسَ بِحَقٍّ، وَلَا مَصْلَحَةٍ لِلْإِسْلَامِ، وَعَلِمَ اللهُ أَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَمَرْضَى الْقُلُوبِ مَنْ يُزَيِّنُ ذَلِكَ لَهُمْ. وَاللهُ يُرِيدُ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ تَطْهِيرَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ وَخُرَافَاتِهِ، وَتَمْحِيصَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النِّفَاقِ وَدَنَاءَاتِهِ، لِهَذَا أَعَادَ الْكَرَّةَ إِلَى إِقَامَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ قِتَالِ النَّاكِثِينَ الْمُعْتَدِينَ مِنْهُمْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الْجَامِعَةِ. فَقَالَ عز وجل: أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ هَذَا تَحْرِيضٌ عَلَى قِتَالِهِمْ بِأَوْجَهِ وُجُوهِ الْأَدِلَّةِ وَأَقْوَاهَا، وَأَوْضَحِ أَسَالِيبِ الْبَيَانِ وَأَسْمَاهَا، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لِلْإِنْكَارِ الَّذِي يُحِيلُ النَّفْيَ إِثْبَاتًا كَمَا يُحَوِّلُ الْإِثْبَاتَ إِلَى النَّفْيِ، وَقَدْ دَخَلَ هُنَا عَلَى نَفْيِ الْقِتَالِ فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى إِثْبَاتِهِ وَوُجُوبِهِ، وَأَقَامَ عَلَى هَذَا الْوُجُوبِ ثَلَاثَ حُجَجٍ

(إِحْدَاهَا) نَكْثُهُمْ لِأَيْمَانِهِمُ الَّتِي حَلَفُوهَا، لِتَأْكِيدِ عَهْدِهِمُ الَّذِي عَقَدُوهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ

ص: 174

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ - أَوْ لِعَهْدِهِمُ الَّذِي عَقَدَتْهُ أَيْمَانُهُمْ - عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ بِهَا النَّاسُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَيَكُونُونَ أَحْرَارًا فِي دِينِهِمْ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ نَكَثُوا بِمُظَاهَرَةِ حُلَفَائِهِمْ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا بِالْقُرْبِ مِنْ مَكَّةَ عَلَى مَاءٍ يُسَمَّى الْهَجِيرَ، فَكَانَ نَكْثُهُمْ هَذَا مِنْ أَفْظَعِ مَا عُهِدَ مِنَ الْغَدْرِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الشِّعْرِ الَّذِي أَنْشَدَهُ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ كَانَ جَاءَهُ لِيُنْبِئَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ:

لَاهُمَّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدًا

حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا

كُنْتَ لَنَا أَبًا وَكُنَّا وَلَدًا

ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا

فَانْصُرْ هَدَاكَ اللهُ نَصْرًا أَيَّدَا

وَادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا

فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا

فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبَدَا

أَبْيَضَ مِثْلَ الشَّمْسِ يَسْمُو صَعِدَا

إِنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا

إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا

وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا

هُمْ بَيَّتُونَا بِالْهَجِيرِ هُجَّدًا

وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدًا

وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَرْعَى أَحَدَا

وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم " لَا نُصِرْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرْكُمْ " وَتَجَهَّزَ إِلَى مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْبَغَوَيِّ وَغَيْرِهِ.

(ثَانِيَتُهَا) هَمُّهُمْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْ وَطَنِهِ، أَوْ حَبْسِهِ حَيْثُ لَا يَرَى أَحَدًا، وَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ حَتَّى لَا يُبَلِّغَ دَعْوَةَ رَبِّهِ، أَوْ قَتْلِهِ بِأَيْدِي عُصْبَةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ شُبَّانِ بُطُونِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، لِيَتَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ فَتَتَعَذَّرُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ. ائْتَمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِذَلِكَ فِي دَارِ نَدْوَتِهِمْ فَكَانَ هُوَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى دَارِ الْهِجْرَةِ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ هَاهُنَا عَلَى ذِكْرِ هَمِّهِمْ بِإِخْرَاجِهِ دُونَ هَمِّهِمْ بِحَبْسِهِ، وَهَمِّهِمْ بِقَتْلِهِ الَّذِي كَانَ هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ كَمَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ (8: 30) بَلْ أَسْنَدَ إِلَيْهِمْ إِخْرَاجَهُ وَإِخْرَاجَ مِنْ هَاجَرَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ (60: 1) .

ص: 175

(ثَالِثَتُهَا) كَوْنُهُمْ كَانُوا هُمُ الْبَادِئِينَ بِقِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ فِي بَدْرٍ، إِذْ قَالُوا بَعْدَ الْعِلْمِ بِنَجَاةِ الْعِيرِ الَّتِي كَانُوا خَرَجُوا لِإِنْقَاذِهَا: لَا نَنْصَرِفُ حَتَّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، وَنُقِيمَ فِي بَدْرٍ أَيَّامًا نَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَتَعْزِفُ عَلَى رُءُوسِنَا الْقِيَانُ. وَكَذَا فِي أُحُدٍ

وَالْخَنْدَقِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ بِغَدْرِهِمْ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْمُؤْمِنُ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ كَمَا قَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم فِي جَوَامِعِ كَلِمِهِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنَ الْمُقَرَّرِ فِي قَوَاعِدِ الْعَدْلِ الْعَامَّةِ أَنَّ الْجَزَاءَ وَاحِدَةٌ بِوَاحِدَةٍ وَأَنَّ الْبَادِئَ أَظْلَمُ.

ثُمَّ قَالَ بَعْدَ بَيَانِ هَذِهِ الْحُجَجِ: أَتَخْشَوْنَهُمْ؟ أَيْ أَتَتْرُكُونَ قِتَالَهُمْ خَشْيَةً لَهُمْ، وَجُبْنًا مِنْكُمْ؟ إِنْ كَانَتِ الْخَشْيَةُ هِيَ الْمَانِعَةُ لَكُمْ مِنْ قِتَالِهِمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ حَقَّ الْإِيمَانِ لَا يَخَافُ، وَلَا يَخْشَى إِلَّا اللهَ تَعَالَى لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِنْ خَشِيَ غَيْرَهُ بِمُقْتَضَى سُنَنِهِ تَعَالَى فِي أَسْبَابِ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ، فَلَا يُرَجِّحُ خَشْيَتَهُ عَلَى خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى بِأَنْ تَحْمِلَهُ عَلَى عِصْيَانِهِ، وَمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، بَلْ يُرَجِّحُ خَشْيَتَهُ تَعَالَى عَلَى خَشْيَةِ غَيْرِهِ، بَلْ لَا يَخْشَى غَيْرَهُ حَقَّ الْخَشْيَةِ.

قِيلَ: إِنَّ هَذَا الِاسْتِفْهَامَ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ إِلَّا إِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الِامْتِنَاعَ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ خَوْفًا مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْحَالِ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِيهَا هَذِهِ الْآيَاتُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهَدْمِ دَوْلَةِ الشِّرْكِ، وَقَدْ كَانُوا يُقَاتِلُونَهُمْ بِغَيْرِ جُبْنٍ وَلَا إِحْجَامٍ وَهُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ، وَالْمُشْرِكُونَ فِي عُنْفُوَانِ قُوَّتِهِمْ دَوْلَةً وَكَثْرَةً وَثَرْوَةً. وَإِنَّمَا هَذَا احْتِجَاجٌ آخَرُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يَخْلُونَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَمَرْضَى الْقُلُوبِ، وَالسَّمَّاعِينَ لَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُعَظِّمُونَ مَا عَظَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ أَمْرِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَيَكْرَهُونَ الْقِتَالَ لِذَاتِهِ إِذَا لَمْ تُوجِبْهُ الضَّرُورَةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ (2: 216) الْآيَةَ. أَوْ لِرَجَاءِ انْتِشَارِ الْإِسْلَامِ بِدُونِهِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَهَدْمِ دَوْلَةِ الشِّرْكِ - فَهَذَا الَّذِي اقْتَضَى كُلَّ هَذِهِ الْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ

عَلَى كَوْنِ نَبْذِ عُهُودِ جُمْهُورِ الْمُشْرِكِينَ دُونَ مَنْ وَفَّى مِنْهُمْ بِعَهْدِهِ حَقًّا وَعَدَلًا، لَا يَتَضَمَّنُ خِيَانَةً وَلَا غَدْرًا، وَأَنَّ بَقَاءَهُمْ عَلَى حُرِّيَّتِهِمْ - وَهَذِهِ حَالُهُمْ - خَطَرٌ لَا تُؤْمَنُ عَاقِبَتُهُ فَهُوَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ سَوْقِ تِلْكَ الْحُجَجَ الثَّلَاثِ الَّتِي تَكْفِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لِإِيجَابِ قِتَالِهِمْ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ قِيَامِ هَذِهِ الْبَيِّنَاتِ مَنْ سَبَبٍ يَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَشْيَةَ لَهُمْ وَالْخَوْفَ مِنْ قُوَّتِهِمْ، وَخَشْيَةُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْلَى مِنْ خَشْيَتِهِمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ فِي إِيمَانِكُمْ فَاخْشَوْهُ وَحْدَهُ عز وجل، وَقَدْ رَأَيْتُمْ كَيْفَ نَصَرَكُمْ عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ الْكَثِيرَةِ، إِذْ كُنْتُمْ

ص: 176

ضُعَفَاءَ وَكَانُوا أَقْوِيَاءَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ حَقَّ الْإِيمَانِ يَكُونُ أَشْجَعَ النَّاسِ وَأَعْلَاهُمْ هِمَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْشَى إِلَّا اللهَ عز وجل.

ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ إِقَامَةِ هَذِهِ الْحُجَجِ الْبَيِّنَةِ عَلَى وُجُوبِ قِتَالِهِمْ، وَدَحْضِ شُبْهَةِ الْمَانِعِ مِنْهُ، صَرَّحَ بِالْأَمْرِ الْقَطْعِيِّ بِهِ مَعَ الْوَعْدِ الْقَطْعِيِّ، بِإِظْهَارِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ أَكْمَلَ الظُّهُورِ وَأَتَمَّهُ، وَهَذَا الْوَعْدُ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ التَّفْصِيلِيَّةِ فِي حَالٍ مُعَيَّنَةٍ، فَهُوَ لَيْسَ كَالْوَعْدِ الْعَامِّ الْمُجْمَلِ فِي نَصْرِ اللهِ لِرُسُلِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِي يُرَادُ بِهِ أَنَّ الْعَاقِبَةَ تَكُونُ لَهُمْ، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ الْحَرْبُ قَبْلَهَا سِجَالًا لِتَرْبِيَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ صَدَقَ وَعْدُهُ تَعَالَى مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا. فَقَوْلُهُ: قَاتِلُوهُمْ مَعْنَاهُ: بَاشِرُوا قِتَالَهُمْ كَمَا أُمِرْتُمْ فَإِنَّكُمْ إِنْ تُقَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ بِتَمْكِينِهَا مِنْ رِقَابِهِمْ قَتْلًا، وَمِنْ صُدُورِهِمْ وَنُحُورِهِمْ طَعْنًا، يُعْقِبُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ يَأْسًا، لَا يَدَعُ فِي أَنْفُسِهِمْ بَأْسًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَعَالَى أَسْنَدَ التَّعْذِيبَ إِلَى اسْمِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَسْبَابِهِ مِنَ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، وَمَا يُفْضِيَانِ إِلَيْهِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ، وَكُلُّ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَ فَإِنَّهُمْ يُصَابُونَ بِالطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، وَيُقْتَلُ بَعْضُهُمْ وَيُجْرَحُ بَعْضٌ، وَلَا يُسَمُّونَ مُعَذَّبِينَ بِذَلِكَ وَحْدَهُ، فَإِنَّ الْغَالِبَ وَالْمَغْلُوبَ فِيهِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ هَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى سَيُحْدِثُ فِي أَنْفُسِ الْمُشْرِكِينَ فِي هَذَا الْقِتَالِ أَلَمًا نَفْسِيًّا لَعَلَّ أَظْهَرَ أَسْبَابِهِ الْيَأْسُ وَسَلْبُ الْبَأْسِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَيُخْزِهِمْ بِذُلِّ الْأَسْرِ وَالْقَهْرِ وَالْفَقْرِ لِمَنْ لَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ أَكْمَلَ النَّصْرِ وَأَتَمَّهُ بِحَيْثُ لَا يَعُودُ لَهُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ قُوَّةٌ وَلَا سُلْطَانٌ يَعُودُونَ بِهِ إِلَى قِتَالِكُمْ كَمَا كَانَ شَأْنُهُمْ بَعْدَ نَصْرِكُمْ

عَلَيْهِمْ فِي بَدْرٍ وَغَيْرِهَا وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ قَدْ نَالُوا مِنْهُمْ مَا نَالُوا فِي سُلْطَانِهِمْ، فَكَانَ فِي صُدُورِهِمْ مِنْ مَوْجِدَةِ الْقَهْرِ وَالذُّلِّ مَا لَا شِفَاءَ لَهُ إِلَّا بِهَذَا النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، وَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ غَدَرَ بِهِمُ الْمُشْرِكُونَ كَخُزَاعَةَ، وَالَّذِينَ كَانُوا فِي دَارِ الشِّرْكِ عَاجِزِينَ عَنِ الْهِجْرَةِ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ الَّذِي كَانَ وَقَرَ فِيهَا إِلَى هَذَا الْعَهْدِ مِنْ غَدْرِ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنْ ظُلْمِهِمْ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُجِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَشِفَاءُ الصُّدُورِ بِعِزِّ الْإِسْلَامِ بِالنَّصْرِ الْعَامِّ الشَّامِلِ لِهَؤُلَاءِ وَلِغَيْرِهِمْ هُوَ غَيْرُ ذَهَابِ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغَيْظِ وَالْحِقْدِ عَلَى مَنْ غَدَرَهُمْ وَظَلَمَهُمْ.

وَلَمَّا كَانَ مِنْ أَسْبَابِ كَرَاهَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِقِتَالِهِمْ حِرْصُهُمْ بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ بِفَتْحِ مَكَّةَ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِالْإِقْنَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، أَخْبَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّ هَذَا التَّعْذِيبَ وَالْخِزْيَ الَّذِي سَيُنْزِلُهُ بِهِمْ لَا يَعُمُّهُمْ، وَإِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ بِمَنِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الْكُفْرُ، وَأَحَاطَ بِهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِمُ اسْتِعْدَادٌ لِلْإِيمَانِ، وَأَنَّ غَيْرَهُمْ سَيَتُوبُ مِنْ شِرْكِهِ، وَيَقْبَلُ اللهُ تَوْبَتَهُ فَقَالَ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ فَيُوَفِّقُهُ لِلْإِيمَانِ وَيَقْبَلُهُ مِنْهُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ مِنِ اسْتِعْدَادِهِمْ فِي حَالِهِمْ، وَمُسْتَقْبَلِ أَمْرِهِمْ، وَيَشْرَعُ لَكُمْ مِنَ الْأَحْكَامِ فِيهِمْ مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ فِي إِقَامَةِ دِينِهِ، وَإِظْهَارِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. فَمَشِيئَتُهُ فِي التَّائِبِينَ وَالْمُصِرِّينَ تَجْرِي بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ الْمُحِيطِ بِشُئُونِ خَلْقِهِ، وَحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ فِي السُّنَنِ الَّتِي وَضَعَهَا لِسَيْرِ الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ، وَفِي الْأَحْكَامِ الَّتِي شَرَعَهَا لِهِدَايَةِ

ص: 177

النَّاسِ.

وَمِنْ سُنَنِهِ تَفَاوَتُ الْبِشْرِ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ، وَقَابِلِيَّةُ التَّحَوُّلِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ كَدَرَجَاتِ تَأْثِيرِ الشِّرْكِ فِي أَنْفُسِ الْأَفْرَادِ مِنْ قُوَّةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْإِصْرَارُ إِلَى الْمَمَاتِ، وَضَعْفٍ قَابِلٍ لِلزَّوَالِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، بِمَا يَطْرَأُ عَلَى أَصْحَابِهَا مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْمُؤَثِّرَاتِ، وَلَيْسَتْ مَشِيئَتُهُ تَعَالَى فِي التَّوْبَةِ عَلَى مَنْ يَتُوبُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ إِكْرَاهًا لَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ كَمَا تَزْعُمُهُ الْجَبْرِيَّةُ، وَلَا مِنَ الْخُلُقِ الْأَنِفِ الَّذِي تَزْعُمُهُ الْقَدَرِيَّةُ، بَلْ هُوَ بِحَسَبِ الْمَقَادِيرِ الْإِلَهِيَّةِ الثَّابِتَةِ بِآيَاتِ التَّنْزِيلِ وَنِظَامِ الِاجْتِمَاعِ، فَلَوْ كَانَ بِالْجَبْرِ وَالْإِكْرَاهِ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ اخْتِيَارٌ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ دُخُولَ الْجَنَّةِ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ،

وَلَوْ كَانَ بِالْخُلُقِ الْمُسْتَأْنَفِ لَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمُحَابَاةِ فِي التَّفْصِيلِ الْإِلَهِيِّ الْمَحْضِ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْعَدْلَ وَالْحِكْمَةَ. وَحَاشَ لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يُحَابِيَ أَعْدَى أَعْدَاءِ رَسُولِهِ وَأَبْغَضَهُمْ إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم كَوَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ أَخِيهِ فِي الرَّضَاعِ وَعَمِّهِ وَأَبِي سُفْيَانَ الْمُحَرِّضِ الْأَكْبَرِ لِلْعَرَبِ عَلَى قِتَالِهِ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَيَخْلُقُ لَهُمُ الْإِيمَانَ وَيُجْبِرُهُمْ عَلَيْهِ، مِنْ حَيْثُ يَحْرِمُ مِنْهُ أَبَا طَالِبٍ عَمَّهُ وَنَاصِرَهُ بِعَصَبَةِ النَّسَبِ وَهُوَ أَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّتِ الْمُجْبِرَةُ وَمِنْهُمْ جُمْهُورُ الْأَشْعَرِيَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْجَبْرِ وَنَفْيِ الِاخْتِيَارِ فِيمَا هُوَ أَظْهَرُ مِمَّا ذُكِرَ، وَهُوَ إِخْبَارُهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُعَذِّبُ الْمُشْرِكِينَ فَيَقْتُلُ بَعْضَهُمْ، وَيَجْرَحُ آخَرِينَ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، فَهَذَا يَدُلُّ بِزَعْمِهِمْ عَلَى أَنَّ أَيْدِيَهُمْ كَسُيُوفِهِمْ وَرِمَاحِهِمْ لَيْسَتْ إِلَّا آلَاتٌ لَا تَأْثِيرَ لَهَا أَلْبَتَّةَ، وَأَنَّ الْكَسْبَ الَّذِي هُوَ مُنَاطُ التَّكْلِيفِ اسْمٌ لَا مُسَمَّى لَهُ، وَدَلَالَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عِنْدَهُمْ أَقْوَى فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ دَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى (8: 17) فَإِنَّ فِي هَذَا إِثْبَاتًا لِإِسْنَادِ الرَّمْي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ جِهَةِ مُبَاشَرَتِهِ لِأَخْذِ التُّرَابِ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِلْقَائِهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَوْ فِي جِهَتِهِمْ، مَعَ نَفْيِهِ عَنْهُ ثُمَّ إِسْنَادِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ أَثَرِهِ وَهُوَ وُصُولُ التُّرَابِ إِلَى وُجُوهِهِمْ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَقَدْ أُسْنِدَ التَّعْذِيبُ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ يَفْعَلُهُ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ بَيَّنَّا آنِفًا أَنَّ لِهَذَا التَّعْذِيبِ مَعْنًى وَرَاءَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ الَّذِي هُوَ كَسْبُ الْمُؤْمِنِينَ وَعَمَلُهُمْ هُوَ فِعْلُ اللهِ وَحْدَهُ، عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فَوْقَ الْمَذْهَبَيْنِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّعْذِيبِ الْقَتْلُ وَالْجَرْحُ كَمَا تَعْلَمُ مِنْ قَوْلِ كَبِيرِي نُظَّارِهِمْ وَمَا نُقَفِّي بِهِ عَلَيْهِ تَأْيِيدًا لِلْمَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ.

أَجَابَ الْجُبَّائِيُّ إِمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ عَنِ الْآيَةِ مُحْتَجًّا عَلَى الْمُجْبِرَةِ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى يُعَذِّبُ الْكَافِرِينَ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيْدِي الْكَافِرِينَ، وَلَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يُكَذِّبُ أَنْبِيَاءَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْكُفَّارِ، وَيَلْعَنُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى خَالِقٌ لِذَلِكَ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُجْبِرَةِ عُلِمَ أَنَّهُ

تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ أَعْمَالَ الْعِبَادِ، وَإِنَّمَا نَسَبَ مَا ذَكَرَ إِلَى نَفْسِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ حَصَلَ بِأَمْرِهِ وَأَلْطَافِهِ كَمَا يُضِيفُ جَمِيعَ الطَّاعَاتِ إِلَيْهِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ اهـ.

ص: 178

حَكَى عَنْهُ هَذَا الْجَوَابَ الرَّازِيُّ مُدْرِهُ الْأَشَاعِرَةِ فِي تَفْسِيرِهِ لِلْآيَةِ وَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَهُ يُجِيبُونَ عَنْهُ بِمَا خُلَاصَتُهُ أَنَّهُمْ يَلْتَزِمُونَ كُلَّ مَا أَلْزَمَهُمْ إِيَّاهُ اعْتِقَادًا، وَإِنْ كَانُوا لَا يَنْطِقُونَ بِهِ أَدَبًا مَعَ اللهِ تَعَالَى، وَالرَّازِيُّ جَبْرِيٌّ قُحٌّ، وَلَا يَلْتَزِمُ كُلُّ الْأَشَاعِرَةِ مَا يَلْتَزِمُهُ، وَيُسْنِدُهُ إِلَيْهِمْ، فَهَذَا الْبَيْضَاوِيُّ مِنْ فَحُولِهِمْ يُفَسِّرُ تَعْذِيبَ الْمُشْرِكِينَ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ بِتَمْكِينِهِمْ مِنْهُمْ، وَقَدْ سَبَقَ لَنَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ تَفْنِيدُ الْمَذْهَبَيْنِ، وَبَيَانُ أَنَّ خَلْقَهُ تَعَالَى لِكُلِّ شَيْءٍ لَا يُنَافِي خَلْقَهُ الْإِرَادَةَ وَالِاخْتِيَارَ لِلْعِبَادِ فِيمَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَإِنَّمَا أَعَدْنَاهُ هُنَا؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ الْمُجْبِرَةِ فِي جُمْلَةِ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ أَقْوَى مِنْهَا فِي كُلِّ مَا سَبَقَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى الْجَبْرِ، وَسَيَأْتِي مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (56: 63 و64) وَفَهْمُ الْقُرْآنِ لَا يَكُونُ صَحِيحًا إِلَّا بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَاتِ الْمُتَقَابِلَةِ فِي الْمَوْضُوعِ الْوَاحِدِ الَّذِي يَخْتَلِفُ التَّعْبِيرُ فِيهَا بِاخْتِلَافِ الْوُجُوهِ وَالِاعْتِبَارَاتِ الَّتِي ضَلَّتِ الْفِرَقُ بِنَظَرِ كُلٍّ مِنْهَا إِلَى إِحْدَاهَا دُونَ الْأُخْرَى مُطْلَقًا، أَوْ جَعْلِهَا مَا وَافَقَ مَذْهَبَهَا أَصْلًا يَرُدُّ غَيْرَهُ إِلَيْهِ بِالتَّأْوِيلِ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، وَمَثَلُ الْجَبْرِيَّةِ مَعَ الْقَدَرِيَّةِ هُنَا كَمَثَلِ الْمُرْجِئَةِ مَعَ الْوَعِيدِيَّةِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ آيَاتِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مِنْ: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (15: 91) وَضَرَبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.

وَالَّذِي حَقَّقْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِرَارًا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْحِسِّ وَالْوِجْدَانِ، وَبِالْمِئَاتِ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، أَنَّ لِلنَّاسِ أَفْعَالًا يَأْتُونَهَا بِإِرَادَتِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ تُسْنَدُ إِلَيْهِمْ، وَيُشْتَقُّ مِنْهَا صِفَاتٌ لَهُمْ، وَيَسْتَحِقُّونَ الْجَزَاءَ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى هُوَ الَّذِي أَعْطَاهُمُ الْقُدْرَةَ وَالْإِرَادَةَ وَالِاخْتِيَارَ، كَمَا أَعْطَاهُمُ الْأَعْضَاءَ وَالْحَوَاسَّ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَهُمْ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ أَعْمَالُهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ، وَهُوَ يُسْنِدُ إِلَيْهِمْ هَذِهِ الْأَعْمَالَ، وَيَصِفُهُمْ بِهَا فِي

مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَقَامَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي هَذَا الْإِسْنَادَ أَوِ الْوَصْفَ، وَيُسْنِدُ بَعْضَهَا إِلَى ذَاتِهِ وَإِلَى مَشِيئَتِهِ، وَيَصِفُ نَفْسَهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ وَصْفُهُ مِنْهَا فِي الْمَقَامَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ، فَكَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (56: 64) قَالَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ (48: 29) وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ. وَوَصْفُ الزَّارِعِ لَمْ يَرِدْ فِي أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى، وَلَا فِي صِفَاتِهِ مُسْتَقِلًّا. كَمَا أَنَّهُ لَا يُوصَفُ تَعَالَى بِأَمْثَالِهِ مِنْ صِفَاتِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَلَا تُسْنَدُ إِلَيْهِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَأَخَصِّ أَفْعَالِ الضَّعْفِ وَالنَّقْصِ كَالنَّوْمِ وَالتَّعَبِ وَالْأَلَمِ، وَإِنَّمَا يُسْنَدُ إِلَيْهِ تَعَالَى بَعْضُ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي لَا نَقُصُّ فِيهَا بِأُسْلُوبِ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَتَقْرِيرِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ كَقَوْلِهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِخَلْقِهِمْ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى بَعْثِهِمْ مِنْ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (56: 58 و59) إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ. فَاسْتَدَلَّ أَوَّلًا بِخَلْقِهِ لِلْمَنِيِّ الَّذِي يُولَدُونَ مِنْهُ فَأَسْنَدَ إِلَيْهِمْ فِعْلَ إِخْرَاجِهِ بِالْجِمَاعِ وَإِلَى ذَاتِهِ خَلْقَ

ص: 179

مَادَّتِهِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِالنَّبَاتِ فَأَسْنَدَ إِلَيْهِمْ حَرْثَهُ، وَأَسْنَدَ إِلَيْهِ زَرْعَهُ، أَيْ إِنْبَاتَهُ وَجَعْلَهُ حَبًّا وَثَمَرًا يُؤْكَلُ، فَيَتَوَلَّدُ ذَلِكَ الْمَنِيُّ مِنْهُ بِدُونِ فِعْلٍ لَهُمْ فِيهِ، ثُمَّ بِالْمَاءِ فَأَسْنَدَ إِلَيْهِمْ شُرْبَهُ، وَأَسْنَدَ إِلَيْهِ إِنْزَالَهُ، ثُمَّ بِالنَّارِ الَّتِي يُعَالِجُونَ بِهَا طَعَامَهُمُ الْمُؤَلَّفَ غَالِبًا مِنَ النَّبَاتِ وَالْمَاءِ، فَأَسْنَدَ إِلَيْهِمْ إِيرَاءَهَا وَإِيقَادَهَا بِحَكِّ الزَّنْدَيْنِ مِنْ شَجَرَتِهَا، وَأَسْنَدَ إِلَيْهِ إِنْشَاءَ الشَّجَرَةِ. فَعُلِمَ مِنَ السِّيَاقِ كُلِّهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّرْعِ فِي قَوْلِهِ: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (56: 64) ؟ الْإِنْبَاتُ لِمَا يُزْرَعُ حَتَّى يَصِيرَ حَبًّا وَثَمَرًا يُؤْكَلُ، وَلَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ، لِتُقَرِّبَ مِنْ عُقُولِهِمْ مَا كَانُوا يَسْتَبْعِدُونَهُ مِنَ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْفِي عَنْهُمْ فِعْلَ زَرْعِ الْحُبُوبِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي يَحْرُثُونَهَا، وَيُثْبِتُهَا لِذَاتِهِ وَحْدَهُ، أَوْ يُرِيدُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحَرِّكُ أَيْدِيَهُمْ بِفِعْلِ الزَّرْعِ بِدُونِ إِرَادَةٍ لَهُمْ لَا اخْتِيَارَ فِيهِ كَمَا يُحَرِّكُ الدَّمَ فِي أَجْسَادِهِمْ، وَيُحَرِّكُ أَعْضَاءَ الْجِهَازِ الْهَضْمِيِّ مِنَ الْمَعِدَةِ وَالْأَمْعَاءِ فِي هَضْمِ طَعَامِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَفْهَمُونَ مِنْهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْأَرْضَ مُنْبِتَةً مَا يَبْذُرُونَهُ فِيهَا، بَلْ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ وَالْحَبَّ وَالْمَاءَ وَالْهَوَاءَ، وَسَخَّرَ هَذِهِ

الْأَسْبَابَ لَهُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ كُلُّهُ مَا أَمْكَنَهُمْ أَنْ يَزْرَعُوا، وَلَوْلَا أَنَّهُ يُزِيلُ مَوَانِعَ الْإِنْبَاتِ وَالْآفَاتِ الَّتِي تُفْسِدُ الزَّرْعَ مَا أَمْكَنَ أَنْ يَسْتَفِيدُوا مِنْهُ بَعْدَ زَرْعِهِ وَنَبَاتِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَهُ: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (56: 65 - 67) وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُمْ فِي الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ مِمَّا يُجْعَلُ حُطَامًا فَإِنَّهُ عَرَضٌ زَالَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْحَاصِلُ مِنْهُ الَّذِي يُؤْكَلُ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ تَفْسِيرُ " تَزْرَعُونَهُ " بِقَوْلِهِ: تُنْبِتُونَهُ. وَبِهِ أَخَذَ الْبَغَوِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ، وَهُوَ تَفْسِيرُهُ لَهُ بِمَا لَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: أَأَنْتُمْ تُصَيِّرُونَهُ زَرْعًا أَمْ نَحْنُ نَجْعَلُهُ كَذَلِكَ؟ اهـ. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ وَرُوَاتِهِ لَمْ يَقُولُوا: إِنَّ فِي الْآيَةِ كَلِمَةً تَدُلُّ عَلَى الْجَبْرِ، وَكَذَلِكَ فُحُولُ الْمُفَسِّرِينَ بِالْمَعُقُولِ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الزَّرْعَ أُطْلِقَ عَلَى غَايَتِهِ وَهُوَ إِخْرَاجُ نَبْتِهِ وَسَلَامَتُهُ مِنَ الْهَلَاكِ، لَا عَلَى بَدْئِهِ الَّذِي هُوَ شَقُّ الْأَرْضِ، وَإِلْقَاءُ الْبَذْرِ فِيهَا.

وَيُقَالُ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْذِيبِ غَايَةُ الْقِتَالِ، وَفَائِدَتُهُ وَهُوَ فِعْلُ اللهِ وَحْدَهُ، لَا مَبْدَؤُهُ وَهُوَ كَسْبُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قَتْلٍ وَجَرْحٍ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ (8: 17) وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى بِدْعَةِ الْجَبْرِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ تَخْطُرْ فِي بَالِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم (رَاجِعْ تَفْسِيرَ ج9) عَلَى أَنَّ مَعْنَى التَّعْذِيبِ إِيجَادُ الْعَذَابِ الَّذِي هُوَ الشُّعُورُ بِالْأَلَمِ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ اللهِ لَا مِنْ كَسْبِ الْبَشَرِ، فَهَذِهِ الْآيَةُ أَبْعَدُ مِنْ آيَةِ الْأَنْفَالِ عَنِ الْجَبْرِ وَأَهْلِهِ، وَلِلْعَذَابِ هُنَا مَعْنًى آخَرَ غَيْرَ الشُّعُورِ بِالْأَلَمِ - خَطَرَ لَنَا الْآنَ - وَهُوَ أَنَّ مَا يُصِيبُ الْجَمَاعَاتِ وَالْأُمَمَ مِنَ الْآلَامِ وَالشَّدَائِدِ يَكُونُ لِبَعْضِهَا تَرْبِيَةً وَتَمْحِيصًا تَتَهَذَّبُ بِهِ أَفْرَادُهَا، وَيَرْتَقِي بِهِ مَجْمُوعُهَا

،

ص: 180

وَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يُسَمَّى رَحْمَةً لَا عَذَابًا، وَيَكُونُ لِبَعْضٍ آخَرَ نِقْمَةً وَقِصَاصًا عَادِلًا يُمْحَى بِهِ بَاطِلُ الْجَمَاعَةِ، وَيُمْحَقُ بِهِ طُغَاتُهَا الْفَاسِدُونَ وَالْمُفْسِدُونَ، وَهُوَ الْجَدِيرُ بِاسْمِ الْعَذَابِ، الَّذِي وَعَدَ اللهُ هُنَا بِجَعْلِهِ عَاقِبَةَ الْقِتَالِ لِمَنْ يُقْتَلُ فَقَطْ، دُونَ

مَنْ يَتُوبُ وَيُؤْمِنُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّهُ كَانَ الْأَكْثَرَ. وَهُوَ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ وَصْفِ أَكْثَرِهِمْ بِالْفِسْقِ فِي هَذَا السِّيَاقِ نَفْسِهِ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حَالَ أَكْثَرِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَاتِ، وَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ بَعْدَ تَرْبِيَةِ مَجْمُوعِهِمْ بِالْقِتَالِ.

وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ تَعْذِيبَ اللهِ إِيَّاهُمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (8: 33) وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَذَابِ الْمَنْفِيِّ هُنَالِكَ عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ، وَنَقُولُ: إِنَّهُ لَا مَحَلَّ لِلِاسْتِشْكَالِ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَعَدَ تَعَالَى هُنَا بِتَعْذِيبِهِمْ كَمَا كَانَ فِي مَكَّةَ بَيْنَ مُشْرِكِيهَا حِينَ قَالُوا: اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8: 32) يَعْنُونَ عَذَابًا كَعَذَابِ أَقْوَامِ الرُّسُلِ الَّذِينَ كَذَّبُوا جُحُودًا وَعِنَادًا، وَخَوَّفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِمِثْلِهِ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ الْعَذَابُ الَّذِي نَفَى اللهُ وُقُوعَهُ كَمَا قَالَ الْمُسْتَشْكِلُ هُنَا حَيْثُ لَا مَجَالَ لِلِاسْتِشْكَالِ، فَإِنَّ التَّعْذِيبَ هُنَالِكَ نِقْمَةٌ مَحْضَةٌ، وَمَا كَانَ لِيَقَعَ عَلَى قَوْمِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ. وَأَمَّا هُنَا فَإِنَّهُ انْتِقَامٌ مِنْ بَعْضِهِمْ بِمَا هُوَ رَحْمَةٌ لِمَجْمُوعِهِمْ، فَهُوَ كَقَطْعِ الْعُضْوِ الْمَجْذُومِ مِنَ الْجَسَدِ لِأَجْلِ سَلَامَةِ جُمْلَتِهِ، كَمَا قَالَ فِي حِكْمَةِ مَا لَقُوا مِنَ الشَّدَائِدِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ: وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (3: 141) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْبَاقِينَ مِنْ أُولَئِكَ الْقَوْمِ قَدْ صَارُوا سَادَةَ الْبَشَرِ فِي الْأَرْضِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ الْجِهَادُ الَّذِي ذَاقُوا شِدَّتَهُ وَآلَامَهُ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا مَا صَارُوا أَهْلًا لِذَلِكَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ هَذِهِ الْآيَةُ خَاتِمَةُ هَذَا السِّيَاقِ فِي الْحَثِّ عَلَى جِهَادِ الْمُشْرِكِينَ، لِتَطْهِيرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ وَطُغْيَانِهِ وَخُرَافَاتِهِ، وَإِصْرَارِ الرَّاسِخِينَ فِيهِ عَلَى عَدَاوَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانَ الْكَلَامُ فِي الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي بَيَانِ حَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي مُوَاصَلَةِ مَا بَدَءُوا

بِهِ مِنْ قِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَجْلِ دِينِهِمْ، وَقِتَالِ هَؤُلَاءِ لَهُمْ إِلَى حَدِّ الْفَصْلِ التَّامِّ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ

ص: 181

الْحُجَجُ النَّاصِعَةُ عَلَى كَوْنِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْحَقِّ فِي هَذَا الْقِتَالِ، الَّتِي لَوْ عُرِضَتْ عَلَى الْمُنْصِفِينَ مِنْ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ لَحَكَمُوا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ بَسَطْتُ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ بِالتَّفْصِيلِ الْمُسْهِبِ الَّذِي لَيْسَ وَرَاءَهُ غَايَةٌ، وَإِنَّنِي لَا أَذْكُرُ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ سِيَاقٌ فِيهِ مِنَ الْإِسْهَابِ وَالتَّأْكِيدِ وَالتَّكْرَارِ مِثْلَ مَا فِي هَذَا السِّيَاقِ، وَلَمْ أَرَ فِيمَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ مِنَ التَّفَاسِيرِ مِنْ سَبْقٍ إِلَى مَا وَفَّقَنِي تَعَالَى لَهُ مِنْ بَيَانِ نُكْتَتِهِ، وَالْإِفْصَاحِ بِحِكْمَتِهِ، وَالتَّكْرَارُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الْبَلَاغَةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَسْبَابِ إِقْنَاعِ الْعَقْلِ، وَالتَّأْثِيرِ فِي الْوِجْدَانِ. وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَهُوَ فِي بَيَانِ حَالِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَشَأْنِهِمْ فِي الْجِهَادِ الْحَقِّ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَمَحُصُّهُمْ مِنْ ضَعْفِ الْإِيمَانِ، وَالْهَوَادَةِ فِي حُقُوقِ الْإِسْلَامِ.

وَيَقُولُ الْجُمْهُورُ: إِنَّ (أَمْ) فِي مِثْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ هِيَ الْمُنْقَطِعَةُ الَّتِي تُفِيدُ مَعْنَى الْإِضْرَابِ وَالِاسْتِفْهَامِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِضْرَابِ هُنَا تَحْوِيلُ سِيَاقِ الْكَلَامِ عَنْ بَيَانِ مَا يُوجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قِتَالَ الْكَافِرِينَ مِنْ بَدْئِهِمْ بِالْقِتَالِ لِمَحْضِ عَدَاوَةِ الْإِيمَانِ وَأَهْلِهِ، وَمِنْ نِكْثِهِمْ لِلْأَيْمَانِ وَالْعُهُودِ بَعْدَ إِبْرَامِهَا وَتَوْثِيقِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ - وَالِانْتِقَالُ مِنْهُ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا لَهُمْ مِنَ الْفَائِدَةِ الْعَظِيمَةِ فِي الْجِهَادِ الْحَقِّ لِلْمُشْرِكِينَ. وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ (2: 214) مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَنَّ شَيْخَنَا رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ: إِنَّ (أَمْ) فِيهَا لِمَحْضِ الِاسْتِفْهَامِ، مُرَاعًى فِيهَا مُعَادَلَتُهُ لِاسْتِفْهَامٍ آخَرَ يُؤْخَذُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَلَيْسَ فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْإِضْرَابِ شَيْءٌ. ثُمَّ فَصَّلَ الْقَوْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ آلِ عِمْرَانَ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (3: 142) وَرَأَيْنَا أَبَا جَعْفَرِ بْنَ جَرِيرٍ قَدْ جَرَى فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ

فِي مُقَابَلَةِ اسْتِفْهَامٍ آخَرَ. وَنَفْيُ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ يُرَادُ بِهِ نَفْيَ الْمَعْلُومِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُهُ بِالطَّرِيقَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَالْوَلِيجَةُ مَا يَلِجُ فِي الْأَمْرِ أَوِ الْقَوْمِ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ أَوْ مِنْهُمْ كَالدَّخِيلَةِ، وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْكَثِيرِ - وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى وَلَائِجَ - وَيَشْمَلُ السَّرِيرَةَ الْفَاسِدَةَ وَالنِّيَّةَ الْخَبِيثَةَ، وَبِطَانَةَ السُّوءِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُتَّخَذُ. وَالْخِطَابُ لِمَجْمُوعِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا لَا يَخْلُونَ مِنْ بَقِيَّةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَمَرْضَى الْقُلُوبِ الَّذِينَ يُثَبِّطُونَ عَنِ الْقِتَالِ. وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: هَلْ جَاهَدْتُمِ الْمُشْرِكِينَ حَقَّ الْجِهَادِ وَأَمِنْتُمْ عَوْدَتَهُمْ إِلَى قِتَالِكُمْ كَمَا بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَأَمِنْتُمْ نَكْثَ مَنْ عَاهَدْتُمْ مِنْهُمْ لِأَيْمَانِهِمْ كَمَا نَكَثُوا مِنْ قَبْلُ؟ وَهَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الطَّعْنَ فِي دِينِكُمْ وَصَدَّ النَّاسِ عَنْهُ كَمَا هُوَ دَأْبُهُمْ مُنْذُ ظَهَرَ الْإِسْلَامُ؟ وَهَلْ نَسِيتُمْ مَا اعْتَذَرَ بِهِ

ص: 182

الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الْخُرُوجِ مَعَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إِلَى تَبُوكَ مِنَ الْأَعْذَارِ الْمُلَفَّقَةِ الْبَاطِلَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خُبْثِ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَكُمْ إِلَيْهَا، وَتَثْبِيطِهِمْ إِيَّاكُمْ عَنِ الْقِتَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فَضَحَتْهُمْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ؟ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَشَأْنُكُمْ بِغَيْرِ امْتِحَانٍ وَلَا افْتِتَانٍ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ فِيكُمْ إِلَى الْآنِ مَا يَمْتَازُ بِهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَمَرْضَى الْقُلُوبِ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً أَيْ: وَلَمْ يَتَّخِذُوا لِأَنْفُسِهِمْ دَخِيلَةً، وَبِطَانَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ تَعَالَى بِالشِّرْكِ بِهِ، وَيُحَادُّونَ رَسُولَهُ بِالصَّدِّ عَنْ دَعْوَتِهِ، وَيُقَاتِلُونَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْصَارَ اللهِ وَرَسُولِهِ، يُطْلِعُونَ أُولَئِكَ الْوَلَائِجَ عَلَى أَسْرَارِ الْمِلَّةِ، وَيَقِفُونَهُمْ عَلَى سِيَاسَةِ الْأُمَّةِ كَمَا فَعَلَ وَيَفْعَلُ الْمُنَافِقُونَ وَمَرْضَى الْقُلُوبِ فِيكُمْ. فَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (3: 118) عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ ظُهُورِ هَؤُلَاءِ الْمُجَاهِدِينَ الصَّادِقِينَ، وَتَمَيُّزِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَضُعَفَاءِ الْإِيمَانِ بِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِمْ؛ لِأَنَّ عَدَمَ عِلْمِهِ تَعَالَى بِالشَّيْءِ بُرْهَانٌ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِهِ

أَوْ وُجُودِهِ، وَلَا يُوجِدُ هَؤُلَاءِ مُمْتَازِينَ ظَاهِرِينَ إِلَّا بِمَا مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي الِاجْتِمَاعِ مِنَ الِابْتِلَاءِ بِالشَّدَائِدِ كَمَا قَالَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (29: 1 - 3) .

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَدْ تَوَدَّدَ إِلَى مُشْرِكِي مَكَّةَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ كِتَابًا يُخْبِرُهُمْ بِهِ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ قِتَالِهِمْ بَعْدَ نَقْضِهِمْ لِعَهْدِهِ الَّذِي كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، لِيُكَافِئُوهُ عَلَى ذَلِكَ بِعَدَمِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى مَا كَانَ لَهُ لَدَيْهِمْ فِي مَكَّةَ مَنْ أَهْلٍ وَمَالٍ، فَمَا الْقَوْلُ فِي الْمُنَافِقِينَ وَمَنْ دُونَ مِثْلِ حَاطِبٍ مِنْ ضُعَفَاءَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ مَا فَشَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْعَهْدِ مِنْ كَرَاهَةِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ كُلُّ سَبَبِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَرَاهَةِ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْقِتَالِ بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، بَلْ كَانَ مِنْ أَسْبَابِهِ دَسَائِسُ يُلْقِيهَا الْمُشْرِكُونَ إِلَى أَصْدِقَاءٍ لَهُمْ أَوْ أُولِي قُرْبَى مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَضُعَفَاءِ الْإِيمَانِ. حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ خِطَابٌ لَهُمْ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْخِطَابَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ، ذَكَّرَ بِهِ الْغَافِلَ، وَأَنْذَرَ بِهِ الْمُنَافِقَ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَّخِذُ وَلَيَّهُ مِنْ أَعْدَائِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ مِنْهُمْ، بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّفْيُ بـ " لَمَّا " الدَّالُّ عَلَى تَوَقُّعِ الْمَنْفِيِّ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ، وَأَكَّدَ هَذَا الْإِخْبَارَ وَالْإِنْذَارَ بِقَوْلِهِ: وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ أَيْ: عَالِمٌ بِخَفَايَا مَا تَعْمَلُونَ الْآنَ وَبَعْدَ الْآنِ مُحِيطٌ بِدَقَائِقِهِ، وَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُهُ بِأَنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ الَّذِي يَشُقُّ عَلَى الْأَنْفُسِ هُوَ الَّذِي يُمَحِّصُ مَا فِي الْقُلُوبِ، وَيُطَهِّرُ السَّرَائِرَ، وَيُزَكِّي الْأَنْفُسَ بِقَدْرِ اسْتِعْدَادِ

ص: 183

مَعْدِنِهَا، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُبْرِزُ السَّرَائِرَ الْخَبِيثَةَ، وَيُظْهِرُ سُوءَ مَعْدِنِهَا، وَ " الْوَاوُ " فِي الْجُمْلَةِ حَالِيَّةٌ أَيْ أَحَسِبْتُمْ وَظَنَنْتُمْ أَنَّ تُتْرَكُوا قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ هَذَا التَّمْحِيصُ وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي جِهَادِهِمْ وَالْكَاذِبِينَ مِنْ فَاسِدِي السَّرِيرَةِ، وَمُتَّخِذِي الْوَلِيجَةِ، وَهُوَ إِلَى الْآنَ لَمْ يَعْلَمْ هَؤُلَاءِ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَمَيَّزُوا مِنْ غَيْرِهِمْ بِالْفِعْلِ،

وَأَنَّ مَا لَا يَعْلَمُهُ اللهُ هُوَ الَّذِي لَا وُجُودَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَكَيْفَ ذَلِكَ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.

فَهَذِهِ الْآيَاتُ بِمَعْنَى آيَاتِ أَوَّلِ سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ وَآيَتَيِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ اللَّتَيْنِ أَشَرْنَا إِلَيْهِمَا وَإِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِهِمَا، فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَى مَا فِيهِمَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْعِبْرَةِ وَالْمُوَازَنَةِ بَيْنَ مُسْلِمِي عَصْرِنَا، وَمُسْلِمِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ. وَقَدْ ثَبَتَ بِالِاخْتِبَارِ أَنَّ لِلْحُرُوبِ - عَلَى مَا يَكُونُ فِيهَا مِنَ الْعُدْوَانِ وَالشُّرُورِ - فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ فِي تَرْقِيَةِ الْأُمَمِ، وَرَفْعِ شَأْنِهَا بِقَدْرِ اسْتِعْدَادِهَا، وَنَاهِيكَ بِالْحَرْبِ إِذَا الْتُزِمَ فِيهَا مَا قَرَّرَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ إِحْقَاقِ الْحَقِّ وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ، وَمُرَاعَاةِ قَوَاعِدِ الْعَدْلِ وَالْفَضِيلَةِ. كَاحْتِرَامِ الْعُهُودِ، وَتَحْرِيمِ الْخِيَانَةِ، وَتَقْدِيرِ الضَّرُورَةِ فِيهَا بِقَدْرِهَا، وَوَضْعِ كُلٍّ مِنَ الشِّدَّةِ وَالرَّحْمَةِ فِي مَوْضِعِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَآيَاتِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ قَبْلَهَا، وَكَذَا آيَاتِ الْقِتَالِ مِنْ سُورَتَيِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ الْأَوَّلُونَ فِي جَمِيعِ حُرُوبِهِمْ عَلَى تَفَاوُتٍ بَيْنَ سَلَفِهِمْ وَخَلَفِهِمْ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُمْ بِذَلِكَ عُلَمَاءُ التَّارِيخِ وَالِاجْتِمَاعِ مِنَ الْإِفْرِنْجِ الْمُنْصِفِينَ عَلَى قِلَّتِهِمْ، حَتَّى قَالَ حَكِيمٌ كَبِيرٌ مِنْهُمْ: مَا عَرَفَ التَّارِيخُ فَاتِحًا أَعْدَلَ وَلَا أَرْحَمَ مِنَ الْعَرَبِ.

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ

لِلتَّنَاسُبِ وَالِاتِّصَالِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ (وَمَا بَعَدَهُمَا إِلَى الْآيَةِ 22) وَمَا قَبْلَهُمَا وَجْهٌ

ص: 184

وَجِيهٌ وَاضِحٌ وَإِنْ غَفَلَ عَنْهُ الرَّازِيُّ وَأَبُو السُّعُودِ وَأَمْثَالُهُمَا مِمَّنْ يَعْنُونَ بِالْغَوْصِ عَلَى التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْآيَاتِ، وَهَاكَ بَيَانُهُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (3: 69) وَقَالَ: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (2: 125) وَقَصَّ عَلَيْنَا تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ خَبَرَ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ لِهَذَا الْبَيْتِ، وَمَا كَانَا يَدْعُوَانِ بِهِ عِنْدَ رَفْعِ قَوَاعِدِهِ مِنْ جَعْلِهِمَا مُسْلِمَيْنِ لَهُ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَهُ، وَبَعْثِ رَسُولٍ مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ، وَقَدِ اسْتَجَابَ اللهُ تَعَالَى دُعَاءَهُمَا كُلَّهُ فَكَانَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أُمَّةً مُسْلِمَةً مُوَحِّدَةً لَهُ تَعَالَى تُقِيمُ دِينَهُ فِي بَيْتِهِ وَفِي غَيْرِهِ كَمَا أَمَرَ، ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَطَرَأَتْ عَلَيْهِمُ الْوَثَنِيَّةُ، وَتَرَكَ جَمَاهِيرُهُمْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةَ، حَتَّى بَعَثَ فِيهِمْ مِنْهُمْ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ، تَكْمِلَةً لِدَعْوَةِ جَدِّهِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَاوَمَ الْمُشْرِكُونَ دَعَوْتَهُ، وَصَدُّوهُ وَمَنْ آمَنَ بِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ بِجِوَارِهِ، ثُمَّ مَا زَالُوا يُقَاتِلُونَهُمْ فِي دَارِ هِجْرَتِهِمْ إِلَى أَنْ صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَمَكَّنَهُمْ مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ، وَأَدَالَ لِلتَّوْحِيدِ مِنَ الشِّرْكِ، وَلِلْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ.

فِلَمَّا زَالَتْ وِلَايَةُ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَطَهَّرَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الْأَصْنَامِ، بَقِيَ أَنْ يُطَهِّرَهُ مِنَ الْعِبَادَةِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَأْتُونَهَا فِيهِ، وَأَنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الْوَجْهَ فِي كَوْنِ الْمُسْلِمِينَ أَحَقَّ بِهِمْ، فَلَمَّا آذَنَهُمْ بِنَبْذِ عُهُودِهِمْ، وَأَمَرَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَنْ يَتْلُوَ أَوَائِلَ سُورَةِ (بَرَاءَةٌ) عَلَى مَسَامِعِ وُفُودِهِمْ فِي يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، كَانَ مِنْ مَقَاصِدِ هَذَا الْبَلَاغِ الْعَامِّ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَتَهُمُ الشِّرْكِيَّةَ سَتُمْنَعُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامِ بِالتَّبَعِ لِزَوَالِ وِلَايَتِهِمُ الْعَارِضَةِ عَلَيْهِ، فَكَانَ عَلِيٌّ وَأَعْوَانُهُ يُنَادُونَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى: لَا يَحُجُّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. وَإِنَّمَا أَمْهَلَهُمْ إِلَى مَوْسِمِ

السَّنَةِ التَّالِيَةِ لِفَتْحِ مَكَّةَ لِسَبَبَيْنِ فِيمَا يَظْهَرُ: (أَحَدِهِمَا) أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَصْحَابُ عَهْدٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ، كَانَ مِنْ شُرُوطِهِ أَلَّا يُمْنَعَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَحَدٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ مِنْ أَهَمِّ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فَأَمْهَلَهُمْ إِلَى انْقِضَاءِ عُهُودِهِمْ بِنَبْذِ مَا جَازَ نَبْذُهُ، وَإِتْمَامِ مَا وَجَبَ إِتْمَامُهُ، وَلَمْ يَكُنْ إِعْلَامُهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا فِي مَوْسِمِ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى:(وَثَانِيهِمَا) أَنَّهُ كَانَ يَتَعَذَّرُ مَنْعُ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُمْ فِي مَوْسِمَيِ الْعَامَيْنِ الثَّامِنِ وَالتَّاسِعِ بِدُونِ قِتَالٍ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِمُقْتَضَى التَّقَالِيدِ يَأْتُونَ لِلْحَجِّ مِنْ كُلِّ فَجٍّ وَهُمْ كَثِيرُونَ، وَلَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمُشْرِكِ وَالْمُسْلِمِ، وَلَا الْمُعَاهِدِ وَغَيْرِ الْمُعَاهِدِ إِلَّا بَعْدَ وُصُولِهِمْ إِلَى الْبَيْتِ، وَشُرُوعِهِمْ فِي الطَّوَافِ فِيهِ، فَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى مَنْعِ الْمُشْرِكِ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ قِتَالٍ فِيهِ فَضْلًا عَنْ سَائِرِ الْحَرَمِ - وَالْقِتَالُ مُحَرَّمٌ فِيهِ؟ وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّهَا أُحِلَّتْ لَهُ سَاعَةً مِنْ

ص: 185

نَهَارٍ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ؟ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْعَ عِبَادَةِ الشِّرْكِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِبْطَالَ مَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَدَّعُونَهُ وَيَفْخَرُونَ بِهِ مَنْ حَقِّ عِمَارَتِهِ الْحِسِّيَّةِ وَإِيئَاسِهِمْ مِنَ الِاشْتِرَاكِ فِيهَا، كَانَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ نَبْذِ عُهُودِهِمْ، وَمِنَ الْعَدْلِ الْوَاجِبِ فِي الْإِسْلَامِ إِعْلَامُهُمْ بِذَلِكَ قَبْلَ تَنْفِيذِهِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ يَكْفِي لِعِلْمِ الْجَمَاهِيرِ مِنْهُمْ بِهِ، وَهَذَا الْمَنْعُ هُوَ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَاتَانِ الْآيَتَانِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَفَسَّرَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْجِهَةِ الْخَاصَّةِ، فَحَسُنَ أَنْ يُوضَعَ هُوَ وَمَا يَتْلُوهُ بَعْدَ آيَاتِ ذَلِكَ النَّبْذِ وَالْأَذَانِ، وَمَا تَلَاهُ مِنَ التَّهْدِيدِ بِالْقِتَالِ بَعْدَ عَوْدِ حَالَتِهِ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعُهُودِ. وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ بِقِسْمَيْهِ السَّلْبِيِّ وَالْإِيجَابِيِّ وَسَيَأْتِي النَّهْيُ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِنَ الْقُرْبِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَيْضًا فِي الْآيَةِ (28) قَالَ تَعَالَى: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ النَّفْيُ فِي مِثْلِ هَذَا التَّعْبِيرِ يُسَمَّى نَفْيَ الشَّأْنِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي نَظَائِرِهِ مَعَ بَيَانِ أَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ نَفْيِ الْفِعْلِ طَبْعًا أَوْ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ نَفْيٌ لَهُ بِالدَّلِيلِ، وَالْمَسَاجِدُ: جَمْعُ مَسْجِدٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَكَانُ السُّجُودِ، وَقَدْ

صَارَ اسْمًا لِلْبُيُوتِ الَّتِي يُعْبَدُ فِيهَا اللهُ تَعَالَى وَحْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا (72: 18) قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ وَابْنُ كَثِيرٍ (مَسْجِدَ اللهِ) بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَابْنِ جُبَيْرٍ وَهُمْ أَكْبَرُ مُفَسِّرِي السَّلَفِ، وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ وَآخَرُونَ (مَسَاجِدَ اللهِ) بِالْجَمْعِ. وَالْمُتَبَادَرُ مِنَ الْإِفْرَادِ إِرَادَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ الْمُفْرَدُ الْعَلَمُ الْأَكْمَلُ الْأَفْضَلُ مِنَ الْمَسَاجِدِ وَكُلُّهَا لِلَّهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُفْرَدُ الْمُضَافُ يُفِيدُ الْعُمُومَ فِي الْأَصْلِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْمَسَاجِدِ جِنْسُهَا الَّذِي يَصْدُقُ بِأَيِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا، كَمَا يَقُولُونَ: فُلَانٌ يَخْدِمُ الْمُلُوكَ وَإِنْ لَمْ يَخْدِمْ إِلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَفُلَانٌ يَرْكَبُ الْبَرَاذِينَ أَوِ الْحَمِيرَ وَإِنْ لَمْ يَرْكَبْ إِلَّا وَاحِدًا مِنْهَا، وَمِنْهُ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا (16: 8) عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَمْعِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَيْضًا وَعَلَّلُوهُ بِقَوْلِ الْحَسَنِ: إِنَّمَا قَالَ: (مَسَاجِدَ) ؛ لِأَنَّهُ قِبْلَةُ الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرَكِيكٌ، وَيَقْتَضِي أَنَّ النَّفْيَ وَمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْمَنْعِ خَاصٌّ بِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ إِجْمَاعًا. وَتَفْسِيرُهُ الْمُفْرَدَ بِالْجَمْعِ لِإِفَادَتِهِ الْعُمُومَ بِالْإِضَافَةِ أَصَحُّ لَفْظًا وَمَعْنًى لَوْلَا أَنَّهُمَا تَكْرَارٌ لَا تَظْهَرُ لَهُ فَائِدَةٌ: فَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْقِرَاءَتَيْنِ مَقْصُودٌ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْمُفْرَدِ مَعَ الْجَمْعِ التَّنْوِيهُ بِمَكَانَتِهِ، وَكَوْنِهِ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَسَبَبَ الْقِتَالِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ.

وَعِمَارَةُ الْمَسْجِدِ فِي اللُّغَةِ لُزُومُهُ، وَالْإِقَامَةُ فِيهِ لِلْعِبَادَةِ، أَوْ لِخِدْمَتِهِ بِالتَّرْمِيمِ وَالتَّنْظِيفِ وَنَحْوِهِمَا، وَعِبَادَةُ اللهِ فِيهِ، وَزِيَارَتُهُ لِلْعِبَادَةِ، وَمِنْهَا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، قَالَ فِي اللِّسَانِ: عَمَرَ الرَّجُلُ مَالَهُ وَبَيْتَهُ يَعْمُرُهُ (بِالضَّمِّ) عِمَارَةً وَعُمُورًا وَعُمْرَانًا لَزِمَهُ. . . . يُقَالُ لِسَاكِنِ الدَّارِ: عَامِرٌ وَالْجَمْعُ عُمَّارٌ (وَهُنَا ذَكَرَ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ وَمَا رُوِيَ فِي تَفْسِيرِهِ وَقَالَ: وَالْمَعْمُورُ الْمَخْدُومُ) ثُمَّ ذَكَرَ:

ص: 186