المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الخامس: مواقف بعض الحفاض من أقوال ابن معين المختلفة - اختلاف أقوال النقاد في الرواة المختلف فيهم مع دراسة هذه الظاهره عند ابن معين

[سعدي بن مهدي الهاشمي]

الفصل: ‌المبحث الخامس: مواقف بعض الحفاض من أقوال ابن معين المختلفة

‌المبحث الخامس: مواقف بعض الحفاض من أقوال ابن معين المختلفة

المبحث الخامس: مواقف بعض الحفاظ من أقوال ابن معين المختلفة.

ونظراً لما تميز به الإمام الناقد يحيى بن معين من بين الأئمة الآخرين بكثرة أقواله واختلافها في طائفة كبيرة من الرواة؛ حاول بعض الحفاظ من المحدِّثين أن يجمعوا ويوفقوا بين أقواله المختلفة، ويسوّغوا اجتهاداته تلك، وقد يصرح البعض أحياناً بالتوقف حتى تتبين له القرائن أو الدلائل لترجيح أحد قوليه أو أقواله. وهذه طائفة منهم:

1-

أبو حفص عمر بن شاهين البغدادي (ت 385هـ) :

الحافظ الناقد أبو حفص عمر بن شاهين البغدادي (ت 385هـ) ، حيث حاول في كتابه (المختلف فيهم) ، أن يوفق ويجمع، وهذه نماذج لمحاولاته:

1-

عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي الدمشقي الزاهد (1) .

نقل في (المختلف فيهم) عن ابن معين أنه قال: "وما ذكره إلا بخير"(2) وفي (الثقات) : "ليس به بأس"(3) .

وفي رواية المفضل بن غسان قال: "ليس بشيء".

قال ابن شاهين: "هذا القول من يحيى بن معين يوجب التوقف في أبي ثوبان؛ لأن سكوته عن اطراحه وتوثيقه لا يقضي على تضعيفه أنه إذا كان كذلك لم يذكر في الصحيح".

(1) صدوق يخطئ ورمي بالقدر بأخرة (بخ4) ، (ت165?) التقريب رقم (3820) .

(2)

المختلف فيهم ص43.

(3)

الثقات ترجمة (765) وفي رواية عباس الدوري 2/346 زاد 2/346 بقوله: "ليس به بأس".

ص: 34

2-

وقال في عثمان بن عمير أبي اليقظان الكوفي البجلي الأعمى (1) .

الذي نقل عنه في رواية عباس الدوري: "ليس حديثه بشيء"(2)، وقال عنه في رواية إسحاق:"إنه صالح"(3) .

هذا الخلاف في عثمان عن يحيى وحده يوجب التوقف فيه حتى يعينه عليه آخر فيكون أحد كلامي يحيى معه والعمل فيه على ذلك" (4) .

3-

وقال في عطاف بن خالد بن عبد الله بن العاص المخزومي

أبو صفوان المدني (5) :

الذي نقل عنه في رواية يزيد بن الهيثم (ثقة ت 284هـ) : "ليس به

بأس" (6) ، وقال في رواية جعفر بن أبي عثمان (ت 282هـ) - وكان مشهوراً بالثقة والإتقان - "ضعيف" (7) .

وهذا الخلاف في عطاف يوجب التوقف، وليحيى فيه قولان، وهو عندي إلى قوله:"إنه ليس به" بأس أقرب وقد وافقه على ذلك أحمد بن حنبل ولأحاديث عن نافع ولا أعلم أتى بها غيره

" (8) .

(1) ضعيف واختلط، وكان يدلس ويغلو في التشيع (د ت ق) ، (ت في حدود 150?) التقريب (4507) .

(2)

المختلف فيهم ص48، والتاريخ 2/395، والضعفاء لابن شاهين (124) رقم (373) ، الثقات (140) رقم (744) .

(3)

المختلف فيهم ص48، الثقات (140) رقم (744) .

(4)

المختلف فيهم ص48.

(5)

صدوق يهم (بخ قد ت س) ، (ت قبل 179?) التقريب (4612) .

(6)

المختلف فيهم ص48، الثقات (178) رقم (1090) .

(7)

المختلف فيهم ص48، والتاريخ 2/406، والضعفاء لابن شاهين (148) رقم (481) .

(8)

المختلف فيهم ص49.

ص: 35

ويؤيد قوله رواية الدارمي عن ابن معين قوله: "ثقة"(1) .

وأحيانا يرجح تعديل ابن معين على تجريحه لبعض الرواة إذا كان موافقاً لتوثيق بعض النقاد الآخرين أو أحدهم، فمثلاً:

4-

قال في عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (2) الذي نقل فيه ابن شاهين قول ابن معين: "ضعيف الحديث"(3) .

وقال فيه في رواية ابن أبي خيثمة "ليس به بأس"(4) . وهذا الخلاف يرجع فيه إلى قول أحمد بن حنبل: "قال فيه: صالح ثقة إن شاء الله"(5) ؛ لأن يحيى بن معين قال فيه قولين أحدهما موافق لقول أحمد، فالرجوع إلى قول أحمد ويحيى في أحد قوليه أولى من الرجوع إلى قول يحيى وحده في قول قد قال غيره

- والله أعلم - ومع ذلك فقد روى عنه رجلان جليلان أحدهما: هشيم والآخر أبو عوانة.

وانظر: كذلك قوله في عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن الغطفاني (6) إذ عدله أحمد، ووافقه ابن معين في أحد قوليه حيث قال فيه:"ثقة"، وقال:"ليس بشيء"(7) .

(1) تاريخ الدارمي ص171.

(2)

(خت 4) التقريب رقم (4910) .

(3)

المختلف فيهم ص51، والضعفاء ص121 رقم (350) والميزان 3/201.

(4)

المختلف فيهم ص52، والميزان 3/201

(5)

المختلف فيهم ص51، وتهذيب التهذيب 7/759.

(6)

صدوق، (بخ4) ، (ت في حدود 150?) التقريب رقم (5343) .

(7)

المختلف فيهم ص56.

ص: 36

وكذلك قوله في الفضل بن العلاء أبو العباس، أبو العلاء الكوفي نزيل البصرة (1) حيث وافق أحد قوليه وهو:"لا بأس به" قول علي بن المديني الذي وثقه (2) .

5-

وقال في النعمان بن راشد الجزري أبو إسحاق الرَّقي (3) بعد ذكره قولي يحيى بن معين فيه: "ثقة" و "ليس بشيء"(4) وقال أيضاً: "مضطرب الحديث ليس بشيء" وفي رواية ابن الجنيد عن ابن معين: "ضعيف الحديث. قلت: ضعيف فيما روى عن الزهري وحده؟ قال: في الزهري وغيره هو ضعيف الحديث"(5) : "وهذا الكلام من يحيى بن معين في النعمان بن راشد مختلف، فإن وافقه على أحد قوليه واحد كان القول قوله في أحدهما، وإلا فهو موقوف عن الصحيح؛ لأن الجرح أولى من التعديل"(6) .

وكذا قوله في النهاس بن قهم القيسي أبو الخطاب البصري -ضعيف (7) - حيث قال بعد أن نقل قولي ابن معين: "ليس هو بشيء" و "وليس به بأس"(8) . واستدل ابن معين بقول محمد بن أبي عدي: "لا يساوي النهاس بن قهم شيئاً".

(1) صدوق له أوهام، (خ س) التقريب رقم (5412) .

(2)

المختلف فيهم ص58-59.

(3)

صدوق سيئ الحفظ، (خت م 4) التقريب رقم (7154) .

(4)

المختلف فيهم ص70، وتاريخ ابن معين - الدوري - 2/608، والثقات لابن شاهين ص241 رقم (1476) ، والضعفاء لابن شاهين ص185 رقم (646) .

(5)

وسؤالات ابن الجنيد رقم (698) ، وإكمال تهذيب الكمال 12/59.

(6)

المختلف فيهم ص70.

(7)

ضعيف، (بخ د ت ق) التقريب رقم (7197) .

(8)

المختلف فيهم ص70، وتاريخ ابن معين - الدوري - 2/610، والضعفاء لابن شاهين ص187 رقم (658) ، والثقات لابن شاهين ص242 رقم (1484) .

ص: 37

قال ابن شاهين: "وهذا الكلام من يحيى في النهاس قد أعانه في أحد قوليه محمد بن أبي عدي، وهو أقدم من يحيى بن معين، فإذا كان معه في أحد قوليه غيره كان القول قوله في الذي أعانه عليه والله أعلم"(1) .

2-

أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي القرطبي الحافظ (ت474هـ) :

بيَّن الحافظ أبو الوليد الباجي مقصد الأئمة النقاد في ألفاظهم - ومنهم يحيى ابن معين - فقال في (باب الجرح والتعديل) : "واعلم أنه قد يقول المُعَدِّل: فلان ثقة، ولا يريد به أنه ممن يحتج بحديثه، ويقول: فلان لا بأس به، ويريد أنه يحتج بحديثه، وإنما ذلك حسب ما هو فيه ووجه السؤال له، فقد يُسأل عن الرجل الفاضل في دينه المتوسط حديثه، فيقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنه ليس من نمط من قرن به، وأنه ثقة بالإضافة إلى غيره.

وقد يُسأل عنه على غير هذا الوجه، فيقول: لا بأس به. فإذا قيل: أهو ثقة؟ قال: الثقة غير هذا.... وضرب مثالاً على ذلك بقول عبد الرحمن بن مهدي وقد سئل عن أبي خلدة - خالد بن دينار صدوق من الخامسة - أكان ثقة؟ فقال: كان خياراً، وكان مسلماً، وكان صدوقاً، الثقة شعبة وسفيان. وإنما أراد عبد الرحمن التناهي في الإمامة.... ولم يُرد أن يُبلغه مبلغ غيره ممن هو أتقن منه وأحفظ وأثبت، وذهب إلى أن يُبيّن أن درجته دون ذلك، ولذلك قال: كان خياراً، كان صدوقاً، وهذا معنى الثقة، إذا جمع الصدق والخير مع الإسلام" (2) . ثم ضرب بعض الأمثلة الأخرى على ذلك منها: "وقد

(1) المختلف فيهم ص71.

(2)

التعديل والتجريح 1/283-285.

ص: 38

روى عباس بن محمد الدوري عن ابن معين أنه قال: محمد بن إسحاق ثقة وليس بحجة، وأصل ذلك أنه سئل عنه، وعن موسى بن عبيدة الرَّبَذِي أيهما أحب إليك؟ فقال: محمد بن إسحاق ثقة وليس بحجة. فإنما ذهب إلى أنه أمثل في نفسه من موسى بن عبيدة الربذي....." (1) .

ووصف الحافظ ابن حجر كلام أبي الوليد الباجي هذا بقوله: "قاعدة جليلة فيمن اختلف النقل عن ابن معين فيه"(2) .

3-

الحافظ الزركشي (ت 794هـ) :

ومن الحفاظ وعلماء الحديث المتأخرين الذين حاولوا معرفة اختلاف أقوال النقاد المختلفة والموازنة بينها، سواء عند ابن معين أو غيره: الحافظ الزركشي (ت 794هـ) حيث قال حين شرح قول ابن الصلاح: "إذا اجتمع في شخص واحد جرح وتعديل: " فيه أمور

السادس: هذا فيما إذا تعارضا من قائلين، فأما إذا تعارضا من قائل واحد فلم أر من تعرض له، وهذا يتفق ليحيى بن معين وغيره، يُروى عنه تضعيف الرجل مرة وتوثيقه أخرى، وكذا ابن حبان يذكره في الثقات مرة ويدخله في الضعفاء أخرى.

قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في المدخل: وهذا لأنه قد يخطر على قلب المسؤول عن الرجل من حاله في الحديث وقتاً ما ينكره قلبه، فيخرج جوابه على حسب الفكرة التي في قلبه، ويخطر له ما يخالفه في وقت آخر، فيجيب عما يعرفه في الوقت عنه. قال: وليس ذلك بتناقض ولا إحالة، ولكنه صدر

(1) المصدر السابق.

(2)

بذل الماعون في فضل الطاعون ص116-117.

ص: 39

عن حالين مختلفين، عرض أحدهما في وقت والآخر في غيره". قلت: - القائل هو الزركشي - والظاهر في

هذه الحالة، أنه إن ثبت تأخر أحد القولين عن الآخر فهو المعمول به، وإلا وجب التوقف كما سبق" (1) .

4-

الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) :

نبه الحافظ ابن حجر على منهج ابن معين واختلاف أقواله في الرواة في أكثر من موضع من ذلك قوله في أبي بَلْج - بفتح أوله وسكون اللام بعدها جيم - الفزاري الكوفي ثم الواسطي (2) : "وقد وثقه يحيى بن معين والنسائي..... ونقل ابن الجوزي عن ابن معين أنه ضعفه. فإن ثبت ذلك فقد يكون سئل عنه وعمّن هو فوقه، فضعفه بالنسبة إليه. وهذه قاعدة جليلة فيمن اختلف النقل عن ابن معين فيه، نبه عليها أبو الوليد الباجي في كتابه "رجال البخاري" ويحتمل أن يكون ابن معين ضعفه من قبل رأيه، فإنه منسوب إلى التشيع. ولأجل هذا بالغ أبو إسحاق الجوزجاني فيه - كعادته في الحط على الشيعة - وتبعه أبو الفتح الأزدي...."(3) .

وعقب على ذلك الحافظ السخاوي بقوله: "وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من الاختلاف في كلام أئمة الجرح والتعديل، فينبغي لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل؛ ليتبين ما لعله خفي على كثير من الناس، وقد يكون الاختلاف للتغير في الاجتهاد"(4) .

(1) النكت على مقدمة ابن الصلاح 3/361.

(2)

صدوق ربما أخطأ (4) من الخامسة.

(3)

بذل الماعون في فضل الطاعون ص117.

(4)

فتح المغيث ص377 طبعة الأعظمي، والرفع والتكميل ص264 طبعة 1407هـ.

ص: 40

وقال في ترجمة هُدْبة بن خالد القيسي (1) : "وقرأت بخط الذهبي: قوَّاه النسائي مرة وضعفه أخرى. قلت: لعله ضعفه في شيء خاص، وقد أكثر عنه مسلم، ولم يخرج عنه البخاري سوى أحاديث يسيرة من روايته عن همام"

(2)

.

وعقب على ذلك العلامة ظفر أحمد العثماني (ت 1349هـ) بقوله: "قلت: وإذا اختلف قول الناقد في رجل فضعفه مرة وقواه أخرى، فالذي يدل عليه صنيع الحافظ أن الترجيح للتعديل، ويحمل الجرح على شيء بعينه"(3) .

وأختم هذا المبحث بقول الحافظ السخاوي:"أما إذا كانا من قائل واحد كما يتفق لابن معين وغيره من أئمة النقد، فهذا قد لا يكون تناقضاً بل نسبياً في أحدهما، أو ناشئاً عن تغير اجتهاد، وحينئذ فلا ينضبط بأمر كليٍّ، وإن قال بعض المتأخرين: إن الظاهر أن المعمول به المتأخر منهما إن علم وإلا وجب التوقف"(4) .

(1) ويقال له: هدّاب ثقة عابد (خ م د)(ت بضع وثلاثين ومائة للهجرة) .

(2)

هدى الساري ص447، وتهذيب التهذيب 11/25.

(3)

قواعد في علوم الحديث ص430، وتعقيبه رحمه الله لا يصلح قاعدة إلا بعد السبر والدراسة والموازنة - والله أعلم -.

(4)

فتح المغيث 1/308.

ص: 41