الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأيًّا ما كان، فإنه يستلزم الحمد الفعلي، وهو فعل يقوم في الدلالة على
الحمد النفسي مقامَ الحمد القولي كالتعظيم. ويستلزم أيضًا الحمدَ الحاليَّ، وهو كون الشيء على حال تدل على الحمد. وما من موجود إلا وهو على حال تنبئ عن حمد الله تعالى. وقد قيل: إن هذا معنى قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44]. وسيأتي تمام هذا إن شاء الله تعالى.
و
اللام في {لِلَّهِ} للاستحقاق
، والجملة تفيد القصر، كما تقرر في علم المعاني. والتقدير: الحمد أي كل حمد أو جميع المحامد مستحَقٌّ لله دون غيره. وعبارة ابن جرير
(1)
: " {الْحَمْدُ لِلَّهِ} أي الشكر خالصًا لله جل ثناؤه، دون سائر ما يُعبد من دونه، ودون كل ما يرى (لعله: برأ)
(2)
من خلقه".
والحاصل أن الجملة مع إثباتها استحقاقَ الحمد لله عز وجل تنفي أن يكون لغيره دونه أو معه.
ثم أقام الله تعالى الحجة على ذلك بقوله:
"
{رَبِّ الْعَالَمِينَ}
و"الرَّبُّ" هنا بمعنى المالك المدبِّر التدبيرَ التامَّ، لا كما يرى أحدنا شجرةً يغرسها أو سَخْلةً ينتجها، فإنَّ أحدنا عاجز عن تمام التربية، إذ لا يعلم بكل ما يصلح للتربية، ولا يقدر على كل ما يعلم. والله عز وجل هو اللطيف الخبير الملك القدير.
(1)
في "تفسيره"(1/ 135).
(2)
هو الصواب، و"يرى" تصحيف.
و"العالمين": جمع أو اسم جمع لِعالَم
(1)
. وجاء عن بعض السلف أنَّ المراد بهم الإنس، على أنَّ كل صنف منهم عالَم، وكل قَرْن منهم عالَم.
وعن جماعة من السلف قالوا: الجنُّ والإنس، على نحو ما تقدَّم.
وقال غيرهم: الجنّ والإنس والملائكة.
وقال آخرون: بل كلُّ صنفٍ من أصناف الخلق.
أخرج ابن جريرُ
(2)
عن ابن عباس قال: "الحمد لله الذي له الخلقُ كلُّه: السماواتُ كلهن ومن فيهن، والأرض كلهن ومن فيهن، وما بينهنَّ مما يُعلَم ومما لا يُعلم".
وهذا هو الظاهر المناسب للسياق، كما لا يخفى.
وإذ كان سبحانه وتعالى هو ربَّ العالمين، فإنَّ كل حمد يقع في العالمين فهو سبحانه وتعالى المستحقُّ له. فإذا كان مثلًا يُحمد العسلُ لحلاوتِه ونفعِه وغير ذلك، فالمستحقُّ للحمد هو الذي خلَقَه وهيَّأه وأقدرَه ويسَّرَه.
وهاهنا إشكالان
(3)
:
الأول: أن يقال: قد أثنى الله تبارك وتعالى على بعض خلقه، وأمرهم بالثناء على بعضهم، وكان الأنبياءُ يثنون على بعض الخلق؛ فإذا كان لا
(1)
"روح المعاني"(1/ 81).
(2)
في "تفسيره"(1/ 144) وانظر الأقوال السابقة فيه، وفي "زاد المسير"(1/ 12) وغيرهما.
(3)
وسيذكر إشكالًا ثالثًا ويجيب عنه.
يستحقُّ شيئًا من الحمد إلا اللهُ عز وجل لزم أن يكون ذلك الثناءُ باطلًا؛ لأنه حمدٌ لمن
لا يستحقُّه.
وقد ظهر لي جوابان:
الأول: أن يقال: إن الثناء على المخلوق هو في الحقيقة ثناء على الخالق، كما أنَّ الثناء على العسل بالحلاوة والنفع ونحو ذلك هو في الحقيقة ثناءٌ على الخالق الذي جعله كذلك. أو لا ترى أنَّ الثناء على الخط بالحسن والإتقان إنما هو ثناء على كاتبه؟ فكذلك الثناء على الكاتب إنما هو ثناء على ربِّه الذي خلقه ويسَّره وعلَّمه وأقدَره.
هذا حكم الثناء في ذاته. فأما الأجر والثواب فإنه يتوقف على النية وموافقة الشرع. فلا يُعَدُّ الثناءُ على الكاتب بحسن الخطِّ وجودته ثناءً على الله عز وجل باعتبار الأجر والثواب إلا أن ينوي المُثْني ذلك ويشير إليه. فلا يُشكِلْ عليك هذا!
وقد قال بعض المدققين: إن عبادة المشركين لآلهتهم هي في الحقيقة عبادة لله. ووجهه ما سمعت، فإنَّ العبادة داخلة في الحمد، وليس المراد أن حكمها حكم عبادة الله، بل هي في الحكم عبادةٌ لغير الله وشركٌ، فلا تغفلْ.
هذا، والتحقيق في عبادة غير الله عز وجل الاكتفاءُ بأنها حمدٌ لغير مستحقه، فهي باطلة البتة. ولا حاجة للتعمق، فإنَّ معنى "الحمدُ لله": الحمد مستحَقٌّ لله، لا أنه لا يقع إلا لله.
الجواب الثاني: أن المراد بالاستحقاق الاستحقاق الذاتي. فالذي يستحق أن يُحمَد استحقاقًا ذاتيًّا هو الله عز وجل وحده، ولكنه سبحانه
وتعالى قد يجعل لبعض خلقه حقًّا في أن يُحمَد، فيُثني هو سبحانه عليه أو يأمر بحمده أو
يأذَن فيه.
فإن قيل: فهل يجعل الله تبارك وتعالى الحقَّ لغير المستحق؟
قلت: أما على إثبات الحكمة، فالجواب أن الله تبارك وتعالى إنما يجعل لبعض خلقه حقًّا في أن يُحمد إذا اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يجعل له ذلك، واقتضاء الحكمة لا أسمِّيه استحقاقًا.
فإن أبيتَ إلا أن تسمِّيه فهو استحقاق لأن يجعل له حقًّا أن يُحمد. وليس ذلك باستحقاق لأن يُحمد، وإنما يستحق أن يُحمد بجعل الله عز وجل له حقًّا؛ على أنَّ الاقتضاءَ التامَّ لا يتخلَّف عن الجعل.
وهذا كما تقول في التحريم مثلًا: إن الله تبارك وتعالى إنما حرَّم لحم الخنزير لاقتضاء حكمته تحريمَه، وإن اقتضاء الحكمة ليس هو نفسُه موجِبًا للحرمة، وإنما هو مقتضٍ لأن يحرِّمه الله، فلا يكون حرامًا حتى يحرِّمه الله عز وجل. ثم تقول: إنه إذا تمَّ اقتضاءُ الحكمة للتحريم، فلابد أن يقع التحريم.
ثم اختلف القائلون بهذا، فزعم بعض الناس أن الإنسان قد يدرك بعقله تمامَ اقتضاء الحكمة لتحريم شيء مثلًا، فيَعلم بذلك حكمَ الله تعالى بتحريمه، فيكون حرامًا عليه، لا لمجرد اقتضاء الحكمة، بل لقيام البرهان على أن الله تعالى حرَّمه.
وأهل الحق على خلاف هذا القول، لقول الله عز وجل:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] وغيرها من الأدلة. ووجه ذلك أن العقل البشري لا يتهيأ له إدراكُ تمامِ اقتضاء الحكمة، ولكننا نقول: إذا تمَّ
اقتضاءُ الحكمة لتحريم شيء، فإن الله تبارك وتعالى يحرِّمه بواسطة رسوله، وقدرةُ الله
تبارك وتعالى محيطة، وتدبيرُه شامل. فلمَّا تمَّ اقتضاءُ الحكمة لتحريم الخمر حرَّمها الله تعالى بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
واختلفت الحكمة باختلاف الناس، فمن كان من الناس بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد تمَّ اقتضاءُ الحكمة تحريمَها عليهم حين إنزال التحريم. ومن كان في بيته فإنما تمَّ اقتضاءُ التحريم عليه حين يسَّر الله تعالى بلوغَ الخبر إليه، وهكذا.
فإن قلتَ: فالأحكام التي لا يُعذَر بجهلها؟
قلتُ: الذي لا يُعذَر بالجهل لابدّ أن يكون مقصِّرًا، فتعلقُ الأحكام به يكون عند ثبوت تقصيره؛ على أن التحقيق أن عقوبته إنما هي على تقصيره وإن اعتبرت بغيرها. كما أقوله في السكران إذا أُخِذ بمعاصي ارتكبها حالَ زوالِ عقله بسكره: أن مؤاخذته بذلك هي في الحقيقة عقوبةٌ على تناوله المسكِر. فإنَّ عقوبةَ الذنب تزداد بازدياد ما ترتَّب عليه من الفساد. ولإيضاح هذا موضع آخر، والله أعلم.
الإشكال الثاني: أن يقال: نفيُ استحقاقِ المخلوق للحمد الذاتي البتة إنما يتخرَّج على قول المجبرة الذين يقولون: ليس للإنسان فعل ولا اختيار، وإنما الله تعالى هو الذي يحرِّكه ويسكِّنه ويتصرَّف فيه كما يشاء، لا فرق بينه وبين الجماد في ذلك.
والجواب ــ بعون الله وله الحمد ــ: أنَّ الله تبارك وتعالى إنما خلق الخلقَ لعبادته. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وهم
وأجسامهم وقواهم وأموالهم وكل شيء لهم مِلكُه. ووجودهم وأجسامهم وأرواحهم وعقولهم وأسماعهم وأبصارهم وغير ذلك نعمةٌ عليهم منه سبحانه
وتعالى. وكذلك هدايتُه لهم وتيسيرُه إياهم للخير وغيرُ ذلك نعمةٌ منه عليهم. قال تعالى: [ل 57/ب]{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18].
ثم وعدهم سبحانه من الثواب بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وتوعَّدهم من العقاب بما لا يكاد أحدهم يقوَى على تصوُّرِ وصفه، فضلًا عن مشاهدته، فكيف بالوقوع فيه، فكيف بالخلود.
فلما كانوا مِلكًا له، وإنما خلقهم لعبادته، فالمحمود من أعمالهم هو ما كان عبادةً لربِّهم عز وجل. وعبادتُهم لربهم لا تفي بأداء ما عليهم من شكر نعمه، ومع ذلك فإنهم يعملونها راجين عليها الثوابَ، خائفين من العقاب أو النقصان. ولا تلتفِتْ إلى تنطُّعاتِ بعض المتصوفة!
وإذا كان الأمر كذلك، فالمؤدِّي ما عليه طامعًا بالثواب العظيم على فعله، خائفًا من العقاب أو النقصان إن لم يفعله= لا يستحقُّ استحقاقًا ذاتيًّا أن يُحمد، ولكن الله تبارك كما تفضَّل على الخلق بخلقهم، وتفضَّل عليهم بما لا يُحصَى من النعم التي منها: هدايةُ من هداه منهم، وتوفيقه وتيسيره للعمل الصالح؛ تفضَّلَ عليهم بأن أثنى عليهم، وأمر أو أذِن بحمدهم. فله الحمد في الأولى والآخرة.
الإشكال الثالث: أن يقال: إذا كان كلُّ شيءٍ محمودٍ في العالم إنما يستحقُّ الحمدَ عليه استحقاقًا ذاتيًّا اللهُ عز وجل؛ لأنه ربُّ العالمين ومالكُهم ومدبِّرُهم، فإنَّ الشيطان يلقي في أنفسنا السؤال عن الذمِّ، فهل عندك من بيانٍ دامغٍ لوسوسته؟
والجواب بتوفيق الله تبارك وتعالى: أنَّ الله تبارك وتعالى ربُّ العالمين، وهو العليّ القدير الحكيم العليم، فلا يقع في العالم حركةٌ ولا سكون إلا والحكمةُ اقتضت أن يقع، حتى الفواحش التي يبغضها الله عز وجل ويعذِّب عليها، لولا أن الحكمة اقتضت أن تقع لما وقعَتْ. وقد أوضحتُ هذا في (الفرائد)
(1)
.
ولْنقرِّبْ ذلك بمثال، فنقول: إذا علم الحاكم من إنسان أنه خائن، ثم أراد أن يجازيه بما يستحقُّ، ولم تكن قد ظهرت خيانته ظهورًا يقف عليه الأشهاد فيعرفوا استحقاقه العقوبةَ، فرأى الحاكم أن يقيم شهودًا من حيث لا يعلم الرجل، ويأتمنه على شيء يريد لذلك أن يخون، فتظهر خيانته، ويعرف الأشهاد استحقاقَه للعقاب. ألا ترى فعل الحاكم هذا، وهو تعريضُه الرجلَ للخيانة وتمكينه له منها فعلًا تقتضيه الحكمة؟ أَوَلا ترى أنَّ وقوعَ الخيانة من الرجل أوفقُ لمقتضى الحكمة، وأنَّ ذلك لا ينافي أن تكون تلك الخيانةُ بالنظر إلى ذلك الخائن قبيحةً يستحقُّ أن يعاقب عليها؟
فتدبَّرْ وأمعِنْ النظرَ يتبيَّنْ لك إن شاء الله أنَّ جميع الحركات والسكنات التي تقع في العالم إنما تقع على مقتضى الحكمة، فهي بالنظر إلى تعلُّقِها بخلق الله عز وجل وتمكينِه وقضائه وقدرِه محمودةٌ لا يلصق بها الذمُّ البتة، وإنما يعلَق الذمُّ ما يعلَقه منها من جهة الخلق. ولا بدع أن يخفى على الإنسان وجهُ الحكمة في أمور كثيرة، فأين علمه من علمِ عالمِ الغيب والشهادة اللطيفِ الخبير! وأين حكمته من حكمة أحكمِ الحاكمين!
(1)
قوله: "وقد أوضحت
…
الفرائد" أضافه المؤلف فيما بعد، ولكن لم نجد في المخطوط شيئًا من الفرائد التي أحال عليها.
وبهذا يتبيَّن أنَّ لله الحمدَ على كلِّ شيء، وفي كلِّ حال. وأنَّ المسلم إذا أصابته مصيبة، فقال: الحمد لله على كل حال، فليس ذلك من باب قول العامة:"يدٌ ما تقدِرُ على كسرها قبِّلْها"
(1)
، وإنما هو من باب العلم أن كل ما يقع فعلى مقتضى حكمة الله تعالى وَقَع، وأنه من تلك الجهة محمودٌ ينبغي حمدُ الله تعالى عليه. وقد قال تعالى:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44].
وقال بعضُ السلف في حق الكفار: "إنهم يدخلون النار وحمدُ الله في قلوبهم"، وذلك لأنه انكشف لهم أنَّ دخولهم النار هو الذي تقتضيه الحكمة والعدل المحض. ولولا الطمع في الرحمة وعدم الصبر على الألم لرضُوا بمقامهم في النار.
ولولا انكشافُ الحقيقة لأهل الجنة لما طاب لهم عيش، وأقاربُهم في النار، بل ولا غيرُ أقاربهم؛ فإنَّ نفوسَ أهل الجنة بغاية الطهارة، فما بالهم كما قال الله عز وجل:{فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المطففين: 34 ــ 36]. إنما ذلك لأنه انكشف لهم حقيقة الأمر، وهي أنَّ تعذيبَ الكفار هو الأمر المطابق للحكمة، الموافق للعدل، الذي تفرح النفوس الطاهرة بوقوعه.
وقد يقع شيء من ذلك في الدنيا، فإنك لو رأيت أخاك وأحبَّ الناس إليك أخذ يتعدَّى على الضعفاء والأرامل والأيتام، وأكثر من ذلك، ولم يُصغِ إلى لوم لائم، حتى تعدَّى على بعض الضعفاء [ل 58/أ] فاغتصبَه حليلتَه،
(1)
ورد في "الأمثال المولدة" للخوارزمي (124) بلفظ: "يدٌ لا يمكنك قطعُها قبِّلْها".
وعلى بعض اليتامى فذبحه كما تُذبح الشاة، وغير ذلك من القبائح التي
تعقل النفوس قبحَها، ثم رأيت بعد ذلك كلِّه الحاكمَ قد أخذ أخاك، وأمر بعقوبته= فإنك إن كان في قلبك حبٌّ للحق وفرحٌ بالخير تفرَحْ بعقاب أخيك، وتلتذَّ به.
هذا مع تراكمِ الحجب في الدنيا، وخفاءِ الحقائق، ودنسِ النفوس. فما بالك بأهل الجنة الذين هُذِّبوا ونُقُّوا! والظاهر أن تمام الطهارة وانكشاف الحقائق إنما يقع بعد دخول الجنة. وعلى هذا فمن فضل الله تعالى ورحمته أن أذن للمؤمنين في الشفاعة قبل دخولهم الجنة كما في الأحاديث الصحيحة المفسرة.
وانظر الحديث الصحيح: "يَلقَى إبراهيمُ أباه، فيقول: يا ربِّ إنَّك وعدتَني أن لا تُخزيني يومَ يُبعثون، وأيُّ خزيٍ أخزَى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرَّمتُ الجنة على الكافرين. ثم يقال لإبراهيم: ما تحت رجليك؟ انظر. فينظر، فإذا هو بذِيخٍ مُتلطِّخٍ، فيؤخَذ بقوائمه، فيُلْقَى في النار".
هكذا في "صحيح البخاري"
(1)
. وثبت في الروايات الصحاح عند غيره: "فينظر، فإذا ذيخٌ متلطخٌ في نتنه"
(2)
.
وفي أخرى: "فيمسخ الله أباه ضبعًا، فيأخذ بأنفه، فيقول: يا عبدي، أبوك هو؟ فيقول: لا، وعزَّتك! ".
(1)
برقم (3350).
(2)
كذا في الأصل. ومصدر المؤلف: فتح الباري، كما سيأتي. وفيه:"فإذا ذيخ يتمرَّغ في نتنه". وهو ما ورد في "السنن الكبرى" للنسائي (11375). وانظر: "تغليق التعليق"(4/ 274).
وفي أخرى: "فإذا رآه كذا تبرَّأ منه، قال: لست أبي".
راجع "فتح الباري" في تفسير سورة الشعراء، باب {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} [الشعراء: 87]
(1)
.
وتأويل الحديث أنَّ الله تبارك وتعالى يكشف لخليله إبراهيم عليه السلام عن حقيقة حال آزر، فإذا انكشفت له علِمَ أنه لا يصلح إلا للنار، ولا يصلح لإبراهيم إلا أن يرضى له بها ويبالغ في البراءة منه.
وقول إبراهيم ــ وقد قيل: أبوك هو؟ ــ: "لا وعزتك"، وفي الرواية الأخرى:"لستَ أبي"= إنما هو ــ والله أعلم ــ مبالغة في البراءة منه، كما يقول الرجل لابنه الذي أكثَرَ من مخالفته وعصيانه: لستَ ابني. والله أعلم.
وبقية الكلام على هذا الحديث لها موضع آخر.
وفي قوله تعالى: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ردٌّ على المشركين الذين يزعمون أنَّ لمعبوداتهم تدبيرًا غيبيًّا فوَّضه الله تعالى إليها. فبيَّن سبحانه أن الربوبية والتدبير له وحده.
وبيان ذلك أن التصرفات التي تقع في الكون على وجهين:
الأول: ما يكون بمجرد أمر الله عز وجل.
الثاني: ما يكون على يد مخلوق من خلقه.
وانفرادُه سبحانه بالأول ظاهر. وأما الثاني فهو إما غيبي، وإما عادي.
(1)
"فتح الباري"(8/ 500).
والمراد بالغيبي ما هو خارج عن الحسِّ والمشاهدة، ومنه: تصرُّف الملائكة.
وقد بيَّن الله عز وجل بآيات أخر أنه بيده، وأن الملائكة إنما يتصرفون بأمره، فلا شأن لهواهم وإرادتهم فيه، على أنَّ هواهم وإرادتهم طاعةُ خالقهم وتنفيذُ أمره ومحبتُه وتعظيمُه ومحبةُ من يوحِّده، وبغضُ من يدعو غيره حتى من يدعوهم وعبادتهم.
وقوله سبحانه: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ} الآية من باب الفرض؛ كقوله تعالى لرسوله: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 64 ــ 65].
وقال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 49 ــ 50].
وأكثر المشركين يتوهمون أن حال الملائكة كحال البشر في تصرُّفهم باختيارهم ظاهرًا وبهواهم ورغبتهم، ولذلك يزعمون أنه يقع منهم الطاعة والعصيان، وأنهم يتغالبون ويتحاربون، ويتسالبون ويتناهبون وغير ذلك. ثم
يبنُون على هذا أنه كما أنَّ للناس أن يستعين بعضها بعضًا، ويسأل بعضهم
بعضًا، ويعظِّم بعضهم بعضًا، لأجل ما أوتوه من الاختيار في النفع والضرّ؛ فدعاؤهم الملائكة سائغ من باب أولى؛ لأنهم على كل حال أعلى من البشر وأعظم قدرة.
وقد أبطل الله تعالى ذلك بما مضى وبقوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] على ما حققته في "رسالة العبادة"
(1)
.
والفرق بين البشر والملائكة واضح. وهو أنَّ البشر في دور الابتلاء ليظهر من يطيع منهم ممن يعصي. وذلك يتوقف على التمكين والاختيار، فلذلك جعله الله تعالى لهم. والملائكة في دور الطاعة المحضة والعبادة الخالصة، إلى غير ذلك من الفروق، كما أوضحته في "رسالة العبادة"
(2)
.
أما مشركو العرب فكانوا يعترفون بأنَّ التدبير الغيبي لله وحده. وإنما يثبتون للملائكة الشفاعة ويعبدونهم لأجلها. قال الله عز وجل: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 31 ــ 32].
وقال سبحانه: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ
(1)
رسالة "العبادة"(ص 348 - 361، 518 - 521).
(2)
رسالة "العبادة"(ص 520، 789 - 794).
الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ
شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 84 ــ 89].
في آيات أخر قد ذكرتُ طائفةً منها، ونبَّهتُ على الباقي في "رسالة العبادة"
(1)
. وبعد اعترافهم بما ذكر كانوا يفرُّون إلى {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، فأبطل الله تعالى ما يتوهَّمونه من الشفاعة، وبيَّن أنَّ ما هو حقٌّ منها لا يقتضي أن يدعوا من دونه، وتمام هذا في "رسالة العبادة"
(2)
.
ومنه: تصرُّفُ الجن، وقد بسطت الكلام عليه في "رسالة العبادة"
(3)
، وحاصله: أن الجن وإن كانوا في دور الابتلاء كالإنس، إلا أن تصرُّفهم لا يتعدى إلى الإنس، وإنما سلَّطهم الله تعالى على الوسوسة، ثم شرع لنا ما ندفعها به. فأما تسليطهم على الإيذاء فإنه نادر، ويكون بتسليطٍ خاصٍّ من الله تعالى عقوبةً لمن يستحقه من الإنس، ثم شرع له ما يتمكن به من دفع ذلك من التوبة والاستغفار والتعوذ. فتصرُّفُهم المتعلِّقُ بالإنس في غير الوسوسة شبيهٌ بتصُّرف الملائكة، وإنما يخالفه في أنه قد يكون معصية، وإنما أذن لهم فيها إذنَ تسليطٍ كما يسلِّط الله تعالى الظالمَ من الإنس على الظالم.
ومنه: تصرُّفُ أرواح الصالحين الموتى، وهذا إن قام برهان على ثبوت
(1)
رسالة "العبادة"(ص 715 - 724).
(2)
رسالة "العبادة"(ص 348 - 361، 851 وما بعدها).
(3)
رسالة "العبادة"(ص 817 - 820، 877 - 878).