الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأسوة: بضم الهمزة وكسرها: القدوة. برَآءُ: جمع بريء يعني متبرئين منهم. لا تجعلنا فتنة للذين كفروا: لا تسلّطهم علينا فتنزل البلاء علينا بأيديهم. ومن يتولّ: ومن يعرِض.
بعد ان بيّن للمؤمنين خطر موالاة الكفار ولو كانوا من أقربائهم وأولادهم - جاء هنا يذكّرهم بما فعل جدُّهم إبراهيم (فإن قريشَ والعرب عامة يعتقدون ان نسبهم متصلٌ بابراهيم) وكيف تبرأ هو والذين هاجروا معه من أهلِهم وقومهم، وعادوهم، وتركوا لهم الديار، فهلَاّ تأسّيتم ايها المؤمنون بهذا النبي العظيم!
قد كانت لكم قدوة حسنةٌ تقتدون بها في أبيكم إبراهيمَ والذين معه، حين قالوا لقومهم: تبرأْنا منكم، ومن الآلهة التي تعبدونها من دوِ الله، لا يجمعُنا بكم شيء، كَفَرْنا بكم، وظهر بيننا وبينكم العداوةُ والبغضاء التي لا تزول أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده. . . فلا تجاملوهم أيها المسلمون ولا تُبدوا لهم الرأفةَ وتستغفروا لهم.
وأما قولُ إبراهيم لابيه: {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَيْءٍ} فإنما كان عن مَوْعِدَةٍ وعدها إياه، فلما تبيّن له انه عدوٌ للهِ تبرّأ منه، كما جاء في سورة التوبة الآية 11
4:
ثم بين الله كيف ترك إبراهيمُ والذين معه قومهم وأوطانهم والتجأوا الى الله:
{رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المصير} .
ربّنا قد اعتمدْنا عليك في جميع أمورنا، ورجعنا اليك بالتوبة، ومصيرُنا اليك. فاقتدوا بهم أيها المؤمنون.
{رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ واغفر لَنَا} .
ربّنا لا تجعلّنا بحالٍ نكون فيها فتنة للكافرين، بأن تُظهرَهم عينا فيفتنونا بذلك، واغفر لنا ذنوبنا، {رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} .
ثم كرر ما تقدّم للاقتداء بإبراهيم عليه السلام ومن معه فقال:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر} .
لقد كان لكم أيها المؤمنون في إبراهيمَ والذين معه قدوةٌ حسنة في معاداتكم لأعداء الله، وهذه القدوةُ لمن كان يرجو لقاء الله في اليوم الآخر.
{وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد} .
ومن يعرض عن هذا الاقتداء فقد ظلم نفسه، والله غنيّ عن إيمانه، بل عن جميع خلقه، محمود بأياديه وآلائه.
{عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم. . . . من الكافرين مودّةً بتوفيقهم للايمان، {والله قَدِيرٌ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} . وقد صدقت نبوءةُ القرآن ففُتحت مكة، وأسلم كثيرٌ من المشركين الذين نهاهم الله عن مودّتهم، ودخل الناسُ في دين الله أفواجا.
قراءات:
قرأ الجمهور: إسوة بكسر الهمزة. وقرأ عاصم: أسوة بضم الهمزة وهما لغتان.
أن تبروهم: ان تحسنوا اليهم بكل خير. البر: كلمة تجمع معاني الخير والاحسان. تقسطوا اليهم: تعدلوا فيهم. المقسِطين: العادلين. ظاهَروا: ساعدوا. ان تولوهم: ان تكونوا لهم اصدقاء واحياء وانصارا.
في هاتين الآيتين الكريمتين يضعُ الله لنا قاعدةً عظيمة، ويبيّن أن دِينَ الاسلام دينُ سلام ومحبة وإخاء، فيقول: من عاداكم فعادُوه وقاتِلوه، أما الذين سالموكم ولم يقاتلوكم، ولم يخرجوكم من دياركم - فعليكم ان تسالِموهم وتكرموهم، وتحسِنوا اليهم، وتعدِلوا كل العدل في معاملتكم معهم، {إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين} العادلين.
أما الذين حاربوكم في دينكم ليصدّوكم عنه، وأجبروكم على الخروج من ديارِكم، وعاونوا على اخراجكم - فهؤلاء ينهاكم الله عن أن تتخذوهم أنصارا، بل قاتِلوهم وشدِّدوا عليهم {فأولئك هُمُ الظالمون} .
ولننظر الآن من هو عدوُّنا الذي اغتصب أرضنا، وشرّد منها أهلنا وأقرباءنا، ومن من الدول التي ظاهرتْهُ وعاونته على إخراج أهلِنا من ارضهم، وأمدّته بالسلاح والمال، فان هذه الدولة الكبرى هي عدوّنا الأول. . فاستيقظوا أيها العرب وتنبّهوا واعرفوا عدوكم. والأمر واضحٌ لا يحتاج الى دليل.
امتحنوهن: اختبروهن. علِمتموهن مؤمنات: تيقنتم من ايمانهنّ. فلا تَجعُوهن الى الكفار: لا ترجعوهن الى أزواجهن الكفار. وآتوهم ما انفقوا: اعطوا الازواج الكفار ما دفعوا من مهور لزوجاتهم. ولا جناح عليكم: لا اثم عليكم. ولا تمسكوا بعصَم الكوافر: لا تبقوا النساء الكافرات على عصمتكم وأبطلوا عقد الزواج بهن. واسألوا ما انفقتم: اطلبوا كل ما دفعتم لهن من مهر وغيره. ولْيسألوا ما انفقوا: وليطلبوا هم (يعني الكفار) ما انفقوا على زوجاتهم اللاتي أسلمن وهاجرن اليكم. وان فاتكم شيء من ازواجكم الى الكفار: ان ذهبت احدى زوجاتكم الى الكفار. فعاقبتم: فظفرتم وكانت العقبى لكم يعني النصر.
في اتفاق صلح الحديبية جاء نص يقول: ان من جاء محمدا من قريش بغير إذنِ وليّه ردّه اليه، ومن جاء قريشا من المسلمين لم تردّه اليهم. . ومضى العهد بين الطرفين على أتمّه.
ثم جاءت نساء مؤمنات مهاجرات، وكانت أُولاهن أُم كلثوم بنتَ عقبة بن ابي معيط الأموية. فقدِم أخواها عمار والوليد، فكَلّما رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرِها ليردها الى قريش، فنزلت هذه الآية. فلم يردّها الرسول الكريم وزوّجها زيدَ بن حارثة، ثم تزوجها الزبير بن العوام بعد استشهاد زيد، فولدت له زينب، ثم فارقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميدا، ثم توفي عنها فتزوجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهرا وتوفيت رحم الله الجميع.
فتبين من عمل النبي عليه الصلاة والسلام ان العهدَ كان يشمل الرجال دون النساء. والله تعالى يقول:
{فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار} .
فاذا تبين لكم أنهنّ صادقات في ايمانهم فلا يجوز ان تردوهن الى الكفار، لأنهن:{لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} .
أعطوا الأزواج الكافرين ما انفقوا من مهرٍ وغيره على زوجاتهم المهاجرات اليكم. ولا حرج عليكم ان تتزوجوا هؤلاء المهاجرات اذا دفعتم اليهن مهورهن.
{وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر} .
اذا بقيت زوجةٌ من الزوجات في دار الكفر ولم تسلم فلا تتمسكوا بعقد زواجها وأبطِلوه. كذلك اذا لحقت زوجة بدار الكفر فأبطِلوا عقدها، فانها تعتبر طالقة.
{وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ} .
اذا كان لكم مهر عند زوجة في دار الكفر فلكم ان تطلبوه، واذا جاءت زوجة أحد الكفار وأسلمت وهاجرت فعلى من تزوَّجها ان يدفع ما عليها لزوجها السابق.
{ذَلِكُمْ حُكْمُ الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} .
هذا التشريع هو حكم الله، يحكم به بينكم، فاتبعوه ولا تخالفوه، والله عليم بمصالح عباده، حكيم في كل ما يفعل.
إن ذهبت زوجةٌ من زوجاتكم الى الكفار مرتدةً عن دينها، ولم يردّوا الى زوجِها المهرَ الذي دفعه، ثم حارتموهم، فأَعطوا الذين ذهبت زوجاتُهم مثلَ ما انفقوا، وذلك من الغنائم التي تكسبونها من الكفار.
{واتقوا الله الذي أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} امتثلوا اوامره، وتقيدوا بأحكامه ان كنتم صادقين في ايمانكم.
قراءات:
قرأ ابو عمرو واهل البصرة: ولا تمسكوا بفتح التاء وبتشديد السين المفتوحة. والباقون: ولا تمسكوا بضم التاء واسكان الميم وكسر السين. وأمسك ومسَّك لغتان.
يبايعنك: يعاهدنك على الطاعة والالتزام بالاوامر واجتناب النواهي. ببهتان: بباطل وكذب. غضبَ الله عليهم: طردهم من رحمته. يئسوا من الآخرة: يئسوا من ثوابها لأنهم لم يؤمنوا بها. كما يئس الكفار من اصحاب القبور: لانهم يعتقدون انهم لا يرجعون.
يا ايها النبي إذا جاءك المؤمناتُ يعاهدنك ويقدّمن لك الطاعة، ويعبدن الله ولا يشركن به شيئا، ولا يسرقن من مال احد، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادَهن كما كان يفعل اهل الجاهلية، ولا يُلحقن بأزواجهنّ من ليس من اولادهم بهتانا وكذبا يختلقنه بين ايديهن وارجلهن، ولا يخالفنك في معروف تدعوهنّ اليه - فعاهِدْهن على ذلك، واطلب لهن المغفرة من الله، {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفر الذنوب جميعا، ويشمل عباده برحمته.
ثم كرر الله النهيَ هنا عن موالاة المشركين. فقد بدأ اولُ السورة بنداء المؤمنين ونهيهم عن موالاة المشركين، ثم خُتمت بتكرار النهي عن موالاتهم، وأن الله غضبَ عليهم وطردَهم من رحمته. . والغرض هو تحذير المؤمنين من اعداء الله، وان لا يأمنوهم على شيء، ولا يركنوا الى اكاذيبهم ودسائسهم.
ثم بين أوصافهم ومعتقداتهم بقوله: {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخرة كَمَا يَئِسَ الكفار مِنْ أَصْحَابِ القبور} .
انهم لا يرجون لقاء الله ولم يؤمنوا بالبعث، كما يئس الكفار من بعث موتاهم مرة اخرى.
نسأل الله حسن الختام، والحمد لله رب العالمين.
كبر مقتاً: ما أعظمه من بغض. المقت أشد البغض، ويقال رجل مقيت وممقوت اذا كان مبغضا للناس. بنيان مرصوص: بنيان محكم كأنه قطعة واحدة. زاغوا: انحرفوا عن الحق. أزاغ الله قلوبهم: صرفها عن قبول الحق.
{سَبَّحَ لِلَّهِ. .}
قدّس اللهَ ونزّهه كلُّ شيء في هذا الكون: بعضُها بلسان الحال، وبعضها بلسان المقال. وقد تقدم ان كل شيء في هذا الوجود يسبّح الله، ويشهد له بالربوبية والوحدانية والقدرة وغيرها من صفات الكمال، وهو الغالبُ على كل شيء، الحكيم في تدبير خلقه.
وبعد ان وصف نفسَه بصفات الكمال، وجّه المؤمنين الى الاخلاق الفاضلة، والصدق في القول والعمل، فخاطبهم بقوله:
{ياأيها الذين آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} ّ.
قال ابن عباس: كان اناس من المؤمنين يقولون: لَوَدِدْنا ان الله دلّنا على أحبِّ الاعمال اليه فنعمل به، فأخبر الله نبيّه ان احب الاعمال اليه ايمانٌ بالله لا شكّ فيه، وجهادٌ في سبيله. فلما فُرضَ الجهادُ كره ذلك ناسٌ من المؤمنين وشقّ عليهم أمرُه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ثم بيّن الله شدة قبحِ مخالفة القول للعمل وأنه بلغ الغاية في بُغض الله له فقال:
{كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ}
إن أبغضَ شيء عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون. فتحَلُّوا بالصدق، والوفاء بالوعد، وجميل الخصال تنتصروا.
ثم مدح الذين صدقوا وقاتلوا في سبيله بعزم واخلاص فقال:
{إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} .
ان الله تعالى يحب النظامَ في كل شيء، وهو يحبُّ الذين يقاتلون في سبيله منتظمين في أماكنهم كأنهم بنيانٌ متلاحمُ الأجزاء، كأنه قطعة واحدة، فالنظام أساسُ بنيان الأمة، وان وعدَ الله حقّ، وقد وعد المجاهدين بالنصر إذا أخلصوا وصدَقوا وحافظوا على النظام. وقد سبقتنا الأممُ المتحضّرة بالنظام ودقة المحافظة عليه، في جميع أعمالها.
والجهادُ يبدأ في البيت بالتربية الاسلامية الصحيحة البعيدة عن التزمُّت والتعصب،
وفي المدرسة وفي المزارع والحقول، والتجارة، وفي المصانع، وباكتساب العلوم وإجادتها واتقان استعمالها كما اتقنها أسلافُنا الأولون. فالصناعة والعلم والزراعة من الامور الضرورية في حياتنا، فاذا أتقنّاها باتَ يمكننا ان نجاهدَ جهادا حقيقيا، فلا جهادَ إلا بعلمٍ وعمل وتصنيع.
وبعد ان هذّب المؤمنين وعلّمهم ان يكونوا صادقين في أقوالهم وافعالهم، وحضّهم على اتّباع النظام في الجهاد - ذَكَرَ أن حالهم يشبه حالَ موسى مع قومه حين ندبَهم للقتال فلم يطيعوه، بل آذوه أشدَّ الايذاء، فوبّخهم الله على ذلك بقوله تعالى:
{وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم لِمَ تُؤْذُونَنِي. . . .} .
اذكر يا محمد لقومك حين قال موسى لقومه: يا قومي، لمَ تُؤذونني وتخالِفون أَمري، وانتم تعلمون أنّي رسولُ الله اليكم؟
فأصرّوا على المخالفة والعصيان.
فلما أصروا على الانحراف، صرف الله قلوبهم عن الهدى {والله لَا يَهْدِي القوم الفاسقين} الذين خرجوا عن طاعته.
وأتى بمثلٍ آخر يشبه حالَهم، وهو بنو اسرائيل حين قال لهم عيسى: إني رسولُ الله وإني مصدّقٌ بالتوراة، وجاءهم بالبينات والمعجزات الدالة على صدقه، واني مبشِّر برسولٍ سيأتي من بعدي اسمه أحمد، وقد جاء هذا التبشير صريحا في التوراة والانجيل.
{فَلَمَّا جَاءَهُم بالبينات قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ} .
فلمّا جاء الرسولُ الكريم احمدُ، عليه صلوات الله وسلامه، بالأدلة الواضحة والمعجزات الباهرة، كذّبوه وقالوا: هذا الذي جئتنا به سحرٌ مبين.
ومثلُ هذه الآية قوله تعالى: {الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل} [الأعراف: 157] .
وفي هذا تسلية لرسوله الكريم على ما أصابه من قومه ومن غيرهم من الجاحدين، وأن الانبياء مِن قبله نالهم الأذى وكذّبهم أقوامهم. وفيه ايضا تهذيبٌ وتربية للمؤمنين بان لا يؤذوا النبي بل يُخلِصوا في ايمانهم.
الاسلام: معناه هنا الاستسلام والانقياد لأمر الله. نور الله: دينه الذي يدعو اليه الرسول الكريم. بأفواههم: يعني بأكاذيبهم واباطيلهم. والله متم نوره: والله مظهرٌ دينَه، وقد صدق. بالهدى: بالقرآن. ودين الحق: الدين الصحيح. نصر من الله وفتح قريب: فتح مكة. الحواريون: الأصفياء والخلاّن. انصار الله: الناصرون لدينه. ظاهرين: غالبين.
من أشدُّ ظلماً وعدواناً ممن اختلقَ على الله الكذب، وهو يدعو الى الاسلام! لقد دعاهم الرسولُ الكريم الى نبذ الشِرك، ودعاهم الى الايمان بالله وحده فلم يؤمنوا، وأثاروا حوله الشكوك والافتراءات، {والله لَا يَهْدِي القوم الظالمين} الّذين يفترون على الله الكذب.
ثم بين الله تعالى أنهم حاولوا إبطالَ الدِين وردَّ المؤمنين عنه، لكنّهم لم يستطيعوا وخابوا في سعيهم فقال:{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ} .
ان هؤلاء الجاحدين من قريشٍ، وبني اسرائيل في المدينة، والمنافقين معهم - حاولوا القضاءَ على الإسلام بالدسائس والأكاذيب فخذلَهم الله تعالى، وأظهر دِينه فهو الدينُ القيم الذي انار الكون، وخاب سعيهم.
{والله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون} .
ثم بين الله تعالى أنه ارسل رسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم بالقرآن الذي هدى الناس وأنار الون، وبدينِ الاسلام الحق {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشركون} . وقد وردت هاتان الآيتان في سورة التوبة، مع تغيي ربسيط في الالفاظ في الآية الأولى.
وبعد ان حث على الجهاد في سبيله، ونهى المسلمين ان يكونوا مثلَ قوم موسى او قوم عيسى - بيّن هنا ان الايمان بالله والجهادَ في سبيله بالمال والنفس تجارةً رابحة، لأن المجاهدين ينالون الفوز بالدنيا، فيظفر واحدهم بالنصر والغنائم وكرائمِ الاموال والثوابَ العظيم في الآخرة اذ يحظى بالغفران، ورضوان الله، والخلود في جنات عدن.
فهذه هي التجارة الرابحة، الثبات على الايمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله بأموالكم وانفسكم، وذلك هو الخير العظيم، ثم يتبعه الغفران، والخلود في {جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفوز العظيم} وأيّ فوز اعظم من هذا!!
ثم أتبع ذلك كله ببشرى عظيمة يحبها المؤمنون وينتظرونها وهي:
{وأخرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ}
نعمة كبرى تحبونها: النصر من الله، وفتح مكة. وهو آت قريب. وقد أنجز الله وعده.
{وَبَشِّرِ المؤمنين} يا محمد بهذه النعم، وان الله تعالى نصَرَهم لأنهم آمنوا حقيقة، وجاهدوا جهاداً كبيرا ولم ينتظروا من أحدٍ ان يساعدَهم وهم قاعدون. . كما يفعل العرب والمسلمون اليوم.
ثم امر الله تعالى المؤمنين ان يعملوا ويجدّوا ويكونوا انصار الله في كل حين، فلا يتخاذلوا ولا يتناحروا ويتحاربوا، وان لا يتوكلوا فيقعدوا ويطلبوا النصر، بل عليهم ان يعملوا ويجاهدوا حتى يكتب الله لهم النصر. فقالك
{ياأيها الذين آمَنُواْ كونوا أَنصَارَ الله} فاستعدّوا وأعدّوا من قوتكم ما استطعتم، ولا تنتظروا من أعدائكم ان يحلّوا لكم قضيتكم وينصروكم.
وكيف ينصرونكم والبلاء منهم، وهم الذين يدعمون عدوكم ويمدّونه بالمال والسلاح!!
وخلاصة القول: كونوا أنصار الله في جميع أعمالكم وأقوالكم واستعدّوا دائما، كما استجاب الحواريّون لعيسى.
وانتم أيها المسلمون في هذا العصر اذا كنتم تريدون ان تبقوا في بلادكم وان تستردوا الاراضي المقدسة وما اغتُصب من وطنكم، على يد اليهود والدولة الكبرى حليفتهم والمؤيدة لهم - فجاهدوا جهادا حقيقيا في سبيل الله ينصركم الله، وتصبحوا ظاهرين غالبين.
قراءات:
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص وخلف: متم نوره بضم الميم والاضافة بجر نوره. والباقون: متم نوره بتنوين متم، ونصب نوره. وقرأ ابن عامر: ننجيكم من عذاب أليم بفتح النون الثانية وبتشديد الجيم. والباقون: ننجيكم بضم النون الأولى واسكان الثانية وكسر الجيم دون تشديد. وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو: كونوا انصاراص لله بالتنوين. وقرأ الباقون: كونوا انصار الله بالاضافة. وقرأ نافع وحده: من انصاريَ الى الله بفتح الياء. والباقون: انصاري الى الله.
القدّوس: صفة من صفات الله ومعناها: المنزه عن النقائص. الأُميون: هم العرب، لأنهم كانوا لا يعرفون القراءة والكتابة إلا نسبة قليلة منهم. يزكيهم: يطهّرهم من الشرك وآخرين لمّا يلحقوا بهم: وغيرهم من الناس سيأتون بعدهم.
يسبّح لله وينزّهه عما لا يليق به كلُّ ما في هذا الوجود من بشرٍ وحيوان وشجر وجماد، هو الملكُ القُدّوس المنزه عن النقائص، المتصفُ بالكمال، {العزيز الحكيم} .
والله تعال ىهو الذي ارسلَ رسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم من العرب الأميين الذين لا يقرأون ولا يكتبون، كي يتلو عليهم القرآن، ويزكّيهم بالاخلاق الفاضلة ويطهرهم من الشرك وعبادة الاوثان، ويعلّمهم الشرائع والعلم النافع ليقودوا العالم وينشروا القِيَم الفاضلة في الشرق والغرب. . وقد كان ذلك من أولئك الأميين بفضل الاسلام وتحت راية القرآن.
{وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}
وأي ضلالٍ اكبر من عبادة الاصنام وإتيان الفواحش، كما قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عن هـ يخاطب النجاشيّ ملكَ الحبشة لما هاجروا اليه:
{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ العزيز الحكيم}
وبعثه الله تعالى الى جماعات آخرين من العرب وغيرِهم من جميع العالم لم يجيئوا بعد، سيأتون ويحملون مِشعلَ الهداية وينشرون نور الاسلام في مشارق الارض ومغاربها. وهذا يعني أن هذه الأمة المباركة موصولةُ الحلقات ممتدة في جميع اطراف الأرض على مدى الزمان، تحمل هذه الأمانةَ وتُخرج الناس من الظلمات الى النور. والتاريخُ شاهد على ذلك، وهذه الآية من دلائل النبوة، ومن الأدلّة على ان القرآن من عند الله.
{وَهُوَ العزيز الحكيم} والله ذو العزة والسلطان.
{ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم}
إن ذلك الاختيارَ من الله، اختيارَ رسوله الكريم في هذه الأمة التي هي خير أمةٍ أُخرجت للناس - فضلٌ كبير من الله لا يَعدِله فضل، وتكريم كبير لأمة الاسلام السابقين واللاحقين منهم.
نسأل الله تعالى ان يرد زعماء هذه الأمة الى دينهم، ويبصّرهم شئون أمتهم ويهديهم سواء السبيل.
حُملوا التوراة: عُلِّموها وأمروا ان يعملوا بها. ثم لم يحملوها: لم يعملوا بها. الأسفار: جمع سِفر وهي الكتب، السفر الكتاب. هادوا: تهوّدوا يعني: اليهود. أولياء الله: أحبّاء الله. بما قدّمت أيديهم: بسبب أعمالهم وكفرهم. الغيب: ما غاب علمُه عن الخلق. والشهادة: ما شاهدوه وعلموه.
الكلام في هذه الآيات الكريمة عن اليهود وكَذِبهم، وتعنُّتِهِم، وتبجُّحهم، فبعد ان منّ الله على هذه الأمة بإرسال رسول من أنفسِهم. قال اليهود: إن هذا الرسولَ لم يُبعث اليهم، ولذلك يردّ الله عليهم مقالهم بأنهم لو عملوا بالتوراة وفهموها حقَّ الفهم، لرأوا فيها وصفَ النبي الكريم والبشارة به، وانه يجب عليهم اتّباعه، لأنه رسول ورحمة للعالمين.
وما مثلُهم في حَملِهم للتوراة وتركهم العملَ بها الا كمثل الحمار الذي يحمل الكتبَ ولا يفهم منها شيئا، ولا يجديه حملُها نعفا.
ثم زاد في توبيخهم بقوله:
{بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله والله لَا يَهْدِي القوم الظالمين} .
وكيف يهتدون وهم متكبرون وقد رانَ الضلالُ على قلوبهم؟ .
ثم زاد الله تعالى في توبيخهم على تماديهم في الغيّ والضلال بأن تحداهم أن يتمنّوا الموت اذا كانوا صادقين في زعمهم انهم وحدَهم أحباءُ الله وأولياؤه. فقال:
قل لهم ايها الرسول: أيها اليهود، إن كنتم تزعمون أنكم على هدى من ربكم، وأنكم أحباء الله وحدكم، فتمنوا من الله الموتَ حتى تذهبوا اليه ان كنتم صادقين، وتلاقوا ربكم.
ثم أخبر الله تعالى بأنهم لن يتمنوا الموت ابدا، لما يعلمون من سوء أفعالهم وكذبهم على الله وعلى الناس، {والله عَلِيمٌ بالظالمين} لا يخفى عليه شيء.
ثم أخبر أن الموتَ عاقبة كل حيّ، لا مهربَ منه فقال:
قل لهم أيها الرسول: إنكم ميتون، ولا مهرب لكم من الموت، ثم تُرجَعون الى خالقكم الذي يعلمُ السر والعلانية، فيخبركم بما كنتم تعملون، وتحاسَبون على كل ما قلتموه وعملتموه. وأيّ تهديد ووعيد أشد من هذا القول لو كانوا يعقلون!!
اذا نودي للصلاة: اذا أُذّن لها. فاسعَوا الى ذكر الله: فامشوا الى الصلاة. وذروا البيع: اتركوه. فاذا قضِيت الصلاة: أُدّيت وانتهت. فانتشِروا: تفرقوا في طلب الرزق والعمل. اللهو: كل ما يلهى عن ذكر الله. انفضّوا: انصرفوا.
الحديثُ في هذه الآيات الكريمة عن صلاةِ الجمعة، وهي ركعتان بعد خطبتين يلقيهما الإمام، وهي فرضُ عَين، وقد ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنّة والاجماع.
وتجب صلاةُ الجمعة على المسلم الحرّ العاقلِ البالغ المقيمِ القادرِ على السعي إليها، ولا تجب على المرأة والصبيّ، والمريضِ والمسافر، وكلِّ معذور مرخَّص له في ترك الجماعة، كعذر المطر والوحل والبرد ونحو ذلك، ولا تصحّ إلا جماعة.
وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل يوم الجمعة، وفضل الصلاة فيها، والحثّ عليها والاستعداد لها بالغسل والثياب النظيفة والطِّيب.
ويجوز للنساء والصبية ان يحضروا الجمعة، فقد كانت النساء تحضر المسجدَ على عهد رسول الله وتصلّي معه. ومن صلى الجمعةَ سقطت عنه فريضة الظهر، ومن أراد زيادة فليرجع الى كتب الفقه.
يا أيها الذين آمنوا: إذا أُذَّن للصلاة يوم الجمعة فاذهبوا الى المسجد لحضور الصلاة وذِكر الله، واتركوا البيعَ وكلَّ عمل من الاعمال، وامشوا الى الصلاة بسَكينة ووقار، ولا تسرعوا في مشيكم. والأفضلُ ان يبكّر الانسان بالذهاب الى المسجد، فاذا لم يستطع فليمشِ الهوينا. فقد روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلّي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ سمع جلبةَ رجالٍ، فلما صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا الى الصلاة. قال: فلا تفعلوا، إذا اتيتم فامشُوا وعليكم السَكينة، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا «.
{ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}
ذلك الذي أُمِرْتم به أنفعُ لكم ان كنتم من ذوي العلم الصحيح، فصلاةُ الجمعة عبادة من العبادات الممتازة لأنها تنظم المسلمين وتعوّدهم على النظام، وفيها الخطبة فيها موعظةٌ حسنة وتعليم للمسلمين بما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
روى الامام أحمد عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عن هـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:» من اغتسلَ يوم الجمعة، ومسَّ من طِيب أهله إن كان عنده، وليس أحسنَ ثيابه، ثم خرج يأتي المسجد، فيركع إن بدا له، ولم يؤذِ أحدا، ثم أنصتَ اذا خرج إمامُه حتى يصلي، كانت كفارةً لما بينها وبين الجمعة الأخرى «.
فاذا أديتم الصلاة فتفرقوا في الأرض لمتابعة أعمالكم ومصالحكم الدنيوية التي فيها معاشُكم، واطلبوا من فضلِ الله ما تشاؤون من خَيري الدنيا والآخرة، واذكُروا الله بقلوبكم وألسنتِكم كثيراً، لعلّكم تفوزون بالفلاح في الدنيا والآخرة.
هذا هو روح الاسلام: الجمعُ بين المحافظة على الجسم والروح معا، وهذا هو التوازن الذي يتّسم به الدين الاسلامي، كما جاء في قوله تعالى:{وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الفساد فِي الأرض إِنَّ الله لَا يُحِبُّ المفسدين} [القصص: 77] . هل هناك أجملُ وأحلى من هذا الكلام؟ .
{وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} .
روى الامام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عن هـ قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة اذ قدمت عِير (ابل محمَّلة طعاما وغي رذلك من الشام) فابتدرها الناس حتى لم يبق في المسجد الا اثنا عشر رجلاً انا فيهم وأبو بكر وعمر، فأنزل الله تعالى:{وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً} . . .
والذي قدِم بهذه التجارة دِحْيةُ الكلبي من الشام، وكانت العادةُ إذا قدمت هذه العير يُضرب بالطبل ليؤذَنَ الناسُ بقدومها، فيخرجوا ليبتاعوا منها، فيخرج الناس. فصادف مجيءُ هذه العِير وقتَ صلاة الجمعة، فترك عدد من المصلّين الصلاة وذهبوا اليها. فعاتبهم الله على ذلك وافهمهم ان اصلاة لها وقتٌ محترم ولا يجوز تركها. ثم رغّبهم في سماع العظات من الأئمة وان الله عنده ما هو خير من اللهو ومن التجارة، فقال:
{قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة والله خَيْرُ الرازقين}
فاطلبوا رزقه وتوكلوا عليه، ولا يأخذ كل انسان الا ما كُتب له. والله كفيل بالأرزاق للجميع.
وكان عراك بن مالك، رضي الله عن هـ، اذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إنّي أجبتُ دعوتك، وصلّيت فريضتك، وانتشرت كما أمرتَني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. عراك هذا من التابعين من الفقهاء العلماء.