الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والنفي إنما هو بحسب ذلك. فكأنهم قالوا: استعانتنا هذه بك، وليست بغيرك. وحَسُنَ
ذلك لأن تلك الاستعانة نفسها طلب للنفع الغيبي، فهي عبادة، فناسب أن تُقصَر، كما قُصِرت العبادة، تقريرًا للتوحيد الذي بنيت عليه السورة.
وثَمَّ مناسبات أخرى لا أطيل بذكرها، فتدبَّرْ. ونسأل الله التوفيق والهداية.
"
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}
تقدم عن صاحب الكشاف ــ وتبعوه في توجيه ترك العطف إذ لم يقل: "واهدنا" مع أن الجملتين إنشائيتان متناسبتان، كما لا يخفى ــ أن هذه الجملة استئناف بياني. ومعناه أن تكون الجملة الثانية جواب سؤالٍ من شأن مَن يسمع الأولى أن يسأله. فقال كما مرَّ:"كأنه قال: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدنا". وفي النفس من هذا، فإنَّ وجه الحسن في الاستئناف البياني على ما ذكروه إنما يتحقق في خطاب الناس. فالأولى أن تكون هذه الجملة بدلًا من الأولى.
وفي "مغني اللبيب": [الجملة السابعة: التابعةُ لجملةٍ لها محلٌّ. ويقع ذلك في بابي النسق والبدل خاصة
…
والثاني شرطُه كونُ الثانيةِ أوفى من الأولى بتأدية المعنى المراد نحو {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الشعراء: 132 ــ 134]، فإنَّ دلالةَ الثانيةِ على نعم الله مفصَّلةٌ بخلاف الأولى، وقوله:
أقولُ لَه ارْحَلْ لا تُقيمنَّ عندَنا
(1)
فإنَّ دلالة الثانية على ما أراده من إظهار الكراهية لإقامته بالمطابقة، بخلاف الأولى
(2)
]
(3)
.
ولا خفاء أنَّ هذا الشرط مُتحقِّق هنا. وفي البدلية هنا نكتة لطيفة، فإنه اشتهر أن المبدَل منه على نية الطرح. وهذا مناسب هنا لأن مِن لازمِ طلب الإعانة إثباتَ قدرة للنفس. وذاك وإن كان حقًّا في الجملة، ولكنَّ المقامَ مقامُ خضوع وتذلُّل، وهو يستدعي إظهار تمام العجز. وهذا تُعبِّر عنه هذه الجملة:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، فتأمَّلْ! والله أعلم.
[ل 62/ب] والهداية: من هداية الطريق. وقد جاء عن العرب إطلاقُ الهُدَى على الطريق
(4)
. فإما أن يكون هذا هو الأصل، وإن كاد يُنسَى، والهداية مشتقَّة منه وإن اشتهرت؛ وإما العكس، والله أعلم.
وهداية الطريق في الجملة: الإرشاد إليها، ولكنها تكون على أوجه:
فافْرِضْ أنه رأيتَ عبدًا تائهًا في فلاةٍ فيها سُبُل، وتعلم أنَّ خيره وصلاحه
(1)
عجزه:
وإلَّا فكُنْ في السِّرِّ والجَهرِ مُسْلِما
قال البغدادي في "شرح أبيات المغني"(6/ 301) إنه لم يقف على قائله.
(2)
"مغني اللبيب"(557).
(3)
ترك المصنف هنا بياضًا، ولعل المقصود ما أثبتناه بين الحاصرتين.
(4)
ومنه قول الشمَّاخ يصف أتانًا:
قد وَكَّلَتْ بالهُدَى إنسانَ صادقةٍ
…
كأنه من تمام الظِّمْءِ مسمولُ
انظر: "ديوانه"(281).
في الذهاب إلى سيِّده، فقد تكتفي بأن تدلَّه على رأس الطريق التي ينبغي له سلوكُها لِيصلَ إلى بيت سيده، فتقول له: هذه أو تلك هي الطريق التي توصلك. فهذا الوجه الأول.
وقد يكون العبد أحمق يستكبر عن قبول إرشادك، أو يكون هناك من يريد به الشرَّ، يشير له إلى طريق أخرى، فيميل إليه، فتأخذ بيد العبد، وتجرُّه إلى الطريق الموصلة إلى بيت سيِّده، وتقيمه عليها، وتحمله على سلوكها، ثم لا تزال تلطُف به مرة وتشتدُّ عليه أخرى، حتى يذعن أخيرًا لسلوكها. فهذا الوجه الثاني.
ثم بعد قيامه أو إقامتك إياه على رأس الطريق قد تنعتُ له الطريق من هناك إلى بيت سيِّده. فهذا الوجه الثالث.
وقد تتقدَّمه، وتسير معه، تدلُّه على الطريق، تاركًا الخيرة له في كل موضع. فإن استمرَّ على موافقتك لم تفارقه حتى توصله إلى بيت سيِّده. وإن أدركه الحمق في بعض الطريق، فأبى إلا الخروج منها، تركتَه وشأنَه. فهذا هو الوجه الرابع.
وقد تتقدَّمه، وتسير معه أيضًا عازمًا أن تُوصِلَه ولابدّ، فأنت تأخذه بالوعد والوعيد، وتُبعد عنه ما من شأنه أن يحمله على المخالفة، وتحرُسُه ممن يريد أن يُضِلَّه، وتَصرِفه عن المخالفة بالإكراه أو قريبٍ منه في بعض الأوقات. وهكذا حتى تُوصلَه. وهذا هو الوجه الخامس.
والهداية إلى صراط الحق جارية على نحو هذا. فالوجه الأول يقع من الله عز وجل بإرساله الرسل، ومن الرسل ثم من أتباعهم بالدعوة.
قال تعالى لرسوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: 52 ــ 53].
وقال سبحانه: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} [المؤمنون: 73 ــ 74].
والوجه الثاني لا يكون إلا من الله سبحانه وتعالى بتصريفه قلبَ مَن يريد حتى يُدخله في الدين. ولو تركه واختيارَه لما فعَل. وهذا المعنى هو المراد في قول الله عز وجل: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] وآيات أخر.
والوجه الثالث من الله تبارك وتعالى بما أوحى إلى رسوله من البيِّنات في العقائد والأحكام، ومِن رسله، ثم من أتباعهم، بالبيان.
والوجه الرابع إن كان فإنما يكون من الله تبارك وتعالى في حقِّ العبد الذي يكثر خلافه. والله أعلم.
والوجه الخامس: إنما يكون من الله تبارك وتعالى فيمن أراد به الخير، ولا يكاد يرجى ذلك إلا لمن يكون الغالب عليه الخير، وإنما تقع منه الفلتة بعد الفلتة.
والمؤمنون يسألون ربهم الهداية التامَّة، وهي الوجه الخامس، وهي المرادة هنا.
ولذلك أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها: يقول: ألْهِمْنا الطريق الهادي
(1)
.
(1)
"تفسير الطبري"(1/ 166).